محمود محمد عليالتنوير هو لب حياتنا المعاصرة، ومن دونه لا يوجد علم ولا فكر ولا أدب أي إنجاز مفيد ونافع. وبالتنوير تتواصل الأمم والشعوب، وتتلاقح الحضارات، وتسمو المدنية، وتنشط الإنسانية. بهذا التوصيف حول التنوير ودوره في حياة العصر، يستهل الدكتور إسماعيل عبدالفتاح كتاب "التنوير ورواده في العالم العربي"، وهو كتاب تشارك فيه نخبة من مفكري مصر ومثقفيها، يعرضون فيه صفحات من حياة الرواد التنويريين في التاريخ المصري المعاصر.

ويعد محمد حسين هيكل أحد رواد الفكر التنويرى فى مصر، الذين فتحوا لأصحاب القلم والبيان كتابة التاريخ الإسلامي على نحو جديد يجمع إلى جانب العمق والتحليل العرض الجميل، والأسلوب الشائق، والربط المحكم بين أحداث التاريخ؛ كما كان من أهم وأشهر أدبائنا المعاصرين الذين نادوا بأن تكون مصر للمصريين،  وأحد الذين حملوا مبكراً لواء الدعوة إلى التطوير الأدبي والثورة على الكتابة الأدبية وأنساقها.. كان رصين الفكر قوي الموقف يلتقي لديه المنحى النظري بالممارسة على نحو من التآزر والانسجام .. وكان إلى ذلك كله يضرب في النقد الأدبي بسهم وله رصيد من تجربة النقد الفرنسي التي أحسن استيعابها، ومن تضلعه من الأدب العربي واللغة العربية والتاريخ الذي أحاط بهما، ومن ذوق سليم يهديه إلى مواطن الأصالة، وعناصر القوة في الأثر الأدبي، وأول ما يبدو للدارس من نقده أنه نأى عن القدح وإعلان المثالب مما كان يغلب على ما يكتب في الصحافة الأدبية في الثلث الأول من القرن العشرين، واقترب من الوقوف عند النص وبيان ما ينطوي عليه.

ويجمع كثير من المعاصرين للدكتور محمد حسين هيكل على أنه كان وديع النفس، جم الأدب، يميل إلى الدعابة في مجالسه، حاضر البديهة والمنطق الأدبي السليم، مثالاً للتواضع، لم تغير المناصب شيئًا من أخلاقه؛ علاوة على أنه كان منسجما سلوكه مع فكره، رصين البنيان لا تذهب به الزعازع جريئا في قول ما يراه صواباً يقول عنه توفيق الحكم في (عودة الوعي) وهو في سياق بيان ما أنشأته ثورة يوليو من (محكمة) تحكم رجال العهد السابق لزعزعة منزلتهم لدى الناس فكان منهم من اضطرب، واختل، وزلت قدمة وكان منهم – وهم قلة – من قال كلمة صدق وشجاعة كـ (السياسي الأديب الدكتور محمد حسين هيكل؛ سألته المحكمة : لماذا لم يقف في وجه طغيان فاروق وهو زعيم حزب؟ فردّ على ضباط المحكمة بهدوء لأن فاروق كان يخيفنا بكم أنتم يا رجال جيشه ! ألم يكن فاروق هو القائد الأعلى للجيش وأنتم رجاله؟.

وينفرد " محمد حسين هيكل" بين أبناء جيله في عالم الأدب والفكر بأشياء حاز بها السبق والريادة، فسبق غيره في تأليف أول رواية عربية بقصته الشهيرة زينب، وفتح لأصحاب القلم والبيان كتابة التاريخ الإسلامي على نحو جديد يجمع إلى جانب العمق والتحليل العرض الجميل، والأسلوب الشائق، والربط المحكم بين أحداث التاريخ، وكتب أيضًا أدب الرحلة، وسجل خواطره وما يجول في نفسه في كتابه الرائع في منزل الوحي، ودوَّن مذكراته السياسية، وما شاهده وشارك فيه من أحداث في كتابه مذكرات في السياسة المصرية، وحاز هذا السبق وهو غير متفرغ للعمل الأدبي، فقضى حياته كلها إما رئيسًا لتحرير جريدة أو وزيرًا في وزارة، أو زعيمًا لحزب، أو رئيسًا لمجلس الشيوخ، أو محاميًا في قاعات المحاكم.

كما انفرد هيكل بين أبناء جيله بأشياء حاز بها السبق والريادة، فسبق غيره في تأليف أول رواية عربية بقصته المعروفة "زَيّنَبْ"، وفتح لأصحاب القلم والبيان كتابة التاريخ الإسلامي، وكتب أيضًا أدب الرحلة، وسجَّل خواطره وما يجول في نفسه في كتابه الرائع في منزل الوحي، وقضى حياته كلها إما رئيسًا لتحرير جريدة أو وزيرًا في وزارة، أو زعيمًا لحزب، أو رئيسًا لمجلس الشيوخ، أو محاميًا في قاعات المحاكم.

اتصل هيكل بأحمد لطفي السيد وتأثر بأفكاره، كما تأثر بالشيخ محمد عبده وقاسم أمين وغيرهما، وشارك في وضع أول دستور صدر في مصر عام 1923، ولما أنشأ حزب الأحرار الدستوريين جريدة "السياسة الأسبوعية" عُيِّن هيكل في رئاسة تحريرها سنة 1926، واختير وزيراً للثقافة مرات عديدة، وتولى رئاسة حزب الأحرار الدستوريين، كما تولى رئاسة البرلمان، وكان ناشطاً في السياسة كما كان كاتباً بارزاً، وأديباً رفيع القدر جم الإنتاج، وأشاد معاصروه برجاحة عقله، ورزانته وتواضعه، وقد انضم هيكل إلى كثير من الهيئات العلمية، فكان عضواً في الجمعية المصرية للقانون الدولي والجمعية المصرية للدراسات التاريخية، واختير عضواً في مجمع اللغة العربية سنة 1940 فكان من الرعيل الأول لأعضاء المجمع، ويذكر له اقتراحه على المجمع بوضع "معجم خاص لألفاظ القرآن الكريم"، فوافق المجمع على اقتراحه، وكان من أعضاء اللجنة التي تألفت لوضع منهجه.

وتمر السنين والأعوام ويمضي بنا الزمان.. وتبقى الأعمال خالده.. فبالرغم من مرور 78 عام على رحيل محمد حسين هيكل، والملقب بأبو الرواية العربية، إلا أن أعماله وأفكاره مازالت معروفة ومتداولة ومحفورة بالكتب التى تدرس للطلاب والتلاميذ بالمراحل التعليمية المختلفة ليس فقط بمصر بل في العالم كله.

ولد محمد حسين هيكل فى قرية إحدى قرى مركز السنبلاوين بمحافظة الدقهلية، وذلك في العشرين من أغسطس من عام 1888م، ونشأ في أسرة على جانب من الجاه والثراء، والتحق بكتاب القرية، حيث حفظ القرآن الكريم، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة. التحق بمدرسة الجمالية الابتدائية بالقاهرة، وظلَّ بها حتى أتم دراسته بها، ثم انتقل إلى المدرسة الخديوية، وأتم دراسته بها، ثم التحق بمدرسة الحقوق الخديوية، اهتم بقراءة الأدب العربي القديم، في أمهاته المعروفة كالأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، والبيان والتبيين للجاحظ، وطالع عيون كتب الأدب الإنجليزي، وبعد تخرجه في مدرسة الحقوق سنة 1909 سافر على نفقته الخاصة إلى باريس؛ ليتم دراسته في الحقوق، ويحصل على إجازة الدكتوراه. واغتنم هيكل فرصة وجوده في فرنسا، فالتحق بمدرسة العلوم الاجتماعية العالية، وحصل فيها على دراسات مختلفة، وظلَّ هيكل في باريس ثلاث سنوات حصل في نهايتها على درجة الدكتوراه في الحقوق من جامعة باريس 1912 عن دَيّن مصر العام. عاد هيكل من باريس، واشتغل بالمحاماة في مدينة المنصورة فترة قصيرة، ثم تركها بعد اختياره للتدريس في الجامعة سنة 1917، ولم ينقطع طوال عمله عن ممارسة العمل الصحفي، وكتابة المقالات السياسية والفصول الأدبية في جريدة الأهرام، وجريدة الجريدة صحيفة حزب، ثم تخلص هيكل من قيد الوظيفة واستقال من الجامعة سنة 1922 وتفرَّغ للعمل السياسي، وترأس تحرير جريدة السياسة، ثم تولى رئاسة تحرير جريدة "السياسة الأسبوعية" سنة 1926. وقع عليه الاختيار ليعمل وزيرًا للمعارف في الوزارة التي شكلَّها محمد محمود باشا سنة 1938، لكن حياتها كانت قصيرة فاستقالت في السنة التالية، ثم عاد وزيرًا للمعارف للمرة الثانية سنة 1940 في وزارة حسين سري، وظلَّ بها حتى سنة 1942، ثم عاد وتولى هذا المنصب مرة ثالثة في سنة 1944، وأضيفت إليه وزارة الشؤون الاجتماعية سنة 1945. اختير سنة 1941 نائبًا لرئيس حزب الأحرار الدستوريين، ثم تولى رئاسة الحزب سنة 1943، وتولى رئاسة مجلس الشيوخ 1945 وظل يمارس رئاسة هذا المجلس التشريعي أكثر من خمس سنوات أرسى خلالها تقاليد دستورية أصيلة بمعاونة بعض أعضاء المجلس. وتولَّى هيكل تمثيل مصر في التوقيع على ميثاق جامعة الدول العربية سنة 1945، كما تولى تمثيلها في كثير من المحافل الدولية، فمثلها رئيسًا لوفد مصر في الأمم المتحدة أكثر من مرة سنة 1946 وما بعدها، وكانت له مواقف محمودة في قضيتي مصر وفلسطين. شهدت الحياة الفكرية لهيكل العديد من التغيرات.

وعلى الرغم من اشتغال هيكل بالحياة السياسية وانغماسه فيها بالعمل الصحفي مرة، أو باعتباره واحدًا من نجومها الذين خاضوا أعباء الوزارة، ومارسوا الزعامة الحزبية، فإن نشاطه الأدبي ظلَّ خصبًا، وتوالت كتبه ومؤلفاته تضرب في ميادين مختلفة شملت القصة، والتاريخ، والسير، والنقد الأدبي، وأدب الرحلة، وهو فيما يكتب أديب أصيل، متبوع لا تابع، رائد يفتح لغيره آفاقًا فسيحة في ميادين الأدب، وطالب حق يرتاد كل سبيل ليجد منافذ النور، لا معجب برأيه مغرور بما يكتب، مفتون به، لا يرى الحق في سواه؛ ولذلك انتقل من دائرة الدعوة إلى الحضارة الغربية تارة، وإلى الحضارة الفرعونية تارة أخرى، واستقر في ميدان الفكر الإسلامي داعيًا له يرى فيه وحده البذر الذي ينبت ويثمر، ففيه حياة تحرك النفوس، وتجعلها تهتز وتربو.

ومن قبل أن يستقر هيكل في ميدان الفكر الإسلامي كان أدب القصة أول ميدان يرتاده الدكتور هيكل، فكتب قصته "زَيّنَبْ" وهي أشهر أعماله هيكل الثقافية، وقد تختلف الأقوال حول قيمتها الفنية وجوانبها المختلفة، لكنها تتفق في كونها أول رواية عربية تلتزم بقواعد القصة الفنية. ألف العديد من الكتب منها، زَيّنَبْ، حياة مُحَمْد، هكذا خُلِقَت، مذكرات في السياسة المصرية، ولدي، ثورة الأدب، تراجم مصرية وغربية، الشرق الجديد، في منزل الوحي، الفاروق عُمَر.

وبعد حياة طويلة حافلة بجلائل الأعمال تُوفِّي الدكتور هيكل في الثامن من ديسمبر عام 1956 عن عمر ناهز 68 عامًا.. وللحديث بقية..

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل

..........................

هوامش المقال

1- محمد ولد محمد سالم: محمد حسين هيكل.. مؤلف أشهر سيرة نبوية،  مقال منشور بتاريخ 8  يونيو 2017 02:15 صباحا.

2- أحمد منصور: محمد حسين هيكل لقب بأبو الرواية العربية.. مقال منشور بتاريخ الجمعة، 20 أغسطس 2021 10:00 ص.

3- عمر حسام: فى ذكرى ميلاده .. محمد حسين هيكل مؤلف أول رواية عربية.. مقال منشور بتاريخ 2020-08-20 14:52

4- أحمد زلط، محمد حسين هيكل بَيْنَ الحضارتين الإسلامية والغربية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1988م.

 

 

سناء عبدالقادر مصطفىوصلت الى عدن قادماً من أوديسا بأوكرانيا في بداية  شهر أيلول/سبتمبر 1983 بعد انتهاء الإجازة الصيفية . دخلت غرفتي في كنيسة التواهي  حيث السكن الجامعي وعلى أمل أن ألتقي بصديقي المهندس عماد باحور ولكن فوجئت بعدم وجوده (قام عماد باحور في ربيع العام 1983 بتشغيل ماكنة طباعة ضخمة في دار 14 أكتوبر للطباعة والنشر في عدن  لقاء مبلغاً زهيداً قدره 150 ديناراً يمنياً، إذ كانت  الماكنة هدية من جمهورية ألمانيا الديمقراطية الى الدار ولم يتمكن الرفاق اليمنيون من تشغيلها آنذاك. فقد كان عليهم أن يستقدموا خبيراً من ألمانيا الديمقراطية للقيام بذلك وهذا يكلفهم كثيرا). جلست برهة من الزمن أتطلع في جدران الغرفة، وإذ يدخل جيراني من الغرفة الثانية داخل عودة الملقب بأبو عذاب ذا المسحة الجنوبية السمراء من جنوب العراق وبالذات من قضاء نقرة السلمان والذي كان يعمل محاضراً في كلية القانون بجامعة عدن، قال لي بأن عماد باحور قد سافر الى دمشق قبل أكثر من شهر. سألته وكيف قام بتذليل صعوبة سفره الى سوريا؟ هل تمكن من الحصول على جواز سفر يمني جنوبي بمساعدة بعض الأصدقاء اليمنيين في عدن؟ أجابني : كلا ولكن قاموا بتسهيل  سفره من مطار عدن.  انتابني الحزن وفكرت مليا كيف يمكن أن أقضي وقتي دون أحاديث عماد الشيقة.

ذهبت عصر ذلك اليوم لزيارة د. حسين عبد المجيد أحمد الذي كان يسكن في حي خور مكسر، ولكني وجدته مشغولا في اجتماع حزبي في بيته، قال لي : اذهب لزيارة الدكتور عدنان الخزرجي أبو ياسمين (خريج ألمانيا الديمقراطية واختصاصه فلسفة، يحاضر في كلية التربية بجامعة عدن ) وانتظرني هناك ريثما ينتهي الاجتماع .  طرقت باب بيت الدكتور عدنان الخزرجي الذي رحب بي بكلمات قصيرة وسريعة وقال، أين أنت يا دكتور سناء، أنا لم أتمكن من السفر الى ألمانيا الديمقراطية بسببك وانتظر قدومك لأن الشقة التي أسكن فيها هي لك والجامعة تعرف ذلك وكذلك منظمة الحزب (يقصد منظمة الحزب الشيوعي العراقي في اليمن).  استغربت لهذا الخبر وقلت له : عزيزي دكتور عدنان، لم تمضي أكثر من ثلاثة ساعات على وصولي من موسكو ولا أعرف أي شيء عن الموضوع. أرجو أن تهديء من روعك. وسوف أذهب الى منظمة حشع في اليمن واستطلع الأمر. وقع الخبر علي كالصاعقة، ذهبت الى المنظمة وقابلت هناك دكتور رحيم عجينة سكرتير المنظمة الذي أكد الموضوع. قلت له هذا شيء جيد لأنني عملت دعوة لزوجتي والتي سوف تصل في الأشهر القادمة من الاتحاد السوفيتي، قال لي رحيم عجينة بأن المنظمة سوف تستخدم الشقة بشكل مؤقت لإسكان بعض الرفاق القادمين من الخارج الى اليمن وذلك لقربها من المطار. كان يسكن في الشقة حسب ما أتذكر خمسة أشخاص، أربعة منهم خريجي الاتحاد السوفيتي وأعرفهم بشكل جيد (زيا كوركيس نعمان ( اقتصاد - أوديسا)، ابراهيم السماوي (صحفي-لينينغراد) وأحمد الدوري( اقتصاد - كييف) وقاسم التميمي ( مهندس مدني - كييف)،. ثلاثة من هؤلاء الأربعة يحملون شهادة الدكتوراه (زيا وابراهيم وأحمد) ومتزوجين من نساء سوفيتيات مثلي.

بعد مرور اسبوع أو أكثر جاء أبو زينب (مسؤول العلاقات الخارجية والاسكان في منظمة حشع في اليمن الديمقراطي) الى غرفتي في الكنيسة بالتواهي ومعه اثنان من خريجي الاتحاد السوفيتي وهما حميد دولاب -خريج جامعة الصداقة  في موسكو - تخصص تاريخ وعلي حسين سلطان-خريج معهد الطباعة  في موسكووقال لي بأنهم سوف يسكنون معك في الغرفة. صرنا ثلاثة أشخاص في غرفة مساحتها حوالي عشرة أمتار مربعة.  

لقاء سلام عبود بعد مرور 12 سنة من فراقنا

في تلك الفترة الزمنية وبعد طرد 34 رفيقاً من الحزب حسبما أشرت الى ذلك في الحلقة الثانية من الذكريات. ذهبت  في أحد الأيام الى مطار عدن لتوديع الدكتور جلال خضير الزبيدي وعائلته قبل سفرهما الى الجزائر، وإذا بشخص واقف عند مدخل المطار، ممتليء  الجسم وطويل القامة وذو شاربين كثيفين يؤشر لي باصبعه، بمعنى تعال الى هنا؟؟!!  ارتبكت للوهلة الأولى ولكن بعد الاقتراب منه عرفت أنه سلام عبود. تعانقنا بحرارة بعد مرور أكثر من 12 سنة على فراقنا. رجوته ان ينتظرني ريثما أودع دكتور جلال الزبيدي وعائلته. رجعت اليه بعد مرور فترة قصيرة من الوقت.  ذهبت مع سلام عبود في سيارته الى مطعم في التواهي حيث دعاني الى تناول طعام الغداء والذي كان سمك الملك King Fish المقلي مع البطاطة المقلية والسلطة. بدأنا بحديث متشعب المواضيع حول أوضاع العراق والحرب العراقية-الإيرانية وعرًجنا الى الحالة التي يمر بها الحزب الشيوعي العراقي وكذلك عملية اغتيال الدكتور توفيق رشدي واستشهاده بعد اصابته بثمانية رصاصات من قبل أحد موظفي السفارة العراقية في عدن أمام بيته في حي المنصورة بعدن.  توقفنا كثيرا عند هذا الحدث وملابساته المتشعبة ومن ثم محاكمة الجناة في المحكمة الخاصة التي شكلت خصيصا لهذه الجريمة البشعة التي وقعت في العام 1979 في عهد الرئيس عبد الفتاح اسماعيل. تعددت لقائاتي بسلام عبود وخصوصا أيام الجمع حينما كنا نذهب بسيارته الى ساحل البريقة  الذي يبعد عن عدن حوالي 20 كم للسباحة والاستجمام.

قال لي سلام في احد الأيام كن حذرا لأنه قد تتعرض الى مشاكل مع المنظمة بسببي، جاوبته بأني مستعد لذلك ولا أريد أن أفرط بعلاقتي معك بسبب أهواء  قيادة المنظمة وتصرفاتهم الغبية وغير الموضوعية  وخصوصا بعد الذي حدث مع الكثير من الرفاق في اليمن وطرد 34 رفيقا من الحزب .

وصول زوجتي الى مطار عدن

اقترب موعد وصول زوجتي في شهر شباط من العام 1984 فقمت بطلاء جدران الشقة بدهان بنتلايت سماوي اللون بمساعدة الصديق العزيز أبو أمير الذي تربطني به علاقة صداقة حميمة من العراق منذ سبعينيات القرن الماضي ولحد الأن. راجعت المنظمة عدة مرات حول موضوع تحويل الرفاق اللذين يسكنون في الشقة الى مكان آخرولكن دون جدوى. بدأت أشعر بأن الموضوع لا تريد المنظمة أن تحله بشكل حضاري وأخلاقي وقامت بالكذب علي والاستخفاف بي. راجعت دائرة السكن في جامعة عدن حول الموضوع وطلبت منهم ارسال سيارة من الجامعة لنقل حاجياتي الشخصية من التواهي الى خور مكسر. كان في عصر ذلك اليوم امسية ثقافية في مقر جمعية الصحفيين اليمنيين الديمقراطيين في التواهي حسبما أتذكر. ذهبت الى هناك وسلمت مفتاح الغرفة الى حميد دولاب وفي الطريق رأيت د. رحيم عجينة وظهرت علية علامات التجهم وعدم الارتياح. لم أعطي الأمر أهمية وقررت المضي في طريقي. وصلت الشقة في خور مكسر بمعية موظف الجامعة الذي ساعدني في نقل حاجياتي الى داخل البيت. حصل ارتياب وتعجب من ساكني الشقة. شرحت لهم الأمر بالتفصيل وقرأت لهم البرقية التي استلمتها من زوجتي تخبرني فيها بموعد وصولها الى عدن قادمة من موسكو وفيها رقم رحلة الخطوط الجوية السوفيتية- الايروفلوت. بدأ التململ وعدم الارتياح من قبل الاصدقاء الساكنين في شقتي و ما سوف توؤل له الأمور وكيف ستقوم المنظمة بحل الموضوع .

 ذهبت في اليوم التالي الى مكتب الايروفلوت الكائن في منطقة المعلا في عدن وحصلت على وقت وصول الطائرة بالضبط الى مطار عدن الذي كان في الساعة الخامسة من صباح احد أيام شهر شباط 1984 .

قبل يوم من وصول زوجتي الى عدن ذهبت الى مقر المنظمة وقابلت د. رحيم عجينة ومعي برقية زوجتي وفيها تاريخ ووقت وصولها الى مطار عدن. رجوته أن ينقل الرفاق الساكنين معي في الشقة الى مكان آخر كما وعدني قبل عدة شهور. أقترح علي  أولاَ بأن أسكن مع د. حسين عبد المجيد وزوجته التي كانت حاملا وقتذاك، رفضت الموضوع لأن حسين مدمن على شرب الكحول وهو يعرف ذلك جيدا وكثير من العراقيين يعرفون ذلك وبالإضافة الى أن زوجته حامل وهذا غير لائق. جاوبني بالحرف الواحد: اذا كنت تحب زوجتك، استأجرغرفة في الفندق وأقم معها هناك، جاوبته أن راتبي  الشهري هو 270 دينارا وأجرة غرفة واحدة في الفندق هي 10 دنانير، معنى ذلك يجب  أن أدفع 300 دينار شهرياً، وهذا معناه أن الراتب حتى لا يكفي  لدفع ايجار الغرفة الشهري. وكيف أعيش بعد ذلك ؟؟؟!!، وزيادة على ذلك يوجد في عقد عملي مع جامعة عدن فقرة  تنص بأن الجامعة توفر لي مكان سكن مع عائلتي ويجب أن أسكن فيه.

جاوبني بعد أن وضعته في موقف محرج، اذهب الى البيت وسوف اناقش الأمر مع الرفاق في المنظمة. كان جالس بالقرب منه رضا الظاهر أبو نادية (عضو منظمة حشع في اليمن آنذاك)، لاحظت عليه عدم الارتياح وهو يفرك يديه وقلق ولا يعرف ماذا يجاوب بعد أن سمع نقاشي مع رحيم عجينة (كان رحيم عجينة عضو اللجنة المركزية  في حشع حينذاك).

رجعت الى البيت وأنا متوتر الأعصاب وأشعر بأني أمام معركة حاسمة ولا تحمد عقباها مع منظمة حشع في اليمن. دخلت البيت وشرحت للأصدقاء الساكنين معي ما جرى من حديث في مقر المنظمة وقلت لهم بالحرف الواحد: أرجو أن لا تدق المنظمة حجر أسفين بيني وبينكم وأنكم متزوجين من سيدات سوفيتيات وعندكم أطفال وسوف يحدث معكم مثلما يحدث معي الآن. أرجو منكم أن تفهموا موقفي. خيم  هدوء مطبق على وجوه أصدقاء الدراسة في الاتحاد السوفيتي ولاذوا بالصمت.  ومن ثم خرجوا من البيت الى مقر منظمة الحزب التي يبعد عن السكن بحدود 10 دقائق مشياُ على الأقدام.

بعد مرور ساعة من الزمن، دخل أبو زهير(أحد عيون منظمة حشع في اليمن) ومعه زيا نعمان وابراهيم السماوي وأحمد الدوري وقاسم التميمي والشخص السادس الذي لا أتذكر اسمه ومعهم وهاب الجبوري(يحمل دكتوراه في القانون من جامعة لينينغراد وصديق ابراهيم السماوي). قال لي أبو زهير بأن قرار المنظمة هوأن يبقوا الرفاق ساكنين معك في الشقة. دخل على النقاش وهاب الجبوري ليدعم قرار المنظمة وبشكل فضولي ليجعل من نفسه محامي للمنظمة. قلت له بأنك تحمل الدكتوراه في القانون ولا تعرف من القانون شيئا وأنت انسان فضولي ومتزلف للمنظمة فاخرج من البيت. احتدم النقاش بدون فائدة. سكت الجميع بعد ذلك وساد البيت صمت مطبق. اصبح الوقت متأخراً من الليل وقد ذهب الجميع الى الفراش للنوم. لم تغمض لي عين وبدأت أدخن بشراهة لا سابق لها.  ولا اتذكر كيف غفيت في نوم قلق. استيقظت مذعورا في الساعة الرابعة صباحا وخرجت مسرعا لأبحث عن سيارة تقلني الى مطار عدن . وصلت المطار ولم أجد أي مسافر قادم من موسكو. سألت موظفي المطار عن وصول طائرة الايروفلوت من موسكو، كان جوابهم بأن الطائرة وصلت قبل ساعة وخرج جميع المسافرين من المطار. صرت أبحث عن زوجتي  في أروقة المطار ولكن لم أجدها.  

رجعت الى البيت ولم أجدها هناك، حينها قررت الذهاب الى رئآسة جامعة عدن  التي تقع في مدينة الشعب وتبعد عن خور مكسر بحدود 20 كم لشرح الموضوع لمدير دائرة السكن في الجامعة. وما أن دخلت مكتب المدير حتى قال لي أنه قام بإيصال زوجتي بسيارة الجامعة الى البيت في خور مكسر وأضاف بأنها وصلت الى رئاسة الجامعة بسيارة أجرة من المطار وقمنا بدفع اجرة التكسي. شكرته بحرارة وقفلت راجعا الى البيت في خور مكسر. سوف أكمل في الحلقة الرابعة كيف قمت بحل مشكلة السكن مع سكرتير منظمة حشع في اليمن الديمقراطي الدكتور رحيم عجينة.

 

أ. د. سناء عبد القادر مصطفى

  

محمود محمد عليالحركات النسائية والتحدث عن تأثير دور المرأة في المجتمع ليس شيئا حديثا على التاريخ المصري الذي يزخم بالعديد من أسماء النساء اللاتي استطعن أن يُنيرن الطريق أمام الكثير من السيدات بعدهن. ومن هذه الأسماء إحدى رائدات التعليم في مصر وهى "نبوية موسى محمد بدوية"  (1886-1951) والتي تعد أول فتاة مصرية تحصل على شهادة البكالوريا وأول ناظرة مصرية لمدرسة ابتدائية.

كما تعد نبوية موسى كاتبة ومفكرة وأديبة مصرية، وهي إحدى رائدات التعليم والعمل الاجتماعي خلال النصف الأول من القرن العشرين، وهي أول ناظرة مصرية، وكانت من رعاة الدكتورة سميرة موسى عالمة الذرة المصرية، وكانت من رائدات العمل الوطني وتحرير المرأة والحركات النسائية المصرية القرن الماضي.

كانت المساواة شعار نبوية موسى؛ فلم تقبل أن تأخذ المرأة نصف راتب الرجل، فقررت دخول معركة البكالوريا -الشهادة الجامعية- لتتساوى مع خريجى المعلمين العليا، ولذلك أنشأت الحكومة لجنة خاصة لامتحانها ونجحت في النهاية.

ولدت نبوية موسى محمد بدوية في 17 ديسمبر 1886 بقرية كفر الحكما بندر الزقازيق، محافظة الشرقية. كان والدها ضابطًا بالجيش المصري برتبة يوزباشي، يمتلك في بلدته بمديرية القليوبية منزلًا ريفيًا كبيرًا وبضعة فدادين يؤجرها حين يعود لمقر عمله. ويشار إلى سفر والد نبوية إلى السودان قبل ميلادها بشهرين؛ فنشأت يتيمة الأب ولم تره كما تقول إلا في المنام. عاشت هي ووالدتها وشقيقها محمد موسى، الذي يكبرها بعشر سنوات، في القاهرة؛ لوجود أخيها بالمدرسة، واعتمدت الأسرة على معاش الأب وما تركه من أطيان. وفي طفولتها ساعدها شقيقها على تعلم القراءة والكتابة في المنزل، فتعلمت نبوية مبادئ القراءة والكتابة، وعلمت نفسها مبادئ الحساب، وعلمها أخوها اللغة الإنجليزية. ويشار إلى تعلمها الكتابة عن طريق محاكاة النصوص المكتوبة. ولما بلغت نبوية الثالثة عشرة من عمرها تطلعت لاستكمال تعليمها، غير أنها لم تجد أي مساندة من عائلتها عند اتخاذها هذا القرار، وجاء بعض من ردود كبار العائلة لنبوية صادمة ومنها: «عيب، مش أصول بنات العائلات، سفور وقلة حياء». وقال لها عمها "البنت للغزل مش للخط" كما ذكرت في كتابها  "حياتي بقلمي" الذي يحوي سيرتها الذاتية.

