 كتب وإصدارات

حسنين جابر الحلو: ماجد الغرباوي في رحلته مع التسامح ومنابع اللاتسامح

حسنين جابر الحلو

يعيش الانسان اليوم في رحتله الحياتية في غربة، ولاسيما عندما يجد ان هناك ثمة تعرقل مقصود يطيح به، ويحيط به في الوقت ذاته، بسبب عدم القدرة على التسامح، واللاتسامح المفرط في وقتنا المعاصر أدى إلى ضعف البنية الاجتماعية بين الأفراد، وانتقل إلى عموم المجتمع وتفصيلاته، في هذه الرحلة مع" ماجد الغرباوي" يضيء لنا بعض الأضواء في مفاهيم التسامح حيث يجد أنه مفهوم اسلامي، ولكنه في الوقت ذاته قد صورته الثقافة الإسلامية بعده مخلوقا غير اسلامي بسبب قراءات العنف والاحتراب، وهذا مما يستدعي منا الرجوع إلى الذات لمراجعتها ونقدها، والوقوف على مواضع الخلل فيها لتقويمها ومعالجتها.

على الرغم من الملاحظات على القراءات المبتورة التي سجلها "الغرباوي" على من يعتقد بأن المتسامح هو انسان متنازل عن قناعاته الفكرية والعقيدية نزولا عند رغبة الآخر كما يعتقد، أو هي الانصياع والتبعية والرضوخ للاخر المختلف في رؤية أخرى، هنا الا يعتقد او يضع مجالا بعده تعايشا؟ على اساس كلية العقيدة وحرية التعبير وماشاكل ذلك.

قطعا ان التسامح عنده هو نسق قيمي وأخلاقي يراد احلاله محل النسق القيمي والأخلاقي الذي مازال يدير حركة المجتمع ويحدد اتجاهاته، ولاسيما بعد ان ظل العنف مستحكما داخل المجتمعات غير المتحضرة والتي لاتحتكم الى القانون، وتحتاج إلى رجوع واضح لفهم التداعيات في الممارسة غير المشروعة للعنف، واعتماد الجميع القوة والعنف أساسا في التفاضل الاجتماعي والسياسي عن طريق:

3215 التسامح ماجد الغرباوي- الولاء القبلي .

- وسيادة الإرادة السياسية .

وهذا بدوره أدى إلى تاسيس قيم في المجتمع من خلال :

١- تزريق القيم الى وعي الفرد عادة في السنوات الأولى من حياته عندما يلقن مفاهيم الخضوع والاستسلام للقيم .

٢- المجتمعات العربية مجتمعات ذكورية، تمنح الرجل صلاحيات واسعة، وتهمش المراءة وتلغي وجودها .

٣- هيمنة القيم التسلطية والقمعية في المجتمع .

٤- تمثل السلطة الفوقية وتداولها ولائيا.

مما سبب حالات من التغيير في مبتنى فهم الأفراد لما يحتاجون إليه جملة وتفصيلا، داخليا وخارجيا .

وبما أن التسامح هو نسق قيمي إلا أنه لاينسجم مع منظومة القيم المستبدة، لأن المجتمع هو الذي يحكم بصلاحه من عدمه، ووقوف الاستبداد السياسي كخصم حقيقي للتسامح، من خلال رفض الآخر وتبعاته، كما ينبغي بحسب " الغرباوي" اعتماد أسلوب آخر في الحكم ينهي هيمنة الطاغية على عقل الإنسان، الذي يخشى التدهور السياسي والأمني عند غيابه، بمعنى البقاء داخل السلطة مهما كلف الأمر.

ومن جهة أخرى يرى أن التطرف الديني أيضا أحد أخطر منابع اللاتسامح، لتلبسه بلبوس المقدس، وتوظيفه للنص الديني، بما ينسجم مع مصالحه الخاصة فقط .

