 كتب وإصدارات

دانيليفسكي: ماهية الحقيقة الروسية (5)

ميثم الجنابيماهية اوربا وحقيقتها

دفعت النتائج التي توصل إليها دانيليفسكي في موقفه من إشكالية الوطني والعالمي بالنسبة للتطور الثقافي والأصالة الحضارية إلى أن يقف أمام السؤال الجوهري بالنسبة لروسيا ألا وهو هل أن روسيا دولة أوربية، وهل أن كيانها الثقافي أوروبي أم لا؟ وللإجابة على هذا السؤال افترض دانيليفسكي، بأن الإجابة الحقيقية عليه تستلزم حل السؤال الأساسي المتعلق بماهية أوربا نفسها، أي ما هو المقصود بأوربا. لاسيما وأن الإجابة عليه تجعل من الممكن بالنسبة لروسيا فهم ما إذا كانت أوروبا على صواب أم على خطأ في موقفها من روسيا، عندما تصفها بالكائن الغريب عنها.

انطلق دانيليفسكي في اجابته على هذا السؤال من سؤال أدق يتعلق بالماهية الجغرافية أولا لأوربا. فالشيء المتعارف عليه، والذي يعرفه كل تلميذ يقول، بأن أوربا هي أحد الأجزاء الخمسة من المعمورة. وعندما ظهر التقسيم الجغرافي الأول للعالم إلى ثلاثة أجزاء، فإن لهذا التقسيم كان معناه الخاص والمحدود آنذاك. فقد كان الفاصل بين القارات هو البحر. فما وقع إلى الشمال من البحر حصل على أسم أوربا، وما وقع إلى الجنوب حصل على أسم أفريقيا. وما وقع إلى الشرق حصل على أسم آسيا.

وكانت كلمة "آسيا" تعود في الأصل إلى الإغريق، أي إلى وطنهم الأصلي الأول في البلاد الواقعة على السفح الشمالي من القوقاز، حيث تم تقييد بروميثيوس بالصخرة وفقا للأسطورة الإغريقية. وأسيا هو أسم لأم أو زوجة. من هنا تم نقل هذا الاسم من قبل المهاجرين إلى شبه الجزيرة، والمعروفة باسم آسيا الصغرى. ثم جرى اطلاقها على كامل العالم الواقع على شرق البحر الأبيض المتوسط. حينذاك أصبحت الخطوط العريضة للقارات معروفة جيدا. ومن ثم جرى تحديد الفاصل بين أفريقيا وأوروبا وآسيا. وبالتالي هل تنتمي روسيا إلى أوروبا ضمن هذا التفسير التاريخي الجغرافي؟ فمن الناحية الجغرافية أن أحد أجزاء روسيا يقع ضمن أوربا بالصيغة المعروفة أو المشهورة أو المقرور بها، كما يقول دانيليفسكي. أما من حيث الجوهر فلا وجود لشيء أسمه أوروبا بالمعنى الدقيق للكلمة. فما هو موجود يمكننا أن نطلق عليه أسم شبه الجزيرة الغربية في آسيا. لكن ذلك لا يعني أن كلمة "أوربا" لا معنى محدد لها أو أنها مجرد صوت فارغ. إن معناها واضح وجلي وقوي ولكن ليس بالمعنى الجغرافي بل بالمعنى الثقافي والتاريخي. إذ ليس للجغرافيا قيمة مهمة في مسألة الانتماء أو عدم الانتماء إلى أوروبا.