تقول نبوية موسى في تقديمها لسيرتها الذاتية، التي جاءت تحت عنوان «تاريخي بقلمي»: «أنشأت مجلة "الفتاة" في أكتوبر سنة 1937، وأخذت أكتب فيها بعض ذكرياتي، فأقبل الناس عليها، وطلب مني كثيرون أن أدونها في كتاب، وتلبية لهذا الطلب قمت بسرد ذكرياتي حسب تاريخ حدوثها في حياتي، فكتبت تاريخاً مفصلاً لما تكبدته من مشاق، وما شعرت به أحيانا من اغتباط، إن كان في ذلك التاريخ معنى للاغتباط، وهو تحليل نفسي لفتاة قضت عمرها في جهاد مستمر وهي نفسها لا تعرف إلى الآن أكان سبب هذا الجهاد والنضال المستمر خطأ صدر منها أو هو خطأ المقادير، لهذا أروي تاريخي بالتفصيل وأترك للقارئ الكريم بعد هذا الحكم لي أو علي، وسأتحرى الصدق فيما أكتبه ليبني القارئ رأيه على حقيقة واضحة لديه".

تقص نبوية موسى في مذكراتها رحلتها مع التعليم، وتذكر الكيفية التي تعلمت بها مبادئ القراءة والكتابة في البيت مثلها في ذلك مثل بنات جنسها وطبقتها الوسطى، وتصف كيف تعلمت القراءة من خلال تذوقها الشعر العربي، فكانت تحفظ القصائد العربية التي يرددها شقيقها، وكان يكبرها بعشرة أعوام ثم من خلال التدريب على قراءتها علمت نفسها القراءة، أما الكتابة فقد تعلمتها عن طريق محاكاة النصوص المكتوبة، وهو ما تصفه بقولها: ولما كنت قد حفظت «أي القصيدة» عن ظهر قلب قبل أن أقرأها، فقد كنت أتعلم منها القراءة، ثم ملت بعد هذا إلى الكتابة محاكية ما قرأته".

ولم تكتف نبوية موسى بهذا القدر من العلم، وإنما أصرت على الالتحاق بالتعليم المدرسي، وهو ما لم يكن مقبولاً أو مستساغاً اجتماعياً في بدايات القرن العشرين، فكان عليها بالتالي مواجهة قوتين معارضتين لها وهي الأسرة والمجتمع بشكل عام، وكانت قد قررت الالتحاق بالسنة الثالثة في المدرسة السنية، وهو ما يتطلب معرفتها بمبادئ الحساب، ولما رفضت والدتها تعيين معلم لها استعانت نبوية بأخيها ليأتيها بكتاب الحساب المقرر على السنة الثانية، وأخذت تعلم نفسها مبادئ الحساب، كما لجأت إلى أخيها ليعلمها كما تقول ألف باء اللغة الإنجليزية، مستعينة بالوقت القليل الذي تختلسه من أخيها متحملة تمنعه وسخريته مني.

وتشير نبوية موسى إلى رد فعل والدتها حيال سعيها الالتحاق بالمدرسة السنية، وهو ما اعتبرته والدتها «خروجاً على قواعد الأدب والحياء ومروقاً من التربية والدين»، وهو ما يعكس رؤية المجتمع آنذاك لخروج الفتاة إلى المدارس طلبا للعلم.

تقدمت في مادة اللغة العربية على محمود فهمي النقراشي (باشا)، وعباس محمود العقاد، حيث كانا بين زملائها في الدفعة، ونجحت في هذا العام من بين أربع فتيات فقط، ثم التحقت نبوية بالسنة الأولى في مدرسة معلمات السنية، وفي عام 1906 حصلت على دبلوم المعلمات ثم عينت مدرسة لغة عربية في مدرسة عباس الأول الأميرية بمرتب أربعة جنيهات مصرية، لترفع إلى ستة جنيهات بعد اجتياز مرحلة التمرين، في الوقت الذي يعين فيه خريج المعلمين العليا من الرجال بمرتب اثني عشر جنيهًا، ضعف هذا المرتب تقريبًا.

ولأن المساواة كانت شعارها تقدمت باحتجاج إلى وزارة المعارف تدين فيه هذه التفرقة فجاءها الرد بأن السبب هو حصولهم على البكالوريا، فعقدت العزم على  دخول المعركة لتتساوى معهم، وقد امتحنتها الحكومة في لجنة خاصة بسبب عدم وجود مدارس ثانوية للبنات بمصر آنذاك.

نجحت نبوية في الامتحان وحصلت على شهادة البكالوريا عام 1907 فكان لنجاحها ضجة كبرى، ثم حصلت على دبلوم المعلمات عام 1908.

إلى جانب إدارتها للمدارس قامت نبوية موسى بإنشاء مطبعة ومجلة أسبوعية نسائية باسم الفتاة، كما شاركت في كثير من المؤتمرات التربوية، ولها بعض المؤلفات الدراسية التي قررتها وزارة المعارف، وكان لنبوية موسى نشاط اجتماعي كبير من خلال الجمعيات والمؤتمرات النسائية على المستويين المحلي والعالمي. وأيضًا قامت بتأليف رواية تاريخية باسم "توب حتب" أو "الفضيلة المضطهدة"، ونشرت أيضًا في هذه الفترة ديوانها الشعري، وعرضت حياتها كاملة في كتاب "تاريخي بقلمي".

ومن ضمن الأسباب التي تجعل كتاب "تاريخي بقلمي" جديرًا بالقراءة أيضًا هو أن ملتقى المرأة والذاكرة– الذي قام بنشر هذا الكتاب- واجه صعوبات كثيرة في تقديمه للناس، فهو لم يتوفر في المكتبات الأكاديمية اللهم إلا "متحف التعليم في معهد البحوث والدراسات التربوية"، شاركت موسى في تأسيس الاتحاد النسائي المصري والعديد من الجمعيات النسوية.

بدأت تكتب المقالات الصحفية وتنشرها في بعض الصحف المصرية مثل "مصر الفتاة" و"الجريدة"، تناولت خلالها قضايا تعليمية واجتماعية وأدبية، كما ألفت كتابًا مدرسيًا بعنوان "ثمرة الحياة في تعليم الفتاة"، الذي قررته نظارة المعارف للمطالعة العربية في مدارسها.

وفي عام 1909، تولت نبوية نظارة المدرسة المحمدية الابتدائية للبنات بالفيوم، وبذلك أصبحت أول ناظرة مصرية لمدرسة ابتدائية، نجحت من خلالها في نشر تعليم البنات بالفيوم.

وبعد ثمانية أشهر من العمل تعرضت خلالها لمتاعب ممن ينظرون إلى المرأة المتعلمة نظرة متدنية، رشحها أحمد لطفي السيد ناظرة لمدرسة معلمات المنصورة، وهناك نهضت نبوية بالمدرسة نهضة كبيرة حتى حازت المركز الأول في امتحان كفاءة المعلمات الأولية.

أنشأت مطبعة ومجلة أسبوعية نسائية باسم "الفتاة" صدر العدد الأول في 20 أكتوبر 1937م، واستمرت المجلة تصدر لمدة خمس سنوات، ولكن توجهها السياسي  تسبب في عداء شديد مع حزب الوفد الذي أغلق مدارسها ومجلتها عقب توليه الحكم في فبراير 1942م.

استمر خصوم نبوية موسى في مؤامراتهم ضدها، واستطاعوا أن يقنعوا الإنجليز أن نبوية من الوطنيات المشتغلات بالسياسة فتم نقلها إلى القاهرة وأعيد تعيينها في المعارف بوظيفة وكيلة معلمات بولاق ثم تم ترقيتها في 1916م ناظرة لمدرسة معلمات الورديان بالإسكندرية، التي ظلت بها حتى عام 1920.

في الوقت الذي لم يكن لنبوية موسى عمل فعلي في الوزارة، أخذت تكتب في الصحف وتنشر مقالاتها في جريدة الأهرام، انتقدت فيها نظم التعليم في وزارة المعارف الأمر الذي أثار ثائرة المستشار الإنجليزي للمعارف فمنحها إجازة مفتوحة مدفوعة الأجر.

استغلت نبوية هذه الإجازة فسافرت إلى الإسكندرية عام 1920م، ونجحت بالاتفاق مع أعضاء جمعية ترقية الفتاة في تأسيس مدرسة ابتدائية حرة للبنات في الإسكندرية تولت إدارتها وأثبتت كفاءة ونجاحًا كبيرين، كما قامت في نفس العام  بنشر كتابها الذي دافعت فيه عن

كما شاركت أيضًا في الحركة النسائية وسافرت ضمن الوفد النسائي المصري إلى مؤتمر المرأة العالمي المنعقد في روما عام 1923، مما أثار خصومها فتم نقلها إلى القاهرة بوظيفة كبيرة مفتشات.

وفي سنة 1926،  شنت "نبوية موسى" هجومًا قاسيًا على وزارة المعارف وعلى الوزير مطالبة بتعديل برامج الوزارة، وقصر عمليات التفتيش في مدارس البنات على النساء فقط  دون الرجال أو حتى النساء الأجنبيات، ولما لم تجد نبوية جدوى من شكواها قررت تصعيد المسألة إلى الرأي العام المصري، فكتبت في جريدة السياسة اليومية مقالاً تحت عنوان "نظام تعليم البنات في إنجلترا ومصر".

فأصدر علي ماهر قراره بفصلها من عملها بالمدارس الحكومية، لكن القضاء أنصفها وأعاد لها اعتبارها، وقرر أن تدفع لها وزارة المعارف مبلغ خمسة آلاف وخمسمائة جنيه تعويضًا لها عن قرار فصلها من الخدمة.

انصرفت نبوية موسي منذ إنهاء خدمتها بالمعارف 1926م إلى الاهتمام بأمور التعليم في مدارسها الخاصة فارتفع شأن مدارس بنات الأشراف بالإسكندرية، وأنفقت مبلغ التعويض الذي حصلت عليه من المعارف على تطويرها فأصبحت من أفضل المدارس بناءً وتجهيزًا وإعدادًا وإدارة وتعليمًا.

وافتتحت فرعًا آخر لمدارسها بالقاهرة واستمرت أيضًا في تطويره وتوسيعه حتى أصبح مدرسة ومقرًا لإدارة جريدتها التي أنشأتها بعد ذلك، وقامت بإنشاء مطبعة ومجلة أسبوعية نسائية باسم الفتاة إلى جانب إدارتها للمدارس.

تبنت "نبوية موسى" العديد من الأفكار السياسية التي كانت أقرب إلى فكر النخبة من حزب الأمة وحزب الأحرار الدستوريين، حيث رفضت بشدة نظام الانتخابات المباشرة التي تعطي 85 % من الأميين حق البت في مسائل ومشكلات عويصة على فهمهم، ودعت إلى تعديل نظام الانتخابات ليصبح على درجتين.

هاجمت نبوية موسى الحكم الدستوري في مصر موضحة أن الحكومات الدستورية في البلاد العريقة في أصول الدستور قد تقيد البلاد كثيرًا، وكانت تدعو إلى الحكم الدكتاتوري لأن الوزارات البرلمانية ضعيفة.

كان لنبوية  العديد من الكتابات بجانب ديوان من الشعر يصنفها كأديبة وشاعرة مجيدة، كما لها قصص قصيرة مكتملة كتبتها في عام 1911 تضعها كإحدى رائدات القصة القصيرة، كتبت مسرحية بديعة عام 1932، التي استلهمتها من الحياة المصرية القديمة، وقد تم نشرها في المجلس الأعلى للثقافة في بدايات القرن 21.

بالإضافة لإنجازات نبوية موسى في التعليم وكتابة المقالات، فلها العديد من المؤلفات والكتب التي أثارت ضجة عند نشرها. فقد قامت بتأليف رواية تاريخية هى "توب حتب" وهى رواية تدور أحداثها في العصر الفرعوني ولكنها تُعتبر رمز لمصر في عصر نبوية موسى. تُسمى الرواية أيضا "الفضيلة المضطهدة" وتتحدث فيها نبوية عن الكثير من الأفكار الأخلاقية والعلمية من خلال "توب حتب" الشخصية الرئيسية في الرواية والتي تعمل رئيسة لدور النظام التابعة لدير آمون وهو المكان الذي تدور فيه أحداث الرواية.

دافعت نبوية موسى كثيرا عن مكانة المرأة وحاربت بشدة لتعليم الفتيات. ليس هذا فقط، فالكثير من كتاباتها وأفكارها كانت تُشجع على عمل المرأة وتعتبره جزء هام من نشاط المجتمع. حتى أنها ربطت بين تقدم المجتمع والاهتمام بالمرأة وضرورة إشاركها في العمل. فقد كانت ترى أن المرأة تضطر للعمل بالمهن الشاقة مثل التمريض وبيع الخضار والفاكهة، بينما يُهاجمها المجتمع إذا فكرت في العمل في المهن التي تحتاج لتفكير ومجهود ذهني وليس بدني. وتسائلت كثيرا لماذا هذه التفرقة. كما أسست نبوية موسى الحركة النسائية وسافرت بالوفد النسائي المصري لمؤتمر المرأة العالمي في روما عام 1923. وشجعت الكثير من النساء والفتيات على التعليم والعمل.

بشكل أو بآخر أثارت نبوية موسى الكثير من الجدل خلال حياتها، وتوفت في 30 إبريل عام 1951، بعد أن أثرت بمجهوداتها في مسيرة استرداد حقوق المرأة والعمل على رفع مكانتها في المجتمع.

ولم تكن الشاعرة نبوية موسى بأقل حالا من المناضلة والمفكرة، فتبقى كلماتها فى وصف أبطال مصر: "يا مصرُ يا فخر المدائن والقرى.. كم لجّ دهرك فى العناد وأكثرا! يا أم "آمـون" غدوت بحاجةٍ.. لذكائه المخبوء فى جوف الثّرى".

وقد صدر موخرا كتاب "نبوية موسى" ودورها في الحياة المصرية "لمؤلفه د. محمد أبو الإسعاد، أستاذ التاريخ الحديث، وذلك ضمن سلسلة مؤلفاته حول التعليم في مصر، ومنها تاريخ التعليم في مصر، وسياسة التعليم في مصر مجانية التعليم وغيرها من الكتب القيمة، وكتاب "نبوية موسى ودورها في الحياة المصرية" والذي نحن بصدده يقع في 150 صفحة من الحجم الصغير ويحتوي على مقدمة وأربعة فصول يعرض فيها المؤلف السيرة الذاتية لهذه المؤلفة باعتبارها نموذجًا فريدًا للفتاة المصرية القادرة على تجاوز واقعها، كما يتناول الكتاب دور نبوية موسى السياسي ومواقفها من تحرير المرأة".

ويرى المؤلف أن أفكار "«نبوية موسى" السياسية كانت أقرب إلى فكر النخبة من حزب الأمة وحزب الأحرار الدستوريين، فبالنسبة الى نظام الانتخاب الذي هو أساس الليبرالية السياسية النابية ترفض نبوية موسى بشدة نظام الانتخابات المباشرة التي تعطي 85% من الأميين حق البت في مسائل ومشكلات عويصة على فهمهم، وتدعو إلى تعديل نظام الانتخابات ليصبح على درجتين، وكانت نبوية موسى تهاجم الحكم الدستوري في مصر موضحة أن الحكومات الدستورية في البلاد العريقة في أصول الدستور قد تفيد البلاد كثيرًا، وكانت تدعو نبوية إلى الحكم الدكتاتوري لأن الوزارات البرلمانية ضعيفة.

أما في الجانب الاقتصادي، فإن نبوية موسى كانت من أنصار حرية المشروع الخاص، ولذلك ذهبت إلى أن تركيز الأعمال في يد الحكومات خطر على مال الدولة وسعادة الشعب، وانتقدت بشدة أسلوب الحكومات في التدخل في الأمور الاقتصادية وإدارة ذمة المشروعات الإنتاجية وقصورها عن أن تؤدي ذلك بنفس المستوى، الذي يؤديه أفراد الشعب وجماعاته في أعمالهم الخاصة.

كما أن الشعر كان وسيلة نبوية موسى في كسب عطف القصر الملكي ورضائه، شأنها في ذلك شأن كل شعراء العرب مع السلطة السياسية في كل العصور، واتخذت أيضًا نبوية فرص الشعر سبيلًا في دعم مدرستها الخاصة، وذلك كلما وجدت صعوبة أوقعتنا من جانب أجهزة الدولة.

يذكر المؤلف أيضًا أن نبوية موسى ربطت بين تقدم الأمم ووضع المرأة، وذهبت إلى القول إن تقدم المرأة هو سر تقدم الأمم وقارنت بين حضارة الرومان المتقدمة وحضارة الهنود المتأخرة، وأرجعت ذلك إلى أن الرومانيين كانوا يهتمون بشأن المرأة ويسعون إلى تحريرها، أما الهنود فكانوا يبالغون في استبعادها.

وعن الفروق الطبيعية بين الرجل والمرأة ذهبت «نبوية موسى» إلى أن الرجال قد غالوا في تعداد الفروق الكثيرة بين الرجل والمرأة حتى كاد الإنسان يظنها نوعين متباينين مع أن قوانين الطبيعة الثابتة تبين أنه لا اختلاف بين الذكر والأنثى إلا في مسألة التناسل، ودافعت أيضًا «نبوية موسى» عن حق المرأة في العمل وتساءلت لماذا رضي الرجال للفتاة أن تكون ممرضة ومولدة تخالط الأطباء وتخضع لهم، ويتحكمون فيها ما شاءوا.

وتصدت "نبوية موسى" للقول إن عاداتنا الشرقية لا تسمح للفتاة بالعمل، وطالبت بحق المرأة في العمل؛ لأن المعارضين لعمل المرأة يتجاهلون ما يرونه من حولهم، فالبائعة المصرية تئن تحت عبء ثقيل من الفاكهة والخضروات وتتقاذفها الطرقات، ويتناولها سفهاء الرجال بأنظارهم.. فالمرأة في مصر تشقى شقاءً حقيقيًا والمصرية ليست ممنوعة من جميع الأعمال الشاقة، وهذا ما يدل على أن المرأة مدفوعة بحكم الضرورة إلى العمل فقد قامت بتلك الأعمال الشاقة المتعبة، التي لا تحتاج إلى تعليم فلم تمنع النساء عندنا إلا من الأعمال الراقية فقط التي تحتاج إلى خبرة ودراية ويدفعن إلى العمل الشاق المتعب الذي لا كسب فيه إلا الكفاف.

ويتطرق المؤلف إلى موقف نبوية موسى من موضوع الحجاب، حيث اتسم بالتحفظ؛ لأن «قاسم أمين» اعتبر أول خطوة في سبيل حرية المرأة هو تمزيق الحجاب ومحو آثاره، ولكن نبوية موسى كانت تقول: إنه لا يمكن أن تقوم المرأة بأعمال نافعة إذا كانت تحت ضغط الحجاب، الذي كان معروفًا فيما مضى، ولهذا لم أضع على وجهي هذا الحجاب، الذي نص عليه الشرع، وبذلك اعتبرت نبوية موسى نفسها من أنصار السفور، لكنها خشيت أن تتكلم فيه أو تدعو إليه أو تعلن أنها من أنصاره فتلقى ما لقيه قاسم أمين من اتهامات بالرغبة في المجون والعربدة والانحلال.

ويذكر المؤلف أن نبوية موسى دعت إلى تشجيع التعليم الأهلي للبنات؛ لأن الأمة لا تنتج إلا إذا كانت نشيطة عاملة، ولا تكون نشيطة مادام نصفها أشل لا حياة فيه، فهو بمعزل عن أعمال الدنيا، وأصبحت نبوية موسى من أصحاب المدارس الأهلية عام 1920، وعُرفت مدرستها باسم مدرسة البنات الأشراف، وأصبح لها سمعة وشهرة كبيرة، وأصبحت مصروفاتها أكثر من مصروفات المدارس الأميرية وزاد الإقبال عليها، ثم قررت «نبوية موسى» أن تمد نشاطها من الإسكندرية إلى القاهرة، وكان لها مبنى مناسب في شارع العباسية ووسعت هذا المبنى وجعلته لائقًا وزودته بالأدوات التعليمية اللازمة، وبذلك أصبحت مدارس بنات الأشراف في الإسكندرية والقاهرة من أكبر المدارس الأهلية الحرة للبنات في مصر آنذاك.

ويشير المولف إلى أن نبوية موسى طالبت بتوحيد مناهج التعليم لكل من البنين والبنات، لأن المرأة كالرجل عقلًا وذكاءً، فما يصح في تنمية عقله يصح أن ينمي عقل المرأة، ويرى إدراكها عند غرس المعارف العمومية وتربية إدراك الأطفال، ولا بأس بعد ذلك أن يستعد كل منهم لعمله الخاص، واهتمت نبوية اهتمامًا خاصًا برياض الأطفال، ودعت إلى الاهتمام بأدب الأطفال، فالمطالعة لها تأثيرها الحسن في الأخلاق والمعارف، ولهذا كان أفضل المدارس ما اجتهد معلموها في تنمية حب المطالعة والبحث في نفوس الأطفال، ليستفيدوا إذا كبروا ما يغرس في نفوس التلاميذ في حب المطالعة والكتب والولوع بالبحث والكشف عن الحقيقة وذلك كما يقول الأستاذ أيمن رفعت.

وفي خاتمة الكتاب خلص المؤلف كما يقول الأستاذ أيمن رفعت إلى أن المزيج المصري الناتج من اتصال الحضارة الأوروبية الحديثة بالمجتمع المصري، تميز بتناقض شديد فلا هو استطاع أن يهضم الحضارة الأوروبية ويتمثل قيمتها ويعتنق مبادئها الإنسانية ولا هو استطاع أن يحافظ على أركان حضارته الإسلامية، ويتمسك بها، والنموذج هنا هو شخصية "نبوية موسى".. ففي الوقت الذي تتحدث فيه نبوية عن العلمانية مؤكدة أن الدين لله والوطن للجميع نجدها تتناقض مع نفسها بشدة عندما ترفع شعار الدولة الدينية، وتدعو إلى ترسيم الملك فاروق خليفة للمسلمين، وفي الوقت الذي تدعو فيه نبوية موسى إلى تحرر المرأة ترفض بشدة أن يتساوى الفقير بالغني حتى في أبسط الحقوق الإنسانية، كحق الرعاية الاجتماعية للأطفال المشردين وحق التعليم للفقراء..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...........................

المراجع

1- أماني عزام: نبوية موسى.. ذكرى ميلاد رائدة تعليم الفتيات في مصر.. الوفد .. الأربعاء, 17 ديسمبر 2014 14:14

2- مى إسماعيل : نبوية موسي.. ثمرة الحياة في تعليم الفتاة .. الأهرام .. الأربعاء 19 من جمادي الآخرة 1439 هــ 7 مارس 2018 السنة 142 العدد 47938

3-سمر جمال : في ذكرى ميلادها.. «نبوية موسى» أول رائدة تعليم الفتيات في مصر.. مقال نشر الثلاثاء 16/فبراير/2021 - 02:15 ص

4- أيمن رفعت: أضواء على دور الرائدة النسائية نبوية موسى في الحياة المصرية..أخبار الخليج .. العدد : ١٣٠١٣ - الجمعة ٨ نوفمبر ٢٠١٣ م، الموافق ٤ محرم ١٤٣٥ هـ

 

 

محمود محمد عليتحل اليوم الذكري الـ 80 على وفاة طلعت (25 نوفمبر 1867 - 13 أغسطس 1941) حرب أحد أعلام الاقتصاد المصري في العصر الحديث ومؤسس بنك مصر، والذي اتخذ من الاحتكار الأجنبي لمصر عدوًا له، وصاحب المبادرة في دعم الاقتصاد المصري بدعم البنوك الوطنية،وإنشاء العديد من الشركات التى ساهمت في تنشيط الاقتصاد، كان عضوًا بمجلس الشيوخ المصري، وهو مؤسس بنك مصر ومجموعة الشركات التابعة له، كما يعد أحد أهم أعلام الاقتصاد في تاريخ مصر ولقب بـ "أبو الاقتصاد المصري، فقد عمل على تحرير الاقتصاد المصري من التبعية الأجنبية وساهم في تأسيس بنك مصر والعديد من الشركات العملاقة التي تحمل اسم مصر مثل شركة مصر للغزل والنسيج ومصر للطيران ومصر للتأمين ومصر للمناجم والمحاجر ومصر لصناعة وتكرير البترول ومصر للسياحة وستديو مصر وغيرها.

علاوة علي سعيه لإنشاء  بنك وطني للتحرر من الاحتكار المصرفي الأجنبي، وساهم في إنشاء شركة التعاون المالي بهدف الإقراض المالي للمصريين، وفي عام 1920 أسس بنك مصر الذي كان نواة نهوضه باقتصاد البلاد، كما أنشأ شركات لدعم الصناعة المصرية وتحريرها من سيطرة الأجانب، ليكون بذلك أول من يضع حجر أساس النهضة الصناعية والتجارية في مصر.

ولا أنسي كلماته حين قال:" نطلب أن تكون مصر للمصريين ولكن مالنا لانعمل للوصول إليها؟ وهل يمكننا أن نصل إلى ذلك إلا إذا زاحم طبيبنا الطبيب الأوروبى ومهندسنا المهندس الأوروبى والتاجر منا التاجر الأجنبى فماذا يكون حالنا ولا (كبريته) يمكننا صنعها نوقد بها نارنا ولا إبرة لنخيط بها ملبسنا ولا فابريقة ننسج بها غزلنا ولا مركب أو سفينة نستحضر عليها ما يلزمنا فما بالنا عن ذلك لاهون ولانفكر فيما يجب علينا عمله وأرى شبابنا إن لم يستخدموا في الحكومة لايبرحون القهاوى وأرى المصرى يقترض المال بالربا ولا يرغب في تأسيس بنك يفك مضايقته» هذا كان جزءا من مقال كتبه أبوالاقتصاد المصرى طلعت حرب في صحيفة «الجريدة» عام 1907.

وقام عدد كبير من السياسيين والمفكرين والصحفيين بالدفاع عن طلعت حرب، مثل السياسى والمفكر فتحى رضوان (1911-1988) الذى انحاز بشدة لحرب فى كتابه «طلعت حرب..بحث فى العظمة» ورأى أن التاريخ لا يمكن أن ينكر فضل هذا الرجل وسيظل يعامله معاملة الأبطال والعظماء، إلا أنه حاول التزام الموضوعية وأورد فى كتابه بأن طلعت حرب أخطأ فى الاستئثار بالرأى والانفراد به، وأن كبار معاونيه لم يكونوا فى مستواه.

قدم طلعت حرب، رؤيته الفكرية واجتهاداته النظرية؛ وذلك من خلال كتابه "علاج مصر الاقتصادي وإنشاء بنك للمصريين"، حيث كان طلعت حرب ميالاً للفلاحين والفقراء؛ لأن معظمهم كان يضطر للاستدانة بشكل ربوي مجحف من بعض المرابين.

وقد بدأت تتبلور لدى طلعت حرب فكرة إنشاء بنك وطني للمصريين للتحرر من الاحتكار المصرفي الأجنبي، ولخدمة المشاريع الاقتصادية في مصر، واستطاع طلعت حرب في عام 1908 تأسيس شركة التعاون المالي برأس مال مصري؛ وذلك بهدف تقديم العديد من القروض المالية للشركات الصغيرة المتعسرة مادياً والإقراض المالي للمصريين، والتف حوله الكثيرون ونجحوا في تأسيس "بنك مصر" عام 1920.

ترجع فكرة إنشاء بنك مصري وطني إلى أيام محمد علي باشا، فعلى الرغم من أن محمد علي قبل وفاته أمر بإنشاء بنك برأسمال قدره 700 ألف ريال، لكن مشروع البنك انهار كسائر المشروعات لما أصابه المرض، وعادت فكرة إنشاء البنك عقب ثورة 1919.

أقنع طلعت حرب، 126 من المصريين بالاكتتاب لإنشاء البنك، وبلغ ما اكتتبوا به 80 ألف جنيه، تمثل 20 ألف سهم، أي أنهم جعلوا ثمن السهم 4 جنيهات فقط، وكان أكبر مساهم هو عبد العظيم المصري بك من أعيان مغاغة الذي اشترى ألف سهم·

ولد طلعت حرب بمنطقة الجمالية بالقاهرة، ثم التحق بالكتاب وحفظ القرآن قبل أن يتم دراسته بالمدرسة الخديوية في القاهرة، ويلتحق بعدها بمدرسة الحقوق الخديوية في 1885، التي كان لها دور مؤثر في تشكيل شخصيته وتحديد اتجاهاته، وتخرج في مدرسة الحقوق عام 1889 والتحق للعمل كمترجم بالقسم القضائى "بالدائرة السنية" ثم أصبح رئيسا لإدارة المحاسبات ثم مديراً لمكتب المنازعات حتى أصبح مديراً لقلم القضايا. وفى عام 1905 انتقل ليعمل مديراً لشركة كوم إمبو بمركزها الرئيسى بالقاهرة، ثم مديراً للشركة العقارية المصرية والتى عمل على تمصيرها حتى أصبحت غالبية أسهمها للمصريين، وفى عام 1910 حاولت الشركة المالكة لقناة السويس تقديم مقترح لمد امتياز الشركة 50 عاماً أخرى، إلا أن طلعت حرب ساهم فى حشد الرأى العام لرفض ومعارضة هذا المقترح وأصدر كتابه "مصر وقناة السويس"، حيث أثمرت هذه الجهود لاحقاً قيام مجلس النواب برفض هذا المقترح.

