 كتب وإصدارات

دانيليفسكي وقوانين صيرورة الانماط التاريخية الثقافية (3)

ميثم الجنابيإن تاريخ نشوء وتطور واستتباب النمط التاريخي الثقافي (الحضارة) يتوقف على قاعدته الأولية ألا وهي صيرورة الدولة القومية ووحدتها السياسية والإثنية وضرورة الاستقلال السياسي. كل ذلك يبرهن على استحالة قيام حضارة وتطورها بدون استقلال سياسي. وإذا كان بإمكان الحضارة أن تعيش بدون هذا الاستقلال، فإن ذلك لن يحدث إلا لفترة محدودة كما جرى ذلك بالنسبة لليونان. ومع ذلك فهي مجرد ظاهرة استثنائية في كل المسار التاريخي. والسبب القائم وراء ذلك هو هيمنة النظام العبودي، الذي أعاق تطور الأفراد. وخارج اطار السلالات السامية والآرية، استطاعت السلالة الحامية (المصرية) والصينية تأسيس أنماط تاريخية ثقافية لها أصالتها الخاصة، كما يقول دانيليفسكي.

إن هذه الأحكام الدقيقة من حيث مضمونها تكشف أيضا عن أن دانيليفسكي لم يتحرر من أثر التقسيمات الأوربية للغات وأشكالها الدينية المستقاة من التوراة. رغم انتقاده العميق بل والمرير لمناهج الفكرة الأوربية. لاسيما وانه تقسيم أسطوري وديني من حيث مقوماته. ومن ثم يتعارض من حيث الجوهر مع ما سعى إليه من تقييم رفيع لكل من الحضارة الصينية والمصرية. بينما يعادل معنى حام والحامية في الديانة اليهودية والنصرانية المأخوذة منها، المعنى السلبي التام.

وما عدا ذلك لم تستطع أي من القبائل والشعوب الأخرى إرساء أسس حضارات أصلية. ولكل منها اسبابه الخاصة. لكنها تشترك في عدم استطاعتها الانتقال الفعلي إلى عالم الحضارة كما هو الحال بالنسبة للكلتيين والفنلنديين، والعرق الأسود (الإفريقي) وكذلك المغول والأتراك. ولكل منهم سببه الخاص الذي أعاق إمكانية الانتقال من حالة الوحشية والبداوة إلى حالة الحضارة. فبعضها لم تتكامل صيرورته السياسية المستقلة، وبعضها بقي بحالة وهيئة المادة الإثنية، وآخرون بقوا ضمن حالة الاستعداد على لعب دور العناصر التاريخية المدمرة.

أما القانون الثالث للتطور التاريخي الثقافي والقائل، بأن بداية الوجود الحضاري لا يمكنه أن يكون نسخة أو نقل تقليدي صرف لمن سبقه أو يعاصره. وبالتالي، يتطلب المزيد من الدراسة والتوضيح التفصيلي، كما يقول دانيليفسكي. والسبب الأساسي لذلك يقوم في قلة المعلومات الدقيقة التي بحوزتنا عن الأنماط التاريخية الثقافية لكل من مصر والصين والهند وإيران وآشور وبابل. وبالتالي يصعب الكشف عن الأحداث ونقدها انطلاقا من تاريخ هذه الحضارات نفسها. لكن النتائج التي أدى إليها هذا التاريخ تؤكد مضمون القانون الثالث. بمعنى، أن كل منهم هو كيان ثقافي مستقل وقائم بحد ذاته. إذ لا نعثر على شعب غير الشعب المصري من يدين بالثقافة المصرية. بينما اقتصرت الحضارة الهندية على الشعوب الناطقة باللغات ذات الجذور السنسكريتية. في حين يعود الفينيقيون والقرطاجيون إلى النمط الثقافي السامي القديم. فقد كان الفينيقيون ينتمون إلى نفس الجذر البابلي، بينما كانت قرطاجة مستعمرة فينيقية. في حين لم تنقل قرطاجة حضارتها إلى الأفارقة. أما الحضارة الصينية فشائعة بين الصينيين واليابانيين فقط. أما العبرانيون اليهود فلم ينقلوا ثقافتهم إلى أي من الأمم التي أحاطت بهم أو ممن عاشوا معهم في نفس الوقت. وطبق دانيليفسكي هذا الموقف التحليلي النقدي على البقية الباقية من الحضارات التاريخية من اجل كشف مضمون هذا القانون.

