 كتب وإصدارات

الضّحك المرّ.. عزف على أوتار دبدوبة

هيام قبلانللأديبة فاطمة ذياب

من "مذكرات دبدوبة" في زاوية صحيفة الصّنارة، من عمل مشترك لصديقتين وزاويتين، واحدة ثمثّلها دبدوبة، والأخرى" على أجنحة الفراش"، تكتمل اليوم الأدوار وتتلاقح لتلتقي لتفريغ خوابي العمر من لواعجها في أتون اللحظة.

" دبدوبة" الشخصية التي اتّخذتها الأديبة فاطمة ذياب لتسقط عليها واقعا مريرا لمجتمع بأكمله، دبدوبة التي تمثّلنا: أنا وأنت، هي وهو، ثمثّل الذّات التي بداخلنا بنزعاتها وتقلباتها بفرحها وبؤسها، بضعفها وعنفوانها، هي الذات الجماعية التي تشدّنا الى الواقع الذي نعيشه ونعود اليه بعد تحليقنا في عالم من الكمال.

لست بمعالجة نفسية ولا بمصلحة اجتماعية ولا بناقدة أدبية، لكنني أحاول أن أغوص في لجّة النصوص وعوالم من جمال ومن قبح من أزمات ومن ضحك للدنيا وعليها، فاطمة التي بدورها تتقمّص شخصية " دبدوبة" وتسهّل لفاطمة الأديبة عملية اطلاق السّهام وخوض المعارك مع المجتمع فتطرح أمامنا مواضيع واردة في الذّهن ومترسّخة بداخله ونعرفها جيدا لكننا نتحاشاها ونعمى عنها كي لا نشوّه الحياة بعزف على وتر متحشرج من أصابع دبدوبة .

تدور نصوص فاطمة حول مواضيع هامة: كالتابو الاجتماعي،والازدواجية في الشخصية العربية،والبحث عن الذات والتحليق،تتطرّق أيضا لمعاناة المرأة والكبت والمقاومة والاصرار، للصراع الداخلي بين الشخصيات،لرسائل من كلمات خاصة في زمن خاص والى الرحلة الصعبة.

لغة الكاتبة: لغة فاطمة لا تخلو من السخرية والتهكم، أدخلت اللغة العامية في الحوار حيث جمعت بين العامية والفصحى،لغة السّرد جميلة ومشوّقة وخالية من التعقيد أي لغة غير مركّبة،أدخلت الأمثال الشعبية في أماكن مناسبة للموضوع،في لغتها وظّفت "الرّمز" بتوفيق مع تداخل الصوتين لشخصية فاطمة الأديبة ودبدوبة بطلة معظم النّصوص وباختصار اللغة سهلة ومقروءة.

وبعزف على أوتار" دبدوبة " نضحك في معظم النّصوص لمشاهد ومواقف مضحكة حتى المرارة والوجع .. سوف أختار من بين النصوص ما يليق بهذا الضّحك المرّ، وما يليق بعزف دبدوبة الشخصية " المجنونة والعبقرية " في اّن واحد والتي تحاول اخراج الأسرار الدفينة من الذات الصغرى والتي يحملها كلّ واحد منا، ففي كلّ فرد سرّ نحاول اسقاطه على الاّخر لغاية انفجار أنبوب التفكير الذّهني فتخرج شرارات الكبت والغضب وتتلاشى كدخان يتصاعد من بعيد.

من خلال دبدوبة في " ندّاهة الليل " ص88: البحث عن الذات المتصدّعة والاصرار رغم الثقوب التي بحاجة لترتيق تقول:ما زلت أبحث عن تلك الذات،، قد يمضي العمر ولا أجدها ولا تجدني ومع هذا سأظلّ أحاول..! اذا الاصرار موجود لشقّ دروب مضيئة وسط ظلام الليل الدامس وبخطوات ربما تكون وئيدة لكنها تحتاج للصبر والتخطيط ..وكأني بها الكائن الثائر من أجل ما سيكون، وما النّداهة سوى السلطة العليا التي تسلبنا الارادة وتحوّلنا الى ضحايا.." ندّاهة الليل" تذكّرنا بحكايات الجدات وتخويف الأطفال من الشبح والذئب والغول ..وذات يوم حين غابت عن وعيّنا هذه النّصوص الخرافيّة أصبحنا نبحث عن ندّاهة ليل أخرى وربما مختلفة نراها في شبح امرأة عائدة بثوب جديد وكما تقول فاطمة:" أعاد الغرب تفاصيلها وعلّمها الديموقراطية والحرية والعدالة، لكنها وظّفت قوتها بالصّراخ وسلب العقول والارادة"، وفي هذه الرمزية في النص"بعد سياسي" يوم أرسلت هذه المرأة النّداهة الى العراق فتحوّل الجميع بتأثير من تنويم مغناطيسيّ الى نيام وأما راعي الأبقار فله الحق بوضع الدستور والفيتو ممنوع لا جدال عليه ولا نقاش وعلى كلّ الأمم أن تبصم للنّداهة بعشرة أصابع .