وهنا يبرز السؤال أمام دنيليفسكي حول ماهية أوربا بالمعنى الثقافي والتاريخي. وفي مجرى تحليله لمختلف جونب هذه القضية توصل إلى أن ماهيتها بالمعنى الحضاري يتطابق مع معنى الحضارة الجرمانية الرومية. ومن ثم، فإنَّ أوربا هي الحضارة الجرمانية الرومية نفسها. فالحضارة اليونانية لم تنمو على نفس التربة الأوروبية. لقد كان مجال الحضارات اليونانية والرومية مختلفًا. فقد ولد هوميروس الذي يعتبر "مرآة الكلّ اليوناني" على ساحل آسيا الصغرى لبحر إيجه. بمعنى انه من آسيا الصغرى، التي كانت المحور الرئيسي للحضارة الهيلينية. فهنا ظهر الشعر الملحمي لليونانيين وكذلك الفلسفة (طاليس)، والنحت، والتاريخ (هيرودوت)، والطب (أبقراط). ومنها انتقلوا إلى ساحل البحر المقابل. صحيح إن أثينا أصبحت المركز الرئيسي لهذه الحضارة لكنها تعرضت للتلاشي. وأعطت ثمارها مرة أخرى ليس في بلد أوروبي ولكن في الإسكندرية في مصر. وهكذا تجاوزت الثقافة الهيلينية القديمة في مجرى تطورها الأجزاء الثلاثة المعروفة في العالم: آسيا وأوربا وأفريقيا. ومن ثم لم تكن حصرا على أوربا، بل ولم تنتمي إليها بالمعنى الدقيق للكلمة. فهي لم تبدأ ولم تنته هناك، كما يقول دانيليفسكي. وحسب رؤيته، فإن أوربا حصلت على المعنى والأهمية التي تستخدم بها الآن في مجرى تطور الحضارة اليونانية والرومانية. وهي حضارة حوض البحر الأبيض المتوسط بأكمله.

روسيا ليست اوربية

كل ذلك حدد مضمون السؤال الأولي الذي وضعه دانيليفسكي، عما إذا كانت روسيا تنتمي إلى أوروبا بالمعنى المذكور أعلاه؟ وقد كانت اجابته بالنفي القاطع. إذ لم تتغذ روسيا من الجذور الأوربية، سواء كانت بهيئة عصائر مفيدة أو ضارة، ولم تتغذ من جذور الروح الجرماني. ولم تكن جزءً من الإمبراطورية الرومية لشارلمان، ولم تكن جزءً من الفيدرالية الثيوقراطية التي حلّت محل ملكية شارلمان، ولم تكن مرتبطة بجسم واحد مشترك بها أو معها. بل أن تاريخ روسيا مستقل ولا علاقة له بالتاريخ الأوربي وإشكالاته وقضاياه وحلوله. إذ ليس فيها إشكاليات النظام الاقطاعي، ولم تمر بالإصلاح الديني، والكاثوليكية، ولم تحيا بالمثل العليا التي تجسّدت في الفن الجرماني الرومي. بعبارة أخرى، ليس في روسيا ما يمكنه أن يكون انتماءا جوهريا لأوربا بأي شكل كان من الأشكال. ومن ثم لا معنى للحديث عن طابعها الأوربي.

إن روسيا ليست أوربية، بل هي كيان خاص قائم بذاته. والاستثناء الوحيد هو "للنبلاء الجدد"، أو الارستقراطية الروسية المقلدة للتقاليد الأوربية، والتي لا تعرف التواضع ولا الفخر النبيل. أما الناس الذين يفهمون كرامتهم فيبقون دوما ضمن حدودهم الخاصة، كما يقول دانيليفسكي. ويقصد بذلك عموم الشعب الروسي. أما من يقول، بأن روسيا لا تنتمي إلى أوروبا عن طريق الولادة، لكنها تنتمي إليها بموجب قانون التبني وذلك لأنها استوعبت ما طورته أوروبا، ومن ثم أصبحت (أو على الأقل ينبغي أن تصبح) مشاركا في إبداعها وانتصاراتها، فهو حكم لا معنى له من وجهة نظر دانيليفسكي. من هنا تشديده على أن روسيا قائمة بذاتها وهي نتاج تاريخها الخاص ولا وجود لأية مشاعر لأبوة أوروبا في علاقاتها مع روسيا وما شابه ذلك. بل ونراه يدفع هذه القضية صوب نهايتها المنطقية عندما اكد على أن جوهر القضية هنا لا يكمن في هذه الجانب، بل في ما إذا كان هذا التبني ممكنًا بحد ذاته. فمن المعروف أو المقرور به من الناحية العلمية والفلسفية، أن لكل شيء بداية ونهاية، كما يقول دانيليفسكي. وكل ما في الوجود عرضة للاستنزاف. وهذه هي الرؤية التاريخية التي تعتقدها الغالبية العظمى من الناس المتعلمين. وبالتالي لا معنى لعدم رؤية كون الحضارة الأوروبية هي أيضا، مثلها مثل كل شيء آخر في العالم، عرضة للاستنزاف. إضافة لذلك، إن المعرفة التاريخية الدقيقة تبرهن على أن الأشكال السياسية التي يطورها هذا الشعب أو ذاك هي مناسبة له فقط، أي لمن يبدعها. وأن عدم الاعتراف بذلك يجعل من "التقدم" بوصفه ظاهرة تاريخية، فكرة ونظرة غامضة.

