 كتب وإصدارات

قراءة في كتاب "نحن كانط" للدكتور أحمد عبد الحليم

محمود محمد عليتخيل أنك ترتدي عدسات ذات ألوانا زرقاء ماذا ستري ! بالطبع ستري كل ما حولك باللون الأزرق .. قد يكون الأمر غريباً عليك في البداية، لكن بالتدريج سيبدو الأمر طبيعياً دون أن تدري .. لكنك ستبقي تري الأمور من منظور أزرق .. هذا ما اعتقده الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (1724-1824) أن كل منا يري الأمور من منظور مختلف، وقل من يري الصورة الحقيقية .. فأنت تري ما حولك أزرقاً، وهناك آخر يري الأشياء حمراء لأنه يرتدي نظارات حمراء، وهناك آخر باللون الأصفر،وآخر باللون الأخضر .. وهكذا كانط كان يدرك أن الأفكار والقناعات تختلف من شخص إلي آخر، وأننا نخلط بين الموضوعية والشخصية لتؤول الحقيقة إلي أوهام، وهذه الأوهام مختلفة بين الأفراد والمجتمعات .. كيف لك أن تتأكد من أن ما تعرفه تقتنع به صحيح.. كانط رفض كل الأيدولوجيات السابقة .. أراد أن ننزع نظاراتنا لكي نطلع علي الحقيقة المطلقة والتي لا تقبل الشك، والتي هي حقيقية في كل زماناً ومكان .. أراد بهذه الطريقة أن نتجنب الأنانية في تصرفاتنا، ومن خلال كتاباته ورسائله، أراد أن يوصلنا إلي قناعة أن من أسوأ الطبائع هو الكذب أو استغلال الآخرين، وهي من الأمور الغير مقبولة أبداً تحت أي ظرف.

إيمانويل كانط يمثل تحدياً لكل من يدرس أعماله بسبب المنهجية المعقدة، لأنه بحث في أصعب مجال فكري، وهي الفلسفة النقدية؛ حيث يعد كانط أحد أبرز الفلاسفة الألمان خلال القرنين الثامن عشر الميلادي، وأهم وأكثر الفلاسفة إثارة للجدل في تاريخ الفلسفة الحديثة. وحتى أولئك الذين يعترضون علي هذا الرأي، فإنهم يعترضون – ضمناً – به حين يقولون إن من تساووا معه في الأهمية ليسوا سوى قلة نادرة. فلقد أحدث تأثراً عارماً في أوروبا والبلدان الناطقة بالإنجليزية على السواء. وترتفع هامة مذهبه الفلسفي كأحد الشواهق في تاريخ الفكر، وكل هذا على الرغم من أنه لم يؤلف كتبه التي تركَّزت شهرته عليها إلا بعد أن تجاوز الخمسين من عمره. فلقد نشر كتاب " نقد العقل الخالص" حين كان في السادسة والخمسين، ونشر كتاب "نقد العقل العملي " حين كان في الرابعة والستين ونقد ملكة الحكم عند بلوغه السادسة والستين، وكتاب "ميتافزيقا الأخلاق" حين كان في الثالثة والسبعين. أما كتابه الأخرى عن الأنثروبولوجيا فنشره بعد أن جاوز الرابعة والسبعين عاماً. والحق أن كانط ينفرد في ميدان البذل الفكري حيث لا نظير لأصالته الفكرية وإبداعاته.

قصدت أن أقدم هذه المقدمة عن كانط لأمهد للحديث عن تحليلي للكتاب الشيق الذي بين يدي، وهو كتاب بعنوان " نحن وكانط " للدكتور أحمد عبد الحليم عطية (ويقع في (205) صفحة من القطع الكبير)، ومن عادتي عند قراءة كتاب لا أعرف محتواه أن أخمن موضوعه من عنوانه، وغالباً ما يكون تخميني صحيحاً؛ فحسب علمي لم يكتب قبله كتاب في فن كتابة فلسفة كانط وشرح أفكارها بطريقة نقدية، وهذا واضح من خلال الإهداء الذي أهداه المؤلف للقاري العربي، والذي يقول فيه :" إلى كل من حاولوا أن: يمارسوا العقلانية والنقد. ومن تساءلوا عن حقيقة التنوير والثورة عندنا وعند كانط تحقيقا لفهم مستقبلي لهم.

وكتاب "نحن وكانط " كُتب تحت عنوانه "من النقد إلي التاريخ"، ففرحت كثيراً ظناً مني أني سأقرأ كتابا في فلسفة التاريخ التي أعشق قراءتها. ولكني إذ بدأت بقراءة الكتاب فوجئت بموضوع طريف وجديد وماتع، لم أقرأ مثيلا له من قبل.