في عام 1911 قدم طلعت حرب رؤيته الفكرية واجتهاداته النظرية عن كيفية إحداث ثورته الثقافية وذلك من خلال كتابه "علاج مصر الاقتصادي وإنشاء بنك للمصريين"، كان طلعت حرب ميالاً (بشكل واعٍ) للفلاحين والفقراء حيث كان يضطر معظمهم للاستدانة بشكل ربوي مجحف من بعض المرابين، وساهم في الدفاع عنهم عند تصفية الدائرة السنية وسعى إلى بيع الأراضي للفلاحين الذين يزرعونها. كانت أسعار القطن عالمياً قد شهدت زيادة، لكنها لم تصب في صالح المزارع المصري البسيط، كذلك لم يكن هناك نظام مالي يدعمهم فرغم إنشاء البنك المصري (Bank of Egypt) والبنك الأهلي، لكنهما كانا مخصصين لتمويل الأجانب فقط، وتسببت ظروف الاستعمار وقتها في استنزاف موارد الاقتصاد المصري لمصالحهم فقط.

لذلك بدأ طلعت حرب دعواه عام 1906 من أجل إنشاء نظام مالي مصري خالص لخدمة أبناء الوطن وللسعي أيضا للتحرر من القيود الاستعمارية الاقتصادية، وقد لقيت دعواه استجابة واسعة،، استطاع طلعت حرب في عام 1908 تأسيس شركة التعاون المالي برأس مال مصري وذلك بهدف تقديم العديد من القروض المالية للشركات الصغيرة المتعسرة مادياً، وساعده أيضاً عودة الدكتور فؤاد سلطان من الخارج والذي كان يعد أحد أبرز الخبراء الاقتصاديين، وقام بتقديم الدعم الكامل لمساعي طلعت حرب.

كما قام طلعت حرب بإصدار كتابه "علاج مصر الاقتصادي" الذي طرح من خلاله فكرته في ضرورة إنشاء بنك للمصريين لخدمه المشاريع الاقتصادية في مصر والنظر في المشكلات الاجتماعية، تحمس الكثيرون لفكرته بالرغم من معارضة السلطات الإنجليزية، وقرر المجتمعون بالفعل تنفيذ فكرة حرب في إنشاء بنك مصر، لكن هذه الجهود تعطلت بسبب الحرب العالمية الأولى. وعادت فكرة إنشاء البنك عقب قيام ثورة 1919 في مصر.

وقد شارك طلعت حرب في ثورة 1919 وبدأت بعدها تتبلور فكرة بنك وطني للمصريين للتحرر من الاحتكار المصرفي الأجنبي، وساهم في إنشاء "شركة التعاون المالي" بهدف الإقراض المالي للمصريين، ومع انتشار دعوته التف حوله الكثيرون ونجحوا في تأسيس "بنك مصر" عام 1920، وفى مساء السابع من مايو 1920، احتفل بتأسيس (بنك مصر) في دارالأوبرا السلطانية، وبعد عامين تتابع مولد الشركات التي أسسها أو اشتراها ومنها شركة للغزل والنسيج بالمحلة ومصنع لحلج القطن وشركة لأعمال الأسمنت المسلح، ثم للصباغة، ثم للمناجم والمحاجر، ثم لتجارة وتصنيع الزيوت ثم مصر للتأمين ومصر للطيران واستديو مصر.

ويذكر د. يونان لبيب رزق في كتابه " فؤاد الأول المعلوم و المجهول " عن قصة إنشاء بنك مصر أن فكرة انشاء بنك مصري برأس مال وطني طُرحت علي الرأي العام لأول مرة في جريدة الأهرام في مقال كتبه طالب حقوق مصري اسمه محمد بدوي البيلي في ابريل من عام 1919م، أي بعد أقل من شهرين من قيام الثورة .

وكانت هذه المقالة هي شرارة بدء حملة صحفية كبيرة شارك فيها الطلبة والكتاب والصحفيين بمقالاتهم وأعمدتهم، حتي أصبح قيام هذا البنك مطلب شعبي مهم، ولم يمض علي الحملة شهرين حتي طارت الأخبار إلي الصحف أن بعض رجال الأعمال البشوات والأفندية قد بدأوا بالفعل في تأسيس بنك وطني مصري برأس مال مصري .

وفي 5 أبريل 1920 م، صدر المرسوم السلطاني من سلطان مصر أحمد فؤاد، بتأسيس شركة مساهمة تدعي بنك مصر من خمس مساهمين مصريين هم: أحمد مدحت يكن باشا، يوسف أصلان قطاوي باشا وهو من كبار الأعيان اليهود المصريين، ومحمد طلعت حرب بك، وعبد العظيم المصري بك، وعبد الحميد السيوفي بك، والطبيب فؤاد سلطان بك، واسكندر مسيحة افندي، وعباس بيسوني الخطيب افندي .

ورغم نجاح حرب إلا أن البنك تعرض لأزمة مالية كبيرة ضغط كلا من الحكومة المصرية وسلطات الاحتلال الإنجليزي، ورفض البنك الأهلي منحه قروض بضمان محفظة الأوراق المالية، وعندما لجأ طلعت حرب إلى وزير المالية أشترط وقتها أن يترك منصبه لعلاج الأزمة، مما أجبره على الاستقالة من البنك عام 1939.

كان لدى طلعت حرب العديد من المساهمات الأدبية والثقافية، أبرزها معارضته الشهيرة لكتابات وأفكار قاسم أمين التي جعلته يصدر كتابيه: تربية المرأة والحجاب وكتاب فصل الخطاب في المرأة والحجاب، كذلك لديه بعض المؤلفات الأخرى مثل: مصر وقناة السويس وتاريخ دول العرب والإسلام.

وفي عام 1940 فوجئ طلعت حرب بآلاف المودعين يسحبون أموالهم من البنك، وسحب صندوق توفير البريد لكل ودائعه من بنك مصر، واضطر حرب لتقديم استقالته وترك البنك، وقال جملته الشهيرة:"مادام في تركي حياة للبنك فأذهب أنا وليعيش البنك".

لم يصمد رجل الاقتصاد المصري كثيرًا أمام تلك الأزمة، وفي 13 أغسطس عام 1941 رحل عن عالمنا تاركًا صرحًا اقتصاديًا كبيرًا خلفه.

وحصل طلعت حرب على لقب الباشوية عام 1936، ومنح اسمه قلادة النيل العظمى عام 1985،  وأطلق اسمه على أحد أهم ميادين القاهرة، وأقيم له تمثال بنفس الميدان عام 1936.

وقد جاء الوداع المحدود البسيط لحرب عند وفاته ليثير انتقادات واسعة. فتحت عنوان «طلعت حرب باشا»، خرجت الأهرام فى العدد الصادر بتاريخ 14 أغسطس 1941 لتعلن عن وفاة أبو الاقتصاد المصرى، وهذا بعض ما ورد فى التقرير «فقدت مصر أمس ابنا من أبر أبنائها بها، ورجلا فذا كان فى الطليعة بين الرجال العاملين، هو المغفور له محمد طلعت حرب باشا، فعم لفقده الأسى، وكان لنعيه رنة حزن وأسف تردد صداها فى أرجاء البلاد جميعا، وقد أمر سعادة حافظ عفيفى باشا بإقفال ابواب البنك .. من الساعة التاسعة الى الساعة التاسعة والربع صباح اليوم حدادا على الفقيد، كما أمر بتنكيس العلم على دار البنك فى اثناء تشييع الجنازة من الساعة العاشرة الى الساعة الحادية عشرة صباحا».

وقد ثار غضب كثيرين من محبى طلعت حرب، ومنهم الشاعر الصحفى كامل الشناوى (1908-1965) الذى كتب فى عموده «خواطر مقيدة» بالأهرام، ومما جاء فيه «ومات طلعت حرب فكم كان عدد مشيعى جنازته وحاضرى مآتمه، أنهم لم يبلغوا ألفا فى أكبر تقدير، ولو شيع الجنازة كل الذين كان لطلعت حرب فضل خاص عليهم، لأربى عدد المشيعين على الثلاثين ألفا، ولو شيعها كل من كان لطلعت حرب فضل عام عليهم، لوجب أن يشيع الجنازة سبعة عشر مليونا، ياقلة رصيدنا من الوفاء، بل ياضيعة هذا الرصيد".

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.......................

1- مصطفي مراد: في ذكرى وفاته..تعرف على طلعت حرب"أبو الاقتصاد المصري".. البوابة نيوز .. الجمعة 13/أغسطس/2021 - 12:19 ص.

2- أحمد إبراهيم الشريف: طلعت حرب.. "أبو الاقتصاد المصرى" كيف كانت طفولته.. اليوم السابع .. نشر بتاريخ الأربعاء، 25 نوفمبر 2020 12:00 ص

3- طلعت حرب: من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة

4-سمير صالح: "طلعت حرب".. أبو الاقتصاد المصري.. الوطن المصرية .. 05:59 م | الخميس 13 أغسطس 2015.

 

الطيب النقرشاعرنا حسان الذي يجلو أبكار المعاني، ويبتدعها، يعود إلى بيت رفيع الدعائم، ومنزل معلوم المفاخر عند الخزرج والعرب قاطبة، فوالده ثابت بن المنذر بن عدي من بني مالك ابن النجار، من سادة قومه وأشرافهم، وبنو النجار تلك القبيلة الكبيرة التي كانت تقيم في المدينة مع الأوس، هم أخوال النبي الخاتم صلوات ربي وسلامه عليه، لأن أم جده عبد المطلب كانت منهم، وأم حسان التي كان بعض المناكفين له يدعونه بها، هي «الفريعة» بنت خالد بن حبيش خزرجية مثل أبيه، وقد أدركت الإسلام، ودخلت فيه وحسن إسلامها، ولد أبا الوليد وهذه كنيته، كما كان يُكنى بأبي عبد الرحمن، وأبا الحُسام نحو ستين عاماً قبل الإسلام، ونشأ وترعرع في «يثرب» تلك المدينة التي اصطفاها النبي صلى الله عليه وسلم على سائر المدن وخصاها برحلته التي غيرت مجرى الكون، «وكانت المدينة في العصر الجاهلي مجتمعاً صغيراً تسوده الحروب الدامية التي تقوم بين الأوس والخزرج، وبينهم وبين اليهود الذين كانوا قد استوطنوا المدينة. وكان جده المنذر محباً للسلم، ولما اختلفت الأوس والخزرج بعد يوم سُمَيْحة في أمر القتلى والديات، أهدر المنذر ديات قومه الخزرج واحتمل ديات القتلى من الأوس من ماله الخاص حرصاً على السلم»، واستمر ذلك البيت على تلك المآثر في الإسلام أيضاً، «فأبوه ثابت بن المنذر كان حكماً بين الأوس والخزرج في يوم سمير، وشهد أخوه أوس العقبة مع السبعين من الأنصار، كما آخى الرسول صلى الله عليه وسلم بينه وبين عثمان رضي الله عنه، وكان أحد شهداء يوم أحد»، كما كانت أسرته راسخة القدم في البيان، عريقة في قرض الشعر ونظمه، قال فيها المبرد: «وأعرق قوم كانوا في الشعر آل حسان، فإنهم كانوا يعتدون ستة في نسق، كلهم شاعر، وهم: سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام»، وتحكي لنا الكتب التي استوعبت أصول الأدب، وحوت أطرافه، أنّ عبد الرحمن ابن الجارية سيرين، تلك المرأة القبطية التي وهبها النبي صلى الله عليه وسلم لشاعره حسان، وهي كما نعلم شقيقة أم المؤمنين «ماريا القبطية» لسعه زنبور «فجاء أبوه يبكي، فقال له حسان: ما لك؟ فقال: لسعني طائر كأنه ملتف في بردي حبرة، فقال له حسان: لقد قلت والله الشعر»، كما كان خاله مسلمة بن مخلد من صاغة الشعر، وراضة القوافي، وأخته خولة لها شعر رقيق الحواشي، مليح الديباجة، وكانت ابنته ليلى كذلك، فقد قيل أن حسان قد جفا الرقاد، واكتحل السهاد ذات ليلة، فعّن له الشعر فقال:

وقافيـة قـد عجـت بـليـل رزيـنة تـلقـيت مــن جـو الـسماء نـزولـها

ثم أجبل حسان وسكت، وكانت ابنته معه فقالت له: كأنك اجبلت. قال حسان: أجل، قالت: أفأجيز عنك؟ قال حسان: وعندك ذلك؟ قالت: نعم. قال: فأفعلي. فقالت:

يـراهـا الـذي لـا يـنطق الـشعـر عنـده

ويـعجـز عـن أمثـالها أن يقـولهـا

فحمى حسان عندها وقال:

مـتاريـك أذنـاب الحقـوق إذا التـوت

أخذنـا الفـروع واجـتنـينا أصـولـها

فقالت:

مـقاويل بالـمعـروف حـرس عـن الخنـا

كـرام مـعـاطٍ للعـشيـرة سـولـها

فقال حسان: لا قلت شعراً وأنت حية

فقالت: أو أؤمنك؟ قال: وتفعلين؟ قالت: نعم لا قلت شعراً وأنت حي. فأسرة حسان موصولة النسب بالشعر يتوارثونه كابراً عن كابر.

لقد سخر حسان قريحته الشعرية التي تدفقت عليه منذ أنّ كان في معية الصبا، وطراءة السن، للذّب عن قومه الخزرج في عراكهم الذي لا تنقطع وتيرته مع الأوس، يحصي مناقبهم، ويعدد مفاخرهم، ويسجّل مآثرهم، ولقد دخل في عراك شعري محموم مع الشاعرين الأوسيين: قيس بن الخطيم وأبي قيس بن الأسلت. ومن بعض أشعاره التي تجسد تلك الفترة، أبيات يهجو فيها أبي قيس بن الأسلت هجاءً مقذعاً، ويطحنه فيها طحن الرحى، يقول فيها:

ألا أبـلـغْ أبـا قـيـسٍ رســولاً، إذا ألــقَى لــها ســـعاً تـبِينُ

نـسيتَ الجـسرَ يومَ أبي عــقيـلٍ وَعــندَكَ مـنْ وَقـائِعِنا يَقِــيـنُ

فـلسْـتُ لحاصـِنٍ إنْ لم تـزُرْكمْ خــلالَ الـدورِ مـشعـلة ٌ طـحونُ

يـديـنُ لهـا العـزيزُ إذا رآهـا، ويــهربُ مـن مخـافتها القـطـيـنُ

تَـشِيبُ النـّاهدُ العـذراءُ فيهـا ويـسقــطُ منْ مخـافـتهـا الجنـينُ

عـيْنَيـكَ القـوَاضِبُ حينَ تُعْـلى بهـا الأبـطـالُ والهـامُ السـكــونُ

تجـودُ بأنْـفُسِ الأبْطـالِ سُجْحاً وأنـتَ بنـفسـكَ الخـبُّ الضـنـنُ

ولا وقْـرٌ بسـمعِـكَ حِينَ تُدْعى ضـُحـى ً إذ لا تُـجِيـبُ ولا تـُعِينُ

ولقد أُوتي حسان من سعة الرزق، ونضرة الشباب، وشرف النسب، ومكانة الأسرة، والموهبة الشاعرة، والبيان الساحر، ما أتاح له أن يلهو ويبذخ، ويصبو ويطرب، فيعابث القيان، ويعاقر الخمر طوال نصف قرن، هو الزمن الذي انقضى من عمره المديد في الجاهلية، وهو على دين قومه. وبهذا الرغد في العيش، والانغماس في اللذات، وإيثار الترف على الشظف رقّ شعره، وصفا أسلوبه، وعذب لفظه، وغدا من أعلام الشعر في يثرب.

 

د. الطيب النقر

 

 

 

ضياء نافعالى المؤرخ العراقي الكبير أ.د. ابراهيم خليل العلاف، الذي يتابع و يؤرّخ – بموضوعية وابداع – كل ما يشاهد حوله .           

من الكليّات التي اندهشنا بوجودها عندما وصلنا عام 1959 للدراسة في جامعة موسكو هي كليّة التاريخ، اندهشنا، لأن التاريخ كان آنذاك بالنسبة لنا- نحن العراقيين - قسم علمي في كلية الاداب بجامعة بغداد ليس الا، ولكننا اكتشفنا، ان هناك كليّة خاصة باكملها للتاريخ بجامعة موسكو، وانها قد تأسست عام 1934، واندهشنا ايضا عندما وجدنا، ان هذه الكليّة تحتوي على العديد من الاقسام العلمية المتشعبة جدا، والتي ترتبط طبعا بالدراسة العلمية المتخصصة والمعمقة لتاريخ روسيا قبل كل شئ وفي كافة مراحله،وكذلك لتاريخ العالم ايضا وباكمله، ونود هنا (في تعريفنا السريع والمبسّط لكليّة التاريخ) ان نشير قبل كل شئ الى تسميات الاقسام العلمية الموجودة في تلك الكليّة (والتي يعمل فيها أكثر من 300 تدريسي متخصص في علم التاريخ) دون تفصيلات وشروحات اضافية حول مهمات تلك الاقسام العلمية، اذ ان التسميات بحد ذاتها تتكلم بشكل واضح عن ذلك، فالتسميات نفسها وبحد ذاتها تعني ما تعنيه، والاقسام العلمية هذه هي كما يأتي –

 قسم تاريخ روسيا الى بداية القرن التاسع عشر// قسم تاريخ روسيا في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين// قسم تاريخ روسيا في القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين // قسم علم مصادر التاريخ الروسي // قسم تاريخ العالم القديم // قسم تاريخ القرون الوسطى // قسم تاريخ بلدان اوروبا وامريكا الحديث والمعاصر // قسم تاريخ السلاف الجنوبيين والغربيين // قسم الاثار القديمة (اركيولوجيا) //    // قسم تاريخ الحركات الاجتماعية والاحزاب السياسية في روسيا // قسم تاريخ بلدان الشرق الادنى الاجنبية // قسم تاريخ الكنيسة // قسم الاعلام التاريخي // قسم اللغات القديمة // قسم اللغات الاجنبية // قسم تاريخ الفنون الوطنية // قسم التاريخ الشامل للفنون.

 وعدا هذه الاقسام العلمية، توجد في كليّة التاريخ مختبرات (نعم مختبرات !)، وهي –

مختبر دراسة النصوص القديمة // مختبر التاريخ البيزنطي وما وراء البحر الاسود // مختبر تاريخ الثقافة الروسية // مختبر تاريخ العلاقات القومية بروسيا القرن 20 // مختبر التاريخ الحديث والمعاصر لبلدان اوروبا وامريكا // مختبر الجاليات والهجرة .

 واضافة الى كل تلك الاقسام العلمية والمختبرات، يوجد في كليّة التاريخ ايضا مركزان علميّان هما – المركز الاعلامي – التحليلي للمشاكل النظرية في العلوم التاريخية // و// مركز الدراسات الاوكرانية والبيلوروسية .

 وتم في عام 1985 تأسيس (غرفة المجد الحربي لكلية التاريخ)، والتي تدرس وتدوّن تاريخ الكلية ومشاركة طلبتها وموظفيها واساتذتها في الحرب العالمية الثانية، والتي يسميها الروس الحرب الوطنية العظمى .

بعد هذا التعريف العام لكليّة التاريخ بجامعة موسكو، هل يمكن لنا ان نتحدث عن امكانية تأسيس كلية تاريخ عندنا؟ دردشنا حول هذا الموضوع مع مجموعة من الزملاء، وقد اتفقنا بالاجماع (وهي حالة نادرة بيننا!) بشأن عدم امكانية ذلك في ظروف بلادنا، لا في الوقت الحاضر ولا في المستقبل المنظور، وتحدثنا عن قسم التاريخ وقسم الآثار في كلية الاداب بجامعة بغداد، وقال احد المتابعين، ان القسم الاول هو توأم للقسم الثاني، فكلاهما واقعيا يدرسان التاريخ، ولكن قسم الآثار يدرس تاريخ الحضارات القديمة في وادي الرافدين حصرا، اما قسم التاريخ فانه يدرس تاريخ العراق الحديث والمعاصر وعلاقاته مع دول الجوار ومع العالم العربي وبقية دول العالم التي يرتبط بها بشكل او بآخر، ولا يدرس مواضيع تاريخية اخرى خارج هذا الاطار، وتشعبت الدردشة طبعا، وتساءل البعض، أليس من الضروري ان يكون لدينا متخصص في تاريخ امريكا وروسيا والصين وانكلترا وفرنسا والمانيا وووو، او، في الاقل متخصص في تاريخ اوروبا، او افريقيا، او آسيا، متخصص يعرف دقائق تفصيلية حول تلك البلدان والقارات، ويعرف كيف يجيب عن الاسئلة الكبيرة، التي يطرحها الواقع الدولي امام بلداننا وشعوبنا عند التعامل معها . واتفق الجميع تقريبا، بانه من الممكن في الوقت الحاضر اقامة مراكز علمية مصغّرة في اقسام التاريخ وبرئاسة تدريسيين متخصصين، مراكز تبدأ – في الاقل - بتجميع المواد العلمية اللازمة لدراسة تاريخ تلك القارات و البلدان، وتكون هذه المراكز بداية حقيقية لدراسة علمية في المستقبل تتخصص بالتاريخ العالمي، ولكن بعض المشاركين في الدردشة سخروا من هذه الفكرة، وقالوا، أليس الاكثر واقعية ان تبدأ عملية اقامة فروع في قسم التاريخ تتخصص بدراسة مراحل التاريخ العربي في الاقل، اذ اننا بحاجة ان نتعمق بدراسة تاريخنا وتحريره من الافكار العتيقة، التي تعرقل مسيرة مجتمعنا المعاصر، بل وتسبب له مشاكل كبيرة واقعيا .

 انتهت الدردشة باشتباك آراء الحابلين و النابلين، وقال أحد الشيّاب كي يختتم الدردشة – اعط الخبز لخبازته ولو أكلت نصفه.......  

 

أ.د. ضياء نافع

 

ليلى الدسوقيظهرت فى ايران حركات هدامة حاولت دمج الديانات السماوية كالمسيحية والاسلام مع المعتقدات والديانات الفارسية القديمة فظهرت عدة مذاهب دينية فى الدولة العباسية منها: الرواندية والزنادقة والدعوة الالوهية وحركة الافشين وبابك الخرمى. فما هى هذه الحركات الهدامة ؟

أولا: الرواندية

نسبة الى اقليم راوند بالقرب من اصبهان وكانت تنادى بتناسخ الارواح اى ان روح المسيح عليه السلام ما لبث ان صارت فى الائمة واحد بعد الاخر وان هؤلاء الائمة هم آلهة وقد نادوا بان ابو جعفر المنصور هو ربهم. وذهبوا الى قصر المنصور وطافوا حوله وقالوا هذا قصر ربنا فقبض المنصور على رؤسائهم لان هذا خروج عن الاسلام يصل الى الكفر والالحاد

و فى نفس الوقت ناصرت هذه الحركة ابو مسلم الخرسانى وغضب اتباعها من المنصور حينما قضى على ابو مسلم لذلك اعدوا عدتهم لقتال المنصور فما كان من المنصور ان تشدد فى تعقبهم وانتهى امرهم بالقضاء التام ويبدو ان السبب الذى دفع المنصور الى بناء بغداد واتخاذها عاصمة له هو ان جنوده بالكوفة قد تاثروا بدعوة الراوندية بحكم استقرار كثير من اتباع هذه الدعوة بالكوفة لذلك راى المنصور ابعاد جنده وعسكره عن مقر تلك الدعوة

ثانيا: الزنادقة

اطلق اسم الزنديق على كل من تاثر بالفرس وعاداتهم ثم صار يطلق على كل من يعتنق عقائد المانوية وهى تدعو الى عبادة الهين اى الثنائية فى العبادة وبمرور الوقت تطرف الزنادقة فى معتقداتهم فاصبح لفظ زنديق يطلق على كل من ينكر الالوهية

وانتشرت هذه الحركة بالدولة العباسية مما ادى الى تعقب الخلفاء العباسيين لهم فانشا المهدى ديوانا خاصا يتتبع الزنادقة والقضاء عليهم واطلق على الناظر فى امر هذا الديوان اسم صاحب الزنادقة كما ان الخليفة المهدى 158- 169 هــ اشتد فى تتبع الزنادقة كذلك فقد عهد الرشيد الى احد اعوانه بتتبع الزنادقة واطلق عليه ايضا اسم صاحب الزنادقة مثلما فعل المهدى واستمرت ايام المعتصم واخذت تنتشر داخل نفوس الاتراك الذين اعتمد عليهم المعتصم فى تصريف شئون دولته. وظهرت عدة مناظرات للرد على علماء الزنادقة وكان واصل بن عطاء اول من تصدى للرد عليهم وانكر على بشار بن برد إلحاده

ثالثا: الدعوة الالوهية والمقنع

ظهر المقنع الخرسانى باقليم خراسان فى عهد الخليفة العباسى المهدى 158 – 169 هــ وكان المقنع هذا رجلا اعور قصير قبيح الخلقة من اهل مرو وكان قد صنع وجها من ذهب وركبه على وجهه لئلا يرى وجهه وادعى الالوهية وكان يقول " ان الله خلق ادم فتحول فى صورته ثم فى صورة نوح ثم فى صورة ابراهيم ثم فى صورة الانبياء حتى وصل الى محمد رسول الله ثم تحول فى صورة على بن ابى طالب ثم انتقل فى صورة اولاده من بعده حتى وصل الى صورة ابو مسلم الخرسانى ثم انتقل فى صورته هو شخصيا ومعنى هذا انه تاثر بدعوة الراوندية التى تنادى بتناسخ الارواح اذ احيا القومية الخرسانية ولم يكتف بهذه الاقاويل بل وصف به الاسفاف الى حد انه اسقط الصلاة والصوم والزكاة والحج واباح المحرمات وسمى نفسه هاشما وكان اتباعه يسجدون الى ناحيته اين كانوا من البلاد وكانوا يقولون يا هاشم اعنا وانضم اليه فريق من الفرس متاثرين بارائهم كالمزدكية وغيرها ولم يكن منتظرا ان يقف المهدى امام هذه الحركة الهدامة مكتوف اليدين فأعد جيشا كبيرا وارسله لقتال المقنع الذى اعتصم باحدى قلاع خراسان فضرب عليه جيش المهدى الحصار وطال امد الحصار مما دفع عدد كبير من اتباع المقنع الى مفارقته بينما قام المقنع باشعال نار عظيمة احرق فيها جميع ما بالقلعة من دابة وثوب ومتاع ثم جمع نساءه واولاده واصحابه وقال لهم: من احب منكم الارتفاع معى الى السماء قليلق نفسه فى هذه النار ثم القى اولاده ونفسه خوفا من ان يظفر بهم المهدى وهكذا قضى على حركة المقنع عام 161 هــ

رابعا: بابك الخرمى

ينتسب بابك الى ابى مسلم الخرسانى فهو حفيده لابنته وكان يقوم بخدمة جاويدان احد زعماء الخرمية ببلاد فارس والخرمية هى احدى فرق المزدكية (نسبة الى مزدك) وسميت خرمية نسبة الى اسم زوجة مزدك وهى تدعى خرما وهى التى اخذت على عاتقها نشر عقائد هذا المذهب بعد قتل زوجها وعندما توفى جويدان خلفه فى الرئاسة بابك وساعدته فى ذلك ارملة جويدان التى احبت بابك وتزوجت منه وزعمت ان روح جويدان حلت فى جسد بابك

و بتولية بابك زعامة الخرمية عام 201 هـ بدا فى ارساء تعاليم جديدة فى العقيدة الخرمية المزدكية جعلت حركته يطلق عليها اسم الخرمية البابكية نسبة الى بابك ومن اهم تعالميه ومبادئه تحويل الملك من العرب المسلمين الى الفرس والمجوس. و كان يدعو الى الانفصال عن الخلافة العباسية والعودة الى القومية الفارسية

وقد تفاقم امر هذه الطائفة منذ عهد المامون حتى عهد المعتصم الذى استطاع فى ايامه ان يستولى على خراسان واخذت جيوشه تنتشر بين اذريبجان وايران الامر الذى دفع الخليفة المعتصم الى ان يوطد العزم على القضاء على حركة بابك وبالفعل بمساعدة القادة الترك خاصة القائد افشين استطاع المعتصم ان يقضى على حركة بابك

خامسا: حركة الافشين

اما الافشين فكان يعمل جنديا فى خدمة الخليفة المعتصم واصله من بلاد اشروسنة وتقع فيما وراء النهر تولى قيادة احدى الفرق التى قامت بمحاربة البيزنطيين وغزو عمورية واحرز انتصارات عديدة جعلت المعتصم يثق به ويقربه اليه وعهد اليه بمحاربة بابك الخرمى بعد ازدياد دعوته غير ان الافشين كان يتصف بالتعصب لقوميته وبلاده وكان يامل فى ان يستقل بحكمها والخروج عن الدولة العباسية والاسلام فما كاد يصل الى بابك حتى تعاطف معه واتصل بالمازيار وهو احد قادة احدى فرق الخرمية البابكية واتفق الثلاثة: بابك والمازيار والافشين على ازالة الدولة العباسية واحياء القومية الفارسية من جديد وبعد القضاء على بابك والمزيار انفرد الافشين بقيادة هذه الدعوة والثورة على العباسيين واستمر الافشين خارجا على الدولة العباسية حتى استطاع المعتصم فى عام 225 هــ القبض عليه ومحاكمته وسجنه وظل الافشين بالسجن حتى مات مسموما فى العام التالى ويذكر اليعقوبى انه بعد وفاة الافشين صلب على باب العامة بسر من راى (سامراء) عريانا ساعة من نهار ثم انزل فاحرق بالنار

وهكذا استطاعت الدولة العباسية القضاء على الحركات الهدامة التى انتشرت باراضيها.