لقد أراد دانيليفسكي القول، بأن محاولة جعل الصيرورة والكينونة الروسية جزءا من التاريخ الأوربي أو صورة إضافية للنمط التاريخي الثقافي الأوربي، هو مجرد نتاج الغباء المميز لذوي العقول المستلبة والتقليدية. وأعتبر هذه الظاهرة شكلا من أشكال الأوبئة الثقافية. من هنا فكرته عما اطلق عليه عبارة "الأوربة هي مرض الحياة الروسية".

لقد وجد دانيليفسكي في نزعة التقليد الروسية لأوربا ومحاولة جعلها مثالا مطلقا وأن روسيا نفسها أوربية أو جزء منها، مجرد وهم لا علاقة له بالتاريخ والحقيقة، والأهم من ذلك لا علاقة له بالمستقبل، أي مستقبل الإبداع الذاتي لما اسماه بالنمط التاريخي الثقافي السلافي. فقد مرت أوربا بطريقها الخاص في كافة الميادين والمجالات. ومن ثم أبدعت نمطها التاريخي الثقافي الذي لا علاقة له بروسيا، كما أن لا علاقة لروسيا به لا عن قريب ولا عن بعيد. الأمر الذي يضع مهمة تناول حقيقة التاريخ الروسي وآفاقه في مجال تأسيس نمطه الثقافي الخاص.

ففيما لو نظرنا إلى الحياة الروسية، كما يقول دانيليفسكي، فإن الواقع الجلي فيها يكشف عن أن صحتها وعافيتها ليست على ما يرام. فصحتها غير صحيحة. لكنها مع ذلك لا تعاني من الأمراض العضوية المستعصية على العلاج، مثل مرض التحلل الإثنوغرافي. وفي الوقت نفسه، فإن روسيا مصابة بهوس يمكنه أن يكون قاتلا. فهو المرض الذي نرى مظاهره في شيخوخة الوجوه الشابة، والذي يهدد الكيان الروسي بأسوأ أنواع الموت ألا وهو الوجود العقيم والعديم الجدوى. وهي نتيجة لا يحتملها الواقع والتاريخ الروسي ولا يقبل بها. فقد تحمل الشعب الروسي في المراحل الثلاث لتطوره (بناء الدولة، وفقدان الحرية المدنية، وإصلاحات بطرس الأول) عذابات كبرى وهائلة. لكنها جرت كلها من اجل بناء الدولة القوية وثباتها، كما يقول دانيليفسكي.

فمن حيث المقارنة التاريخية بين أوربا وروسيا نرى، بأن الحضارة الأوروبية أخذت تنحو منحى عمليا إلى حد كبير. ومن بين نتائج هذه الظاهرة هو تطبيق العديد من الاكتشافات والاختراعات العلمية في ميدان الصناعة ونظامها المدني. بينما كانت روسيا في بداية القرن الثامن عشر قد انتهت تقريبا من الصراع مع جيرانها الشرقيين. إذ أخذ الشعب الروسي، الذي أيقظته الأحداث تحت قيادة شخصيتين لا يمكن نسيانهما وهما كل من مينين1  وخميلنيتسكي2 ، اللذين انتصرا على طبقة النبلاء البولنديين الذين غيروا مبادئ الشعب البولندي السلافية، والذين أرادوا أيضا إجبار الشعب الروسي على القيام بنفس الخيانة تجاه النفس، كما يقول دانيليفسكي. الأمر الذي جعل من تقوية الدولة الروسية عبر طريق الاقتراض من الكنوز الثقافية المستخرجة من العلوم والصناعة الغربية مهمة ضرورية وأولية. فهو الاقتراض السريع الذي قامت به روسيا كي تتمكن بعد عملية تعليم طبيعية بطيئة قائمة على المبادئ الخاصة، من الاستقلال بنفسها، أي كل تلك العملية التي قام بها وقادها بطرس الأول. ولكن هل كان بطرس الأول يدرك بوضوح هذه الضرورة؟ فهو مثل معظم الشخصيات التاريخية العظيمة عادة ما تتصرف وفق خطة مدروسة بهدوء وبهوى وشغف عارم. فبعد أن عرف أوروبا وقع في غرامها. وأراد بكل الوسائل أن يجعل من روسيا دولة أوروبية. فحالما رأى بطرس الاول الثمار الأوربية وإيناعها، فإنه توصل إلى استنتاج يقول، بأن من الممكن نقل هذه الشجرة كما هي إلى الأراضي الروسية. واعتقد بأن من الممكن زرعها في الأراضي الروسية القاحلة آنذاك (بالمعنى الثقافي والقومي والاجتماعي).

