 كتب وإصدارات

محمود محمد علي: قراءة تحليلية لكتاب الصندوق الأسود "عمر سليمان" لمصطفي بكري (2)

محمود محمد علينعود ونكمل قراءتنا التحليلية لكتاب الصندوق الأسود عمر سليمان لمصطفي بكري، وهنا نقول: وافق عمر سليمان في البداية ثم سرعان ما أعلن عن اعتذاره مساء الأربعاء الموافق الرابع من إبريل، ورفض أعضاء حملته الانتخابية هذا القرار وحشدوا الألوف من المواطنين ومارسوا جل ضغوطهم ولم يكن أمام اللواء عمر سليمان من خيار إلا الاستجابة لمطلبهم .

وفي مساء الجمعة الموافق السادس من  إبريل قرر عمر سليمان مراجعة موقفه والاستجابة لمطلب مؤيديه بالترشح في الانتخابات الرئاسية .. كان الهدف هو مواجهة الإخوان والتصدي لمرشحهم الرئاسي "خيرت الشاطر"، والذي تقدم بأوراقه للترشيح يوم الخميس الموافق السادس من مايو ومن بعده تقدم محمد مرسي كمرشح احتياطي .

في هذا الوقت وجه عمر سليمان خطابا إلى الشعب المصري برر فيه الأسباب التي دعته إلى الترشح لانتخابات رئاسة الجمهورية، حيث قال عمر سليمان لقد هزتني وقفتكم القوية وإصراركم على تغيير الأمر الواقع بأيديكم .. إن النداء الذي وجهتموه لي هو أمر، وأنا جندي لم أعصي أمرا طيلة حياتي، فإذا ما كان هذا الأمر من الشعب المؤمن بوطنه فأنا لا أستطيع إلا أن ألبي النداء وأُشارك في الترشح برغم ما أوضحته لكم في بياني السابق من معوقات وصعوبات ... وقال عمر سليمان موجها حديثه لمؤيديه:" إن ندائكم وتوسمكم في قدرتي هو تكليف وتشريف ووسام على صدري، مع وعد مني بأن أبذل كل ما أستطيع من جهد معتمدا على الله ثم على دعمكم لننجز التغيير المنشود واستكمال أهداف الثورة وتحقيق آمال الشعب المصري في الأمن والاستقرار والرخاء .

وبعد إعلان عمر سليمان الترشح بدأ الإخوان المسلمون حملة شرسة استهدفت شخص عمر سليمان وتاريخه الوطني وراحوا يعدون قانونا في مجلس الشعب يستهدف العزل السياسي لكل من عمل مع الرئيس الأسبق حسني مبارك .

كان عمر سليمان قد في هذا الوقت عن تلقيه تهديدات بالقتل من جماعة الإخوان المسلمين، إلا أن أعلن أن قراره بالترشح لانتخابات الرئاسة هو قرار نهائي لا رجعة فيه .. وبعد أن تقدم الممثل القانوني لعمر سليمان بأوراق الترشح يوم الأحد الثامن إبريل سادت حالة من التفاؤل في قطاعات كبيرة من الشعب المصري .

وفي يوم الجمعة الثاني من إبريل نشرت صحيفة الأهرام القاهرية تفاصيل اللقاء الذي جري بين عمر سليمان وأعضاء حملته الانتخابية حيث أكد أنه قرر الترشح حتى يتمكن من نوع العمامة من فوق رأس مصر وكذلك إعادة الهيبة إلى الدولة مرة أخرى .

اتهم عمر سليمان الإخوان المسلمين بأنهم خطفوا الثورة ومارسوا العمل المسلح بحرق الأقسام والمرافق، كما وعد بكشف العديد من الحقائق والأسرار قريبا أمام الشعب،   كانت كافة استطلاعات الرأي تؤكد تفوق عمر سليمان على المنافسين الآخرين، إلا أن الرأي العام أصيب بالصدمة بعد إعلان اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية عن استبعاده من الترشح، وذلك بسبب وجود نقص في التوكيلات القادمة من محافظ أسيوط تبلغ 31 توكيلا .

تنفس الإخوان الصعداء وأيقنوا أن الفرضة باتت مواتية لهم، والتزم المجلس العسكري الصمت، وصار جدلا كبير في الصحافة ووسائل الإعلام، إلا أن عمر سليمان تجاوز الحدث رغم مرارته وكان علي ثقة بأن الإخوان المسلمين قادمون بلا جدال .

وفي التاسع من يونيو من عام 2012 سافر عمر سليمان إلى دولة الإمارات العربية المتحدة وبرفقته أحد أحفاده .. لقد كان يعاني من مرض غامض في هذا الوقت، إلا أن الأطباء لم يتوصلوا إليه أثناء وجوده في ألمانيا التي كان قد عاد للتو منها إلى القاهرة وبرفقته طبيه الخاص الدكتور " علاء العزازي" .

وفي الحادي والعشرين من يونيو لحقت به العائلة إلى "أبو ظبي" ، أبلغته إحدى كريماته بأن لديها معلومات تقول بأن أحمد شفيق هو الفائز في الانتخابات الرئاسية، إلا أن عمر سليمان قال لها بكل ثقة بل إن من سُيعلن عنه بفوزه هو " محمد مرسي" وليس أحد آخر .

كان الخبر صادما لأسرة عمر سليمان غير أن الرجل كان واثقا من تحليلاته ومعلوماته .. اعترته الهموم والحسرة بعد الإعلان عن فوز محمد مرسي في الرابع والعشرين من يونيو، ولذلك أُدخل إلى مستشفي الشيخ زايد العسكري في اليوم التالي بعد اشتداد حدة المرض عليه .