ومع ذلك يكشف الواقع والتاريخ عن أن خطط نشر الحضارة (الإغريقية) غير قابلة للتطبيق مقارنة بخطط الغزو التي نجحت لبعض الوقت. ونفس الشيء يمكن قوله عن الحضارة اللاتينية. ففيها أيضا نلاحظ فشل النقل لأنه لم يؤدي إلى شيئ باستثناء العقم. بينما نحصل على نتائج معاكسة تماما حينما بقت المبادئ الرومانية الأصيلة. أما الولاء لبدايات نظام الدولة القومية فقد جعل من روما أقوى سلطة سياسية من كل ما كان موجوداً.

وهنا يظهر السؤال المتعلق بماهية ونوعية الانتقال الحضاري أو مستوى ونوعية تأثيره، وهل أن نتاج الثقافات التاريخية معزول بشكل تام بحيث تنتفي أية إمكانية للتأثير المتبادل. ومن ثم هل يعني ذلك بأن الأنماط التاريخية الثقافية محكوم عليها دوما بالانعزال والغربة؟ وقد كانت اجابة دانيليفسكي بالسلب. فالحضارات المتتالية لها افضلية على الحضارات المنعزلة. ولكن ما هو الأسلوب الذي يجري من خلاله استخلاف الأنماط التاريخية الثقافية؟ إن إجابة دانيليفسكي على هذا السؤال تقوم في توكيدها على أن التاريخ يبرهن على أن الحضارة لا تنتقل من نمط تاريخي ثقافي إلى آخر. لكن ذلك لا ينفي التأثير المتبادل بين الحضارات. ومع ذلك يبقى هذا التأثير جزئيا. ومن ثم لا يرتقي إلى مصاف الانتقال الثقافي. وللانتقال مستويات ونماذج، أولها الانتقال عبر الاستعمار التام كما كان الحال بالنسبة للفينيقيين بنقل حضارتهم إلى قرطاجة، والإغريق إلى إيطاليا وصقلية، وبريطانيا إلى أمريكا الشمالية وأستراليا. وإذا كان بالإمكان تصور حضارة إنسانية عالمية في مكان وزمان ما فمن الواضح أن من مصلحتها استخدام طريقة الانتشار بالشكل الذي يقضي على الشعوب الأخرى، باستثناء أولئك الذين طوروا هذه الحضارة الإنسانية العالمية. أما الشكل الآخر من أشكال انتشار الحضارة فهو التطعيم، الذي عادة ما يجري من خلاله فهم انتشار الحضارة. فقد كانت الإسكندرية، كما يقول دانيليفسكي، مثل قطعة يونانية أو بقعة على شجرة مصرية. أما الحصيلة التي يمكن التوصل إليها فتقوم في أن التطعيم لا ينفع المطَّعم لا بالمعنى الفسلجي ولا بالمعنى التاريخي الثقافي. غير أن دانيليفسكي كان في الوقت نفسه إلى جانب إمكانية الاستفادة من استنتاجات وأساليب العلوم الطبيعية وتحسين الصناعة وتطوير الفنون. وما عدا ذلك فلا يصلح للتطبيق العملي من معارف وتجارب الآخرين. والسبب يكمن في أن حلول الحضارات الواقعية والفعلية لمشاكلها الفكرية والروحية والاجتماعية وأمثالها تبقى جزءا من تجاربها الخاصة. بمعنى أن هذه الحلول لا تصلح للآخرين لأنها من أصل آخر. ومن ثم لها حدودها. وهي حدود تكمن في القانون الخامس، الذي بلوره دانيليفسكي، عن أن لكل حضارة أمدها الخاص. ومن ثم فهي عرضة للزوال بحكم الضرورة. فهي تشبه النتاج الطبيعي لوجود الأحياء. إنها تمر بمرحلة طويلة من الصيرورة لكي تتكامل وتكون مستعدة للإنتاج والإثمار. وهذه الحالة الأخيرة هي مرحلة نهايتها المبدعة. وبمعايير الزمن هي أقصر من زمن الصيرورة الأولية. وهي المرحلة التي تكشف عما في هذه النمط التاريخي الثقافي من خصوصية تجد انعكاسها في كافة ميادين الإبداع المادي والروحي. ففيها يظهر، كما يقول دانيليفسكي، نشاطها الروحي بشكل جلي في جميع المجالات التي تستجيب لما في طبيعتها، ليس فقط تجاه العلوم والفنون بل وتجاه التنفيذ العملي لمثلها العليا عن الحقيقة، والحرية، ونظام الحياة الاجتماعية، والرفاهية الشخصية وما إلى ذلك. وشأن كل حالة من هذا القبيل، فإن النهاية الحتمية تقوم في جفاف النشاط المبدع لهذا النمط الثقافي أو الحضارة. وليس المقصود بالجفاف هنا سوى الحالة التي يقف أمامها الإبداع التاريخي باعتبار أن ما جرى بلوغه هو الغاية القصوى، أو أن ما توصلوا إليه لا يخلو من تناقضات لا تحصى شأن كل ما هو عند الآخرين. وبغض النظر عن كل ما يمكن بلورته بين أتباع هذا النمط من تفسير وتأويل لما جرى، فإن النهاية هي هي: الاندثار من مسرح التاريخ. وسواء جرى ذلك بفعل أسباب داخلية أو قوة خارجية، فإن النتيجة الجلية تقوم في أن شعوب هذا النمط التاريخي الثقافي تعود مرة أخرى إلى الشكل الإثنوغرافي البدائي للحياة، والذي يمكن أن تنشأ منه حياة تاريخية جديدة. بمعنى التحلل والاندثار في صيرورة التاريخ الثقافي.

