 كتب وإصدارات

محمود محمد علي: قراءة تحليلية لكتاب الصندوق الأسود "عمر سليمان" لمصطفي بكري (1)

محمود محمد عليالصندوق الأسود كتاب جديد للصديق الأستاذ الزميل مصطفى بكرى صدر عن دار نشر نهضة مصر في عام  2015، عدد الصفحات 303 ورقة من القطع الكبير، ويتضمن أسرار ومفاجآت خطيرة تنشر لأول مرة عن مشوار حياة اللواء عمر سليمان، مدير المخابرات العامة الأسبق، ومرحلة ما قبل ثورة 25 يناير 2011 وأثنائها وما بعدها.

ويحتوي الكتاب على نصوص حوارات دارت بين بكري وسليمان خلال عدة جلسات في عامي 2011 و2012 بمستشفى وادي النيل حيث كانت هذه اللقاءات تتم بجوار مكتب مدير المستشفى حيث كان يعالج.

ولذلك الكتاب حجما هائلا من المعلومات، عرضها مصطفي بأسلوبه السلس والتشويقي الذي يخاطب أوسع دائرة من القراء بتأثير واضح من المكون الصحفي في حضوره وبحواديتيه فرضتها صعيديته ذات النفوذ القوي علي شخصيته, فإن ما أورده بشأن واقعتين مفصليتين من أسرار وأخبار يظل ـ بالنسبة لي ذروة سنام الإثارة في الكتاب, وأعني ما يشبه محضر اجتماع الاتحادية الذي عقده الرئيس مبارك عام2010 ـ بناء علي طلب عمر سليمان وحضره فتحي سرور وصفوت الشريف وزكريا عزمي وجمال مبارك وأحمد نظيف وأحمد عز ليواجههم بما قاله سليمان من أن الانتخابات البرلمانية شهدت تزويرا واسعا.. وتأمل المناقشة التي دارت في هذا الاجتماع تعطي انطباعا قويا جدا عن مشهد الانهيار أو بوادره.

لذلك فإن كتاب مصطفي بكري عن عمر سليمان هو واحد من النصوص التي يقال عنها (واضعة النقاط علي الحروف) في أحداث وعن شخصيات كثر اللغط حولها واللت والعجين عنها واختلطت بشأنها الأنساب السياسية والوطنية.

وقد قام "مصطفي بكرى" بالتمهيد للكتاب قائلًا: "كان عمر سليمان رجل مخابرات من طراز فريد، له تاريخ وباع طويل في العمل في المخابرات الحربية والقوات المسلحة، حيث كان سليمان كان الصندوق الأسود الذي يملك المعلومات حول العلاقات مع دول الجوار، وإن اختيار الراحل عمر سليمان كنائب للرئيس محمد حسني مبارك خلال فترة ثورة 25 يناير، كان مطروحًا منذ مدة طويلة جدًا، هناك الكثير من اللافتات التي حملت صور عمر سليمان، مطالبين الرئيس بتعيينه كنائب وفي بعض الأحيان كان ينتظر البعض تقديمه كرئيس جمهورية بعد انتهاء ولاية مبارك".

ويحوى كتاب "الصندوق الأسود-  عمر سليمان" مفاجآت ويكشف أسرارا وتفاصيل يخطها مصطفى بكرى عن رواية عمر سليمان نائب رئيس الجمهورية السابق، وتكشف ما خفى في مرحلة ما قبل وأثناء وما بعد ثورة 25 يناير.