بعدها ينتقل الى أسس التسامح في حقوق المواطنة من المسلمين وغيرهم، الى سيادة القانون والاستمرار في تأثيره الاجتماعي، ولكنه يصطدم عندما يجد تعدد في المرجعيات فيفقده قوته ويتراجع،وحتى يبقى موقفه قويا لابد من اعادة تشكيل قيم التفاضل من خلال مجموعة موزعة اجتماعيا بين الدين والأخلاق والأعراف

والعادات والتقاليد، وتوظيفها في إطلاق الحريات العامة لترسيخ قيم التسامح بين أبناء الوطن الواحد، عن طريق الإسلام الصحيح بالرفق والحلم والعفو والرحمة، بدراسة مهمة ومحاولة تاسيس نسق قيمي جديد لمفهوم اسلامي عريق أكدته نصوص الكتاب وعضدته السيرة الصحيحة.

محاولة "الغرباوي" هذه محاولة علمية جادة، أراد من خلالها تبيان منابع التسامح الإسلامية الصحيحة التي تدعو إلى العيش المشترك، بعيدا عن لغة الحروب والصراعات والفتن، التي لا تؤدي إلا إلى القطيعة، وقد تستمر الى أجيال وأجيال اذا لم نتبه إليها.

 

د. حسنين جابر الحلو

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (6)

This comment was minimized by the moderator on the site

أتقدم بجزيل الشكر والامتنان للاخ الاستاذ الدكتور حسنين جابر الحلو وهو يقدم إضاءة نقدية لكتاب التسامح ومنابع اللاتسامح.. فرص التعايش بين الأديان والثقافات. يبقى التسامح ضرورة حياتية في ظل تشظي الهويات وتكريس الطائفية، وأية كتابة عن الموضوع هي إضافة تراكمية نحتاجها. أكرر احترامي وتقدير واشكر اهتمامه وتقييمه. مع خالص دعائي بدوام العافية والعطاء.

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ الدكتور حسنين جابر الحلو المحترم
تحية طيبة
اتقدم لك بالشكر على هذه الرحلة القصيرة في كتاب مهم حتى من عنوانه ((التسامح)) الذي هو حاجة البشر منذ الخليقة وسيرافقه فلو تسامح قابيل وهابيل لما (ظلت تشب نار الحرب جيلٍ جيل).
ورد التالي لطفاً: [على الرغم من الملاحظات المبتورة التي سجلها "الغرباوي" على من يعتقد بأن المتسامح هو انسان متنازل عن قناعاته الفكرية والعقيدية نزولا عند رغبة الآخر كما يعتقد، أو هي الانصياع والتبعية والرضوخ للاخر المختلف في رؤية أخرى] انتهى
كنتُ ولا ازال اتمنى لو نقلت لنا الفقرة نقلاً حرفياً مع الاشارة الى الصفحة حتى يتمكن من يستطيع او يريد العودة اليها الوصول بسهولة وانت تعرف ان من يقرأ هم القلة.
ثم لا اعتقد وقد اكون على خطأ من خلال اطلاعي ومتابعتي لبعض ما يتفضل به الاستاذ الفاضل ماجد الغرباوي في حوارته في المثقف الغراء انه يقصد ان المتسامح متنازل عن قناعته الفكرية والعقيدية نزولاً عند رغبة الأخر فالتسامح واسع وسع الحياة و القناعات الفكرية غيرحجرية... ودُرُبْ ومجالات التسامح في الحياة متشعبة وهي اكثر من اللاتسامح سواء على مستوى الفرد او الجماعة
القاريء لهذا النص قد يأخذ فكرة غير صحيحة تفيد ان من يسامح/يتسامح مع انسان على خطأ بسيط اتجاهه ستسقط قناعته الفكرية و العقيدية...و مثال آخر وهو معروف وكبير واسمحو لي ان اتعامل معه ببساطة وهو: هل تسامح النبي محمد مع بيت ابو سفيان عند او بعد فتح مكة اسقط القناعات الفكرية و العقيدية للنبي الكريم... وانت ترى حتى الحروب التي اُزْهِقَتْ فيها ارواح ملايين البشر انتهت بشكل من اشكال التسامح.
اتمنى ايها الاستاذ الكريم ان تنشر نص هذا القول وجزء مما بعده ومما قبله لتكون الصورة واضحة للقاريء
اختم بالقول اني لم اقرأ كتاب الاستاذ المحترم الاستاذ ماجد الغرباوي موضوع المقالة.
...................
رافتكم السلامة وتمام العافية