 

ليلى الدسوقي

 

صادق السامرائيأبو جعفر هارون بن محمد المهدي بن جعفر المنصور (149 - 193) هجرية، عاش (44) سنة، وتولى الحكم في عمر (22)، (170 - 193) هجرية.

وهو إبن الخيزران بنت عطاء. وقد علمه الكسائي، والمفضل الضبي.

تزوج زبيدة بنت جعفر (إبنة عمه) سنة (165) هجرية، وعمره (16) سنة، وبعدها تزوج عدة نساء، ولديه جواري ومحظيات، وله عشرة أبناء وإثني عشر بنت.

ما مدوّن عنه أنه كان يحج عاما ويغزو عاما، ويصلي مئة ركعة يوميا، ويتصدّق بألف دينار، ويحب العلماء، ويعظّم حرمات الدين، ويبغض الجدال والكلام، ويبكي على نفسه ولهوِه وذنوبه، ويبكي إذا وعظوه، وله فتوحات مشهودة.

ولإزدهار عصره وتألقه وبلوغه ذروة القدرات الإبداعية والعمرانية، إمتلأت كتب التأريخ بالقصص عنه، وأكثرها ربما لا تمت إلى واقعه بصلة، فتصفه بأنه خليفة اللهو والبذخ والإسراف بالملذات والمتع الفائقة.

ومن الأعمال المنسوبة إليه،   إصدار إعفاء على الزنادقة، إتخاذ مدينة الرقة عاصمة رديفة، أوجد بيت الحكمة، بدأ عهد الترجمة، أنشأ أول مصنع للورق في بغداد، شيّد القصور والجوامع، إهتم بالزراعة والجسور والقناطر، وبتأمين التجارة، وبنى مستسفى الرشيد في بغداد، جعل بغداد قبلة العلم فاجتذبت جهابذة العلوم والمعارف.

ويُقال أنه عند توليه الخلافة،  فوّض أمر الدولة للبرامكة وبعد (17) سنة نكبَ بهم، فهل أنهم كانوا يديرون الدولة وهو الخليفة الرمزي لها؟!

تزوج كثيرا، وأنجب عديدا، شيَّد معالما ووضع البنى التحتية لمشاريع حضارية أصيلة، وجاهد في سبيل الله كما يرى ويعتقد، وحرص على وحدة الأمة وعزتها وكرامتها وتألقها الحضاري.

وإرتكب خطيئته الكبرى عندما عهد لأولاده بولاية العهد الأمين والمأمون والمؤتمن، وما تعلم مما مضى وما حصل مع أخيه الهادي، فكانت المأساة التي أودت بحياة الأمين والمؤتمن، وفاز بها متألما ومكلوما ومأثوما المأمون.

ويبدو أن لكتابته وثيقة ولاية العهد وتعليقها في الكعبة دورها في نهايته، وتكالب أبنائه على التخلص منه، فقد مات مبكرا.

وكان مترعا بالخوف وعدم الثقة بالحياة، ولا يدري إن كان سيُصبح أم سيُقتَل أو سيموت، فالقلق من العلامات البارزة التي تسيّدت على سلوكه، وألجأته إلى أن يمعن في بكائه ورهبته من نهايته.

وكان محفوفا ببني هاشم وتحت إمرتهم، ولزوجته زبيدة أمّ الأمين دورها في إتخاذ القرارات المتصلة بالحكم، ومنها أن يكون الأمين وليا للعهد ومن ثم المأمون، مع أن المأمون أكبر منه بأقل من سنة، لكنه إبن جارية فارسية ماتت بحمى النفاس بعد ولادته، والعجيب في الأمر أن زبيدة لم تقتله وهو طفل يتيم، كما يجري عادة لأبناء الجواري من الخلفاء.

وربما للحفاظ على الدولة لإتساعها، رأى أن يقسّمها إلى ثلاثة أجزاء على كل منها أحد أولاده، لكنها فكرة غير مدروسة، ولم تكن ذات مفهوم عملي، فمَن سيكون الخليفة بينهم، ولماذا ثلاثة أجزاء، وكل من أولاده أشبه بالمستقل ذاتيا، وهناك خليفة وأولياء عهد من بعده.

 إنها فكرة خديجة كان عليه أن يدرسها بعناية ويضع لها أسسا عملية ذات قيمة، وهذا قد يشير إلى أنه ما كان يحكم فعلا، وتجربته في الحكم ربما برزت بعد نكبة البرامكة، فهم الذين كانوا يتولون أمور الدولة حتى نكبتهم، أي قبل وفاته بخمسة أو ستة سنوات فقط.

ويبدو أنه عاش في محنة الصراع بين الطرف العربي والفارسي، بين حزب الأمين وحزب المأمون، وهذه المحنة ربما دفعته للقضاء على البرامكة، لكن الصراع إمتد بين أبنائه من بعده.

فلماذا أنجب من عربية وفارسية وتركية وجواري أخريات من جنسيات مختلفات؟

هل هي النزوات التي طغت عليه ؟

أم لصغر عمره أثر في نزوعه نحو الشهوات؟

فتولية الخلفاء وهم في سن الشباب وأحيانا المراهقة، تتسبب بتداعيات مأساوية ناجمة عن تهورهم السلوكي، وإنطلاق شهواتهم وهم وسط الجواري الفاتنات، وكأنهم يتم تنويمهم بالملذات، ومَن حولهم يحكمون ويديرون أمور الدولة ومصير العباد على هواهم.

والقراءة العلمية المتأنية لما مدوّن عن الرشيد، يكشف الكثير من التخيلات، والإبتعاد عن الواقع والحقيقة، فربما كان خليفة شكليا، والبرامكة هم سادة الحكم وبيدهم الأمر والنهي، فتصريف شؤون الدولة كان من مسؤوليتهم، فهم الوزراء والأمراء والقادة والأوصياء على ولاة العرش.

ويبدو أنهم إجتهدوا في إرضاء نزعاته السلطانية المتوهجة بالأبهة والتهويلات الخارقة، للتعبير عن إرادة وهيبة وهيمنة الدولة، وبسط سلطانها الشديد، وجعلوه يعيش في برج عاجي من الأحلام.

ويمكن القول أنه شخصية تتميز بالرغبة في أن يكون مركز إنتباه الآخرين، ويتمتع بالتفاعل مع مَن حوله، ويستشعر بوجوده بينهم وقد تميز عليهم وتسلط، ولديه إهتمام كبير بالجنس الآخر، وذلك بسبب عمره، وما توفر حوله من ترف وبذخ، وفي ذات الوقت كان يعيش قلقا شديدا، وإحساسه بغيره ليس على ما يرام.

والخلاصة أنه من الصعب أن يكون كما وردنا عنه، وكأن ما نقرأه في كتب التأريخ هو عن هارون الرشيد الرمز المُتخيل، وليس الإنسان الحقيقي، الذي إرتكب الأخطاء تلو الأخطاء حتى إنتهت بموته المبكر، وبتصارع أولاده على الخلاقة من بعده، التي حاول أن يحسمها بآلية غير مسبوقة، فانتهت وبالا على الجميع.

فهل أنهم كتبوا عن هارون الرشيد المُتخيَّل أم الحقيقي؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

سهيل الزهاويعندما انبش في صندوق الذاكرة ينضب من مساماتها ثقل الفصول المتراكمة من الأحداث في مرحلة من مراحل التاريخ السياسي المترع بالمأساة الإنسانية، في بلد هيمنت عصابة فاشية على مقدرات الشعب. ليس من السهل ان ينسى المرء تلك الايام الصعبة التي ظلت راسخة في ذهني بكل جزئياتها، رغم مرور سنوات مضت إلا أننا نتذكر ونصحو على فصل من حياتنا السابقة لنروي للأجيال القادمة عنها.

لقد أضحت بغداد مدينة كئيبة موحشة، حيث استنزفت قدراته الاقتصادية كليا بعد الحرب الطاحنة التي دارت رحاها بين الحلفاء بقيادة الولايات المتحدة الامريكية والجيش العراقي المحتل لدولة الكويت والتي انتهت في إخراج الأخير منها وكسر شوكة الطاغية صدام حسن.

وفي ظل هذه التطورات تزامنت معها إشعال انتفاضة آذار المجيدة في عام 1991 التي تمكنت الاجهزة الامنية القمعية من اخمادها في جنوب ووسط العراق، وتحرير مساحات كبيرة من المدن الكردستانية، التي باتت تحت سيطرة الجبھة الكردستانية.

بعد اندحار الجيش العراقي في الكويت وإعلان الحصار الاقتصادي على العراق من قبل الأمم المتحدة، لم يكن حرارة الصيف قد ودعنا تماماً ولا زلنا في بداية الخريف 1991، عندما قرر قيادة الحزب الشيوعي العراقي إرسال الرفيق عادل حبة (أبو سلام) عضو اللجنة المركزية للحزب إلى العمل في تنظيم الداخل في بغداد بعد ان تطوع الرفيق أبو سلام بنفسه للعمل في عقر دار الفاشية. والرفيق ابو سلام غني عن التعريف بمواقفه المشهودة كما يتمتع بشخصية متميزة مفعما بالإنسانية وحب الناس. وعبر تاريخه النضالي الطويل ضد النظام الملكي والانظمة الدكتاتورية المتوالية على العراق، كان نموذجاً للتضحية والفداء ونكران الذات، وكنزاً من المعلومات حول تجربة السجون والصمود تحت التعذيب، فضلاً عن قيم الانضباط الحزبي في المهمات النضالية الكثيرة.

انطلقت بنا سیارة الحزب من مدینة اربیل متوجهةً صوب مدینة السليمانية، حيث هناك كنا في ضيافة الفقيد المهندس فاروق قادر.

كان الرفيق ابو سلام َله َرغبة ملحة للقاء الفقيد السيد جلال الطالباني رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني ورئیس جمهورية العراق سابقاً للاطلاع عن قرب على توجهات وسياسة الحركة الكردية آنذاك . وفعلا تم اللقاء بحضور الفقيد الدكتور عزالدین مصطفى رسول وقد جرى في ھذا اللقاء بحث الأوضاع في العراق وكردستان وتوجهات الأحزاب وطلبنا من السيد الطالباني بعدم إعلان اللقاء لأسباب أمنية.

في اليوم الثاني توجه كاتب السطور والرفيق ابو سلام الى النقليات. استقلينا سيارة أجرة واخذنا المقعد الخلفي كي لا يشاركنا أحد. اما المقعد الأمامي فكان من نصيب شابان وهم من ابناء نفس مدينتي، ومن حسن الحظ لم يتمكنا من التعرف عليَّ.

قبل سفرنا حصلتُ للرفيق ابو سلام ھویتین شخصیتین أحدهما كونه موظف كردي من السليمانية حتى يتسنى له العبور بسلام في سيطرات البيشمركة والثاني متقاعد من بغداد.

وهكذا بدأت رحلتنا الشاقة. بعد ان انطلقت سيارة التاكسي مع الريح، كنت أجول بناظري من خلف زجاج نافذة السيارة وأرنو الى البنايات الشاھقة وشوارعها وتذكرت سنوات اقامتي فیھا وشدو الحانها الجميلة. انتابني شعور يتدفق شجناً. هل ستكون رحلتنا هذه رحلة الوداع الاخير الى الابد؟ أم سأعود مرة أخرى الى ھذه المدینة الجميلة؟

بدأت رحلتنا الطويلة الى مدینة الطوفان، ومیاھا غمرت كل أزقتها وشوارعها منذ زمن بعید، كلما ابتعدت السيارة تختفي مدینة السلیمانیة رويدا رويدا خلف المنحدرات وانعطافات الطريق، بعد ان كانت قبل لحظات مضت في نھار باهر وصاف وأضوائها خالیة من الھموم نسبيا بعد انتفاضة آذار ونحن في طريقنا الى مدينة بغداد التي تقبع في ليل حالك السواد، وكانت كردستان آنذاك الملاذ الآمن الوحيد بعد انتفاضة اذار المجيدة في عام 1991، وما أصعب الحياة عندما يشعر المرء وھو في داخل وطنه غریباً.

في سيطرتيّ السليمانية وجمجمال لم تحدث اية مشاكل تذكر فيما يتعلق بالأوراق الثبوتية. عندما دنت السيارة من سيطرة كركوك راودنا بعض القلق والتوجس ولكن حافظنا على رباطة جأشنا. هنا التفتيش يحوطه التشديد والريبة.  أجهزة السلطة الامنية كانت لها اليد الطولى هنا. وحال وصولنا الى سيطرة طوزخورماتو طفقت عمليات التفتيش تأخذ منحى آخر. التدقيق والتعمق في الأسئلة. بدأت التفتيش الدقيق للھویات والحقائب. لن أستطيع نسيان ھذا اليوم، قام أحد المنتسبين بفتح حقيبة عادل حبة، تلك الحقيبة التي اتفقنا مسبقاً انها عائدة لي. لم أكن أتوقع شیئا مثیراً في الحقیبة التي یحملھا الرفیق عادل حبة. عندما بدأ الضابط بفتح الحقيبة، أمسك بـرزمة من الأوراق البيضاء التي تستخدم في جھاز الرونيو لطبع البیانات ورزمة من الظروف البریدیة، وراح يدقق في الأوراق ويتفحص في كل ورقة على حدة، مما أثار في نفسه الشبهات. هذا حدث في سيطرة طوزخورماتو. كنت حينها واقفاً خلف السيارة وانظر الى الضابط ودقات قلبي تتسارع حتى تراءى لي بأن العسكري يسمع تلك الدقات ايضا، وقفت صامتا برھة من الزمن، وكنت خائفا من أن الرفیق قد نسى مقالة أو بیان للحزب بین ھذه الأوراق استجمعت قوايَّ النفسية لمواجهة اي احتمال طارئ.

ما ھذه الأوراق والظروف البریدیة؟ قاله فجأة بصوت خافت ولكن بسرعة ولا زال يحمل عدد من الأوراق في يده وصب تركيزه عليها بينما بقي رأسه مُنحنٍ، واجبته دون تردد، كوني تاجر احتاج الى اوراق للحسابات، حيث كنت أحمل ھویة مزورة كتاجر، صادرة من غرفة تجارة السلیمانیة، وقال وھو یوجه عینیه السوداوین محدقتين نحوي وكأنهما من حجر. كانت المرة الأولى التي ينظر الي فیھا نظرة كاملة حتى اتسعت محجريهما. بدأت أفكر بجدیة فیما سأفعله لو قُبض عليَّ وكنت أفكر بمصیر الرفیق ابو سلام في ھذه اللحظة. وتابع كلامه.  ألا توجد أوراق في بغداد؟ كان عليَّ أن ابرر الأمر وھذا ما فعلته.

على وجه السرعة ولكنني لم أفكر ماذا ستكون العاقبة وقلت له: نعم يوجد ولكن لا يوجد وقت لدي لكي أذهب إلى السوق لشرائه. فسكت واغلق الحقيبة.

شعرت بهدوء عميق. كانت لحظات صعبة تلك التي أمضیتھا مع الضابط وبعد ذلك اختفى كل توتري وتحركت السيارة متوجهة نحو المصیر المجھول. بدأت أفكر بطريقة أكثر عقلانية في تبرير وجود هذه الأوراق. فالقادم أكثر صعوبة وتعقيدا وهو سيطرة بغداد. وهي السیطرة الاخیرة وعلینا أن نجتازها بأمان، وجدار المصاعب لیس عصیاً، لنصل إلى الرفاق، لقد قطعنا شوطا طويلا ومررنا بستة سيطرات كل شيء سار على ما يرام، ولم تبق سوى هذه النقطة الخطرة التي تحدد مصيرنا نحو الضفة الاخرى. كنت أفكر مليا بقلق واضطراب وعشرات الأسئلة تحفر دماغي وكنت اھئ نفسي للإجابة علیھا وكان ھمي الوحید أن یصل الرفیق ابو سلام بأمان الى بغداد. عند وصولنا الى سیطرة بغداد كانت بعكس كل تصوراتنا وتوقعاتنا. كان هناك رجل واحد قصير القامة. ذو جسم ممتلئ يلبس الملابس المدنية. سار نحو السيارة وطلب منا النزول لتفتيش الحقائب ولم يكن في صندوق السيارة غیر حقیبة الرفیق ابو سلام، نزلت في الحال من السیارة. قبل أن يفتش الحقيبة طلب رجل الأمن مني الهوية. وعندما تأكد بأنني تاجر، دار بيننا حديث ودود ونسى أن يأخذ الھویات من الآخرين. بادرني بالسؤال، فيما لو كان لدي مكتب تجاري في بغداد، ھززت رأسي بالنفي واسترسلُت في الكلام، انا اشتري المواد وانقله الى كركوك ولدي مخازن ھناك. عقب انتھاء حديثنا، سَمح لنا بالمرور. ھكذا وصلنا الى ساحة النھضة في بغداد بأمان بعد أن تخلصنا من كافة السيطرات واستقلينا سيارة تاكسي ومررنا بساحة التحرير. كانت الساحة تعج بالسيارات، والمكتظة بالناس وترجلنا من التاكسي في ساحة النصر واتفقنا ان نلتقي بعد ساعة عند مطعم للكباب الواقع في جھة الیمين من الساحة ويكون موعدنا في ھذا المكان لحين اعلام رفاق الحزب بوصول الرفيق عادل حبة الى بغداد. بعد أن اتفقت مع الرفاق حول المكان المطلوب إيصاله استقلينا سيارة تاكسي وتوجھنا الى هناك حيث رفاق الحزب. هكذا وصلنا بأمان.

ھناك بعض الأعاجيب لولاھا لاصبحنا في عداد الموتى.

 

سھیل الزهاوي

2997 سهيل الزهاوي وعادل حبة

* منقول من مدونة عادل محمد حسن عبد الھادي حبه

سیرة ذاتیة

ولد في بغداد في محلة صبابيغ الآل في جانب الرصافة في أيلول عام 1938 ميلادي.

في عام 1944 تلقى دراسته الإبتدائية، الصف الأول والثاني، في المدرسة الھاشمیة التابعة للمدرسة الجعفرية، والواقعة قرب جامع المصلوب في محلة الصدرية في وسط بغداد

انتقل الى المدرسة الجعفرية الإبتدائية - الصف الثالث، الواقعة في محلة صبابيغ الآل، وأكمل دراسته في ھذه المدرسة حتى حصوله على بكالوريا الصف السادس الإبتدائي

انتقل إلى الدراسة المتوسطة، وأكملها في مدرسة الرصافة المتوسطة في محلة السنك في بغداد

نشط ضمن فتيان محلته في منظمة أنصار السلام العراقية السریة، كما ساھم بنشاط في اتحاد الطلبة العراقي العام الذي كان ينشط بصورة سرية في ذلك العھد. أكمل الدراسة المتوسطة وانتقل إلى الدراسة الثانوية في مدرسة الإعدادية المركزية، التي سرعان ما غادرھا ليكمل دراسته الثانوية في الثانوية الشرقية في الكرادة الشرقية جنوب بغداد

في نھایة عام 1955 ترشح إلى عضوية الحزب الشیوعي العراقي وھو لم يبلغ بعد الثامنة عشر من عمره، وھو العمر الذي يحدده النظام الداخلي للحزب كشرط للعضوية فیه

اعتقل في موقف السراي في بغداد أثناء مشاركته في الإضراب العام والمظاھرة التي نظمھا الحزب الشیوعي العراقي للتضامن مع الشعب الجزائري وقادة جبھة التحرير الجزائریه، الذين اعتقلوا في الأجواء التونسية من قبل السلطات الفرنسية الاستعمارية في صيف عام 1956

دخل كلية الآداب والعلوم الكائنة في الأعظمية آنذاك، وشرع في تلقي دراستھ في فرع الجیولوجیا في دورته الثالثة

أصبح مسؤولاً عن التنظيم السري لاتحاد الطلبة العراقي العام في كلية الآداب والعلوم إضافة إلى مسؤوليته عن منظمة الحزب الشیوعي العراقي الطلابية في الكلية ذاتها في أواخر عام 1956. كما تدرج في مهمته الحزبیة لیصبح لاحقاً مسؤولاً عن تنظيمات الحزب الشيوعي في كليات بغداد آنذاك

شارك بنشاط في المظاهرات العاصفة التي اندلعت في سائر أنحاء العراق للتضامن مع الشعب المصري ضد العدوان الثلاثي الإسرائيلي- الفرنسي البريطاني بعد تأميم قناة السويس في عام 1956

بعد ثورة تموز عام 1958، ساھم بنشاط في إتحاد الطلبة العراقي العام الذي تحول إلى العمل العلني، وانتخب كرئيسا لإتحاد في كلیة العلوم- جامعة بغداد، وعضواً في أول مؤتمر لإتحاد الطلبة العراقي العام في العھد الجمھوري، والذي تحول أسمه إلى اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقیة. وفي نفس الوقت أصبح مسؤول التنظيم الطلابي للحزب الشيوعي العراقي في بغداد والذي شمل التنظيمات الطلابية في ثانويات بغداد وتنظيمات جامعة بغداد، التي أعلن عن تأسیسھا بعد انتصار الثورة مباشرة

أنھى دراسته الجامعية وحصل على شھادة البكالوريوس في الجیولوجیا في العام الدراسي 1960-1959. وعمل بعد التخرج مباشرة في دائرة التنقيب الجيولوجي التي كانت تابعة لوزارة الاقتصاد

حصل على بعثة دراسية لإكمال الدكتوراه في الجیولوجیا على نفقة وزارة التربیة والتعلیم العراقیة في خریف عام 1960. تخلى عن البعثة نظراً لقرار الحزب لإیفاده إلى موسكو-الإتحاد السوفییتي للدراسة الاقتصادية والسياسة في أكاديمية العلوم الاجتماعیة-المدرسة الحزبية العلیا. وحصل على دبلوم الدولة العالي بدرجة تفوق بعد ثلاث سنوات من الدراسة ھناك

بعد نكبة 8 شباط عام 1963، قرر الحزب إرساله إلى طهران – إیران لإدارة المحطة السرية التي أنشأها الحزب لإدارة شؤون العراقیین الھاربین من جحیم إنقلاب شباط المشؤوم، والسعي لإحياء منظمات الحزب في داخل العراق بعد الضربات التي تلقاھا الحزب إثر الإنقلاب. اعتقل في حزيران عام 1964 من قبل أجھزة الأمن الإیرانیة مع خمسة من رفاقه بعد أن تعقبت أجھزة الأمن عبور المراسلین بخفة عبر الحدود العراقیة الإیرانیة. وتعرض الجمیع إلى التعذيب في أقبية أجھزة الأمن الإیرانیة. وأحيل الجميع إلى المحكمة العسكرية في طھران. وحكم علیه بالسجن لمدة سبع سنوات، إضافة إلى أحكام أخرى طالت رفاقه وتراوحت بین خمس سنوات إلى سنتين، بتھمة العضویة في منظمة تروج للأفكار الاشتراكية

أنھى محكومیته في أيار عام 1971، وتم تحویله إلى السلطات العراقية عن طريق معبر المنذرية- خانقین في العراق. و انتقل من سجن خانقین إلى سجن بعقوبة ثم موقف الأمن العامة في بغداد مقابل القصر الأبيض. وصادف تلك الفترة ھجمة شرسة على الحزب الشیوعي، مما حدى بالحزب إلى الإبتعاد عن التدخل لإطلاق سراحه وعمل الأھل على التوسط لدى المغدور محمد محجوب عضو القيادة القطرية لحزب البعث آنذاك، والذي صفي في عام 1979 من قبل صدام حسین، وتم خروجه من المعتقل

عادت صلته بالحزب وبشكل سري بعد خروجه من المعتقل. عمل بعدئذ جیولوجی في مديرية المیاه الجوفیة ولمدة سنتین. وشارك في بحوث حول الموازنة المائية في حوض بدره وجصان، إضافة إلى عمله في البحث عن مكامن المیاه الجوفیة والإشراف على حفر الآبار في مناطق متعددة من العراق

عمل مع رفاق آخرين من قيادة الحزب وفي سرية تامة على إعادة الحیاة لمنظمة بغداد بعد الضربات الشديدة التي تلقتھا المنظمة في عام 1971. وتراوحت مسؤولياته بين منظمات مدینة الثورة والطلبة وريف بغداد. اختير في نفس العام كمرشح لعضوية اللجنة المركزية للحزب

استقال من عمله في دائرة المیاه الجوفیة في خريف عام 1973، بعد أن كلفه الحزب بتمثيله في مجلة قضايا السلم والاشتراكية، المجلة الناطقة بإسم الأحزاب الشیوعیة والعمالية العالمية، في العاصمة الجیكوسلوفاكیة براغ. وأصبح بعد فترة قلیلة وفي المؤتمر الدوري للأحزاب الممثلة في المجلة عضواً في ھیئة تحریرھا. وخلال أربعة سنوات من العمل في ھذا المجال ساھم في نشر عدد من المقالات فیھا، والمساھمة في عدد من الندوات العلمية في براغ وعواصم أخرى

عاد إلى بغداد في خريف عام 1977، ليصبح أحد إثنين من ممثلي الحزب في الجبھة التي كانت قائمة مع حزب البعث، إلى جانب المرحوم الدكتور رحيم عجينة. وأختير إلى جانب ذلك لينسب عضواً في سكرتارية اللجنة المركزية ویصبح عضواً في لجنة العلاقات الدولية للحزب

في ظل الھجوم الشرس الذي تعرض له الحزب، تم اعتقاله مرتین، الأول بسبب مشاركته في تحریر مسودة التقرير المثير للجنة المركزية في آذار عام 1978 وتحت ذريعة اللقاء بأحد قادة الحزب الديمقراطي الأفغاني وأحد وزرائھا عند زیارته للعراق. أما الاعتقال الثاني فيتعلق بتھمة الصلة بالأحداث الإیرانیة والثورة والمعارضين لحكم الشاه، ھذه الثورة التي اندلعت ضد حكم الشاه بداية من عام 1978 والتي انتھت بسقوط الشاه في شتاء عام 1979 والتي أثارت القلق لدى حكام العراق

اضطر إلى مغادرة البلاد في نھایة عام 1978 بقرار من الحزب تفادیاً للحملة التي اشتدت ضد أعضاء الحزب وكوادره. واستقر لفترة قصیرة في كل من دمشق والیمن الجنوبیة إلى أن انتدبه الحزب لإدارة محطته في العاصمة الإيرانية طھران بعد انتصار الثورة الشعبیة الإیرانیة في ربيع عام 1979. وخلال تلك الفترة تم تأمین الکثیر من احتیاجات اللاجئين العراقيين في طھران أو في مدن ایرانیة أخرى إلى جانب تقديم العون لفصائل الانصار الشیوعیین الذين شرعوا بالنشاط ضد الدیكتاتوریة على الأراضي العراقية وفي اقليم كردستان العراق. بعد قرابة السنة، وبعد تدھور الأوضاع الداخلية في إیران بسبب ممارسات المتطرفين الدینیین، تم إعتقاله لمدة سنة ونصف إلى أن تم إطلاق سراحه بفعل تدخل من قبل المرحوم حافظ الأسد والمرحوم ياسر عرفات، وتم تحویله إلى سوریا

خلال الفترة من عام 1981 إلى 1991، تولى مسؤولية منظمة الحزب في سوریا والیمن وآخرھا الإشراف على الإعلام المركزي للحزب وبضمنھا جريدة طريق الشعب ومجلة الثقافة الجديدة

بعد الانتفاضة الشعبية ضد الحكم الديكتاتوري في عام 1991، انتقل إلى إقليم كردستان  العراق. وفي بداية عام 1992، تسلل مع عدد من قادة الحزب وكوادره سراً إلى بغداد ضمن مسعى لإعادة الحياة إلى المنظمات الحزبية بعد الضربات المھلكة التي تلقتھا خلال السنوات السابقة. وتسلم مسؤولية المنطقة الجنوبية حتى نھایة عام 1992، بعد أن تم إستدعائه وكوادر أخرى من قبل قيادة الحزب بعد أن أصبح الخطر یھدد وجود ھذه الكوادر في بغداد والمناطق الأخرى

اضطر إلى مغادرة العراق في نھایة عام 1992، ولجأ إلى المملكة المتحدة بعد إصابته مرض عضال

تفرغ في السنوات الأخيرة إلى العمل الصحفي. ونشر العديد من المقالات والدراسات في جريدة طريق الشعب والثقافة الجديدة العراقیة والحیاة اللبنانیة والشرق الأوسط والبيان الإماراتية والنور السوریة وكار الإیرانیة ومجلة قضايا السلم والاشتراكية، وتناولت مختلف الشؤون العراقیة والإیرانیة وبلدان أوروبا الشرقية. كتب عدد من المقالات بإسم حمید محمد لاعتبارات احترازية أثناء فترات العمل السري

یجید اللغات العربیة والإنجليزية والروسية والفارسية متزوج وله ولد وبنت وحفیدان

 

 

محمود محمد علييعد الشعر الجاهلي مادة ثرية للدراسات الأدبية تفيض بالأصالة وتمتلئ بالصور الموحية، إلي جانب كونها وثيقة تاريخية مهمة، تحفظ على الأمة أخبار الماضين وتجاربهم، وتطلع الأبناء على آثار الأجداد ومآثرهم،ومن ذلك أخبار مؤسفة دارت بين أبناء بكر وتغلب ابني وائل، تقدم دروسا عن عواقب الظلم والعدوان، وعواقب احتراب الإخوة وتجاهل الروابط الجامعة، والانجراف وراء العاطفة والعصبية القاتلة .