لكن بطرس الأول لم يأخذ بعين الاعتبار الاختلافات في العمر، ولم يعتقد أن البريّة قد لا يكون لديها وقت للثورة. ولذلك أراد أن يقطعها من الجذر ويستبدل بها ما هو موجود. أما في الواقع، فإن هذه البدائل ممكنة التطبيق على الأجسام الميتة فقط، كما يقول دانيليفسكي. لقد كانت رؤيته بهذا الصدد تستند إلى فلسفته عن النمط التاريخي الثقافي وإمكانية نشوءه وتطوره وانتقاله. وهي رؤية لم يؤخذ بها في مجرى تطور الدولة الروسية بعد بطرس الأول. ووجد هذا الإهمال انعكاسه الكبير والهائل في التجربة السوفيتية التي جعلت من نموذج الغرب أولوية مطلقة ومثالا تاما في كل شيئ. أما الخلاف الهائل معها لاحقا، فهو بأثر الأيديولوجية الطبقية، أي الموقف الاجتماعي وليس الثقافي الذي كان يحتل موضع الأولوية في منظومة دانيليفسكي الفكرية والتاريخية.

بعبارة أخرى، لقد ظلت التقاليد البطرسية سارية المفعول في الوعي الروسي الثقافي بشكل عام والسياسي بشكل خاص. وفيما يخص الثمار وإمكانية استبدالها بما هو موجود في التربة الروسية، فمن الممكن تذكر سياسة خروتشوف بزراعة نبات الذرة التي اتلفت لاحقا الزراعة السوفيتية. لقد كان دانيليفسكي يتحدث، بأثر رؤيته وثقافته العلمية الطبيعية، عبر مقارنة حية عما اسماه باستحالة انتاج ثقافة وحضارة خاصة من خلال نقلها وزراعتها في تربة ثقافية لها مسارها التاريخي الخاص. إذ اعتبرها سياسة عقيمة لا تدرك ولا تفهم حقائق الطبيعة والوجود التاريخي للأقوام والشعوب. وإذا كان فسادها جليا في مجال الزراعة العادية، فما بالك في مجال زرع الثقافة؟ من هنا استنتاجه القائل، بأن الحياة التي تشكلت تحت تأثير المبدأ التربوي الذاتي الأصلي لا يمكنها قبول هذا النوع من التحولات، وذلك لأنها تؤدي إلى اصابته بالشلل.