ويجيب مصطفي بكري عن تساؤلات عديدة مثلت علامات استفهام كبيرة للكثيرين: - لماذا اتفق الإخوان والأمريكان على إسقاط الدولة في مصر؟! - ملف التوريث سر الأزمة بين عمر سليمان وجمال مبارك - برلمان 2010 والخلاف بين عمر سليمان وأحمد عز - تفاصيل ما جرى بعد رحيل مبارك وأسرار العلاقة بين المشير طنطاوي وعمر سليمان - أسرار المرض وأين الحقيقة في وفاة عمر سليمان؟ كما يتناول الكتاب بجرأة ويجيب بكل موضوعية على سؤال الساعة.. هل كانت 25 يناير ثورة أم مؤامرة؟

كان عمر سليمان رجل مخابرات من طراز فريد، ضابط من أصول صعيدية، عائلته تضرب بجذورها فى مركز "فقط"، محافظة قنا، كان يحلو له دائمًا عندما يقابلني أن يقول لي: "أهلاً يا أبو البلديات".

كان عمر سليمان كما يري مصطفي بكري يعتز بصعيد مصر، إلا أنه ومنذ أن غادره صغيرًا انهمك فى الحياة وأعبائها، نسى حتى نفسه، لكنه ظل دومًا محتفظًا بقيم الأصالة والوفاء والنقاء، عندما تضيق به الأحوال كان يذهب إلى استراحة وادى النيل التي تطل على النهر القادم من الجنوب، يجلس هناك وحيدًا، يفكر بعمق، يمضى بخياله إلى ربوع الوطن، يتنفس سحر الحياة التي عشقها على أرض مصر.

لم يذكر اسمه إلا وجاء مقترنًا بفيض من الأسرار وسيل من الخبايا التي لا يعلمها أحٍد غيره، وبالرغم من ابتعاده عن الأنظار طيلة سنوات عمله كرئيسًا للمخابرات العامة، إلا أنه ومنذ بدايات ظهوره في سنواته الأخيرة، لم يتوقف عن توجيه التحذيرات وإطلاق النبوءات، فصدقت تحذيراته، وتحققت نبوءاته، إلى أن لقب بالصندوق الأسود للدولة، هو الجنرال الراحل عمر سليمان.

وكان عمر سليمان شخصا غامضا وإن كان قام بدور معلن في العلاقات المصرية مع كل من الولايات المتحدة وإسرائيل والفلسطينيين. وباعتباره من أكثر الناس الذين وثق بهم مبارك ربما يكون أخذ معه إلى القبر كثيرا من أهم أسرار حكم الرئيس السابق. وغاب سليمان لأكثر من عام عن الأضواء بعد سقوط مبارك الذي عينه في منصب نائب الرئيس في محاولة لإنهاء ثورة الربيع العربي في مصر التي هددت حكم الرئيس السابق الذي استمر 30 عاما. لكن تلك المناورة فشلت حين رفضت الحشود التي طالبت برحيل مبارك التنازلات السياسية التي عرضها سليمان لتهدئة الاحتجاجات.

وفى التمهيد أيضًا قال مصطفي بكري  ناقلًا أحد الحوارات بينه وبين عمر سليمان قائلًا: "عندما كنت أسأله عن جمال مبارك وعن الآخرين وعن التوريث، كان يقول دومًا: مصر أكبر من كل هؤلاء ولن يستطيع أحد أن يجبر المصريين على شىء لا يقبلون به".

وكان عمر سليمان يعرف أن ملف التوريث فيه مقتل للنظام ونهاية له، وكان حريصًا على أن يقرأ المستقبل بعيون الوطن، كان يحذر لكن أحد لم ينصت إليه، كان يقول أن هذا الملف هو الخطيئة المسكوت عنها وكان على ثقة بأن الأمر لن يمر بسهولة.. فى عام 2006 تحدث مع الرئيس مبارك بكل صراحة ووضوح وقال له: "يا ريت جمال يسافر بره".

وأشار مصطفي بكري إلى أهمية التوقف في الكتاب، لما قال عمر سليمان لجمال مبارك أمام الرئيس، حينها: "لما اقول الانتخابات مزورة يبقى مزورة".

