 كتب وإصدارات

دانيليفسكي وقضية الفكرة السلافية السياسية الثقافية (7)

ميثم الجنابيفلسفة النموذج التاريخي الثقافي (1)

ووضع دانيليفسكي حصيلة افكاره في نقد الغرب والمركزية الغربية (الاوربية) وكذلك نقد التقليد الروسي للغرب في اساس محاولته النظرية لجعل التيار السلافي الإثني والهلامي تيارا سلافيا سياسيا ثقافيا. ووجد هذا التأسيس في تنظيره لما اسماه بالنموذج السلافي وخصوصيته، أي ذاك الذي يمكن أن يرتقي إلى مصاف النمط التاريخي الثقافي الخاص. وكان القصد من وراء ذلك بالنسبة له هو تكثيف كل ما توصل إليه من استنتاجات نظرية من أجل تأسيس مضمون النمط التاريخي الثقافي السلافي وتحديد ماهيته، باعتباره نمطا خاصا ومستقلا لا علاقة له بالنموذج الأوربي اللاتيني - الجرماني.

من هنا انطلاقه مما اسماه بالمهمة الأساسية القائمة أمامه، ألا وهي الإجابة على أسئلة أولئك الذين لا يؤمنون بأصالة الثقافة السلافية ويعارضونها بالأسئلة المتعلقة بطبيعة هذه الحضارة ومكوناتها وإبداعها العلمي والفني والمدني وما إلى ذلك. وللإجابة على هذه الأسئلة، سعى دانيليفسكي إلى ما اسماه بمهمة تحديد الأنشطة العامة المميزة لكل نمط تاريخي ثقافي عبر إرجاعه إلى مقولات عامة ومقارنة ما توصل إليه كل نمط منها. ومن خلال هذه المقارنة يمكن معرفة طبيعة ومضمون الميول الثقافية التي يستطيع السلاف تجسيدها في حياتهم التاريخية. ومن خلالها يمكن الكشف عما يمكن توقعه منهم في المستقبل، في حال بلوغ غايتهم في الاستقلال السياسي الكامل والوحدة السلافية، أي تحقيق القانون الثاني والرابع من تطور الأنماط التاريخية الثقافية. (انظر المقال الثاني من هذه السلسلة).

وقد حصر دانيليفسكي ما اسماه بالمقولات العامة لنشاط الحياة التاريخية بأربعة أصناف عامة وهي كل من النشاط الديني، والثقافي، والسياسي، والاجتماعي الاقتصادي، والتي تعادل عنده بمجموعها معنى كلمة الثقافة والحضارة.

ويتضمن النشاط الديني علاقة الإنسان بالله، وكذلك مفهوم الإنسان عن مصيره ومصير من ينتمي إليه بوصفها علاقة أخلاقية غير قابلة للتجزئة في موقفها من المصير المشترك للبشرية والكون.

أما النشاط الثقافي فيتضمن علاقة الإنسان بالعالم الخارجي بمستوياتها الثلاثة وهي كل من العلاقة النظرية العلمية، والعلاقة الجمالية الفنية، والتقنية الصناعية.

أما النشاط السياسي فيشمل علاقات الناس في ما بينهم بوصفهم أعضاء وحدة وطنية واحدة، وكذلك علاقة هذا الكلّ الموَّحد بوصفه جزءاً من نظام أرقى في موقفه من الشعوب الأخرى.

أما النشاط الاجتماعي الاقتصادي فيحتوي على علاقات الأفراد المتبادلة ليس بوصفهم كيانات معنوية وسياسية، بل كأشخاص يتعاملون من اجل استخدام مواد العالم الخارجي.

