 كتب وإصدارات

ناجي ظاهر: الريف السوري كما راته اغاثا كريستي

ناجي ظاهرتدخلنا الكاتبة الانجليزية اغاثا كريستي، في كتاب مذكراتها في سوريا والعراق "تعال قل لي كيف تعيش"، إالى الريف السوري وبعده العراقي في اواسط الثلاثينيات من القرن الماضي، مقدمةً لنا صورة كوميدية سوداء لأوضاع المواطنين العرب  هناك، وتوجههم المستسلم السلبي للحياة من وجهة نظرها.

تروي كريستي في كتابها هذا يومياتها خلال مرافقتها زوجها عالم الاثار  البريطاني مالون ماكس، وبحثه يرافقه آخرون من ابناء جلدته ومن السكان المحليين، عن الاثار التاريخية القديمة، عبر القيام بحفريات في المواقع الاثرية.

تقول كريستي في تقديمها لكتابها هذا، انها لا تقدم فيه بحثًا في الاثار وانما هي تسجل ذكرياتها اليومية المعيشة في بلاد قامت بزيارتها في واحدة من فترات  حياتها.

تستمد كريستي عنوان كتابها من مقطوعة ادبية للكاتب لويس كارول، صاحب قصة "اليس في بلاد العحائب"، المعروفة لدى الملايين من الاطفال في  مختلف اصقاع العالم، وتفتتح كتابها بالتحدث عن الاستعداد للسفر إلى سورية برفقة زوجها وفريقه البحثي الاثري، وما يتطلبه هذا السفر من ملابس احتياطية خاصة تتلاءم وسمنتها مع الاجواء الجديدة التي ستكون ضيفتها خلال عامي 1935- 1937، بعدها تنطلق في سرد مذكراتها اولًا بأول، مسلطةً الاضواء على احداث يومية لا تخلو من غرائبية وشخصيات عجائبية فريدة.

من الاحداث الغرائبية تتوقف كريستي عند توقف السيارة المرافقة كوين ماريا، بعد ان تورطت في مياه موحلة، وكيف تمكن الفريق المرافق من انقاذ الموقف ودفع السيارة الى الامام رغم افتقاده- الفريق- للأدوات المساعدة. كريستي تتوقف مطولًا عند لا مبالاة القرويين السوريين، ابان تلك الفترة، واكتفائهم بالقليل وعدم ميلهم لتحسين اوضاعهم المزرية، تقول انهم بالكاد كانوا يقنعون الفلاحين السوريين، بصورة عامة  طبعًا، بالعمل معهم في الحفريات الاثرية في هذا الموقع او ذاك، وان هؤلاء الفلاحين ما ان كانوا يتلقون رواتبهم، مضافة اليها حوافزهم المالية حتى يغادروا ولا يعودون للعمل إلا بعد صرفهم ما تلقوه من رواتب، وتوضح ان المنتدبين الفرنسيين تغلبوا على مثل هكذا مشكلة، بانهم ابقوا دائما جانبًا من الرواتب المترتب عليهم دفعها لهؤلاء العمال، ليعودوا مضطرين، الامر الذي رفضه زوج كريستي عالم الاثار قائلًا انه من حق هؤلاء العمال ان يتلقوا رواتبهم كاملة كما يقتضي الواجب.

2651 اجاثا كرستي تعالتتوقف كريستي في كتابها  عند اماكن عديدة منها نهر جغجغ ونهر الخابور، وتتحدث عن عشوائية الفلاحين وعن استخفافهم بالحياة كونهم سيموتون ذات يوم، كما تتحدث عن شيخهم الذي يعد بان يكون كل شيء على ما يرام بمشيئة الله.. إلا ان شيئًا لا يكون كما يعد، وعندما يسألونه عن سبب تقصيره.. يتذرع بأسباب  واهية وغير مقنعة.

تميز كريستي بين الناس في سورية. هذا البلد الذي تناهبته في اواسط الثلاثينيات الاهواء والامزجة المختلفة لدى سكانه من عرب وارمن ويزيديين وغيرهم. متنبئة بما ستصير عليه الاحوال السياسية السورية من تشرذم.. وربما تضييع للبوصلة في بدايات الالفية الثالثة.. الفترة الجارية، ومن الطريف انها تتحدث عن شخص عمل ضمن الفريق المرافقة له كريستي، شكا من الم لا يحتمل في سن له. بعد ان اشتد الالم عليه لم يكن امامه من مفر سوى ان يزور طبيب الاسنان. الطبيب يطلب منه مبلغًا لا يريد ان يدفعه لأنه يراه باهظا.. المريض يحاول ان يقنع الطبيب بقبول مبلغ اقل.. وينتهي الامر بان يوافق المريض مع اشتداد الالم في ضرسه، على ان يدفع ما وافق على قبوله الطبيب. لكن مقابل ان يقلع ثلاثة اسنان اخرى معافاة إلى جانب السن المريض، وعندما يسأل الرجل الموجوع عن سبب ذلك التصرف الارعن، يجيب المريض قائلًا انه اقتلع اسنانًا  ستؤلمه ذات يوم!!!

يشار ان كريستي كاتبة روايات بوليسية مشهورة في العالم اجمع، غير انها لا تشير إلى صفتها هذه في كتابها سوى مرة واحدة. اما اسمها فلا يذكر داخل هذه المذكرات سوى مرة واحدة ايضًا، وعلى لسان اخر.

 

بقلم: ناجي ظاهر

.......................

* "تعال قل لي كيف تعيش"، تأليف اغاثا كريستي. ترجمة اكرم الحمصي. منشورات دار المدى السورية 2015.

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

مقالة جميلة. ذكرتني بكتاب قرأته منذ ١٥ عاما. و على اثر ذلك زرت فندق بارون بحلب لغشاهد الغرفة التي اقامت بها اجاثا ذات يوم. ثم سافرت بقطار الشرق السريع الى مرسين لأدخل بجو عربة اجاثا كريستي. للأسف ترجمات رواياتها مشوهة. باستثناء مسرحية اخناتون.
ذكرها المرحوم جبرا ابراهيم جبرا بكتابه البئر الأولى. فقد كان صديقا لزوجها و يزور بيته في بغداد حيث تجلس و تحيك الصوف بصمت.

صالح الرزوق
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5431 المصادف: 2021-07-19 02:20:58


Share on Myspace