محمد الصبانقراءة في كتاب "صورة عطيل " للدكتور محمد أنقار"

يشكل كتاب "صورة عطيل" (1) ثمرة من ثمار الجهود التي بذلها الباحث والمبدع الراحل محمد أنقار لتعميق البحث في إشكال الصورة في الإبداع النثري واختبار أساليب التصوير الفني في المسرح، انطلاقا من مساءلة الأسس النظرية والإنجازات النقدية المتصلة بمفهوم الصورة الأدبية.

ورغم أهمية الكتاب وجدة موضوعه ومتانة صلته بمشروع أنقار النقدي، فإنه لم يحظ بالعناية التي حظيت بها باقي اعماله النقدية مثل كتاب " بناء الصورة في الرواية الاستعمارية" وكتاب "بلاغة النص المسرحي". لقد حاول الباحث، من خلال هذا الكتاب، بلورة رؤية أسلوبية خاصة بالمبنى الإنشائي للنص المسرحي، وخصائص صوره الفنية، بغية إبراز أبعادها الجمالية والإنسانية .

وترتكز هذه الرؤية على اعتبار الصورة تعبيرا كليا منسجما لاينبغي تسييجه بمظاهر بلاغية جزئية، ولاحصره في قوالب معيارية يمكن أن تخدش ملامحه الجمالية، أو تنمط وظائفه الإنسانية. كما ترتكز على وعي عميق بالفروق القائمة بين الأجناس الأدبية، لذلك نجد الباحث يشير إلى أن النقد الأدبي المعاصر أصبح يعالج الألوان البلاغية المختلفة بمعيار الصورة الشعرية " بل إن النقد انطلق في خطوة تالية أضحى بمقتضاها ينظر إلى العديد من مظاهر الإبداع غير الشعري بمنظور الصورة الشعرية " (2)

ففي الوقت الذي سيطر فيه مفهوم "الصورة الشعرية " على النقد الأدبي المعاصر بمنازعه المتعددة، ظلت مباحث التصوير الفني في السرد والمسرح مؤجلة أو بالأحرى مغيبة عن انشغالات نقادنا. ولعل الإنتباه إلى هذا التغييب هو ما جعل د. محمد أنقار يتوجه بجهوده النقدية نحو الاهتمام بالصورة في النثر السردي وصيغ التصوير الفني في النص المسرحي.

ويلاحظ الباحث أن إشكال حدود "الصورة الشعرية " شبه غائب في مجالي النقد الأدبي والبلاغة، وأن هذا المفهوم انحصر لدى أغلب النقاد في الاستعارة والتشبيه والكناية والمجاز المرسل، كما انحصر في الطباق والجناس والمقابلة والتورية وغيرها من المقابلات البلاغية المتميزة بثنائية ذات حدين، وبذلك أمسى الانزياح بين طرفي الثنائية معيارا ثابتا في تقييم الصورة الأدبية .

2605 محمد انقارويمكن أن نشير في هذا الصدد إلى و.هـ. كليمن w.h.clemen (3) في كتابه "تطور الصورة الشعرية عتد شكسبير" الذي حاول رصد تطور التجربة الفنية عند شكسبير من خلال دراسة صورالتشبيه والاستعارة. كما يمكن أن نشير إلى تصور " كرولين سبورجن" C.SPURGOEN في كتاب(4) " صور شكسبير وما تخبرنا به" حيث تعاملت الباحثة مع الصورة باعتبارها أداة تساعد على الكشف عن بعض المناطق المعتمة في حياة شكسبير وأفكاره. وقد حددت الصورة في التشبيه بشقيه الصريح والضمني، وتعني بذلك مختلف أنواع الاستعارة مثل :"الخناجر التي تختفي تحت ابتسامات الرجال " (مسرحية ماكبث). كما تعني التشبيه البسيط المأخوذ من الحياة اليومية مثل :"سوف يصدقون ما نقول كما تلعق القطة اللبن "(مسرحية العاصفة)، والتشبيه الدقيق الذي يعبر عن رهافة خيال خالقه مثل :" يستطيع العاشق أن يسير على خيوط العنكبوت التي تهزها نسائم الصيف اللعوب ولا يسقط " (مسرحية روميو وجولييت). وتخلص "سبورجن "من خلال الدراسة الإحصائية للصور في مسرحيات شكسبير إلى أن هذا الأخير كان يستعمل الصورة في "شكل التشبيه أو الاستعارة بأوسع معانيها بقصد التشبيه أيضا في النهاية"

غير أن د. محمد أنقار يختلف مع هذين التصورين، ويقر بأن مفهوم الصورة يتجاوز الحدود الممكنة أو المحتملة لأنه يتسع لكل مبادرات التصوير الجمالي التي تلغي الحدود بين عوالم التجربة الجمالية وتنفتح على الألوان التصويرية المتعددة التي يمكن أن تحدث تأثيرا في المتلقي.

لكن هذا الإقرار لم يمنعه من خوض تجربة تلمس بعض الحدود الممكنة للصورة المسرحية مستفيدا في ذلك من خبرته في معالجة الصورة الروائية بمرتكزاتها المتمثلة في السياق النصي وأصول الجنس الأدبي والطاقة اللغوية والبلاغية وسياق التلقي. والجدير بالملاحظة أن الباحث يؤكد على اعتبار مجهود القارئ عنصرا قويا وأساسيا في تحديد الصورة وتشكيلها من خلال تساؤلاته حول الروابط القائمة بين أجزائها وتأويلاته لأفكارها ودلالاتها، كما يؤكد –أكثر من مرة – على ضرورة تجنب إخضاع الصورة المسرحية للمعيار الشعري السائد، لأنها تتشكل في سياق الجنس المسرحي وتلتحم التحاما عضويا بنسيج النص، ومن ثم فهي تشكيل متميز له مقوماته الجمالية الخاصة.

ومن خلال تحليله لإحدى صور مسرحية "عطيل " يتوصل إلى خلاصة مفادها أن سياقي النوع والنص بالإضافة إلى إيقاع البناء ورؤية الكاتب ومجهود القارئ الذي ينشط مخيلته لابتداع الصور، كل هذه المنافذ يمكن أن تمنح للصورة المسرحية قوة بلاغية حتى وإن افتقرت إلى ركيزة المجاز التي تعتمد عليها الصورة الشعرية عادة، بل إن افتقارها إلى التعابير المجازية واعتمادها على التعبير المباشر هو ما يدفع المتلقي إلى تشغيل مخيلته أكثر من الارتكاز على خيال المؤلف، لأن"الصورة المسرحية الشعرية غير المجازية تستثير لدى القارئ إمكانيات تعبيرية شتى من أجل أن تعوض ما تفتقر إليه من إمكانيات مجازية " (5).

وغير بعيد عن مفهوم تحديد الصورة المسرحية يتوقف الباحث ليعمق البحث في العلاقة القائمة بين مكونات النص المسرحي وسماته، فيخلص إلى أن هذه العلاقة لاتقوم على الإسناد وإنما على التساند، إذ أن الكاتب المسرحي يستخدم اللغة استخداما فنيا أثناء تصويره لعمله الفني، بحيث لايسند السمة إلى المكون إسنادا عشوائيا، وإنما يرتب العلاقة بين الكلمات ترتيبا فنيا قائما على التساند المنسجم والشامل، مفترضا أن المتلقي يستطيع تمثل ذلك تمثلا ذهنيا. ثم يبرز الباحث كيف يمثل هذا التساند اللغوي المظهر العملي الجمالي للصورة المسرحية.

ولتوضيح الطبيعة الجمالية لهذا التساند، قام بتحليل هذه الصورة من مسرحية عطيل:

" إيميليا : يفرحني أنني وجدت هذا المنديل .

لقد كان أول هدية لها من المغربي.

مئة مرة حثني زوجي العنيد

على اختلاسه، غير أنها تحب هذا المنديل

الذي استحلفها على الاحتفاظ به إلى الأبد،

فراحت تبقيه معها دائما وأبدا،

تقبله وتحدثه، سأفسخ تطريزه

وأعطيه لياغو، أما ما الذي سيفعله به،

فعلمه عند ربي،

وإنما أنا أرضي نزوته " (6)

ويسلك الباحث ثلاث خطوات منهجية لإبراز خصائص التساند بين مكونات هذه الصورة وسماتها؛ في الخطوة الأولى يستخلص المكونات النوعية للعمل المسرحي، من حوار وشخصيات وموضوع وحدث وزمن ومكان. وفي الخطوة الثانية يعمل على رصد السمات التي أسندها الكاتب المسرحي للمكونات المسرحية، فشخصية "ياغو" – مثلا – أسندت إليها أفعال الحث والاختلاس والنزوة وصفات الزوج العنيد. وينطبق الأمر نفسه عل شخصات "إميليا " و"عطيل " و"ديزدمونة ". التي أسندت إليها أفعال وصفات خاصة بها، كما ينطبق الأمر نفسه على باقي المكونات المسرحية.

أما الخطوة الثالثة فيخصصها الباحث لتوضيح الخطوتين السابقتين، مذكرا بالفروق القائمة بين الحدث الدرامي وبين الأفعال الصغرى، ويستنتج بأن الحدث يتسم بالتجريد والامتداد والتشابك، في حين تتسم الأفعال الصغرى بالطابع الجزئي والمادي، غير أن وظائف هذه الأفعال ليست أقل شأنا من وظيفة الحدث الدرامي المسرحي.

وفيما يتعلق بالتصوير المسرحي يلاحظ أنقار أن هذه العملية الإبداعية لاتخرج عن إطار"التساند"، فالكاتب المسرحي يعتمد بالأساس على المادة اللغوية التي يشكل بواسطتها صور نصه المسرحي، بحيث أنه ينتقي الصفات والأفعال المناسبة ليسندها إلى المكونات بهدف تجسيد المواقف الدرامية، وتشخيصها وفق قواعد الجنس المسرحي بانسجام مع مجرى الأحداث وطبائع الشخصيات، وبذلك يكون " التصوير المسرحي تجسيدا أو تشخيصا أو تشكيلا لغويا للأحاسيس والأفكار والعواطف والمواقف، وتكون الصورة المسرحية نتاجا لغويا لكل تلك الوظائف التجسيدية وقد استمدت نسغها من سياق الجنس المسرحي " (7)

بيد أن التساند لايكون دائما منسجما، بل يمكن أن يكون متنافرا أو سلبيا، ويستدل الباحث على ذلك ببعض الصور التي أوردها "شكسبير " على لسان "ياغو" وهي صور تقوم على التساند المتنافر بين السمات المشينة وشخصية "عطيل".

ويمضي الباحث في تشريح صورة عطيل من منظورات متعددة (منظور "ياغو" ومنظور "كاسيو" ومنظور "دزديمونة ") بقصد الوصول إلى وضع اليد على البعد الإنساني لصورة هذه الشخصية. وقد استنتج أن " شكسبير " تمكن من إبداع صورة لـ"عطيل "تتميز بالنضج الفني والإنساني، بحيث تهتم بالجوانب العاطفية وتقلبات الأحوال النفسية، وتبتعد عن النظر إلى التمايزات العرقية بين الأفراد والشعوب.

ويرى الباحث أن شكسبير-وإن كان يدعم تصويره المسرحي ببعض المعطيات الموضوعية والتاريخية – فإنه لايحتفي بإركام هذه المعطيات بقدر احتفائه بالأبعاد الدرامية للشخصيات، وبطريقة تعبيرها عن أفكارها ومواقفها.

وفي ضوء ذلك ينتقد أنقار الدراسات النقدية التي كرست جهودها للخوض في المقارابات الخارجية لشخصيات المسرح الشكسبيري، فاقتحمت حدود التحقيق التاريخي، وتداخلت مع الدراسات الثقافية والاجتماعية والنفسية، وبذلك سخرت إمكانياتها المنهجية لخدمة مجالات أخرى غير المجال الأدبي. والواقع أن الباحث يرى أن الناقد بإمكانه الاستفادة من مختلف حقول المعرفة لمواكبة العمل الإبداعي، غير أنه لاينبغي له التحليق بعيدا عن الحقل الأدبي.

وفي نفس السياق يرفض د.محمد أنقار الانصياع إلى بريق "العلمية " المؤدية إلى "الوثوقية" فيسعى إلى تجاوز "التخمة المنهجية " الناتجة عن وفرة القواعد والمعلومات والسبل النقدية التي لم تفلح في تأسيس تصورات نقدية أصيلة يمكن الاطمئنان إليها. وأمام هذا الوضع يقول محمد أنقار :" لايسع الباحث إلا أن يحلم بالعودة إلى إمعان النظر في الإواليات الجمالية والمظاهر الإبداعية البسيطة والتجليات الفنية الصغيرة لعلها تسعف في محو الغشاوة وإعادة ترتيب البيت النقدي"(8).

إن الباحث يراهن على الإصغاء إلى النص الإبداعي بالأساس، وتأمل عوالمه بالاعتماد على مقولات استثمرها في أطروحته " بناء الصورة في الرواية الاستعمارية "(9) وعمقها في كتابه "بلاغة النص المسرحي "، الدي حاول الانفكاك من أسر البلاغة المعيارية للمساهمة في إرساء بلاغة نوعية للنص المسرحي، فأصبحت هذه المقولات تشكل جهازا مفاهيميا ينتظم في سياق فكري مضبوط، ويؤشر على صياغة مشروع نقدي خاص، يراهن على سلك النهج الجمالي في قراءة النص الإبداعي واستخلاص أساليبه التصويرية، في استقلال عن ثقل وجاذبية المقولات النقدية المتشكلة في إطار النظرية الشعرية .

 

د. محمد الصبان

.....................

(1) محمد أنقار، صورة عطيل،منشورات نادي الكتاب كلية الآداب، تطوان،الطبعة 1/1999

(2) نفسه، ص:9

(3) The development of shakespear’s imagery

د. محمد عناني، دراسات في المسرح والشعر، مكتبة غريب القاهرة، ب .ت،ص:159

(4) shakespeare's imagery and what it tells us

نفسه، ص:149

(5) صورة عطيل، ص: 20

(6) نفسه، ص:32

(7) نفسه، ص:37

(8) نفسه، ص:6

(9) مكتبة الإدريسي للنشر والتوزيع، تطوان، ط1/1994

 

 

حميد بن خيبشمن خلال رصده لدواعي الحضور المستمر لعطاء ليوناردو دافنشي المبهر والمتنوع حتى أيامنا هذه، سلط مايكل غلب الضوء على الأسرار السبعة لعبقرية لا تكمن فيما خلفه صاحبها من آثار، بل في حثنا على الإبداع و خلق الجمال .

يعرض المؤلف بداية لطبيعة المرحلة التي ظهر فيها ليوناردو دافنشي، والأثر الذي أحدثه فكر النهضة على جميع الأصعدة في أوربا. ويرجع الفضل في ذلك إلى الطاعون الأسود الذي اجتاح أوربا منتصف القرن الرابع عشر وأهلك ربع سكانها، ولم يميز في حصده للأرواح بين فلاح أو نبيل أو كاهن. آنذاك تبين للناس أن الولاء للكنيسة، وبذل الصلوات و الأدعية غير كاف لإبعاد شبح الوباء، ولابد من التفكير في مستلزمات دنيوية لضمان الحياة الكريمة للإنسان، باعتباره مخلوقا على صورة الله ومثاله !

دشنت الثورة النهضوية إذن مسيرة جديدة توالت خلالها المخترعات، وازدهرت الزراعة والطب وسائر العلوم والفنون. وتنوعت الأنظمة السياسية والاقتصادية لتجعل هدفا لها سعادة الإنسان وراحته. فكان أبلغ درس تعلمته أوربا من طوفان الموت العارم هو انعتاق العقل البشري من القيود التي حالت دون تفجر طاقته.

لفت ليوناردو الأنظار إليه منذ طفولته. وما إن بلغ العقد الثاني من عمره حتى ذاعت شهرته كرسام وفيزيائي وموسيقي بارع، إضافة إلى ما تمتع به من ملكة جذب الانتباه بلباقة حديثه. فتدرج في مناصب عديدة لأمراء فلورنسا وميلانو قبل أن يستقر به المقام في قصر الملك الفرنسي فرانسوا الأول سنة 1516. لكن القدر لم يمهله ليكمل لوحاته وينفذ تصاميمه، حيث لفظ أنفاسه في أيار من عام 1519 عن عمر يناهز السبعين.

ورغم أن حياته كانت مزيجا من التناقضات والمفارقات، والترحال الدائم نتيجة الاضطرابات السياسية، إلا أنها خلدت اسمه كرمز للعبقرية. إنه، كما يقول ديميتري ميركوفسكي، أشبه برجل نهض من النوم بينما الآخرون غارقون في سباتهم. فقد صمم عدة مخترعات كالطوافة، والسلم المتحرك الذي يستعمله رجال الإطفاء حتى اليوم، و الدراجة، وبذلة الغطس، ومعاصر الزيتون، وكرسي المعاقين وغيرها. وفي مجال الهندسة العسكرية وضع تصاميم أسلحة عديدة جرى تنفيذها بعده بنحو أربعة قرون، منها الرشاشات ومدفع الهاون، و الصواريخ. وفي علم التشريح كان سباقا إلى الدراسة العلمية للجنين في رحم أمه. أما في الفيزياء وعلم النبات فإن أبحاثه مهدت لعدد من النظريات والتخصصات الحديثة، ليمكن القول أنه أحد أهم واضعي الأسس الفكرية للعلم الحديث !

شكلت الرغبة في المعرفة طبيعة ليوناردو. وهي في الحقيقة طبيعة كل مولود يولد معه ألف سؤال وسؤال. فالفضول مبني على حافز طبيعي، غير أن التحدي هو في استغلاله لتنمية مداركنا وقدراتنا العقلية، ومتابعة التوق إلى المعرفة، واكتساب الخبرات، والتساؤل عن الحقيقة والجمال. كتب ليوناردو في إحدى ملاحظاته:" جئت من الريف أبحث عن أجوبة لأسئلة تقلقني. لماذا توجد المتحجرات على رؤوس الجبال، إضافة إلى بقايا مرجان وأعشاب لا تنبت عادة إلا عند شاطئ البحر؟ لماذا يستغرق الرعد مدة أطول من تلك التي يستغرقها مسببه الرعد؟ لماذا الضوء أسرع من الصوت؟ لماذا تتشكل دوائر مائية إذا ما رميت حجرا في الماء؟ " إن الافتتان بالمعرفة هو ينبوع التساؤل عن كل شيء، وفي حياة ليوناردو فإن حبه للمعرفة قادة إلى عشق الحرية، فلم يكتف بدراسة التحليق عند الطيور بل كان يتهجم على بائعي الأقفاص في شوارع فلورنسا، ويدفع ثمنها ثم يفتح لها الأبواب لتعانق الفضاء مجددا !

حاول إذن أن تفعل شيئا، وارخ العنان لفضولك كي يتجدد السعي نحو اكتساب المعرفة و الوصول للحقيقة.

في المبدأ الثاني نتلمس فضيلة التتلمذ على يد أساتذة أكفاء، يؤمنون بأن الخبرة هي مصدر الحكمة، و الإثبات هو المفتاح لتحصيل الخبرات. لقد اكتسب ليوناردو معظم خبراته من أستاذه الرسام و النحات أندريا ديل فيروتشي، حيث تشكل نزوعه المعرفي بفضل أستاذ يعتمد الملاحظة المباشرة والتجربة أكثر من النظريات. وتتجلى عبقريته هنا في استقلاليته الفكرية، و انتقاده للمفاهيم المتبعة في التعليم، خاصة الغموض الذي يشوب بعض معارف عصره آنذاك، كالكيمياء الكاذبة والتنجيم. إن رفضه تقليد الآخرين، واعتماده الشك طريقا للحقيقة أسسا لاحقا لعظمته التي عبر عنها بقوله:" إن من أراد الاستفادة من كرم الطبيعة فعليه التعامل معها مباشرة، وليس من خلال أي شيء، أو عبر أي أحد "

شكل مبدأ الإثبات ميزة أساسية لعصر النهضة، حين وُضعت الأحكام المسبقة والافتراضات الأساسية على محك التجربة. وإذا أردنا اقتباس طريقة ليوناردو فلا مناص إذن من تحدي الذات أولا، وإعادة النظر في آرائنا ومفاهيمنا، والإيمان بأن كلا من النجاح و الفشل هما مصدران للتعلم !

آمن ليوناردو بأن سر إثبات الشيء يكمن في الحواس باعتبارها مفاتيح أبواب الخبرة اليومية. فكان يمضي وقته في النظر، واكتشاف عناصر الطبيعة. وسمحت له حدة نظره بتجسيد الأحاسيس البشرية عبر لوحاته، والاهتمام بتنمية الحواس الخمس لكونها مجلس وزراء الروح على حد قوله. ومن يراجع مخطوطته عن تحليق الطيور يقف على وصف لأدق تفاصيل حركة الجناحين والريش، مما اعتُبر آنذاك ضربا من الخيال قبل ظهور تقنية التصوير البطيء !

يشكل ترهيف الحس والنظر استمرارا في استعمال عقولنا واكتساب الخبرات، لذا يتحدث سيرج براملي، أحد كتاب سيرة دافنشي، عن برنامجه لتنمية الإدراك الحسي، وإخضاع العقل لتدريبات معينة تحقق وحدة الذهن و اليقظة، خاصة في عصرنا هذا، عصر زحمة السير و الضوضاء و المنبهات، حتى صرنا كما قال ليوناردو " ننظر دون أن نرى" .

ينص المبدأ الرابع على الشك والتساؤل كمدخلين لتبديد الغموض الذي يحيط بنا، وتفسير التناقض لمواجهة كل ما هو غير مؤكد أو مثبت علميا. ويظهر هذا المبدأ جليا عند ليوناردو في عدم مجاراته للآخرين، سواء في دراساته، أو في لوحاته الفنية. لقد أدى به بحثه عن الجمال مثلا إلى اكتشاف مختلف بشاعات الحياة، ليصور الطوفان أو المعارك كما يصور الزهرة الموحية والمفعمة بالدفء. واستمد من التناقضات حبه لكل مظاهر الحس الإنساني. ويكفي في هذا الصدد ما تثيره ابتسامة الموناليزا حتى اليوم لدى نقاد الفن من دلالات متضاربة، يلتئم فيها الخير مع الشر، والإجرام مع البراءة، و الإغواء مع الطهارة، والزمني مع الأبدي.

وكما آمن بالشك والتساؤل فقد حرص أيضا على المزاوجة بين رؤيتي الفنان و العالِم، ودافع عن التكامل كمبدأ أساسي مادامت العلوم ،كما الفنون، تهدف لشيء واحد هو فهم الطبيعة. وحذر من الفصل بينهما في مقالة له عن الرسم قائلا:" إن أولئك الذين انجذبوا نحو الفن دون الاهتمام بدراسة العلوم، مثلهم مثل قبطان السفينة العائمة في البحر، إنما دون بوصلة أو مجاديف، مما يجعله عاجزا عن الوصول إلى المرفأ الذي يريد" .

إيمانه بإحداث توازن بين نصفي الدماغ البشري حمله على تعويد طلابه على تقوية قدراتهم التخيلية، جنبا إلى جنب مع قدراتهم العقلية والتحليلية. فأوجد بذلك تقليدا جديدا قوامه الإبداع الجماعي والفكر الخلاق كمنهج عقلي.

وإذا كانت الصورة النمطية التي تسود أذهاننا عن العبقري هي تمثله في هيئة شخص نحيل يرتدي نظارات سميكة، فإن ليوناردو يعكس الصورة تماما ليجعل اللياقة البدنية والقدرات الجسدية المميزة من مبادئ العبقرية. فكان حريصا على ممارسة التمارين الرياضية، كالمشي والسباحة والمبارزة وركوب الخيل، مما أكسبه ليونة بارزة. بل إن الملاحظات التشريحية التي تهم تصلب الشرايين، ونظام مناعة العصاب راجعة بالأساس إلى اهتمامه بالرياضة، واتباع نظام غذائي متوازن. إنها مقاربته الخاصة لتحقيق اللياقة والتناسق بين الجسد والفكر، حتى اشتهر بين الناس باتزانه وسيره المستقيم دون بذل جهد، فكان سكان فلورنسا يتجمعون فقط لرؤيته يمشي في الشارع !

ويشير المبدأ الأخير إلى الترابط الذي يجمع بين الأشياء، ويحدد العلاقات والصور الموجودة في العالم، تماما كالتموجات المائية التي يُحدثها حجر في بركة الماء الراكدة. ولعل أحد أسرار عبقرية ليوناردو يكمن في اعتماده طول حياته على تجميع ووصل العناصر المختلفة لخلق نماذج جديدة. لذا عندما طُلب منه رسم وحش على درع أحد المزارعين، جمع في غرفته عددا من الزواحف والسحالي والخفافيش والصراصير ليمزج بين أشكالها، ويرسم وحشا مرعبا يُخرج من فمه أنفاسا سامة وألسنة نار. الرسم الذي صُعق والده حين رآه، فأعطى المزارع درعا آخر، وباع الذي أعده ليوناردو بمبلغ طائل لتاجر فلورنسي.

ومن العادات التي يوصي بها ليوناردو لالتماس الترابط واكتساب مهارة مزج الأشكال المختلفة،  أن يراقب المرء الغيوم في تشكلها وتلاشيها، وتصاعد بخار الماء إلى الهواء، وظهور طبقة الجليد على الأحجار في الأماكن الباردة. وإذا كان الباحثون يعيبون عليه العشوائية في تدوين آلاف الملاحظات دون الحرص على وضع تصميم أو فهرسة، فلكونه يدرك وحده حجم الترابط بينها دون الحاجة إلى تفييء أو رسم مخطط، وتلك صورة اخرى من صور عبقريته التي لا تؤمن بالقوالب المعدة سلفا .

إلى جانب المبادئ السبعة الملهمة لإحداث التغيير، والتخلص من السلبية والخمول، والرؤى المنحازة وغير الواقعية، أثرى مايكل غِلب مؤلفه هذا بقائمة دسمة من التطبيقات والتمارين، وقوائم التوجيهات والملاحظات التي تجعل استيعاب كل مبدأ أمرا في غاية اليسر. وبذلك أضاف للحضور المتجدد لليوناردو دافنشي وهجا وألقا مميزين، في عالم سمته التخصص والتشرذم، والانزياح المفرط عن خط الحياة المستقيم !

 

حميد بن خيبش

      

   

عقيل هاشمالسماوة .. كتابُ مدينة:

أيتها البدوية الدافعة ساقيها

في خضيب النقاء

خذي مني فضاء النخيل

وانهضي !

أيها الفضاء ُ لقلبي: مَرِّر أصابعَك الضارية َ

على أديم وجهي

وانحتني بارقة ً لبدوية ٍ تحلم بالحنّاء

وترقد على وسادة ٍ من مدينة !

 ذات مساء أصبح الحكواتي الصعير شغوفا بالغروب ينتظره كل يوم بفارغ الصبر ليحدثه الحكواتي الشيخ عن مدينته الغارقة بالجمال  .تمر الأيام والشهور ويغيب الشيخ، فقرر ان يكون هو الحكواتي ليسرد الحكايات وبامعان محاورة بين الماضي التليد والحاضر المجيد .ياسادة ياكرام كان النهار يحدث الشمس وصوت الشيخ كأنه يتهادى إلى مسامعه وهو يحثه على اكمال مابدا.

السماوة  ذبالة ضوء النهار تغفو قليلا في حضن الغروب، فيفزع عن يومه المبلل غبش الصبح  ومن عرق الناس تدون الذكريات . فيهرع قرص الشمس الساقط خلف الأفق يمسد شعر النهار، يحدثه عن حكاياته المعهودة لينام دون ضجيج،  الليل يسدل رواقه على كل شيء، يعود الحكواتي إلى مجلسه، يستقبله الناس وتبدأ الحكاية..

الكتابة عن المدن هي الفكرة الأكثر غواية بالنسبة للباحث والأكثر صعوبة، الباحث يحتاج الى  مخيلة من الصور  الدقيقة وحفريات من حقائق واضحة تماما وعندما تفقد جلها تصبح وكانك تبحث عن وجوه بلا ملامح، وعيون تلمع في الظلام  . الكلمة بالنسبة للباحث لها وقعها في النفس  تمر لتحدث صخبا مؤلما وهلعا في مرورها، لها طعم غريب، غير مألوف ورائحة لا أحد يعرفها، لكن الباحث  الوحيد من يستطيع أن يرى نفسه بداخلها،

وهنا اقول يعد جهد الأستاذ زيد الشهيد التوثيقي هذا من الأعمال المهمة تاريخياً في  رصد وتوثيق المسكوت عنه من ثقافة السماوة، فدونها بشغف ذكريات من الوعي الثقافي لابناء هذه المدينة وجمال بناءاتها المعمارية في مجموعة من الكتب شعرا ونثرا وريما راحت تنهال كالسيل حتى راحت تعد ب 25 كتابا، فتوقظ في نفسه آلاف الذكريات،فكل حجر وكل منعطف من النهر وكل زاوية منها تحيل الصورة الصامتة الى حكايا واسرار. فيحدثنا الباحث عن التنشئة الاولى ثم حضورها أثناء الاحتلال  والى العهد الملكيوووالخ  الى حاضرها المشحون بالتحولات الفكرية والعمرانية وقد وثق ذلك بالصورة الفوتغرافية النادرة في نهاية الكتاب . وقد بدا الكتاب وكانه سيرة حياة للمدينة حتى بدات أكثر ألفة وقرباً إلى روحه ، شب معها وتنفس عبيرها ووجد نفسه مشتاقاً للنهر يغمر فيه قدميه الملتهبتين ليطفئ النار التي تشتعل في دمه .ذلك الطفل الحالم المتأمل قرص الشمس المنحدر ساعة أفوله. والنزق بملاحقة السحب الكثيفة التي تمر في سماء المدينة بأشكال ورسومات مختلفة.

الاديب والباحث زيد الشهيد في هذه المدونة  رسم الحدود الجغرافية للسماوة  موثِّقاً مدينته الجميلة التي تحتضن الصحراء مطلة على (بصيّة) وحوافها، متساوقة مع قضاء السلمان الذي يقع في قلب البادية، ليشير ضلعها الجنوبي بسهم نادر إلى قضاء (الخضر)، بوابة مركز محافظة المثنى؛ السماوة. قدم لنا زيد الشهيد دراسة ميدانية ممنهجة عن مدينته الفخور بتاريخها السياسي وبعطائها المتنوع في الفكر والحياة والتصاقها الواضح بحركة البناء الجديدة في عراق اليوم.

 الفصل الأول من الكتاب الذي نقرأ فيه مقدمة تاريخية عن العراق منذ العهود القديمة حتى نهاية الحكم العثماني الذي سرق خيرات البلاد سنوات طوالاً استمرت حتى نهاية الحرب العالمية الأولى دون أن يترك، عندما غادر العراق، سوى جادة خليل باشا المتربة في بغداد.

أليس.. اسمها القديم عرفت السماوة قبل الإسلام باسم (أليس)، وقد اتخذتها الجيوش الإسلامية محطة استراحة ولتجميع المقاتلين تحت نخلاتها الوارفة، وكانت مقاماً للمثنى بن حارثة الشيباني .في العهد العثماني أشير إلى السماوة بوثيقة دُوِّنت عام1492م تصفها بأنها قرية زراعية تقع على نهر العطشان، ووجدها الرحّالة الألماني عام 1765م مدينة مبنية من الطين وفي باديتها ملح كثير.

عند استقلال العراق عام 1921م تطلَّب الأمر عاماً كاملاً لإحلال اللغة العربية لغة رسمية بدل التركية في المخاطبات الرسمية ودوائر (الطابو).

يشير زيد الشهيد إلى قوة الحكم المحلي الصارمة الفاسدة من حيث الرشوة وفرض الإتاوات كما هو الأمر في العهد العثماني، إضافة إلى وجود (الشقاة) في المدينة وخارجها. وينقل المؤلف عن مذكرات عبد العزيز القصاب، أنه جاء إلى السماوة قائممقاماً عام 1909م ووجد المدينة تعيش ضائقة اقتصادية بسبب نقص المواد الغذائية.

عن معاني أخرى للحياة، في السوق أناس مشتولون في كسب الرزق، يفعلونها دون التفاتة لقيم الحداثة المزيفة. إن إنسان ابن السماوة  طليق المدن وبانيها بذائقته لا يحتاج إلى قاموس من الاصطلاحات التجارية.. فلا رغبة عنده في تحسين جودة بضائعه.. ولا ضرورة البتة في المناداة عليها بصوت عال، فالمنافسة هنا محكومة بالمزاج المُرقم لكل مستهلك.. فالجميع يختارون جهدهم في كسب الرزق دون منازعة.. ولا خوف حتى من السلطة.

يشير المؤلف إلى أن السماوة كانت تعاني أيامها من غزوات الإخوان الوهابيين وخطفهم الإبل وقت الربيع وسلب الحلال في فصول خضرة الأرض من الرعاة المحليين في (بصيّة) وسواها، حتى الوصول إلى سور المدينة المتداعي، فضلاً عن النزاع الداخلي القبلي بين الشيخ (رباط السلمان) شيخ الجانب الغربي والسيد (طفار جعفر) شيخ الجانب الشرقي، إضافة إلى موسم الفيضان الذي استمر سنوات منها سنة 1918م التي هلكت فيها المواشي وانهارت البيوت الطينية الضعيفة الأسس والأكواخ وقُلعت سكة القطار وصار التنقل بالسيارات هو الأساس ولمسافات قريبة.

كما يروي المؤلف وقائع هجوم الجراد الأصفر على المدينة وهوس الأطفال بشرائه مسلوقاً، كما يشير إلى انعدام الماء العذب في البيوت بحيث تضطر النسوة إلى الحصول على الماء من الفرات وهن يحملن (المصاخن) والقدور حتى عام 1954م حين استطاع الميرزا حسن عضو المجلس البلدي توفير المياه الصافية.

كانت دور الوجهاء والموظفين قبل تشكيل أنابيب المياه العذبة تستعين بالسقّاء لإيصال الماء من النهر بأجر معلوم، وكانت شوارع المدينة تنار بالفوانيس النفطية ليلاً لعدم وجود الكهرباء في المدينة.

في منتصف خمسينيات القرن الماضي قامت أسرة (الإمامي) بنصب ماكنة كهرباء في ملك لهم قرب الجسر القديم كان موقعها على يسار خان شاكر الإمامي، ثم اشترتها الدولة منهم بعد هذا لتأمين بعض احتياجات المدينة حتى تم الربط الكهربائي الموحد مطلع سبعينيات القرن العشرين.

الأوائل

أول مدرسة رسمية وجدت كانت عام 1922م، وقد اقتصرت على الصفوف الأربعة الأولى، ساهم في بنائها المتنورون من عائلات (الإماميين) و(آل قدوري) و(الدهان) و(آل سعيد)، وهي مدرسة المنصور.

افتتحت أول مدرسة ابتدائية متكاملة في (عكد النجارين)، ثم شطرت المدرسة إلى مدرستين عام 1947م هما (هارون الرشيد) ومديرها خضر الشيخ محمد ومدرسة (المأمون) ومديرها عبد الرضا الغرّة.

وأذكر بهذه المناسبة أن المدرسة الموحدة كانت حتى عام 1946م بإدارة والدي (عبد الحميد حمودي) قبيل نقله مديراً إلى مدرسة (أبي صخير) ذلك العام.

كنت طالباً في الصف الثاني الابتدائي قبل نقلنا، وكان المعاون هو الأستاذ خضر، ومعلم الرياضة والصف الأول الابتدائي أستاذنا شمخي جبر، الشهير بمهاراته الرياضية المتعددة، ومن معلمينا السادة: عبد الأمير أستاذ الجغرافيا، وزيّا معلم الرياضيات، والمعلم كرجي أستاذ الطبيعيات، وكانت والدة كرجي اليهودي صديقة لجارتها الحاجة زوجة الحاج علي مصيوي وجارتها أم حميد، وهي جدتي الأثيرة، وقد كنا نستأجر الدار المجاورة لبيت الحاج علي مصيوي المطلة على البستان.

أول مدرسة للبنات هي مدرسة (خديجة الكبرى) منتصف الخمسينيات، وقد افتتحت متوسطة السماوة للبنين عام 1947م وصارت ثانوية متكاملة عام 1950-1951م.

أول سينما هي (سينما عبد الإله) عام 1948م بناها وأشرف على عملها عبد الرزاق الإمامي على الرغم من معارضة الاتجاه المحافظ في المدينة، وقد أبدل اسمها إلى (سينما الشعب) بعد ثورة 14 تموز1958.

أول محافظ للسماوة، التي عرفت لاحقاً باسم (محافظة المثنى)، هو عادل عبد الغني، وقد أعلنت في 30 تشرين الثاني 1969م منفصلة عن محافظة الديوانية (القادسية) وضمت أقضية السماوة والخضر والسلمان ونواحيها.