واعتبر دانيليفسكي الثقافات الأولية التي تندرج فيها كل من المصرية والصينية والبابلية والهندية والإيرانية هي ثقافات أولية وأصلية. غير أن أي منها لم يكشف عما انجزه وحققه في ما يخص أشكال النشاط الأربعة المذكورة1. الأمر الذي يجعل منها ثقافات تمهيدية كما يقول دانيليفسكي. بمعنى، أن مجالات النشاط الأربعة المذكورة كانت مختلطة فيها، ومن ثم لم يبرز كل من الدين والسياسة والثقافة والتنظيم الاجتماعي الاقتصادي فيها بصورة مستقلة. فالأعمال الفلكية للكهنة الكلدان والهندسة بالنسبة للمصريين، على سبيل المثال، كانت تحتوي على نفس ما تحتويه الطقوس الدينية. وفي الصين التي كانت تتميز بالواقعية والنزعة العملية، فقد أدى إلى غلق الباب أمام تغلغل وجهات النظر الدينية العرفانية. لكن ذلك لم يمنع تداخل الدين مع مجالات النشاط الأخرى. بينما كان الدين أرقى وأعلى من كل نشاط آخر في الحضارة العبرانية فقط. فقد كان الدين بالنسبة لها هو المبدأ الشامل. وظل هذا الدين مستقلا ولم يخالطه شيء بحيث ترك بصماته على كل نشاط آخر. ومن ثم جرى إهمال جميع الجوانب الأخرى للنشاط. لهذا لم ينتج اليهود أي شيء يستحق اهتمام معاصريهم. إذ لم يأخذوا العلم من جيرانهم البابليين والمصريين. وفي مجال الفنون لم يزدهر سوى الشعر الديني. أما في المجالات الأخرى كالنشاط الفني وكذلك في مجال الصناعة والمهن فقد كانوا ضعفاء للغاية. بحيث لم يكن بإمكانهم بناء معبد إلههم يهوه دون اللجوء إلى مساعدة الفينيقيين. لقد كان الهيكل السياسي للشعب العبري ناقصًا للدرجة التي لم يكن باستطاعته حماية استقلاله ليس فقط من جانب الدول القوية مثل بابل وآشور، بل وحتى من جانب الشعوب الكنعانية المتناثرة2 .

وكما كانت الثقافة اليهودية دينية خالصة كذلك كان النمط الهيليني نمطا ثقافيا. إضافة لهذا كان أيضا نمطا يغلب عليه الطابع الفني الثقافي. وأمام هذا الجانب من التطور الذاتي انحسرت بقية الجوانب. كما أن النوع الرومي هو الآخر يتصف بنمط تاريخي ثقافي أحادي الجانب كما هو الحال بالنسبة لليوناني والعبري. فقد طور النمط الرومي بنجاح كبير الجانب السياسي للنشاط البشري، وأهمل الجوانب الأخرى، أو أنها ظلت ضعيفة وجزئية. وكما كان الحال في اليونان، فإن العبودية في روما تشكل أساس النظام الاجتماعي. أما النشاط الثقافي بالمعنى الدقيق للكلمة فقد كان ضعيفا في مجال العلم والفكر الفلسفي والفنون. والاستثناء الوحيد هنا للهندسة المعمارية. بمعنى إن روما لم تبدع أي شيء أصيل في هذه المجالات. وما قيل عن دين الإغريق ينطبق أيضا على الرومان. فهو الآخر فقير من حيث مضمونه الداخلي وخال من العقيدة ومنظومة القواعد الأخلاقية العميقة وليس لهم كتابهم المقدس، كما يقول دانيليفسكي.

ومن هذه المقدمة حاول دانيليفسكي التأسيس للفكرة القائلة، بأن الحضارات التي أعقبت الثقافات الأصلية البدائية (الأولية والتمهيدية حسب مصطلحاته) قد طورت الأنشطة الثقافية بصورة أحادية الجانب. فالعبرية طورت الجانب الديني، واليونانية الجانب الثقافي، والرومانية الجانب السياسي. لهذا ينبغي تصنيف الحضارات العبرية واليونانية والرومية تحت عنوان الحضارة ذات الأساس الواحد، أو البعد الواحد3 .