مر يوم عيد ميلاد عمر سليمان في الثاني من يوليو عاديا .. كان إلى جواره أفراد أسرته .. كان قد ترك المستشفى للتو بهدف السفر إلى خارج البلاد .. وفي الثالث من يوليو قرر عمر سليمان مغادرة دولة الإمارات إلى ألمانيا لإجراء بعض الفحوصات الطبية بناءً على طلب مستشفيي زايد العسكري واصطحب معه بعض أسرته .

لم يبق عمر سليمان في ألمانيا سوي ثلاثة أيام فقط بعدها سافر إلى العاصمة البريطانية " لندن" .. كان مصرا على أن يقضي أغلب وقته مع أسرته واحفاده، وفي " لندن " قرر أن ينزل في أحد الفنادق القريبة من المستشفى .. أجري تحاليل طبية في أحد مستشفيات العاصمة البريطانية .. طلب منه الأطباء دخول المستشفى، إلا أنه رفض وقرر السفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في الخامس عشر من يوليو لإجراء فحوص شاملة في مستشفى "كليفلاند" .

في السادس عشر من مايو بدأ عمر سليمان رحلة فحوصات جديدة، قرر الأطباء بقاءه داخل المستشفى بعد أن اكتشفوا إصابته بمرض " دَّاءُ النَّشَوانِيّ" حيث يترسب البروتين في القلب والكلي مما قد يسبب فشلا وظيفيا تاما في هذه الأعضاء تؤدى إلى الوفاة .

وفي اليوم الأخير ظل أفراد أسرته معه حتي الثانية عشر مساءً .. كان عمر سليمان يبدو طبيعيا في هذا المساء .. أجري اتصالا بالمهندس عبد الحميد حميدي زوج كريمته رانيا وطلب منه الحرض على إقامة موائد الرحمن للفقراء في شهر رمضان كعادة كل عام ..

غادرة الأسرة غرفة عمر سليمان بالمستشفى في الثانية عشرة مساءً، وفي الثانية صباحا كان أيمن القفاص زوج كريمته " عبير " يخطر أفراد الأسرة بأن عليهم الحضور فورا إلى المستشفى .. كان الأطباء يحاولون انقاذ  عمر سليمان بكل ما أوتوا من قوة .. حاولوا من خلال الصدمات الكهربائية، لكنهم فشلوا .. أعادوا الكرة أكثر من مرة، ولكن المقلب المتعب لم يستجب .. فارق عمر سليمان الحياة في فجر التاسع عشر من يوليو من عام 2012 .

اهتز الشارع المصري وسادت حالة من الحزن والوجوم الشديد وكانت الصدمة كبيرة، وتعددت الروايات، غير أن الحقيقة كانت تقول إن جسد الرجل رحل إلى مثواه الأخير.

في فجر الثاني والعشرين من يوليو وصلت جثمان عمر سليمان إلى مطار القاهرة .. كانت أسرته ترافقه، وكان صوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد يدوي بقراءة القرآن من خلال شريط كاسيت .. كان يرافق عمر سليمان في كل رحلاته .. في المطار كان رجال المخابرات العامة المصرية والقوات المسلحة ومؤسسات الدولة المختلفة وجمهور كبير من الشعب في انتظار جثمان الراحل .. كان الجثمان ملفوفا بعلم مصر .. حملوه على الأعناق إلى مستشفي " واداي النيل" حيث كانت نظرة الوداع الأخيرة .. احتشدت الجماهير حول مسجد الرزاق في مدينة نصر .. تقدم الجنازة المشير حسين طنطاوي رئيس المجلس الأعلي لقوات المسلحة والعديد من القيادات العسكرية والأمنية .. رفض الرئيس محمد مرسي المشاركة في الجنازة .. دقت الموسيقي العسكرية تعلن بدء لحظة الوداع الأخيرة .. رفع المشاركون في الجنازة صور عمر سليمان .. بكي الجميع على رحيل الرجل الذي أفني عمره كله دفاعا عن الوطن ومن جنازة عمر سليمان انطلق أول شعار يحمل يسقط يسقط حكم المرشد.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

..............

مراجع المقال:

1- فيلم وثائقى عن حياة اللواء عمر سليمان من انتاج قناة صدى البلد.

2- مصطفي بكري: الصندوق الأسود عمر سليمان.

3- وجدي زين الدين: الصندوق الأسود وعمر سليمان.. مقال منشور بالوفد بتاريخ الاثنين, 26 يناير 2015 16:57.

4- نيفين أشرف: "الصندوق الأسود".. عمر سليمان تنبأ بسقوط الأخوان وفشل التوريث. وفتح خزائن أسراره في محاكمة القرن..مقال منشور بجريدة الدستور الثلاثاء 19/يوليو/2016 - 03:24 م.

5- محسن البديوى: عمرو أديب: "الصندوق الأسود عمر سليمان" مشهد مكتوب بسلاسل ذهب، اليوم السابع، مقال منشور بجريدة اليوم السابع بتاريخ الأربعاء، 28 يناير 2015 04:43 ص.

6- د. عمرو عبد السميع: حالة حوار الصندوق الأسود‏..‏ عمر سليمان، جريدة الأهرام القاهرية، منشور بتاريخ السبت 18 من ربيع الآخر 1436 هــ 7 فبراير 2015 السنة 139 العدد.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5574 المصادف: 2021-12-09 02:47:01


Share on Myspace