وكان من أعلام المشاركين فيتلك الحرب شاعر سيد في قومه بني بكر؛ هو الحارث بن عباد، الذي كانت حياته وشعره موضوعا لنيل درجة الماجستير في الآداب من جامعة دمشق، وكان بعنوان (الحارث بن عباد: حياته وشعره)، إذ كان له أثر واضح في تلك الحرب، وكان مار روي له من أشعار حافلا بتاريخ أحداثها وأيامها .

والحارث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل (و.؟ – 550)، هو شاعر وفارس جاهلي شهير، من فحول شعراء الطبقة الثانية، وأمير بني ضبيعة. كان الحارث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة من بني بكر (توفي سنة 74 ق. هـ. – 550 م) أحد سادات العرب وحكمائها، وشاعراً مقلاً ومجيداً، وفارساً لا يشق له غبار.

اشتهر بالحكمة، والتوسط بين قومه بني بكر، وبين أبناء عمهم بني تغلب، وشهد مقتل كليب بن ربيعة التغلبي على يد جساس البكري عمرو بن مرة البكري، واندلاع حرب البسوس بين تغلب وبكر، فاعزلها مع قبائل من بكر، لكنه سعى بين الطرفين المتصالحين بالصلح طوال فترة الحرب التي دامت أربعين عاماً.

ولد الحارث قبل عام الفيل بـ 51 سنه، في الشعيبة غرب مكة المكرمة، من عشيرة حنيفية يمتهن اغلب افرادها صناعة السفن، ونشأ في الشعيبة وتعلم القراءة والكتابة والانساب في سن مبكرة، وكان يرتاد النوادي الادبية في مكة والطائف، من اشهرها عكاظ ودار الحكمة.

‎ كان والده عباد بحاراً يسافر كثيراً، وقد سافر الحارث مع والده عدة مرات الى الحبشة، وكانت والدته نائلة قرشية، فعرفه اهل مكة من قريش.

‎ شارك الحارث بن عباد مع فرسان العرب في معركة خزاز ومعركة هرجاب ضد ابرهة الحبشي وقتل مائة وعشرون حبشي، واعتزل حرب البسوس، لكن بعد مقتل ابنه بجير على يد الزير سالم، دخل الحارث في الحرب وخاض معركة ضد الزير سالم.

‎ تقابل الحارث بن عباد مع عنترة بن شداد في سوق عكاظ بالطائف، وكان الحارث قد بلغ السبعين من العمر، فمد يده لمصافحة عنترة الذي كان شاباً وكلٍ شد يده لآخر حتى سال الدم من يد عنتره وقال الحارث وهو يضحك لو انك في شبابي سُميت عنزه لا عنتره، فتعجب عنترة من قوة الحارث، وانتصاب جسده.

‎ توفي الحارث بن عباد، عن 74 سنة، بعد عام الفيل بـ 23 سنه، في الشعيبة (غرب مكة) ودفن بها.

كذلك كان الحارث بن عباد رجلا فاضلا، عاش حياته يعتزل الحرب التى دارت سنوات طويلة بين قبيلتى بكر وتغلب (بعد مقتل كليب وائل) على يد (جساس)، الحرب التي اندلعت قبل الإسلام ونعرفها نحن بحرب البسوس، بل إن الحارث راح يسعى فى الصلح،، ولكن المهلهل رفض الصلح وقتل ابنه بُجيراً، فثار الحارث ونادى بالثأر، فرثاه يقول:

لم أكن من جناتها علم الله/ وإنى لحرها اليوم الصال

قد تجنبت وائلا كى يفيقوا/ فأبت تغلب علىًّ اعتزالى

وأشابوا ذؤابتى ببجير/ قتلوه ظلما بغير قتال

قتلوه بشسع نعل كليب/ إن قتل الكريم بالشسع غال

تقول القصة إن الحارث بن عباد كان يحمل قيما وأخلاقا عظيمة، وفى ظل سعيه الدائم للصلح بين الطرفين، عرض ابنه "بجير" على المهلهل بن أبى ربيعة المعروف فى التراث الشعبى بالزير سالم كفداء لمقتل أخيه "كليب" ولإخماد الحرب القائمة بين أبناء العمومة، إلا أن (المهلهل) قتل "بجير" وصاح وهو يقتله "بؤ بشسع نعل كليب" أى أنك ستموت فقط فداء لـ "أربطة حذاء كليب".

قربـا مربـط النعامـة منـى/ ليس قولى يـراد لكـن فعالـي

قربـا مربـط النعامـة منـى/ شاب رأسى وأنكرتنى الغوالي

قربـا مربـط النعامـة منـي/ طال ليلى على الليالى الطـوال

قربـا مربـط النعامـة منـى/ كلما هب ريـح ذيـل الشمـال

قربـا مربـط النعامـة منـى/ لبجـيـر مفـكـك الأغــلال

قربـا مربـط النعامـة منـى/ لا نبيع الرجـال بيـع النعـال

ومن شدة غضبه قال والله لا أكفّ عن تغلب حتى تكلمني فيهم الأرض. ودارت الدوائر على تغلب بعد أن انضم ابن عباد إلى بكر في حربها على تغلب وأثخن فيهم لدرجة أن أهل تغلب حفروا سرداباً تحت الأرض وأدخلوا رجلاً فيه فلما مرّ الحارث أنشده:

أبا منذر أفْنيْتَ فاسْتبقِ بعضَنا حنانيك بعض الشر أهون من بعض.. فقالوا للحارث قد كلمتك الأرض وبررت بقسمك فأبقهم واترك الحرب، فتركها بعد ذلك.

وبالفعل عندما دخل الحارث بن عباد المعركة تغير كل شيء، دارت الدائرة على المهلهل ورجال تغلب وانهزموا، وأسرَ المهلهل وجزّ له شعره وأطلقه إذلالاً له، وأقسم أن لا يكف عن تغلب حتى تكلمه الأرض فيهم، فأدخلوا رجلاً في سَرب تحت الأرض ومرَّ به الحارث، فأنشد الرجل:

أبا المنذر أفنيتَ فاستبقِ بعضنا.. حنانيك بعض الشر أهون من بعض.. فأوقف القتال، وتصالح العرب!

في الحرب كان الحارث يطلب رجلاً يُقال له عدي بن أبي ربيعة ليقتله، فبينما هو في بعض معاركه إذ أسرَ رجلاً، وطلب منه أن يدله على عدي بن أبي ربيعة

فقال له الرجل: هل تطلق سراحي إن دللتك عليه؟..فقال: نعم.. فقال الرجل: أنا عدي بن أبي ربيعة!.. فأطلقه الحارث بن عباد وفاءً بوعده!

على جاهليتهم كان فيهم أخلاق وشهامة ومروءة أقرَّ بها الإسلام وقال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق!

يوم تحلاق اللّمم (يوم قضة)، إنما سمّى بذلك لأن الحارث بن عباد لمّا تولّى الحرب قال لقومه: احملوا معكم نساءكم يكنّ من ورائكم، فإذا وجدن جريحا منهم قتلوه، وإذا وجدن جريحا منّا سقينه وأطعمنه، فقالوا: ومن أين يتميّز لهنّ؟ فقال: احلقوا رءوسكم لتمتازوا بذلك، ففعلوا، فسمّى به، فقال جحدر بن ضبيعة- وكان من شجعانهم-: اتركوا لمّتى وأقتل لكم أوّل فارس يقدمهم، فتركوه، وهو الذي قتل عمرا وعامرا التغلبيّان، طعن أحدهما بسنان رمحه، والآخر بزجّه، ثم صرع بعد ذلك، فلمّا رأته نساء بكر دون حلق ظنّوه من تغلب فأجهزوا عليه. وفي هذا اليوم أسر الحارث بن عباد المهلهل عدىّ بن ربيعة وهو لا يعرفه فقال له: دلّنى على عدىّ وأخلى عنك، فقال له عدىّ: عليك العهد بذلك إن دللتك عليه، قال نعم، قال فأنا عدىّ، فجزّ ناصيته وتركه.

وكان الحارث آلى ألّا يصالح تغلبا حتى تكلّمه الأرض، فلمّا كثرت وقائعه في تغلب ورأت تغلب أنها ما تقوم له حفروا سربا تحت الأرض وأدخلوا فيه رجلا وقالوا له: إذا مرّ بك الحارث فغنّ بهذا البيت:

حنانيكَ بعض الشر أهون من بعضِ.. أبا منذر أفنيت فاستبقِ بعضنا

فلما مرّ الحارث اندفع الرجل وغنّى بالبيت، فقيل للحارث قد برّ بقسمك فابق بقيّة قومك، فأمسك، فاصطلحت بكر وتغلب.

وللحارث قصة أخرى تنم عن مدى قوته وصواب عقله وحكمته وهي أن بعد أن قام بتطليق أحد نسائه لتتزوج من رجل أخر ليقوم هذا الرجل بزيارته بعد ذلك ويحدثه قائلا بأنها فضلته عنه ولكن لم يجد الحارث إلا أن رد عليه ببضع كلمات قليلة ولكنها تحمل الكثير والكثير في طياتها وهي”عِشْ رجبًا ترَ عجبًا”، وفي هذا المثل حذف وبلاغة، فهو في الأصل “عش رجبًا بعد رجب ترَ عجبًا”وظل الحارث مشغول بأمور قتال أعدائه حتى قام اثنان من مساعديه بقتله بدماء باردة لتتذكره القبائل وترثيه على أن كان من أفضل الرجال الأقوياء في هذا العصر.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة اسيوط

..............................

مراجع المقال:

أنظر ديوان الحارث بن عبّاد البكري (ط أبوظبي) - تحقيق أنس عبد الهادي أبو هلال، هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، أبو ظبي، 2008.

 

 

نبيل عودةشاركت وانا في نهاية المرحلة الابتدائية، بدورة دراسية فلسفية في إطار حركة الشبيبة الشيوعية في الناصرة، سحرتني الفلسفة، رغم ان بعض الطروحات لم افهمها بشكل واضح في وقته، كنت شابا ناشئا هاويا للأدب ولكتابة القصص، وكانت حركة الشبيبة الشيوعية في قمة تألقها التنظيمي والسياسي والتثقيفي، وهو الأمر الغائب اليوم، من يومها صرت اسيرا للفلسفة وبت استعمل اصطلاحاتها في تفسيراتي للكثير من مواضيع الدراسة، أحيانا بلا فهم كامل لمضمون الاصطلاح، بسبب ذلك انتقدني احد المعلمين بقوله ان الكتابة والحديث عن الفلسفة لا تخدم ثقافة الجيل الناشئ، لأنها ثرثرة بلا مضمون.

لم أكن على دراية كاملة لأعرف كيف أرد عليه، وكيف اشرح أهمية الفلسفة في تطوير التفكير وفهم الواقع الإنساني، لكني رفضت رأيه دون قدرة مني على شرح موقفي، قلت للأستاذ جملة عامة بان الفلسفة هي في صميم التفكير ومجمل العلوم، دون قدرة لتفسير موقفي بشكل واضخ ومفهوم من طالب سحرته الفلسفة وهو بالصف السابع ولم يكن قادرا على تفسير عشقه للفلسفة، وما تركته الفلسفة من أثر على تفكيري ونشاطي السياسي والثقافي، بل قلت جملة عامة ان الذي لم يستوعب الفلسفة التي نشأت في بلاد الاغريق منذ مئات السنين، يبقى وعيه ناقصا.  فلم يجد المعلم من جواب الا ان يسخر مني ويُضحك بعض زملائي الطلاب بوصفي ب “الفيلسوف الذي لا يفقه ما يقول ويعيش بأحلام بعيدة عن الواقع”. ونصحني ان اعود الى عقلي ووعيي، وان اهتم بدروسي وابتعد عن الفلسفة والثرثرة.

اعترف أني غرقت بالصمت والتفكير، وعدم القدرة على تفسير حبي للفلسفة، واستهجاني من عقلية مربي أجيال يجهل قيمة الفلسفة بخلق جيل حر ومفكر ومتحرر من الخرافات والأوهام. لم أكن قادرا على تفسير موضوع الفلسفة كما شرحه لنا المحاضر، (الدورة الفلسفية قدمها في وقته القائد الشيوعي اميل حبيبي) بتأكيده ان الفلسفة ضرورة لجيل ينشد العقل والعلم والمعرفة من اجل احداث نهضة سياسية وفكرية واجتماعية وعلمية في مجتمعنا الذي يعاني من ظواهر مقلقة سياسيا وثقافيا لشعب شرد أكثرية أبناء شعبة وصودرت أراضيه، وبعضه اصبح لاجئا في وطنه بعد هدم مئات البلدات العربية ومنع من العودة اليها، رغم ذلك قسما كبيرا منه يواصل التصويت لمن سبب نكبة شعبه وفرض علية الأحكام العسكرية، وحتى التعليم يخضع لرقابة المخابرات ويجري فصل المعلمين الشرفاء، وبتنا نعاني من القصور الرهيب في التربية السليمة!!

بعد ان حثني المعلم وهو يضحك من جهلي (بالأصح استفزني مرات عديدة) ان اجيب على ملاحظته "وهل اقتنعت بما قاله بان الفلسفة ثرثرة وابتعاد عن الواقع؟"، قلت له باختصار: من اجل مستقبل طلابك قدم استقالتك من التعليم!!

عبس وتجاهلني، لكني رأيت شرر الكراهية يلمع في عينيه، ولم يعد يلتفت الي بل بت أشعر انه يتجاهلني رغم أني كنت من طلاب الصف البارزين، وللأسف نسيت اسمه رغم ان صورته لم تفارق ذهني، ومن حسن حظ الصف انه لم يعلمنا الا نصف سنة وجاء أستاذ جديد آخر بمكانه، عبر عن اهتمامه بقدراتي الفكرية والانشائية!!

بالتلخيص، شكرا لذلك المعلم الذي جعلني احول الفلسفة الى موضوعي المفضل، تركت دراسة هندسة الميكانيكيات بعد سنتين من الدراسة المسائية في التخنيون في حيفا، وسافرت الى دراسة الفلسفة والعلوم الاجتماعية، في معهد العلوم الاجتماعية في الاتحاد السوفييتي آنذاك، في العاصمة موسكو، وأخطأت لأني لم اواصل الدراسة الجامعية للحصول على اللقب الجامعي، رغم ان استاذي الروسي للفلسفة حثني مرات عديدة ان اواصل دراستي الجامعية، لأني كنت متحمسا ان اعود لوطني مناضلا ومثقفا وان انقل ما تعلمته للكوادر الشبابية!!

 

نبيل عودة

 

2996 عبدالرضا عوضلا يمكن الحديث عن الواقع الثقافي والتاريخي والأدبي في مدينة الحلة الفيحاء إلا وتسليط الضوء على دور الباحث والمرخ والمحقق الراحل د. عبد الرضا عِوض، عرفته قبل أكثر من عقد من الزمن، صادق المشاعر، حلو اللقاء، يعتبر لدى المثقفين والباحثين والمؤرخين المرجع والعرّاب، ومحل التساؤل عن كل شاردة وواردة، فقد أرخ تاريخ مدينة الحلةُ الفيحاء ووثّق سيرة علمائها، مُنذ النشأة وحتى يومنا هذا.

بذلَ الراحل عِوض جهده في إظهار الطوبوغرافيا العلمية لتاريخ مدينة الحلة، وتسليط الضوء على جملة الانجازات الفكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية التي حصلت في الحقب الزمنية السابقة، فضلاً عن الغوص في أعماق التاريخ والخروج بسِفره الثمين وهو (تاريخ الحوزة العلمية في الحلة)، لتحتل وبجدارة موقعها التاريخي والفكري في المكتبة العراقية والعربية، حتى نال درجة الدكتوراه في منجزه هذا.

في صباح يوم الخميس الموافق الحادي عشر من تشرين الثاني 2021 وبتمام الساعة الثانية رَحلً المؤرخ والمحقق والباحث د. عبد الرضا عوض، تاركاً خلفهُ أثراً طيباً وأرثاً ثقافياً وأدبياً. فقد رثاه الكتّاب والأدباء والصحافة والمنظمات المهنية والاجتماعية، لكن الحكومة المحلية في بابل تَنّكَرت لهذا المؤرخ الكبير ولم يحضر أي مسؤول مجلس الفاتحة المقامة على روحه، والذي لم تذهب شاردة أو واردة عن تاريخ مدينتهُ إلا ووثقها في مؤلفاته. عاش الراحل النابغة حراً أبياً صادقاً مع نفسه ومع الآخرين. كان ينبه ابناء مدينته بأفكاره الحُرّة، ويلهب مشاعرهم بالدعوة لعقد المؤتمر التأسيسي الأول لوقّعة عاكف، والدعوة لعقد مهرجان تمصير تاريخ مدينته (الخامس والسادس والسابع) بعد أن اهمل من قبل الحكومات المحلية المتعاقبة، ومؤسساتها الأدبية والثقافية، فغضب محافظو بابل المتعاقبين منهُ، وأغضبوا عليه. كما فنّد الراحل هذه الحكومات في عهد الاحتلال الأمريكي المشؤوم، ومن خلال مواقع التواصل الاجتماع كان يهاجم سياستهم بشجب واستنكار، وجعل مما ينشر مجالاً واسعاً لإنهاض أبناء بلده من غفلتهم وإفاقتهم من عثراتهم، مع هذا لكن الراحل كان لهُ مكانه كبيرة في قلوب محبيه، حيث كان يعبّر عن شعورهم أصدق تعبير.

ساهم الراحل عِوض بشكل فعّال في دعم الثقافة والتاريخ من خلال مؤلفاته وإصداراته التي تجاوزت (50) مؤلفاً، فضلاً عن مجلة أوراق فراتية، ومجلة اسديون، ومجلة العشرة كراسي، كذلك دوره في تأسيس ملتقى العشرة كراسي في مقر مكتبته، ودورهُ في صناعة الكتاب من خلال دار النشر (دار الفرات للنشر والدعاية والإعلام) في بابل، هذه الدار التي ساهمت بشكل مميز ومهني في الطباعة والتوزيع لكتابات بعض أدباء ومثقفي الحلة والمدن المجاورة، لا أبالغ حينما أصف الدكتور عبد الرضا عوض بمساهمته وثراءه للمنتج الثقافي العراقي، وهو أحد روّاد الثقافة، وأحد أعلام وفرسان الحركة الثقافية العراقية، وإذا كان لدالة الثقافة رمزيتها المحورية فأحد أركانها الدكتور عوض، وهو المعوّل عليه في مدينة الحلة في هذا المجال.

كان رحمه الله من الفاعلين والمساهمين في الثقافة الكتابية والمهتمين بحركة الفكر والنُخب الثقافية والأكاديمية، تتوق لهُ الخواطر من معشر الكُتّاب، حتى يضرب اللقاء في داره أو مكتبته العامرة مكتبة دار الفرات في الحلة، المكتبة التي شَكّلت الرئة والمتنفس للمثقفين والمتابعين للإصدارات الجديدة، حيث يعد دالتها.

كان للدكتور رحمه الله موقعهُ المميز في الأجواء الحلية، فهو الملم بالتاريخ والثقافة والأدب والإصدارات الثقافية، حتى بعض الأحيان احتكم لهُ بعض الباحثين في التحقيق والتدقيق والتوثيق التاريخي، وثق الكثير من أعلام مدينة الحلة وأديانها ومؤرخيها.

وكان في ساعاته الأخيرة وهو ينازع الموت قد أوصى ولده (علي) أن "يُبّلغ اللجنة العليا المشرفة على مهرجان تمصير الحلة السابع ورئيسها السيد غالب العميدي أن يعقد المهرجان مهما كانت الظروف والأسباب". حتى دوى نبأ رحيله المرعب واضطرب من اضطرب وحزن من حزن وسرَ من سر بساعة فراقه للحياة وإعلان وفاته من خلال مواقع التواصل الاجتماعي. فالراحل عَوض قد أوقف حياته لمدينته وتاريخها والمجتمع إيماناً ومحبة وعشق لها، فكانت خلود الحياة وخلود الميتة.

أبا حمدي فقدناك سنداً وأخاً عزيزاً، ومُعلَماً ومعيناً لا ينضب، رحلت وانت كما عهدتك قوياً للصعاب ونداً لها. لم تمت موتك الأبدي فأنت معنا نتذكر كلامك ونتصفح أرثك الثقافي الذي تركتهُ والذي كان عوناً للباحث الذي يبحر في صفحاته، لكن المدد لم يكن ينبوعاً جارياً فلا بد أن ينضب ويجف ويشح يوماً.

رحمك الله أخينا أبا حمدي، نُم قرير العين يا أخي، فقد انعمت علينا نحن أصدقائك بنعمة تجمعنا يومياً تحت مظّلة حوارك الجميل، وتجمعنا اسبوعياً تحت مظلة ملتقى العشرة كراسي في مكتبتك العامرة، كنت شغوفاً بتوثيق تاريخ الحلة، وقد اقترن اسمك مع اسماء أعلام مدينتك خاصة والعراق عامة. كان مجلسك اليومي في مكتبتك عامراً ومزاراً لكل صديق وأديب ومثقف وباحث. لذلك بقيت اخبار سيرتك العطرة بعد رحيلك الصادم لنا تدور على افواه ومسامع أبناء المدينة الذين يعرفوك ويعرفون افعالك الطيبة كل ما ذكر اسمك. تركت بعد رحيلك إرثا واثراً طيباً، تلك مآثرك وخصالك التي نعرفك بها. فليرحمك الله، والرحمة لروحك الطاهرة، وخالص العزاء للوسط الثقافي، والتضامن والمواساة لعائلتك الكريمة، وللأهل والمحبّين الصبر والسلوان.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

2989 ميردال(1898 – 1987) Gunnar Myrdal

هو الاقتصادي والباحث الاجتماعي السويدي، وأحد المؤسسين الأوائل لمدرسة ستكهولم في الفكرالاقتصادي. وهو ايضا الناشط السياسي الليبرالي الذي انتخب مرتين كعضو في البرلمان السويدي كديمقراطي اشتراكي بين 1934 و1946. كما اصبح وزيرا للتجارة بين 1945 و1947، وشغل منصب السكرتير التنفيذي في الامم المتحدة، مسؤولا عن الشؤون الاقتصادية الاوربية لمدة عشر سنوات بين 1947 و1957.

يعتبر ميردال اقتصاديا كينزيا رغم ما لديه من منجز فكري خاص به، وقد حاز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1974. كانت الجائزة مناصفة بينه وبين فريدريك هايك المخالف له فكريا. لكنها كانت تقديرا لمساهماتهما الرائدة على انفصال في الاقتصاد النقدي والدورة الاقتصادية. فهايك المحافظ المتزمت لايلتقي مطلقا مع ميردال صاحب التوجهات الاشتراكية والمساهم المخلص في قضايا التنمية الدولية وداعية السلام ونزع السلاح والمساواة والعدالة الاجتماعية ونصير الفقراء في كل مكان والرافض العنيد للعنصرية والحروب والهيمنة الاستعمارية.

ولد ميردال في Gustafs الواقعة الى الشمال الغربي من العاصمة ستكهولم عام 1898، وأمضى دراسته الاولية فيها ثم انتقل الى جامعة ستكهولم فحصل على شهادة القانون عام 1923. وهناك التقى بالناشطة السياسية ألفا Alvaوتزوجها عام 1924 ليعقدا شراكة زوجية وفكرية ومهنية دامت الى وفاتها عام 1986 التي سبقت وفاته بعام واحد. في عام 1927 حاز ميردال على شهادة الدكتوراه في الاقتصاد، وفي عام 1939 حصل على زمالة دراسية لمدة عام واحد من مؤسسة روكفلر الامريكية. وفي السنة التالية حصل على فرصة تدريسية في معهد الدراسات الدولية العليا في جنيف، ثم اصبح استاذا للاقتصاد السياسي في جامعة ستكهولم بين 1933 و1950. في عام 1934 انتخب سيناتورا في البرلمان السويدي عن الحزب الديمقراطي الاشتراكي، وفي عام 1938 انتدبته مؤسسة كارنيگي Carnegieالامريكية لدراسة المشاكل الاقتصادية للسكان السود، وهي الدراسة التي وضعته على خارطة الادب الاقتصادي والاجتماعي الامريكي والعالمي. كان انتخابه لمجلس الشيوخ السويدي قد اعيد عام 1942 فكان العضو الاكثر نشاطا والاقوى حماسا وهو الذي ترأس لجنة التخطيط لما بعد الحرب. في عام 1945 اصبح وزيرا للتجارة لكنه استقال بعد سنتين مفضلا ان يستلم منصب السكرتير التنفيذي للامم المتحدة مسؤولا عن الشؤون الاقتصادية في أوربا، وهو المنصب الذي امضى فيه عشر سنوات، من 1947 الى 1957. وعند انتهاء مهامه في الامم المتحدة شرع بدراسة المشاكل التنموية في جنوب شرق آسيا، وهي الدراسة الثانية ذات الاهمية الدولية والتي تمخضت عن كتاب بثلاثة اجزاء.

كان عمله في الامم المتحدة قد فتح عينيه على أزمات ومحن الشعوب في العالم الثالث، وكان قد تنبأ بأن الفجوة التنموية بين البلدان الغنية والفقيرة سوف تتسع مع الزمن بدلا من أن تضيق وذلك كلما تركز دور الدول الفقيرة على التخصص في انتاج المواد الاولية واستنزاف الموارد الوطنية لصالح الدول المتمكنة التي تحصد منافع الانتاج الأقل كلفة والأكثر ربحا مستفيدة من امتياز اقتصاديات الحجم والهيمنة الاستعمارية.

في عام 1961 عاد كأستاذ للاقتصاد الدولي في جامعة ستكهولم. كما أسس وترأس معهد دراسات الاقتصاد الدولي اضافة الى ترؤس معهد بحوث السلام ومجلس دراسات امريكا اللاتينية. بعد ذلك وفي عام 1973 ذهب الى الولايات المتحدة كزميل زائر في مركز دراسات المؤسسات الديمقراطية في جامعة كاليفورنيا- سانتا باربرا. وفي العام التالي 1974 حاز على جائزة نوبل في الاقتصاد وبقي الى نهاية عام 1975 باستضافة جامعة نيويورك كأستاذ متميز زائر.

في الدراسة التي كلفته بها مؤسسة كارنيگي عام 1944 والتي نشر نتائجها في كتاب بعنوان "المأزق الأمريكي: مشكلة المواطنين السود في الديمقراطية المعاصرة" كان ميردال شجاعا وغير محابيا وصريحا دون مواربة. فقد اوضح بأن سياسات "الصفقة الجديدة" التي اتبعها الرئيس فرانكلن روزفيلت كانت قد اثرت تأثيرا سلبيا على حياة المواطنين السود، خاصة في جانبين مهمين. الأول هو التقييد على المنتوجات الزراعية، والثاني هو الحد الادنى للاجور. ففي محاولة لجعل الدخول الزراعية مستقرة ومتوازنة قامت الحكومة الامريكية بفرض تقييدات معينة ضد زراعة محصول القطن، مما تسبب بارتفاع معدلات البطالة في هذا القطاع الذي يشكل الفلاحين السود الغالبية العظمى فيه. والادهى والأمر ان سياسة رفع الحد الادنى للاجور وتحسين مستوى المعيشة وسلامة وصحة العاملين كانت قد أدت الى حرمان اعداد هائلة من العمال السود من اعمالهم التقليدية المتميزة باجورها المنخفضة والراضين بها كبديل للبطالة والتي لم يكن يقبل بها العمال البيض الذين وجدوا الان المبرر لمنافسة العمال السود والفوز بأجور اعلى وظروف عمل محسنة. وهكذا خسر العمال السود اعمالهم الاصلية واصبحوا غير قادرين على منافسة العمال البيض أزاء ذلك التحسن في الاجور وفي ظروف العمل الذي تكفله القوانين الجديدة.