الحرب والتضييق على الحريات

يأخذنا المؤلف في جولة تاريخية عن الحركة الوطنية في السماوة وتظاهرات رجالها في انتفاضتي 1952 و1956م، ودور الحرب العراقية الإيرانية في التجويع والعنف وقطع الأرزاق والآذان! بل إعدام السلطة الهاربين الذي ملّوا حرباً طويلة لا مخرج منها.

وشويّة شويّة لبربوتي!

يستعيد المؤلف ذكرى ثورة العشرين، وقبلها حركة المجاهد الكبير السيد محمد سعيد الحبوبي، التي انطلقت من النجف الأشرف إلى الشعيبة لمواجهة القوات البريطانية الغازية أثناء الحرب العالمية الأولى، إضافة إلى تجمع العشائر الفراتية وقوات الشيخ هادي المكوطر وصحبه والقوات الكردية بزعامة الشيخ أحمد البزرنجي قرب جسر بربوتي، إذ كان الشيخ بربوتي السلمان يشرف على توزيع الطعام والماء للقوات المتجمعة تمهيداً لانطلاقها إلى الشعيبة .

هنا انطلق صوت المهوال يردد: (ثلثين الجنّة لهادينا) والمقصود الشيخ المكوطر، وهنا صاح المهوال الثاني: (وثلث لشيخ أحمد واكراده) فغضب الشيخ بربوتي الذي أضاف ومنح وتعب، فصاح المهوال: (وشويّة شويّة لبربوتي)، فابتسم بربوتي السلمان وهو يدرك أن لا أحد يستطيع تقسيم جنة الله، لكنها الذكرى الحسنة التي يستحق.

حروب ودفاتر حكم وانقلابات

قبل دخول العراق الحرب العالمية الثانية كانت عواطف شباب السماوة ومفكريها تنقسم بين ثلاثة اتجاهات؛ الأول هو تأييد المعسكر الاشتراكي، والثاني هو تأييد هتلر الزعيم الألماني النازي، والثالث هو الاتجاه الوطني العام إضافة إلى الاتجاه القومي. وعند اندحار الفاشية بدأت الدول العربية تبحث عن استحقاقاتها من الحلفاء الذين لم يعطونا شيئاً يذكر، بل كبلوا الدول العربية بمعاهدات جائرة أدت إلى انتفاضات متعددة وثورات منحت نوعاً من الاستقلال الوطني ولكن على حساب التماسك المجتمعي، إذ كان للديمقراطية المطلوبة وقودها في السماوة وسواها من مدن العراق، وقد اعتقل وقتل المئات من الشيوعيين نتيجة انقلابي البعث عامي 1963-1968م وصولاً إلى حربي الخليج الأولى والثانية.

واليوم صباحات السماوة تحمل في جنباتها ضجيج ماتع، قهقهات الأطفال المرتفعة، زحام الخطوات الذاهبة والقادمة، عطر الصبايا الذي يشق صدر الأزقة، رائحة القهوة الصاعدة من النوافذ، صباح يحاول رسم خارطة مختلفة.

الكتاب كتب بمداد كلمات شاعر عاشق لمدينته البكر هي بوابة يعبر منها الودّ عذبا فراتا، ويتدفق منها الحنو فيتغلغل في زوايا الأرواح، فتبرد معه نيرانها، وتتعلق العيون بالقادمِين اليها .السماوة مدينة السلام،  تفتح قلبها قبل ذراعيها  للاخرين،في السماوة الطيبةِ، الناس كالجسدِ الواحدِ، إذا اشتكى منه عضو، وفي أوقاتِ الشِّدةِ والافراح  وفية هكذا تربى الناس هنا  على الوفاء والكرم العربي فلا تكفي الكلمات المجردة عن التعبير عما يشعر أصحابها من فرح اوحزن، بل تتعداها لمظاهرٍ أخرى أكثر ألفة وحميمية  .

 

قراءة عقيل هاشم

..............................

*عن دار مسامير للطباعة والنشر صدرت للكاتب زيد الشهيد كتابَه الجديد (السماوة في القرن العشرين) متناولاً عبر الصفحات التي بلغت 250 صفحة كلَّ ما يخص مدينةَ السماوة طيلة قرنٍ كامل. فمر على تاريخ المدينة خلال العقود العشرة، مسلطاً الضوء على  السماوة بأمكنتِها (الاحياء، الازقة، الشوارع، وما تضم)، ومتناولاً الاحداث التي مرت بها ابتداءً من العهد العثماني، فالملكي، فالجمهوري… وجاء الكتاب الذي حوى ستة فصول ليكون الاول في تفاصيله، حيث سلط الضوء التاريخي على السماوة فلم يغفل ما هو ضروري يؤرخ للمدينة، ويقدمها للأجيال الحالية التي لم تكن قد عهدت نشوؤها كمدينة صغيرة شرعت تكبر مع تقادم الاعوام، مثلما يقدمها للأجيال القادمة كمادة تاريخية سيكونون بحاجة ماسة لها حين يرغبون في تناولها.

ويذكر ان زيد الشهيد اصدر ما يزيد على 25 مؤلَّفاً تناولت الرواية والقصة والشعر والترجمة والنقد الادبي.

 

 

2595 تسامح فارسي 1صدر في شيراز – إيران عن دار "نگاه معاصر" بالتعاون مع "مركز تحقيقات مجد"، كتاب:

(مدارا و ریشه های نامدارایی.. فرصت های هم زیستی ادیان و فرهنگ ها)،

(التسامح ومنابع اللاتسامح.. فرص التعايش بين الأديان والثقافات) لماجد الغرباوي.

ترجمة الأستاذ: مرتضى رحيمي نجاد

تقديم: الأستاذ الدكتور محمد جعفر أمير محلاتي، استاذ إلهيات السلام، جامعة شيراز، إيران.

اتصفت الترجمة بدقة النقل وجمال البيان، حيث بذل المترجم جهدا لتفادي حرفية الترجمة، ونقل مفاهيم الكتاب بلغة فارسية مشرقة. وللأستاذ مرتضى رحيمي نجاد مجموعة كتب ترجمها من اللغة العربية إلى اللغة الفارسية.

كما أشاد الأستاذ الدكتور محمد جعفر أمير محلاتي في مقدمته الضافية بمؤلف الكتاب، وأكد على خلفيته العلمية وآرائه الفكرية، خاصة في موضوع التسامح، فكانت المقدمة إضافة نوعية من خلال قراءة نقدية لمفهوم التسامح وضروراته.

جاء في المقدمة:

التسامح ومنابع اللا تسامح كتاب لماجد الغرباوي الذي اتسم بمكانته العلمية، وقدرته على تشخيص أسباب التعصب والعنف علميا وفي إطار رؤية نظرية متماسكة. ويُعد كتابه من أفضل الأعمال وأكثرها تحليلا. ولا ريب فهو عالم له منجزاته ومكانته. ومن المهم جدا أن نعرف أن الغرباوي عراقي. ولد من رحم الحضارة الإنسانية؛ وكان شاهدا حقيقيا على حجم العنف الذي اجتاح بلاده. وأعاد ستة آلاف سنة من الحضارة العالمية إلى عصر الكهوف.

اهتم المؤلف في هذا الكتاب بجوانب مهمة من علم الوجود (الأنطلوجيا) والتأريخ وعلم الاجتماع وعلم الدلالات والرموز والفلسفة السياسية وعلم النفس واللاهوت والأنثروبولوجيا وغير ذلك.

2595 تسامح فارسي 2

إن كتاب التسامح ومنابع اللاتسامح.. فرص التعايش بين الأديان والثقافات، كان قد صدر سنة 2005م عن مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد. وصدرت طبعته الثانية في بيروت سنة 2008 عن مركز الحضارة ودار العارف. ويعد من الكتب واسعة الانتشار، وقد حظي بقراءات عديدة.

أتقدم بجزيل الشكر والاحترام للجهود الطيبة التي بذلها الأخ الأستاذ مرتضى رحيمي نجاد. كما أشكر الأستاذ الدكتور محمد جعفر أمير محلاتي بمقدمته التي أسعدتني. متمنيا لهما دوام العطاء والعافية.

2596 tasamoh3

يمكنكم الاطلاع على النسخة العربية من الكتاب على الرابط أدناه مع الاحترام

https://www.almothaqaf.com/k/majed-al-gharbawi-s-books/928973

 

ماجد الغرباوي

24 – 6 – 2021م

 

 

 

 

هاشم نعمةطالما حظي النظام الرأسمالية الحديث والمعاصر بالكثير من البحث والدراسة من جانب المفكرين والباحثين في شتى صنوف المعرفة. ومن هذه الكتابات الرائدة ما كان استباقيا أي توقع ما يحصل من تفاعلات وافرازات نتيجة هيمنة النظام الرأسمالي اقتصاديا وسياسيا على أرجاء واسعة من العالم. وتأتي في الصدارة كتابات كارل ماركس وفردريك أنجلز وخصوصا في المؤلف الأشهر رأس المال. وأيضا في كتابات الماركسيين الجدد وما حفلت فيه من تحليلات واستنتاجات لما تفرزه هيمنة النظام الرأسمالي من  استغلال لمآسي الشعوب وكوارثها.

ومن بين الكتب المهمة ذات المنحى اليساري، كتاب "رأسمالية الكوارث: كيف تجني الحكومات والشركات العالمية أرباحا طائلة من ويلات الحروب ومصائب البشرية"، لمؤلفه الصحفي الأسترالي الجنسية الألماني الأصل أنتوني لوينشتاين، ترجمة أحمد عبد الحميد، والصادر ضمن سلسلة عالم المعرفة في تشرين الثاني| نوفمبر 2019، التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت. يقع الكتاب في 439 صفحة.

ينقسم الكتاب إلى جزأين يضمان سبعة فصول أضافة إلى المقدمة والخاتمة. وقد عالجت فصول الكتاب الآتي: باكستان وأفغانستان: البحث عن حرب جديدة، اليونان: نحن مجرد أرقام ولسنا بشرا، هايتي: إن قال أحد هنا إنهم حصلوا على مساعدة، فتلك أكذوبة، بابوا غينيا الجديدة: اكسروا عظامنا ولكنكم لن تُحطّموا أرواحنا أبدا، الولايات المتحدة: أرض الأحرار صارت دولة السجون، المملكة المتحدة: إنها الاستعانة بمصادر خارجية للعنف، أستراليا: إن كان قلبك ينبض، فلديك وظيفة في سيركو.

مقدمة

يكشف الكتاب الوجه القبيح للنظام الرأسمالي، ويُسقط القناع الذي يتخفى وراءه هذا النظام لكي يستمر في ممارساته لاستغلال الشعوب الضعيفة في العالم، والاستفادة من المآسي الإنسانية للاجئين والكوارث الطبيعية والحروب والصراعات من أجل التربُّح، ومواصلة النهب الممنهج لخيرات هذه الشعوب ومواردها، واستنزاف ثرواتها الطبيعية لمصلحة الحكومات الغربية والشركات المتعددة الجنسية.

هذا الكتاب يهدف إلى إحداث صدمة، واستفزاز، وإماطة اللثام عن عالم تطور خُلسة، ولكنه يهدف أيضا إلى الإصرار على أن البدائل ممكنة، هذا ما يقوله مؤلفه.

الحقيقة أن الكاتبة الكندية نعومي كلاين كانت أول من صاغ  مصطلح "رأسمالية الكوارث"، وذلك في كتابها الأفضل مبيعا عام 2007، بعنوان "عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث"؛ ففي هذا الكتاب ترى كلاين أن برامج الخصخصة، وتخفيف الرقابة الحكومية أو إلغاءها، والاستقطاعات الكبيرة في الإنفاق الاجتماعي غالبا ما تُفرض بعد وقوع كوارث ضخمة، سواء كانت هذه الكوارث طبيعية أو من صنع الإنسان، حيث "يحدث هذا كله قبل أن يتمكن ضحايا الحرب أو الكارثة الطبيعية من تجميع أنفسهم والمطالبة بما هو لهم"(ص 18).

عندما شارك مات تايبي في "تظاهرة العمل"، التي نظمتها "حركة احتلوا وول ستريت" المناهضة للرأسمالية عام 2012، قال في كلمته للمتظاهرين: "هذه المؤسسة المالية العملاقة تُعَد الرمز المطلق لنوع جديد من الفساد على أعلى المستويات في المجتمع الأمريكي: فهذا الفساد يميل إلى خلق مصاهرة بين السلطة التي تكاد تكون بلا حدود للحكومة الفدرالية والمصالح المالية الخاصة التي يتنامى تركَّزُها وباتت غير مسؤولة على نحو متزايد"(ص 14).

يجوب صندوق النقد الدولي كل بقاع العالم، بمؤازرة من النخب الغربية والدول ذات التسليح القوي، سعيا وراء خصخصة مواردها وحثها على فتح أسواقها أمام الشركات المتعددة الجنسيات، والحقيقية أن المقاومة لهذا الدواء المر هي السبب الوحيد الذي أدى إلى أن تصبح مساحات كبيرة من أمريكا اللاتينية أكثر استقلالية منذ عام 2000. والخصخصة الجماعية التي تنشا نتيجة ذلك – وهي ما تعد حجر الزاوية في السياسية الخارجية الأمريكية- تَضمن تفشي الفساد في أنظمة الحكم الأوتوقراطية. وتعرض برقيات ووثائق الخارجية الأمريكية التي سربها موقع "ويكيليكس"، أمثلة لا حصر لها في هذا الشأن، من بينها تلك التسريبات المتعلقة بمصر إبان حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك. والبنك الدولي متورط في ذلك بالقدر نفسه، وهو بالمثل فوق المحاسبة؛ ففي عام 2015، اعترف البنك بأنه لم يكن لديه أدنى فكرة عن أعداد الأشخاص الذين أُجبروا على ترك أراضيهم حول العالم من جراء سياساته الخاصة بإعادة التوطين. هذه المسألة لم تحتل عناوين الأخبار بالقدر الكافي ولم يحرك أحد ساكنا.

إن النجاح الاستثنائي الذي حققه كتاب الاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي، بعنوان "رأس المال في القرن الحادي والعشرين"،(1) والذي يجادل فيه بأن الخلاف الاجتماعي هو النتيجة المحتملة لازدياد عدم المساواة، يشير إلى أن عموم الناس يعرفون أنه توجد مشكلة، وأنهم يبحثون عن تفسيرات واضحة لها (ص 17).

الادعاء القائل بأن "العالم ساحة معارك" يعكس أيديولوجية عسكرية سلك نهجها كل من الإدارات الديمقراطية والجمهورية في الولايات المتحدة. وتعززت وجهة النظر هذه من خلال وثائق ويكيليكس التي نُشرت عام 2010، والتي كشفت عن عدد كبير من عمليات قتل وقعت في السابق ولم يُبلَّغ عنها، وقد ارتكبتها قوات مخصخصة تابعة لأجهزة مخابراتية وأمنية كانت تعمل في مناطق الصراع في أفغانستان والعراق. ومثل هؤلاء الأشخاص الأشباح يعملون في الظل في عشرات الدول، حيث يرتكبون عمليات الخطف، والاستجواب، والقتل لأشخاص يشتبه فيهم ومن دون أي مراقبة. إن شركات المرتزقة، المبررة من قبل الدولة بحجة أنها ضرورية لمكافحة الإرهاب، قد أُدمجت تماما في حرب أمريكا التي لا نهاية لها.

من الصعب إغفال استنتاج يمكن أن نخلص إليه مفاده أن الحروب غالبا ما تندلع للسبب الرئيس ذاته المتمثل في تحرير أسواق جديدة وطيعة، ومع احتمال أن تستمر الحرب على الإرهاب عقودا، فلن يكون ثمة نقص في الأعمال التي يمكن تأمينها. وحتى الأمم المتحدة ذاتها تعتمد بنحو متزايد على شركات مرتزقة غير خاضعة للمساءلة، مثل "دين كورب"، وشركة "جي فور إس" وهما شركتان لديهما سجلات مريبة.

أفغانستان وباكستان

قبل غزو أفغانستان عام 2001 بقيادة الولايات المتحدة، كانت طالبان هي التي تحكم البلاد. وكان نظام طالبان همجيا، ولكن لم يمنعه ذلك من التفاوض مع شركة الطاقة الأمريكية "أونوكال" بشأن إدارة خط أنابيب تركمانستان – باكستان - الهند والذي يمر عبر البلاد؛ فقلما كان التطرف حجر عثرة أمام رأسمالية الكوارث. وبعد الغزو باتت أفغانستان هي المكان المثالي لازدهار اقتصاد الحرب. والواقع أن هذا الخط والذي كان من المقرر افتتاحه عام 2018، كان القصد من إنشائه نقل الغاز من بحر قزوين في نطاق استمرارية حديثة لطريق الحرير.

كان لشركة "دين كورب" حضور كبير في أفغانستان والعراق، حيث استحوذت على نسبة 96 في المئة من عائداتها السنوية البالغة 3 مليار دولار من الحكومة الأمريكية. وحدث هذا على الرغم من إخفاق الشركة في تنفيذ أي آليات جادة بشأن التشاور مع السكان المحليين الذين كانوا يعملون لديها، واعتمدت، بدلا من ذلك، على إقامة علاقات خاصة والتي تضمنت استمرار المحسوبية والمحاباة. لقد باتت الخصخصة راسخة للغاية في الدولتين إلى درجة أن موضوع إسناد الخدمات العامة المتأثرة إلى مؤسسات عامة نادرا ما يُطرح حتى للمناقشة في دوائر الحكومات الغربية.

لقد أحدث الاحتلال الأمريكي لأفغانستان تغيرا عميقا في البلاد، وكان في معظمه تغيرا نحو الأسوأ، ففي مدينة قندهار اليوم نخبة أفغانية أَثرت بفعل الاحتلال الأمريكي، وتتوجس خفية من المستقبل.

الصورة الأكبر كانت تتمثل في ان حامد كرزاي قد نُصّب رئيسا لأفغانستان عام 2004 من خلال انتخابات غير ديمقراطية، ثم أُعيد انتخابه في تصويت صوري زائف عام 2009 مقوض بعمليات تزوير لأصوات الناخبين، وهو ما ثبت عبر أدلة واسعة الانتشار. وكان انتخاب المرشح البديل لكرزاي عام 2014 عملية ملتوية أدت إلى حالة من عدم اليقين، على الرغم من انتصار الزعيم المؤيد لأمريكا، أشرف غاني، والذي رتبت له الولايات المتحدة.

هناك طرق لا تحصى استخدمتها واشنطن بعد 11 سبتمبر 2001 وكذلك الأفغان للقتال في معارك محلية، والقضاء على أعداء في حين خلقت أعداء جدد، وضمنت انبعاث حركة طالبان المهزومة وعودة الروح إليها. ويكتب أناند جوبال "صارت الدولة متورطة في الجريمة، وتحولت إلى واحدة من أكثر الدول فسادا في العالم، فاسدة تماما مثل أمراء الحرب الذين سعت إلى تطويقهم وإجهاضهم" (ص 49).

ازدهرت رأسمالية الكوارث أيضا في باكستان، جارة أفغانستان. فهنا أيضا، كانت الأعمال المتعلقة بالأمن الخاص والمعلومات الاستخباراتية قد توسعت بنحو كبير منذ هجمات 11 سبتمبر، لاسيما أن الصراع الداخلي العنيف كان يغذي الوحش الكامن في الشركات العسكرية الخاصة. وقد ساعد على ذلك التقاطع المألوف حاليا بين الحكومة والمؤسسات العسكرية والمتربحين، ويذكر المؤلف: أطلعني صحافي بارز في كراتشي على قائمة تضم اثنين وستين من كبار الشخصيات السابقين في الجيش الباكستاني ممن يعملون الآن لدى الشركات العسكرية الخاصة، ولكنهم حافظوا على صلات وثيقة مع زملائهم القدامى (ص 75).

استطاعت الشركات العسكرية الخاصة أن تنمو في باكستان لأنها كانت خاضعة بالكاد للنظم والقوانين. إذ نشرت صحيفة "إكسبرس تربيون" عنوانا رئيسا مدويا يقول "الشركات الأمنية الخاصة تعمل بموجب قانون الغابة"(ص 76) حيث زعمت الصحيفة أن ما لا يقل عن 500 من هذه الشركات تعمل في باكستان. كما أفادت تقديرات بأنه كان يوجد ما يصل إلى 300 ألف من العاملين في مجال الأمن الخاص هناك.

اليونان

إن منطق التقشف أعطى تفويضا بشيطنة أقليلة عاجزة عن الدفاع عن نفسها. وأكملت رأسمالية الكوارث المهمة. حيث أفسدت كلا من المُهمشين وهؤلاء الذين يسعون إلى ظلمهم. وفي اليونان نجد أن كثيرا من الحكومات قد ارتبطت بعلاقات وثيقة مع الشركات إلى درجة يستحيل معها وجود سياسة تتسم بالشفافية.

يوثق المؤلف حجم المعاناة التي يعيشها اللاجئون المحتجزون في اليونان وفي لقاء مع بعضهم في أحد مراكز الاحتجاز يذكر: قال لنا هؤلاء "نحن نعاني هنا" وفي يونيو عام 2014 حدث إضراب جماعي عن الطعام احتجاجا على أمر وزاري جديد يسمح باحتجاز اللاجئين إلى أجل غير مسمى، ودعمته بصورة غير رسمية تلك التعليمات القاسية التي أصدرها الاتحاد الأوروبي. وجاء في جزء من بيان عام 2013 أصدره اللاجئون ما يلي: "مع استمرار الاحتجاز المنهجي والمفتوح، نحن نتعرض للذبح على يد الحكومة اليونانية. إنهم يُضيعون حياتنا، ويغتالون أحلامنا وآمالنا داخل السجون. وهذا يحدث بينما لم يتركب أي واحد منا أي جريمة"(ص 90).

ويشير المؤلف: في أثناء إقامتي في اليونان تحدثت إلى عدد لا حصر له من الصحافيين الذين أخبروني بأن مشكلة خصخصة نظام احتجاز اللاجئين قلما حظيت بالاهتمام المطلوب في وسائل الإعلام المحلية. "يجب أن تتحمل الدولة المسؤولية عن توفير الرعاية الصحية والأمن لأن الدولة هي من تسجن هؤلاء الأشخاص"، هكذا حاججت كوتسيوني (ص 100).

الواقع أن أعمال المراقبة والتوثيق للمهاجرين قد ولدت صناعة كبيرة. وتولى الاتحاد الأوروبي  مسؤولية العمل مع شركات قد كانت لديها الرغبة القوية في تطوير التوسع في طرق تُستخدم في التصدي للجحافل اليائسة من المهاجرين. ص 123

كان المواطنون اليونانيون يعرفون حق المعرفة كيف سببت سياسة التقشف تدمير نظام الرعاية الصحية لديهم. كما أن السياسات النيوليبرالية(2) أثرت في المهاجرين وعامة السكان على حد سواء، ذلك أن التخفيضات الهائلة لرأسمالية الكوارث في الخدمات العامة والاجتماعية قد أنتجت قلة من الفائزين.

ولعل من السخرية أنه في بلد تهيمن عليه رأسمالية الكوارث إلى هذا الحد، أبدى حزب الفجر الجديد الفاشي معارضة تتسم بقوة البلاغة للخصخصة، ولكن في الواقع إنه يؤيد كل رأسمالي كبير في اليونان. وفي البرلمان صوت أعضاء الحزب ضد فرض ضريبة زهيدة على أصحاب السفن. علما كانت الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية قد ساندت بنحو علني حزب الفجر الجديد ونهجه الفاشي.

رأسمالية الكوارث التي تتخفى وراء ستار التقشف سببت ضررا اجتماعيا غير مسبوق. فقد ارتفعت معدلات الانتحار في اليونان، حيث وجدت دراسة أجرتها جامعة بوتسماوث أن 551 رجلا قتلوا أنفسهم "فقط بسبب التقشف المالي" إبان الفترة 2009-2010. وواصلت هذه الأرقام ارتفاعها في السنوات التالية.

باتت روسيا بوتين رمزا للإعجاب لدى أقصى اليمين في أوروبا، من فرنسا إلى المجر واليونان والمملكة المتحدة. وبالنسبة إلى البعض في أوروبا، كان النظر إلى الشرق، باتجاه الصين وروسيا والشرق الأوسط، ورفض منطق بروكسل، احتمالا جذابا على نحو متزايد.

بيد أن رياح التغيير هبت في اليونان، إذ إن الفوز الساحق وغير المسبوق الذي حققه حزب "سيريزا" من تيار اليسار في الانتخابات عام 2015 كان بمنزلة توبيخ لسنوات سياسة التقشف الملهمة من الاتحاد الأوروبي، في حين تعثرت الأحزاب القديمة. وفي ليلة الانتخابات نشر حزب "بوديموس" اليساري الإسباني تغريدة جاء فيها: "أخيرا، أصبح لدى اليونانيين حكومة، لا مبعوث للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل" (ص 95). فقد كانت الانتخابات نقطة تحول هائل بالنسبة إلى بلد لم يحدث قط أن اختار سكانه، وبنحو جاد، سياسة تقدمية بمثل هذه الأعداد الضخمة. فبعد عقود تُجوهلت فيها مصالحهم، استطاع حزب "سيريزا" الاستفادة من موجة الاستياء في أوساط الشباب - الذي وصل معدل البطالة وسطهم إلى 60 في المئة- واستثمار هذا الاستياء ضد الفساد والتهرب الضريبي من جانب الأقلية الحاكمة.

هايتي

كان أعضاء أسرة دوفاليه الحاكمة معادين بإخلاص للشيوعية أثناء الحرب الباردة، ولذلك أغدقت عليهم واشنطن الدعم المالي بسخاء. وبفضل الدعم المالي والعسكري الذي كانت توفره القوة الكبرى حُكمت هايتي بقبضة من حديد، حيث سُحقت المعارضة، وكُممت الصحافة، كما قُتل عدة آلاف من الأشخاص. وبعد أن أخذ بيبي دوك زمام الحكم من والده وأعلن نفسه "رئيسا مدى الحياة"، بدأ تنفيذ سياسات نيوليبرالية بلا رحمة، وهو ما أدى  إلى أن ترسخ الدولة حالة الفقر.

وقد كتب شفارتز أن هايتي لديها تاريخ قاتم عقودا طويلة من غزو المنظمات غير الحكومية للبلاد، وهو شيء مماثل للمبشرين. وفي الثمانينيات، تحولت هذه المنظمات إلى حكومة أمريكية كاملة، وإلى مقاولي مساعدات إنسانية. ولم يطرأ سوى تحسن قليل من ذلك الوقت.

بدأ تقريبا الاندفاع المحموم من قبل الشركات الخاصة بمجرد انتهاء الزلزال الذي ضرب البلاد عام 2010، وهو ما كان يعني في نهاية المطاف أن نسبة مئوية صغيرة للغاية فقط من مساعدات مالية بقيمة 1,8 مليار دولار، قدمتها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، قد وصل إلى جيوب المواطنين العاديين، وفي "قمة هايتي"، التي عقدت بفندق فاخر في ميامي، بعد شهرين من الزلزال، راحت شركات مقاولات خاصة، من بينها شركة "تريبل كانوني" - التي استحوذت على عقد شركة "بلاك ووتر" سيئة السمعة في العراق في عام 2009- راحت تتزاحم من أجل اغتنام الفرص.

رأت الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية أن هناك فرصا لمساعدة الشركات في كل منهما على جني أرباح عن طريق بناء مصانع ملابس لشركات مثل "وول مارت" في مناطق فقيرة في هايتي. وكان هذا كله بالضبط أحدث تجسيد لنموذج قديم منهك أخفق في تقديم فوائد طويلة الأمد إلى السكان المحليين، ولكنه قدم، بدلا من ذلك، عمالة رخيصة إلى الشركات المتعددة الجنسية.

بابوا غينيا الجديدة

في هذا البلد، تأجج الغضب تجاه منجم بانجونا منذ ميلاده في أواخر الستينيات، وهو الغضب الذي كان يعزى جزئيا إلى استغلال شركات أسترالية لمعادن البلد طوال عقود. وبحلول عام 1975، عندما حصلت بابوا غينيا الجديدة على استقلالها من أستراليا، كان التشغيل الكامل للمنجم هو أكبر كاسب في البلاد لا يعتمد على المساعدات. وقد اسهم المنجم بنسبة 20 في المئة من الميزانية الوطنية للدولة، على الرغم من أن المنجم كان، في الوقت ذاته، يدمر أي فرصه لاستدامة الموارد. غير أن مواطني بوجانفيل التي يقع فيها المنجم، وعلى الرغم من معاناتهم من الدمار البيئي، قد حصلوا على أقل من 2 في المئة من الأرباح لمساعدة مجتمعاتهم.

لسوء الحظ أنه من اليوم الأول للاستقلال، فإن بابوا غينيا الجديدة كانت تملك القليل من القدرة على المساومة في تعاملاتها مع شركات التعدين والأخشاب الأجنبية التي كانت متحمسة لاستغلال الموارد الطبيعية الوفيرة في البلاد. حيث أدت المرحلة الانتقالية إلى سن قوانين متساهلة منحت الشركات الأجنبية نفوذا هائلا لم تكن ثمة ضرورة له مكنها من السيطرة على دولة غير منظمة إلى حد كبير.

في أواخر الثمانينيات، استمر الغضب الهادئ في الغليان، وطالب جيش بوجانفيل الثوري بالاستقلال عن بابوا غينيا الجديدة، وبوضع نهاية للضرر البيئي الذي سببه المنجم. وقد أُغلق المنجم عام 1989 بعد عمليات تخريب مستمرة نفذها الجيش الثوري، غير أن الصراع المرير استمر ثماني سنوات أخرى، والذي أسفر عن مقتل ما بين 15-20 ألفا من السكان المحليين (نحو عُشر سكان البلاد)، حيث كان معظم هذه الوفيات ناتجة أساسا عن الحصار الذي فرضته بابوا غينيا الجديدة والقتال. كما تعرض إقليم بوجانفيل لدمار اقتصادي. وكان هذا ثمن الضربة التي وجهها الجيش الثوري ضد الاستعمار متعدد الجنسيات، وهو مثال نادر لشركة تعدين -بوجانفيل للنحاس المحدودة- كانت مرغمة على قبول الهزيمة على الرغم من حصولها على الدعم من حكومتين.

كان هذا شكلا من أشكال رأسمالية الكوارث: شركات مفترسة - مدعومة بأموال المساعدات الأجنبية والامتيازات الضريبية، ومعزولة عن الفحص والتدقيق من جانب وسائل الإعلام أو النقد  السياسي- كانت تعمل فقط لتحقيق المنفعة لأصحاب المصلحة الدوليين، ومنعت أمة من الممارسة الفعلية لاستقلالها.

إن وجود بابوا غينيا الجديدة المستقلة حقا لم يتحقق عام 1975. ذلك أن رأسمالية الكوارث كانت مترسخة وتضرب بجذورها في النظام الجديد منذ البداية، وهو ما تتحمل أستراليا مسؤولية كبيرة عنه. لكن استقلال البلاد في القرن الحادي والعشرين ممكن بالتأكيد.

الولايات المتحدة

تحبس أمريكا نسبة من سكانها في سجن كبير، تعد الأعلى بالمقارنة بأي دولة أخرى في العالم. فهي تعكف على تشغيل نظام يتسم بشيطنة الأمريكيين الأفارقة والمهاجرين على نطاق غير مسبوق. ففي غصون ثلاثين عاما، ارتفع عدد سكان السجون من 300 ألف إلى أكثر من مليوني شخص.

من جانبها رأت شركات السجون الخاصة في ذلك كله فرصة فريدة لجني أرباح مالية هائلة من وراء ذلك الانفجار في أعداد الرجال والنساء خلف قضبان السجون. وقد مُني اعتقاد في أوساط الحزبين الجمهوري والديمقراطي بأن الحبس الجماعي ربما يكون الحل لمشاكل أمريكا الاجتماعية بالفشل الذريع- ولكن لا تخبر بذلك الشركات التي تجني أرباحا. علما تزايد عدد السجون الخاصة في جميع أنحاء البلاد عشرين ضعفا منذ التسعينيات.

أحد آثار رأسمالية الكوارث هو الحد من الرقابة الهامشية للولاية، وهو ما سمح لمسؤولين بإبرام تعاقدات خارجية للحصول على خدمات كانت ذات مرة تحت سيطرتها.

استخدمت "الصناعات الإصلاحية في ولاية واشنطن" نزلاء السجون أنفسهم لصنع الملابس والأثاث، وسُمح بتقييد السجناء بسلاسل إلى المقاعد. وذُكر بشكل عرضي أن الشخص المذنب قادر على الجلوس والعمل بسهولة تحت قيد كامل. رغم الاعتراف بأن نزلاء السجون كانوا يتقاضون أجورا زهيدة للغاية مقابل أداء عملهم.

النظام متلاعب به ليُفيد شركات مثل "سي سي أيه" وهناك أمثلة أكثر مما يمكن الاستشهاد به هنا لإظهار عدم استعداد الشركة لفرض الحد الأدنى من معايير الرعاية، بينما كان تزييف السجلات من الأمور الشائعة. إذ داب مركز الاحتجاز التابع لهذه الشركة ووزارة الأمن الداخلي عل رفض التحقيق في انتهاكات مستمرة بحق المحتجزين، ومن ثم انفضت قضايا من دون عقاب، وكانت تتضمن حالات ولادة لسجينات قبل الموعد المحدد للوضع، لأن حراس الشركة قد تجاهلوا صرخاتهن طلبا للمساعد (ص 261).

إن إمكانية إصلاح جاد للأحكام ظلت بعيدة المنال، لأن مقاولي السجون يمارسون ضغطا على مشرعين لحملهم على إصدار أحكام قضائية أكثر صرامة، وهو ما يؤدي إلى تحسين عائداتهم.

المملكة المتحدة

في المملكة المتحدة، خفضت الحكومات المتعاقبة من المعونة القانونية لطالبي اللجوء وتركت الآلاف منهم من دون أن تكون لديهم فرصة حقيقية للنجاح فالنظام مصمَّم لضمان ترك طالبي اللجوء في طي النسيان، بينما يعمل على إثراء ذلك العدد الذي لا حصر له من الشركات التي تتربح منه.

وكانت مارغريت تاتشر قد جادلت بسذاجة أو خبث، بأن الخصخصة كانت علاجا ناجعا لمجتمع محطم، وأن المديرين سيصبحون منارات مضيئة للفضيلة. وقد أظهرت الإخفاقات الكارثية لطبقة الأعمال العالمية أثناء الأزمة المالية عام 2008 الخطر الذي يمثله تنفيذيون مجهولو الهوية كانوا يديرون العالم.

"جي فور إس" شركة عملاقة، حيث تعمل في 125 دولة ولديها 657 ألف موظف، والتي تضمن عملها حراسة السجناء في سجون تديرها إسرائيل في فلسطين. وفي عام 2014، توقعت الشركة تحقيق نمو ضخم في الشرق الأوسط، خصوصا في مصر وبلدان الخليج.

عام 2013 كشفت "مؤسسة الاقتصاد الجديد" أن بريطانيا قد شهدت في الآونة الأخيرة أكبر انخفاض في مستويات المعيشة منذ العهد الفيكتوري، وهو ما أثر بشدة في عمال القطاع العام والنساء. وكانت الحقائق البسيطة لهذا التقشف المجنون كافية للإشارة إلى أن شيئا ما كان خاطئا بشكل مروع في السياسية الحديثة.

إن تقديم المنافسة في السوق بوصفها أولوية على جودة الرعاية الصحية قد بات هو الإعداد الافتراضي للقوى التي تدفع من أجل خصخصة وكالة الخدمة الصحية الوطنية، وذلك في مواجهة المعارضة القوية من الخبراء الطبيين والجمهور.

تجدر الإشارة إلى أن الديمقراطيين الأحرار حاولوا إظهار معارضة شديدة للاتجاه المتنامي لرأسمالية الكوارث. ففي  عام 2014 تعهد الحزب بحماية غابات بريطانيا من الخصخصة، لكن تصريحاتهم البلاغية في هذا الصدد لم تتوافق مع الواقع. وفي العام نفسه، سُرّب ملف أظهر أن واحدا من كل خمسة سياسيين من المحافظين والديمقراطيين الأحرار تلقى تبرعات من أفراد كانوا يحثون على خصخصة وكالة الرعاية الصحية.

يمكن القول بأن النموذج الديمقراطي الغربي المتمثل في بريطانيا والولايات المتحدة وأستراليا وأوروبا لم يكن ديمقراطيا على الإطلاق. وهو بذلك يحرم ملايين الأشخاص عن طريق الحد من الخيارات والمناقشات الاقتصادية. وكان نعوم تشومسكي صائبا حين جادل بأن "الولايات المتحدة لديها بنحو أساسي نظام قائم على حزب واحد والحزب الحاكم هو حزب مجتمع الأعمال"(ص 286).