البطرسية الثقافية - اوربة خشنة

إن المشكلة التاريخية الثقافية التي عانت منها روسيا بسبب سياسة بطرس الأول، كما يقول دانيليفسكي، تقوم في وقوعه في غرام لا يقاوم تجاه أوربا. وبأثره سعى لمعالجة روسيا بطريقتين متناقضتين ألا وهما الحب والكراهية بقدر واحد. لقد كان يحب روسيا ويكرهها في آن واحد. كان يكره البدايات الأولى للحياة الروسية سواء بسبب عيوبها أو مزاياها، لكنه لم يكرهها بكل روحه. من هنا ضرورة التمييز في أعماله بين جانبين الأول ويتعلق بنشاطه في بناء الدولة ومنشآتها العسكرية والبحرية والإدارية والصناعية، والثاني نشاطه الإصلاحي المتعلق بالحياة والعادات والأعراف والمفاهيم والقيم التي حاول غرسها في تربة الشعب الروسي. وإذ كان عمله في الجانب الأول يستحق التقييم والتبجيل بما في ذلك تسخيره الناس جميعا من اجل الدولة، بحيث جعله ذلك يستحق بحق لقب العظيم، فإن نشاط النوع الثاني لم يكتف بإيذاء عميق لمستقبل روسيا، بل وجعل أعماله الخاصة عديمة الفائدة تماما. فالضرر الذي أحدثه ما زال ينخر في جسد الشعب الروسي. الأمر الذي أثار استنكار رعاياه، وأحرج ضمائرهم، وعقّد مهمته. بحيث يمكننا القول، بأنه هو نفسه قد تسبب بإضافة عقبات أمام نفسه ومن ثم العمل المهموم من اجل تذليلها، كما يقول دانيليفسكي. مما أدى إلى استهلاك حصة كبيرة من الطاقة التي كان يمكن استخدامها بطريقة تؤتي بفوائد أكبر. إذ ما هي الحاجة إلى حلق اللحى، وإجبار الناس على اللباس الأوربي، والتدخين، وتشويه اللغة بحشر المفردات الأوربية، وإدخال العادات الأجنبية، وتغيير التقويم الزمني وكثير غيرها؟ ولماذا جرى وضع أشكال الحياة الأجنبية في مرتبة الشرف الأولى؟ والسؤال الذي يبرز هنا هو هل بإمكان كل هذه الأعمال أن تعزز الوعي العام؟ بالتأكيد كلا. أما القضية الأخرى فتقوم في أن عمل الدولة وحدها لا يمكنه تغطية كل شيئ. لهذا كان من الضروري تطوير ما يمكنه أن يمنحها القوة القادرة على فعل كل شيئ. انه التنوير. وقد كانت تلك مهمته الأساسية. ولكن كيف يمكن لهذا التنوير أن يقوم بمهمته في ظل تدمير الكينونة الروسية وخصوصيتها، كما يستفسر دانيليفسكي. وعلاوة على ذلك، لا يمكن فرض التنوير بالقوة. وعموما إن كل اصلاح وتجديد لا يمكنه النجاح بقوة خارجية أيا كان شكلها ومحتواها. بل من الضروري أن يجريا ذاتيا، أي من الداخل. وقد تكون هذه العملية ابطأ لكنها أمتن وأكثر أصالة وغنى. ولذلك كان كل من الانقلاب والحداثة اللذين قام بهما بطرس الأول، يجريان أولا بين صفوف الطبقات العليا من المجتمع. وشيئاً فشيئاً أخذ هذا التشويه يمس الحياة الروسية عبر انتشاره وتغلغله في أعمق أعماق الحياة الروسية وطبقاتها الدنيا. لقد تعامل بطرس مع كل ما هو روسي باحتقار وازدراء. لهذا جرى تشويه مفهوم الروسي الحقيقي بحيث لم يتخلص من هذه العلاقة والمواقف حتى في أفضل المراحل الإيجابية والكبرى في التاريخ الروسي. الأمر الذي يشير إلى ما يمكن دعوته بالمرض الأوربي أو الأوربة الغبية التي أصابت روسيا في مجرى ما يقارب القرن ونصف قرن من الزمن، كما يقول دانيليفسكي.