فبلوغ الكمال في هذا النمط التاريخي الثقافي أو ذاك عادة ما يتجسد في نمط ثقافي غالب، مثل النمط الجمالي والفلسفي عند اليونان، أو الصناعي عند الصينيين، أو الديني عند الساميين وما شابه ذلك1 . بمعنى أن انتهاء الإبداع التاريخي للنمط الثقافي المعين، ومن ثم تحلل ما فيه، عادة ما يشكل نقطة الانطلاق سواء المدركة بمعايير التجارب الموازية أو الرؤية الحسية المباشرة، أو بفعل الإبداع الذاتي الخالص. وسبب ذلك يقوم في أن حركة التقدم إلى الأمام في حياة البشرية، كما يقول دانيليفسكي، لا تتوقف. إذ حالما يجري بلوغ الكمال في مجال معين، حينذاك تبدأ حركة المسار الثقافي في طريق آخر. وعادة ما يلازم ذلك دخول سمات ذهنية وعقلية ومشاعر وإرادة أخرى في ميدان النشاط، والتي لا تمتلكها إلا شعوب من نمط تاريخي ثقافي آخر. والمقصود بذلك، حسب دانيليفسكي، إن التقدم لا يجري في اتجاه واحد، وإلا لتوقف بعد فترة بالضرورة. بل المقصود هو الانطلاق من حصيلة النشاط التاريخي للبشرية ككل صوب اتجاهات أخرى.