أستراليا

في غضون أكثر من عقدين، زادت كمية الأموال التي جمعها المقاولون بنحو كبير. فقد كانت هذه هي الظروف المثالية لازدهار رأسمالية الكوارث. ذلك أن شركات دولية مثل "سيركو" و"جي فور إس" - وهي شركات متعددة الجنسيات ليست لديها مساءلة فعليا في البرلمان الأسترالي - قد باعت كفاءتها لحكومات أسترالية متعاقبة، على الرغم من أنها أخفقت بشكل روتيني في توفير الرعاية لموظفيها أو لطالبي اللجوء. وبينما كانت هذه الشركات تمارس ضغوطا خلف الكواليس للحصول على مزيد من العمل فإنها لم تضطلع بدور مباشر في السياسات الأسترالية المحلية. وكان هذا شيئا نموذجيا ونمطيا بالنسبة إلى الثقافة المعولمة للشركات. المسؤولية النهائية عن المخالفات والانتهاكات تقع على مسافة تبعد آلاف الكيلومترات في بريطانيا. وهو ترتيب مناسب لكل من الشركات والحكومة.

في أستراليا لدى شبكة أستراليا الحديثة لطالبي اللجوء تاريخ دنيء. إذ إن وضعها بوصفها دولة استعمارية ارتكبت أعمال إبادة ضد سكانها الأصليين يفسر جزئيا المخاوف من الغرباء غير البريطانيين.

صدرت أستراليا ثقافة مخصخصة إلى مراكز الاحتجاز في الخارج. فقد أدارت شركة "سيركو" بعض المرافق في جزر كوكس، في حين حصلت شركة "جي فور إس" في البداية على عقد لإدارة موقع في جزيرة مانوس. وكان سكان جزيرة ناورو يتقاضون أربعة دولارات في الساعة من شركات المقاولات للعمل في أحد المركز هناك - وهو أقل عشر مرات من الأجر بالساعة الذي كان يحصل عليه مواطنون أستراليون في المرفق نفسه.

وكانت شركة "ترانسفيلد" تجني أموالا أكثر كلما طال بقاء اللاجئين وراء القضبان. وفرضت الشركة سياسة شديدة القسوة على موظفيها العاملين في جزيرتي ناورو ومانوس، حيث أخبرتهم بأن ثمة إمكانية لإقالتهم من العمل بناء على من يتابعهم على مواقع التواصل الاجتماعي أو لكونهم جزءا من جماعة أو حزب معارض لسياسات أستراليا تجاه اللاجئين.

منذ عام، كانت أربع شركات قد حصلت على أكثر من 5,6 مليار دولار من العمل في صناعة الاحتجاز. وفي تصريحات نشرتها صحيفة "نيويورك تايمز" كشف ريتشارد هاردينج الذي شغل منصب كبير مفتشي السجون لمنطقة غربي استراليا، عن جوهر المشكلة بقوله: "هذه الشركات العالمية مثل سيركو هي أقوى من الحكومات التي تتعامل معها"(ص 340).

ذلك أن كل واحد من اللاجئين يمثل قيمة نقدية. كما أن قضاء شهور وسنوات في مكان بعيد، يديره في كل يوم حارس غير مبالٍ أو عنصري وظفته شركة خاصة، ضاعف من الشعور باليأس. فاللاجئون من التاميل والأفغان والعراقيين، من بين جنسيات أخرى، انتقلوا من جحيم سلطوي واستبدادي إلى متاهة بيروقراطية، في بلد افترضوا خطأ أنه عادل وديمقراطي.

ويختتم المؤلف الكتاب بالقول "رأسمالية الكوارث هي أيديولوجيا عصرِنا لأننا سمحنا لها بأن تكون كذلك. ولكن بوسعنا تغيير ذلك. ينبغي أن يكون هدفنا هو إيجاد نظام اقتصادي أكثر مساواة وديمقراطية تُمثلنا تمثيلا حقيقيا (ص 374)."

 

د. هاشم نعمة

.........................

الهوامش

1- للمزيد راجع: توماس بيكيتي، رأس المال في القرن الحادي والعشرين، ترجمة وائل جمال وسلمى حسين (القاهرة: التنوير، ب. ت).

2- للمزيد حول الليبرالية الجديدة راجع: أشرف منصور، الليبرالية الجديدة: جذورها الفكرية وأبعادها الاقتصادية، ط 1 (القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2008)،خصوصا الفصل السابع المعنون خرافة السوق ذاتي التنظيم، ص 317-337.

 

 

عز الدين عنايةيتمحور كتاب "أوروبا صانعة التحول في العالم" حول المسألة الاقتصادية، وتحديدا حول الريادة الأوروبية في هذا المجال الحيوي والحاسم في التطور الحضاري. حيث تحاول أستاذة التاريخ الاقتصادي الإيطالية فيرا زامانيي تفسير تلك الريادة من خلال تتبّع التطورات الحاصلة في هذه القارة على مستوى تنامي القوة الاقتصادية، ومن ثَمّ تسرّب تلك التحولات التنموية وانتشارها في كافة أرجاء العالم. ومقارنة تلك الريادة بما حصل من محاولات مماثلة في حضارات أخرى، لم يسعفها الحظ في تحقيق انتشار واسع أو بسط هيمنة فعلية، وكذلك لم تكن مغرية حتى تُقلَّد أو تُحتَذى خارج مجالها الذي تشكّلت فيه. إذ ثمة تساؤل مطروح في الأوساط العلمية ألا وهو لماذا حصلت الثورة الصناعية في أوروبا دون غيرها من الفضاءات، مثل آسيا أو إفريقيا، برغم وجود حضارات عريقة وغنية حازت تقدّما تقنيا وعسكريا في زمانها؟ فيرا زامانيي في إجابتها عن هذا السؤال تدعم أطروحتها حول ريادة أوروبا بإبراز محورية التطور الحاصل على مستوى المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية، ولا سيما على مستوى القيم التي تمثّل الدافع المتين المتواري لتلك التحولات. حيث تضافَرَ التقدّم في أوروبا مع اقتراب من تحقيق مطلب العدالة الاجتماعية (الحقوق) وترسيخ مبدأ المساواة الاقتصادية (الرفاه الاجتماعي).

تخصص المؤلفة الفصول الأربعة الأولى من كتابها إلى القوى الاقتصادية التي عرفها تاريخ البشرية، من خلال مقارنات بينها تحدد على ضوئها عوامل القوة والضعف فيها، وعوامل الانحصار والانتشار التي ميزتها. تنطلق فيرا زامانيي في دعم أطروحتها من خلال رصد مظاهر التطور الاقتصادي في العالم، منطلقةً من مراحل متقدّمة في التاريخ، تعود إلى تسعة آلاف سنة قبل الميلاد، لتبلغ إلى حين تفجر الثورة الصناعية في العصر الحديث وانعكاساتها على كافة أرجاء المعمورة. فلا ريب أن الحضارات الشرقية بأنواعها، السومرية والآشورية والبابلية والمصرية والقرطاجية والهندية والصينة، وحتى حضارات أمريكا الجنوبية قد شهدت تشكل نواتات ثورات حضارية، مثّلت فرادة وقوة ضاربة في عصرها، كشأن ابتكار مفهوم الدولة الحاصل في أوروك (الوركاء العراقية) الذي أخرج البشرية من مجتمع اللاّدولة إلى مجتمع الدولة، ولكن تلك التطورات على أهميتها وريادتها حينها، لم تشهد في حيزها ميزة التراكم وخاصية التواتر وكذلك لم تتسم بطابع عالمي، حيث لم تسرِ عدواها كما حصل مع التجربة الأخيرة الأوروبية. مذكّرة أن الأرض كانت عامرة بالثروات الطبيعية التي بقيت جامدة أو دفينة إلى حين بلوغ الغزاة الأجانب. وتورد الكاتبة في الشأن حالة أمريكا الشمالية، حيث وُجدت فيها مجتمعات شبه مترحلة ومنغلقة على ذاتها، وذلك إلى حدود أواخر القرن السادس عشر، ولم يحصل تطورها سوى بحلول الأوروبيين.

2592 اوربا صانعة التغييروبحسب الكاتبة يتمثّل المحدد الرئيسي الاستراتيجي في تطور مختلف المجتمعات في الرؤى الفلسفية الدينية للعالم، وفي التنظيم الاجتماعي المتولّد عنه، المدعوم بسائر المؤسسات السياسية والتنظيمات الاجتماعية. وفي تحديدها لمعايير التطور تلك، تسعى زامانيي للمقارنة بين المؤسسات الاقتصادية الفلاحية المتقدمة في أوروبا والصين والفضاءات الإسلامية، مستثنية الهند من ذلك بتعلّة غياب تحقيق مكتسبات بارزة في الشأن. فمُثلّث الصين وأوروبا والبلاد الإسلامية، وِفق زامانيي، هو الفضاء المتميز على البسيطة الذي اختزن ابتكارات زراعية مركّبة، وتنظيمات اجتماعية راقية، ونُظم سياسية صلبة، دفعت بالبشرية للخروج من طور اقتصادي إلى طور آخر وأهّلتها للوقوف على عتبة التحول الحديث، وهو ما اقتنصت أوروبا خلاصته ودفعت به إلى مشارف الكونية مع المرحلة الحديثة. وللإلمام بالعوامل الأساسية للتباين تقارن الكاتبة بين الأبعاد الرئيسية للمجتمعات الثلاثة: نظام الحكم السياسي، وسير نظام العدالة، ونظم الجباية والضريبة. وبحسب الكاتبة تميزت أوروبا في هذه المقارنة بمحددات أربعة أساسية: المفهوم المسيحي للكائن البشري، بوصفه القيمة الوحيدة المطلقة؛ والعلاقة الأفقية الرابطة بين الأشخاص المتأتية من القيم المسيحية؛ والإشادة بالعقل كسبيل ذهني؛ وفي النهاية الفصل بين السلطات وما انجر عنه من تمييز بين المجالين الديني والسياسي. مُقرّة الكاتبة أن الحضارتين الصينية والإسلامية قد شهدتا ما يماثل تلك التطورات، لكنها لم تتحول إلى نمط اجتماعي يغري بالاتباع لدى أمم أخرى لاحتذائه والنسج على منواله، وهو ما جعل تلك التجارب، على تقدمها، تنكفئ على ذاتها وفق تفسير فيرا زامانيي.

بعد تلك المقارنات على مستوى عالمي، تركز زمانيي في الفصلين الخامس والسادس اهتماماتها في تحليل خاصيات المدينة الأوروبية منذ القرن الحادي عشر، ودور الاكتشافات الجغرافية في تطور نشاط التجارة العالمية. حيث شهدت أوروبا أسرع حركة تصنيع، وكانت أوّل قارة تشهد انتشار النقل عبر السكك الحديدية نتاج حركة التصنيع المبكّرة. كما كانت القارة التي شهدت أرقى أشكال التنظيم الاجتماعي، وفي الراهن الحالي الأقرب إلى نظام المساواة وحماية الشرائح الضعيفة والتطور الاقتصادي. لتنتهي بالحديث عن التبرعم الصناعي الأول في بريطانيا، والمتأتي جراء توفر نظام سياسي مؤسساتي يشجع على التجديد، وما رافقه من تشريع قانوني يملي ضريبة على الأغنياء بقصد إعادة توزيعها عند الحاجة على المتضررين، ويقدّم سلسلة من الضمانات في حال التعرض إلى العوز والحاجة والإفلاس. فمفهوم ضمان حق الرفاه قد نشأ مع سنّ "قوانين الفقراء" (Poor laws) (سنة 1601) التي هدفت لتقديم العون للمحتاجين عند الضرورة، وهي من الضمانات الاجتماعية التي أقرتها الدولة لتحمي بها شرائح واسعة من الانهيار، وتدفع بها للانطلاق مجددا في عملية النشاط الاجتماعي والإنتاج، ومن ثمة استئناف المساهمة في الدورة الاقتصادية. فضلا عن سياسات أخرى أقرتها الدولة، تشجع على الابتكار التقني والمبادرة الحرة، ناهيك عن اتخاذ تدابير حوّلت العمل المنزلي وأخرجته من إطاره الضيق الأُسري إلى العمل الحرفي ومن ثمَّة نحو المصانع الكبرى، وهو ما ترافق بتطور الآليات البخارية التي بدأ معها الاستغلال للثروات في باطن الأرض. مُبرِزة ضمن ذلك التحليل دور الدولة الحاسم في توجيه العملية الاقتصادية ورسم الخطط التنموية، حيث بقدر ما كانت المبادرات فردية جاءت مدفوعة أيضا بتشجيع الدولة ورعايتها. وبرغم أن زامانيي تركز في تلك الريادة البريطانية على التحولات الاقتصادية الحديثة، نجدها توسّع من نطاق رؤيتها لتشمل الفضاء الأوروبي متتبّعة بوادر التطور في كل من بلجيكا وألمانيا وإمبراطورية هابسبورغ وروسيا وإيطاليا وإسبانيا، مبرزة مختلف سياقات التطور فيها، لكنها تذهب إلى كونها مجرّد تقليد لما حصل في بريطانيا. وهي تجارب وإن حققت تقدّما لا بأس به فإنها لم تتهيّأ لها العوامل الحاضنة التي توفرت في بريطانيا، ولا سيما في تزاوج الإرادة السياسية مع مختلف العناصر الأخرى الضرورية من مؤسسات وابتكارات.

وعلى مدى ثلاثة فصول، السابع والثامن والتاسع، تنحو فيرا زامانيي لتناول تراجع الريادة الإنجليزية وتحوّلِ النهوض الاقتصادي باتجاه فضاءات جديدة داخل أوروبا وخارجها. حيث تحاول المؤلفة فهْمَ التطور الاقتصادي المنبعث خارج أوروبا أولا، لا سيما في أمريكا واليابان. فالتطور الاقتصادي في أمريكا يعود بالأساس إلى عوامل وفرة الثروات الطبيعية، وقلّة عدد السكان، واتساع الرقعة الجغرافية. وبالتالي من الطبيعي أن يؤدي توفر هذه العناصر إلى نمو اقتصادي متسارع، وهو ما اختلف جذريا مع واقع الحالة اليابانية التي ينعم فيها البلد بثروات محدودة وكثرة في عدد السكان، الأمر الذي أملى على السياسات الاقتصادية أن تنحو باتجاه مخططات تنموية مغايرة، تتلخص في إصلاح المؤسسات والإشراف عليها من فوق، ناهيك عما تمّ تدشينه من تعاون وثيق بين المؤسسات الخاصة وتكامل في أشغالها.

ثم تتناول المؤلفة بالتحليل تطور المالية الدولية بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حيث بدأ نظام المديونية والإقراض والمعاملات البنكية يشهد ترسخا على مستوى موسع. مدرِجةً ضمن ذلك المحور حديثا عن مرحلة الاستعمار الغربي، ولتصل إلى خلاصة مفادها أن المنتفعين بعائدات الاستعمار ليست الدول المستعمِرة، بل أصحاب المشاريع وملاك المؤسسات ومختلف المستثمرين. فقد كانت شعوب تلك البلدان ترزح تحت ضغط ارتفاع الضرائب وسياسات التقشّف في الداخل، في وقت كانت فيه مغانم الاستعمار تتكدس لدى بعض الخواص على حساب عامة الناس، من خلال توظيف قوة الدولة وسطوتها لصالحهم، مستغلين بذلك حتى أبناء وطنهم.

لينتهي التحليل في الفصول التالية، من العاشر إلى الرابع عشر، إلى الحديث عن أمْركة أوروبا على مستوى اقتصادي، خصوصا بُعيد الحرب العالمية الثانية. فقد ساهمت أمريكا في دفع عجلة التنمية في أوروبا المنهارة بعد الحرب من خلال ضخّ ما يعادل 850 مليار دولار في تلك الاقتصادات المتضررة جراء ويلات الحرب. وهي المرة الأولى في التاريخ التي يساهم فيها المنتصر في مدّ يد العون للمنهزم. وهكذا تطور الدخل القومي في البلدان المهزومة والمتضررة من الحرب بشكل فوري ومتصاعد. فمن العام 1948 إلى 1952 شهد الدخل القومي في ألمانيا تطورا بـ 61 في المئة، وفي النمسا بـ 44 في المئة، وفي إيطاليا بـ 31 بالمئة، وفي فرنسا بـ 27 بالمئة، في حين شهد النمو في الولايات المتحدة 14 بالمئة. يركّز الكتاب كذلك على "العقود الثلاثة الذهبية" التي عرفها الاقتصاد الأوروبي بين سنوات 1945 و 1973. وهي الفترة التي شهدت تقلصا للفجوة الاجتماعية بين سائر المواطنين وازديادا ملحوظا لمستوى الرفاه ولنسب الاستهلاك، حتى أن بلدانا أوروبية شهدت قفزة خارقة في تلك الفترة أخرجتها من طور متردّ إلى طور متقدم. وحالة إيطاليا التي كانت خزانا لتصدير المهاجرين واليد العاملة وعنوانا للتفاوت المزري بين الشمال والجنوب، تحولت في ظرف وجيز إلى بلد متطور، استطاع أن يغدوَ من بين أقوى الاقتصادات في العالم. لكن التحول البارز في أوروبا وهو ما بدأ يطلّ مع مطلع سبعينيات القرن الماضي، وِفق زامانيي، مع التوجه نحو العولمة، أو ما تطلق عليه بالثورة الصناعية الثالثة. لتصل الكاتبة إلى الحديث عن فكرة الاتحاد الأوروبي، التي باتت مطروحة كحلّ للوقاية الاقتصادية بغرض الوصول إلى خلق قوة أوروبية نافذة على مستوى عالمي.

تخصص الكاتبة الفصلين الخامس عشر والسادس عشر من مؤلفها للحديث عن التطورات الاقتصادية الحاصلة في آسيا، في كوريا واليابان والصين وماليزيا والمتمحورة حول تدخل الدولة القوي في رسم السياسات الاقتصادية، مع توظيف استثمار كثيف في المجال الصناعي وتشجيع للمؤسسات المحلية وعرقلة للمؤسسات الخارجية. ثم تعرِّج على تناول السياسة الليبرالية الجديدة المتبناة في الاتحاد السوفياتي إبان فترة بوريس يلتسين وما خلفته من دمار اقتصادي. ثمة مرجعية ثرية للكتاب في تتبّع تحولات القوة الاقتصادية في أوروبا وفي أرجاء العالم. مع استعانة للكاتبة بالعديد من الجداول ضمن مؤلفها لتوضيح التطورات بشكل تلخيصي وميسر على القارئ.

وفي الفصل السابع عشر والأخير من الكتاب تتناول الكاتبة صعود الليبرالية الجديدة بوصفها شكلا من أشكال التجدد في النظام الرأسمالي، مع ما خلفته من أزمات على مستوى البنوك وهو ما جرّ منذ العام 2007 إلى أزمة قوية في الأوساط الأوروبية وإلى تراجع قيمة اليورو، ما فرض على تلك الدول الدخول في سياسات تقشف خلّفت تراجعا في الاستهلاك. لكن ذلك الوضع لم يتوقف عند ذلك الحد بل أفرز تشككا في مستقبل المجموعة الأوروبية، دفع بعض البلدان للتهديد بالخروج من تلك الرابطة أو التلويح بالتخلي عن عملة اليورو.

نلحظ رؤية حاسمة لدى فيرا زمانيي تخترق كتابها، كون التطور هو حتمي في أوروبا دون غيرها بموجب توفر عناصر حضارية محورية في الشأن. يبرز من تلك العناصر أساسا الإرث المسيحي و"القيم المسيحية" ولا ندري أين كان ذلك المخزون الروحي، طيلة قرون التردي والفوضى، قبل حصول النهضة الأوروبية؟ فزعم الفصل بين المجالين الديني والدنيوي، ما كان منبعه لاهوتيا، والكنيسة لم تتخل عن ذلك التحكم بالمجالين سوى مع حصول ما يشبه الثورة في المجتمعات الأوروبية، لا سيما مع البروتستانتية والتنوير، بعد أن طُردت الكنيسة من المجال السياسي.

كما أن التحليل للتطورات الاقتصادية المنقوصة في الفضاءات الأخرى يُعرَض بشكل مبتور أحيانا، ولا تتعرض الكاتبة إلى الدور التعطيلي لأوروبا لتلك الفضاءات. صحيح أن أوروبا قد غيرت العالم، ولكن تغييرها جاء مفروضا غصبا في العديد من البلدان، بعد تدمير البنى الحضارية في الفضاءات المستعمَرة، ولذلك ارتفعت أصوات بعد رحيل الاستعمار تنادي بالعودة إلى الذات وتصفية بقايا التبعية، وهي عمليات ليست هينة في ظل خلق عقلية بديلة متسرّبة في التعليم والاجتماع والاقتصاد، بلغت في بعض البلدان حدّ تغيير اللسان وحرف الكتابة.

نبذة عن المؤلفة: فيرا زمانيي أستاذة جامعية تدرّس التاريخ الاقتصادي في جامعة بولونيا الإيطالية. سبق لها أن نشرت في دار نشر إيل مولينو سلسلة من المؤلفات: "التصنيع والتفاوت بين الجهات في إيطاليا" (1981)، و"من الأطراف إلى المركز" (1990)، و"الثورة الصناعية وسياسة الاندماج الأوروبية" (1990).

 

الكتاب: أوروبا صانعة التحول في العالم.. تاريخ اقتصادي.

المؤلفة: فيرا زامانيي.

الناشر: إيل مولينو (مدينة بولونيا-إيطاليا) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2020.

عدد الصفحات: 344ص.

***

عزالدين عناية - أستاذ تونسي بجامعة روما

 

محمود محمد عليفي ضوء جائحة كورونا للأستاذ الدكتور علي وطفه.

نعود وننهي حديثنا عن القراءة النقدية التي قمنا بها تجاه كتاب إشكاليّات التّعليم الإلكترونيّ وتحدّياته في ضوء جائحة كورونا للأستاذ الدكتور علي وطفه وهنا نقول : ختاما، فإنّ هذه الدراسة، بما حملته من موضوعات زاخرة، وثقافة واسعة، وفكر مستنير، وتحليل عميق، ومنهجية علمية، قدمت إجابات موضوعية حول أزمة كورونا وتأثيرها في الأنظمة التعليمية والتربوية، كما ركّزت بشكل محوري على العلاقة بين الجائحة والتعليم الإلكتروني عن بعد، الأمر الذي استنفر الكاتب في أن يخوض عمار البحث في الحتميّات التي فرضتها الجائحة على التعليم الإلكتروني، وحثّه على التفاعل الحضاري مع معطيات الثورة الصناعية الرابعة ومنجزاتها الرقمية الهائلة، علاوة على  تمكنه من أن يقدم صورة بانورامية قائمة على التّحليل العميق لطبيعية هذه العلاقة الجدلية بين التعليم الإلكتروني والجائحة والثورة الصناعية الرابعة.. وبعد فصول مضنية من الترحال في تضاريس كورونا المثيرة للجدل تربويا واجتماعيا (64) ، وجدنا المؤلف يتساءل عن مصير الأنظمة التربوية العربية ضمن معادلة الأزمة والصدمة، ويجترح تساؤله ماهيته الإشكالية من عمق الصدمة الحيوية للفيروس التي اجتاحت مختلف مشاهد الحياة الإنسانية ومظاهرها الاجتماعية، ولاسيما في المشهد التربوي الذي شهد اهتزازا كبيرا تحت تأثير هذه الصدمة التي قدر لها أن تعجل في صيرورة التحول التربوي إلى فضاء الذكاء الاصطناعي الذي يفرض نفسه بقوة القوانين الحتمية للتطور (65).

كما شدّد المؤلف خلال مسيرته في الهضاب الصعبة والمنزلقات الخطرة لتأثير كورونا، على أنّ هذه الصّدمة قد لعبت دور الموقظ المنبّه على ضرورة الانخراط في الثورة الحضارية الرقمية، والإعراض عن واقع التخلّف الشّامل الذي يعيشه العالم العربي. وواجهتنا حقائق جديدة صادمة تتعلق بالحاجة الملحّة الى الإصلاح الاجتماعي والتربويّ (66).

لقد كشف لنا كورونا كما  يرى الدكتور علي وطفه  الإصلاح التربوي مفهوم قاصر ما لم يرتبط بالإصلاح الاجتماعي الشامل، وأنّ أيّ إصلاح تربوي سيبوء حتما بالفشل ما لم يرتبط فعليا بمشروع اجتماعيّ اقتصاديّ حضاريّ شامل. وقد عرفنا الآن لماذا أخفقت، وستخفق، كلّ المشاريع الإصلاحية التّربويّة التي لم ترتبط جوهريا وعمليا بالإصلاح الاجتماعي الشّامل (67).

والنّقطة الأكثر أهميّة التي وقف عليها الدكتور علي  وطفه، بفضل الصدمة، هي هذا الارتباط المصيري بين التربية والاقتصاد وحركة التّطوّر المعاصرة التي تنتشر بلا حدود على صورة ثورات علميّة رقميّة سيبرانيّة متدفّقة في إطاريْ الزمان والمكان (68) ، واتّضح للمؤلف أنّ التربية التي لا تتحرّك في هذا الفضاء سيُحكم عليها بالفشل والاندثار، فالعمل على مواكبة المدرسة للثورة الصناعية الرّابعة مصير حتميّ إذا أرادت التربية، ومن ورائها المجتمع، الاستمرار في الوجود وظيفيّا وحضاريّا. وهذا الأمر يؤسّس لنزعة ثوريّة في التربية والتّعليم تقوم على تحرير المدرسة من براثن الممارسات التقليديّة المتآكلة والمتهالكة في مختلف الأبعاد والتجلّيات (69) .

وهذا يعني كسر الجمود القائم بين المدرسة والعصر الجديد، بين المدرسة بوصفها ماضيا والمستقبل بوصفه ثورة علمية رقمية تستنفر العالم الذي نعيش فيه بلا حدود ولا قيود. كلّ هذا وغيرُه يعني أنّ الثورة التّربويّة والتّعليميّة أصبحت مطلبا وجوديا ملحّا لا يقبل التّهاون والتّأخير. فالمدرسة العربية مدرسة تقليديّة، تعيش على قيم الماضي ورؤاه وتصوّراته، ولا يمكنها، بحالتها الراهنة، أن تنسجم مع مقاصد العصر وثورته الرّقمية، ذلك أنّ الثّورة الرقميّة الصناعيّة في هذا العصر تتطلّب ثورة إبيستيمولوجية في قطاعي التّربية والاقتصاد، بل في الحياة برمّتها. وما لم تتحرّك المدرسة في هذا الاتّجاه فإنّ العواقب ستكون وخيمة على الأجيال، وضريبتها لا تحتمل على مستقبل الأطفال والناشئة. فالعالم يتغيّر، ولا يمكن للتّربية أن تظلّ في أبراجها العاجية في حالة انفصال عن حركة التّاريخ والحضارة (70) .

نعم لقد نبّهنا كورونا إلى ما يجري في العالم من إنجازات عظيمة مهولة فالعالم، في نظر المؤلف، يعيش منذ عدة عقود في مجتمع المعلوماتية الذي تلعب فيه تكنولوجيا المعلومات والاتّصالات الدور الأكبر في عملية الإنتاج الحديث، والذي يتّسم بأنّه إنتاج كثيف للمعارف. ومع تضاعف المعرفة الإنسانيّة، تحوّل الاقتصاد العالميّ إلى اقتصاد يعتمد على المعرفة العلمية، وفي هذا الاقتصاد المعرفيّ تحقّق المعرفة الجزء الأكبر من القيمة المضافة، ومفتاح هذه المعرفة، بلا منازع، هو الإبداع والتّكنولوجيا. فنحن نمرّ الآن بمرحلة من التطوّر تُعرف بتطوّر العلم التقني حيث لا يتمّ التّعامل مع مجموعة من العلوم التّطبيقيّة بالمفهوم القديم للعلوم، وإنّما يتمّ التعامل معها في مجـال التّطبيق التّكنولـوجيّ الذي يتفاعل مع منجزات كلّ العلوم الأساسيّة، ويجعل الفارق بين المعرفة المتولّدة عنها وتطبيقها الزّمني ضئيلا " (71).

وهنا يتساءل الدكتور علي وطفه بإلحاح، فيقول: أين نحن الآن من هذه الثورة؟ وما الذي أنجزناه حتى اليوم في غمار حركتها الإبداعية المتواصلة؟

وهنا يجيبنا الدكتور علي وطفه فيقول: " تفيد الوقائع أن مؤسّساتنا التّعليميّة ما زالت حتى اليوم تعيش في عالم المعلومات، في الوقت الذي تعيش فيه البلدان المتقدّمة في عصر المعرفة الإبداعية، وتبيّن بعض الدّراسات أنّ المسافة الزمنيّة الفاصلة اليوم بين البلدان النّامية والبلدان المتقدّمة في مجال التّصنيع والثّورة الرقمية بعيدة المدى واسعة البون. وهذا يعني أنّه لا بدّ للمجتمعات العربية بمؤسّساتها التّربويّة أن تخترق الزمن الفاصل، وأن تنتقل إلى مدارج الثّورة الإبداعية من خلال مضاعفة الجهود التّربويّة والحضاريّة بغية اللّحاق بالعصر وثوراته المتقدّمة. وهنا، ومن جديد، يوجد لدينا إحساس عميق بأنّ كورونا قد ضاعف قدرة المجتمعات النّامية على الاختراق ولاسيّما في المجال التربويّ (72) ، فالتّعليم الإلكتروني، الذي عرفناه كما يذكر المؤلف، والذي سنعرفه في السنوات القادمة، يشكّل فعلا المنصّة الحقيقيّة التي يتوجّب فيها على التّعليم العربي أنّ ينطلق في مساحات العالم الرقميّ وثوراته المعرفيّة (73) ، وهذا يعني أنّ التعليم الإلكتروني يحمل في ذاته بذور النّهضة العقليّة والنقديّة، وينقل المدرسة من حالة الكساد الذهنيّ القائم على الذّاكرة إلى فضاء ذهني جديد يتميّز بقدرته على توليد الذّكاء والتّساؤل والقدرات الابتكارية والعبقريّة. فالتعليم الإلكتروني لا يكون في جوهره إلاّ تعليما بنائيّا يركّز على أكثر نظريات التعلّم حداثة وتطوّرا في مجال تطوير القدرات العقلية والابتكارية للأطفال والمتعلّمين (74).

وهنا، وفي هذا السّياق، وفي معترك هذه المواجهة مع كورونا، يؤكد الدكتور وطفه بأنه لمن الواجب على الأنظمة التّربويّة في العالم أن تطوّر استراتيجيات جديدة لمواجهة مختلف التحدّيات الناجمة عن الثّورة الصناعيّة الرّابعة، ولاسيّما تحديات اختفاء الوظائف، والعمل على تأهيل الناشئة تأهيلا مستقبليا يعتمد على احتمالات الذّكاء الاصطناعي، وتمكين الناشئة من الخبرات والمهارات والمعارف التي يمكنها أن تواكب حركة التطوّر التّكنولوجي الهائل في العقود القادمة من القرن الحادي والعشرين. خاصّة أنّ الإنسان قد استطاع، حتى يومنا هذا، أن يجد لكلّ معضلة مخرجا عبر تاريخه الطّويل، وهو بطاقته اللاّمحدودة وإمكانياته المذهلة قادر على أن يحقّق المستحيل، وكلّنا أمل أن تجد الإنسانية طريقها المستنير في المحافظة على الكينونة الإنسانيّة في معركة البقاء والمصير (75).

وفي نهاية حديثنا عن قراءة كتاب" قراءة في كتاب إشكاليّات التّعليم الإلكترونيّ وتحدّياته في ضوء جائحة كورونا"، لا أملك إلا أن أقول تحية طيبة لأستاذنا الفاضل الدكتور علي أسعد  وطفه، ذلك المفكر الموسوعي الناجح الذي عرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.....................

64- المصدر نفسه، ص 372.

65- المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

66- المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

67- المصدر نفسه، 403.

68- المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

69- المصدر نفسه، ص 405.

70- المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

71- المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

72- المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

73- المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

74- المصدر نفسه، ص 408.

75- المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

 

محمود محمد عليفي ضوء جائحة كورونا للأستاذ الدكتور علي وطفه.

نعود ونكمل حديثنا عن القراءة النقدية التي قمنا بها تجاه كتاب إشكاليّات التّعليم الإلكترونيّ وتحدّياته في ضوء جائحة كورونا للأستاذ الدكتور علي وطفه وهنا نقول: والسؤال الرئيسي الذي يتبادر إلى ذهان الدكتور علي وطفه في مقدمة هذا الفصل هو: كيف سيكون حال التعليم، ولاسيما التعليم العالي والجامعي فيما بعد كورونا؟ هل سيكون التعليم إلكترونيا عن بعد؟ هل سيكون نوعا من التعليم المدمج بين التعليم الإلكتروني والتعليم التقليدي؟ كيف سيكون حال المناهج ومستوى تأهيل المعلّم والوسائل والفلسفات والوظائف الأساسيّة لهذا التّعليم؟

ويجيبنا المؤلف قائلا: وهنا يجب علينا أن ننطلق من بداهة حضارية لمّحنا إليها، وهي أنّ التّعليم القادم كان قبل كورونا، وسيكون بعدها افتراضيا رقميا، يعتمد على الذكاء الاصطناعي. ويعود السّبب في ذلك إلى طبيعة التطور الحادث في فضاء الثورة الصناعية الرابعة، وما تنطوي عليه من تغيير شامل في أنماط الوجود والحياة. وسننطلق من مسلّمة أخرى مفادها أنّ كورونا سرّع في عملية التطوّر المستقبلي للتعليم الإلكتروني، وشكّل ضربة مهماز قوية زعزعت التّعليم التّقليدي وأربكت روّاده، وهيأته لنقلة جديدة نحو التعليم الإلكتروني بصيغتيه البعدية والحضورية، ودفعت الإنسانية إلى نمط آخر من التعليم القائم على الثورة الرقمية الهائلة في زمن الثورة الصناعية الرابعة التي ترتسم على صورة الذّكاء الاجتماعي والاصطناعي الخارق (51).

كما يناقش المؤلف في هذا الفصل عدة محاور منها: هل سيكون التعليم إلكترونيا فيما بعد كورونا؟ (ص ص 316-317)، وحوار إشكالي بين أنصار التعليم عن بعد والتعليم التقليدي (ص ص 317-321)، والمناهج المستقبلية فيما بعد كورونا (ص ص 321-325)، وزراعة المواهب الإبداعية (ص ص 325-329)، والمنافسة الأكاديمية: الشركات الإلكترونية ضد الجامعات (ص ص 329-331)، وهنا يتوصل المؤلف  إلى حقيقة هامة وهي أنّ: " تطوّر التعليم عن بعد من هيئته القائمة على النّقل إلى صورته الإلكترونية النموذجيّة لا يمكن أن يحدث إلاّ في سياق تكنولوجي واجتماعيّ واقتصاديّ محدّد، ويعدّ هذا الانتقال من الصّورة البسيطة إلى الصورة النموذجية تحدّيًا كبيرًا يواجه الأنظمة التعليمية في مختلف أنحاء العالم. وهذا يعني أيضا أنّ الانتقال من نموذج التعلم التقليديّ إلى نموذج التعلم الإلكتروني عن بعد ليس مهمّة بسيطة بل هي مهمّة معقّدة تنطوي على ممارسات استراتيجية فعالة. وفي هذا السياق، قامت بعض الجامعات في ظل الأزمة بمحاولات جادّة للانتقال بالتعليم من صورته التقليدية إلى هيئته الإلكترونية، فأدخلت منظومة من التّغييرات التدريجيّة، وركّزت على نهج التّعلم المدمج، وعزّزت فرص التّفاعل الحقيقية بين الطلاب والمعلمين عبر الإنترنت، ووظّفت عددا من المنهجيات والتقانات المتجدّدة. وقد أدركت الجامعات الرائدة عالميًا أخيرًا ضرورة الاستعداد للمستقبل، وبدأت تدرس كيفيّة تقديم التعليم والتّدريب العالي من خلال الإنترنت، مع النّظر إلى جدوى الاستثمار في الواقع الافتراضي والواقع المعزّز وإتاحته للطلاب في جميع أنحاء العالم. ومع أهمّية هذه المبادرات، فإنّ معظم الجامعات لم تبدأ بعد أي عملية للتكيّف مع التعلّم عن بعد بصورته النموذجيّة، ومما يؤسف له أنّ عددا كبيرا من الجامعات ولاسيما في البلدان الفقيرة ليس لديها بنية تحتية أو موارد كبيرة لتأصيل هذا التعليم القائم على أرقى إنجازات الثورة في ميدان الإلكترونيات والبرمجيات الرقمية المتقدمة في مجال التعلم عن بعد" (52). ويستطرد المؤلف فيقول: " بعد هذا كلّه يمكن القول إنّ هناك جامعات متقدّمة تقوم بالتعلّم النّموذجي عن بعد في أفضل المستويات، وعندما تضع الجامعات خططًا أكثر قوّة للتأهّب للكوارث في المستقبل، فإنّها ستكون قادرة على تحسين قدراتها وإمكاناتها الرقمية، وصولا إلى تحقيق أرقى مستويات هذا التعليم في حلّته المتطوّرة على صورة التّعليم المعزّز بالواقع الافتراضي والنانو تكنولوجي (53) .