في هذا الكتاب استطاع أحمد عبد الحليم (مع حفظ الألقاب) إيجاد كتابة فلسفية جديدة ومنظور مغاير للفلسفة المعروفة عندنا اليوم؛ الفلسفة التي يغلب عليها حتي الآن النقل والترجمة والعرض والتأريخ لقضايا وأعلام الفلسفة كما تحددت في الغرب؛ وغلب علي الأجيال من رواد الفلسفة في ثقافتنا العربية (كما يقول المؤلف) الاجتهاد في تقديم رؤي خاصة في إطار المذاهب والتيارات الفلسفية الغربية، وأصبحنا نتحدث عن الوجودية العربية والوضعية العربية والماركسية العربية .

ومن هذا المنطلق راح أحمد عبد الحليم يطرح علينا هذا العمل الذي يدور حول " نحن وكانط " إشكاليات ثلاث؛ ملحة علي مستويات متعددة؛ نظرية وواقعية، فلسفية وتاريخية؛ يطرحها المؤلف من أجل ثلاث غايات يروم لتحقيقها ويسترشد في هذا السبيل بثلاث طرق وآليات وتقنيات؛ تمثل مناهج في الرؤية العامة للوقوف علي موجات ثلاث من اللقاء بينه وبين كانط منذ بداية توجهه للفلسفة النقدية؛ وصولا إلي ما يمكن أن يعتبره برؤيته النقدية لفيلسوف النقد وهي ما أطلق عليه أحمد عبد الحليم " التأسيسية التجاوزية" وهي مفاهيم كانطية يمارسها علي قضايانا ونظرتنا لكانط ونظرة كانط لنا .

وأول الإشكاليات الثلاث كما يقول المؤلف إشكالية اصطلاحية تتعلق بالمفاهيم المستخدمة في العمل، بالإضافة للتأسيس والتجاوز، وفي مقدمتها، أو المفهوم الأساسي، مفتاح أو عنوان هذا العمل وهو مفهوم " النحن" وتحديد المقصود به ومستوياته وتنوعاته وآفاقه ومجالاته، متجاوزين (كما يؤكد المؤلف) في تحديده؛ النحن الفردي والعرقي والجغرافي وصولا إلي" النحن التاريخي الاجتماعي الحضاري"؛ الذي تتداخل فيه دوائر عدة تمثل مستويات وصور له : مصرية وعربية وإفريقية وإسلامية، وإنسانية كونية .

وحول المنهج التي يستخدمه أحمد عبد الحليم في التعامل مع تلك الإشكاليات، يمثل إشكالية معرفية لكونه يتعامل مع قضايا فلسفية وتأريخية تدور بين الشمال والجنوب، بين الشرق والغرب، وليس بين أوروبا والعرب.

ومن الإشكاليات إلي المنهج ينتقل أحمد عبد الحليم إلي تحديد الغايات التي تمثل المقصد الأسني من عمله؛ حيث تسري الأهداف التي يسعي إلي تحقيقها والتي نحاول مناقشتها في الفصول التالية؛ وهي الانتقال من تاريخ ونظريات وأعلام الفلسفة إلي التفلسف؛ فكانط في نظر أحمد عبد الحليم هو أكبر وأهم الفلاسفة في القرن الثامن عشر؛ مثله مثل هيجل في القرن التاسع عشر ونظرياته في نقد المعرفة والواجب هي قضايا نظرية أساسية، لكن ما يهم أحمد عبد الحليم هو القراءات العربية لها والتي رأي أن من واجبه أن يطبق عليها "النقد الكانطي" .

ولبيان ماذا يمكن أن يقدمه أحمد عبد الحليم لتحيين وتسكين الفلسفة في العقل والواقع العربي نجده يقول :" هنا يتجلي الهدف الثاني، والذي هو في الحقيقة الهدف الأول وهو التأكيد علي الإنسان؛ باعتباره الغاية من التفلسف والهدف؛ الذي علي الفلسفة جعله الغاية العليا ليس في الفكر، بل في الوجود . وبدلا من التقسيمات المتعددة الإنسان وتقديم الأنا، لأن الأنا هنا هو الأنا المسيطر والمهيمن معرفياُ واقتصاديا وعسكريا، لكن الأنا الذي شغلنا هنا هو الأنا الذي يعترف بوجود واختلاف الآخر. هنا نصل إلي الهدف الثالث الذي يؤكد المعاني والقيم المختلفة التي سعت إليها الفلسفة طوال تاريخها وجسدتها فلسفة كانط، وهي احترام الآخر باعتبار الإنسان غاية في ذاته . من هنا علينا تأكيد أهمية الاعتراف بالآخر والاختلاف وأهمية الحوار في سبيل تحقيق عالم واحد مشترك نحيا فيه سويا. فالحياة معا والعيش سويا يمكن أن تكون من ثمار الفلسفة الكانطية التي علينا أن نعيد قراءتها ونبحث في العلاقة التي تربطنا بها".