حدود النمط الأوربي ونقد أصوله الذاتية

ووضع هذا الاستنتاج الذي لا يخلو من دقة نسبيا في أساس التفسير العقلاني للنمط الثقافي الأوربي (الرومي الجرماني، أو اللاتيني الجرماني) ودوره الخاص والمتميز في تجاوز الإبداع الحضاري الواحد، أي ذاك الذي طوّر هذا الجانب أو ذاك من جوانب النشاط الإنساني وبالأخص الديني والثقافي والسياسي. بينما بقي الجانب الاجتماعي الاقتصادي في حالة متدنية أو بسيطة. ومأثرة النمط التاريخي الثقافي الأوربي يقوم أولا وقبل كل شيء في تطوير هذا الجانب من النشاط الإنساني إضافة إلى تنشيطه كافة أشكال النشاط الأخرى. وبهذا يكون قد تفوّق على من سبقه بشكل كبير. وهو حكم تاريخي وثقافي دقيق. أما التطور الخاص للنمط الأوربي هنا، فليس هو في الواقع سوى التطور الاجتماعي الاقتصادي البرجوازي، الذي كسر اغلب قيود وقواعد التقاليد والمفاهيم والقيم القديمة عبر نفيها بمنظومة نشطة هي منظومة الرأسمال والتقدم الانتاجي والعلمي. بمعنى انه استطاع نقل أوربا من نمط الطور الديني السياسي إلى الطور السياسي الاقتصادي.

غير أن دانيليفسكي بحث عما اسماه بالكوامن الذاتية للشعوب الجرمانية اللاتينية، أي الشعوب التي تكوّن بؤرة الوجود الأوربي التاريخي الثقافي. ووجد هذه الكوامن أولا وقبل كل شيء في تميزها بالعنف وحب القوة والتسلط. ووجد في هذه الصفات الجوهرية المميزة للشخصية الأوربية القوة الفاعلة والنشطة التي تفسر أسباب وطبيعة تراكم هذا النمط التاريخي الثقافي الخاص. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن العنف المميز لطبيعة هذه الشعوب النشطة، والبذور المنثورة على أرضية خصبة لحب السلطة والتسلط المميز لها بدأ من روما ونظام الدولة الرومي، أثره في إثارة العقبات أمامهم. كما كان له دوره في تذليلها. فقد جرى تشويه حقيقة النصرانية من خلال تشويه المفهوم الأساسي لمعنى الكنيسة عبر تحويلها إلى كيان استبدادي ديني سياسي للكاثوليكية. إذ ترافق استبداد الكنيسة هذا مع الاستبداد الإقطاعي المتجذر في طابع الشخصية الجرمانية العنيف وكذلك مع استبداد السكولائية المتجذّر في الموقف السائد من أشكال العلم القديم. الأمر الذي جعل من تاريخ أوروبا صراعا لا هوادة فيه، بحيث انتهى في نهاية المطاف إلى ثلاثة اشكال من الفوضى: الفوضى الدينية التي تجسدت في البروتستانتية التي جعلت من يقين الشخصية الفردي أساس اليقين الديني؛ والفوضى الفلسفية أي المادية التي بدأت تتخذ طابع الإيمان وتحل محل الاعتقاد الديني في العقول؛ وأخير الفوضى السياسية والاجتماعية كما نراه في التناقض بين الديمقراطية السياسية الآخذة بالاتساع والاقتصاد الإقطاعي4 .

ووضع هذه الاستنتاجات في أساس حكمه الجازم والقائل، بأن الفوضوية هي مبشر ونذير التحلل والانحطاط. من هنا لا يمكن اعتبار المساهمة الأوربية مساهمة حية بالنسبة لكنز التراث العالمي. كما لا يمكن النظر إلى النمط التاريخي الثقافي الجرماني الرومي على انه نموذج ناجح للجوانب الدينية والاجتماعية الاقتصادية للنشاط الثقافي. بينما يختلف الأمر بالنسبة لنشاطها السياسي. ولعب هنا تميزها بالعنف والقوة وحب التسلط إلى أن تنتشر في مختلف بقاع العالم. وفي الوقت نفسه استطاعت ترسيخ نظامها الخاص في العلاقات السياسية والاجتماعية والحقوق. وبهذا تكون قد استطاعت الجمع بين القوة السياسية للدولة والحرية الداخلية. والشيء نفسه يمكن قوله عن إبداعها في مجال العلوم والمعرفة والإنتاج. فقد بزّ النمط الثقافي الأوربي جميع من سبقه في هذه الميادين. غير أن إبداعه الثقافي بقي في نهاية المطاف، كما يقول دانيليفسكي، ثنائي القاعدة. والمقصود بذلك هو أن إبداعه ظل محصورا أساسا بالجوانب العلمية والصناعية. (يتبع...).

 

ا. د. ميثم الجنابي

............................