وفي الفصل التاسع الموسوم بـ "مستقبل التّعليم العام فيما بعد أزمة كورونا"،  يرى الدكتور علي وطفه أنّ ما زال كورونا حتّى السّاعة يمعن في الانتشار والتّدمير، وما زال يضرب أركان الكوكب، ويسحق اقتصاده، ويعطّل الحياة في مختلف مظاهرها، ويترك الناس في حالة من الهلع واليأس، فيعطّل عيشهم، ويدمّر أرزاقهم، ويغلق مدارسهم ومؤسّساتهم. وقد يكون هذا الفيروس من أخطر الفيروسات التي ضربت المجتمعات الإنسانية في التاريخ، ومع ذلك سيكون القادم ربّما أشد هولاً وأصعب وقعا. ومع ذلك، لا مفرّ من أن نتفاءل خيرا، وأن نصرّ على تفاؤلنا، ففي كل سواد بياض، وفي ثنايا كل كارثة بعض الأمل" (54). وقد لا حظ المؤلف على سبيل المثال، بعض الآثار الإيجابيّة في مجال البيئة، إذ انخفض مستوى التلوّث البيئي النّاجم عن عوادم الطائرات والمصانع، وازداد اهتمام العلماء والسّياسيين بقضايا العلوم الحياتية والبيئة، وتراجعت الولايات المتحدة الأمريكية عن انسحابها من المنظّمات الدّولية الصّحّية والبيئيّة، وزاد الإنفاق على البحوث العلميّة في مجال الطبّ والهندسة الوراثيّة، وتطوّرت وسائل الاتّصال الإلكترونيّ، وظهرت صناعات جديدة متخصّصة في مجال الأوبئة. ولا يمكن أن نحصي الإيجابيّات التي تترتب على هذا الوباء، لكن أهمّها على الإطلاق -كما يبدو لي- هو التأهّب لعالم الكوارث القادمة، والتّحضير لمواجهات إنسانية متجدّدة مع الفيروسات والأوبئة (55)، وهناك، في نظر المؤلف، إجماع بين العلماء على أنّ العالم سيتغيّر بعد جائحة كورونا، وأنّ "كورونا جاء اختبارا لمدى قدرة الحكومات وجاهزيّتها ومرونتها للاستجابة لمثل هذه الأزمات، كما يقول سعيد الظاهري". وضمن هذا السّياق الحضاريّ يشكّل "التّعليم أحد أهم القطاعات التي شهدت تغيّراً كبيراً خلال هذه الجائحة التي سرّعت في الانتقال لنمط التّعليم عن بعد أو ما يعرف بالتّعليم الافتراضي، كاستجابة ضرورية لاستمرار العملية التّعليمية خلال هذه الأزمة. التّغيير لن يقتصر على التّعليم عن بعد لكن سيطال نموذج وشكل العملية التدريسية مستقبلاً، لقد "غيّرت جائحة كورونا طرائق التّعليم والتعلّم لملايين الطلاب حول العالم، وأصبح الملايين من الطلاب يستعملون الهواتف الذكية والتّطبيقات التفاعليّة للتعلّم ويَحضرون الدروس التي تُبثّ مباشرةً على التّلفزيون. ولا شكّ في أنّ هذه الحلول الجديدة في التّعليم ستفتح المجال أمام المزيد من الابتكارات"، ومع "الانتشار الواسع لتقنيات الجيل الخامس سيتمكّن الطلاب من التعلم في كل مكان وفي أي وقت، وستدعم أنماط التعلّم الجديدة التّعليم التّقليديّ في الصفوف، مما يزيد من مهارات الطلاب وانفتاح أذهانهم. وستمكِّن الشراكات بين القطاعين العام والخاص وبين الشركات والمؤسسات في مجالات مختلفة -كما حصل في الصين- من الحصول على منصّات للبثّ والتّعليم من بعد معتمدة على التقانات السّحابية، وتوفير بنية تحتية متطوّرة للتعليم تديرها وزارات التّربية والتّعليم العالي ووزارة الاتصالات (56).

ولكي يوضح لنا الدكتور علي وطفه بالتفصيل قدم لنا المحاور التالية: حتمية التطور (ص ص 344-348)، وسيناريوهات متوقعة (ص ص 348-253)، وسيناريوهات العودة إلي المدرسة (ص ص 353-357)، وقد توصل المؤلف إلى  حقيقة مهمة، وهي أنّ: " جائحة كورونا لن تكون، على الأرجح، الكارثة الأخيرة، فالمستقبل قد يكون متخما بالأزمات وحافلا بالكوارث والجائحات التي تنتظر الإنسانيّة على الدروب ومفارق الطرق. ويجب علينا أن ننظر إلى هذه الجائحة بوصفها اختبارا قاسيا ودرسا مفيدا يستفاد منه في مواجهة التّحدّيات الحضارية المقبلة. ويمكننا القول، في هذا السياق، كذلك، إنّ كورونا يشكّل ضربة قاسية تهدف إلى إيقاظ الإنسانية من سباتها الحضاريّ الطويل، تنبيها لها لما يمكن أن يجتاحها من مصائب وويلات في الأزمنة القادمة. فالأزمة الكورونية صادمة، وهي على درجة كبيرة من الخطورة والأهمية، ولكنّها ليست، في نهاية الأمر، سوى تعبير عن الأزمة الحضارية الكبرى التي تتمثل في أزمة انتقال المجتمع الإنساني إلى حضارة الموجة الرابعة، وهو المفهوم الذي يستخدمه آفلين توفلر في وصفه للمرحلة العليا من تطوّر المجتمع الإنساني، فالثورة الصناعيّة الرابعة تدقّ الأبواب، وتنذر بأزمات كثيرة كامنة في تطويع الإنسانية على قوالب التّطوّر الجديدة المتمثّلة في الذّكاء الاصطناعيّ الخارق. ولئن كان المجتمع الإنساني اليوم يواجه أزمة كورونا، فإنّ هذه المواجهة تتمّ في خضمّ التحول العظيم للثورة الصناعية الكبرى الجبارة التي تعتمد الثورة الرّقميّة المابعدية في كل ميدان وحقل وقطاع وجانب من جوانب الحياة والوجود، فالإنسانية اليوم تخلع أثوابها القديمة كلّها تحت وقع الاهتزازات الكبرى للثورة الصناعية الرّقميّة، وترتدي حلّة حضارية جديدة مختلفة تماما عمّا ألفته وعهدته في الماضي. وهنا يأتي الوباء كضربة مهماز لتسرع أحصنة التقدّم الحضاري، ولاسيّما في مجال التريبة والتّعليم، وكأنّ هذا الوباء قد ولد خصيصا ليقدم دفعة حيوية للتعليم صوب دروب تقدّمه وتطوره المنشود تحت ضغط الثورة الصناعية الرابعة وتموّجاتها. نعم، جاء كورونا ليخرج التّربية من أوكارها التّقليديّة، ويدفع بها إلى فضاء جديد يتمثّل في الذكاء الإلكترونيّ الخارق الذي يشكّل المحرّك الجبار للثّورة الصناعية الرابعة (57).

وتحت تأثير كورونا العتيد بدأ الآباء والطلاب والمعلمون في جميع أنحاء أوروبا، كما يقول المؤلف، يتكيّفون مع الوضعية الجديدة للتعليم عن بعد الذي ينحو إلى أن يكون تعليما إلكترونيا نموذجيا بامتياز. وعندما تبدأ المدارس في إعادة فتح أبوابها من جديد، فإن هذا الأمر لن يتطلب التكيف مع استخدام التكنولوجيا فحسب، بل سيتطلب كذلك تطوير هذه التكنولوجيا التّعليمية وإعداد المحتويات الإلكترونيّة والترّسانات الرّقميّة ضمن قوالب تربوية جديدة ومتطوّرة ومتكيّفة مع متطلبات الثورة الرّقميّة في مختلف مجالات الحياة الإنسانية. وعلى الرّغم من أنّ إغلاق المدارس تسبّب في البداية في حدوث اضطرابات تربوية واسعة، فإنّ هذا الأمر قد شكّل دافعا قويّا لتطور مختلف مناحي الإبداع والابتكار في العملية التربوي والتّعليمية. وتأخذ هذه التوجهات الابتكارية مسارها نحو الأفضل مع حركة الزّمن وتقدّمه المستمرّ. وهناك دلائل تشير إلى أنّ الأزمة ربّما يكون لها تأثير دائم على مسار تعلّم الابتكار والرقمنة (58).

أما الفصل العاشر والأخير  الذي تخيّر له المؤلّف العنوان الآتي:" كورونا: دروس وعبر: هل ستؤدي الصدمة الكورونية إلى يقظة التربية العربية؟، فيركز على  المكاشفة البيداغوجية للدروس التربوية المستفادة من معايشة الجائحة الفيروسية لكورنا، حيث علينا أن نستكشف الشيفرة الجينيّة للتأثير الذي فرضه الفيروس في المجال التربوي والتعليمي. وتأخذ هذه الشيفرة هويتها في هذا التفاعل المريب والخطير بين كورونا والفقر والتعليم والتكنولوجيا والمستقبل، إذ لا يمكن الفصل بين هذه المتغيرات الدائرية المتداخلة في تفاعلها وتأثيرها. ومهما يكن فإن اجتماع الفقر وكورونا والاستغراق في الماضي ضمن انشوداته التقليدية المتخلفة عن ركب الحضارة التكنولوجية الذكية للعصر، يجعل من وقع الكارثة مهولا ومدمرا وخطيرا في مختلف المجالات، ولاسيما في المجال التربوي والتعليمي. لقد بينت التجربة الكارثية أنّ وقع كورونا وتأثيره التربوي كان أقلّ وطأة وثقلا في البلدان المتقدمة، ولدى الطبقات الاجتماعية الغنية الميسورة، وفي المناطق التي تتكاثف فيها الحضارة الرقمية. وعلى خلاف ذلك، كان وقعه مخيفا رهيبا في البلدان الفقيرة، وفي واقع الطبقات الاجتماعية المهيضة، وفي المناطق التي تتكاثف فيها الأمية الحضارية. إلاّ أنّ ثمّة دروس تربوية كثيرة يمكن لنا أن نأخذها بعين الاعتبار من صلب التجربة المرّة والمأساوية التي عشناها وتعايشنا معها خلال العام الماضي وبداية هذا العام الدراسي (59).

لقد أدت الجائحة إلى فرض تغيرات جوهرية في مشهد التعليم والتربية في العالم، وبلغت حدود هذه التغيرات كما يؤكد الدكتور علي وطفه إلى ما هو أبعد من كلّ التوقعات والسيناريوهات المحتملة، لقد صدم الفيروس وعي الناس وأيقظ اهتمامهم بكثير من القضايا الحياتية والوجودية، ووضعهم أمام الكثير من التحديات المعرفية، ودفع بهم إلى مواجهات صعبة ومعقدة مع منظومة من المشكلات الكبيرة، واستطاع يدفع بأمور كثيرة إلى صدارة الاهتمام الحكومي وإلى أولويات عمل المنظمات الدولية الفاعلة في المجتمع الإنسانية. وقد رسخ أهمية النظر إلى التربية بوصفها رافعة التنمية والتنمية المستدامة والمنطلق إلى مسارات النهضة الحضارية للثورة الصناعية الرابعة (60).

وقد أشار المؤلف في هذا الفصل  إلى أنّ النظام التعليمي ما بعد كورونا سيكون مختلفا جدًا عن التعليم التقليدي الذي ألفناه وعرفناه عبر عقود عديدة من الزمن، ومن المؤكد أيضاً أنّ التعليم المستقبلي سيكتسب ملامح جديدة مختلفة إلى حدّ كبير، ومن المؤكد أيضا أنّ الجائحة ستكون حافزا على بناء استراتيجيات جديدة للتعلم الإلكتروني، وهي استراتيجيات تشتمل على أهداف وفلسفات وقيم ومبادئ وأهداف جديدة مستجدة (61).

ومن صلب التجارب التي استعرض المؤلف بعضا من خلاصاتها نستطيع أن نتعلم الدرس الذي يفيض بالمعاني ذات الدلالة الاستراتيجية. ومنها: تثوير التعليم في زمن الثورة الرقمية (ص ص 372-373)، وتطوير المناهج الدراسية (ص ص 373-374)، وأهمية الأسرة (ص ص 374-375)، وأهمية المدرسة (ص ص 375-376)، والتعاون بين الأسرة والمدرسة (ص ص 276-377)، والاستعداد التكنولوجي (ص ص 377-378)،وجاهزية المحتوي الإلكتروني (ص ص 378-379)، والثقافة الإلكترونية والرقمية (ص ص 370-380)، والتخطيط التربوي للمستقبل (ص ص 280-381)، ومهارات جديدة قبل الشهادات (ص ص 281-282)، وأهمية البحث العلمي (ص 383)، والابتكار (ص ص 382-383)، والتعاون الدولي (ص ص 383- 384)، وهل ستؤدي الصدمة الكورونية إلي يقظة التربية العربية (ص ص 284-387)، وقد توصل في هذا الفصل  إلى حقيقة مهمة، وهي: " كورونا جاءت بالدروس والعبر التي لا يمكن لنا أن ننكر جدواها وتأثيرها في حياتنا ووجودنا. وما قدمناه حول دروس كورونا ليس  إلا غيضا من فيض، فالدروس التي تعلمها البشر خلال هذه التجربة المأسوية تفوق قدرتنا على الإحاطة والحصر. فالدروس في التربية كثيرة جدا وهي لا تقل أهمّية عنها في الاقتصاد والحياة الإنسانية برمتها بأدنى تفاصيلها وأكثرها تعقيدا، وقد لا نبالغ إذا قلنا بأنّ كورنا قد أحدث ثورة في المفاهيم والتصورات في مختلف الميادين وفي مختلف أوجه الحياة والفكر الإنساني في الفلسفة وعلم الاجتماع والتربية والفن والأدب. ومن هنا، يكرّر المفكرون عبارة إنّ ما بعد كورونا لن يكون كما قبلها. فكورونا يشكّل مرحلة فاصلة في تاريخ الإنسانية وهو في كلّ الأحوال دفعة قويّة نحو المستقبل نحو زمن الثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي الخارق (62). وكلّ ما تمنّاه المؤلف هو أن تعمل الدول العربية بأنظمتها التربوية على الاستفادة من معطيات هذه المرحلة والدروس الكبيرة التي علمنا إياها كورنا القاتل. فنحن اليوم على مفترق طرق ونأمل أن تقوم مجتمعاتنا بتطوير أنظمتها التربوية لتلحق بعصر الثورة الصناعية وثوراته الرقمية اللامتناهية في دائرتي الزمان والمكان (63)..... وللحديث بقية..

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.....................

51- المصدر نفسه، ص 312.

52- المصدر نفسه، ص 333.

53- المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

54- المصدر نفسه، ص 339.

55- المصدر نفسه، ص 340-341.

56- المصدر نفسه، ص 344.

57- المصدر نفسه، ص 358.

58- المصدر نفسه، ص 359.

59- المصدر نفسه، ص 370.

60- المصدر نفسه، ص 372.

61- المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

62- المصدر نفسه، ص 397.

63- المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

 

محمود محمد عليفي ضوء جائحة كورونا للأستاذ الدكتور علي وطفه

نعود في هذا المقال الرابع ونكمل حديثنا عن القراءة النقدية التي قمنا بها تجاه كتاب إشكاليّات التّعليم الإلكترونيّ وتحدّياته في ضوء جائحة كورونا للأستاذ الدكتور علي وطفه وهنا نقول: "ولتوضيح ذلك وجدنا الدكتور علي وطفه  ينطلق لتحليل المحاور التالية:  السمات العامة للتجربة الخليجية في مواجهة كورونا (ص ص 177-182)، والتجربة السعودية (ص ص 182-188)، وتجربة الكويت (ص ص 188-194)، وتجربة الإمارات العربية المتحدة (ص ص 194-198)، وتجربة قطر (ص ص 198-201)، وتجربة سلطنة عمان (ص ص 201-205)، وتجربة البحرين (ص ص 208-210)، وقد توصل المؤلف  إلى حقيقة مهمة تخصّ التجربة الخليجيّة  يقول: "وتنطوي التجربة الخليجية على دروس مهمّة في مجال تطوير التّعليم في مواجهة الأزمات والكوارث، وسيكون لهذه الأزمة تأثير كبير في مستقبل التّعليم والتّعليم العالي في الخليج العربي، وفي غيرها من البلدان والدول حول العالم، وستشكل أزمة كورونا منطلقا وحافزا يدفع دول الخليج العربي إلى إعادة هيكلة التّعليم بأنظمته وفلسفاته وتوجهاته، وإلى إحداث تحولات جذرية في مسيرة بناء الهوية التّعليمية. لقد كشف الجائحة كثيرا من مظاهر الضّعف والقصور في بنية النظام التّعليمي الخليجي ووظائفه، وقد حان الوقت لمباشرة عملية إصلاح ثورية في بنيته ووظائفه لتمكينه من مواكبة العصر بثورته الرقمية الهائلة وإنجازاته الإعجازية في مجال العلم والتكنولوجيا، "وهذا يوجب على (كذا!) هدم الحواجز القائمة بين التّعليم الخليجي والحياة، أو بين الواقع والتّعليم، ومن ثم التغلب على مختلف جوانب الضعف والقصور في بنية التّعليم، والتركيز على أولويات التطوير والتغيير والإصلاح الجذري" (31)..  ويستطرد المؤلف فيقول: ".. ويبدو واضحا للخبراء اليوم أنّ الصدمة الاقتصادية التي فرضتها كورونا على مختلف الاقتصاديات العالمية قد أدّى، وسيؤدي في حال استمرار الأزمة، إلى انخفاض كبير في أسعار النفط الذي يشكّل المورد الأساسيّ لدول الخليج العربي، وسيؤدي هذا بدوره إلى عجز كبير في ميزانيات الدول العربية الخليجية. وقد بدا تأثير الأزمة الاقتصادية واضحا في ميزانيات وزارات التربية والتّعليم، ويمكن الإشارة، في هذا السياق، إلى تخفيض إنفاق الوزارات والهيئات التابعة لها في أغلب البلدان الخليجية. وقد بلغت نسبة هذه الخفض إلى 30% في دولة البحرين لمساعدة البلاد على اجتياز تداعيات تفشي فيروس كورونا، وتبع ذلك اتّخاذ إجراءات مماثلة من جانب السعودية وعُمان، إنّ خفض هذه الموازنات سيؤثر كثيرا، بلا شك. ومن غير الواضح ما إذا كانت وزارات التّعليم ستتأثر بسبب هذه التخفيضات وكيفية هذا التأثر وأبعاده، "إلا أن الواقع يشير إلى أن دول الخليج لديها القدرة والموارد اللازمة لإجراء التغييرات المهمة في نُظمها التّعليمية التي باتت حتمية لتعافي هذه الأنظمة وتعزيز قدرتها على المرونة والتكيف مع الأوضاع المستقبلية". ومهما يكن من أمر، فإنّه" بقدر ما انطوت عليه هذه الجائحة من صعوبات جمّة، إلا أنها تمثل فرصة سانحة في حد ذاتها للاستفادة منها، ولدى دول الخليج القدرة على تحقيق إنجازات تتجاوز مجرد استعادة الأمور إلى سابق عهدها (32)..

أما الفصل السادس   الوارد تحت عنوان "من التّعليم التّقليديّ إلى التّعليم الإلكترونيّ:  أنظمة التّعليم الأساسيّ في مواجهة الجائحة أنموذجا"، وفي هذا الفصل يري الدكتور علي وطفه أنّ كورونا قد طرحت فيضا من المشكلات والتّحدّيات في مختلف جوانب الحياة الاجتماعيّة والثقافية، ومن أبرزها كما يوضح الدكتور: "الصّراع القائم والجدل المحتدم حول مشروعية التّعليم عن بُعد في مواجهة التّعليم التّقليديّ. وتدور اليوم معارك فكرية شديدة الوطأة في جدل العلاقة ما بين أنصار التّعليم التّقليديّ وبين أنصار التّعليم عن بُعد في ظل الجائحة وما بعدها، وكلّ فريق منهما يدلي بدلوه في الانتصار لهذا الجانب أو ذاك. وضمن هذه الجدلية الفكريّة، هناك من يرفض التّعليم الإلكترونيّ كلّية، ويرفع شعار المدرسة التّقليديّة بكلّ معانيها ودلالاتها، وعلى الجانب الآخر هناك من يرفع شعار التّعليم عن بُعد ويرفض مختلف مظاهر التّعليم التّقليديّ بوصفه تعليما لا يصمد أمام التطوّرات التكنولوجية والرّقمية المذهلة. وفي تضاريس هذا الصراع الفكري تكمن طبقات من الحقائق والمتغيرات التي يجب أن نأخذها بعين الاعتبار(33).؛ ثم يؤكد الدكتور وطفه بأنّه: "يجب علينا، ونحن نتناول هذه المسألة، أن ننظر في مختلف جوانبها، وأن نبحث في مختلف زواياها. فكلّ رأي من الآراء، مؤيدا كان أو معارضا أو موازيا، يجب أن ينظر إليه في الإطار الذي انبثق فيه، وضمن المتغيّرات التي يظهر فيها. وضمن هذا السّياق يمكن القول: إنّ المشكلة الأولى تتعلق بطبيعة الممارسة التّعليميّة التي شهدناها وما زلنا في مواجهة الجائحة. فالانتقال السريع المفاجئ إلى التّعليم عن بُعد دون تحضير مسبّق شكّل منطلقا للفهم الخاطئ لطبيعة التّعليم الإلكترونيّ عن بعد، ومدى أهميته المستقبليّة قي ظلّ الثورة الصناعية الرابعة"(34).، ثم يعلن المؤلف فيقول: " وقد حاولنا مرارا في هذا العمل التّمييز ما بين التّعليم عن بُعد في حالة الطّوارئ والتّعليم عن  بعد بصورته النّموذجيّة الإلكترونيّة، ووقفنا على ما بين الأمرين من اختلاف بيّن. فالممارسة التي نشاهدها اليوم - وعلى الأقل في أغلبها- تنتسب إلى ما يسمّى بالتّعليم عن بُعد في حالة الطّوارئ، وهي تجربة محمّلة بكثير من السّلبيات والصّعوبات والتّحدّيات التي تتمثل  في ضعف الخبرات والمهارات، وضآلة المحتوى الرقمي، وضعف التّخطيط، وتواتر المفاجآت، وضعف البنية التحتية الرقمية، وعدم قدرة المعلّمين والمتعلمين على التكيّف الفعال مع هذا النّمط من هذا التّعليم المفاجئ، وهو تعليم جديد لم يعرفوه سابقا، ولم يألفوه خلال تجربتهم التربوية الحاليّة (35).. وهنا يجب القول إنّ التّعليم المدمج يبلغ أهميته القصوى في المدرسة الابتدائية والمتوسطة، وهو التّعليم الذي يأخذ بأسباب التّعليم الإلكترونيّ الذي يشكّل منطلق مواجهة الأزمات والاختناقات. فالتّعليم الإلكترونيّ اليوم لا يقتصر على إيصال المعرفة من المعلّم إلى الطّالب عن بُعد، بل يكفل لنا ما يسمّى بالتّعليم المعزّز بالواقع الافتراضيّ الذي ينقل الواقع إلى المدرسة ويأخذ المدرسة إلى الواقع كما أسلفنا في الفصول السّابقة. فالذكاء الاصطناعيّ أصبح ضربة لازب في التربية، ولا يمكن للمدرسة اليوم أن تخطو إلى المستقبل دون مواكبته باعتباره يشكّل ثورة صامتة مستمرّة في مختلف مجالات الحياة والوجود (36)..

ولكي يوضح لنا بالتفصيل قدم لنا المحاور التالية: أهمية المدرسة (ص ص 222-226)، ونقد التّعليم التّقليديّ (ص ص 226-230)، والتّعليم الإلكترونيّ بوصفه ضرورة حضارية (من ص 230- 237)، وإيجابيات التّعليم الإلكترونيّ ومزاياه (ص ص 237-250)، وهنا توصل المؤلف  إلى حقيقة مهمة  مفادها أنّ: " العالم يتطور رقميا، ويأخذ مداه إلكترونيا، ويطوف على أمواج الذكاء الاصطناعيّ بعد أن غرق في بحر الثورة الصناعية. كلّ الأشياء تغيرّت، وكل مظاهر الوجود تبدّلت، ويعيش العالم اليوم في الماء الدافئ للثورة الصناعية، وترتفع حرارته تدريجيا دون أن نشعر بها، وسترتفع بخفة ورشاقة إلى الدّرجة التي تؤدي إلى موت العالم القديم، وتبخره، ومن ثم تحوّله إلى مومياء أبدية منسيّة. فالعالم بمظاهره الحضارية يتلاشى ويزول، وما على الإنسان إلاّ أن يلقي نظرة من حوله ليلاحظ أنّ التغير الذي اجتاح العالم في سنوات وصل إلى حد يفوق حدود التصديق. لقد أحدثت الإنترنت نقلة ثورية، والذّكاء الاصطناعيّ يدقّ الأبواب ويتغلغل في أعماقنا. وفي ظلّ هذا الزّحف الجارف لثورة الإعلام والاتّصال يتغيّر العالم بقوّة وعزم واقتدار، يتغير الناس ويغيّرون أنماط حياتهم ووجودهم تحت مطارق القوةّ والإكراه، بصورة حتميّة لا خيار لهم فيها، من أبسط الآلات والألعاب إلى أكثر الأشياء تعقيدا في الوجود، مثل النانو تكنولوجي والطباعة ثلاثية الأبعاد وعالم الروبوتات (37).؛ ولا يمكن لأنظمة التّعليم التي تزحف باستحياء في الأرضية السفليّة لعالم الذكاء الاصطناعيّ كما يقول الدكتور وطفه : "أن تصمد أمام العواصف الهائلة التي تفتّت الصّخر، وتنحت في سراديب الزمان والمكان، فالزحف والالتصاق بأرض القدامى لن يجديها نفعها، لأنّ العصف يعريها، ويهز الأرض تحت كمائنها. ولن تستطيع الصّمود طويلا أمام هذا العصف الجبار، وقدرها أن تتذرّى في الفضاء ما لم تركب أمواج التغيير، وتعلو مع مدها وجزرها"(38).. وباختصار، فإنّ مستقبل المدرسة سيكون بالضرورة افتراضيّا كما يعلن الدكتور علي وطفه في عالم افتراضي، وهذا يعني أنّ التّعليم عن بعد سيكون حقيقة مدويّة في عالم التّربية والتّعليم. فالمنصّات الافتراضيّة تتطوّر إلى مستويات مذهلة، والقادم سيكون مدهشا في مسيرة هذه المنصات المعنية بتدمير الحواجز بين ما هو افتراضيّ وواقعيّ في المدرسة في المستقبل القريب. وممّا لا شك فيه أنّ التّعليم بالواقع الافتراضيّ المعزّز سيكون نمطا ذهنيّا وفكريّا حاضرا في كل مناحي التّعليم، وهو ما يشبه إلى حدّ كبير اعتياد الناس على السّيارة بدلا من الحصان، واعتياد الناس على الطائرة في السّفر، بدلا من الجمال(39).، وستتحوّل مناهج التّعلّم كما يذكر الكاتب إلى رقمية تفاعلية، وستكون أكثر مرونة، وستتغيّر وتتفاعل مع المتغيرات العالمية، وستراعي الفروق الفرديّة بين الطلاب، وستتكيّف بحسب قدرات واحتياجات الطّالب، وستوفّر تقييماً للطالب حول مستواه التّعليميّ، وستوجهه لتجاوز الصّعوبات التي يواجهها في التّعلّم. وفي المستقبل القريب سنشاهد "تطوراً وزيادة في استخدام تقنية الواقع الافتراضيّ والواقع المعزّز خلال تفاعل الطّالب مع المادّة لتحسين وتعزيز عملية الاستيعاب في التّعلّم، وستسمح هذه التّقنيات بتطوير مختبرات افتراضيّة تفاعليّة لإجراء التّجارب العلمية الفيزيائيّة والكيميائيّة والنّمذجة الرّياضيّة وتحليل وإظهار النتائج في صور جرافيكية مباشرة من جهاز الحاسب ومن دون الحاجة للمختبرات المدرسية (40)..

وقد أكّد الدّكتور علي وطفه في الفصل السابع الذي وسمه بـ "التعليم العالي والجامعي في مواجهة  كورونا تجارب عالمية وعربية" بأنّ جائحة كورونا قد صدمت بتأثيرها الخطير أنظمة التعليم العالي، كما هو الحال في أنظمة التعليم الأساسي، فأغلقت الجامعات أبوابها، وخلت من طلابها، وتعطلت أنشطتها الأكاديمية في مختلف أنحاء العالم لأوّل مرة في تاريخ التعليم العالي والجامعي. وكانت الجامعات - على خلاف المدارس في المراحل ما قبل الجامعية - أكثر قدرة وسرعة على تبني التعليم عن بُعد في حالة الطوارئ لما تتمتع به من تأهيل إلكتروني وترسانات رقمية وخبرات علمية في هذا المجال. ومع ذلك فإنّ الإغلاق كان خاطفا وكارثيا في بتأثيره في حياة الطلاب، وفي مستوى تعليمهم، وامتد تأثيره الكبير ليشمل وضعية التقييم الجامعي والامتحانات والوضع القانوني للطلاب الدوليين في البلد المضيف. ولا جدال في أنّ قرار الإغلاق المؤقت لمؤسسات التعليم العالي، قد جاء استجابة سريعة لحماية الصحة العامة أثناء الوباء (41).. وقد وقع هذا الإغلاق بداية، في مؤسسات التعليم العالي في الصين موطن الوباء الأول، وامتد ليشمل أوروبا وأمريكا وآسيا وإفريقيا. ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال أمرت سلطات الولايات بالإغلاق، لكن معظم الجامعات كانت قد أغلقت بالفعل، ولا سيّما الجامعات العامة والخاصة الكبيرة التي أغلقت قبل أسابيع من تدخل الحكومة (UNESCO IESALC، 2020). وقد عصف الوباء بمؤسسات التعليم العالي وأصاب بعضها في مقتل، وخاصّة تلك التي لم يكن لديها استعداد مسبّق، أو خطة طوارئ لمواجهة الأزمة. ولم يكن أمام تلك الجامعات إلاّ خيار واحد يتمثّل في الانتقال إلى التعليم عن بُعد في حالة الطوارئ. وقد شمل هذا الإجراء مختلف مؤسسات التعليم العالي في العالم (UNESCO IESALC، 2020).  وأدّت تجربة الإغلاق إلى اختبار أنظمة التعليم الجامعية من حيث قدرتها على مواكبة التعليم عن بُعد في حالة الطوارئ، وكشفت أبعاد الفجوة الكبيرة بين مؤسسات التعليم العالي أفقيا وعموديا، في مستوى الدول وفيما بينها. كما أظهرت التفاوت الكبير بين الطبقات والفئات الاجتماعية "وقسمت التجربة العالم إلى دول «متقدمة» تعليميا، وأخرى «متخلفة». وبالطبع لم تواجه دول الشّمال المتقدمة مشكلةً في «التعليم عن بُعد» لأنّها تعودت منذ عقودٍ على دمج التعليم الإلكتروني بنظيره التقليدي، ولذا انسابت تجربة المواجهة بلا عوائق تُذكَر" (مبارك، 2020). وعلى خلاف ذلك عانت الجامعات في الدول الفقيرة والنامية من مشكلات وتحدّيات كبرى تتعلق بقدرتها على مواكبة التعليم عن بعد، وعدم توفر الإمكانيات اللوجستية الضرورية لمثل هذه المواجهة. وفي كل الأحوال بدأت مؤسسات التعليم العالي والجامعات في العالم بتغيير استراتيجياتها ومناهجها لتلبية احتياجات الطلاب وموظفي التعليم والمهنيين. وقامت بعض الجامعات بإلغاء إجازات الرّبيع، ونُصِح الطلاّب الدوليون بالعودة إلى بلدانهم الأصلية (42).. وعلى الرغم من وجود إمكانية التعليم عن بُعد في حالة الطوارئ، فإنّ بعض الجامعات أوقفت التعلم والتدريس حتى إشعار آخر، بسبب النّقص في البنى التحتية لتكنولوجيا المعلومات اللاّزمة لكلّ من الطلاب والمعلمين. ولا تزال هناك تساؤلات حول كيفية المواءمة بين الفصول الدراسية والجداول الزمنية الأكاديمية، حيث تم بنجاح تنفيذ بعض البرامج على الإنترنت، في حين تعذّر تنفيذ البعض الآخر(43).؛ وقد فرض الطابع الأممي للوباء على الجامعات في جميع أنحاء العالم أن تعمل على توحيد الجهود مع المنظمات المحلية والإقليمية والدولية، مثل منظمة الصحة العالمية ومعاهد البحوث والحكومات الوطنية، من أجل تحقيق أفضل الاستجابات التي من شأنها أن تمكّنهم من المساهمة في منع انتشار الوباء، مع ضمان استمرارية تعلم الطلاب، ومع استمرار الوباء في الانتشار، ما زال المشرعون ومسؤولو التعليم العالي يعملون معًا من أجل معالجة الآثار القصيرة المدى والطويلة الأجل للوباء على قطاع التعليم العالي، وذلك لمواجهة التحديات الآنيّة والبعيدة، ولاسيما في مجالات الإدارة والتمويل الأكاديمي والبنية التحتية وفرص التعلم (44).. ولئن تناول المؤلف في الفصول السابقة المواجهة المصيرية بين كورونا والتعليم العام، وعالج كثيرا من التأثيرات التي تركتها الجائحة في مجال التعليم العام وفي مجال الحياة الاجتماعية بصورة عامة. فإنّنا نجده في هذا الفصل ينفرد بمعالجة قضايا التعليم الجامعي والعالي حول العالم، واستكشاف أهمّ التحديات التي فرضها الفيروس في منظومة ذلك التعليم.

ولكي يوضح لنا بالتفصيل قدم لنا المحاور التالية: فوضى التقويم الجامعي (ص ص 264-265)، وأساتذة الجامعة في مواجهة الجائحة (ص ص 265-268)، والطلاب في ظل الكارثة (ص ص 268-270)، وأزمة الميزانيات الجامعية (ص ص 270-271)، والبحث العلمي (ص ص 271-272)، وبين التعليم الإلكتروني والتعليم عن بُعد (ص ص 272-274)، وجودة التعليم الجامعي في ظل الوباء (ص ص 274-275)، والفجوة الرقمية الجديدة " الصين وأمريكا (ص ص 275-276)، وتجارب عالمية (ص ص 278-280)، وتجربة الجامعات الإفريقية (ص ص 283-284)، والجامعات العربية في مواجهة الأزمة (ص ص 284- 287)، وتجربة الدول الخليجية (ص ص 287-292)، والصعوبات والتحديات التي واجهت التعليم الجامعي عن بعد في الخليج (ص ص 296-297)، واستطلاع آراء المفكرين والخبراء في جدوى التعليم الإلكتروني في الخليج (ص ص 297-301). وفي هذا الفصل توصل الدكتور علي وطفه   إلى حقيقة مهمة وهي أنه على الرغم من أنّ معظم مؤسسات التعليم العالي لم تستثمر تقليديًا في التعليم الإلكتروني والتعليم عن بعد بوصفهما ركيزتين أساسيتين في تجربة التعليم الجامعي، فإنّ أزمة كورونا جاءت لتسرع إيقاع التغيير القائم على الذكاء الاصطناعي الذي بدأ يحدث تغيرات جوهرية في بنية التعليم العالي واستراتيجياته، واستطاعت كورونا في النّهاية أن تدخل حركيّة على التعليم العالي، وأن تدفع به للانتقال إلى التعليم الإلكتروني بأبعاده الافتراضية. وبدت هذه الموجة أكثر تأثيرا في الجامعات العريقة التي انطلقت تحثّ الخطى في اتّجاه اعتماد التعليم الإلكتروني بصورة كاملة، بما في ذلك بلورة الخبرات الأكاديمية بالصورة الرقمية الذكية على نحو كامل وشامل. ومن المؤكّد بأنّ الأزمة الحالية ستؤدّي عاجلا إلى تسريع هذا الاتّجاه الرقمي في التعليم في مختلف الجامعات في العالم، وربما ستؤدّي تجارب التعليم عن بعد التي فرضها كورونا على الجامعات والمؤسسات الأكاديمية إلى تعزيز التوجهات المستقبلية وإلى تحديث التعليم الجامعي، وترويضه على معطيات الثورة الرقمية في مجال التعليم الإلكتروني. ويبدو لنا أنّ ما بدأ كاستجابة قصيرة الأجل للأزمة، سيغدو، على الأرجح، تحولًا رقميًا دائمًا للتعليم العالي (45).. لقد اتّخذت معظم مؤسسات التعليم العالي والجامعي كما  يرى الكاتب إجراءات نموذجية منذ البداية لحماية الصحة في الحرم الجامعي وفي المباني والقاعات. وشملت هذه التدابير تنظيم حملات إعلامية واسعة لتثقيف الطلاب بمخاطر الفيروس، وتقليص حركة التنقل داخل الجامعة وخارجها، ومن ثمّ القيام بالإلغاء التدريجي للفعاليات الأكاديمية والاجتماعية الحضورية. ومع ذلك، فإنّ فاعلية هذه التدابير سرعان ما تجاوزتها الأحداث التي أجبرت مختلف مؤسّسات التعليم العالي على تعليق جميع الأنشطة التي تتمّ وجهاً لوجه بشكل عملي بعد انتشار الفيروس المتسارع (46).. لقد تبيّن للمؤلف بوضوح في هذا الفصل وجود فروق كبيرة في عملية الانتقال بين الجامعات في الدول المتقدمة تكنولوجيا وبين الجامعات في الدول الفقيرة، واتّضح لنا أنّ الانتقال إلى التعليم الإلكتروني في الجامعات المتقدمة كان سلسا وسهلا وميسورا، ولكنه كان شديد الوطأة في جامعات الدول الفقيرة. وقد لاحظنا أيضا أنّ هذه الفروق كبيرة داخل البلدان، بين الجامعات المعروفة والجامعات الناشئة التي تعاني من صعوبات مادية ولوجستية ومن نقص في الخبرات والمهارات (47)..