في هذه الدراسة استعمل ميردال منهجا تحليليا جديدا اطلق عليه "التسبيب المتفاقم الدوّار " Circular Cumulative Causation للتمييز العنصري الذي أشارمن خلاله الى التأثيرات السلبية التي تبدأ في مجال واحد وتسري تدريجيا كالعدوى الى المجالات الاخرى، فيتراكم ويتفاقم أثرها على الظاهرة المعنية ومتغيراتها الاساسية ويتكرر مفعولها على شكل دورة ليصبح الحال في نهاية المطاف اكثر تعقيدا وسوءً من ذي قبل. وبهذا فقد خلص من ذلك الى ان حالة التمييز العنصري وعدم الاكتراث بآثارها المباشرة وغير المباشرة تقود الى الفقر، الذي بدوره يولد فقرا مضاعفا، وينتهي الى تمييز واهمال اكبر. ذلك ان شحة الفرص وعدم تكافؤها يقود الى هبوط الحوافز وقلة الجهود والتي تدور بحلقة مفرغة لاتنتج سوى المزيد من الحرمان والفاقة والفقر الذي ينمو فيه وأزاءه التمييز الذي يأخذ طابعا ملونا. وبذلك فإن برنامج روزفلت المسمى AAA: Agricultural Adjustment Act لعام 1933 والهادف الى صيانة ورفع الدخول الزراعية للملاك الزراعيين والذي آل الى حصر زراعة القطن، معا مع قوانين رفع الحد الادنى للاجور حطم قاعدة العمل الرئيسية الوحيدة التي يعتمد عليها الفلاحين والعمال السود، حيث شجع اصحاب العمل ان يصرفوا النظر عن تشغيل هؤلاء العمال بحجة قلة المهارة وفقر التجارب المسبقة لديهم مما نتج عن استبدالهم بالعمال البيض الذين وجدوا الآن حوافزا مشجعة للانخراط في هذا النوع من الاعمال.

كانت نتائج البحث التطبيقي لهذه الدراسة وما خلص اليه ميردال من انتقادات للسياسة الاقتصادية ولسياسة الفصل العنصري التي كانت قائمة آنذاك والمسماة "منعزلون لكن متساوون" الاثر البالغ على قرار المحكمة الاتحادية العليا عام 1954 في الدعوى الشهيرة التي سميت "براون ضد مجلس التربية والتعليم" والتي أعتبرت الفصل العنصري عملا مخالفا للدستور الامريكي مما توجب معه ابطال قوانين وممارسات "منعزلون لكن متساوون" في المدارس الحكومية.

الدراسة الثانية التي اضطلع بها ميردال خارج السويد والتي كان لها صدى عالميا واسعا والتي نشرت نتائجها عام 1968 كانت بعنوان " الدراما الآسيوية: تساؤلات عن اسباب فقر الامم" التي استنتج فيها بأن التنمية الاقتصادية والاجتماعية في جنوب شرق آسيا لايمكن ان تتحقق إلا بالسيطرة على النمو السكاني واعادة توزيع الاراضي بشكل عادل والاستثمار في الصحة والتعليم. وقد اتبع منهج الاقتصاد المؤسسي المتعدد الجوانب والمتداخل الحقول خاصة مع حقول علم الاجتماع والسياسة، فدرس واقع ملكية الاراضي ومشاركة المحاصيل والانتاجية الزراعية والنمو ومشاكل تعددية الاصول والاعراق والاديان. وكذلك موقف وسياسات الحكومة من مسألة عدم التكافؤ وضياع العدل والمساواة الناتجة عن فعل تلك المنظومات المختلفة. وبذلك رأى ضرورة التدخل الحكومي الجاد مع التحذير حول احتمالات حصول الفساد الاداري والمالي عندما تأخذ مؤسسات الدولة بزمام الامور. لقد جاء تكليفه بتلك الدراسة منسجما مع اهتمامه بمشاكل الفقر في العالم الثالث والحاجة الملحة للاصلاحات الاقتصادية والاجتماعية من اجل وضع حد للفاقة والاجحاف وغياب العدالة والاستبداد وعدم اكتراث السياسيين وفساد الحكومات.

لقد تخللت دراسة ميردال للاقتصاد وموقفه منه كعلم تحولات هامة على الصعيدين الشخصي والمهني.

في اطروحة الدكتوراه التي دافع عنها عام 1927 عالج مشاكل السعر في ظل التحولات الاقتصادية وركز على آلية تكون الاسعار ثم الارباح وتراكم رأس المال وتغير قيمته بتأثير التوقعات المستقبلية للسوق والتطور التكنولوجي وتقدير المخاطرة وعوامل الريبة والشك والغموض، متبعا بذلك منهج فكسل في التأثير التراكمي للنقود كعامل ضمني، ومستخدما طروحات الاقتصاديين الامريكيين فرانك نايت وإرفنك فشر، ومركزا على اختلاف قيمة المتغيرات زمنيا بما ابتكره من تفريق بين قيمة "الما قبل" ex-ante عن قيمة "الما بعد" ex-post، خاصة في مسألة تقدير سعر الفائدة الفعلي actual interest rateفي "الما بعد" الذي يحسب باعتباره الفرق بين المعدل الاسمي nominalومعدل التضخم الفعلي actual inflation، فيما تكون قيمته في "الما قبل" محسوبة بالفرق بين المعدل الاسمي وبين معدل التضخم المقدر estimated inflation وقد استمرلسنوات قليلة بعد ذلك بالبحث بهذا النوع من التحليل النظري حتى انه نقل الاختبارات التحليلية التي استخدمها في اطروحته في مجال الاقتصاد الجزئي الى الاقتصاد الكلي، خاصة في كتابه عن التوازن النقدي بين الادخار والاستثمار وفي معالجته الخاصة التي فرق فيها بين الطور الواقع ex-post والطور المخطط له ex-ante. والتي نقلها الى نطاق فلسفة العلم الاجتماعي، فقدم مفهوم "النسبية العلمية للقيم" الذي تمحور حول فكرة الفجوة الواسعة بين ماهو كائن فعلا وبين ما ينبغي ان يكون، والتي رآها ميردال بانها اعمق واكثر تأثيرا من ان تكون مجرد اختلاف نظري بين مفهومين.

بعد الثلاثينات من القرن الماضي اصبح واضحا ميل ميردال الى البحث التطبيقي متحولا من المنهج النظري الذي تعود عليه. والابعد من ذلك انه تحول الى الدراسات التي تنتقد بشكل عام الاقتصاد النيوكلاسيكي وقد بدا عليه انحيازه الى الاقتصاد المؤسسي الذي وجد فيه مجالا رحبا لتضمين العوامل الاجتماعية والسياسية. كانت بواكير ذلك الانتقاد في كتابه المعنون "العنصر السياسي في تطور النظرية الاقتصادية" المنشور عام 1930، والذي وسع موضوعه في محاضراته التي القاها على طلبة جامعة ستكهولم والتي تضمن جزء كبير منها ايضاح تأثير العقل والتوجه السياسي على محصلات العلم الاقتصادي مبتدئا بنقد ما كان شائعا في الادب الاقتصادي السويدي الكلاسيكي ككتابات گستاف كاسل وإيلاي هكشر. لكنه استدرك لاحقا واعتترف بأن انتقاداته لاتقتصر على ماكان منشورا في الادب الاقتصادي السويدي بل ينبغي ان تشمل معطيات النظرية الاقتصادية القائمة آنذاك دوليا لما فيها ايضا من نزوع ذاتي. وبذلك فقد تفرد ميردال بدعواته لتخليص علم الاقتصاد من تأثير الانعكاسات الذاتية والميول السياسية لان الاقتصاد يفترض ان يكون علما غير منحاز يتعامل مع الحقائق الموضوعية بمعزل عن قيم وفلسفات ومواقف من يكتب فيه. كانت سلسلة تلك المحاضرات قد ترجمت الى الالمانية وطبعت بشكل مجلد عام 1932 وبعنوان "العنصر السياسي"، ثم ترجمت الى الانكليزية عام 1953. وبذلك اصبح ميردال معروفا بانتقاداته للاقتصاديين الذين يحجمون عن التعبير عن مواقفهم الاخلاقية وقيمهم الاجتماعية أزاء ما يدرسون من ظواهر ويتخفون عن الحقائق بحجة الموضوعية. وكان هو الصريح والشجاع الذي طالما انتقد بالتحليل العلمي الحالات السياسية التي تغمط حقوق القطاعات المعدمة من الناس والتي ليس لها من يدافع عنها وينتزع حقوقها المشروعة.

وبنفس الحماس كان ميردال ضد التوجه التكنيكي المتطرف في الاقتصاد الذي بدأت بواكيره الاولى آنذاك. فبالرغم من انه كان مسحورا ومندفعا للتوجهات الرياضية والقياسية في بدايات تدريسه وبحثه خلال العشرينات من القرن الماضي حتى انه كان عضوا مؤسسا لامعا لجمعية الاقتصاد القياسي في لندن، الا انه بدأ بانتقاد الاساليب التكنيكية الصرفة التي تبتعد كثيرا عن المنطق الاقتصادي والتي اتضحت لديه مع زيادة معرفته وتجربته. وقد قال يوما "ان معامل الارتباط الاحصائي statistical correlation coefficient لايكفي لتفسير العلاقات بين المتغيرات بالبساطة التي درجت بعض البحوث على تكرارها! فاذا اعتمدنا على معامل الارتباط بالمنطق البسيط المجرد يكون بإمكاننا ان نجد ارتباطا عاليا لكنه مزيفا بين عدد الثعالب التي تقتل في فنلندا وبين معدلات الطلاق هناك!!

لكن ميردال لم يبتعد كثيرا عن طروحات الاقتصاد الصرف فهو احد المؤسسين الاوئل لمدرسة ستكهولم في الفكر الاقتصادي، وهو الرائد في الاقتصاد النقدي واقتصاديات التنمية وهو الاقتصادي الكينزي حتى قبل كينز. ففي كتابه "الاقتصاد النقدي" المنشورعام 1932 أي قبل اربع سنوات من كتاب النظرية العامة لكينزعام 1936 كان ميردال قد سبق كينز في موضوعة التوازن الكينزية القاضية باستخدام الانفاق العام برغم العجز المالي في فترات الركود الاقتصادي، وذلك من أجل اعطاء الدفعة الكبيرة لعجلة الاقتصاد كما تعطى الصعقة الكهربائية لقلب يكاد يتوقف! على ان تقوم الضرائب بتسديد اموال الانفاق عندما تنقلب الدورة الاقتصادية ويتعافى الاقتصاد. كما انه سبق جورج ستگلر في مقالته عن الجوانب السلبية لسياسة الحد الادنى للاجور المنشورة عام 1946. علق حول ذلك الاقتصادي وليم باربر فقال: لو ان كتاب ميردال الموسوم "الاقتصاد النقدي" كان متوفرا باللغة الانكليزية آنذاك لكان من الممكن ان تعزى ثورة الاقتصاد الكلي حول فترة الكساد العظيم الى ميردال ولكانت تسمية النظرية "الميردالية" بدل "الكينزية". أما الاقتصادي ج. شاكل فقال ان موضوعة "الما قبل والما بعد" الميردالية اصبحت من صلب الاقتصاد الكلي المعاصر وان عدم الانتباه الى ضرورتها كمفهوم ديناميكي من قبل كينز ربما اعتبر من الهفوات الكبيرة التي كانت قد تجنبه اعتبار تيار الادخار وتيار الاستثمار متساويين بينما اثبت الحال انهما ليسا كذلك.

وجد ميردال في زوجته ألفا رفيقا وناشطا سياسيا واجتماعيا يشاركه فلسفته وافكاره ويعمل معه يدا بيد؟ ففي وقت مبكر نشرا معا كتاب "الأزمة في مسألة السكان" الذي حضي باهتمام خاص من قبل وزير الشؤون الاجتماعية فكان له الاثر الايجابي الاول على تبني دولة السويد سياسات الرعاية الاجتماعية المبكرة. ومضت زوجته في نشاطها الدائب لتستلم منصبا كبيرا في اليونسكو واصبحت سفيرة السويد في الهند ثم وزيرة شؤون نزع السلاح والكنائس ثم حصلت على جائزة نوبل للسلام عام 1982. وبذلك اصبحا اول زوجين ينالان جائزتي نوبل على انفراد. على ان هناك ثلاثة ازواج فقط نالوا جوائز نوبل ولكن بشكل مشترك وفي حقل واحد لكل منهم.

كان ميردال رافضا عنيدا للحروب فقد صرح مرارا وتكرار باحتقاره للحرب النازية وحرب فيتنام وترأس اللجنة الدولية للنظر في الجرائم الامريكية في الهند الصينية كما ترأس اللجنة السويدية ضد تجارة الاسلحة، ووقع بيان اليونسكو حول العنصرية عام 1950. كما كتب مقدمة كتاب الكاتب الافريقي ريچرد رايت "ستارة اللون" حول مؤتمر باندونگ للتضامن الافروآسيوي عام 1955.

كما كان ميردال متأملا طول الوقت بأن ماحققته السويد في حدوده الدنيا كدولة للرفاه الاجتماعي ان يتحقق في كل مكان في هذا العالم. واخيرا فان ميردال قد حصل على أكثر من 30 شهادة فخرية دولية بدءً بشهادة الدكتوراه الفخرية التي منحته اياها جامعة هارفرد عام 1938. اضافة الى عدد كبير من الجوائز وعضويات الشرف في الاكاديميات البريطانية والامريكية والسويدية. أنجب مع زوجته ألفا بنتين وابن، نشأوا في كنف عائلة تؤمن بالعلم والعمل والعدالة الاجتماعية. وقد اصبح ابنه فيما بعد ناشطا سياسيا وشيوعيا ماويا.

 

ا. د. مصدق الحبيب

 

 

عبد الله الفيفي(الأصول والهجرات والتلقي: مقاربات مقارنة)

 تسعى هذه الورقة إلى:

1- عرض مقارباتٍ في بعض أصول تراثنا الشَّعبيِّ العَرَبي في جَنوب الجزيرة العَرَبيَّة، وما هاجر منها إلى ثقافاتٍ أخرى، غربًا وشرقًا، مع تقديم بحثٍ تطبيقيٍّ في ذلك، من خلال المأثور القصصيِّ في جبال (فَيْفاء)، جَنوب (المملكة العَرَبيَّة السُّعوديَّة). 

2- ليس الهدف استعادة تراثٍ مجهولٍ إلى بيئته الأُولى وأهله فحسب، ولكن أيضًا الإسهام في الدَّرس الأدبيِّ المقارِن، بما تهيِّئه المادَّة المدروسة من إسهامٍ في هذا الميدان. 

3- استثمار ما يفتحه الأدب المقارَن- الذي مَرَّ تاريخه منذ القرن التاسع عشر بمدارس وتطوُّرات، من المدرسة الفرنسيَّة إلى المدرسة الأميركيَّة فالمدرسة السُّلافيَّة- من آفاق للتعرُّف على الذات والآخَر، ولسَبر العلاقات الثقافيَّة الإنسانيَّة بين شعوب العالم، متخطِّـيًا بمنهاجه الحدود اللغويَّة والعِرقيَّة، فضلًا عن الحدود الجغرافيَّة والتاريخيَّة. 

4- السَّفَر في رحلةٍ إنسانيَّةٍ، تكسر الفواصل المصطنعة بين بني الإنسان في تجاربهم على هذه الأرض، تنضاف قيمتُها الثقافيَّة والجماليَّة إلى قيمة أدواتها النقديَّة، الأنجع في تناول مادَّةٍ كمادَّة هذا الموضوع.    

-2-

إنَّ الأساطير، وشِبْه الأساطير، كثيرةٌ في جنوب الجزيرة العَرَبيَّة، ومنها جبال (فَيْفاء).  ويمكن تقسيم أنواعها إلى أربع فئات:

أ. أساطير حول شخصيَّات إنسانيَّة، مثل: (أُسطورة جَمَّان)، و(أُسطورة السَّرِي)، و(أُسطورة امحم عقيستاء= محمد عقيصاء)، و(أُسطورة فقير بن علوان)، و(أُسطورة مَيَّة ومَجَادَة). 

ب. أساطير حول بعض الحيوانات، مثل: أساطير حول حيوانٍ يسمُّونه: (خُفّ بالرُّبع).

ج. أساطير حول أماكن، مثل: (أُسطورة شَطِّ اِمْصَبايا/ الصَّبايا). 

د. آثار أُسطوريَّة لُغويَّة، كتلك الكامنة حول تسمية الضَّباب بـ"عَماية".

لكنني سأركِّز القول حول أُسطورتَين طويلتَين، بحثتُ علاقاتهما الإنسانيَّة العالميَّة، ودرستُ أصولهما وتفرعاتهما.

وكنتُ قد نشرتُ مادَّةً حول هذا، عام (2008)، في بحثٍ لي تحت عنوان "بين أُسطورة امْحَمْ عُقَيْسْتَاء في جبال فَيْفاء وأُسطورتَي كَلْكَامش وأوديسيوس Odysseus"(1)، في العدد الثالث من (مجلَّة "الخِطاب الثقافي"، جامعة المَلِك سعود، الرياض)، فلَقِيَتْ تلك المادَّة أصداء مشجِّعة.  وتواصلَ معي بعدها (المسرحيُّ ياسر المدخلي)، مستأذنًا لصياغة تلك الحكاية الأُسطورية في مسرحيَّة، واطَّلعتُ على عمله ورقيًّا، وإنْ كنتُ لم أشاهده منفَّذًا على خشبة المسرح.  وكُتِبت عن الدراسة بعض المراجعات المنشورة. ثمَّ أعددتُ ذلك العمل مع نصٍّ آخَر ليضمُّهما كتابي، بعنوان "هِجرات الأساطير: من المأثورات الشَّعبيَّة في جبال فَيْفاء إلى كلكامش، أوديسيوس، سندريلا (مقاربات تطبيقيَّة في الأدب المقارن)"، (نشره: كرسي الأدب السعودي- جامعة المَلِك سعود، 2015).  والنصُّ الآخَر، الذي تضمَّنه الكتاب، هو حكايةٌ أُسطوريَّةٌ تُعْرَف في جبال (فَيْفاء) بحكاية «مَيَّة ومَجَادَة».  وتبدو تلك الحكايةُ هي الأصل الأصيل لما أصبح يُعْرَف عالميًّا بأُقصوصة "سندريلا"، التي اتَّخذَتْ صِيَغًا عالميَّة متنوِّعة، وبلُغاتٍ شتَّى. 

والحقُّ أنَّ مِن هذا التراث الشَّعبيِّ المنسيِّ الكثيرَ ممَّا لعلِّي أفرُغ لجمع بعضه وتحقيقه ونشره يومًا.  وهو تراثٌ نستخفُّ به عادةً، حتى ينبِّهنا الآخَرُ (الغربيُّ) إلى جماليَّاته، أو إلى دِلالاته، أو إلى قِيَمه الإنسانيَّة.  والأنكَى أن ننام عليه حتى نَجِد الآخَر نفسَه قد سطا عليه، أو قُل: "أفاد منه"؛ بعيدًا عن حُكمٍ في شأنٍ ما فتئ محلَّ التَّحَرِّي والبحث.

لم يسبق أن عَرَض دارسٌ قبلي لتلك المواد بالدراسة، من قريبٍ أو بعيد، وإنْ حظيتْ نظائرها- أو ربما صحَّ القول: نُسَخُها المستنسخة في الثقافات الأخرى- بالدراسات الكثيرة عالميَّا.  وأحسب أنَّ في عملنا سعيًا إلى تقديم حلقاتٍ مفقودةٍ في تلك الدراسات، التي ظلَّت تجهل- أو تتجاهل- التراث في (شِبه الجزيرة العَرَبيَّة)، موطنِ الإنسان الأوَّل، ومرتعِ الآباء الأُوَل للحضارات البَشريَّة. 

وكما حاولتُ في المبحث الأوَّل من الكتاب المذكور استقراء نظائر النصِّ الشَّعبيَّة في الثقافات الأخرى، حاولتُ في المبحث الآخَر استقراء نظائر النصِّ الشَّعبيَّة في الثقافات الأخرى. فألفيتُ منها ما لم يكن في الحسبان من النصوص، من أقطار العالم كلِّه تقريبًا، وعملتُ على ترجمة أهمِّها، أو ترجمة ملخَّصات منها.  وقد بدا، في غضون ذلك، أنَّ من المفيد إثباتَ بعض النصوص بلغاتها، مع ترجمتها إلى العَرَبيَّة، كما كنتُ قد ترجمتُ النصَّين القصصيَّين المشار إليهما إلى اللغة الإنجليزيَّة، في (الملحق) بنهاية الكتاب.

-3-

ولعلَّه يحسُن التوقُّف أمام مصطلح (أُسطورة Legend) المستعمل في هذا الموضوع، لما يكتنفه من لبسٍ وتداخلٍ في التداول العام. وأكثر أنواع النصوص تلابسًا مع الأُسطورة: (الخُرافة).  ويُمكن التفريق بين مفهوم الأُسطورة والخُرافة، بالنظر إلى المقوِّمات الخاصَّة بكلِّ نوع.  وهذا ما سنفصل مناقشته في مقالنا التالي.(2)

 

بقلم: أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيـفي

............................

(1)  (2008)، مجلَّة «الخِطاب الثقافي»، ع3، (جامعة الملك سعود، الرياض)، ص ص131- 156.  

(2)  هذا المقال جزء أوَّل من ورقة بحثٍ حِواريَّةٍ قُدِّمت في (نادي جازان الأدبي)، مساء الأربعاء 3 مارس 2021.  للمشاهدة على موقع "اليوتيوب":

 

سناء عبدالقادر مصطفىالبحث عن صديق قديم

في عصر اليوم الأول من وصولي الى عدن من موسكو في 13/12/1983 تعرفت على أبوستار وهو من مدينة السماوة الذي جاء لزيارة د. حسين عبد المجيد أحمد في السكن الجامعي لجامعة عدن الكائن في كنيسة التواهي كما ذكرت ذلك في الحلقة الأولى من الذكريات . وبعد مرور فترة قصيرة من الزمن وانتهاء بروتوكول التعارف الذي جرى بيننا بسرعة بادرته بالسؤال التالي: هل تعرف سلام عبود؟ (سلام عبود صديق قديم من أيام الدراسة في جامعة بغداد في نهاية ستينيات القرن الماضي) . امتعض وجه أبو ستار وفكر طويلا قبل أن يجاوبني بحذر وباقتضاب شديد واختصار: نعم أعرفه او سمعت عنه بالأحرى، ولكن أنصحك كن حذراً لأن عليه علامة استفهام من المنظمة (يقصد بذلك منظمة الحزب الشيوعي العراقي"حشع" في اليمن) . سألته مرة ثانية وما هي علامة الاستفهام هذه التي تقصدها؟؟ جاوبني لا أعرف ولكن كن حذرا، قد يكون جاسوسا كما تقول المنظمة!!!!! ضحكت في دواخلي بالبداية ولكن لم أتمالك نفسي حتى شهقت من الضحك وقلت إذا كان سلام عبود جاسوسا فاقرأ السلام على الاسلام كما يقول المثل العربي متهكما. رجوت أبو ستار أن يمدني ويقول لي معلومات أكثر عن سلام ولكنه أبى وقال لا أعرف أكثر من ذلك. وبعد برهة قليلة من الزمن استأذن وخرج مودعا ومبررا خروجه السريع بزيارة أصدقاء آخرين جيراننا في السكن مثل الدكتور هادي أبو حسنين الذي لم يزوره منذ فترة طويلة.

التاريخ يعيد نفسه من دانيتسك الى عدن

في أول اجتماع حزبي في ربيع العام 1983 وكما أتذكر كان في غرفة الزميل نهاد الزهاوي، تكلم الرفيق المنظم او مسؤول الهيئة الحزبية بأنه توجد مجموعة من الرفاق ينتقدون سياسة الحزب ويوزعون أدبيات ومنشورات تهجم على الحزب ومنظمة عدن، وأن الرفاق في قيادة المنظمة يحققون في هذه القضية. تذكرت بهذا الصدد حينما انعقد أول اجتماع حزبي لنا في مدينة دانيتسك بأوكرانيا في خريف العام 1974 بعد وصولنا الى الاتحاد السوفيتي والتحاقنا بالكلية التحضيرية التابعة لجامعة دانيتسك الحكومية. كان يقود الاجتماع المرحوم متي شوشاني الذي كان وقتذاك طالبا في السنة الرابعة بمعهد البوليتكنيك الحكومي في نفس المدينة. والغريب في الأمر حدث نفس الشيء قبل حوالي عشرة من الاجتماع الحزبي في عدن. تحدث الرفيق متي حول وجود مجموعة تطلق على نفسها "فرسان العمل" في موسكو قامت بكتابة منشورات فيها تهجم على منظمة الحزب الشيوعي العراقي في الاتحاد السوفيتي وعلى سكرتير المنظمة شخصياً والذي هو خليل الجزائري. وكان في البريد الحزبي نسخ من هذاه المنشورات قرأها علينا المرحوم متي شوشاني . وأن الرفاق في المنظمة يعملون من أجل كشف ومعرفة الأشخاص اللذين يقفون خلف هذا العمل. بعد مرور حوالي سنة ونصف كنت في زيارة الى موسكو والتقيت بأحد الأصدقاء اللذين كانوا معي في الكلية التحضيرية في مدينة دانيتسك بأوكرانيا وسألته عن مصير منظمة "فرسان العمل" ومن هم أعضائها، جاوبني بشكل تهكمي بأن كل هذه الزوبعة في فنجان هي من تدبير سكرتير منظمة الحزب الشيوعي العراقي في الاتحاد السوفيتي خليل الجزائري وكان الهدف منها هو اقصاء بعض الرفاق من الحزب ومنظمة الاتحاد السوفيتي الذي كانوايعارضون وينتقدون سياسته وتصرفاته مع الرفاق في موسكو من حيث عدم حل المشاكل الدراسية المتعلقة بتغييرالاختصاص وتغيير مكان ومدينة الدراسة التي تقتضي مراجعة وزارة التعليم العالي السوفيتية وكذلك تأثيرالانحدارالمناطقي والعلاقات العائلية التي كان من المفروض أن لا تجد لها مكاناً وسط تنظيما أممياً وعلمانياً.

وفي الاجتماع الحزبي التالي طرح المسؤول الحزبي مسألة العلاقات الاجتماعية وضرورة التزاور وزيارة الأصدقاء. كانت في الهيئة الحزبية رفيقة خطيبها يعمل صحفياً في صحيفة "الثوري" في عدن اسمه صبيح الجابر، الذي توجد عليه علامة استفهام من قبل المنظمة هو الأخر. وحينما طرحت اسم سلام عبود ومن المحتمل أن يشاهدوني معه في مكان ما، رجوتهم أن لا يمتعضوا ولا يستغربوا من ذلك كما وأرجوأن يكتب ذلك في محضر اجتماع الهيئة الحزبية من باب التذكير ورفعاً للإلتباس. بعد انتهاء الإجتماع رجوت خطيبة صبيح الجابر بأن يقوم صبيح بإيصال خبر الى سلام عبود الذي يلتقي به بين فترة وأخرى مفاده بأن سناء موجود في عدن فقط ليس أكثر من ذلك.

طرد 34 رفيقاً من الحزب

وفي الاجتماع الحزبي القادم كان الدكتور رحيم عجينة الذي كان يشغل مركز سكرتير منظمة الحزب الشيوعي العراقي في اليمن موجوداً وكما هو معروف في المصطلحات الحزبية بأنه نزل مشرفاً وفي مثل هذه الحالة فبالتأكيد يوجد شيء مهم قد حدث ويريد الرفيق سكرتير المنظمة أن يخبر الرفاق في هيئتنا الحزبية بنفسه. تكلم الرفيق حول وضع الحزب في المرحلة الراهنة بشكل عام ومن ثم عرَج على وضع التنظيم في اليمن والظروف التي يمر بها وبالأخص بأنهم في قيادة المنظمة قد انتهوا للتو من التحقيق في وجود تنظيم منشق داخل المنظمة الحزبية وعددهم 34 رفيقاً وبأنهم عملاء السفارة العراقية في عدن. ولذلك قام الحزب بفصل قسم منهم وتوجيه عقوبات حزبية الى عدد منهم وتحويل قسم آخر الى اتصال فردي كما هو معروف في الرطانة الحزبية. ومن اللذين حققوا معهم د. رحيم عجينة وقسم من أعضاء منظمة حشع في اليمن الديمقراطية وهم أبو زينب ورضا الظاهر وعبد المنعم الأعسم.

كان من أحد أسباب الطرد من الحزب هو قراءة أدبيات منظمة فهد الثورية التي تكونت من بعض الرفاق في دمشق بسوريا في بداية ثمانينيات القرن الماضي وأرسلت الى عدن. ومن الأسماء اللذين طردوا من الحزب كما أتذكر بعض منهم:

أبو مازن (لا أتذكر اسمه الصريح) – مدرس، عضو منظمة مدينة عدن للحزب الشيوعي العراقي

د. جلال الزبيدي- استاذ في كلية التربية بجامعة عدن، عضو منظمة مدينة عدن للحزب الشيوعي العراقي

منصور أبو أراس- مدرس في احدى مدارس عدن

خليل اسماعيل- مخرج مسرحي عمل في فرقة المسرح الوطني في عدن

ناصر خزعل – مصور ومخرج سينمائي في تلفزيون عدن

خليل الحركاني- مدرس ومخرج مسرحي

صبيح الجابر- صحفي في صحيفة الثوري في عدن

رشيد بندر الخيون – معلم وطالب في كلية التربية بجامعة عدن

داخل عودة – أستاذ جامعي في كلية القانون بجامعة عدن

سعدي يوسف – الشاعر العراقي المعروف – رئيس تحرير مجلة الطفل في دار اكتوبر للطباعة والنشر . وآخرين غيرهم لا أتذكر أسماؤهم بعد مرور هذا الوقت الطويل منذ العام 1983.