عبد الرضا حمد جاسم
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ الرائع عبد الرضا حمد جاسم المحترم .....
اشكر لكم هذا التعليق الذي ينم عن قراءة واعية للمقال ، وبالنسبة للمقطع المذكور بسبب قصر المقال كما تعلمون في الصحيفة الورقية التي نشرت بها المقال لأول مرة حددني بأن أذكر رؤوس نقاط مما ذكره الاستاذ الغرباوي في كتابه المشار إليه، وبالنسبة لمقطع الانسان المتنازل المتسامح على من يعتقد ذلك ، فاكتفيت بذكر المقطوعة لبيان الحال ، ولو أردنا التفصيل نحتاج الى نقله إلى بحث ، طبعا اشكرك كثيرا لهذا الرصد الذي يحدد بعض النقاط التي تحتاج إلى توضيح أكثر، شكرا مرة أخرى لتلطفكم بالقراءة وإبداء الملحوظات.....

حسنين جابر الحلو
This comment was minimized by the moderator on the site

مقال جميل وممتع عن فكر ماجد الغرباوي العميق في طريقة تناوله بالتحليل والتقييم. طرح نقدي يقوم على المحاورة وليس فقط السلخ السلبي وإعادة أقوال الغرباوي بتفاصيلها كما وقفنا عنده في بعض المحطات النقدية السابقة أو قل بعض الترديد لما جاء به هذا الفكر المزدهي بالتفلسف والمنطق العقلي.. ولكن مع ذلك أضم صوتي إلى صوت الأستاذ عبد الرضا حمد جاسم وذلك لهذا التعارض بين بداية المقال بقوله " الملاحظات المبتورة التي سجلها" الغرباوي" على من يعتقد بأن المسامح هو إنسان متنازل عن قناعاته الفكرية".. وفي هذا الكلام ثمة نزوع نحو التشكيك من خلال فعل "يعتقد" الذي يزرع بذرة شك في الخطاب. وكنا ننتظر خلاف هذا القول وبيان المسكوت عنه فيه.. أين الخلل الذي هيأ للاعتقاد؟ ثم وما هي الملاحظات المبتورة ومظاهر بترها؟ وما بديله لإتمام النقص وسدّه؟. قد يكون المقال قصيرا ولا سبيل لتقديم الأكثر لكن ذلك لا يمنع من إبراز النقائص أو حدود هذا القول على الأقل. وخاصة وأنه ذهب في النهاية إلى موقف مؤيد لفكرة التسامح في آخر المقال ومحاولة الغرباوي العلمية الجادة.. حبذا لو واصل المقال نسقه النقدي إلى النهاية. وكنا ننتظر التعليق أكثر عن حدود التسامح في الخطاب الديني. ذكر ذلك لكن حبذا لو كان التحليل أكثر. ربما يجعله يفصح عما آراده الغرباوي بالتلميح أو بصفة عامة : كيف للتسامح أن يصبح قيمة مضادة؟

Khira Mbarki
This comment was minimized by the moderator on the site

السيدة khira Mbarki الفاضلة ، شكرا لقرائتكم العلمية لهذا المقال ، ولعل الاشكال الوارد انا اقصد ما قصد الغرباوي ، من ملاحظاته على ان هناك اشخاص لهم آراء عن الشخص المتنازل عن قناعاته الفكرية والعقيدية عند الآخر مهما كان ، وإنما المتسامح هو المعترف والمتعايش وذكرتها ختاما في العيش المشترك ، وللاستزادة مراجعة الكتاب المشار إليه، بان الاستاذ الغرباوي علق على الملاحظات المبتورة ووقف عندها ، واراد تبيان الضد النوعي عندها ، طبعا الشكر الكبير لكم على هذا الرصد العلمي الذي ينم عن قراءة واعية ما بين السطور
تحياتي .....
د.حسنين جابر الحلو

حسنين جابر الحلو
This comment was minimized by the moderator on the site

طبعا ورد سهوا كلمة مبتورة والاصح ( الملاحظات على القراءات المبتورة التي قدمها الغرباوي) ، شكرا لملاحظاتكم السديدة ، وموفور الصحة لكم .....

حسنين جابر الحلو
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5609 المصادف: 2022-01-13 03:50:30


Share on Myspace