1- تفتقد هذه الفكرة أو التقييم العام للدقة العلمية والتاريخية والحضارية. فمن الناحية المجردة يمكن الحديث عن ثقافات تمهيدية. غير أن هذا المصطلح والفكرة لا تنطبق على الحضارة. وذلك لأن الحضارة المتكاملة بذاتها هي كل واحد متجانس بمعاييره الذاتية، أي منظومة متكاملة تحتوي على جميع الأنشطة الحياتية الإنسانية، وبما يتوافق مع مرحلتها التاريخية الثقافية. أما الاستعمال الممكن لهذا المفهوم فينطبق على تلك الثقافات وحضاراتها التي تنشأ ضمن سياق وحدتها التاريخية والجغرافية والإثنية كما هو الحال بالنسبة للحضارة السومرية والبابلية والآشورية وحضارات وادي الرافدين (العراقية السورية)، ولحد ما العراقية والإيرانية، واليونانية والرومانية. بينما يكف هذا الاستعمال النسبي للتطبيق على الحضارة الهندية والصينية. أما بالنسبة لأشكال النشاط التي أوردها دانيليفسكي، فإنها تحتوي على نمطية أيديولوجية أكثر مما تعتمد على دراسة دقيقة ومعرفة تاريخية موثقة بالحضارات المصرية والصينية والبابلية والهندية والإيرانية. وذلك لأن هذه الأنشطة ضرورية ومتكاملة في جميع هذه الحضارات حالما يجري النظر إليها من داخلها وبما يتناسب مع الإحاطة العميقة والكبيرة بما فيها. فالحضارة المصرية لها إبداعها الديني الكبير والأخلاقي والجمالي، ولها نشاطها العلمي الهائل في الرياضيات والهندسة والطب والكيمياء والفسلجة والفلك وغيرها من العلوم، كما أن نشاطها الاقتصادي والاجتماعي هائل في مجال العمران والزراعة والتجارة، وكذلك نظامها السياسي وثقافتها الخاصة بمختلف مستوياتها وجوانبها. وينطبق هذا بنفس القدر على الحضارات الهندية والصينية والبابلية.

2- إن هذه الأحكام المتعلقة بالعبرانيين اليهود دقيقة، ولكن ليس ضمن التحديد الثقافي لهم باعتبارهم أمة منتجة لحضارة، بل لكونها لم تبدع حضارة، من هنا البقاء ضمن اطار وهيمنة الفكرة الدينية. رغم ان لهذه الظاهرة والحالة إشكالاتها الأخرى. وذلك لأن افتراض جوهرية الفكرة الدينية في الشخصية العبرانية اليهودية لا يستقيم مع هيمنة الروح الربوي فيهم.

3- إن حصيلة معارف دانيليفسكي القليلة وغير الدقيقة بالحضارات الأخرى جعله يسقطها أو يتجاهلها. فالحضارات السومرية والبابلية والصينية والهندية هي أعرق ممن جرت الإشارة إليه.

4- تحتوي هذه الصيغة في الموقف من تاريخ الصيرورة الأوربية الحديثة ونمطها الثقافي الجديد على طابع تأويلي أكثر مما هو تفسير تاريخي واقعي. فالتاريخ الفعلي وتحولاته التي جرت في أوربا لم تؤدي إلى الفوضى بل إلى نظام جديد يتسم بقدر هائل من العقلانية. وفيها كانت تجري على خلفية ما يحدده دانيليفسكي من العناصر الثقافية الكامنة في الشخصية الأوربية، من آثار تحتوي بقدر واحد على إبداع أصيل وتخريب عالمي يلازمه. وهو انتقاد ثقافي دقيق. بمعنى انه لم ينظر إلى المسار الأوربي الداخلي والخارجي على انه مأثرة إنسانية ولم يحشر كل ذلك بمعايير الرؤية الاقتصادية وقيمتها بالنسبة للتطور الحديث. بمعنى انه لم يستطع تفسير المسار الطبيعي للمرحلة السياسية الاقتصادية وخصوصية منطقها الثقافي، لكنه يلامس الكثير من جوانبها بنظرة ثاقبة وحدس مستقبلي.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5293 المصادف: 2021-03-03 02:40:36


Share on Myspace