رسالة سرية من الجزائر

في شهر نيسان/أبريل سنة 1983 استلم د. حسين عبد المجيد أحمد رسالة من د. نزار جعفر (اقتصادي، خريج معهد بليخانوف في موسكو بالاتحاد السوفيتي 1980، وكان عضوا في قيادة منظمة الحزب الشيوعي العراقي في الاتحاد السوفيتي في سبعينيات القرن الماضي) الذي كان يعمل آنذاك استاذا في جامعة قسطنطينة بالجزائر تحتوي على بيان موقع من قبله ومن د. خليل الجزائري (سكرتير منظمة الحزب الشيوعي العراقي في الاتحاد السوفيتي في سبعينيات القرن الماضي الذي ورد اسمه أعلاه) وهو الآخر كان يعمل في جامعة قسطنطينة بالجزائر في كلية القانون. كان البيان يدعوا جميع الرفاق خريجو الاتحاد السوفيتي اللذين توجد في جوازات سفرهم العراقية أختام مزورة لتمديد فترة صلاحية الجواز مراجعة السفارات العراقية في الخارج من أجل اخراج جواز سفر عراقي جديد لهم (كانت منظمة حشع في موسكو تقوم بتمديد الجواز وختمه بختم مزور وكثيرا ما اكتشفت سلطات حرس الحدود السوفيتية هذا التزوير في ميناء أوديسا في جمهورية اوكرانيا السوفيتية وفي مطار موسكو وغضت النظر عنه بعد الاتصال بالجهات المعنية). بعد الانتهاء من قراءة هذه الرسالة نصحت د. حسين بأن يقوم بحرقها ولا يخبر عنها أي شخص لأن عيون منظمة حشع في اليمن الديمقراطي كثيرة ومنتشرة بين صفوفنا وحتى لا نقع في خطأ لا تحمد عقباه ونتعرض للمحاسبة الحزبية.

بناء فندق عدن

بعد زواج د.حسين وانتقاله للسكن في حي خور مكسر مع زوجته، بقينا أنا والمهندس عماد باحور الذي كان يعمل في وزارة الصناعة في عدن نسكن في الغرفة التي صارت باسمي كوني أعمل في جامعة عدن. توثقت أواصر الصداقة بيننا من خلال تناول الكثير من المسائل العلمية والفلسفية والسياسية والدراسية في الدول الاشتراكية وخصوصا وأن عماد خريج ألمانيا الديمقراطية في العام 1974 كما ذكرت ذلك في الحلقة الأولى وشمله قانون عودة الكفاءات الذي صدر في العام 1974 حينما كان أحمد حسن البكر رئيساً للجمهورية العراقية.

بعد مرور فترة من الزمن حصل عماد على عمل مع شركة فرنسية كانت تبني فندق عدن الدولي بصفة مهندس كهربائي ومسؤول عن نصب المصاعد الكهربائية في الفندق ذو العشرة طوابق الذي يقع في منطقة سياحية وفي تقاطع طرق يسمى الكولة (Algolah) مقابل سينما عدن والكازينو السياحية وكذلك الطريق المؤدي الى جزيرة الشاليهات السياحية.

كان عماد باحور يطمح للسفر والإقامة في سوريا ولكن الذي كان يقف حجرعثرة أمامه هو جوازه سفره العراقي المنتهية صلاحيته وكيفية الدخول الى دمشق؟؟!!

البقية في الحلقة الثالثة.

 

أ. د. سناء عبد القادر مصطفى

 

عامر هشام الصفاربعد نجاح طالب كلية الطب بدروس العلوم الأساسية في الطب من فيزياء وكيمياء حياتية وعلم أدوية  وتشريح ووظائف أعضاء وعلم أنسجة، سينتقل الى العلوم السريرية الطبية والتي هي في صلب الأختصاص وممارسة المهنة من طب الباطنية وعلوم الجراحة...وكان من النادر أن يكون أستاذك الطبيب من خريجي أميركا ومجلس دراسات البورد الأمريكي، فجل عديد أساتذة الطب العراقيين هم من خريجي الكليات الملكية البريطانية...ولكن الحال لم يكن كذلك مع أستاذ طب القلب وأمراضه وطب الجهاز التنفسي الدكتور حكمت الشعرباف الذي عاد لأرض الوطن عام 1972 حاملا شهادة البورد الأمريكي بالطب وأمراض الطب الداخلي أو الباطنية..وهكذا تعرّفتُ على الأستاذ الشعرباف في أواخر السبعينيات، وهو بقامته وهيبته وهدوئه تراه يتوسط مدرج ألقاء المحاضرات لينظر من خلال عدسات نظارته الى ما يقرب من 300 طالبة وطالب، فيبتسم محييا أياهم، وليبدأ في الوقت المحدد محاضرته التي لا يمكن لك أن تمّل منها، ولو أنك في ذاك الزمان كنتَ حريصا على أن تسجلها كلها مكتوبة على أوراق رتبتها في ملف خاص بدروس الطب الداخلي أو الباطنية...

ثم أنكَ قد لاحظت أن الأستاذ له لغته العربية السليمة والتي يتحدث فيها مع بعض طلبته بعد ألقائه المحاضرة بالأنكليزية.. وهكذا عرفتُ أن الدكتور حكمت أنما هو سليل عائلة كان لعميدها الحاج حسين الشعرباف مجلسه الثقافي في مدينة الشطرة بمحافظة الناصرية العراقية..وقد تحدث عن ذلك ببعض التفصيل الدكتور الراحل العلامة المعروف حسين علي محفوظ في تقديمه لكتاب د. سلمان القيسي والمعنون ب "من حديث المجالس الأدبية والمنتديات الثقافية في بغداد"..وقد جاء في الكتاب: أن المجالس تزين البيوت والمنازل في الليالي والأماسي وفي أيام الجمع. وكانت مجامع تجمع الأفاضل والأماثل والعلماء والأدباء والشعراء والظرفاء، يرتادها الأعالي والأكابر وينتجعها السراة والأخاير، ويلتقي فيها الكبراء والأعزة، يؤلف بينهم الأدب وتشدهم الثقافة ويربطهم الفكر على أختلاف الأديان والمذاهب والمشارب والمعتقدات.

ثم أن مجلس الشعرباف الثقافي كان قد أنتقل من الشطرة حتى الكرادة في بغداد وأصبح الدكتور الأستاذ حكمت بنفسه مديرا له.. أضافة الى ما قام به الدكتور المؤرخ العراقي الجليل حسين أمين من أدارة لأعمال المجلس في بعض جلساته الدورية والتي أستمرت لسنوات طوال، أمتدت منذ بداية الخمسينيات وحتى ما بعد 2003.

وعودة للممارسة الطبية فقد تأثرتُ بالأستاذ الشعرباف وخاصة بالمهارة السريرية في الفحص الطبي، والأستماع للمريض وهو يفصّل بشأن حالته المرضية....فكما تعلمنا من أساتذة الطب الأوائل فأن التاريخ المرضي للمريض أنما يشكل أكثر من 70% من التشخيص للمرض، لما فيه من معلومات مهمة تدل على أصل المشكلة الصحية. كما أن الشعرباف الأستاذ كان من الباحثين في شؤون الطب والحريصين على مشاركة تجربته في البحث العلمي مع طلبته وزملائه.

وقد قرأتُ قبل سنوات ما صرّح به الأستاذ حكمت الشعرباف وهو يسمع ويرى ما حلّ بأوضاع الطب والأطباء في العراق..فقال بخصوص موضوعة الأعتداء على الطبيب، وسوء التصرف من قبل البعض مع الأطباء في المستشفيات العراقية ما نصه:

"ولابد هنا من القول أن معالجة أزمة أطباء العراق ليست بالمهمة السهلة نظراً لتشابك أمور عدة في حصولها، الاّ أن من الواجب وضع قوانين صارمة بحق من يقوم بالأبتزاز أو الأعتداء أو التهديد بدعوى حصول ضرر من جراء ممارسة طبية. اذ أن الأخطاء الطبية لو وقعت فإن الجهة التي ينبغي ان يلتجأ اليها صاحب الشكوى هي نقابة الأطباء والمحاكم المدنية وليست العشيرة، ذلك أن ممارسة التقاليد العشائرية لحل الخلافات، أيا كان محتواها هي أمر قد عفا عليه الزمن" .

كما أطلعتُ قبل سنوات قلائل على رأي للأستاذ حكمت الشعرباف بصدد أفتتاح كليات طب خاصة أهلية في العراق.. فكنتُ قد وقعّتُ على رسالة من قبل مجموعة من الزملاء الأطباء مبديا تحفّظا على الموضوع..وكان أن سمع الدكتور الشعرباف فقال برسالة منشورة حول الموضوع: "وخلاصة رأيي ان هذه الخطوة متسرعة، وربما جاءت تحت ضغوط من هنا وهناك. وإن في العراق اليوم من كليات الطب ما يفوق الحاجة، ولعل الأجدر هو الألتفات الى واقع حال مؤسساتنا الطبية التعليمية وتحسين أحوالها، وسد الثغرات فيها، ورفع مستوى خريجيها، بدلا من أن نضيف الى مشاكلنا في هذا الحقل الهام مشكلة جديدة....أنها دعوة مخلصة للمسؤولين للتراجع عن هذا القرار الخطير، واذا كان (الأعتراف بالخطأ فضيلة) فأن في التراجع عنه فضيلتين"...ولا أظن أن المسؤول قد تراجع مع الأسف...

ولقد علمتُ مؤخرا أن الأستاذ الدكتور حكمت الشعرباف كان قد نشر كتاب ذكرياته والذي عنونه ب "ذكريات وخواطر" حيث أشار الى الكتاب الكاتب جمال العتابي فقال: " هذا الجنس من الكتابة، وجد فيه (الطبيب) أرضاً خصبة بذر فيها تجاربه، وأحلامه، ورؤاه، بسردية رائعة للتجارب المهنية، والوطنية، والإنسانية، فهو يؤرخ لتاريخ العراق المعاصر، وتتوقف عند أقتباساته الشعرية، ونصوص من التراث، وتتلمس بأرتياح ما فيه من خفة الروح، بالتعليق الأنيق، والشاهد القرآني، والحكمة البالغة، والنكتة البارعة، مما يرد عفو الخاطر. إنه كمن يكتشف العلة، ويصف الدواء، ويطمئن المريض، بأنه سيحيا حياة رغيدة. هذه الذكريات، كما  وصفت: وطن في رجل، إنه عمل ودود، وأنيق وعميق ومحايد، فيه الخبرة والعبرة.

نسأل الله أن يحفظ الدكتور حكمت الشعرباف وهو في أميركا اليوم- أرض غربته.

 

د. عامر هشام الصفار

 

 

سناء عبدالقادر مصطفىسافرت بالطائرة من موسكو من مطار شيريميتوفا 2 في الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل من ليلة يوم الثالث عشر من شهر كانون الأول 1982 متوجها الى عدن عاصمة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وكان في  توديعي بالمطار الصديقين مفيد الناصح والمرحوم  نبيل الزنبوري. كانت درجة الحرارة في عاصمة الثلوج موسكو (موسكوعاصمة الثلوج هو ديوان شعر لصالح مهدي عماش الذي كان سفيرا للعراق في أوائل سبعينيات القرن الماضي) حوالي 30 درجة تحت الصفر.

دبابة وجنود مدججي بالسلاح  يحيطون بطائرة الايروفلوت السوفيتية

بعد طيران لمدة تزيد على الأربعة ساعات، هبطت طائرة الإيروفلوت بنا في مطار القاهرة الدولي بجمهورية مصر العربية للتزود بالوقود. الذي أثار استغراب ركاب الطائرة هو وقوف دبابة مع جنود مدججي بالسلاح حول الطائرة. استغرق مكوثنا في الطائرة لمدة ساعتين ولم يسمحوا لنا بالتوجه الى قاعة الترانزيت للإستراحة مما أثار حفيظة الركاب اللذين أرداوا التدخين خارج الطائرة واستنشاق هواء فجر القاهرة الندي. والغريب في الأمر، لم نعرف سبب احاطة الطائرة السوفيتية بقوات عسكرية في زمن الرئيس الراحل حسني مبارك الذي كان يملك علاقة جيدة مع السوفيت حينذاك؟؟؟!!!

وصلنا مطار عدن الدولي في الساعة الحادية عشر صباحا. أول شيء فاجئني هو هبة الهواء الدافيء المشبع بالرطوبة العالية ترتطم بوجهي وأنا بملابسي الشتوية الثقيلة حيث بدأ العرق يتصبب من جميع مسامات جسمي وكأنني في حمام بخار تركي(ساونا). لم يكن آنذاك خط لنقل الأمتعة داخل صالة الاستقبال وإنما عليك أن تذهب الى صالة خاصة بالأمتعة وتبحث عن حقيبة سفرك. والذي أدهشني أكثر هو وجود طائرات عسكرية في المطار المدني وبعد السؤال تبين أنه لا يوجد مطار عسكري في اليمن الديمقراطية وقتذاك.

لم يكن هناك شخص ما  يستقبلني في المطار كوني أحمل جواز سفر يمني صادر من سفارة جمهورية اليمن الديقراطية في موسكو. هاتفت من استعلامات المطار منظمة الحزب الشيوعي العراقي في عدن اللذين قالوا استأجر سيارة تكسي ونحن ندفع الأجرة.  حينما وصلت الى مقر المنظمة الكائن في حي خور مكسر والقريب من مطار عدن، كان الدكتور رحيم عجينة ورضا الظاهر وأبو زينب في استقبالي.

السكن في دير قديم لكنيسة كاثوليكية

بعد الترحاب والحديث عن الرفاق في موسكو، أخذني أبو زينب الى بيته حيث تناولنا طعام الغداء وبعد استراحة قصيرة وتناول الشاي ذهبت مع أبو زينب بسيارة المنظمة الي منطقة التواهي حيث سكنت مع الدكتور حسين عبد المجيد أحمد (توفي د. حسين عبد المجيد أحمد في  22 تشرين الأول/نوفمبر 1989 في مدينة عدن) وهو خريج جامعة موسكو ويعمل استاذا في كلية الاقتصاد بجامعة عدن.

كان سكننا في الطابق الثاني من بناية هي بالأساس جزء من كنسية كاثوليكية  تطل على ساحل خليج عدن في  حي التواهي والقس الذي  كان يعمل فيها هو ايطالي. كان الطابق الأول تشغله مدرسة مختلطة من البنات والبنين. وشغل هذين الطابقين في أيام الاحتلال البريطاني لليمن الجنوبي دير مسيحي كاثوليكي مع مستشفى.

كان الطابق الثاني عبارة عن سكن تابع لجامعة عدن وتسكنه عوائل مع عزاب يعملون أساتذة في جامعة عدن. كان السكن يتألف من 6 غرف مختلفة المساحات.  في غرفة رقم 1 قطنت عائلة استاذ هندي مع طفليه، عمل في كلية التكنولوجيا وفي الثانية استاذ عراقي عمل في كلية التكنولوجيا كذلك (د.هادي أبو حسنين). أما في الغرفة الثالثة فقد كان يسكن دكتور حسين وأنا وسكن في الرابعة استاذ  حسين عبد علي (خريج جامعة الصداقة بين الشعوب في موسكو) عمل في كلية القانون مع زوجته اليمنية وطفلهما اسامة. وفي الخامسة استاذ في كلية القانون – داخل عودة في كلية القانون (خريج جامعة باكو في أذربيجان)  وكذلك مهندس الكهرباء عماد باحور(خريج ألمانيا الديمقراطية سنة 1974) مع مدرس عراقي خالد عبد الكريم (مخرج مسرحي خريج رومانيا) وفي السادسة المترجم نهاد الزهاوي (خريج  جامعة الصداقة بين الشعوب في موسكو تخصص لغة روسية) الذي كان يعمل في كلية التربية مع الأساتذة السوفيت. انتقل عماد باحور للسكن معنا أنا ود. حسين في شهر آذار العام 1983.

كانت بناية الطابق الثاني قديمة ولم يجرى عليها أي تصليح، حتى كان سقف الغرفة التي  سكنت فيها مع الدكتور حسين عبد المجيد، يوجد فيه ثقب كبير وتشقق في أقسام كثيرة منه، وبسبب الرطوبة  العالية كان طلاء الغرفة القديم يتشقق ويسقط على أرضية الغرفة باستمرار. يوجد في غرفتنا حمام قديم ودوش من زمن الاحتلال البريطاني، أما بقية الغرف الخمسة فيتبعها حمام واحد مشترك ومغسلة واحدة مشتركة.

مباشرة العمل في كلية الاقتصاد

ذهبت في اليوم التالي المصادف 15 كانون الأول/ديسمبر 1983مع أبو زينب الذي كان يعمل ممثلا للعلاقات الخارجية في منظمة الحزب الشيوعي العراقي الى رئاسة جامعة عدن في منطقة مدينة الشعب وفيها تقع كلية الاقتصاد وكلية القانون. قابلنا مدير الشؤون الأكاديمية من أجل اكمال عملية التعيين والالتحاق بالعمل في كلية الاقتصاد.

باشرت بالعمل في كلية الاقتصاد في اليوم الثاني من شهر كانون الثاني 1983، أي في بداية الفصل الثاني من العام الدراسي 1982-1983. بدأت بالعمل دون وجود عقد عمل رسمي وانما مجرد اتفاق شفهي. كانت الدائرة المالية في الجامعة تريد أن يكون عقد عملي  في الجامعة، عقد عمل محلي اسوة ببقية الأساتذة اليمنيين، وذلك لأن اليمن الديمقراطية كانت تأخذ مساعدات من دول الخليج العربي لتغطية عمل الاساتذة من غيراليمنيين في قطاع التدريس الجامعي والثانوي. وبهذا الشكل تقسم جامعة عدن العقد الخليجي الى قسمين لتغطي به راتب اثنين من أساتذة الجامعة العراقيين. استمرت المفاوضات لمدة خمسة أشهر واستلمت أول راتب مع بقية الرواتب المتراكمة في بداية شهر حزيران/يونيو 1983.  كان راتبي الشهري هو 270 دينارا يمنيا جنوبيا ويسمح بتحويل 70% من الراتب الى الدولار الأمريكي بسعر صرف ثابت قدره 2.89 دولاراً أمريكياً للدينار الواحد والذي استمر حتى قيام الوحدة اليمنية في العام 1990.

طاقم تدريس أممي

كان معنا في كلية الاقتصاد خمسة أساتذة من الاتحاد السوفيتي (من موسكو وكييف ومينسك) يلقون محاضرات في المحاسبة والإقتصاد السياسي والاقتصاد الصناعي. عملت مع الدكتور ادوارد كوندراتنكو من معهد الاقتصاد الوطني في كييف دراسة ميدانية استمرت شهرين حول انتاجية مصنع معجون الطماطم في مديرية الفيوش بمحافظة لحج. كانت الدراسة بتكليف من وزارة الصناعة اليمنية وجامعة عدن. انهينا الدراسة في الوقت المطلوب مع  عدة توصيات بخصوص ضرورة تحديث الخطوط الانتاجية والتكنولوجيا المستخدمة في الانتاج مع انشاء مخازن مبردة لخزن المنتوج قبل تسويقه وعقود توريد الطماطم من المزارع التعاونية والحكومية وطرق تحديد الأجور..الخ وتكونت الدراسة من 76 صفحة فولسكاب.

نظمت عمادة كلية الاقتصاد رحلة لأساتذة  الكلية الى الضالع في أواسط شهر كانون الأول من العام 1983 شارك فيها حوالي عشرون استاذا وأستاذة شملت الأساتذة السوفيت وأستاذة من ألمانيا الديمقراطية.  كانت رحلة ممتعة لأني أول مرة أزور مدينة الضالع التي  تقع في منطقة جبلية وعرة وكان الطريق غير معبد. تشتهر مدينة الضالع بزراعة القات ولهذا اغتنم الأساتذة اليمنيون هذه الفرصة وخصوصا كان اليوم هو يوم الخميس (يباع القات في اليمن الديمقراطية يومي الخميس والجمعة فقط حسب قوانين الحكومة). بعد تناول طعام الغداء، اجتمعنا في قاعة كبيرة مساحتها لا تقل عن عشرة أمتارمربعة (لم يكن معنا الأساتذة الأجانب). يسمى مكان الجلسة هو المخدرة ويجب أن تكون النوافذ والشبابيك مغلقة حتى لا يدخل الهواء ويفسد نشعة القات. بعد جلوسي معهم لفترة معينة غادرت المكان بسبب كثافة دخان السجائر. تعرفت اثناء الرحلة على الدكتورعبد الفتاح هيكل وهو مصري وعضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي المصري وكان مقيما في جمهورية ألمانيا الديمقراطية. كان يدرس مادة الاقتصاد السياسي في الكلية لطلبة السنوات الأولى والثانية (أرفق صور عن الرحلة الى الضالع).

كانت هذه الرحلة فاتحة تعارف مع أساتذة الكلية وخصوصا مع الأساتذة السوفيت اللذين جلبوا عوائلهم معهم . صرنا نحتفل معا بمناسبة ثورة اكتوبر الاشتراكية وكذلك تبادل الزيارات معهم وخصوصا بعد قدوم زوجتي الى عدن في خريف العام 1983 ومكوثها لمدة أربعة أشهر في اليمن الديقراطية.

كنت وبعض الأصدقاء نقوم برحلات الى ساحل البحر في البريقة في أيام الجمع للترفيه والسباحة في البحر(أرفق صور عن ساحل البريقة).

مطرغزيرلم ينزل منذ 50 سنة في عدن

من صفات جو مدينة عدن بأنه قليل المطر ومعدل درجة الحرارة في فصل الشتاء 18-20 درجة مئوية ورطوبة قليلة تصل الى 31 %، أما في الصيف فمعدل درجة الحرارة  يصل الى 40  في بعض الأحيان  كما كان في صيف العام     1983 ونسبة رطوبة عالية وصلت وقتذاك الى حوالي 79%.  وفي أحد أيام شهر شباط /فبراير من العام 1983 نزل مطر غزير حتى فاضت الغرفة التي نسكنها أنا والمرحوم دكتور حسين بسبب انسياب ماء المطر من ثقب في سقف الغرفة والشقوق الكثيرة المتواجدة فيه.  حدث هذا في ليلة يوم جمعة كما أتذكر. صعدت في الصباح مبكرا فوق سطح الغرفة وبدأت أغرف ماء المطر بواسطة قدر كنا نستخدمه للطبخ وأرميه في الحديقة الخلفية للبناية.  أدى المطر الغزير الى حدوث سيول في اليمن الجنوبي وانجراف الطرق المعبدة في أماكن كثيرة. رأيت هذا في يوم السبت وأنا في طريقي الى كلية الاقتصاد في مدينة الشعب في حافلة الكلية مع بقية الأساتذة والموظفين العاملين في الكلية اللذين  قالوا بأنه لم ينزل مطر بهذه الغزارة في مدينة عدن منذ 50 سنة خلت. قامت دول الخليج العربي وقتذاك بارسال مساعدات مادية وعينية -غذائية وملابس وغيرها الى جمهورية اليمن الديمقراطية.

استغل الصديق والمخرج السينمائي ناصر خزعل الذي كان يعمل  آنذاك في محطة تلفزيون عدن جريان مياه الأمطار من فوق سد بحيرة الخساف وقام بتصويره في كامرته السينمائية ليصبح بعد ذلك منظر سقوط المياه من أعلى السد منظرا يفتتح به تلفزيون عدن كل يوم في الساعة الرابعة عصرا.   

سياق العمل الجامعي

قمت بتدريس مادة التوثيق الانتاجي في نظام ادارة المشاريع الصناعية لطلبة السنة الأولى والاقتصاد الرياضي لطلبة السنة الرابعة ومادتي إدارة الإمداد المادي التقني وإدارة الانتاج الصناعي لطلبة السنة الثالثة وبهذا اكتمل نصابي حيث كنت ادرس 12 ساعة في الأسبوع، بالإضافة الى الأشراف على مشاريع التخرج لطلبة الصفوف الرابعة وحتى كنت اعمل سيمنارات لطلبتي قبل أن يعينوا معي معيدا اسمه مازن كما أتذكر. قمت بالمشاركة في جميع فعاليات الكلية الثقافية من ضمنها المؤتمرات العلمية التي عقدت في عدن مثل :

- الندوة العلمية حول التعليم العالي والتنمية التي أقامها المؤتمر العام الخامس لإتحاد الجامعات العربية في شهر شباط/فبراير - 1985، حيث ساهمت ببحث نظري وتطبيقي عنوانه: العلاقة بين التعليم الجامعي والعالي وإدارة المشاريع الصناعية في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.

- الندوة العلمية التي أقامتها كلية الاقتصاد بجامعة عدن تحت شعار: التحولات الاقتصادية والاجتماعية في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.

اسم البحث الذي قدمته هو: تكنولوجية الأعمال الإدارية في المنشآت الصناعية في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. شهر آذار /مارس 1985. (أرفق صور عن المؤتمرات العلمية والسيمنارات التي كنت أقيمها لطلبتي).

ومن المناسبات المهمة هي زواج دكتور حسين في ربيع العام 1983 من فتاة يمنية كانت احدى طالباته في دراسة الدبلوم المسائي وعملت في  مديرية السياحة في عدن، وهي من سكان مدينة البريقة التي تبعد عن عدن بحدود  29 كم (أرفق صور عن حفلة زواج د. حسين حيث يظهر الى جانبه د. هادي أبو حسنين).  حصل دكتور حسين على شقة تابعة لجامعة عدن في حي خور مكسر وانتقل للسكن فيها مع زوجته،  وهي بالأساس تابعة لوزارة الاسكان ولكن تقوم الجامعة بتأجيرها بمبلغ 150 دينار يمني جنوبي لإسكان اساتذتها من غير اليمنيين.

كانت علاقتي بطلبتي مبنية على الاحترام المتبادل ولذلك كانوا يدعوني الى  أنشطتهم الثقافية والرياضية وللمشاركة في رحلاتهم الترفيهية الى الأماكن السياحية . كان يدرس أنذاك عدد كبير من الطلبة العرب في جامعة عدن، من فلسطين ومصر والأردن والعراق (أرفق صور عن هذه الرحلات).  

عودة عبد الفتاح اسماعيل الى عدن

عادعبد الفتاح اسماعيل الى عدن في بداية العام 1985 في 7 آذار/مارس 1985 بعد غياب قسري في الإتحاد السوفيتي لمدة خمسة سنوات تقريبا منذ 25 حزيران/يونيو 1980 وذلك بعد ضغط القواعد الحزبية في الحزب الاشتراكي اليمني. كان بيته مراقب من قبل السلطات الأمنية من الداخل ومن الخارج . حدثني أحد طلبتي بأن وفودا من اتحاد الشبيبة الديمقراطية اليمنية (أشيد) كانت تزوره في بيته ولاحظوا بأنه يوجد رجال الأمن داخل الصالة التي يستقبل فيها ضيوفه. انقسم الشارع اليمني بين مؤيد ومعارض لعودة عبد الفتاح اسماعيل. كان من المفروض بأن تحل المشاكل بين الأطراف المتنازعة في المؤتمر الثالث للحزب الاشتراكي اليمني في 16 تشرين الأول/اكتوبر1985، ولكن مع الأسف لم تحل على الرغم من تخلي علي ناصر محمد عن منصب رئيس الوزراء وعودة عبد الفتاح اسماعيل الى المواقع المتقدمة في الحزب حيث أصبح عضواً في المكتب السياسي. ولكن الأوضاع انفجرت في 13 كانون الأول/يناير 1986وحدثت الحرب بين الأطراف المتنازعة وراح ضحيتها حوالي عشرة ألاف من المواطنين الأبرياء من ضمنهم عبد الفتاح اسماعيل وعلي عنتر وعدد من قيادات الحزب الاشتراكي اليمني.

الهجرة الى مملكة النروج من سوريا

غادرت عدن في أواسط شهر تموز/يوليو 1985 متوجها الى الاتحاد السوفيتي لزيارة زوجتي السوفيتية في مدينة أوديسا على ساحل البحر الأسود بأوكرانيا  حيث مكثت هناك لمدة ستة أشهر.  سافرت في اواسط شهر كانون الثاني/يناير 1986 الى سوريا (بعد محاولة لجوء  فاشلة في السويد في الاسبوع الاول من كانون الثاني/يناير 1986) حيث عملت  في نهاية شهر نيسان/أبريل باحثاُ في مكتب دراسات الجدوى الاقتصادية في الشركة العامة للدراسات والاستشارات الفنية في دمشق لمدة سنتين تقريبا قبل أن أغادرها مع زوجتي (التي التحقت بي في سوريا في صيف العام 1986) في أواسط شهرأيلول/سبتمبر 1987 الى مملكة النروج التي أقيم فيها لحد الأن.  

هناك كثير من التفاصيل التي لم أذكرها عن حياتي وحياة العراقيين في اليمن الديمقراطية لمدة ثلاثة سنوات تقريبا وكذلك محاولة طلب لجوء في السويد في الاسبوع الاول من كانون الثاني/يناير 1986 قد تؤدي الى حدوث اضطراب عند القارئ واكتفيت بالذي دونته في هذه المقالة.