أمّا بالنسبة إلى الفصل الثامن الوارد تحت عنوان" مستقبل التعليم العالي والجامعي في ظل أزمة كورونا"، فيذهب فيه المؤلف الدكتور علي وطفه إلى أن التّعليم الإلكتروني لم يكن طفرة عابرة فرضتها ظروف الأزمة التّاجيّة الخانقة، ولم يكن صرخة عابرة في ظلمة ليل ساكن. فالتّعليم الإلكتروني يعبّر عن تطوّر ذرويّ لمعطيات الثورة الصناعيّة الرابعة الجبّارة التي تجتاح معالم الحضارة الإنسانية المعاصرة. فمنذ زمن بعيد كان التّعليم الإلكتروني يتجذّر وينمو ويزدهر في عمق المؤسسات العلمية والمدرسيّة، وقد تجلّى تطوّره الحقيقيّ في نشوء الجامعات الإلكترونية والافتراضية، وفرض نفسه بقوة متجسّدا في المقرّرات الجامعية والمدرسيّة بصورة عامّة، وفق أصول ومناهج وفلسفات تربوية ضاربة الجذور. وقد تشكّل هذا التعليم في أقسام وفروع ومقرّرات جامعية مهيبة، وذلك في أروقة الجامعات والمدارس في مختلف أنحاء العالم. وكانت الجامعات تنحو إلى تعميم هذا التعليم الخلاق وتتّخذه علامة على درجة تطوّرها وتقدّمها، فانتقل التعليم داخل القاعات من السّبورة السوداء إلى السبورة الإلكترونية البيضاء، وأصبح استخدام الإنترنت ووسائل التّواصل الاجتماعي والهواتف اللّوحية المحمولة والمواقع الشخصية والتعليميّة جزءا لا يتجزّأ من الثقافة التربوية والتّعليمية في المدارس والمؤسّسات الجامعية. واعتدنا منذ فترة على مشاهدة أساتذة الجامعة والمعلّمين وهم يحملون الحواسيب جيئة وذهابا، ويستخدمونها في المحاضرات بشغف واهتمام وفعالية. ويدلّ هذا كلّه على أنّ التعليم الإلكتروني لم يكن صرخة عابرة في واد أصمّ، بل بات جزءاً صميمياً في مناهجنا وأسلوب حياتنا العلمية وعملنا الأكاديميّ، ويتجلّى تارة في حلّة إدارية مثل أقسام التعليم الإلكتروني في الجامعات والوزارات والمدارس، وتارة في حلّة علمية بوصفه مقرّرا يدرّس في الجامعات ويعمّم على الطلاب الذي كانوا وما زالوا، يطالبون دائما باستخدام أدوات هذا التّعليم في حياتهم العلمية والمعرفية (48).، ولو لم يكن الأمر على هذا النحو لما استطاع المجتمع الإنسانيّ أن يواجه أزمة الإغلاق المدرسيّ بهذا الزّخم الحضاري الذي انتقل بالمجتمع التربوي مباشرة إلى التعليم عن بعد، ولكان المجتمع التربوي يغطّ في سبات شتويّ عميق، حيث لا ضوء فيه ولا استنارة تومضها الشّاشات، ولا تواصل عبر الأثير ينبض بالحياة (49).. وما يريد المؤلف قوله في هذا السّياق، هو أنّ المجتمع الإنساني كان على استعداد كبير لمواجهة هذا الإغلاق الرهيب، وكان على موعد مع هذه التّجربة النادرة في تاريخ التعليم في المجتمع الإنساني. فالعالم الذي نعيش فيه قبل كورونا كان قد استحضر نفسه وهيأ أدواته عبر الرمز والضّوء والإشارة والرقم الخوارزمي والومض الإلكتروني لهذه المواجهة وغيرها من الصّدمات المحتملة مع مستقبل غامض ومفخّخ بالمفاجآت الخفيّة على دروب الحضارة الإنسانية(50).... وللحديث بقية..

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.....................

31- المصدر نفسه، ص 208،

32- المصدر نفسه، ص 209،

33- المصدر نفسه، ص 217،

34- المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

35- المصدر نفسه، ص 222.

36- المصدر نفسه، ص 250..

37- المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

38- المصدر نفسه، ص 245،

39- المصدر نفسه، ص 251،

40- المصدر نفسه، ص 261،

41- المصدر نفسه، ص 262.

42- المصدر نفسه، ص 263.

43- المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

44- المصدر نفسه، ص 275.

45- المصدر نفسه، ص 302.

46- المصدر نفسه، ص 303

47- المصدر نفسه، ص 312.

48- المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

49- المصدر نفسه، ص 312.

50- المصدر نفسه، ص 316

 

 

محمود محمد عليفي ضوء جائحة كورونا للأستاذ الدكتور علي وطفه.

نعود ونكمل حديثنا عن القراءة النقدية التي قمنا بها تجاه كتاب إشكاليّات التّعليم الإلكترونيّ وتحدّياته في ضوء جائحة كورونا للأستاذ الدكتور علي وطفه وهنا نقول :"  ينتقل الدكتور علي وطفه إلى الفصل الثالث الموسوم بـ " الأطفال في مواجهة الإعصار.. جيل في مهبّ كورونا"، ليؤكّد أنّ: "المدارس تشكّل الفضاء الحيوي لتنمية الأطفال والمراهقين وتحقيق رفاهيتهم ونموّهم المعرفيّ والأخلاقيّ. وتأسيسا على ذلك فإن تعطيل المدارس سيشكّل أزمة خانقة بالنسبة إلى الأطفال، إذ تلحق بالغ الأثر بالمجال الحيوي لوجودهم ونمائهم. وعند إغلاق المدارس لفترات طويلة يظهر عدد من المشكلات والصعوبات التي تواجهها هذه الشريحة العمرية.. ومن الصعوبة بمكان الفصل، منهجيّا وواقعيّا، بين إغلاق الدارس، وجوانب التأثير الذي أحدثه هذا الإغلاق في مجتمع الأطفال، حيث تتداخل العوامل والمعطيات بصورة بالغة جدا، فالعلاقة بين المدرسة والأطفال علاقة وجودية شديدة التعقيد، تترابط خيوطها وتتداخل بطريقة عمودية ودائرية، وعلى صورة شبكة معقدة التكوين. ومع ذلك سنحاول الفصل بين هذه المتغيرات بطريقة منهجية، لكنها لا تستطيع مهما بلغت من الدقّة والإحكام أن تعالج هذا التداخل بصورة كاملة. فالأبعاد الصحية والنفسية والاقتصادية والتعليمية تتداخل وتترابط وتتشابك ضمن منظومات تفاعلية جدا، آخذة بالأبعاد الأربعة للوجود بما فيها البعد الزمني المتحرّك. ومن المفارقات التي تزيد الأمور تعقيدا أن الأطفال هم أقل الفئات الإنسانية تعرضا للإصابة بالفيروس المستجد (كوفيد-19)، لكنهم يستطيعون نقل العدوى لمن يخالطهم من الكبار والبالغين. لقد كان تأثير الجائحة على التعليم هائلاً، كما ذكرنا آنفا، حيث بلغت نسبة الطلبة المنقطعين عن العمل 1.6 مليار طفل وطالب في 200 دولة (16).

ويظلّ، بالرغم من كلّ الفروض، سؤال مهم قائم يدور في خلد الكثيرين كما يقول الدكتور علي وطفه، ألا وهو: هل سيستمر زخم التعلم الإلكتروني فيما بعد كورونا، أم أنه سيختفي، وتعود الأمور إلى مسارها السابق؟.

وهنا نجد الدكتور علي وطفه يجيب على هذا التساؤل قائلاً : " تتعدد الآراء هنا بين من يظن -أو ربما يتمنى- أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه، ومن يعتقد أنه لا رجعة عن التعلم الإلكتروني الذي طال انتظار التحوّل إليه بشكل أكبر" (17). من خلال المحاور التالية: التغذية وصحة الأطفال (ص ص 97-101)، وتأثير الإغلاق على الصحة العقلية والنفسية للأطفال (ص ص 101-105)، وتأثير إغلاق المدارس في مستوى رفاهية الأطفال (ص ص 105-106)، والاتجار بالأطفال واستغلالهم (ص ص 106-109)، وعمالة الأطفال (ص ص 109-110)، وزواج الأطفال (ص ص 110-112)، والاستغلال الجنسي للأطفال عبر الإنترنت (ص ص 112-113)، والصراع وتجنيد الأطفال (ص ص 113-115)، الفجوة بين الأطفال (ص ص 115-116)، وتعميق الفجوة بين الجنسين (ص ص 117-120)، واللاّمساواة في التعليم (ص ص 120-125)، والفاقد التعليمي والتسرّب (ص ص 125-127)، ومن خلال تلك المحاور توصل المؤلف إلى حقيقة مهمة، وهي أنّه في النصف الأول من القرن الماضي كان التفكير السوسيولوجي يدور حول تضاؤل دور الأسرة لصالح المدرسة، وجرى الحديث عن موت الأسرة مع تصاعد دور المؤسسات التربوية الجديدة وتعاظم أهميتها. وقد اضطرت الأسرة إلى التخلي عن معظم وظائفها خلال العقود الماضية حتى أصبحت أشبه بمكان للنوم والراحة يلجأ إليه الأطفال بعد يوم متعب من الحياة في المؤسسات الخارجية. وكانت المدرسة - حتى خلال العطل الرسمية - تؤدي دورا حيويا في رعاية الأطفال وحمايتهم وتنظيم الرحلات الترفيهيّة لهم بعيدا عن الأسرة. وقد ظهرت كتابات كثيرة بعنوان موت الأسرة وموت العائلة بعد أن اشتد عود المدرسة ومؤسسات التنشئة الاجتماعية المساندة لها من رياض للأطفال ودور للحضانة ونوادي ومؤسسات عديدة جدا إلى الحد الذي اقتصر فيها دور الأسرة على وظائف محدودة للغاية تتمثل بالرعاية الأسرية (18)؛ ثم يؤكد المؤلف فيقول: " والآن، وتحت هول الصدمة الفيروسية، تعود الأسرة من جديد لتقوم بدورها التقليدي، بل ولتقوم بدور المدرسة والمؤسسات التربوية والاجتماعية الأخرى. وأصبحت اليوم في ظل الجائحة حاضنا يضم فعالية مختلف الفضاءات الاجتماعية والتربوية والطبيعية، وهو حمل شديد الوطأة يثقل على كاهل الأسرة ويحملها مسؤوليات تفوق طاقتها (19)؛ خاصة وأن التحديات التي فرضها كورونا كما يري المؤلف يحتاج منا اليوم إلى جهود كبيرة في مجال العلوم الإنسانية، ويمكن القول: إنه لا توجد حتى اليوم إجابات جاهزة عن طبيعة هذه التحديات التي تواجه الأطفال والناشئة والأسر في هذه المرحلة. فتدمير الفضاء المدرسي وتحوله إلى عالم افتراضي أو الانتقال إلى التعليم الافتراضي يطرح كثيرا من المشكلات الذهنية والعقلية عند الأطفال. وهنا يجب علينا القول بأن تغييب الواقع الاجتماعي للطفل يبقى كارثيا إذ لا شيء يعوض القطيعة بين الطفل والطبيعية أو بين الطفل ومؤسساته الاجتماعية (20).

ويذهب الدّكتور علي وطفه في الفصل الرابع، الذي وسمه بـ"التعليم عن بعد بوصفه خيارا استراتيجيا: تجارب عربية وعالمية"، إلى أن الأزمة الناجمة أثرت عن ظهور جائحة كورونا في مستقبل الحياة ونوعيتها لجميع سكان الكوكب، ولاسيما الأطفال والشباب. وفي ظلّ هذا المشهد المأساوي أصيب ملايين البشر بالذعر والخوف وتعطلت مصالحهم، وأصيبوا بحالة من الاضطراب والفوضى المدمّرتين للحياة. فقد فُرِض على الجميع حجر صحي شامل في معظم دول العالم لمنع انتشار العدوى وتقليل معدلات الوفيات. وترتّب على المؤسسات التعليمية أن تتكيّف بسرعة مع هذا الوضع الجديد، وأن تعمل على تبنّي نموذج التعليم الإلكتروني عن بعد كوسيلة حيوية لحماية الأطفال والناشئة وضمان تعلّمهم (21)، ثم يؤكد المؤلف بأنّ الجائحة كشفت عن الأزمة الخفية لأنظمة التعليم في العالم، وأظهرت عجزها وضعفها البالغ أمام الأزمات والصدمات التي يمكن أن تواجهها في المستقبل. ولئن لامست الجائحة جميع وجوه الحياة، فإنّ التعليم كان الأكثر تأثرا. إذ فرضت الجائحة على المدارس والحضانات والجامعات أن تغلق أبوابها، وانقطع أكثر من 1.6 مليار طفل وشاب عن التعليم، كما ذكرنا آنفا. ووجد الطلبة أنفسهم فجأة في أكثر من 200 دولة مجبرين على التعلم في المنزل بواسطة التعليم عن بعد. وبعد أن كانت المؤسسات التعليمية تنظر إلى التعليم الإلكتروني كنوع من الترف، أصبحت تنظر إليه باعتباره ضرورة حيوية، ووسيلة لا بد منها لتمكين مئات الملايين من الطلاب والأطفال في العالم من التعلم، بعد العطالة التي ضربت مدارسهم ومؤسساتهم التعليمية. وعلى الرغم من تعرض العديد من البلدان في السابق لكوارث طبيعية وبشرية، فإنها لم تلجأ إلى استخدام التعليم عن بعد كحل لتلك الأزمات بالطريقة الشاملة نفسها التي تم بها تطبيقها في أعقاب أزمة فيروس كورونا (22) وإزاء هذا الإغلاق المدرسي والانقطاع الشامل للتعليم الذي امتدّ إلى كامل المعمورة، لجأت الدول إلى التعليم الإلكتروني لتعويض الطلبة عن قطيعتهم التربوية عن مؤسساتهم التعليمية. ولجأت الأنظمة التعليمية إلى موجة التعليم عن بعد عبر الراديو والإنترنت والتلفزيون وغيرها من الوسائل والوسائط الإلكترونية الممكنة. لكن المشكلة كانت تكمن في قدرة الأنظمة التعليمية على مواكبة التعليم عن بعد في حالة الطوارئ بما لديها من إمكانات وخبرات وبنى لوجستية تحتية. وهنا تثور أسئلة إشكاليّة مهمة حول الكيفيات التي تمّ فيها هذا الاعتماد ضمن متغيرات تتعلق بالتطور التعليمي والتهيؤ التكنولوجي اللوجستي لمواجهة تحدّي الانقطاع والإغلاق (23)؛ ونظرًا لاستمرار الجائحة وتعاظم تأثيرها، كان على الأنظمة التعليمية أن تستمرّ في تناوبات الإغلاق، وإعادة الفتح على إيقاع تقدم الفيروس أو تراجعه. وقد عملت كثير من الدول على رفع القيود والحظر العام من أجل المحافظة على الاستقرار الاقتصادي، وشمل ذلك إعادة فتح المدارس ولاسيما مع البوادر الأولى لمظاهر الاستقرار في منحنيات الخطر الناجم عن الجائحة. لكن بعض الدول كانت أكثر حذرا وخوفا من "موجة ثانية" للفيروس. وفي منتصف يوليو 2020، التحق أكثر من مليار طالب، أي ما يعادل 61٪ من إجمالي عدد المتعلمين في العالم بمدارسهم ومؤسساتهم التعليمية (24).

وقد عمد الدكتور علي وطفه بعد ذلك، في نفس الفصل، إلى معالجة المحاور التالية: تحديات الانتقال إلى التعليم الإلكتروني (من ص 140-145)، والتجربة الصينية في الانتقال إلى التعليم الإلكتروني (من ص 145-148)، وتجارب عالمية ناجحة (من ص 148-152)، والتجارب العربية في مجال الانتقال إلى التعليم الإلكتروني (من ص 152-154)، ووضع التعليم الإلكتروني عربيا (من ص 154-157)، وحلول عربية لإشكاليات التعليم الإلكتروني (من ص 157-159)، وتجارب عربية في التعليم عن بعد (159-166)، وهنا وجدنا المؤلف يتوصل إلى حقيقة مهمة وهي أنّ إشكالية التعليم عن بعد، تأخذ في ظل جائحة كورونا، صورة أزمة شاملة، ويشكل هذا النّمط من التعليم، في ظل هذه الظروف الوبائية، كارثة إنسانية بما لها من أبعاد اقتصادية واجتماعية. فالمشكلة ليست في التعليم والتعليم عن بعد ذاته، وإنّما في دوامة العلاقات المعقّدة التي تفرضها مختلف متغيرات هذه الظاهرة ولا سيما في البلدان الفقيرة أو النامية التي يصطلح على تسميتها ببلدان الجنوب. فالتعليم عن بعد في هذه البلدان جاء بصورة كارثية. وهو في الوقت نفسه يحمل في ذاته نتائج كارثية تربويّا واجتماعيّا واقتصاديّا (25)؛ فالبلدان المتقدمة استطاعت أن تعتمد التعلّيم عن بعد -وإن كان بصعوبة إلى حدّ ما- وذلك كنتيجة طبيعية لتوفّر البيئة التعليمية المناسبة والبنية التحتية من أجهزة ووسائل ومعدات ومهارات وخبرات. ولكن هذا التحوّل كان صعبا، وكارثيا في مختلف أنحاء العالم الثالث ولاسيما في دول الجنوب ومنها الدول العربية الفقيرة (26)؛ وفيما يتعلق بالدول العربية فقد لاحظنا أنّ هذه التجربة كانت صعبة ومعقدة ولاسيما في الدول العربية المنكوبة بالحروب والأزمات مثل ليبيا وسوريا والصومال واليمن حيث لا تتوفر أدنى مستويات البنية التحتية من ماء وكهرباء وشبكات وهي التي تعاني أيضا من أزمات اقتصادية خانقة كما هو الحال في لبنان على سبيل المثال وليس الحصر. وسنتحدث في الفصل القادم عن تجربة الدول الخليجية بوصفها مجموعة على درجة عالية من الاستقرار المالي والاقتصادي وتتوفر فيها البنى اللوجستية الضرورية لعملية الانتقال إلى التعليم الإلكتروني (27) .

وفيما يخص الفصل الخامس والذي يقع تحت عنوان " التجربة التربوية لدول الخليج العربي في مواجهة كورونا"، وجدنا الدكتور وطفه يعلن لنا أنّ: " تجربة الدّول العربية الخليجيّة في مواجهة أزمة كورونا تشكّل تجربة فريدة من نوعها. وتقوم هذه الفرادة على خصوصيّة هذه الدول بوصفها دولا نفطية تتّسم بالغنى والثراء الاقتصادي واللوجستي. وتتشكّل هذه المجموعة الإقليمية من ستّ دول، هي: السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة وقطر والبحرين وسلطنة عمان. وتنضوي هذه الدول تحت المظلّة السياسية والاقتصادية لمجلس التعاون الخليجي، وهو اتّحاد شبه فيدرالي يجمع هذه الدول الستّ سياسيا واقتصاديا، ويطلق على هذه البلدان دول مجلس التعاون الخليجي (28)؛ ثم يستطرد قائلا: "... تتميّز دول الخليج بقدراتها المالية الكبيرة وبدرجة عالية من النمو الاقتصادي والتقدم العمراني والتّعليميّ في مختلف مظاهر وجوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية. ومن هذا المنطلق يُنتظر أن تكون تجربتها في مواجهة الأزمة وتبعات الجائحة فعّالة وناجحة ومميّزة بالمقارنة مع البلدان النامية، ولاسيّما البلدان العربية غير النفطيّة. وممّا لا شك فيه أن التعريف بهذه التجربة وما شابها يعدّ ضرورة علمية تنطوي على خبرة تاريخية في كيفية مواجهة الأوبئة والحالات الطارئة يمكن الاستفادة منها في المستقبل، والعمل على تطويرها، وتطوير الأنظمة التربوية في الخليج والعالم العربي لتكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات والأوبئة والجوائح. وعلى الرغم من القوة المالية والاقتصادية التي تتمتع بها دول الخليج، فإن الأزمة التي هزت أركان العالم استطاعت في الوقت نفسه أن تزلزل الأوضاع الاقتصادية في دول الخليج العربي، وأن تسبّب أزمة اقتصادية كبيرة لم يشهد لها الخليج مثيلا من قبل. فقد أدّت الصدمة إلى انخفاض كبير جدا في أسعار النفط، وإلى تراجع مشطّ في الميزانيات وانهيار بالغ للأسهم في السواق الخليجية. وقد لا نبالغ إذا قلنا بأنّ الخليج العربي يعاني اليوم من شبه كساد اقتصاديّ مؤثّر وخطير جدا إذا امتدّ زمن الأزمة. وقد لاحظنا ذلك في سياسات هذه الدول التي بدأت تقلّص الإنفاق إلى مستوياته الدنيا، وتعيد النظر في البنية السكانية "المتورّمة" بالأجانب والوافدين. وقد أثّرت هذه الإجراءات في مختلف مظاهر الحياة الاقتصادية والاجتماعية. ومن أبرز النتائج الخطيرة في مجال التّعليم الذي يعنينا في هذا المقام، تقليص ميزانيات وزارات التّعليم والتّعليم العالي والجامعات وتقليص النشاط في مجال البحث العلمي في مختلف الجامعات والمؤسسات التّعليمية حتّى أنّ بعض هذه المؤسسات الجامعية قد أعلن عن عجز في موازناته المالية في العام 2020 (29)؛ وعلى الرغم من هذه التحديات والصعوبات، فإنّ دول الخليج العربي كما يري الدكتور وطفه، سجّلت نوعا من النجاح في المواجهة، ووضعت استراتيجيات تربوية واضحة، واستفادت من مختلف الميزات اللوجستية الرقمية المتوفرة بصورة جيدة للاستمرار في العملية التّعليمية. وقد صنّفت تجارب دول الخليج العربي ضمن التجارب الناجحة نسبيا في هذا الميدان (30).... وللحديث بقية..

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.....................

16- المصدر نفسه، ص 85.

17- المصدر نفسه، ص 94.

18- المصدر نفسه، ص 96

19- المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

20- المصدر نفسه، ص 125

21- المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

22- المصدر نفسه، ص 127.

23- المصدر نفسه، ص 135

24- المصدر نفسه، ص 136

25- المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

26- المصدر نفسه، ص 139

27- المصدر نفسه، ص 166

28- المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

29- المصدر نفسه، ص 167

30- المصدر نفسه، ص 175

 

 

محمود محمد عليفي ضوء جائحة كورونا للأستاذ الدكتور علي وطفه

4- الكتاب وموضوعه: والسؤال الذي أود أن أسأله للأستاذ الدكتور علي وطفه: لماذا اختار لكتابه عنوان "إشكاليّات التّعليم الإلكترونيّ وتحدّياته في ضوء جائحة كورونا"، ولم يختار له اسم “مشكلة التعليم الالكتروني في ظل جائحة كورونا "، أو "أزمة التعليم الالكتروني في ضوء تحديات جائحة كورونا " أو ”التعليم الالكتروني وجائحة كورونا بين المحنة والمنحة، أو "التعليم الالكتروني.. ضرورة تفرضها جائحة كورونا".. الخ؟

وهنا يجيبنا الدكتور علي وطفه ضمن ملاحظة سجلها ضمن تلخيصه للكتاب فقال: " يتناول الكتاب إشكاليات التّعليم الإلكترونيّ وتحدّياته في ضوء جائحة كورونا، ويبحث في جدليات التفاعل والتأثير بين مختلف عوامل هذه القضية ومتغيراتها، ويستقصي مختلف الجوانب الإشكالية التي تتعلق بالتربية والتعليم الإلكتروني في زمن الكورونا (7).

والكتاب عند أول صدوره يقع في (425) صفحة، وهذا الكتاب ليس رواية من نسيج الخيال، ولا سرد لأحداث تاريخية عن التعليم الالكتروني في ظل جائحة كورونا، وإنّما هو عبارة عن مراجعة لمئات المصادر والمراجع، وكذلك البحث بصورة نقدية للدراسات التربوية والأبحاث العلمية في محاولة للكشف عن الجوانب المظلمة للأزمة، وابتكار وسائل المواجهة وطرق الدّفاع والحماية، ودراسة التّأثير البعيد والقريب لهذه الأزمة في المجتمع الطلاّبي على مستوى الكوكب، في محاولة جادّة لفهم ما يجري، ومن ثم الانطلاق إلى مواجهة التّحدّيات الصّعبة التي لم يشهد لها التاريخ مثيلا (8). ولهذا، أكّد المؤلف بأن هذه الدراسة تهدف إلى إطلاع المسؤولين عن التعليم والباحثين وصنّاع القرار على الآثار التي خلّفتها الجائحة على العملية التعليمية، والسياسات والبرامج وتدابير الطوارئ التعليمية التي تسهم في الحدّ من تداعياتها على تلك العملية، وكيفيّة الاستفادة من التّعليم الإلكتروني باعتباره بديلاً مناسباً في ضوء انتشار الجائحة واستمرار تأثيرها ربّما لأشهر مقبلة (9).

وينقسم الكتاب  إلى عشرة فصول وخاتمة، حيث يستعرض الفصل الأول إشكالية الصدمة الأولى للفيروس التي أدت إلى الإغلاق الشامل للمدارس والمؤسسات التعليمية وما ترتب على هذا الأمر من تحديات فرضت نفسها على التعليم ومؤسساته في مختلف أنحاء العالم. ويتناول الفصل الثاني مفهوم التعليم الإلكتروني وتداخلاته الإشكالية مع مختلف المفاهيم المتاخمة له في مختلف المستويات التعليمية. وقد كُرس الفصل الثالث (الأطفال في مواجهة الإعصار.. جيل في مهبّ كورونا) لمعالجة التأثيرات التي فرضها كورونا في حياة الأطفال وتعليمهم في مختلف أنحاء العالم. ويعالج الفصل الرابع التعليم عن بعد بوصفه خيارا استراتيجيا لمواجهة الأزمة ضمن تجلياته في مختلف التجارب العربية والعالمية. أما الفصل الخامس فقد كُرّس للبحث في معطيات التجربة التربوية لدول الخليج العربي في مواجهة الأزمة. ويستعرض الفصل السادس إشكالية العلاقة بين التّعليم التّقليديّ والتّعليم الإلكترونيّ، كما يتناول السمات والخصائص التي تميز كل منهما في سياقه التاريخي، ومن ثم يبحث في الكيفيات التي يتمّ  بها الانتقال إلى التعليم الإلكتروني عن بعد في ظل الكارثة. وقد كرس الفصل السابع لمناقشة التحديات التي فرضت نفسها على التعليم العالي والجامعي في مواجهة كورونا ضمن منظومة التجارب العالمية والعربية، كما يبحث الكيفيات التي اعتمدتها مختلف البلدان في التصدي للكارثة ومتابعة التحصيل العلمي عن بعد في ظروف كورونا وتعقيداتها. وفيما بعد تم تناول مستقبل التعليم العالي والجامعي في ظل أزمة كورونا في الفصل الثامن. وعلى الأثر تمت مناقشة مستقبل التّعليم العام والأساسي فيما بعد أزمة كورونا في الفصل التّاسع. وفي الفصل العاشر، يستعرض الكتاب مسألة الدروس والعبر المستفادة من أزمة كورونا، كما يبحث في الوضع العربي المتأزم وصيرورة الانتقال التربوي إلى عالم الثورة الرقمية تحت تأثير الصدمة، كما يبحث في الكيفيات التي يمكن عبرها  للأزمة أن تحرّض المدرسة العربية على التفاعل مع معطيات العصر وتحولاته الثورية في مستقبل الثورة الصناعية.

ويمكن توضيح ذلك  بالتفصيل، حيث نجد أنّ الدكتور وطفه قد بدأ الفصل الأول من كتابه بمقدمة يقول فيها: "صدمت جائحة كورونا الأنظمة التربوية في العالم، ورمتها بين مخالب أزمة لم يسبق لها مثيل في تاريخ التربية والتعليم، وجاءت لتدمّر فاعليّتها وتفجّر أطرها التّقليدية وتضعها أمام تحدّيات جديدة تهدّدها بالسّقوط والزوال. وفي ظلّ هذه الصدمة العنيفة فقدت المدارس والمؤسسات التربوية كثيرا من ألقها المعهود، ومن قدرتها على مواكبة المستجدات سواء في عالم الكوارث والأوبئة، أو في عالم الثورة الصناعية الرابعة. وليس من المبالغة في شيء القول: إنّ هذه الجائحة جاءت لتدقّ المسمار الأخير في نعش المدرسة التقليدية، ولتعلن موتها المؤكّد في مختلف أصقاع العالم. فالجائحة فرضت إغلاقاً كاملاً على المدارس ورياض الأطفال والجامعات والمؤسسات التعليمية في مختلف أنحاء العالم (صالح، 2020)، وانتقلت بالتعليم إلى حالة افتراضية موجّهة بمعطيات الثورة الصناعية الرابعة في مجال الاتصال والمعلوماتية. ولا ريب أنّ التحوّل إلى هذه الحالة الافتراضية قد بدأت تتحقّق بصورة واضحة وواقعية في مختلف البلدان. وقد ترتّب على الأنظمة التعليمية اليوم أن تودّع التّعليم التقليدي بمكوناته المعهودة، حيث المدرسة والمعلّم والطالب والسبورة والاختبار الورقي، وداعاً بائناً لا رجعة فيه  (10).

ثم انطلق الدكتور علي وطفه بعد ذلك يناقش المحاور التالية: إغلاق المدارس (من ص 36-38)، وشرارة الجائحة (من ص 38-39)، وموجات مستقبلية (ص 39)، التعليم والجائحة: من صدمة الإغلاق إلى الأزمة (من ص 39-50)، ومن خلال تلك المحاور توصل الدكتور عليوطفه   إلى أنّ: " البشريّة قد تعرضت إلى أزمة صحيّة لم يسبق لها مثيل، هي أزمة جائحة كورونا، التي تجاوزت مجال الصّحة العامّة لتشمل المجالات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة.. وكان أن وُضعت التقاليد والقيم والمواضعات والمؤسّسات، وسائر معهود النّاس ومعيشهم اليوميّ على المحكّ دفعة واحدة. وبدت الإنسانيّة، لبعض الوقت، في حالة شلل تامّ، بفعل الصدّمة والمفاجأة. وكان من أكثر القطاعات تأثّرا هو مجال التربية والتعليم. فقد فرض الخوف من العدوى وضرورة التباعد الجسديّ محاذير أصابت العمليّة التعليميّة التقليديّة في مقتل. وتمّ اللجوء إلى إغلاق المؤسسات التعليميّة، والاستعاضة عن الدّرس التقليدي الحضوري ببعض البدائل، من أهمّها التعليم الافتراضي، أو التعليم عن بعد. وهو بديل صاحبته مشكلات جديدة، منها ما هو ذو طبيعيّة مادية كالفقر ونقص الغذاء، وبعضها ذو طبيعة نفسية واجتماعيّة كتعرّض الناشئة للعنف والشعور بالعزلة والعمل المبكّر، والزواج القسري وختان الإناث... وأخرى ذات طبيعة تربويّة وفي مقدّمتها انعدام تكافؤ الفرص بسبب عدم توفّر إمكانات التواصل عبر الإنترنت للجميع على قدم المساواة... وغياب التّفاعل الحيّ بين المعلم والمتعلّم والتسرّب المدرسي، وتفاقم الأميّة... ولئن وحّد الخوف والهلع من جائحة كورونا الإنسانيّة، فإنّ المشكلات التي أنتجتها هذه الجائحة قد عمّقت الفوارق بين الدّول النّامية والدّولة المتقدّمة، مثلما عمّقتها داخل المجتمع الواحد بين الفقراء والأغنياء. وهكذا فإنّ الخبراء والباحثين والمنظمات الدّوليّة يتوقّعون أنّ تمتدّ آثار جائحة كورونا السلبيّة إلى الأجيال القادمة، وأنّ البشريّة ستحتاج وقتا طويلا لمعالجة تلك الآثار، وأنّ تاريخ الإنسان ما قبل كورونا على هذا الكوكب لن يكون كما بعده (11).

أما الفصل الثاني فجاء بعنوان" في مفهوم التعليم الإلكتروني وإشكالياته:  من التعليم عن بعد إلى التعليم الإلكتروني"، وفي هذا الفصل يقول الدكتور وطفه في مقدمته: " اعتاد الفيلسوف الفرنسي الشهير فولتير أن يطلب من محاوريه تحديد مفاهيمهم ومصطلحاتهم قبل الخوض في الحوار والنقاش، لأن الوضوح في المفاهيم يبدّد الأوهام والمغالطات في الحوار والمناقشة. وقد شهر عنه قوله: "إذا أردت أن تتحدث معي فحدد مفاهيمك". ومثل هذه المقولة تنطوي على حكمة بليغة يجب علينا استحضارها دائما في الحوار وفي البحث العلمي. فالبحث الجيّد هو البحث الذي يقوم على ركائز مفاهيمية واضحة. فالكثير من الخلافات والصراعات الأيديولوجية ناجمة عن غموض في المفاهيم، وعن غياب في السيطرة على الدلالات والمعاني الكامنة فيها. ولا يخفى على العارفين أنّ كثيرا من الجدل العنيف الدائر حول التعليم عن بعد ناجم عن غموض كبير في مفاهيم هذا النوع من التعليم، وفي تجلياته المتنوعة، ومن هذا المنطلق يترتب علينا منهجيا العمل على استكشاف أبعاد مفهوم التعليم الإلكتروني وتقاطعاته مع كثير من المفاهيم المجاورة له، مثل التعليم عن بعد في حالة الطوارئ والتعليم الرقمي والتعليم الافتراضي (12).

ويستطرد المؤلف فيقول: "وغني عن البيان أنّ بلورة هذه المفاهيم والكشف عن دلالاتها وتداخلاتها يشكل مدخلا منهجيا مهمّا جدا في التأسيس للبحث الذي نقوم به حول التعليم الإلكتروني في ظل جائحة كورونا. ولا شكّ لدينا أن جائحة كورونا قد أدخلت مزيدا من التعقيد في السيطرة على مفهوم التعليم عن بعد بصورته الإلكترونية، وأنّ السيطرة على هذا المفهوم بأبعاده المختلفة سيشكل منطلقا يُؤسس عليه في تناولنا للتعليم الإلكتروني في ظل الجائحة، وذلك لأنّ كثيرا من الباحثين والتربويين يأخذون بالمفهوم الضيّق للتعليم الإلكتروني دون الغوص في معانيه ودلالاته المتنوعة. وتأسيسا على ذلك تدور المناقشات، وتبرز الاتجاهات الرافضة لهذا النّمط من التعليم بناء على وعي مشوش وخاطئ بخصوص مفهوم التعليم الإلكتروني وتعيّناته الفكرية. وقبل الخوض في إشكاليات التعليم الإلكتروني ودوره في تخطي الأزمة الكورونية ، يجب تحديد مفهوم التعليم الإلكتروني ودلالاته المعرفية، وبيان مدى صلته الفعلية بمنظومة أنواع التعليم (13).