وفي لحظة غرور بين (ليلى والذئب) توظّف الكاتبة من الأساليب الفنيّة ، الرّمز والاسقاط،والتشخيص،والتحوير، وفي نص ليلى والذئب تجري حوارا بين ليلى وجدّتها بلسان دبدوبة وبتحوير لقصة (ليلى والذئب) الواردة في أدب الأطفال الى قصة ساخرة بأسلوب تهكميّ يحتاج منا للتفكير وحلّ للغز العلاقة ما بين (الطنجرة والمغرفة) في النّص:

تقول دبدوبة: يخلف عليكم يا دار أبو طنجرة

صاحت الجارة:أنا من دار أبو طنجرة ؟ ما هذا الهراء؟

دبدوبة: (اللّي في الطنجرة بتطلعه المغرفه)

الجارة: لا أفهم علاقة الطنجرة والمغرفة بي ! 

دبدوبة: انتبهي انّها علاقة القلم بالذات، يعني علاقتك بي كذلك

والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا اختارت الأديبة قصة ليلى والذئب كمحور أساسي لحلّ اللغز ومن خلال حوار بلسان ليلى بين الجدة الكاتبة وليلى الدبدوبة وتصلان الى حلّ، وأنّ هناك علاقة أكيدة بين القلم والذات الكاتبة التي هي كما نرى " دبدوبة" بلسانها السليط ونظرتها الثاقبة وأبعادها التي تراها من ثقب ابرة؟ اذن هذا القلم الساخر يملك الخيال في طرح حالات هادفة فيكتشف القارىء أنّ دبدوبة ليست المرأة المترهلة ولا العمياء ولا اللاهثة وراء المظاهر الخارجيّة بل هي الدبدوبة التي تستطيع صنع المستحيل لتصل لهدفها دون مساحيق ولا أقنعة، ومن هنا أنتقل الى نصّ كنموذج ساخر بنقد من عينيّ دبدوبةعن التملّق والمحاباة بين الحماة والكنّة بعنوان (يا كنينة الزينات يا كنينتي)ص26:

قالت دبدوبة: هل سمعت موّال الحماة والكنّة؟

قلت: هاتي يا دبدوبة من الاّخر.

قالت: كان وحداني لأمه، وأمّه بدها تجوزه بنت أختها، بسّ الولد كان يحبّ غيرها من قبيلة ثانية،ويوم ما حبّ الولد يصارح أمه

وقال: يا ميمتي طالع طريق الجبل، صيّاد يا أمّي واصطاد لك حجل، وأجيب لك عبلة بنت أمير العرب .

ردّت: يا ميمتي، أريدك ولا أريدها، أفتح البابين وأغلق لها.

وصار المدلل يوصف محاسن عبلة لأمه

قال: يا ميمتي لو تشوفي عيون لها، طفح الفنجان عيونها، يا ميمتي لو تشوفي عنقها عنق الغزلان عنقها، يا ميمتي لو تشوفي بياضها، بياض الجبينه بياضها. وظلّ الابن يعدّد محاسن عبلة، والأم مصرّة على موقفها: أريدك ما أريدها، أفتح البابين أغلق لها.

تنصت دبدوبة عن الكلام المباح وأستحثّها قائلة: وماذا بعد؟

قالت: لا قبل ولا بعد، قلب العاشق ما برد، لا على أمّ ولا على جدّ. الولد طاروحطّ في ديار عبلة، قعد كم شهر في ديار العروس، خطبها وعقد عقده عليها، وجهّزها ورجع بها على ظهر الفرس. ولمّا الأم عرفت بالخبر،أكلت حالها وقالت: يا حسرتي، حسّ الفرس همهمت كنّو جابها المقصوف الي،واجت؟ ولمّا ابنها قرّب على ديرتها، قامت الحماة ترقص وتقول: يا كنينة الزّينات / وأنا اللي نقيتك على عوينتي..! بسّ العروس كانت أحدق من الحماة ردّت عليها:ولك يا عجوز السّو بتكذبي / مقصّ شيبك في جيبتي/لقصّ شيبك مع شوارب ابنك!

قلت لدبدوبة: هذا كان زمان ماذا عن جيل اليوم؟

قالت:الحال من بعضه، واللي بسلّف السّبت بلاقي الأحد قدامه.

قلت: ( كنّة القوم بنتهم، وبنتهم غريبة)

قالت: اسكتي (مكتوب على باب الجنّة عمر حماة ما حبّت كنّة).

قلت: من وصل باب الجنّة وقرأ هالمثل يرفع اصبعه؟

رفعت دبدوبة اصبعها وقال: أنا.