ووضع هذه الحصيلة في استنتاج يقول، بأنه لا يمكن لأية حضارة أن تفتخر بأنها تمثل ذروة النمو والتطور في جميع الجوانب مقارنة بمن سبقها أو بمن يعاصرها. ففكرة الجمال عند الإغريق قد بلغت ذروة الكمال، في حين لم تنتج الحضارة الأوروبية الحديثة شيئا يمكنه التفوق على الإغريق بهذا الصدد. بينما سارت شعوب النمط الثقافي الأوروبي باتجاه الدراسة التحليلية للطبيعة، واستطاعوا إرساء العلوم الإيجابية بشكل لم تستطعه أية حضارة أخرى سابقة. ومع ذلك، ليس المقصود من وراء ذلك القول، بأن المواهب الروحية للشعوب عادة ما تتمثل بجانب واحد فقط. كما لا يعني ذلك أن كل منها يحقق جانبا واحدا فقط في الحياة مثل القول، بأن الإغريق كانوا يمارسون الأناقة والجمال، وأن الأوروبيون لديهم العلوم الدقيقة فقط. إن الحديث هنا يشير فقط إلى ما هو جوهري وأولي وخاص في الإبداع التاريخي لهذا النمط الثقافي أو ذاك. وهو مرتبط بخصوصية البداية الأولية أو حصيلة المبادئ الأولية المتراكمة في وعيها وشخصيتها، والتي تصنع لاحقا نمطها الثقافي الخاص2 . فالانتقال من الحالة الإثنوغرافية إلى الدولة، ومن الدولة إلى الحالة الحضارية أو الثقافية يحدث بأثر دفعة أو سلسلة من الدوافع الخارجية التي تستثير وتحفِّز نشاط البشر باتجاه معين. فقد شكل غزو هيراقليدس بداية تشكيل الدول اليونانية. أما التعرف على الحكمة الشرقية وانتهاءً بالحروب مع الفرس فقد أدى إلى استثارة الروح الشعبي صوب دخول اليونان في مرحلة الحضارة. ونفس الشيء بالنسبة لروما. إننا لا نعرف الأسس الأولية للدول الإيطالية القديمة وصراعها المتبادل، وكذلك كيفية هيمنة الأرستقراطية على الفئات الشعبية التي أدت إلى سيطرة روما. إلا أن الحروب البونيقية والتعرف على اليونان قد استثارا الروح الشعبية ومن ثم دفعها صوب عالم الحضارة3 . أما اصطدام الشعوب الجرمانية بروما فقد أدى إلى خروج الجرمان من الحالة الإثنوغرافية. وما قبل ذلك يمكن قوله عن بابل وآشور وفينيقيا وغيرها. وهذه بدورها عملية معقدة وشائكة ومتداخلة تحتوي على حالات التقدم والانتكاس والرجوع من جديد. وتأخذ ازمان مختلفة. إضافة لذلك ليس جميع الأنماط الثقافية تمكنت من المرور عبر جميع مراحل هذا التطور. إذ يحدث أن تتعرض للتدمير من قبل عواصف خارجية أو بسبب قلة المخزون الاحتياطي الذي جرى جمعه بحيث لم يعد كافيا للنمو الكامل.

وتوصل دانيليفسكي بأثر هذه القوانين وجوهريتها بالنسبة لنشوء وتطور وزوال الأنماط التاريخية الثقافية إلى أن تطور البشرية لم يستمر حتى الآن إلا من خلال الأنماط التاريخية الثقافية الأصيلة وبما يتوافق ويستجيب لمساعي التجمعات الكبرى. ومن ثم لا يمكنها أن تجري بطريقة أخرى.

إن هذه الصيغة الحادة بل والحتمية التي تواجه صيرورة وتكوّن الأنماط التاريخية الثقافية (الحضارة) وزوالها، تحتوي في منظومة دانيليفسكي على بعد "متفائل" آخر يقوم في المعنى الذي ضمّنه في فكرته عن إمكانية واحتمال بل وحتمية صعود النمط التاريخي الثقافي السلافي بشكل عام والروسي بشكل خاص، في مواجهة النمط التاريخي الثقافي الأوربي (الرومي- الجرماني، أو اللاتيني - الجرماني) الآيل للسقوط والزوال. (يتبع...).

 

ا. د. ميثم الجنابي

....................

1- نعثر في هذا التصنيف على صدى المواقف الأوربية الأولية عن تقسيم ذهنية الشعوب والأمم بما يستجيب لنمطية الشرق والغرب، بحيث جعلوا من الشرق عالم الدين والخرافة وما شابه ذلك. ولاحقا يجري تخصيصها بعالم "الساميين"، أي أنهم يمثلون الفكرة الدينية والوعي الديني، وانه ابداعهم الوحيد في معارضة العلم والمنطق المميز لأوربا، وما شابه ذلك من أحكام ساذجة وسطحية ولا تخلو من غباء متبجح بخرافاته.