ثم يتساءل المؤلف فيقول: فما التعليم الإلكتروني؟ متى نشأ هذا المفهوم وكيف تكوّن تاريخيا؟ وما العوامل والمتغيرات التي ساهمت في تكوينه؟ وكيف انفصل هذا المفهوم عن منظومة المفاهيم المتداخلة معه؟ ما فلسفة هذا المفهوم؟ ما مكوناته؟ وما هي تفاعلاته وتوظيفاته في ظل الأزمة الكورونية؟ (14).

وهنا نجد المؤلف يجيب  على هذه التساؤلات من خلال المحاور التالية: إشكالية المفهوم ( ص ص 60-62)، ومفهوم التعليم الإلكتروني ( ص ص 62-64)، وتعريف التعليم الإلكتروني ( ص ص 64-70)، ومفهوم التعليم عن بعد ( ص ص 40-75)، وما بين التعليم الافتراضي والرقمي والإلكتروني (ص ص 75-80)، وما بين التعلم عن بعد والتعليم الإلكتروني ( ص ص 80-85)، ومن خلال المحاور توصل  إلى أنّ: "  هذه المقارنة بين مفهومي التعليم الإلكتروني والتعليم  عن  بعد في حالة الطوارئ ستمكّننا في المستقبل من تعقب آثار التعليم في حالة الطوارئ، وتأثيرها في الثقافة التربوية العامة، وفي الرأي العام حول صلاحية التعليم عن بعد في مستقبل التربية والتعليم في العالم. وستساعدنا المقارنة بين هذين المفهومين على فهم أعمق وأشمل لفلسفة التعليم الإلكتروني ومضامينه التربوية، وتعزز فهمنا لخريطة المفاهيم وشبكاتها التي تغطي مختلف أشكال التعليم عن بعد وتجلياته الإلكترونية (15)؛ وعلى خلاف كلّ التصورات السائدة، التي تحيل التعليم الإلكتروني إلى مجرد ممارسة تكنولوجية لنقل المعلومات عن بعد، يأخذ التعليم الإلكتروني كما  يرى  الدكتور وطفه: "صورة منظومة معرفية حيّة متكاملة الأبعاد قوامها التفاعل الحيوي بين الثورة الرقمية والفكر التربوي في أكثر تجلياته أنسنة وتميّزا. وهنا يجب علينا أن نلحّ على أهمية الفصل بين التعليم عن بعد في حالة الطوارئ التي شهدناها على مدار السنة الماضية، وبين التعليم الإلكتروني الذي يحتاج إلى درجة كبيرة وعالية من الإعداد والتنظيم، ويمكننا أن نطلق على التعليم عن بعد في حالة الطوارئ تسمية أخرى أكثر وضوحا وهي: التعليم التقليدي عن بعد حيث يكون نقل المعلومات بصورة جامدة وفقا للمنهج التقليدي في التعليم. وهكذا، فالتعليم الإلكتروني يختلف عن التعليم التقليدي عن بعد كثيرا في المستوى والدرجة والقيمة، إذ يتمثل في كونه، وفي الوقت نفسه، ممارسة إنسانية ذكية، وتقانة رقمية متطورة، وفكر تربوي متقدم يقوم على فلسفة محددة وأهداف مصممة لتحقيق أفضل مستويات التعليم والتربية عند الأطفال والناشئة. وليس ممكنا أبدا تبنّي التعليم الإلكتروني من دون فلسفة جديدة للتعليم تتوافق مع تطورات العصر في أكثر مظاهره الرقمية الذكية حضورا وتطورا. والتعليم الإلكتروني، يقوم في فلسفته التربوية على إزالة الحواجز بين الأطفال في دائرتي المكان والزمان حيث يمكن للمتعلمين الانفتاح على العالم الذي يحيط بهم ويخرجهم من أقفاص الفصول الدراسية الضيقة إلى عالم أرحب فكريا وثقافيا ومعرفيا وإنسانيا بطريقة ينفتح فيها الأطفال على فضاءات إنسانية واسعة دون حدود أو قيود. "وهو نوع من التعليم الذي يبشّر بسقوط كلّ أشكال التلقين والتحجّر المعرفي الذي تمارسه المدرسة التقليدية التي ما زالت تعيش في عصر حشو العقول بالمعلومات بينما يأخذنا التعليم الإلكتروني إلى عصر الإبداع المعرفي والابتكار العلمي. ومن المؤكد أنّ التعليم الإلكتروني يشكّل نوعا من الثورة الإبيستيمولوجية في التربية التي تؤهل التربية للمشاركة الفاعلة في الثورة المعرفية التي تشكل السمة الأساسية للمجتمع الصناعي في ثورته الرابعة" (16)... وللحديث بقية..

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.....................

7- المصدر نفسه، ص ص 15.

8- المصدر نفسه، ص 23.

9- المصدر نفسه، ص 23-24.

10- المصدر نفسه، ص 32.

11- المصدر نفسه، ص 51.

12- المصدر نفسه، ص 60.

13- المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

14- المصدر نفسه، ص 61.

15- المصدر نفسه، ص 84.

16- المصدر نفسه، ص 85.

 

 

 

استأثر المكان باهتمام الفلاسفة والروائيين والنقاد، ومنهم الفيلسوف الفرنسي الظاهراتي كاستون باشلار في كتابه الممتع والمفيد (جماليات المكان)، كما اهتم بالمكان اهتماماً بالغاً وأعطاه قسطاً وافراً من منجزه النقدي الباهر، ناقدنا العراقي الكبير ياسين النصير، ومنها كتابه (الرواية والمكان) بجزأيه و(المكان في قصص الأطفال) وقد جمعها وأصدرها في كتاب واحد عاداً إياها مدخلا إلى النقد المكاني، فضلاً عن درسه المكان في الرواية والشعر والتشكيل والفلسفة، مما جعله أكثر تخصصاً في هذا المجال، أما الدكتور مالك المطلبي فقد حرث في الوعي المهمل، وهو يترجم لنا العيش في المكان، في ناحية الحلفاية؛ ناحية المشرح رسمياً، والعمارة وبغداد في كتابه الماتع المفيد (ذاكرة الكتابة. حفريات في اللاوعي المهمل) كما كتب في هذا الموضوع الشاعر الأنيق حميد سعيد- خفف الله وطأة الغربة عنه- بكتابه المكثف (المكان في تضاريس الذاكرة)، ومن الذين احتفوا بالمكان روائياً وقصصياً، القاصان والروائيان ناطق خلوصي، وحنون مجيد.

2573 داخل المكان

وإذ كتب المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، مذكراته؛ سيرته الذاتية (خارج المكان) وامتعنا بها مترجمة إلى لغة العرب، المترجم الضليع الأديب فواز الطرابلسي، فإن الأديب العراقي والمنشىء الأنيق جمال حسن العتّابي ، قدم كتابه (داخل المكان)  فكان سياحة رائعة وممتعة في الذاكرة العراقية، والمكان العراقي، لا بل تعداه إلى المكان الأوربي، على مدى نحو نصف قرن من الزمان العراقي العاصف، إنه تدوين لما قد يهمل تدوينه التاريخ، إنه تأريخ لما يمكن أن يغادره التاريخ، إنه توثيق لهذا الزمان والمكان العراقيين، يقدمه الكاتب الأديب جمال حسن العتّابي  لنا نحن قراءه، والأجيال التي تأتي من بعدنا، كي يتعرفوا على حوادث وقضايا، فضلاً عن أسماء مهمة على الصعد كافة، منها من اسعفها الدهر فوقف عندها، ومنها من غمطها حقها، أو هي غمطت حقها في البقاء والديمومة بالذاكرة الجمعية للأفراد.

وإذ أرّخ  الروائي الكبير عبد الرحمن منيف لمدينة عمان، التي شهدت ولادته وطفولته وصباه، مستذكرا تلك الأيام متحدثاً عن (رأس العين) الذي كان مثابة للناس وأمنا؛ للقادمين إلى المدينة أيام تكونها الأولى، سوقا شعبيا وملتقى، هذا البوح الاستذكاري الشفيف، صبه منيف في سيرته؛ سرده الذاتي (سيرة مدينة)  التي ترجمت إلى سبع لغات أوربية، يوم اختارتها اللجنة الأوربية للثقافة، لإبقاء المدينة بصورتها الماضية، في ذاكرات الأجيال الحالية، والأجيال اللاحقة، فالمدن تتغير باستمرار، فإن جمال العتّابي  أرّخ  لمدن عراقية عدة، ولاسيما مدينة الحرية ببغداد.

تقرأ هذا الكتاب الذي وسمه جمال العتّابي  بـ(داخل المكان. المدن روح ومعنى) وقدمه الدكتور أحمد الزبيدي بمقدمة معرفية ضافية، سامية لغة ومضمونا، تقرأ عن أماكن وقرى ومدن وبلدات في الجنوب العراقي، حيث ولد الأب حسن العتّابي ، المعلم المتخرج في دار المعلمين الريفية، وتخرج في هذا الصرح العلمي الرصين، يوم كانت الدولة المدنية الدستورية تبنى بهدوء بعيدا عن كارثة حرق المراحل، تخرج في هذا الصرح نخبة من الرجال الذين قادوا العملية التعليمية والتربوية بمهنية عالية ومقتدرة، حسن العتّابي  المعلم في مدرسة الدواية إلى جانب عدد من المعلمين: عبد چياد العبودي، وعبد الحسن عيسى، وجواد كاظم الجويد، الأب الذي إلتزم خطاً سياسياً ما حاد عنه، وجعلته دولة الجمهورية الأولى يدفع ضريبة باهظة، فسجنه مجلسها العرفي العسكري الأول، الذي لا يعرف للاستئناف والتمييز ومحامي الدفاع معنى، كما أوقفت دولة (الثورة الخالدة؟!) ابنه جمالاً الطالب في الدراسة الثانوية، أثناء التحضير لانتخابات نقابة المعلمين سنة ١٩٦١.

يقف جمال العتّابي  في كتابه هذا عند مجتمع بدأ يتحضر ويتقدم، قبل أن تعصف به الفوضى والمنون، يتحدث عن مكتبة الوجيه المثقف عبد الحميد الناصر في مدينة الشطرة؛ (مكتبة الغراف)، يذهب إليها المعلم حسن العتّابي ، إما مشياً على الأقدام، أو على ظهر فرس، لا بد أن يصل الشطرة كي يتصل برفاقه، ويعود محملاً بالأسرار والكتب والمجلات، (الآداب) ، و(الأديب)، و( العلوم)، و(الرسالة)، و(الهلال)، و(الكواكب)، و(المصور)، و(آخر ساعة) وروايات نجيب محفوظ، ودستويفسكي، وتولستوي، وشولوخوف، وكتب طه حسين وسلامة موسى وجورج حنا وجبران، يترقب زملاؤه المعلمون عودته من الشطرة، كي ينهلوا مما أغدقه عليهم زميلهم ابو جمال.

يحدثنا جمال العتّابي، بعد أن غادرت الأسرة نحو بغداد وسكنت مدينة الهادي، التي تعود أرضها للوجيه البغدادي عبد الهادي عبد الحسين الچلبي، فغير إسمها بعد ٥٨ إلى مدينة الحرية، ويقدم لنا صورا قلمية نابضة بالحياة، واقفا عند ملاعبها الرياضية ومقاهيها ومدارسها وتضاريسها وامكنتها، إنه يؤرخ لمدينة الحرية كما أرّخ  للغازية والدواية وسويج شجر والعكيكة والشطرة، يقف بأسى عند الشاعر الذي تطوح به الأيام زهير الدجيلي، يدفع عربة يبيع الباقلاء لرواد ساحة كرة القدم! كما يحدثنا عن مقهى الساقية حيث يؤمه جمعة اللامي، وفوزي كريم، وعبد الستار ناصر، ومقداد عبد الرضا، وعبد القادر العزاوي (قدوري العظيم) الخباز الشاعر الخارج تواً من سجن نكرة السلمان، عن فرات المحسن الذي كان له فضل تحفيزه على الكتابة، بما كتب فرات عن مدينة الحرية؛ المدينة التي عاش شبابه فيها، كانت الوطن الأجمل، ونشيد الصبا، والحكايات التي لا تأفل، قبل أن تتبعثر الأحلام، وتتوارى الأماني، عن شقيقته فاطمة المحسن؛ الصحفية والكاتبة التي لم تنل منها الريح، غادرت العراق ونالت مكانتها في بلدان الاغتراب، بحثاً وكتابة جادة، عن (جيان)؛ فؤاد عبد المجيد بابان، القاص والروائي الذي غادر هو الآخر نحو براغ وما زال يحيا هناك، عن الفنان الكاتب عارف علوان الذي زامله في (مجلتي) و(المزمار) المجلتين المخصصتين للأطفال واليافعين، إلى جانب رئيس تحريرها (إبراهيم السعيد)،عارف الذي كان يستشرف المستقبل بعين نبوئية متنبئة، والذي قرر الهجرة بعد أن جُزّ شعرُه وشعر الكثير من شباب تلك الأيام (١٩٧١) بحجة التشبه بـ(الخنافس) وهي فرقة غناء بريطانية كان أعضاؤها يطيلون شعر رأسهم وتعرف بالإنكليزية (فرقة البيتلز) ومن أشهر أفرادها (جان لينون) الذي مات ميتتة مأساوية، فضلاً عن طلاء سيقان الفتيات اللائي يلبسن ملابس قصيرة، وما زلت أتذكر مقالة الصحفي المعروف وقتذاك (جعفر ياسين) المدوية في جريدة (التآخي) خريف ١٩٧١ حين جز شعره، وعلى إثرها غادر الصحافة والكتابة، وتحول إلى الأعمال الحرة التي درت عليه خيرا وفيراً.

عارف علوان الذي آلمه قص شعره، قال لجمال زميله: ستكون أيامكم صاخبات، تذكر ذلك يا جمال، لأنني سأغادره، وأدع الوطن بانتصاراته الكاذبة غارقاً في وهم أمجاده الغاربة، وداعاً.

عن رشاد مهدي الهاشم، العائد من فرنسة مكتنزاً بالعلم، يأخذ موقعه اللائق به في إحدى الجامعات العراقية، ما عتم أن غادر راحلاً إلى أقصى القارات، فضلاً عن شقيقه الأكبر الباحث صالح مهدي الهاشم، الذي غادر هو الآخر، عن حسين الهنداوي الذي اختار الرحيل، عن رياض عيسى غيدان؛ الاقتصادي والكاتب والروائي، الذي غادر اسمه كما غادره علي أحمد سعيد اسبر (أدونيس) رياض عيسى أختار اسما له (رياض رمزي).

العتّابي يسرد علينا- كذلك- شيئاً عن رسام الكاريكاتير المدهش بسام فرج، عن الفنان قيس يعقوب؛ زميله في مجلة الأطفال (مجلتي) الذي ما زال يحلم ويتخيل، وفي عقله تستمكن صورة زاهية للعراق، هو واثق من أن كل ما أصابه من تشوه سيزول!

عن رضا الأعرجي، الذي كنت أتمتع واستفيد من قراءة نقده السينمائي والتلفازي من على صفحة (آفاق) في جريدة (الجمهورية) كان عازما على الرحيل، فرحل.

عن عبد الأمير الحبيب؛ المحرر في مجلة (الثقافة الجديدة) والذي كان قد عاد تواً من الجزائر، الذي غادر الحياة الدنيا سراعاً.

عن الشاعر الخمسيني محمد النقدي، الذي صمت واعتزل الناس كما صمت الشاعر علي جليل الوردي، وطالب الحيدري وسواهم الكثير الكثير.

الأديب الكاتب جمال حسن العتّابي  في كتابه هذا (داخل المكان. المدن روح ومعنى) يؤرخ- كما قلت آنفاً- لنحو نصف قرن من الزمان العراقي، منذ خمسينات القرن العشرين، قد حباه الله بذاكرة نابهة لا تكاد تغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصتها ودونتها، تردفها موهبة الإنشاء الأنيق الرشيق كثير الماء والرواء، على لغة جدنا الجاحظ الكبير؛ أمير البيان العربي، لذا كانت متعة أن تقرأ هذه الفصول، تكاد لا تدانيها متعة، على الرغم من الأسى الذي يكتنف هذه الفصول. يقرأ من داخل المكان زمنا

صورة داخلية.

 

شكيب كاظم

 

 

نور الدين صمودمن قال إن الشعراء يشيخون! بتصفح آخر إصدارات أستاذنا الجليل وصديقنا المبجل الشاعر الكبير الأستاذ الدكتور نورالدين صمود أمد الله في أنفاسه وجعله بلبلا مغردا في سماء القوافي على الدوام يتأكد المرء أن روح الشاعر تبقى طيلة عمره كبركان شديد الغليان لا "تأمن أن تصيبك حممه اللطيفة" برشقاتها الناعمة في كل آن وحين. فالشاعر شعلة مشاعر وأحاسيس وعواطف وتأملات وأفكار قد لا تخطر ببال إلا بمجال شاعر شاسع التصورات والخيال يتجاوز مداه أسوار الخيال. ليس هذا من باب المجاملات أو الملاطفات لرمز لامع في سماء الأدب والشعر عرفته أستاذا بالمعهد الثانوي بنابل في نهايات الستينيات من القرن العشرين ينثر الشعر على رؤوس الملإ من تلاميذه اليافعين ثم شاعرا غنائيا ترنمت بأشعاره ألمع الأصوات التونسية والعربية وبعد ذلك منتجا لبرنامج إذاعي ممتع كان يؤنس سهراتنا وينير ليالينا على مدى عديد السنين اختار له من حسن الذوق وقمة التذوق إسما رائعا  " مغنى ومعنى" . ومؤطرا للأدباء والشعراء الشبان بنادي مهرجان الادباء  بقليبية ومن ضمن لجنة تنظيم مهرجانها الصيفي.كما عرفته عن قرب أكثر في السنوات الأخيرة لما صرت أزوره من حين لآخر في "خيمة شعره الخاصة" ببيته العامر بقليبية فألقى منه جميل الترحاب وحسن القبول وأتنعم ببعض الأشعار التي ينثرها بين يدي ويشنف بها سمعي ويخصني بها في غفلة من الزمن ويطلعني على آخر إنتاجاته وإبداعاته. وكان آخرها الديوان الذي أهدانيه  في مطلع هذا الشهر تحت عنوان " الشعر المنظوم والمرسوم " الذي أصدره أواخر سنة 2020 عن دار القلم للنشر والتوزيع بسيدي بوزيد. وهو كتاب من الحجم المتوسط في 124 صفحة يحتوي على 25 قصيدة.والجديد هذه المرة أننا اكتشفنا جانبا آخر من إبداعات سي نورالدين ..ذلك أنه لا يرسم بالكلمات فقط ولكن قلمه يتحول أحيانا إلى ريشة رسام فله محاولات عديدة رصعت هذا الكتاب تدل على ذوق رفيع وتكامل بين عدة فروع من الفنون.أما الديوان في حد ذاته فهو شذرات من قصائد تنبض بقلب لا يزال شابا وقد شارف على التسعين وأغراض شعرية متنوعة تتراوح بين الوطنية والعاطفية والغزلية والتأملات الفلسفية والوجودية تتقاطر حكما على لسان شيخ شاب يهدي عصارة تجاربه لمن هم أصغر منه سنا . وبه تأملات فنان محنك ملأ جعبته من مسالك الحياة وصقل مواهبه فسالت كلماته وأشعاره كالرحيق المصفى لذة للقراء والشاربين.وقد تغنى عبره بالوطن وبنابل عاصمة ولايته وبقليبية مسقط رأسه ومربط فرسه ومربض عشقه وهواه الأول الذي ما من بديل عنه ولا ميل في البلاد لسواه.وقد أنهى ديوانه بقصيد عن قليبية المشهورة ببرجها الشامخ ومنارتها العالية وأنا أستسمحه لأقول (ما لم يستطع أن يقوله هو لعلو همته وعظم نفسه وكثرة تواضعه) إنه يعتبر معلما حيا من معالم قليبية شامخا في سماء الأدب والشعر لا يقل عنه علوا وضياء.فالأول ينير الليل للسفن ويرشد البحارة ويرمي أسسه في بحر كله خيرات وأسماك والثاني منارة للثقافة والشعر وأبياته أسماك تتلألأ في بحور العروض وتعارض رباعيات الخيام وتطاول إيليا أبا ماضي وجبران خليل جبران.ندعو الشباب لقراءة هذه التحفة الأخيرة التي خرجت لتوها من مخبر الشعر لمبدع دائم النشاط ونبتهل إلى الله لكي يمد في أنفاس شاعر لا يفارق الورق والقلم وهو لا يؤمن بتقدم العمر..أو لنقل حسب عبارته " لا يفارق النورديناتور" فهو متطور في إنتاجه وكثيرا ما يبث أفكاره للحاسوب فأصبح ينسب إليه (أورديناتور: نورديناتور) ولا شيء يحد الخيال.

 

بقلم المحامي الأستاذ بدرالدين الربيعي

 

 

عدنان حسين احمدصدر عن دار "لندن للطباعة والنشر" في المملكة المتحدة كتاب جديد للباحث د. عبد الحسين الطائي يحمل عنوان "قرن من الأوهام: دراسة سياسية سوسيولوجية لإشكاليات العراق 1921-2021 ". وقد اشتمل الكتاب على توطئة وأربعة فصول وخاتمة، إضافة إلى ثَبْت بالمصادر والمراجع التي بلغت 178 مصدرًا ومرجعًا وإحالة. اعتمد الطائي على عدة مناهج في كتابة هذا البحث القيّم أبرزها المنهج التاريخي، والسوسيولوجي، والاستقرائي من دون أن يغفل الجانب التحليلي عند قراءته لأي واقعة تاريخية أو حدث سياسي. لا شكّ في أنّ تخصّص الطائي بعلم الاجتماع دفعهُ لتغليب آليات القراءة السوسيولوجية التي ترصد الواقع العراقي بعين فاحصة متأنية لا تجنح إلى الخيال، ولا تميل إلى الغلوّ، أو  المبالغات اللغوية الطنّانة التي لا تقول شيئًا في خاتمة المطاف.

يركز الباحث زمنيًا على قرن كامل يمتد منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة سنة 1921 وينتهي بعام 2021 حيث مازالت جمرات الاحتجاج الشعبي تتأجج ضد الحكومات الفاسدة والعميلة والفاشلة التي توالت على سُدة الحكم منذ الاحتلال الأنكَلو- أمريكي للعراق عام 2003 ولحد الآن. ومع ذلك فإن الطائي يعود إلى الماضي القريب والبعيد كلما دعت الحاجة إلى الإحالة التاريخية لتذكيرنا بالاحتلالين العثماني والفارسي أو الغزوات التي تعرّضت لها بغداد على مرّ التاريخ وكانت تنهض مثل طائر العنقاء من بين أكداس الرماد وتعود أقوى مما كانت عليه من قبل، فهي تمرض ولكنها لا تموت. ومن خلال هذه الرؤية اليقينية المفعمة بالأمل يستشرف الباحث مستقبل العراق الذي يمكن أن يستقيم إذا حققنا المواطنة التي يتساوى فيها الجميع في الحقوق والواجبات، ورسّخنا الروح الوطنية التي تقوم على مبدأ الانتماء للوطن، والولاء له وليس إلى أي طرف خارجي.

نجح الباحث عبدالحسين الطائي في اجتراح عنوان جميل ينطوي على قدر كبير من الإثارة بمعناها الإيجابي، وقد تتبّع هذه الأوهام على مدى عشرة عقود وكان يُذكِّرنا بها على مدار سرديته السياسية والاجتماعية في فصول الكتاب الأربعة التي اشتملت على الحكومات الملكية، والجمهورية بما فيها الحكومة الفيدرالية الأخيرة التي سقطت في الوهم مثل سابقاتها ولم تنجُ من ذنوب الاستبداد والدكتاتورية ، وآثام القمع والتنكيل، وجرائم مصادرة الرأي وحرية التعبير، بل ذهبت أبعد من ذلك حين لجأت إلى قتل المتظاهرين، وخطفهم أمام شاشات التلفزة، وتغيّيب الكثير منهم في سجون سريّة الأمر الذي يتنافى كليًا مع أحلام العراقيين الذين يتوقون إلى تحقيق العدالة الاجتماعية لكل مكوّنات الشعب العراقي بغض النظر عن العِرق والدين والمذهب والقومية على اعتبار أنّ الجميع متساوون في الحقوق والواجبات، وليس هناك مواطن من الدرجة الأولى وآخر من الدرجة الثانية أو الثالثة.

نشأة الدولة الحديثة بزِيٍّ قديم

2563 عبد الحسين الطائييتألف الفصل الأول من 11 بحثًا يتناول فيها الكاتب مكوِّنات وأشكال الدولة قبل أن ينتقل للحديث عن معوِّقات نشأة الدولة العراقية، وإشكالية السلطة في بلاد الرافدين الذي يسعى بشكل محموم لتحقيق الدولة المدنية التي يتعامل فيها الحُكّام مع أفراد الشعب العراقي كمواطنين لا كرعايا لا حول لهم ولا قوّة يقودهم الراعي في كل مرة إمّا إلى خانق الدكتاتورية، أو الدولة الدينية الطائفية، أو اللادولة التي يغيب فيها القانون، وتنفلت فيها الوحوش المليشياوية من أسْرها لتفتك بالآخر وتتمرغ في دمائه.

يتوقف الباحث عند أربع نظريات في نشأة الدولة وهي: النظرية الإلهية التي تعزو نشأة الدولة إلى الله سبحانه وتعالى، وتجرد الإنسان من أي دور في خلقها وتأسيسها، ونظرية القوة التي نشأت فيها الدولة نتيجة سيطرة الأقوياء على الضعفاء، والنظرية الطبيعية التي تقول بأنّ الإنسان كائن اجتماعي ولا يستطيع العيش بمعزل عن الآخرين، ونظرية العقد الاجتماعي التي يتقبّل فيها الشعب حكم الدولة مقابل توفير الأمن وتنظيم أمورهم الحياتية وقد نادى بهذه النظرية أبرز المفكرين السياسيين أمثال توماس هوبز وجون لوك وجان جاك روسو.

يشير الباحث إلى أنّ الدولة تقوم على أربعة أركان أساسية وهي: الشعب، والإرادة المشتركة، والإقليم، والسلطة" وتنقسم هذه الأخيرة إلى ثلاث سلطات وهي: السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية. أمّا شكل الدولة فيقسِّمة الباحث إلى قسمين وهما: الدولة البسيطة والدولة المركبّة. إذ تتكوّن الدولة المركبة من اتحاد دولتين أو أكثر ويأخذ هذا الاتحاد ثلاثة أشكال وهي: الاتحاد الشخصي، والاتحاد الفعلي، والكونفدرالي. كما يقسِّم الباحث نُظم الدولة إلى أربعة نُظم رئيسة وهي: الدولة اللادينية، والدولة الدينية الثيوقراطية، والدولة العلمانية، والنظام الهجين. يؤكد الباحث بأن الدولة الإسلامية أقيمت على أساس ديني بحت، ولم تعرف التعدد لأنّ الدين هو الذي أنشأ الدولة، وأنّ أمة الإسلام قد استوعبت كل الأقوام بمختلف أعراقهم، فلا مبرر لتعدد الدول. غير أن معاهدة سايكس بيكو السريّة بين فرنسا والمملكة المتحدة التي صادقت عليها المملكة الروسية في 16 مايو 1916م قد أعلنت انتهاء الدولة الإسلامية الواحدة  فتقسّمت إلى دول عديدة بالمفهوم الحديث للدولة، لكن هذه الدول برمتها ومن بينها العراق قد عاشت في وهم الدولة وظلت واقفة على كف عفريت تتربص بها الدول القوية التي تتحيّن الفرص لابتلاعها، أو تقسيمها، أو إضعافها  في أقل تقدير.

يناقش هذا الفصل آراء العديد من المفكريين السياسين والاجتماعيين من بينهم جول ميكَدال صاحب كتاب "المجتمعات القوية والدول الضعيفة" الذي صنّف الدول والمجتمعات في التاريخ إلى أربعة أصناف وهي: دولة قوية ومجتمع قوي، دولة ضعيفة ومجتمع ضعيف، دولة قوية ومجتمع ضعيف، دولة ضعيفة ومجتمع قوي". ولو تأملنا الصنف الرابع والأخير لوجدناه ينطبق على العراق خلال المئة سنة الأخيرة، فالدولة ضعيفة على الدوام والمجتمع قوي وهذا هو سر بقاء العراق وقدرته على مواجهة التحديات الكبيرة.

ثمة أحداث مهمة مهّدت لتأسيس الدولة العراقية منها ثورة بغداد  في 13 حزيران 1831 بقيادة شيوخ العشائر في المنطقتين العربية والكوردية، وثورة 1920 ضد الاحتلال البريطاني للعراق، الأمر الذي دفع البريطانيين إلى تشكيل حكومة عراقية مؤقتة يرأسها عبدالرحمن النقيب إلى أن تمّ تنصيب الأمير فيصل بن الحسين ملكًا على العراق وتتويجه في يوم 23 آب 1921م، وأصبح العراق عضوًا في عصبة الأمم المتحدة بتاريخ 3 تشرين الأول 1932. "وكان الحكم في ذلك الوقت وطنيًا بالظاهر، بريطانيًا بالواقع" كما يذهب الدكتور علي الوردي. فالتعددية السياسية في عهد الملك فيصل الأول لم تقم بطريقة ديمقراطية، وقد تعامل الإنكَليز مع الشعب العراقي على أساس عشائري وطائفي الأمر الذي أفضى إلى تقوّض حلم الدولة المدنية بينما ظل ساسة العراق يعيشون أوهام السيادة والاستقلال.

يؤكد د. حميد الهلالي بأنّ الدولة تقوم على ثلاثة أركان وهي: "الإقليم، والشعب، والنظام السياسي" لكن الدولة التي جاءت بعد 2003 حاولت تفتيت تلك العناصر، بل أن غالبية الأحزاب التي جاءت بعد الاحتلال لم تكن لديها ملامح واضحة لشكل الدولة التي يريدون بناءها. ويذهب الطائي إلى أن الدستور قد كُتب بعقلية المعارضة وليس بعقلية مواطنين يريدون بناء الدولة على أسس مدنية وعلمية صحيحة.

يعتقد الطائي بأن الزعيم عبدالكريم قاسم قائد وطني، وقد اتخذ العديد من القرارات التي أنصفت الكثير من العمال والفلاحين والكَسَبة ومع ذلك فقد حدثت في عهده محاولة انقلابية في الموصل أظهرت انقسام الشعب حتى على قائد وطني يناصر الفقراء والمساكين. وحينما خطف البعثيون السلطة بقيادة عبدالسلام عارف سقط هو الآخر في الأوهام القومية.

يشير الباحث في نهاية هذا الفصل إلى أن الدستور العراقي بعد 2003 قد تبنى الدولة المدنية، والحكم البرلماني بعيدًا عن الدولة الدينية التي أخذت تطغى على العراق وتهيمن على مفاصل المؤسسات الحكومية لأن المؤسسة الدينية أصبحت تمتلك "السلطة، والدين، والمال"، كما تغولت السلطة البرلمانية ومدّت أذرعها إلى السلطتين التنفيذية والقضائية. ومع ذلك فقد سقطوا بأوهام السيادة والاستقلال مع أنهم تركوا العراق نهبًا للدول المجاورة كلها من دون أن يشعروا بالعار الذي سوف يلاحقهم أبد الدهر.

المواطنة إحساس بالعدالة الاجتماعية

يختلف الباحثون في تحديد مصطلح "المواطنة"، هذه اللفظة التي غابت عن المعاجم العربية القديمة كما يذهب الدكتور محمد عابد الجابري ولهذا لجأ إلى التوسع في شرح معناها ودلالتها على وفق الرؤية العالمية المتنوعة. فالبعض منهم يرى أنها تعني "المساواة في الحقوق والواجبات بين أبناء الوطن الواحد"، ومنهم من يعتقد أنها "رديف للديمقراطية"، ويرى طرف ثالث "حقه المشروع في إدارة شؤون الدولة، والمشاركة السياسية، وحق تقرير المصير". غير أنّ هذه "المواطَنة" التي هي صفة للمواطن لابد أن "تتميز بنوع خاص من ولاء المواطن لوطنه في أوقات السلم والحرب معًا" والذي يشذّ عن هذه القاعدة تسقط عن صفة المواطنة ويندرج في خانة العمالة للأجنبي التي تُعدُّ نوعًا من "الخيانة العُظمى" للوطن وتضع الخائن تحت طائلة المساءلة القانونية التي تعاقب الخائن في كثير من البلدان بالإعدام أو السجن المؤبد.

يعود بنا الطائي إلى الوراء كثيرًا حينما يناقش تطور مفهوم المواطنة الذي ظهر في المدن الإغريقية من أجل تأطير العلاقة بين المواطنين ولكنه ينتقد النَفَس الإقصائي عند الإغريق والرومان "فلم تكن للمرأة والأطفال وكبار السن والعبيد والأجانب المقيمين حق المواطنة". كما يرى أن دستور الثورة الأمريكية الذي صدر عام 1787 م" قد استبعد النساء، والهنود الحمر، والجنس الأسود من دائرة المواطنة". وحرمهم من هذا الحق الطبيعي حتى عام 1965م، كما لم تضع الثورة الفرنسية حدًّا للعبودية إلاّ في عام 1948م، وفي المملكة المتحدة لم تحصل المرأة على المساواة السياسية وحق المواطنة إلاّ في عام 1928م وهو وقت متأخر جدًا لهذه البلدان المتقدمة التي تضع الإنسان في صُلب اهتماماتها الرئيسة.

يركز المنظِّرون على مفهوم المواطنة الحقوقية التي تقوم على ثلاثة ركائز أساسية وهي: المواطنة المدنية التي تُعنى بحرية الرأي والتعبير، والمواطنة السياسية التي تتمحور على الحق في التصويت والترشيح للوظائف العامة، والمواطنة الاجتماعية التي تركز على حماية المواطن من قوى السوق وعيوب الممارسات الرأسمالية.

يلخص الباحث أهم مضامين المواطنة بأربع نقاط وهي: "المساواة بين فئات المجتمع، ومشاركتهم في الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والإقرار بالتنوّع والتعدد واحترام الرأي الآخر، وتقليص التفاوت في المعيشة والمكانة الاجتماعية". وحينما يعرّج الطائي على نظام الحكم الملكي في العراق فسيجد أنه قائم على ثلاثة أركان وهي: السيطرة البريطانية، والبرجوازية، والإقطاع" وهذا يعني أنّ الحكومة الوطنية مغيّبة، وأن الطبقات الفقيرة مهمشة مع سبق الترصد والإصرار.

جاء تقسيم كوردستان بين العراق وسورية وتركيا وإيران كنتيجة طبيعية لتقسيم الإمبراطورية العثمانية إلى دول صغيرة من دون مراعاة للحدود ولشعوب المنطقة مع أن معاهدة سيفر عام 1920 قد منحت الكورد حق التمتّع بالحكم الذاتي والاستقلال لكن معاهدة لوزان عام 1923 تجاهلت مطالب الكورد القومية وأفضت إلى تقسيم كوردستان بين الدول الأربع آنفة الذكر.

يثني الباحث على الشعب العراقي الذي يمتلك خيالاً جامحًا في الأدب والفن والفكر وبقية الحقول المعرفية لكنه ينتقد غياب أو قلّة الأبحاث الفكرية السياسية التي تحضّ على دولة الوطن والمواطنة، لا دولة الوطن التابع، والرعايا الذين يقودهم الساسة إلى المجهول أو الهاوية.

يتوسع الباحث في الحديث عن أنواع جديدة من المواطنة مثل المواطنة الكونية، والمواطنة الأوروبية، والمواطنة الثقافية، والمواطنة الرقمية ويسهب في توضيح مضامينها بطريقة شافية ووافية. وعودة إلى مراحل بناء الدولة الحديثة في العراق يصف الباحث بأن مرحلة الملك فيصل الأول 1921- 1933 التي تسمّى بمرحلة الانتداب البريطاني هي أهم مرحلة في بناء الدولة الليبرالية رغم الانتقادات الموجهة ضدها وخاصة تدخلات المندوب السامي البريطاني بشؤون الدولة التي أفرغت المسار الديمقراطي من جوهره، والمرحلة الثانية تبدأ من 1933- 1958 التي تشير إلى قيام الدولة المستقلة القائمة أسس المواطنة والعدالة والمساواة.