ثم يستطرد أحمد عبد الحليم قائلاً :" يقتضي منا ذلك عدة مناهج مثل : تحليل النص والقراءة المقارنة وشيئا من البحث التاريخي والتأويل مع العناية بالمناهج الابستمولوجية في التحليل التي قدمتها التيارات الوضعية والتحليلية والواقعية الجديدة . فإذا كانت المعرفة تقوم عند الأخيرة علي العلاقة بين الذات والموضوع، فنحن نهدف هنا الامتداد بالعلاقة المعرفية بيننا وبين الغرب وهو ما اسميناه التجاوز وهو ما يستوجب جهود عديدة من الباحثين المخلصين لتأريخهم وعصرهم قدر إخلاصهم للفلسفة وتاريخها وكانط ونقده".

وعلي ضوء النص الكانطي من جهة وتواريخ تلقينا واهتمامنا بترجمة كتاباته من جهة ثانية وتوضيح أثرها علي قضايانا وواقعنا من جهة ثالثة، فقد قسم أحمد عبد الحليم هذا العمل إلي مقدمة وستة فصول وخاتمة كل منها يحتوي علي عدة فقرات تبين المقدمة إشكالية البحث وموضوعه ومنهجه . وبدايات التعرف علي الفلسفة الكانطية وترجمات أعماله وما لم يترجم منها، وطرح الفصل الاول إشكالية هذا العمل تحت عنوان من التلقي إلي اللقاء لمناقشة كيفية فهم أحمد عبد الحليم للتعامل علي ثقافتنا والفلسفة الكانطية .

وخصص أحمد عبد الحليم الفصل الثاني للنص الكانطي في العربية والثالث من النقد إلي التنوير؛ حيث حللنا فيه القراءات العقلانية النقدية، التي تمثل موقف كانط من الميتافيزيقا ويلي ذلك القراءات العربية للأخلاق الكانطية مناقشا المؤلف من تمثلوا هذه الأخلاق ومن انتقدوها ومن ربطوا بينها وبين العربية والإسلام.

وفي الفصل الرابع تناول أحمد عبد الحليم القراءات والتأويلات المختلفة لمفهوم التنوير أحد أهم المفاهيم الأساسية عند كانط عبر وضعه في المقابل مع التنوير عند أبي حامد الغزالي أو من ربط بينه وبين التأويل عند أبي الوليد بن رشد، ومن رفض ذلك أو قارن بينه، وبين الإصلاح عند الإمام محمد عبده أو من ربط بينهما وبين الاستعمار .

ثم ينتقل المؤلف في الفصول الخامس والسادس إلي الإشكاليتين الأكثر أهمية اللتان مثلتا في نظره مرحلة أكثر تطورا في العلاقة مع النص الكانطي للحديث عن الدين والسياسة أو القراءات العربية للدين عند كانط في الفصل الخامس والذي دار علي كانط والإسلام .

وناقش أحمد عبد الحليم ذلك من زوايا متعددة، حيث أوضح فيها صراع التأويلات بين القراءات الغربية لهذه المسألة والقراءات لها . وهو نفس ما قام به في الفصل السادس والأخير والذي تناول فيه الدراسات العربية للسلام العالمي عند كانط، وكذلك القراءات التي وجدت في الفلسفة السياسية والأخلاقية عنده، عونا علي الطائفية وتأييد للديمقراطية وبابا للعولمة ووسيلة لتصحيح مسار الصراع العربي الإسرائيلي وكشف انحيازات الغرب ضد الشرق وعلي امتداد عمل أحمد عبد الحليم ساعيا بشكل رائع للتعقيب علي كل فصل وربما كل فقرة .

وفي نهاية حديثي لا أملك إلا أن أقول بأن هذه المقالة ليست قراءة في كتاب (نحن وكانط)، ولا عرض لمحتوياته، إذ إن ذلك يتطلب مقالات عديدة، وإنما هي تحية للمؤلف أحمد عبد الحليم، الذي قدّم للمكتبة المصرية (والعربية أيضاً) هذا المصدر المبتكر والأصيل؛ ومن ثم يبقى هذا الكتاب مبتكراً جديداً في موضوعه وطريفاً ممتعاً للقارئ والكاتب على السواء.

ويسرني في نهاية المقال أن أبارك للأستاذ الدكتور أحمد عبد الحليم تأسيسه لموضوع جديد يهم الكاتب والمؤلف؛ خاصة وأنه يعد بحق قامة فلسفية وإبداعية في ساحة الفكر والثقافة المصرية والعربية، فقد استطاع بفكره أن يخصص له مساحة واسعة لنشر أفكاره والمتتبع لكتاباته الأخيرة يقف على أن عبد الحليم مفكرا، مُنَظِّرًا وناقدًا في نفس الوقت فقد ارتكزت أبحاثه على قراءة الفكر الغربي في ثنايا فكرنا العربي المعاصر؛ وذلك من أجل تحرير العقل البشري من دوجماطيقية التقليد، علاوة علي تسليطه الضوء على كثير من القضايا الفلسفية التي نالت حظاً من النقاش لدى النخبة المثقفة (سواء في مصر أو الوطن العربي) متخذاً في ذلك مساراً جديداً في عالم الفكر والإستبصار .

فتحية طيبة للدكتور أحمد عبد الحليم الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام والذي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5198 المصادف: 2020-11-28 02:15:58