2- هناك اسباب جوهرية عميقة تكمن في ما اطلقت عليه الثقافة الإسلامية الكلاسيكية عبارة "طبائع الأمم"، أو ما يطلق عليه اليوم خصوصيات الأمم أو أرواحها، أو ما يطلق عليه دانيليفسكي مصطلح النمط التاريخي الثقافي. فقد كان مضمون الفكرة التي بلورتها التقاليد الإسلامية الفكرية الرفيعة تقوم في تعبيرها عن النفس الثقافية الإسلامية أو الروح الثقافي الإسلامي أو العقل الثقافي التاريخي. انها استنبطت فكرتها عن طبائع الأمم وتمايزها بمعايير الموقف الثقافي والفكرة الثقافية. ومن ثم كشفت عن فضائلها، وليس مجرد مجموع خصالها. إنها ركزت على الدور أو القوة الفاعلة في إبداع الأمم وشخصياتها. وقد سار دانيليفسكي من حيث الجوهر ضمن هذا المسار أو هذا السياق. وله الأولية في الثقافة الروسية من خلال تحويل الفكرة الفلسفية إلى أيديولوجية سياسية عميقة المحتوى وإستراتيجية الرؤية، كما أن له الأولوية في الثقافة الفلسفية الأوربية عن الثقافة والحضارة ومسارهما التاريخي. والسبب الأساسي لذلك يقوم في أن المبدأ الجوهري بالنسبة لدانيليفسكي هو الفكرة الروسية الوطنية أو القومية الثقافية السلافية. فقد كشف التاريخ الثقافي نفسه، والذي كان محور وحافز اهتمام دانيليفسكي، عن القيمة النظرية والفكرية والفلسفية والثقافية والسياسية لكتابه (روسيا وأوربا). ولعل قيمته الحيوية لحد الآن تقوم في كونه احد الأعمال النظرية النقدية الكبرى التي ابرزت خفايا وكمون الفكرة السياسية في الرؤية الثقافية والحضارية للأمم. ومن الممكن رؤية هذه الفكرة الجوهرية في العنوان الإضافي للكتاب نفسه بعبارة ("نظرة على المواقف الثقافية والسياسية للعالم السلافي تجاه العالم الجرماني الرومي").

3- الحروب البونيقية هي سلسلة الحروب الثلاث التي دارت بين قرطاجة وروما. والاسم مأخوذ من اللفظ الرومي لقرطاجة (بونيقي). وقد كانت هذه الحروب الدامية والعنيفة، التي جرى تأويل مسارها ونتائجها التاريخية بأشكال مختلفة ومتنوعة. لكنها كانت تجري اساسا من اجل الهيمنة في حوض البحر المتوسط. فقد كان البحر المتوسط البحيرة التي تشكلت وتراكمت فيها وحولها مسار دول الحضارات الكبرى. بدأ من مصر وفارس وسوريا (الكنعانية) ومصر واليونان وقرطاجة وروما. لقد كانت الحروب بينها جزء من هذا المسار المعقد والمرتبط بالدولة ومساعيها للهيمنة آنذاك بوصفه احد الشروط الأساسية للحصول على الثروة والازدهار المادي والمعنوي. وقد كانت الحروب البونيقية تتمثل ما يمكن دعوته بتقاليد الصراع بين شمال وجنوب البحر المتوسط. وهي حروب كانت تسعى للهيمنة ومن خلالها أو معها للتوحيد السياسي والثقافي. وقد كانت الحروب دولا. وبغض النظر عن الاختلاف بين نماذجها الكبرى، وبالأخص غزوة الكسندر المقدوني للجنوب، وهانيبعل للشمال، وروما للجنوب، ولاحقا العرب المسلمون للشمال، تسير ضمن نفس السياق، مع الفارق الجوهري بين غايات كل منهم. لكنها جميعا كانت تسعى إلى غاية واحدة وهي الاستيلاء وفرض نمطها الثقافي. وهو صراع قطعه العرب المسلمون بصورة نهائية من خلال ارجاع الأقوام الشمالية إلى مناطقها الأصلية والبقاء فيها وضمنها. وقد تكررت محاولات لاحقة لعل الحروب الصليبية والغزو الأوربي الكولونيالي أحد نماذجها الصارخة، التي انتهت في نهاية المطاف بإرجاع الأقوام الأوربية إلى مناطقها الأصلية وجرى تثبيت الوجود والحدود الحالية للعالم العربي، أو الجنوب المتوسطي ضمن حدوده وكيانه التام الثابت. وأيا كانت حالة الثغرات الحالية والفجوات الكبرى الفاعلة فيه الآن، فإنها تبقى مجرد حالة طارئة لها امثلتها في الماضي. وبالتالي حتمية رجوع كل من فيه إلى كينونة العالم العربي ووجوده التاريخي والمستقبلي. وهذه نهاية ونتيجة لا مفر منها.  

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5287 المصادف: 2021-02-25 01:09:19


Share on Myspace