ينتقل الباحث إلى دستور 2005 الذي كتب على عجل ويتوقف عند المادة 14 التي تقول:"العراقيون متساوون أمام القانون" لكن التطبيق العملي لهذه الماده يكشف العكس تمامًا لأن الطبقة السياسية الجديدة عززت التحاصص وكرّست الإثنية، وزرعت الطائفية بين العراقيين لكن ثوار تشرين قبروها إلى الأبد.

الهُوية هي الأنا الذي يقابل الآخر

في أبسط تعريف للهوية "أن يكون الشيء هو هو، وليس غيره" أي أن يكون الشيء مطابقًا لنفسه، والهوية بهذا المعنى هي الذات أو الأنا الذي يقابل الآخر. يتوقف الباحث عند ستة عوامل مكونة للهُوية وهي:"العامل اللغوي، الثقافي، السياسي، الاقتصادي، الجغرافي والتاريخي، والديني". ولعل من المفيد اقتباس ما قاله الفيلسوف الأمريكي وليم جيمس حيث يقول:"الله هو الذي يجعل للحياة قيمة، وهو الذي يُمكِّننا أن نستخرج من الحياة كل ما فيها من لذة وسعادة".وفيما يتعلق بنظريات الهُوية التي تنقسم إلى خمسة أقسام وهي: "الهوية الشخصية، والوطنية، والاجتماعية، والثقافية والافتراضية" حيث يرى جون لوك أن الهوية الشخصية محددة بالوعي، وأنّ مفهومها غير ثابت. أما الهوية الوطنية فهي سمات ثقافية تتشكل بتأثير عوامل داخلية وخارجية الأمر الذي يجعلها ذات طابع نسبي، أي أنها قد تتغيّر تحت تأثير ظروف معينة، أما الهوية الاجتماعية فتتضمن ثلاثة أفكار وهي:"التصنيف، والتعريف، والمقارنة". فيما تعرِّف اليونسكو الهوية الثقافية بـ "أفراد ينتمون إلى جماعة لغوية محلية أو إقليمية أو وطنية بما لها من قيم أخلاقية وجمالية . . الخ"، أما الهوية الافتراضية فتحيل إلى الحديث عن القرية الكونية التي تُصغّر الكبير / العالم، وتكبّر الصغير / الفرد. كما يتوسع في موضوع الهويات الأخرى ويشير إلى الهوية المظهرية الشكلية، والتفاضلية، والإضفائية، والسلبية، والجزئية" وعن هذه الأخيرة يقول:"الهويات الجزئية تفرّق، والهوية الوطنية توحّد". وفي السياق ذاته يتناول الباحث صراع الهويات فيتحدث عن "الهوية الإصلاحية، والليبرالية، والعَلمانية" ويشير إلى علي عبدالرازق الذي أراد فصل الدين عن الدولة وواجه غضب المؤسسة الدينية التي تريد أن تفرض هيمنتها على مفاصل الدولة. كما أشار إلى تعاظم اليمين في فرنسا وألمانيا والنمسا وإيطاليا، وسعي بوتين لإحياء مآثر الاتحاد السوفييتي السابق، ومحاولات أردوغان لاستعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية، فيما ظل العرب يترجحون بين الهوية القومية والدينية. ويرى الباحث أنّ الهويات الفرعية والإثنية تشكّل خطرًا حقيقيًا على الهوية الوطنية لأنها تعيق تقدّم الأمة، ويقترح أولاً وجود "إسلام بلا مذاهب" للوصول إلى مرحلة حزب إسلامي لا مذهبي. ينوه الباحث إلى أن العراق يتذبذب بين أربع هويات متنافسة وهي:"الوطنية، القومية، الطبقية، والهوية الدينية المذهبية". ويختم الطائي هذا الفصل بالقول إن شركاء العملية السياسية بعد 2003 اختلفوا على الكثير من الأمور واتفقوا فقط على تقسيم مغانم السلطة فيما بينهم، وساهموا بقوة في تفتيت الهوية الوطنية تحت عناوين الهويات الفرعية؛ القومية والدينية والطائفية.

الانتماء للوطن ثابت والولاء متغيّر

يناقش الفصل الرابع والأخير مفهومي الانتماء والولاء، فالانتماء هو الانتساب للأرض وهو فطرة وجِبلّة لصيقة بالإنسان، وهو صفة تُكتَسب بالولادة والمنشأ في نفس المكان أو حتى في الإقامة الدائمة. أما الولاء فهو رابطة عاطفية تربط الفرد بفئة أو جهة أو مذهب وتشتد خطورتها حينما تكون هذه الجهة خارج البلاد. والولاء لا يولد مع الإنسان وإنما يكتسبه من مجتمعه. ويرى الفيلسوف الأمريكي جوزيا رويس أن الولاء هو "إخلاص شخصي لموضوع إخلاصًا طوعيًا وعمليًا غير مشروط". فالمواطنة والوطنية الحقة تعني الانتماء والولاء في الوقت نفسه للوطن، وليس إلى جهة أجنبية لأنه يسقط في خانة الخيانة العظمى والتآمر على أمنه الوطني. يتوقف الباحث عند العديد من الموضوعات الأخرى مثل ازدواجية الجنسية التي لا تلغي انتماء المهاجر العراقي الذي يعيش في دولة أجنبية لكن ولاءه، وقد أقسم عليه، سيكون للدولة التي منحته حق اللجوء، وهذا الأمر يقع خارج إطار الخيانة المُشار إليها سلفًا. ومع ذلك فإن الانتماء للوطن ثابت والولاء متغير. يسوق الطائي فكرة اقتبسها من مقال "ولائيون ومرجعيون" لوليد الخزرجي يتحدث فيها عن "حزب الله" الموالي للمرشد الإيراني، ويعدهُ الأمين العام جناحًا من أجنحة الحرس الثوري الإيراني، وهذا الولاء الأعمى هو الذي يشكل خطرًا على الوطن، تمامًا كما تفعل الأحزاب والمنظمات الولائية التابعة لإيران مثل "بدر، والعصائب، والنجباء، وكتائب حزب الله، وسرايا الخراساني، وسيد الشهداء، وكتائب الإمام علي، وجند الإمام"، وبالمقابل هناك "المرجعيون" الذين يتبعون مرجعية النجف العراقية ويعلنون ولاءهم وانتماءهم للعراق في ظل الحكومات العراقية المتعاقبة التي فشلت في إدارة البلد على مدى ثمانية عشر عامًا.

يعتقد الباحث أن ثورات الأربعة "جمع ربيع" العربية التي أسقطت العديد من النُظم الجمهورية قد أفضت إلى ظاهرتين أساسيتين وهما: سيادة الدول الخليجية وتدخلها في مسار النزاعات العربية، وتحوّل العنف إلى ظاهرة إرهابية يمكن ملاحظتها في العراق وبلاد الشام ومصر وليبيا لكن مجيء الأمريكيين بلعبة جديدة قوامها "الديمقراطية" وفحواها " حق الانتخاب، وحرية الرأي والتعبير"، وما إلى ذلك من كلام مسعول استفاق منه العراقيون بعد عشر سنوات ليجدوا أنفسهم مخدوعين وغارقين من جديد بأوهام السيادة والاستقلال وأكاذيب الديمقراطية التي جاء بها المحتلّ إلى بلاد الرافدين وأدخلت الشعب العراقي في غيبوبة طويلة لكن صرخات ثوار تشرين هي التي أيقظتهُ من سباته الطويل. وفي الختام لابد من الإشارة إلى أنّ هذا الكتاب القيّم يسد فراغًا في المكتبة العراقية التي تحتاج إلى مزيد من الدراسات والأبحاث النوعية في الفكر السياسي السوسيولوجي. وجدير ذكره أن الدكتور عبدالحسين الطائي قد أصدر من قبل ثلاثة كتب وهي "التعددية في المجتمع البريطاني"، و"جدلية العلاقة بين المثقف والسلطة" و"المهاجرون في مجتمع متعدد الثقافات".

 

عدنان حسين أحمد

 

 

محمود محمد عليفي ضوء جائحة كورونا للأستاذ الدكتور علي وطفه

1- تقديم: يعدّ كتاب الدكتور علي أسعد وطفه من الأعمال النادرة التي تناولت (إشكاليّات التّعليم الإلكترونيّ وتحدّياته في ضوء جائحة كورونا - قراءة سوسيولوجيّة في جدليات التّفاعل والتّأثير) " ويحرز هذا الكتاب قصب السبق في ميدان، وهو علاوة على ذلك متميز في موضوعه، جديد في أسلوبه ومنهجيه، ويعد إضافة معرفية نوعية في منهجه ومضامينه الفلسفية .

وعندما وقعت على كتاب المفكر السوري العتيد الدكتور علي أسعد وطفه (إشكاليّات التّعليم الإلكترونيّ وتحدّياته في ضوء جائحة كورونا )، والذي صدر أخيراً عن مركز دراسات الخليج والجزيرة العربية 2021م، امتلكني إحساس عميق وشامل بالسعادة وغمرتني حالة من النشوة الفكرية لاقتناعي الفائق بأنّ الكتاب يحمل في طيّاته رؤية نقديّة جديدة لإشكاليات التّعليم الإلكترونيّ وتحدّياته في ضوء جائحة كورونا، بحثا في جدليّات التّفاعل والتّأثير بين مختلف عوامل هذه القضيّة ومتغيّراتها، ويستقصي مختلف الجوانب الإشكالية التي تتعلق بالتربية والتعليم الإلكتروني في زمن الكورونا (1).

وليس ثمة غرابة أو مغامرة في أن يخوض المؤلف الدكتور وطفه خوضا نقديا إبداعيا في قضايا المدرسة والعولمة والثقافة، لما عرف عنه من حصافة فكرية ونزعة نقدية وروح ثورية جعلته من أكثر المفكرين العرب في مجال علم الاجتماع التّربوي قدرة على تناول القضايا الفكريّة التربويّة المعاصرة تناولا فذا وأصيلا بحكم خبرته الطويلة وأصالته العلمية وانتسابه إلى المدرسة الفرنسية النقديّة لعلم الاجتماع النّقدي الجديد بزعامة المفكر النّقدي الكبير بيير بورديو الذي أسّس فضاء فكريّا متجددا وحداثيّا للعلاقة بين التّربية والحياة السّياسة الرأسماليّة (2).

2- الكتاب ودوافعه:

يلامس المؤلف في كتابه (إشكاليّات التّعليم الإلكترونيّ وتحدّياته في ضوء جائحة كورونا) أكثر قضايا التربية والتعليم حساسية وجوهرية في ظل جائحة كورونا (كوفيد-19)، حيث دفعت تلك الجائحة المؤسّسات التعليمية في مختلف دول العالم إلى تطوير بدائل مناسبة ومبتكرة للتعامل مع الواقع الذي فرضته الجائحة، وأهمّها الانتقال إلى التعلّم عن بعد، وتدريب أعضاء هيئة التّدريس على استخدام برامج التّعليم وموادّه وأدواته عبر الإنترنت، إضافة إلى تدريب الطلبة على التّعامل مع تلك البرامج وكيفيّة استخدامها. وتهدف هذه الدّراسة إلى إطلاع المسؤولين عن التّعليم والباحثين وصنّاع القرار على الآثار التي خلّفتها الجائحة على العمليّة التعليميّة، والسياسات والبرامج وتدابير الطوارئ التعليمية التي تسهم في الحدّ من تداعياتها على تلك العملية، وكيفيّة الاستفادة من التّعليم الإلكتروني باعتباره بديلا مناسبا في ضوء انتشار الجائحة وحداثيّا للعلاقة بين التّربية والحياة السّياسة الرأسماليّة (3).

ويعد كتاب (إشكاليّات التّعليم الإلكترونيّ وتحدّياته في ضوء جائحة كورونا) عصارة تفكير الدكتور علي وطفه في الفلسفة والثقافة التربية والعلوم والمعرفة الكونية، ولذلك لم أهدر الفرصة وحاولت أن أغتنمها لقراءة هذا الكتاب الرائع، وذلك لما فيه من خير للإنسانية في الاستفادة من بعضها بعضا. فكانت هذه القراءة التي نتناولها في قسمين كبيرين: مدار القسم الأول على التقديم المادي للكتاب، والقسم الثاني على أهم القضايا التي بسطها الكتاب للدرس والتأمل والحوار.

وبذلك يمكن قراءة أهداف الدكتور علي وطفه في هدفين أساسيين، أو جعلهما في دافعين:

الدافع الأول: نظري معرفي يقوم على تناول مختلف مظاهر التّفاعل بين الأزمة التي أحدثها فيروس كورونا المستجدّ المسبّب لمرض (كوفيد-19) والتعليم الإلكترونيّ عن بعد في مختلف مستويات المراحل التعليمية. وتسعى إلى تقديم صورة متكاملة للتفاعلات القائمة بين تلك الجائحة والتحديات التي فرضتها على التعليم، وإلى تقديم تصوّر شموليّ لتأثيرها في العملية التعليمية ولا سيما إغلاق المدارس والمؤسسات الأكاديمية في مختلف أنحاء العالم، وتتطرّق إلى مناقشة مختلف الإشكاليات والتحديات الاجتماعية والسّيكولوجية والتربوية التي تواجه المؤسّسات التعليمية في تعاملها مع هذه الأزمة (4).

وليس ثمة غرابة أو مغامرة في أن يخوض المؤلف الدكتور وطفة خوضا نقديا إبداعيا في قضايا المدرسة والعولمة والثقافة، لما عرف عنه من حصافة فكرية ونزعة نقدية وروح ثورية جعلته من أكثر المفكرين العرب في مجال علم الاجتماع التربوي قدرة على تناول القضايا الفكرية التربوية المعاصرة تناولا فذا وأصيلا بحكم خبرته الطويلة وأصالته العلمية وانتسابه إلى المدرسة الفرنسية النقدية لعلم الاجتماع النقدي الجديد بزعامة المفكر النقدي الكبير بيير بورديو الذي أسس فضاء فكريا متجددا وحداثيا للعلاقة بين التربية والحياة السياسة الرأسمالية (5) .

ولأكثر من سبب فقد جعل الدكتور علي وطفه مضمون الكتاب وفحواه ومادته في الاستدلال  على الهدف الأول، أي علي الجانب النظري المعرفي، مستغلا كلّ فرصة للتعليق بالسلب  على أصحاب الدافع الثاني، بين نقد أو نقض.

من هنا، كانت مهمّة الدكتور علي وطفه في مقدمة كتابه أن يعرّف القارئ بمقصوده بإشكاليّات التّعليم الإلكترونيّ وتحدّياته في ضوء جائحة كورونا"، وأن يبيّن أنّ الجائحة الحالية تمثّل ظاهرة عالمية كوكبية، وترتسم مفصلا تاريخيا لمرحلة جديدة في تاريخ الفكر الإنساني، ويتجلّى تأثيرُها الصّارخ في مختلف الاتّجاهات العلمية والمعرفية؛ في مجال الفن والتاريخ، كما في مجال الأدب والفلسفة وعلم الاجتماع والاقتصاد والتربية.. وهكذا، فالكارثة اليوم لا تتمثل جوهريّا في الأعداد الهائلة للمصابين بالجائحة بل في مضاعفاتها الهائلة في مختلف مجالات الحياة (6).

والواقع أنّه إذا كان صحيحاً القول بأنّ للفيلسوف حدثاً واحداً يتكرر كل عدة سنوات كما قال الفيلسوف الفرنسي المعاصر " هنري برجسون"؛ فإنّه صحيح أيضاً القول بأنّ للمفكر المتميز خطابًا واحداً يتكرر دائماً عبر مستويات عديدة تعكس كلها رؤية واضحة ومتفردة، كتلك التي نجدها متضمّنة في جميع أعمال الدكتور "علي وطفه": كتاباً كانت، أم ترجمة.

ومن هنا، يقع كتاب (إشكاليّات التّعليم الإلكترونيّ وتحدّياته في ضوء جائحة كورونا) الذي نحن بصدده الآن ضمن الدّوال الرئيسية على معالم هذا الخطاب الذي يمثل بحق اتجاهاً معرفياً جديداً في حقل الثقافة العربية المعاصرة. اتجاها احتل مكانته في قلب هذه الثقافة عن جدارة واستحقاق بصرف النظر عن مدى الاتفاق أو الاختلاف مع ما يمثله من قيمة معرفية ومنهجية في دراسة علوم التراث ونصوصه، وهي قيمة ولا ريب عظيمة ولو كره الشائنون..

3- المؤلّف وحضوره العلمي:

أما المؤلف فهو الدكتور الأستاذ الدكتور " علي أسعد  وطفه"، أستاذ علم الاجتماع التربوي بكلية التربية –جامعة الكويت، وهو أيضاً باحث وأكاديمي سوري، يشغل منصب أستاذ علم الاجتماع التربوي، ورئيس تحرير مجلة نقد وتنوير الصادرة عن مركز نقد وتنوير للدراسات الإنسانية، عضو اتحاد الكتاب العرب، عضو رابطة الكتاب السوريين، عضو اتحاد كتاب سورية الأحرار، عضو الشبكة العالمية للتربية على حقوق الإنسان، عضو المجلس العربي للعلوم الاجتماعية في بيروت، عضو الهيئة الاستشارية لمجلة متنوري بجامعة قسطنطينة في الجزائر، عضو الهيئة الاستشارية لمجلة دراسات الصادرة عن اتحاد كتاب وأدباء الإمارات العربية المتحدة. حائز على جائزة حميد بن راشد للعلوم الاجتماعية سنة 2014، وعلى جائزة البحث المتميز لجامعة الكويت في مجال الآداب والعلوم الإنسانية سنة 2009، وعلى شهادة تقدير من صاحب السمو سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة سنة 2001. له العديد من المؤلفات، من بينها: "العنف والعدوانية في التحليل النفسي"، و"الجمود والتجديد في العقلية العربية"، و"بنية السلطة وإشكالية التسلط التربوي في الوطن العربي"، و"التنشئة الاجتماعية في دولة الكويت"، و"المدخل إلى التربية"، و"الشباب والمرأة"، و"الشباب قيم واتجاهات ومواقف"، و"التربية وحقوق الإنسان". وله مجموعة من الترجمات، من بينها: "إميل دوركهايم: التربية والمجتمع"، و"بيير بورني: فلسفة الحب". وله مجموعة من الأبحاث العلمية المحكمة، من بينها: "التحديات الإعلامية في الوطن العربي: مواقف الشباب من تلفاز الشرق الأوسط، دراسة سوسيولوجية إعلامية في جنوب سورية"، و"الاغتراب والأنسنة في مفهوم الفردانية: المغامرة الفكرية الفردانية في الثقافة الغربية.. وللحديث بقية..

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.....................

1- د. علي أسعد وطفه: إشكاليّات التّعليم الإلكترونيّ وتحدّياته في ضوء جائحة كورونا قراءة سوسيولوجيّة في جدليات التّفاعل والتّأثير، مركز دراسات الخليج والجزيرة العربية 2021م، ص 15.

2- د. صابر جيدوري: قراءة في كتاب رأسمالية المدرسة في عالم متغير للدكتور علي وطفه، مركز نقد وتنوير، 11 ديسمبر 2020م.

3- المرجع نفسه..

4- المصدر نفسه، ص ص 24-25.

5- المصدر نفسه، ص 24.

6- المصدر نفسه، ص 19.

 

 

 

 

 

حاتم حميد محسنلماذا يجب على كل شخص الاهتمام بالفلسفة؟ هل هي فقط دراسة مفصلة كالتاريخ والادب او الدين من أجل الخير الخاص والتأثير على حياتنا؟ الكتاب يعالج هذه الأسئلة المثيرة وكيفية التعامل معها. هو يعرض دفاعا قويا عن الفلسفة وعن حياة الذهن. هذا الدفاع صيغ في سياق النقاشات المعاصرة حول العلم والدين والفلسفة. الكاتبة تسأل ما اذا كنا لازلنا في ضوء التطور العلمي والتكنلوجي الحالي بحاجة للفلسفة لمساعدتنا في التفكير حول الأسئلة الكبرى للمعنى والمعرفة والقيمة.

الكاتبة ماري ميدجلي كتبت هذا الكتاب في آخر أيام حياتها. إعتبارات العمر والسلامة العقلية وُضعت جانبا كونها لاتؤثر على قيمة الكتاب الذي أخذ وقتا طويلا من التفكير حول الإجابة على الأسئلة الاساسية التي أثارها.

في البدء لابد من الإعتراف ان أجوبة الكاتبة بشكل عام كانت صحيحة. هناك القليل من التحفظات ولكن في الاساس هي صحيحة. أبرز الاشياء التي أثارتها الكاتبة هي ان الفلسفة تقف في ذروة الطرق المتعددة التي نستطيع التفكير والتحدث بها حول العالم لأنها ترسم الكيفية التي تترابط بها هذه الطرق من التفكير مجتمعة، وفيما اذا كانت تنسجم او لاتنسجم مع بعضها. نحن أمام مجموعة محيرة من الرؤى والمواقف حول العالم ومكاننا فيه. الفلسفة تقدم لنا هيكلا او دليلا عن مدى ملائمة الرؤى او المواقف الفكرية وتضعها في اسلوب منظّم. ميجلي ذاتها تعبّر عن رؤيتها عن الفلسفة كالتالي: "انها توضح العلاقات بين مختلف طرق التفكير، وترسم المسار الذي يمكن ان يتّبعه الفكر"(ص21).

هذا الدليل له وظيفتان مترابطتان نوعا ما. واحدة هي خلق نوع من كلّ منظّم للفكر. والثانية هي العمل ضد الانغلاق في وجهة نظر واحدة دون اعتبار لوجهات النظر الاخرى . هذا لا يعني اننا نقبل كل الرؤى بالتساوي باعتبارها مبررة او صحيحة – انها ليست بابا مفتوحا للنسبية – لكنها تعني اننا نعرف كيف نضع رؤى معينة ضمن بناء أكبر. هذا الوضع المنظّم هو عملية مستمرة بلا نهاية، نتيجة لظهور طرق جديدة للتفكير حول العالم ومكاننا فيه. هذا يوضح لماذا الكاتبة حذرة احيانا حول ما اذا كانت الفلسفة تنجز أي تقدم. بمعنى معين انها قد لاتنجز ذلك التقدم لأنها ليست تنقيبا تراكميا عن الحقائق الاساسية كما يحدث في العلوم. لكنها تقول ان الفلسفة بالفعل تحقق شيئا يمكن وصفه بالتقدم كونها تكيّف مع أوقات معينة ما تضعه من مواقف وطرق في التحدث . وهكذا لا تقدّم بالمعنى الخطّي وانما تقدّم يتحرك مع الأوقات. مع ذلك، لم يحصل ابدا ان موقفا فلسفيا اصبح متقادما ومهملا كليا، لأننا نجد نفس الافكار تأتي بشكل متكرر وبأشكال مختلفة.

2560 ماهي الفلسفةالكتاب جاء في أربعة اجزاء احتوت على 23 فصلا:

الجزء الاول: البحث عن علامات (مرشدة)، ويشتمل على عشرة فصول

فصل 1 الاتجاهات، فصل 2 هل يمكن ان تصبح الافكار قديمة؟ فصل 3 ماهو البحث؟ فصل 4 التصادم بين الطرق، فصل 5 ماهي المادة؟، فصل 6 استفسارات الكم، فصل 7 ما هو التقدم؟، فصل 8 المنظورات والمفارقات: روسو ومتفجراته الفكرية، فصل 9 جون ستيوارت مل ومختلف أنواع الحرية، فصل 10 معنى التسامح.

الجزء الثاني: إغواء الرؤى العلمية ويحتوي على ثلاثة فصول

فصل 11 قوة صور العالم، فصل 12 الماضي لا يموت، فصل 13 العلموية، المهدئ الجديد.

الجزء الثالث: اللامبالاة وعبادة الماكنة:

الفصل 14 صراع السلطة، فصل 15 ضياع الافراد، فصل 16 الحكماء.

الجزء الرابع: التفردات والكون:

الفصل 17 أي نوع من التفرد؟، فصل 18 هل يمكن قياس الذكاء؟، فصل 19 ما هي المادية؟، فصل 20 عبادة اللاشخصية، فصل 21 المادة والواقع، فصل 22 سحر العلموية، فصل 23 صورة العالم الغريبة .

استنتاج: عالم واحد ولكن نوافذ متعددة.

تعرض الكاتبة العديد من افكارها المفضلة، هي تساعدنا في رؤية ان العديد من مشاكلنا تبرز من محاولة وضع كل شيء في قالب توضيحي أحادي بدلا من إدراك ان نفس الواقع الواحد يمكن فهمه عبر مختلف وجهات النظر غير المختزلة.

الكاتبة تنتقد بوضوح الميول الحديثة للفلسفة في نمذجة نفسها على غرار العلوم، كما لو ان الحقيقة تشبه ممارسة بحث مشترك يهدف لمعالجة السرطان. يجب التأكيد ان الكاتبة ليست ضد العلم، ولكن العلم لا يجب اعتباره الطريقة الوحيدة للتفكير او التحدث حول العالم، لأن ذلك سيكون "علموية" scientism، المسكّن الجديد الذي يفشل في رؤية ان نطاق العلم ونتائجه محدودان ولا يضمان كل المعرفة الممكنة.

الفلاسفة يجب ان يكونوا ذوي افق واسع في اهتماماتهم، بدلا من معرفة الكثير عن القليل. الفلسفة توسّع الرؤى المختلفة وطرق التفكير حول العالم، حيث تقول مدجلي ان جامعة بدون قسم فلسفة لا تستحق ان تسمى جامعة.

هذه الرؤية للجامعة هي ربما اتّهام قاس لكنه صحيح . انها تنسجم مع الادّعاء بان الفلسفة بعيدة عن الرفاهية الكسولة، انها ضرورية لصحة وإنارة الفكر وتبادل الأفكار وهي في الحقيقة لا يمكن تجنّبها الاّ في حالة الذهن المغلق المستعصي على الإصلاح والمغلق ايديولوجيا.

على طول الكتاب، تعالج الكاتبة اثنتين من المشاكل الفلسفية الأساسية وهما طبيعة الذهن والرغبة الحرة. مرة اخرى، تبدو رؤية الكاتبة جيدة وتسير في المسار الصحيح. بدايتها تنطلق من الاشارة الى ان ماسمي بـ "المشكلة الصعبة" للوعي، (كيف يمكن للفعالية الفيزيقية لأعصابنا إنتاج خبراتنا ؟) هي مشكلة صعبة لأنها عادة يتم صياغتها بطريقة مادية معينة للحديث، وهو ما يتركنا مع لا شيء الاّ مع اللغز الصعب في كيف لـ "قطعة من اللحم"(حتى هذه الصياغة خاطئة لأن اللحم ميت كما تشير الكاتبة) تؤدي الى ظاهرة من الوعي الذاتي. رؤيتها ان هذه الطريقة من إعداد المشكلة يمكن تجنّبها حالما نأخذ نظرة فلسفية وندرك ان ما يُفترض مادية "علمية" هو فقط طريقة واحدة للحديث عن العالم، وان طريقة التحدث المرتكزة على الوعي الذاتي هي ذاتها طريقة صالحة بنفس المقدار – الرؤية من خلال عدسات مختلفة، او طرح مختلف انواع الاسئلة. هذا يوضح بالضبط ان دور الفلسفة هو تبنّي طريقة واحدة للحديث وطريقة اخرى للحديث في كلتا اليدين ودمج الاثنين مع بعضهما، بما يسمح لنا للتفكير حول المشكلة بطريقة اكثر تنويرية، بدلا من العمل غير المفيد وغير الضروري والبطيء من داخل موقف واحد.

 الآن هناك بعض التحفظات الثانوية التي لن تضعف صوابية ما تقوله الكاتبة عن الفلسفة. احدى التحفظات هي مسائلة تأطير السؤال ذاته، خاصة المتعلق بدلالة كلمة "for" الواردة في عنوان الكتاب. ربما يُسأل حول ما اذا كانت الفلسفة يجب ان تكون لأجل اي شيء، بدلا من القول انها ببساطة شيء ما. هي صحيحة حول دورها في وضع وربط مجموعة من طرق التحدث – ولكن اذا كانت هذه الفكرة عُرضت بقوة كبيرة فانها تقلل من قيمة الفلسفة وربما تترك الاهتمام الجوهري في المشاكل الفلسفية. هذه المسألة جرى توضيحها باختصار من قبل A.J.Ayer في نهاية كتابه (الأسئلة المركزية في الفلسفة 1975)، حيث قال انه من الطبيعي الفلسفة قد تخدم اشياءً خارج ذاتها، وانها ربما حتى تغيّر الاشياء، هو يستمر في القول : "حتى هذا فهو ليس مصدر سحرها بالنسبة لمعظم اولئك الذين يمارسونها. بالنسبة لهم، قيمتها تكمن في أهمية الاسئلة التي تثيرها والنجاحات التي تحققها في الإجابة عليها".

جواب الكاتبة النهائي لسؤال "لماذا الفلسفة؟" هو ان هدفها ليست كالعلم. العلماء متخصصون يدرسون أجزاءً من العالم، لكن الفلسفة تهم كل شخص. انها تحاول ان تضم مظاهر الحياة الى بعضها والتي كانت في السابق منفصلة لكي تجعل صورة العالم اكثر تماسكا، والتي هي ليست رفاهية خاصة وانما شيء اساسي لحياة الانسان.

هناك عدد قليل من الأخطاء في الكتاب. فيها تأتي الكاتبة الى الاقتصاد وتتناول امور تفصيلية اقل اهمية. معرفة الكاتبة تبدو متقلبة كثيرا، وآرائها تقليدية لمنظور معين لليسار الليبرالي. في هذه الحالة هي تبدو غير قادرة على تحقيق ما تدعو اليه - تجعل الخارج منظور مغلق نسبيا . نفس الانتقاد ينطبق على رؤاها البيئية. في كلتا الحالتين قد يقول المرء ان رؤاها تهزم فلسفتها. الكتاب ايضا فيه نزعة الرجوع المتكرر مع الميل لترك الموضوع بشكل مفاجئ بالانتقال الى موضوع جديد.

لكن هذه انتقادات ثانوية . هذا الكتاب ليس تاما – لكن منْ يتوقع الكمال؟ الرسالة هامة جدا وصحيحة جدا.

 

حاتم حميد محسن

..............................

كتاب لماذا الفلسفة للكاتبة Mary Midgley صدر في سبتمبر من عام 2018 عن دار Bloomsbury Academic في 232 صفحة. الكاتبة درّست الفلسفة في جامعة نيوكاسل البريطانية للفترة من 1962 الى 1980 وهي من رواد الفلسفة الاخلاقية في القرن العشرين. كتبت بكثافة حول طبيعة الانسان والعلوم والاخلاق والحيوانات والبيئة. توفيت في اكتوبر من نفس السنة عن عمر ناهز 99 عاما وبعد شهر من نشر الكتاب.

 

 

ناجي ظاهريقوم بها ناجي ظاهر بصحبة فابريس تومريل

يقوم الكاتب الفرنسي فابريس تومريل، في كتابه النقد الادبي، بجولة مُثريةٍ ومغنيةٍ في مملكة النقد الادبي، مستعرضًا العديد من المدارس النقدية وآراء النقاد والكتاب الفرنسيين خاصة. ترجم الكتاب الاستاذ الجامعي الكاتب الهادي الجطلاوي وصدر عن دار التنوير للطباعة والنشر في تونس، عام 2017، وهو موجّه للطلاب الجامعيين وعامة القراء، لهذا يغلب عليه الطابع التعليمي البيدادوجي. يقول مترجمُه إنه نظرًا لطبيعته العلمية، حرص في تعريبه له على توخي التأني في العمل والوفاء بالمعنى في ادق جزئياته مُراعيًا في أداء المعنى روحَ التركيبِ العربي وخصائص الجملة العربية.

يصول مؤلف الكتاب ويجول متنقلًا بين المدارس النقدية الفرنسية واعلامها البارزين امثال جيرار جينيت ورولان بارت، معرّفًا بهذه المدارس وما قدّمته لعالم النقد الادبي. يزيد في قيمة تنقله هذا انه يقدّم في الصفحات الاخيرة من كتابه البالغ عدد صفحاته 368 صفحة من القطع المتوسط، تعريفات مباشرة وواضحة لكل من المدارس الادبية التي تحدّث عنها في كتابه.

مؤلف الكتاب يتوقف عند ثلاثة اصناف رئيسية من النقد ذي النفوذ في الادب الفرنسي، في النصف الثاني من القرن العشرين خاصة، هي: النقد الصحفي. النقد الجامعي ونقد الكتاب. رائيًا ان النقد الصحفي هو الاشد تأثيرًا في الحياة الادبية، لا سيّما وان هناك الكثير من الجامعيين المثقفين الذين عملوا في مجال النقد الصحفي امثال سانت بف وبرونتير وتيبودي، ويتوقّف مطولًا عند تقسيم قوتيه للنقاد إلى اربعة اصناف، اولها الصحفيون الاخلاقيون، الناطقون بالوعظ الجميل والذين لا يتردّدون في اقامة شخصية الكاتب مقام اثره الادبي، وهؤلاء يعطون بعض القيمة لكتاباتهم الفضائحية التعيسة المرتجلة الذين يعرفون انه لن يقرأها احد لو لم تتضمن الا اراءهم الشخصية. الصنف الثاني هو الصحفيون الصالحون الذين يريدون وضع الكتاب في خدمة تطور البشرية، والصنف الثالث هو الصحفيون اللامبالون، وهم اولئك الذين رأوا و ارادوا وادركوا واحسوا كل ما يمكن رؤيته وادراكه واحساسه وسمعه، اما الصنف الرابع والاخير هم الصحفيون المنقّبون، وهم اولئك الذين، بدعوى الانصاف، يرفضون كل اثر جديد ويلقون بالأثر الجيد في مستقبل غير مضمون، وينقل المؤلف في هذا السياق رأي الناقد ايريك فاي، وهو انه على النقاد ان يقوموا حاليا بدور الوساطة ما بين الكاتب والقارئ، وان يسمعوا، من وراء صخب وسائل الاعلام ذات الاستهلاك العمومي، اصواتا ذات نبرة طريفة.

2528 النقد الادبيبعد هذا يتوقف المؤلف عند الذنوب التي يتهم بها النقد الصحفي وهي، البخل والكسل. الجشع. الشبقية. الكبرياء. العصبية. السطحية. الانحياز والتنميط وضعف الثقافة. وفيما يتعلق بالذنب الشبقي ينقل المؤلف عن ميشيل بوتور، قوله ان النقد الصحفي للأدب مرتبط اشد الارتباط بالأدب التجاري، انه يعمد، عرضًا، الى مراقبة الوصفة او تركيبة المواد، مثله مثل ادارة المراقبة لإنتاج مشتقات الحليب او الانتاج الصيدلاني. فيما يتعلق بذنب الكسل يوحي المؤلف ان النقد الصحفي عادة ما يكون صدىً للقيم الثابتة للكتاب المعروفين وللأعمال الكلاسيكية ولأحسن المبيعات، بدلًا من السعي لاكتشاف المواهب الجديدة.

الصنف النقدي الثاني الذي يتوقّف عنده المؤلف هو النقد الجامعي. عن هذا الصنف يقول انه لئن سخر رولان بارت من بطء النقد الجامعي، فان قراك يعيب عليه عيبا اعمق هو رغبته في تفسير ما ليس قابلًا للتفسير، اما قومبرويتز فقد ندّد بالطابع العلمي المزعوم للنقد ويحمّل الجامعة مسؤوليته. يقول للحقيقة نقول إن اساتذة الجامعة، مثل غيرهم من العلماء، يشبهون السمكة التي تخرجها من الماء، فكل واحد منهم، يموت حالما تخرجه من اختصاصه، وينقل المؤلف في هذا الصدد قول برينير وهو ان الجامعيين هم اساتذة الكلام النقدي الفارغ، انهم اولئك الذين يعذبون اللغة الفرنسية بتغيير دلالة الالفاظ والتلاعب بها.