أستمر باقتباس من النماذج الساخرة: فاطمة حتى بكتاباتها السياسية تسخر من الوعود الكاذبة والشعارات الرنانة والفوارق الطبقية واقدام المرأة لترشيح نفسها للمجلس أو البرلمان، وتطالب بالحرية والعدالة والعيش الكريم، في نص( مطلوب حالا ص220 ) تخرجنا من همنا الفردي الى الجماعي تقول: " مطلوب نوّاحة عربية، ومصنع لمناديل ورقيّة،وباحشي قبور، وربطات عنق،وجنازة رسميّة لتشييع جثمان أحلام النّساء اللواتي قضين في معارك الجهاد وحرثن الأرض بالطول والعرض كي لا يسقط واحد من فوق.. لكن نبض الشّارع يسأل: ماذا أعددتم يا سادة لمواجهة الفقر والجوع والبطالة؟ نحن نرفض أن نظلّ مجرّد أرقام في ملفات التأمين وفي تقارير عميد بنك اسرائيل وملفات أعضاء البرلمان، فلقمة العيش على رأس سلّم أولوياتنا !

نبض الشارع يقول: " نريد من ينزل الينا، على الأقل أعطوهم سحسليّه لزجه ليهبطوا الينا ".

ومن السّخرية الى الجديّة المفعمة بالمشاعر النبيلة والألم وبوخز الخاصرة والفؤاد .. لم تنس الكاتبة شاعرة فلسطين الأولى الشاعرة فدوى طوقان رحمها الله .. حيث خصّصت لها حيّزا محترما في الكتاب والمفارقة الصّعبة: نبذة عن حياة الشاعرة وأعمالها، جزء من كلمات خاصة في زمن خاص جدا وذلك من خلال رسالة وجّهتها لفدوى بصدد رحيلها ووقوفها أمام " الباب المغلق" وبضمير " نحن" تقول: نكتب أشعارنا حروفنا أوجاعنا/في رحلة ( جبلية صعبة) والرحلة الأصعب أن نعزف اللّحن الأخير ذكرى/ وذكرى ضحية أخرى... وتتطرّق فاطمة لحكاية صغيرة وجّهتها لابراهيم طوقان وبأسلوب راق جميل وحكاية صغيرة عبارة عن (فلّة ونظرة) من ابن الجيران لفدوى، نظرة محمّلة بالخطيئة لتتحوّل الفلّة وأضيف الفلّة المحرّمة الى قيد وسجن وقرارصعب والأصعب" لن تخرجي من البيت الّا الى القبر" وتضيف: " ان كان لا بدّ من القيد فتعالي فدوى أعلمك الانتحار على مذبح الشّعر كي تولد في هذا الوطن شاعرة /وترنو فدوى ونرنو معها/" أن يصير الحبّ هو الدّنيا / أن يصير الحبّ هو الرؤيا / أن يصير الحبّ هو الدّرب ".

الخاتمة: وفي رساله من فاطمة (الى فيروز الكرمل) بردّ  منها

على مقال بقلم (هيام مصطفى قبلان) نشر لها في ملحق سوا في صحيفة الصنارة وبعنوان (فلتكن اللعبة خطيرة)  تقول فاطمة بردّها: "هي الدّنيا نضحك لها وتضحك معنا، لحظة من عمر الحزن والأحزان، نعاود اعتصار القلوب، ونقش الجراح، والوجع يسكننا حتى اّخر دمعة نسكبها ليس فقط خلف المرايا الحزينة بل على الورق في رحلتنا الأسبوعية معا حتى تلتئم الجراح وتندمل " .

أتوقّف هنا لأقول لك يا رفيقة الدّرب (الضّحك المرّ) كالفرح اليابس تحت اللسان..انّه العزف على أوتار دبدوبة وعلى وتر كلّ واحد منّا.هذا الصراع  ما بين غربة الذات والمكان وما بين الموت والحياة أنبت في حديقتك بذرة ملتحمة بالأرض والوطن،يتصاعد لحنها الحزين ويرتفع كما الروح المغادرة جسدها والمتعلّقة بقلادة الرّب، بحبل النجاة تواجهين الواقع بمعاهدة صغرى دون خوف ودون سلاح تخرجين من ذاكرة الغبار ومن تاريخ ضاق به التاريخ وناءت به السّفن ومن ذات مقموعة يربض لها الماضي كالوحش في الزاوية.يا صديقتي نلت رضا "دبدوبة" فبكيتما وتشاكيتما، تقاسمتما رغيف الشّعر والأدب، فلتبقى دبدوبة تلامس الوتر وتعزف لحن الحبّ والحياة، والحريّة، عساها تطهّر النفوس من شوائبها.

 

مداخلة: هيام مصطفى قبلان

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5278 المصادف: 2021-02-16 01:11:07


Share on Myspace