كما تناول مصطفي بكري فى الكتاب الجزء المتعلق، بخروج دبابات ومدرعات الجيش من المعسكرات حاملة شعارات ضد مبارك، قائلاً: "الدبابات كانت نازلة من المعسكر بالكلام، واللواء حسن الروينى قال إن الدبابات نزلت ومكتوب عليها يسقط مبارك".

وجاء بأجزاء من الكتاب.. كان عمر سليمان رافضا لنتائج الانتخابات البرلمانية 2010 وقد أعلن معارضته وحذر من خطورة المرحلة القادمة، وأكد أن النظام اذا لم يجد مخرجا للازمة فإن الدعوات التي ستنطلق على الفيس بوك.

كان عمر سليمان كما يري مصطفي بكري رافضًا لنتائج الانتخابات البرلمانية، وقد أعلن معارضته، وحذر من خطورة المرحلة المقبلة، وأكد أن النظام إذا لم يجد مخرجًا من هذه الأزمة فإن الدعوات التى تنطلق على "الفيس بوك" للتظاهر يوم 25 يناير سوف تجد لها صدًى شعبيًا كبيرًا من شأنه أن يحدث قلاقل كبرى في البلاد.

وثمة نقطة أخري مهمة عالجها مصطفي بكري في الكتاب، حيث ذكر بأن عمر سليمان فتح، صندوق أسراره في محاكمة الرئيس السابق ونجليه علاء وجمال، ووزير داخليته المعروفة بـ"محاكمة القرن" في نهاية 2011 فأخرج بعضا من كواليس ما جرى.

وكانت شهادته حول تورط مبارك في قتل المتظاهرين، ابرز الكواليس والتي أكد فيها سليمان أن مبارك لم يصدر تعليمات صريحة بقتل المتظاهرين أو التعامل معهم بعنف، ولكنه عندما نما إلي علمه ما وقع من أحداث عنف أصدر تعليماته بتشكيل لجنة لتقصى الحقائق.

وعلي الصعيد الدولي، كانت نظرته الثاقبة نحو القضايا الدولية محط دهشة الكثيرين، إذ كان كما يري مصطفي بكري أول من تنبأ بمخطط صعود الإخوان الي السلطة، منذ عام 2004، حينما حذر من مخطط إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش التي تقوم على الاتفاق مع جماعة الإخوان المسلمين كركيزة لتنفيذ مخطط الشرق الأوسط فى مصر والمنطقة.

وأعقب ذلك، بنبوءة أخري، ذكرها مصطفي بكري خلال أحداث ثورة 25 يناير، حذر فيها من خطورة تنحي الرئيس الأسبق حسني مبارك، وما سيعقبه من فوضي، في تلك اللحظة ما سيدفع التيار الإسلامي والبعض ممن تحركهم أجندة خاصة، لتحقيق أهدافهم، وذلك في حوار له فى شهر فبراير 2011 أذيع على قناة ABC الأمريكية.

كذلك في هذا الكتاب يصف مصطفي بكري الأحداث التي مرت بها مصر منذ بدايات ثورة 25 يناير فيقول :   كان دوما ما يصف مشروع التوريث بالخطيئة المسكوت عنها، أطلق تحذيراته كثيرًا خوفًا من انهيار النظام بأكمله إذا ما نفذ مخطط توريث الحكم لنجل الرئيس الأسبق، قبل عدة سنوات من ثورة 25 يناير، لكن أحدًا لم ينصت إليه.

كان كل شئ كما يري مصطفي بكري يمضي إلى نهايته بعد أن تزايدت حدة الأزمة في الشارع، ولم يكن أمام الجماهير سوي خيارا واحدا ووحيد وهو رحيل الرئيس محمد حسني مبارك، وكانت مغامرة الإخوان المسلمين تبدو واضحة للعيان، وكان الهدف هو دفع الأوضاع في البلاد إلى الفوضى وإسقاط الدولة .