الصنف الثالث من النقاد الذين يتوقف المؤلف عندهم هم الكتاب الذين دأبوا على السخرية وحتى الهجوم على النقاد، وهنا ينقل المؤلف عددًا من الاقتباسات عن الكتاب الذين هاجموا النقاد، منهم جي دي موباسان، الذي وضع في تعبير مجازيّ، الخط الفاصل فصلًا قاطعًا بين المعرفة وصناعتها، وبين من يعرف ومن يصنع وبين الملاحظ والمبدع. يقول، هل يكفي ان ترى قاطرة تسير حتى تمتلك معرفة الهندسة، ان الناقد يظن انه عرف ما فيه الكفاية بمجرد انه رأى قطارات عديدة تمرّ، اما قويتي كما ينقل المؤلف عنه، فانه يقول، في هذا السياق، ان الناقد يصنع مقالات طويلة فارغة ومملة حتى يتخلّص من كل المعرفة التي جمعها، قبل يوم، في مكتبة من المكتبات. يقول المؤلف ان الكتاب يلحون بشدة على دناءة النقاد الكبرى، فيرون ان النقاد لا يتحملون مسؤولياتهم وذلك لانهم واعون ان مقالاتهم تكتسي طابعًا زائلًا وان اخطاءهم سرعان ما تقع طي النسيان، وهم، بالإضافة الى ذلك، لا ينتقدون الكاتب "النبي"، بقدر ما ينتقدون الكاتب المتأخر ويمدحون الاقوياء وينتقدون المجهولين. كما قال بودلار.

***

من هو الناقد.. ينقل المؤلف عن جان بلمان، تعريفه للناقد في مقال نشره عام 1995، هو ان الناقد ليس قارئا مثل سائر القراء. ان الناقد هو ذلك القارئ الذي يدوّن نتائج قراءته حتى يتسنى لغيره من القراء ممن يكونون متعجّلين، او غير متفرغين تفرغه في دراسة النص، ان يجدوا فرصة لقراءته قراءة مغايرة، بعبارة اوضح، ان يقرؤوه قراءة افضل واثرى. ان الناقد معالج وهو مُبلغ كذلك وفق مصطلح رولان بارت، وهو اشبه ما يكون بصفيحة حساسة تنفعل لكل ما تقرؤه، كما انه يعيد تقييم الاثر لمعاصريه، انه مزود بقدرة كبيرة على العطاء سواء كان كاتبًا صحفيًا او استاذًا، اما مهمة الناقد فإنها تتمثل في مراجعة تاريخ الادب مراجعة دائمة لتحيين النصوص الكلاسيكية، واعادة اكتشاف الكتاب المغمورين، وذلك بإلقاء كتاب اخرين طي النسيان. ان الناقد يشارك من خلال المحاضرات التي يلقيها والحصص الاذاعية والتلفزية التي يشارك فيها.. يشارك ويساهم في تحقيق النجاح المادي والمعنوي للأعمال الادبية، اذ يمكنه ان يساهم في رفع حجم المبيعات وفي شهرة الكاتب كذلك، بل حتى في الاعتراف به مؤسساتيًا بمجرد ان يكون الناقد عضوًا في اكاديمية من الاكاديميات او لجنة من لجان الجوائز الادبية.

يؤكد المؤلف في مطلع كتابه ان النقد يؤسس السلاح الاقوى ضد القراءة الساذجة والاستراتيجيات التجارية وذلك لان النقد جزء لا يتجزأ من اهم النظريات الجمالية والفلسفية ولأنه يمنهج تعليمنا ويعلمنا فن القراءة. بعبارة اخرى، لأنه يرتقى بنا الى المعنى بان ينقل الينا المعارف التقنية الضرورية والقوانين والسنن الخاصة بكل جنس وبأن يوفر الادوات التي تسمح لنا بتنزيل الاثر في علاقته بكاتب معين ومجتمع معين او عصر معين.

***

يتعرض المؤلف في كتابه بشكل مركز إلى ما شهده التاريخ النقدي الادبي من تطورات ويرى ان النقد تطور منذ الكلاسيكية، التي اثرت التقعيد الادبي، الى فضاءات حافلة بالتحرّى العبقري، كما يتحدث عن الوضع المقلق للكتاب في عصرنا. يقول ان الاعلام والاشهار قضيا اليوم على النقد سواء كان في صورته الحقيقية او المقنعة، وهذا ما يفسر اغراق السوق الادبية المتنوعة بالكتب، مضيفًا، انه بصرف النظر عن البحوث النقدية الحقيقية التي لم تعد تنشر الا عند بعض صغار الناشرين، فان عددًا وفيرًا من الكتب المدرسية قد حلّ محلها متوجهًا إلى جمهور التلامذة بل حتى الطلبة بغرض الاعداد للبكالوريا وغيرها من الامتحانات، ويشير المؤلف الى حدثٍ بدا مقلقًا في هذا العصر المناهض للثقافة، هو انسحاب الادب تدريجيًا من وسائل الاعلام، وحينئذ ما الذي سيبقى من النقد الادبي.. اذا كانت الروح النقدية والادب قد اخذت طريقها للاضمحلال.

 

ناجي ظاهر

 

ناجي ظاهريرى الكاتب المغربي سعيد يقطين، في كتابه "النص المترابط"، ان رهان الثقافة العربية ومستقبلها موصولان باقتحامنا للعصر الرقمي بوعي جديدٍ ورؤية جديدة، ويؤكد أن عيشنا بذهنبة تقليدية لن يسهم في تطورنا البتة، مشيرًا إلى كثرة المواقع الالكترونية العربية ومنتقدًا في الآن. ما تُقدمه في المجال، فيقول إن هذه المواقع والمدوّنات قد تكثر.. لكن بدون تجديد: الذهنية واللغة والكتابة وطرائق التفكير.. سنظل بمنأى عن التلاؤم مع العالم الذي يحيط بنا.. وتكون مساهمتُنا فيه محدودة وضيّقة كما هو حاصل حاليًا.

مؤلف الكتاب. سعيد يقطين. محاضر جامعي ومثقّف مغربي.. ويبدو من كتابه الثوري هذا، انه انشغل بالبحث في الأدب الرقمي، او الالكتروني كما يرجح، فقد وضع كتابًا حمّله عنوان "من النص إلى النص المترابط"، وها هو يضع كتابًا آخر جديدًا، هو مدارُ تعليقِنا، يحمّله عِنوانًا زخمًا معبّرًا هو "النص المترابط ومستقبل الثقافة العربية. نحو كتابةٍ عربية رقمية"، ويعمل، كما يوضّح في كتابه هذا، على تأليف كتاب ثالث عن الادب المترابط.

يتطرّق المؤلف في كتابه هذا بداية إلى أهمية تحديد المصطلح.. مستعرضًا العديد من تعبيراته. ويستقر على مصطلح يقترحه لباسًا للأدبيات الالكترونية الحديثة هو الادب المترابط، متحفظًا على مصطلح كان اقترحه الدكتور حسام الدين الخطيب، هو الادب المتفرّع.

بعدها يميّز المؤلف بين الادب الالكتروني والادب الرقمي، فليس كل انتاج ادبي الكتروني هو انتاج رقمي، ذلك ان للرقمية اصولها واتجاهاتها التي ابدع العالم في انتاجها، في حين اننا نحن العرب، ما زلنا بصورةٍ عامةٍ على هامش هذا الادب الذي قطع فيه العالم المتقدم في اوروبا وامريكا اشواطًا بعيدةِ المدى. وينتقد المؤلف تعاملنا نحن العرب مع هذا الادب. الرقمي. رائيًا اننا ما زلنا نتعامل معه على اعتبار انه نصٌّ ورقيٌّ نقوم بتحويله الى الكتروني، في حين ان هذا الادب يختلف اختلافًا جوهريًا كونه يستعمل وسائط اخرى غير الكلمة مثل الصوت والصورة والنغمة وما اليهما.

يوجّه المؤلف نقدًا شديدًا إلى طرائق الكتابة لدينا نحن العرب، فيرى انها كمية لا تنحو منحى الكيفية بصورة عامة، مستثنيًا من هذا النحو كتاب "فن القول"، للكاتب العربي المصري امين الخولي، ومما يوجّه اليه سهام نقده في كتابتنا الادبية العربية نشير إلى.. عدم القدرة على الاختصار والتعبير الشفهي، فالكثيرون من الطلاب خاصة، يدبّجون العشرات من الصفحات وعندما تسأل الواحد منهم عمّا اراد قوله بكلمات.. يعجز عن القول.. على عكس الطلاب الاجانب عامة، يقول منتقدًا.. اننا لا نولي المنهجية في الكتابة والتعبير الشفوي ما تستحق من العناية، اذ يكفي ان يستعمل الطالب مفردات صعبة وغريبة، واسلوبًا انشائيًا جميلًا وبراقًا وخادعًا ليكون نجم المؤسسة في الانشاء، وينال التقريظ اللازم من التلاميذ والاساتذة، فالعبرة، عندنا، تكمن في مادة التعبير، وليس في كيفيته ولا في طريقته.

كما يرى ان كتّابتنا العربية عادة ما تهمل ادوات الترقيم وتكتفي باقلها، وانها تحفل بالكتب التراثية التجارية التي لا تولي الكتاب ما هو جدير به من تحقيق، كما هو مفترض، ويتساءل بحرقة قائًلا اننا اذا كنا متخلّفين في تقديمنا للكتاب التراثي خاصة.. الى هذا الحد، فكيف سنتمكن من دخول العصر الرقمي، الذي يحتاج الى وعي جديد نفتقر اليه، ويتطرّق الى اس المشكلة فيرى ان العالم يشهد منذ عقود ثورة بشرية، يتم التحول فيها من الكلمة الورقية الى الكلمة المرئية والصورة، ويعرض لبّ هذه الثورة قائلًا اننا نتعامل مع الكتاب الورقي هكذا.. كاتب نص قاري، في حين اننا نتعامل في الادب الرقمي مع عنصر رابع اضافي هو الحاسوب، وذلك ضمن اشارة الى اهمية معرفة التعامل مع الحاسوب وتقنياته المتعدّدة، يقول اننا مع الطبعات المتعددة من الكتاب الورقي نلتقي مع المادة ذاتها، اما مع اجيال الحواسيب المتتابعة والمتتالية بسرعة فائقة فان الامر يختلف.

ينوّه المؤلف انه منذ صدور كتابه الاول عام 2005. "من النص الى النص المترابط"، حصل تغيّرٌ ملموسٌ على ساحة الادب الرقمي العربي، فقد ظهرت مواقع الكترونية متعددة يشير منها الى موقع "الورّاق"، الهام جدا لكنه يرى ان هذا الموقع يحتاج الى المزيد من الجودة في الاداء، كما يشير إلى تشكل "اتحاد الكتاب العرب للانترنت"، وإلى الاجتهادات الملموسة للكاتب الاردني محمد سناجلة الحالم الرقمي، لتجسيد الحلم واقعًا، والانتقال بالعربية وبالإنسان العربي إلى عصر رقمي يكون فيه للعرب وجود، مثنيًا ورائيًا في هذا الاتحاد خطوة في الاتجاه الصحيح، وهو بالمناسبة يُهدي كتابه هذا الى محمد سناجلة ومحيطيه، ويخلص في نهاية كتابه إلى اننا نحتاج نحن العرب لدخول حرم الادب الرقمي، إلى العديد من المبادرات الشجاعة والجريئة.. منها: ضرورة الوعي بأهمية الوسيط الالكتروني في عصرنا الحديث. تطوير معارفنا بالمعلوميات. تكون ورشات للعمل بين الكتاب والمشتغلين بالأدب والفن، واصدار دوريات ومجلات علمية تعنى بما يتحقّق في المجال المعرفي الخاص بالمعلوميات. ومتابعة ما يتم انجازه في الفضاء الشبكي الغربي وقراءته قراءة نقدية علمية.

 

 ناجي ظاهر

........................

* اصدار المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء- المغرب- الطبعة الاولى عام 2008. عدد الصفحات 316 صفحة من القطع الكبير.

 

 

يسري عبد الغنيكتاب طوق الحمامة أو طوق الحمامة في الألفة والألاف هو كتاب لابن حزم الأندلسي وصف بأنه أدق ما كتب العرب في دراسة الحب ومظاهره وأسبابه. ترجم الكتاب إلى العديد من اللغات العالمية.

واسم الكتاب كاملاً طوق الحمامة في الألفة والأُلاف. ويحتوي الكتاب على مجموعة من أخبار وأشعار وقصص المحبين، ويتناول الكتاب بالبحث والدَّرس عاطفة الحب الإنسانية على قاعدة تعتمد على شيء من التحليل النفسي من خلال الملاحظة والتجربة. فيعالج ابن حزم في أسلوب قصصي هذه العاطفة من منظور إنساني تحليلي. والكتاب يُعد عملاً فريدًا في بابه.

سبب التأليف

كتاب طوق الحمامة في الأصل رسالة ألفها وهو مقيم بمدينة "شاطبة" وقد وضع ابن حزم هذه الرسالة نزولا عند رغبة صديق محب زاره في "شاطبة" وسأله أن يصنف له "رسالة في صفة الحب ومعانيه وأسبابه وأعراضه، وما يقع فيه وله على سبيل الحقيقة" فلبى ابن حزم رغبة صديقه حبا به -كما يقول- متحرجا بعض التحرج من كتابة رسالة في موضوع الحب واللهو فانصرف ابن حزم إلى تأليف الرسالة، مقتصرا فيها على ما عرفه وخبره من الوقائع والحوادث والمواقف، مبتعداً عن شطط الخيال وأوهام القُصَّاص ومتجاوزا ما زخرت به أخبار الأعراب من قصص العشاق ومآثر المحبين وآلامهم.

أبواب الكتاب

يشمل الكتاب نصائح وفوائد كبيرة يوزعها في أبواب، فمثلا في باب من أحب من نظرة واحدة يحذر من الوقوع في الحب في الوهلة الأولى ويسرد قصة أحد أصحابه:

كثيراً ما يكون لصوق الحب بالقلب من نظرة واحدة. وهو ينقسم قسمين، فالقسم الواحد مخالف للذي قبل هذا، وهو أن يعشق المرء صورة لا يعلم من هي ولا يدري لها اسما ولا مستقراً، وقد عرض هذا لغير واحد.

حدثني صاحبنا أبا بكر (...) أن يوسف بن هارون الشاعر المعروف بالرمادي كان مجتازاً عند باب العطارين بقرطبة، وهذا الموضع كان مجتمع النساء، فرأى جارية أخذت بمجامع قلبه وتخلل حبها جميع أعضائه، فانصرف عن طريق الجامع وجعل يتبعها وهي ناهضة نحو القنطرة (...)، نظرت منه منفرداً عن الناس لا همة له غيرها فانصرفت إليه فقالت له: مالك تمشي ورائي؟ فأخبرها بعظيم بليته بها. فقالت له: دع عنك هذا ولا تطلب فضيحتي فلا مطمع لك في النية ولا إلى ما ترغبه سبيل فقال: إني أقنع بالنظر. فقالت: ذلك مباح لك، فقال لها: يا سيدتي: أحرة أم مملوكة؟ قالت: مملوكة. فقال لها: ما اسمك؟ قالت: خلوة. قال: ولمن أنت؟ فقالت له: علمك والله بما في السماء السابعة أقرب إليك مما سألت عنه، فدع المحال. فقال لها: يا سيدتي، وأين أراك بعد هذا؟ قالت: حيث رأيتني اليوم في مثل تلك الساعة من كل جمعة. فقالت له: إما أن تنهض أنت وإما أنا، فنهضت نحو القنطرة ولم يمكنه أتباعها، يقول: فوالله لقد لازمت باب العطارين والربض من ذلك الوقت إلى الآن فما وقعت لها على خبر ولا أدري أسماء لحستها أم أرض بلعتها، وإن في قلبي منها لأحر من الجمر. وهي خلوة التي يتغزل بها في أشعاره، ثم وقع بعد ذلك على خبرها بعد رحيله في سببها إلى سرقسطة.

قسم ابن حزم كتابه طوق الحمامة إلى ثلاثين باباً بدأ بباب علامات الحب وقد ذكر منها إدمان النظر والإقبال بالحديث عن المحبوب والإسراع بالسير إلى المكان الذي يكون فيه المحبوب والاضطراب عند رؤية من يحب فجأة وحب الحديث عن المحبوب بالإضافة إلى الوحدة والأنس بالانفراد والسهر.

من أبواب الكتاب باب ذكر من أحب في النوم وذكر فيه كثرة رؤية المحبوب في المنام ثم باب من أحب بالوصف وفيه ذكر وقوع المحبة بأوصاف معينة حتى لو لما يرى المحبوبين بعضهما فقد تقع المحبة لمجرد سماع صوت المحبوب من وراء جدار.

باب من أحب من نظرة واحدة وفيه ذكر وقوع الحب في القلب لمجرد نظرة واحدة ثم باب من لا يحب إلا المطاولة وفيه ذكر المحب الذي لا تصح محبته إلا بعد طول كتمان وكثرة مشاهدة للمحب ويصرح المحب بحبه بعد مقابلة الطبائع التي خفيت مما يشابهها من طبائع المحبوب ثم ذكر باب من أحب صفة لم يستحسن بعدها غيرها مما يخالفها وذكر فيه أنه من أحب صفه كانت في محبوبته لم يرغب بصفة غيرها فمن أحب شقراء الشعر مثلا لا يرضى بالسوداء الشعر.

باب التعريض بالقول وذكر فيه أن أول ما يستعمله أهل المحبة في كشف ما يجدونه إلى أحبتهم بالقول إما بإنشاد الشعر أو طرح لغز أو تسليط الكلام.

باب الإشارة بالعين وذكر فيه إشارات المحبوب لمحبوبه بالعين فالإشارة بمؤخرة العين الواحدة تعني النهي عن الأمر وإدامة النظر دليل على التوجع والأسف وكسر نظرها دليل على الفرح والإشارة الخفية بمؤخرة العين تعني سؤال وترعيد الحدقتين من وسط العينين تعني النهي العام واعتبر ابن حزم أن العين أبلغ الحواس وأصحها دلالة وأوعاها عملا عن بقية الحواس.

باب المراسلة وذكر فيه المراسلة بالرسائل وقد ذكر فيه صفات الرسائل بين المحبين وشعور المحب بالسرور عند تلقيه رسالة من محبوبه.

باب السفير وذكر فيه صفات الوسيط بين المحبوبين كالكتمان والوفاء للعهد والنصح ثم باب طي السر ويذكر فيه صفات المحب حين يخفي حبه كجحود المحب إن سئل والتصنع بإظهار الصبر ويكون سبب الكتمان الحياء الغالب على الإنسان وحتى لا يشمت به الأعداء.

باب الإذاعة وتحدث فيه عن أسباب إذاعة الحب ويكون ذلك حتى يظهر صاحب هذا الفعل في عداد المحبين ويكون ذلك بسبب غلبة الحب ثم باب الطاعة ويذكر فيه أسباب طاعة المحب لمحبوبه وفي باب المخالفة أسباب مخالفة المحب لمحبوبه مثل غلبه الشهوة.

باب العاذل وفيه ذكر اللوم للمحبوب وأثره في النفس ثم باب المساعد من الإخوان وفيه ذكر صفات الصديق المخلص الذي يعلم بأمر المحبوبين ويكتم السر ثم باب الرقيب وفيه ذكر صفات المراقب للمحبوبين ومحاولة الرقيب إظهار سرهما والبوح بوجودهما ثم باب الواشي وقد ذكر فيه صفات الواشي الذي يريد القطع بين المتحابين والإطلاع على أسرار المحبوبين وذكر الوشاة الكاذبين وذكر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والأقوال والأشعار التي تنهى عن الكذب.

باب الوصل وفيه ذكر وصل المحبوب والمواعيد بين المحبوبين وانتظار الوعد من المحب ثم باب الهجر وذكر فيه هجر المحبوب لمحبوبه عندما يكون هناك رقيب حاضر وقد يكون من اجل التذلل وقد يكون من أجل إبعاد الملل أو بسبب العتاب لذنب يقع من المحب.

باب الوفاء وفيه ذكر وفاء المحب لمحبوبه وذكر صفات الوفاء بين المحبوبين ثم ذكر باب الغدر ثم ذكر باب البين وهو افتراق المحبوبين عن بعضهما وذكر صفات مفارقة المحبوبين لبعضهما ثم باب القنوع وذكر فيه قناعة المحب بما يجد إذا حرم الوصل بين المتحابين وذلك من خلال الزيارة بين المتحابين من خلال النظر والحديث الظاهر ثم باب الضني وقد ذكر فيه معاناة المحب بعد فراق محبوبه وعلامات الضعف التي تصيب المحب بعد الفراق ثم باب السلو وقد ذكر فيه اليأس الذي يدخل إلى النفس من عدم بلوغها أملها وقد قسمه ابن حزم إلى النسيان والملل والاستبدال.

باب الموت وذكر فيه الموت بسبب الحب وذكر قصص من ماتوا من أجل مفارقتهم من يحبون.

باب قبح المعصية وفيه ذكر العفة وترك المعاصي والابتعاد عن موافقة الشيطان والابتعاد عن الفتن والفجور وغض البصر والنهي عن المعصية وذكر الزنا في القرآن والأحاديث النبوية الشريفة.

باب التعفف وقد ذكر فيه البعد عن المعصية والفاحشة والخوف من الله وقد ذكر أبيات شعرية تحث على التعفف.

طوق الحمامة في الألفة والألاف/ تأليف أبي محمد بن سعيد بن حزم ؛ تحقيق حسن كامل الصيرفي القاهرة:المكتبة التجارية الكبرى.

المؤلف: علي بن أحمد بن سعيد بن حزم أبو محمد

المحقق: حسن كامل الصيرفي

حالة الفهرسة: مفهرس فهرسة كاملة

الناشر: مطبعة حجازي

سنة النشر: 1369 - 1950

عدد المجلدات: 1

عدد الصفحات: 176

- قدم له: إبراهيم الإبياري

حققه استاذنا المرحوم/الطاهر مكي مرة أخرى سنة 1994

***

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

علاء اللاميمقتطفات من كتاب "المستطرف الصيني" للراحل هادي العلوي: "في العصور الإسلامية كانت الصين موضوع علاقة تجارية تمثلت فيها أسس البناء السلمي للتجارة العالمية التي توزعت يوم ذاك بين العالمين الصيني والإسلامي، وعرف المسلمون من خلال هذه العلاقة المديدة والمتواصلة لأكثر من ستة قرون فنون الصين وصناعاتها، ولكنهم لم يتوغلوا أبعد ليعرفوا فلسفتها أو ليدرسوا سياستها كما فعلوا مع فلسفة الإغريق وسياسيات الساسانيين. وقد اندمج العديد من المسلمين عربا وتركا وفرسا في المجتمع الصيني ودخلوا في خدمة الدولة في وقت مبكر من تدفقهم على الصين في العصر العباسي الأول. وشاركوا في الامتحانات الإمبراطورية التي تسبق الدخول في هذه الخدمة وقد توظف الكثير منهم بعد نجاحهم فيها/ ص 8 مقدمة كتاب "المستطرف الصيني"

* المخترعات والإنجازات العلمية والصناعية التي قدمها الصينيون للعالم وسطا عليها الغربيون ونسبوا بعضها لأنفسهم:

* اختراع الطباعة: ظهرت الطباعة لأول مرة في دولة "تانغ" المتأخرة. وأول كتاب طبع هو " السوترا الماسية" سنة 868م. أما الطباعة بالحروف المتحركة والتي نسبت إلى الألماني غوتنبرغ عام 1440م فمخترعها الحقيقي هو الصيني "بي شنغ" عام 1048م أي قبل أربعمائة سنة من تاريخها المزور في الغرب. ص51. من كتاب "المستطرف الصيني" للراحل هادي العلوي.

* البارود والمدافع: يرجع اختراعها الى حقبة الدويلات المتحاربة (475 - 221 ق.م) وظهر المدفع المتفجر في أوائل الثاني عشر. ثم صنعت المدافع الضخمة في أسرة يوان على يد العرب العاملين في خدمة الإدارة المغولية وذكرت سجلات أسرة يوان مخترع اسمه إسماعيل بنى مدفعا ضخما لما أطلقه اهتزت الأرض بالدوي ونزلت القذيفة بعد إصابة هدفها إلى عمق سبعة أقدام؟ ص 53

* ابتكار المسرح والكتابة المسرحية: نشأ الأدب المسرحي الذي تأوج في القرن الثالث عشر مع الكاتب غوان هان تشينغ 1297م، وهو أعظم كتاب الصين على الإطلاق. وعلى يده ظهرت المسرحية الاجتماعية التي يعزوها تاريخ الأدب الغربي إلى الفرنسيين في القرن التاسع عشر وهي في الصين تسبقهم بزهاء السبعة قرون. وازدهرت الرواية في غضون القرن الثالث عشر واولهاه ظهورا رواية "أبطال على شاطئ البحيرة" تأليف شي ناي آن، من أوائل أسرة يوان ص 216

* البوصلة: يرجع اختراعها الى حقبة دويلات المدن المتحاربة (475 - 221 ق.م) أيضا، وكانت بسيطة تتألف من ملعقة محطوطة في صحن والملعقة ذات خواص مغناطيسية تنجذب نحو الشمال والجنوب فيُهتدى بها، وسميت "سينان" في القرن الثالث ق.م؛ أما البوصلة الكاملة المضبوطة الممغنطة الصناعية فقد صنعها العلماء الصينيون في عهد أسرة سونغ الشمالية (960 – 1127م) وورد وصفها في كتاب العلامة شين كو... ويبدو أن الملاح العربي النجدي ابن ماجد كان أول مَن طورها عن الأصل الصيني واستعملها... ويرد في أطلس تاريخي حديث أن البحار البرتغالي فاسكو دي غاما وجد عند الملاحين العرب في مياه مدغشقر بوصلة لفتت انتباهه لدقتها. وقد علق محرر الأطلس بوقاحة عنصرية عجيبة: "إنها مشكلة تحتاج إلى حل؛ فهل يمكن ان يكون العرب قد اخترعوا هذه البوصلة المتقنة ونقلوها الى بحارة المتوسط"!

ص 53 و54 . المستطرف الصيني – هادي العلوي ط1 سنة 1994. يتبع في الجزء القادم الثاني.

* جرد مختصر لتاريخ العلاقات العربية الصينية قبل وبعد الإسلام:

1- عرف العرب بلاد الصين في العصر الجاهلي بهذا الاسم. ويسجل أول اتصال بين الصين والمشرق العربي في سنة 97 ميلادي عندما أرسلت أسرة الهان مبعوثا لها الى سوريا "تاتشن"، واسمه "كان يينغ" ووصل المبعوث الصيني إلى تياوتجيه "العراق" ولم يكمل سفره الى الشام بعد أن ثبَّطهُ وأخافه محتلو العراق آنذاك "الفرس البارسيون/ البارثيون" قبل الساسانيين من التوجه شمالا. ومن كتاب "لطائف المعارف" للثعالبي قوله إن أهل الصين يقولون (جميع الأمم ما عدانا عميان إلا أهل بابل فإنهم عور)، وهو قول لا يمكن ترجيحه بحساب السياق الحضاري.

2- سنة 226 م وصل تاجر سوري اسمه تشين لون الى الصين وزار الإمبراطور، وطلب منه هذا الأخير تقريرا يعرِّف به ببلده ففعل. ويصعب إرجاع اسم التاجر الى أصله العربي ومعرفة هل هو آرامي أو نبطي أو عربي.

3- هناك إشارات في المدونات العربية القديمة / مروج الذهب للمسعودي مثلا، الى وصول مواخر صينية الى شواطئ بلاد العرب في العصر الجاهلي / القرن الخامس الميلادي. وإشارات الى وصولها الى وسط العراق نهريا.

4- تزامن ظهور الإسلام مع بداية أسرة تانغ (618 - 907)، والعصر الإسلامي يبدأ في 622 م. وسمعت أسرة تانغ بظهور النبي محمد بعد ذلك بثلاثين عاما.

5- تسجل المصادر الصينية أول اتصال مع العرب المسلمين بوصول وفد في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان بين عامي 650 و651م. ولكن المؤرخ الصنين المسلم محمد مايي يو (ت 1961)، يرجح أن أول اتصال تم في عهد النبي، ويذكر في كتابه " تاريخ عام للمسلمين في الصين" أن النبي محمد أرسل أربعة من أصحابه الى الصين للتبشير بدعوته. وكان أسنُّهم يدعى وقاص وتوجه الى كانتشو "كانتون" وبنى فيها مسجدا، فيما ذهب الثلاثة الاخرون الى مدينة تشوانتشو " مدينة الزيتون". وفي هذه المدينة ثلاثة قبور كتب عليها أنها لأصحاب النبي. ويقول ما يي يو إن وقاص هو سعد بن أبي وقاص، وانه عاد الى الحجاز، ويفترض أن الضريح الموجود له في الصين هو مقامه لا قبره، وحجج مايي يو غير نافذة " غير راجحة" ولم يرد ذكرها في مصادر السيرة النبوية ولكن الرواية التي انطلق منها تدعو إلى التفكير، فربما كانت المهمة سرية.

6- وفي أواخر الخلافة الأموية بدأ استيطان عربي في العاصمة الإمبراطورية تشانغ آن، وأسس أول مسجد فيها سنة 742 م، ويسمى مسجد مدينة شيان ولا يزال قائما داخل أسوارها القديمة بعد تجديده وتوسيعه في العهد الاشتراكي الماوي وهو أحد أضخم مساجد الصين، التي يتجاوز عددها أكثر من 35 ألف مسجد اليوم، وفي عام 1956، أي بعد ست سنوات من تأسيس جمهورية الصين الشعبية، أُعلن المسجد موقعاً تاريخياً وثقافياً محمياً على مستوى مقاطعة شنشي، وتمت ترقيته لاحقاً إلى موقع تاريخي وثقافي كبير محمي على المستوى الوطني عام 1988. ولا يزال المسجد يستخدم مكانا للعبادة من قبل المسلمين الصينيين، كما أنه يستقبل السياح والزوار يومياً، وتجاوز عدد زواره 10 ملايين زائر من 100 دولة حول العالم.

* المصدر: مختصرات من الباب الرابع/ الصين والإسلام، من كتاب " المستطرف الصيني/ هادي العلوي" ص 282 وما بعدها.

* كيف أنجد العباسيون الإمبراطور الصيني سو تسونغ بفيلق فرسان منتخبين ذوي سيوف باترة!

7- هناك اتصال آخر بين المسلمين والصينيين في عهد الخليفة عثمان، وهو ثابت ومدون في السجلات التأريخية لأسرة تانغ الإمبراطورية المعاصرة له. وينبغي أن يكون للوفد علاقة بلجوء ابن كسرى يزدجرد وتعيينه ضابطا في الحرس الإمبراطوري وسمح له ببناء معبد زرادشتي له ولأهله وحاشيته. ولم يرد خبر هذا الوفد أيضا في مصادرنا العربية.

8- وقبل بعثة عثمان، كانت وفادة الراهب الموصلي المسمى أو لو بين عام 635 وأوائل عهد عمر بن الخطاب. وكان الغرض وضع حجر أساس للتبشير المسيحي النسطوري في الصين، واستقبله الإمبراطور تاي تزونغ الثاني وسمح له ببناء كنيسة وهي أول كنيسة مسيحية في الصين.

9- وفي زحف المسلمين نحو الشرق وصلت جيوش قتيبة بن مسلم الباهلي إلى مشارف الصين ودخلت مدينة "كاشغر" وفي تاريخ الطبري تفاصيل ما حدث في هذا الخصوص من مفاوضات واتفاقات بين المسلمين والصينيين.

10- وفي عهد أبي جعفر المنصور العباسي طلب إمبراطور الصين سو تسونغ من الخليفة العباسي المساعدة العسكرية لإنقاذ عرشه من تمرد داخلي. ووصلت قوة منتخبة بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف فارس. وكانت القوة مزودة بسيوف قاطعة لم يسبق للصينيين أن استعملوها، وانضمت القوة الى الحرس الإمبراطوري - في المعركة ضد القوات المتمردة - ودحرت المتمردين وانتحر قائدهم الامبراطور مغتصب العرش. ويذكر المؤرخ "ويغر" أن مثل هذه النجدة قد تكررت في مجرى العصور. وقد قرر أفراد الفيلق العباسي المقاتل البقاء في الصين بعد انتهاء مهمتهم وتزوجوا من صينيات. وقد تمت النجدة في الخفاء - ولم ترد في المصادر العربية- لأنها مخالفة للشرع الإسلامي الذي لا يجيز للمسلم الدفاع عن الكافر إلا إذا كان من أهل الذمة "والصينيون لم يكونوا أهل ذمة فقهيا".

11- تناقل الصينيون أخبار السيوف العربية القاطعة فاستخدمها شاعر الصين الأعظم دو فو في تشبيهاته الشعرية فقال في قصيدة له: لا يقاربه في حدته إلا سيوف العرب.

12- مع احتدام الصراع السياسي والاجتماعي في الدولة الإسلامية صارت الصين والهند محطة لجوء للمعارضة الإسلامية. وتكونت جاليات إسلامية ضخمة من العرب والترك والفرس في مدن الجنوب الصيني أكبرها في مدينة كوانتشو "كانتون". وزادت كثيرا على مئة ألف نسمة. وتعرضت الى مجزرة عام 879م. وكادت المدينة تخلو منهم. ويغلب على ظني أن الدافع الى هذه المذبحة رد فعل اجتماعي "طبقي" أكثر منه قومي لأن الجالية المسلمة كانت تشتغل في التجارة وجمعت ثروات طائلة قد تكون أثارت الجمهور الصيني، أما الإمبراطور لم يتدخل فيها.

* أحد أحفاد الإمام علي يحكم مقاطعة يون نان الجرداء قبل 7 قرون ويحولها إلى جنات خضراء:

13- في أسرة يوان المغولية صار للمسلمين من العرب والفرس والأتراك حضور كبير كما وصل اليهود من العالم الإسلامي وبنوا أول كنيس يهودي في الصين عام 1227م. وكان قوبلاي خان الذي احتل الصين وأسس أسرة يوان قد اتخذ من رجل مسلم يدعى أحمد كبير كبيرا لوزرائه. وكان هذا الشخص طاغية ساهم في اضطهاد الصينيين وسبب استياء واسع في أوساط الهانيين بالخصوص، فدبر له الصينيون خطة ناجحة لاغتياله.

14- يرجع أول اتصال طبي بين الصين والمسلمين إلى أيام الرازي عن طريق طالب صيني تعلم على يديه ولما أراد الطالب الانصراف طلب من معلمه أن يملي عليه كتب جالينوس الستة عشر فكتبها بطريقة تسمى عندهم " المجموع" وهي نوع من الكتابة الاختزالية وهي طريقة متبعة حتى الآن.

15- وساهم المسلمون في المجال العسكري في الحكم المغولي وكانت لهم اليد الطولى وطوروا مدى المدافع الصينية البارودية.

16- العلويون في الصين: السيد الأجل هو لقب العلويين (المنتسبين الى نسل الإمام علي بن أبي طالب) في آسيا الوسطى، وورد اسم أحد كبرائهم باللغة الصينية باسم "سي ديان تشي تشو إن سي دين إي أمر"، (السيد الأجل شمس الدين عمر) الذي وصل الصين قبل سبعة قرون في بداية القرن الثالث عشر الميلادي. وانتدب السيد لإدارة مقاطعة يون نان جنوب الصين، وهي تفوق مساحة بريطانيا. يقول العلامة جوزيف نيدهام أنه عندما زار يون نان لأول مرة سنة 1942 أثارته الأشغال المائية التي أقامها السيد الأجل في حوض كونمينغ عاصمة المقاطعة. وكانت المقاطعة حين وصلها السيد الأجل خربة تعيش نهب الفيضانات والجفاف المتناوبين وخلال ست سنوات قام السيد الأجل بما يلي:

* نظم أهل المقاطعة لتعلم الحراثة والبذار.

* شرع في بناء الخزانات والسدود للحماية من الفيضانات والوقاية من الجفاف.

* عبأ الجيش لاستصلاح الأراضي ثم وزعها على ستة عشر ألف عائلة لاستزراعها.

* استصلح أراض طمرتها مياه الفيضانات مساحتها 250 كيلو متر مربع وحول إليها مياه نهرين وشغل ألفي عامل لبناء السدود والمسنيات فصارت جنائن تزرع الغلال الغذائية والاقتصادية.

* طور صناعة النسيج ومنها النسيج الحرير.

* أصلح النقل البري والمائي.

* بنى المدارس وطرق وجسور ومراكز البريد.

وحين توفي السيد الأجل خرج أهل يون نان يبكون وينوحون عليه في الشوارع وأحاطوا أسرته بالحب والرعاية، ويبلغ عدد المنتسبين الى أسرة السيد الأجل سبعة عشر ألف شخص في الصين اليوم. وقد تعرض المسلمون في يون نان الى الاضطهاد بعد طرد الاحتلال المغولي من قبل أسرة مينغ كمتعاونين مع المحتلين المغول ولكن مينغ لم يتطرف في هذا المنحى فإلى جانب روح التسامح الصينية مع الأجانب كان هناك حاجة إلى كفاءات هؤلاء المسلمين القادمين من مواطن حضارة راقية.

* المصدر: مختصرات من الباب الرابع/ الصين والإسلام، من كتاب " المستطرف الصيني/ هادي العلوي" ص 282 وما بعدها. يتبع في الجزء الثاني.

  

علاء اللامي