لقد أدى ذلك بنظره، إلى تشويه الحياة الوطنية واستبدالها بكل ما هو أجنبي؛ واستعارة المؤسسات الأجنبية وزرعها في الأراضي الروسية، مع الاعتقاد بأن ما هو خير في مكان ما يجب أن يكون خيرا في كل مكان؛ الزركشة المفتعلة التي مست كافة أشكال الحياة الظاهرية للناس والمجتمع من ملابس وأجهزة وسلع منزلية ونمط الحياة وما شابه ذلك. بحيث وجد هذا التأثير طريقه إلى كل مجال من مجالات الحياة. كما وجد انعكاسه في الفن والموسيقى والهندسة المعمارية وغيرها من ميادين النشاط الإنساني. أما النتيجة الكبرى لكل ذلك فهي فقدان روسيا لهويتها الخاصة. في حين أن الأصالة السياسية والثقافية والصناعية والمثل العليا التي يجب أن يسعى إليها كل شعب تاريخي هي المقدمة الضرورية لتحقيق الأصالة في كل شيئ وكل إبداع. وإذا كان من الصعب أحيانا بلوغ ذلك، فإن الحد الأدنى الضروري هو حماية الاستقلال. أما الحفاظ على هذا النمط من الاستقلال بوسائل مصطنعة فهو ظاهرة محزنة. بينما كان بالإمكان التخلي عن كل ذلك فيما لو جرى الاحتفاظ بأشكال حياتنا الوطنية، كما يقول دانيليفسكي. فالسجاد في بلاد فارس ليس للرفاهية بقدر ما يعكس نمط حياتهم العادية. انه حاجة ضرورية للأغلبية. الأمر الذي يفسر بلوغ إنتاج السجاد حد الكمال، بحيث لا يحتاج إلى أية حماية لرعاية صناعته. وينطبق الشيء نفسه على الشالات الهندية، والأقمشة الحريرية الصينية والخزف. ونفس الشيء يمكن قوله عن الصناعات الروسية. ومن الممكن أن نأخذ على سبيل المثال انتاج السماور الروسي الذي جعل الحكومة الفرنسية تقوم بفرض قيود جمركية وقيود الاستيراد المختلفة عليه من اجل حماية منتجاتها3 . كل ذلك يشير إلى أن الأصل أفضل من التقليد. بمعنى أن لخصوصية الحياة أثرها على نوعية الصناعة، ومن ثم التجارة. وحالما تفقد الصناعة شخصيتها الوطنية، فإنها تؤدي الى تشوهات مختلفة، إضافة إلى انعدام وجود ما يمكن الدفاع عنه وحمايته ورعايته. (يتبع...).

 

ا. د. ميثم الجنابي

.......................

1- كوزما مينيتش مينين (ت- 1616) إحدى الشخصيات الشعبية الروسية الكبرى التي جمّعت حولها الشعب الروسي بمختلف فصائله في مجرى الصراع ضد الاحتلال البولندي للأراضي الروسية ومدينة موسكو. واستطاع مع الأمير بوجارسكي من تحرير موسكو عام 1612 ولاحقا الأراضي الروسية ككل. ويعتبران الممثلان الأكثر شعبية وعمقا في الوعي الروسي التاريخي. وأقيم لهما نصب تذكاري عام 1818 في الساحة الحمراء وتحته كتب "إلى المواطن مينين والأمير بوجارسكي، تقديرا من الشعب الروسي".

2- بغدان ميخائيلوفيتش خميلنيتسكي. (1595-1657) احد الزعماء والقادة التاريخيين للقوزاق. ولعب دورا مهما في توسيع وتثبيت الدولة القيصرية. انحدر من عائلة نبيلة. كان تاريخه الشخصي سلسلة من الحروب وقيادتها. وقع في الأسر التركي العثماني. واشترك في حروب عديدة. وأصبح قائدا لقوات القوزاق. ودخل في صراع وحروب ضد الكثير من الدول وبالأخص البولندية، بعد أن عمل في خدمتها في بداية الأمر. وعمل خملنيتسكي على طلب المساعدة من مختلف الدول للحصول على استقلال في المناطق التي يحكمها (مما يسمى حاليا اوكراينا). وأجرى مفاوضات بهذا الصدد مع الروس والبولنديين، بل وحتى مع السويديين، لكنها جميعا لم تؤدي آنذاك إلى نتيجة مرجوة. لكنه تعرض إلى هزائم لم يستطع ايقافها إلا بعد الاتفاق مع الدولة الروسية. حينذاك اقسم بالولاء للدولة الروسية بعد أن دخلت وقواته مدينة كييف. بمعنى إرجاع الأراضي الروسية السابقة إلى عهدة الدولة الروسية المركزية.

3- السماور هو جهاز لتحضير الشاي والمشروبات الدافئة

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5290 المصادف: 2021-02-28 02:18:15


Share on Myspace