وقد سعت واشنطن إلى فتح خطوط خلفية مع  نائب رئيس الجمهورية آنذاك عمر سليمان، حيث كان الهدف كما يري مصطفي بكري هو دفعه إلى حسم الأمر وتولي حكم البلاد بديلا عن الرئيس مبارك، وقد أجرت وزيرة الخارجية الأمريكية " هيلاري كلنتون" اتصالا بالنائب " عمر سليمان" قال لها بوضوح أن الرئيس مبارك هو صاحب القرار الوحيد حتى الآن وذلك كما يري المؤلف.

كشف عمر سليمان في حديث صحفي عن بعض ما جري في هذا اللقاء قال كما ذكر مصطفي بكري : كانت هناك مكالمة مع " هيلاري كلنتون" ولكنها لم تطلب أن يتنحي الرئيس مبارك فورا .. لقد أخبرتها أن هناك عملية تجري وفي نهايتها سيغادر الرئيس، ولم تكن واشنطن حتى هذا الوقت ترغب في تولي القوات المسلحة لمهام السلطة في البلاد، وإنما كانت تدرك أن الجيش سيقف عائقا أمام مخططاتها في تولي جماعة الإخوان المسلمين لمهام الحكم، غير أن مبارك كان مصرا في المقابل على تولي القوات المسلحة لإدارة شؤون البلاد بعد رحيله .

عقد المجلس الأعلى للقوات المسلحة اجتماعا حاسما يوم الخميس الموافق العاشر من فبراير عام 2011 واستمر الاجتماع لعدة ساعات كما يذكر مصطفي بكري، حيث كانت الأجواء محتقنة كما يري المؤلف، وكانت الدعوات قد انطلقت للزحف إلى القصر الجمهوري صباح الجمعة لمحاصرته وإجبار الرئيس على الرحيل .. فقد النظام السيطرة علي المؤسسات الرئيسة للدولة وأصبح مستقبل البلاد محفوفا بالمخاطر، وبعد مناقشات مطولة، واقتراحات عديدة، قرر المجلس الأعلى للقوات المسلحة إصدار بيانا في أعقاب اجتماع يوم الخميس الموافق العاشر من فبراير 2011، وبعد إذاعة البيانا بساعات قليلة كان الرئيس مبارك يلقي خطابا هاما في وقت متأخر من هذا المساء، وبعد مقدمة طويلة قرر الرئيس في نهاية خطابه تفويض اللواء عمر سليمان نائب رئيس الجمهورية غي اختصاصات رئيس الجمهورية على النحو الذي يحدده الدستور ,

بعد هذا الخطاب ألقي اللواء عمر سليمان كما يذكر مصطفي بكري بيانا أكد فيه أنه سيلتزم بتنفيذ لمطالب المتظاهرين التي عبرت عنها الجماهير وحركة الشباب المصري وتعد بالوصول بالبلاد إلى بر الأمان وإجراء انتخابات رئاسية جديدة كما يري المؤلف.

وفي صباح الجمعة الموافق الحادي عشر من فبراير من عام 2011 عقد  المجلس الأعلى للقوات المسلحة اجتماعا أكد في نهايته كما يذكر مصطفي بكري بتعهده لتقديم الضمانات الكافية لتنفيذ المطالب الشعبية في ضوء تفويض نائب رئيس الجمهورية باختصاصات الرئيس، كانت المظاهرات قد زحفت إلى القصر الجمهوري، وفي أعقاب صلاة الجمعة، قرر مبارك  مغادرة القصر متجها إلى شرم الشيخ بعد أن طلب منه المقربون ذلك .

كان عمر سليمان متواجدا بالقصر الجمهوري في هذا الوقت كما يري مصطفي بكري، وقد تلقي نصيحة من قائد الحرس الجمهوري بالتوجه إلى مقر قيادة الحرس، ومن هناك جري النقاش حول ضرورة أن يتخذ الرئيس قرارا خطيرا لإنقاذ البلاد ... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5573 المصادف: 2021-12-08 00:52:41


Share on Myspace