 كتب وإصدارات

نبيل عبد الأمير الربيعي: مدن في حياة الباحث والمترجم صلاح السعيد

2675 مدن في حياتيعرف العرب أدب الرحلات منذ القدم، وكانت عنايتهم به عظيمة في سائر العصور. وأدب الرِّحلات هو نوع من الأدب الذي يصور فيه الكاتب ما جرى له من أحداث وما صادفه من أمور أثناء رحلة قام بها لأحد البلدان. وتُعد كتب الرحلات من أهم المصادر الجغرافية والتاريخية والاجتماعية، لأن الكاتب يستقي المعلومات والحقائق من المشاهدة الحية، والتصوير المباشر، مما يجعل قراءتها غنية، ممتعة ومسلية.

فالذاكرة بطبيعتها تختار وتحسنُ الاختيار، وتخلق من حياة كل امْرُؤٌ طرفة فنية رائعة، وما يكتبه الكتّاب عن مجرى حياتهم منذُ أن درجوا على السفر، أو في أية بقعة وطئتها أقدامهم، أو ما احاط بهم من أحداث تقاذفتهم أو مرّوا بإزائها، وسال قلمهم مصوّراً لها على أديم الورق اعترافات بحسب مقاصد الكاتب، ومحتوى منجزه، وفيها لون من التجانس، وإن كان أكثرها ضبطاً ما حرّرتهُ يراعة الكاتب يوماً بعد يوماً، ومع ذلك إن لون كتابة اليوميات نجدها أرضاً خصبة؛ بذر فيها الكاتب تجاربهُ وأحلامهُ ورؤاه، وهذا ما سجله الكاتب والباحث والمترجم صلاح السعيد في كتابه الموسوم (مدن في حياتي)، الصادر هذا العام عن دار الفرات للثقافة والإعلام مع دار سما للطباعة والنشر، فقد سجل السعيد اعترافات عن حقبة من تاريخ رحلاته المتعددة، الذي عاشها باصراً وبصيراً، ووسم كتابه بـ(مدن في حياتي) وهو المصطلح الأجمل والأشمل والأدق في أدب الرحلات، ولا ريب أن هذا العمل مما ينفع القارئ ويمكث على رفوف المكتبات ليستعين به الباحث والقارئ فيم يستطيع من بحث أو كتابة، ولا سيما ذوو الشأن ممن يشرئبّون إلى معرفة الأحداث والشخوص بلا تزويق.

الكتاب صدر بواقع (230) صفحة من الحجم الوسط ذات الطباعة الجميلة، وغلاف رائع من تصميم الكاتب نفسه، إذ وثق الكاتب فيه زياراته خلال مسيرة حياته لـ(47) دولة ومدينة، وما حصل من خلال سفراته هذه من احداث ومواقف منذُ شبابه وحتى العقد الثامن من عمره، ومن خلال اطلاعي على هذا السفر الجميل الذي ينقلنا من خلال كلماته من مدينة إلى أخرى؛ وكأننا في سياحة مع الكاتب، واقول حقاً هذا الجنس الأدبي الذي أتى من خلال الحوادث والصور المتتابعة بحسب حركة الحياة، يأتي من خلال يومياته وشغفه في سرد ذكرياته خلال رحلة سفره، وهو نمط الأدباء والمؤرخون الذين يلجئون إلى تدوين ذكرياتهم في هذا العمل، وهم ينثرونها في آثارهم، وأنا اوالي قراءة هذا العمل الجميل يتجاذبني منهج واسلوب المبدعين الذين يمتدون في الزمان والمكان والاتجاهات، ولغة الكاتب السّمحة النافذة المعبّرة تجعل من المترجم أديباً، هذا العمل الممتع المفيد يجمع بين التاريخ والاجتماع والأدب والجغرافيا، وهو سجل توثيقي بارع منسوج على منوال عربيّ اللسان يعبق بأريج المدن حيناً بعد حين.

الكتاب عبارة عن جملة من التجارب التي ديفت بعطر تراب المدن والعشق للترحال والاستجمام، لقد سرّني هذا العمل الجاد الذي يؤرخ لحقب من حياة الكاتب صلاح السعيد، ولكن نتلمس بارتياح ما فيه من خفّة الروح والحكمة البالغة والنكتة البارعة لسفرتهم إلى الكويت، مما يرد عفو الخاطر من خلال سفراته إلى المدن ليعلل حياته الرغيدة. هذا العمل الأنيق والعميق والودود؛ فيه الخبرة والعبرة والاستمتاع بما يقرأ وينتفع.

لا ننسى أن الكاتب والباحث والمترجم صلاح مهدي السعيد من مواليد مدينة الحلة عام 1945م، وحاصل على شهادة البكالوريوس في كلية الآداب قسم اللغة الانكليزية؛ وشهادة الدبلوم باللغة الانكليزية عن المعهد البريطاني في بغداد، ومارس مهنة التعليم في المدارس الثانوية العراقية ومعاهد المعلمين حتى التقاعد عام 1991م، وهو رئيس اتحاد ادباء وكتاب بابل لدورتين، ومترجم للكتب ولعشرات المقالات التي نشرت في الصحف والدوريات العراقية، وحائز على الجائزة الأولى لوزارة الثقافة العراقية/ دار الشؤون الثقافية في مجال بحوث العقائد والانثروبولوجيا عن كتابه الموسوم (طقوس وعقائد ما بعد الموت)، وصدر له أكثر من (30) كتاباً بين التأليف والترجمة منذُ عام 1987م ولغاية صدور هذا الكتاب الذي يعد من أدب الرحلات.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5442 المصادف: 2021-07-30 02:29:20


Share on Myspace