 

أ. د. سناء عبد القادر مصطفى

 

محمود محمد عليالحياة هي رحلة مجهولة الهوية، تحمل معها منعطفات لا نعرف وجهتها.. الحياة هي المساحة الجميلة في أعمارنا، والتي تحملنا معها من بين السنوات الكثير من المناسبات، والكثير من الرائعين منهم من يترك في كل مساراته وسنينه هوامش كبيرة ومؤثرة تشكل بصمة لهذا الإنسان وتجعل منه ضمن مجرات الحياة وعطاءاته إضاءات متلألئة، كل شكل منها يكوّن إضافة متميزة لا يحملها إلا القليل من هؤلاء النخب العظيمة.

والأستاذ الدكتور عبد الناصر محمد حسن ياسين – أستاذ علم الآثار الإسلامية ونائب رئيس جامعة سوهاج لشؤون التعليم والطلاب واحد من هؤلاء النخب العظيمة، وقد عرفته كصديق وزميل منذ ثمانينيات القرن الماضي، عندما كنت أدرس بقسم الفلسفة بكلية الآداب بسوهاج، وكانت تتبع جامعة أسيوط قبل أن تستقل، وكان معي في نفس الدفعة بقسم الآثار، وكنا نلتقي بالمكتبة ونتحاور معا في قضايا عديدة، كان طالبا نابغا، وباحثا موهوبا.

ولتفهم سيرة الدكتور عبد الناصر ياسين لا بد أن نتحدث قليلا عن علم الآثار الإسلامية، حيث حرص المسلمون بدورهم على جمع التحف الثمينة، إذ كانت قصور الأمويين والعباسيين والفاطميين والأندلسيين وغيرهم تزخر بالكثير من الآثار والتحف الثمينة والنادرة، فليس أدل على ذلك مما ذكره المؤرخون عما أخرج من قصر الخليفة الفاطمي من الكنوز والتحف. ولم تقتصر عناية المسلمين بالتحف المنقولة فقط، بل امتدت إلى العمائر القديمة على مختلف أنواعها من دينية ومدنية وعسكرية، وحظيت المباني الدينية بأكبر نصيب من الصيانة والحفظ. ومن ثم كان معظم ما وصل إلينا من آثار معمارية قديمة عبارة عن مبان دينية من مساجد ومدارس وزوايا وخانقاوات وأضرحة ومكاتب وأسبلة وتكايا.. وغيرها، إلى جانب ما وصل إلينا من تحف منقولة مثل التحف الخشبية والزجاجية والعاجية والمعدنية والخزفية والجصية والبلور الصخري والمنسوجات والمخطوطات المصورة وغيرها.

وقد شهدت علم الآثار الإسلامية سير جمهرة من الأعلام الكبار الذين جابوا أطلال مدن الحضارة العربية – الإسلامية في مصر، والعراق، وتونس، والمغرب، ودول عربية كثيرة، أو نقبوا فيها، واستخرجوا نفائسها، وصنفوا المئات من الكتب والمعاجم والخرائط والأطالس والمخططات والصور التي تمثل آثار وحضارات كثير من دول وعواصم عربية وإسلامية.

إن معرفة ما قام به أمثال هؤلاء الرجال واطلاع الجيل الحاضر علي سير حياتهم وما صادفوه من عقبات لواجب مقدس، يمليه علينا صوت الحق والعدل ويحتمه الوفاء والعرفان بالجميل.

والدكتور عبد الناصر ياسين يمثل منظومة حافلة بالعطاء العلمي الجاد، والشموخ الإنساني المتميز، باحثا ومنقبا، محققا ومدققا، مخلفا وراءه ثروة هائلة من الكتب العلمية، والبحوث الاكاديمية الرصينة، وطائفة كبيرة من المريدين والاتباع في علم الآثار الذين أعطاهم خلاصة فكره وعلمه.

لقد جمع الدكتور ” عبد الناصر ياسين ” في شخصه الكريم، نزعة دينية أخلاقية نابعة من خلال تبنيه الاتجاه الوظيفي في علم الآثار الإسلامية المرتبط بتصور وظيفي شامل لعلوم الآثار الإسلامية إلي جانب البحث الدقيق العميق، وقد تجلت هذه النزعة في نفسه الراضية المطمئنة، وسلوكه الإسلامي المستنير الذي ألتزم به في الحياة العامة، وكان تجسيد لعلم الآثار الإسلامي بجانبيه النظري والعلمي، وعند المتخصصين في الآثار الإسلامية وعلومها هناك علاقة قوية بين الجانبين. فقد كان باحثاً فاحصاً محققاً، مثالاً، ونموذجاً وواقعياً حياً للخلق الإسلامي، محتذيا بأساتذته الأجلاء من أمثال الأستاذ محمد عبد الستار وغيره.

والدكتور عبد الناصر ياسين من خيرة الأثريين المصريين الذين تراهم كشعلة نشاط، إنه لا يكل ولا يمل، وهو يمثل علامة وضاءة ومشرقة ولا يمكن لأي لعلم الآثار الإسلامية أن يتغافل عن دورة وجهوده في الارتقاء بالبحث العلمي والعمل الإداري بجامعة سوهاج ؛ فهو كما وصفه الأستاذ الصحفي عاطف حنفي في مقال له بعنوان عبدالناصر ياسين أهم رموز إعلام جامعة سوهاج صاحب الأخلاق والعلم والهيبة والوقار، عالم جليل ورمز من الرموز العلمية في مجاله علي مستوي مصر بأكملها، يتخذونه جميع الطلاب قدوة لهم ورمز للكفاح والعمل والعلم، ونموذج مشرف لجامعة سوهاج، وصل بالكفاح والاجتهاد والإبداع والتفاني في عمله إلي عميد كلية الآثار بجامعة سوهاج.

والحديث عن الدكتور عبد الناصر ياسين هنا إنما يتناول صورة مشرقة لمصري أستطاع أن يقتحم ميدان الكشف والتنقيب عن الآثار الإسلامية – الذي كان وقفا عن الأجانب من قبل – بشجاعة وجرأة نادرتين، والذي أثبت أن المصريين لا يقلون عن غيرهم من الأثريين إذا ما أتيحت لهم الفرص ويسرت لهم الإمكانيات .

والدكتور عبد الناصر ياسين واحداً من كبار المتخصصين في الآثار الإسلامية الذين حددوا مجاله، ورتبوا موضوعاته، وكشفوا النقاب عن شخصياته، وصاغوا الأطر النظرية له، وأبان عن تاريخه وأبعاده النظرية والعملية، وعرف مصطلح الآثار وخصائصه، وأوضح المنهج العلمي لدراسته. أما تلامذته فقد صرف الشيخ حياته المباركة في بذل العلم وإفادة الطلاب، ولذلك كثر طلابه والآخذون عنه بفضل تميزه بفكر نيّر، متفتح، ناقد، بعيد عن التقليد أو التعصب .

ولد الدكتور عبد الناصر ياسين في الحادي عشر من شهر مايو لعام 1966 بمحافظة سوهاج، جمهورية مصر العربية، حيث علي ليسانس آداب، قسم الآثار، شعبة الآثار الإسلامية، كلية الآداب بسوهاج، جامعة أسيوط سنة 1987، بتقدير عام “جيد جدا”. ثم خدم بالقوات المسلحة كضابط احتياطي لمدة ثلاث سنوات، ثم خرج ليعين معيد بكلية الآداب بسوهاج، قسم الآثار الإسلامية، في عام 1991م، ثم حصل علي ماجستير في الآثار الإسلامية، قسم الآثار الإسلامية، كلية الآداب بسوهاج، جامعة جنوب الوادي، 1996م، بتقدير "ممتاز" مع التوصية بالطبع على نفقة الجامعة، وتبادلها مع الجامعات الأخرى، وحصل علي الدكتوراه في الآثار الإسلامية، قسم الآثار الإسلامية، كلية الآداب بسوهاج، جامعة جنوب الوادي، 1999م، بتقدير “مرتبة الشرف الأولى”، مع التوصية بالطبع على نفقة الجامعة، وتبادلها مع الجامعات الأخرى.

وفيما يخص العمل الإداري وخبراته الوظيفية، فقد حصل علي درجة أستاذ مساعد بكلية الآداب بسوهاج، قسم الآثار الإسلامية، في عام 2005م، ثم أستاذاً بكلية الآداب بسوهاج، قسم الآثار الإسلامية، في عام 2010م، وعقب ذلك تم تعيينه وكيلاَ لكلية الآداب- جامعة سوهاج لشئون خدمة المجتمع وتنمية البيئة في عام 2011م، ثم وكيلاً لشئون التعليم والطلاب، في عام 2014م ؛ وعندما أنشئت كلية الآثار- جامعة سوهاج، بالقرار رقم (1036) الصادر بتاريخ 1/ 8 /2016م، عُين مشرفا على الكلية لفترتين، ثم عُين عميداً لها في عام 2018، ثم نائب رئيس جامعة سوهاج لشؤون التعليم والطلاب في عام 2021م.

وخلال تلك الفترة قام الدكتور عبد الناصر ياسين بإعداد مقررًا دراسيًا عن “الفخار الإسلامي” لبرنامج التعليم المفتوح بجامعة الخرطوم، ثم صار بعد ذلك منسقاً ومستشارا عام الأنشطة الطلابية بكلية الآداب، ثم مستشارا علي النشاط الرياضي بكلية الآداب، ثم رئيساً للجنة شئون الطلاب بكلية الآداب، ثم نائباً لرئيس مجلس المشاركة الطلابية.. الخ

ويذكر أن الأستاذ الدكتور عبد الناصر ياسين، يشغل منصب عميد كلية الآثار- جامعة سوهاج، وأستاذ الآثار الإسلامية بالكلية، ثم نائبا لشؤون التعليم والطلاب، وله العديد من المؤلفات والأبحاث ؛ نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر : دراسة عن الرمزية الدينية في الزخرفة الإسلامية (دراسة في "ميتافيزيقا" الفن الإسلامي)، ودراسة عن الأسلحة الهجومية في العصر الإسلامي (بالتطبيق على زخارف الفنون التطبيقية والعمائر)، ودراسة عن الأسلحة الدفاعية في العصر الإسلامي (بالتطبيق على زخارف الفنون التطبيقية والعمائر)، ودراسة عن الأعلام في العصر الإسلامي (أنواعها، صفاتها، خصائصها، مع دراسة للأعلام المنفذة على الخزف الإسلامي)، ودراسة عن الأعلام البحرية في تصاوير المخطوطات الإسلامية، ودراسة عن الدبابيس ذات الرؤوس غير التقليدية في تصاوير المخطوطات الإيرانية خلال الفترة من ق 8- 12هـ/ 14- 18م، مع دراسة مقارنة لمثيلاتها في تصاوير المخطوطات الإسلامية المعاصرة”، ودراسة عن مقدمات السفن ومؤخراتها المشكلة على هيئة رؤوس كائنات حية وخرافية في تصاوير المخطوطات الإسلامية خلال الفترة من ق 6- 12هـ/ 12- 18م، ودراسة عن أثر المنشآت المعمارية في تشكيل الفنون التطبيقية الإسلامية وزخرفتها.. وهلم جرا.

والدكتور عبد الناصر ياسين من الأساتذة المحترمين الذين قدموا لنا درسا لا ينسي، وهو أن الأستاذ الجامعي، ليس هو من يجيب الطالب بمعلومات جاهزة لديه، بل هو من يرشده إلي المنهج العلمي الذي يصل به إلي المعرفة، ويحدد مصادر موضوع بحثه ولم تختلف هذه الصورة منذ بدأت حياته العلمية: وإلي الآن معرفة دقيقة بموضوعه؛ لغة علمية محددة، حجة منطقية دقيقة، رحابة صدر، قدرة علي التعليم والتوجيه .

وفي نهاية حديثنا عن الأستاذ الدكتور " عبد الناصر ياسين " لا أملك إلا أن أقول تحية طيبة للأستاذ الفاضل الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

أ. د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

محمود محمد عليتحل علينا هذه الأيام ذكرى رحيل الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي  28  أكتوبر، ورائد التنوير بالعالم العربي، تولى وزارة المعارف عام 1950 في الحكومة الوفدية بقيادة مصطفى باشا النحاس في عهد الملك فاروق الأول، قائلا: "لم أختار أن أكون وزيرا ولكنه قضاء الله"، وقد أخذ طه حسين على عاتقه مهمة رسم مستقبل الثقافة والتعليم في مصر بعد سقوط حكومة النحاس عام 1952، بسبب حريق القاهرة الذي ظل في وجدان جميع المصريين.

طه حسين الذي ولد في محافظة المنيا الذي كان ترتيبه السابع بين 13 طفلا لأسرة من الطبقة المتوسطة ليصيب في سن مبكرة جدا من عمره بعدوى في العين، بسبب سوء التعامل مع حالته وعدم تلقي العلاج اللازم ليصاب بالعمى في سن 3 أعوام، ورفع طه حسين شعار العلم حق للجميع كالماء والهواء ليساهم في تحقيق العديد من الإنجازات في الأدب العربي، كما أسس في مدريد المعهد المصري المتخصص في الدراسات الإسلامية.

ولا يخلو بيت عربي، ولا مكتبة في أغلب دول العالم من أحد مؤلفات رائد التنوير والتجديد في الأدب العربي طه حسين، الذي استطاع بشجاعة ومثابرة هزيمة عمى البصر الذي عانى منه، وأيضا عمى البصيرة الذي عانت من الأمة العربية طويلا، واستطاع بثقافته واطلاعه إخراج العقول العربية من أثر الجهل والتخلف.

وقد عاش طه حسين في فترة من أهم فترات مصر الليبرالية، حيث نشأة الروح القومية، والأحزاب السياسية المعاصرة، وروح النهضة المنطلقة مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وتحول مصر الليبرالي بعد ثورة 1919. وخروج المرأة إلى الشارع، وانتشار الجرائد والمطابع ودستور 1923، وغير ذلك، فقد كانت تلك الفترة بمثابة فتح جديد لمصر على يد كثيرين من أبنائها تلاميذ الإمام محمد عبد

بل إن شهرته التي طبقت الآفاق جعلت أديبًا من وزن الفرنسي أندريه جيد يرشحه، عام 1949 لنيل جائزة نوبل للآداب. تناول شيَّاع بالدراسة والبحث سيرة مفكرٍ مجددٍ مثل طه حسين الذي فرض حضوره المتميز على الحياة الثقافية والعلمية والسياسية في مصر طيلة نصف قرن.

و" طه حسين"، خالد ومتجدد كما النيل، وأعماله كالآثار المصرية القديمة تزداد قيمة كلما مرّ عليها وقت، وما زالت في حاجة إلى من يكتشف المزيد منها، صنع العظيم أسطورته الشخصية بما يملكه من فكر صدّره إلى العالم وكان سببا في الهجوم عليه، لكنه كان يعرف حقيقة وجوده وجوهر رسالته التي لا بدّ أن تصل إلى الجميع في جميع أقطار الأرض، بينما تحتفظ بهويتها المصرية، وذلك في آن واحد.

ولد عميد الأدب العربي طه حسين، ابن الصعيد في قرية تابعة لمركز مغاغا محافظة المنيا، في 15 نوفمبر 1889، وقد ذاق طه حسين مرارة فقدان البصر وهو طفلًا لم يبلغ الرابعة من عمره، بسبب الجهل السائد في تلك الفترة؛ فقد أصيبت عيناه بمرض الرمد، وبدلًا من الذهاب به إلى الطبيب، عالجه «الحلاق» بدواء أفقده بصره للأبد، ولم يقف فقدان البصر حائلًا أمام تلقي طه حسين للعلم، حيث أرسله والده إلى كُتاب القرية ليتعلم فيه اللغة العربية، وأساسيات الحساب، وقد حفظ القرآن كاملا وهو في سن صغيرة.

وقد قال عنه نزار قبانى : ضوءُ عينَيْكَ.. أم حوارُ المَـرايا أم هُـما طائِـرانِ يحتـرِقانِ؟ هل عيونُ الأديبِ نهرُ لهيبٍ أم عيـونُ الأديبِ نَهرُ أغاني؟ آهِ يا سـيّدى الذى جعلَ اللّيلَ نهاراً.. والأرضَ كالمهرجانِ.. اِرمِ نظّارَتَيْـكَ كي أتملّى كيف تبكى شـواطئُ المرجانِ اِرمِ نظّارَتَيْكَ... ما أنتَ أعمى إنّما نحنُ جـوقةُ العميانِ أيّها الأزهري... يا سارقَ النّارِ ويا كاسراً حدودَ الثوانى عُدْ إلينا.. فإنَّ عصرَكَ عصرٌ ذهبي.. ونحنُ عصرٌ ثانى سَقَطَ الفِكـرُ في النفاقِ السياسي وصارَ الأديبُ كالبَهْـلَوَانِ يتعاطى التبخيرَ.. يحترفُ الرقصَ ويدعو بالنّصرِ للسّلطانِ.. عُدْ إلينا.. فإنَّ مـا يُكتَبُ اليومَ صغيرُ الرؤى.. صغيرُ المعاني.

وقد جاهد صاحب "الأيام" من أجل الدراسة بالجامعة المصرية، وكان من أوائل المنتسبين لها في بدايتها عام 1908، وحصل على الدكتوراه عام 1914 في دراسة عن الشاعر "أبي العلاء المعري"، سافر بعد ذلك إلى فرنسا وهناك تعرف على الفرنسية "سوزان بريسو" وتزوجا، وكان أول المصريين الحاصلين على الدكتوراه من جامعة السوربون عام1918.

ثم تعرض مؤلف "في الشعر الجاهلي" ورائد التنوير في مصر، لحملات هجوم، وخاض الكثير من المعارك بسبب أراءه التحررية، ودعوته لتغليب صوت الفكر والعلم فوق الأصوات المنادية للجهل، مما أدى إلى فصله من التدريس بالجامعة المصرية1933، وعمل مؤلف "المعذبون في الأرض" في الحقل الصحفي بإشرافه على جريدة "كوكب الشرق"، وتحرير "جريدة الوادي"، لكنه لم يكمل الطريق وعاد مرة أخرى للجامعة، وعمل أستاذاً للأدب، حتى أصبح عميداً لكلية الآداب، وفي عام 19، 50شغل منصب وزير المعارف في الحكومة المصرية، وأثناء منصبه أبدع أشعاره "التعليم كالماء الذي نشربه، والهواء الذي نتنفسه"، وحارب الأمية وجعل التعليم الأساسي متاحا للجميع.

وأبدع طه حسين الكثير من الموروث الفكري والثقافي في مختلف صنوف الأدب وأشكاله ولا يسعنا هنا سوى أن نذكر بعض من أعماله، منها «على هامش السيرة، الفتنة الكبرى عثمان، الفتنة الكبرى على وبنوه، حديث المساء، مع أبي العلاء في سجنه، من لغو الصيف، حافظ وشوقي، قادة الفكر، الحب الضائع، شجرة البؤس، جنة الشوك، بين بين، صوت باريس، والوعد الحق"، وفارق محارب الجمود والظلام الدنيا في أكتوبر 1974، تاركا للإنسانية تراث امتد أثره ليعبر حدود اللغة من خلال الترجمة للعديد من اللغات ليغزو عقول الكثير من سكان الكرة الأرضية.

ولذلك حين تقرأ بتمعن المشروع الفكري والإبداعي لطه حسين، تشعر وكأنه كان معنيا بالتأثير الفعلي فى حياة أمته، فنصوصه الإبداعية بدت تأسيسا ملهما للسرد في بواكير علاقة العرب بالرواية الحديثة، ونصوصه المكتملة مثل "دعاء الكروان"، و"الحب الضائع" تمثل نقلة نوعية فى مسار السردية العربية، وأعماله النقدية وفى المتن منها "حديث الأربعاء"، و"من أدبنا المعاصر" بدت زوايا نظر عميقة للنص العربي قديمه وحديثه، وأحيانا تأسيسا مبكرا للغاية لطروحات فى نقد النقد، أو درسا تطبيقيا رفيعا في الأدب المقارن من زاوية التأثير والتأثر بين نصين ينتميان لثقافتين وأدبين مختلفين. وفى مناخات العتامة والتطرف الديني تصبح استعادة طه حسين واجبة، ويصبح استكمال ما بدأه أمرا لا غنى عنه فى استئناف مشروع التحديث المصري والعربي من جهة، وتكريس فكرة الدفاع عن العقلانية بوصفها جوهر التنوير من جهة ثانية.

في كتابه (قراءات في الفكر العربي الإسلامي) تحدث الباحث العراقي كامل شيَّاع عن مكانة طه حسين الفكرية التي هي موضع إجماع الداني والقاصي. وإن طه حسين (1889 - 1973) الذي سجل في الجزء الثالث من سيرته الذاتية (الأيام) استياءه لعدم إشارة سعد زغلول اليه كواحدٍ من أعمدة يقظة مصر الحديثة، حين اكتفى الأخير، في كلمة له ألقاها في ذكرى وفاة الشيخ المصلح محمد عبدو، بذكر ثلاثة أسماء فقط: محمد عبده "الذي أحيا الحرية العقلية"، مصطفى كامل "الذي أذكى جذوة الحرية السياسية»، وقاسم أمين "الذي أحيا الحرية الاجتماعية". فمن المؤكد، كما يقول شيّاع، أن طه حسين ما كان يحتاج آنذاك ولا في أي فترة لاحقة الى الاعتراف بمكانته الفكرية كأحد أبرز رموز النهضة الحديثة في مصر والعالم العربي.

ولقد أراد "طه" الرمز المشع أن يحرك الجمود الفكري، الذى أصاب مصر بعد الاحتلال العثماني، الذى كان يرى أنه ردها إلى الانحطاط بعد الرقي، وإلى الجهالة بعد العلم، وقطع الصلة بينها وبين أوروبا دهرا، فكان المنطق الذى أراده عميد الأدب والثقافة والفكر العربي، أن تتجه مصر نحو أوروبا، وتتخذ منها أسباب الحضارة، مدخلا لنهضتها الحديثة، استئنافا لحضارتها القديمة، فيرى أن مصر حمت العقل الإنساني مرتين، حين آوت فلسفة اليونان وحضارته أكثر من 10 قرون، وحين آوت الحضارة الإسلامية وحمتها إلى العصر الحديث، فما شخصه "بول فاليري" للعقل الأوروبي كأساس النهضة الحديثة بأنه يرجع إلى عوامل ثلاثة، هي نفسها أسس العقل الإسلامي، وهى حضارة اليونان وما فيها من أدب وفلسفة وفن، وحضارة الرومان وما فيها من سياسة وفقه، والمسيحية وما فيها من دعوة للخير وحث على الإحسان، ولا يرى "طه" الإسلام إلا متمما ومصدقا للتوراة والإنجيل، من خير وإحسان، وليس هناك تناقض بين العقل الأوروبي والمصري، يمنع التواصل واللحاق بركب الحضارة الحديثة، بكل أوجهها الثقافية والعلمية، وتعويض ما فاتنا بالتوجه إلى القبلة الحضارية بالغرب .

وفى ذكرى رحيل العميد تحضرنا صور العميد من عدة زوايا تبرز فضله ودوره وعلمه وإنسانيته، الصورة الأولى للكاتب الذى لا يغريه منصب حكومي مهما كان عظيمًا، ذلك أنه عام ١٩٥٠ استدعى مصطفى النحاس العميد وعرض عليه منصب وزير المعارف، فرفض طه حسين إلا إذا أقرت الحكومة برنامجه في التعليم المجاني وتعهدت بتنفيذه، فوافق النحاس، ولأول مرة أمسى التعليم الثانوي والفني بفضل العميد متاحًا بالمجان لأبناء الشعب، وكان ذلك الموقف متسقًا مع ما كتبه طه حسين من أن "التعليم مستقر الثقافة"، ولا ثقافة من دون إتاحة التعليم للجميع؛ والصورة الثانية تجسد موقف العميد المدهش من قضية الطائفية، فقد كتب في "مستقبل الثقافة في مصر» يقول: «لعل الاختلاف بين المسلمين والأقباط في الدين أن يكون أشبه بهذا الاختلاف الذى يكون بين الأنغام الموسيقية، فهو لا يفسد وحدة اللحن وإنما يقويها ويزكيها ويمنحها بهجة وجمالًا"، وهنا يرى العميد أنه لا تعارض بين جوهر الديانات السماوية وربما يرى الكثيرون ذلك أيضًا، لكن أحدًا لن يمضى إلى الأمام أبعد وأجمل مما مضى العميد حين يقرر أن الديانات تكتسب بهجة وجمالًا بتجاورها وحياتها المشتركة، ويضيف إلى ذلك قوله: "عندما يمنح الله العدالة للناس فإنه لا يمنحها للمسيحيين فقط أو المسلمين فقط، وإنما لجميع الناس".

وفي نهاية مقالي لا أملك إلا أن أقول: إن الكلمات لا تستطيع أن توفي رائد التنوير طه حسين الذي كان يمثل لنا نموذجاً فذاً للفيلسوف ديكارت .. رحم الله  طه حسين، قاهر الظلام، الذي صدق فيه قول الشاعر: رحلتَ بجسمِكَ لكنْ ستبقى.. شديدَ الحضورِ بكلِّ البهاءِ.. وتبقى ابتسامةَ وجهٍ صَبوحٍ.. وصوتًا لحُرٍّ عديمَ الفناءِ.. وتبقى حروفُكَ نورًا ونارًا.. بوهْجِ الشّموسِ بغيرِ انطفاءِ.. فنمْ يا صديقي قريرًا فخورًا .. بما قد لقيتَ مِنَ الاحتفاء.. وداعًا مفيدُ وليتً المنايا.. تخَطتْكَ حتى يُحَمَّ قضائي.. فلو مِتُّ قبلكَ كنتُ سأزهو.. لأنّ المفيدَ يقولُ رثائي.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..........................

هوامش

1- فهد المضحكي: طه حسين رائد من رواد التنوير، مقال بالأيام.. العدد 11830 السبت 28 أغسطس 2021 الموافق 20 محرم 1442.

2- محمد بلال: في ذكرى وفاته.. سطور من حياة رائد التنوير طه حسين,, الشروق المصرية.. نشر في: الأحد 27 أكتوبر 2019 - 10:47 م | آخر تحديث: الأحد 27 أكتوبر 2019 - 10:47 م.

3- د.يسرى عبد الله: طه حسين وروح مصر المتجددة.. مقال بالأهرام المصرية .. تشر في الأثنين 17 من صفر 1439 هــ 6 نوفمبر 2017 السنة 142 العدد 47817.

4-رانيا عوض: "طه حسين".. رائد التنوير والعدل المعرفي، مقال منشور بالبوابة نيوز، منشور بتاريخ الخميس 30/يناير/2014 - 11:11 ص.

5- وفاء محمود: عنوان “طه حسين” فى مصر الجديدة.. مقال بالأهرام المصرية .. تشر في الثلاثاء 4 من ذي الحجة 1437 هــ 6 سبتمبر 2016 السنة 141 العدد 47391.

6- د. أحمد الخميس: طه حسين.. صور متجددة.. مقال بالدستور، منشور بتاريخ   السبت 30/أكتوبر/2021 - 07:40 م.

 

 

 

سليم الحسنيفي 19 نيسان 1981 وصلت الى طهران قادما من دمشق مع الشيخ محمد سعيد النعماني للعمل محرراً في مجلة صوت الأمة التي كان يرأس تحريرها.

كانت الساعة التاسعة مساءً، وقد بدت شوارع طهران مظلمة، بسبب الحرب مع العراق، لا تضيؤها إلا مصابيح السيارات والأنوار المنبعثة من النوافذ.

أوصلني الشيخ النعماني الى مبنى قرب ساحة فردوسي الشاعر الإيراني المشهور، كان المبنى مخصصاً لسكن المهاجرين العراقيين، وعند المدخل رأيت للمرة الأولى الأستاذ حسن شبر، رجل في الخمسينات من عمره، أنيق يغمره الوقار، ونظرة جادة يتسرب منها الحزن وتعب السنين.

هذا هو إذن السيد حسن شبر الرجل ذائع الصيت بمواقفه وثباته وصموده في السجن لمرات عديدة، أشهرها في قصر النهاية بحكاياته الخرافية مع رجل الرعب مدير الأمن ناظم كزار.

كنت أحمل إليه رسالة مغلقة من تنظيم حزب الدعوة في سوريا، كما هو الإجراء المتبع عندما يسافر أحد الدعاة من دولة الى أخرى، لكني شعرت أن الوقت غير مناسب. 

عصر اليوم التالي عدت من مجلة صوت الأمة الى مبنى (الإتحاد) واتصلت بالأستاذ شبر أخبره بشأن رسالة الإرتباط الحزبي. فسارع الى المجيئ وسلمته الرسالة، سألني عن شؤوني الشخصية، قلت له أن ليلة أمس كانت متعبة، وأنا سأبحث عن سكن، فقال لي:

ـ في سجون العراق يعيش أخوتك الدعاة في ظروف صعبة، ولا يجد السجين فسحة من المكان على الأرض لينام عليها.

لون الحزن غطى عينيه، كنت أراه من خلف نظارته الأنيقة، شعرت بأني أثرت فيه الهموم والذكريات، وربما لمحت بريق دمعة محبوسة. فإبنه البكر الشهيد رياض أعتقل وأعدم بعد فترة وجيزة، وكذلك خاله ووالد زوجته السيد قاسم شبر، وعدد من أفراد أسرته قضوا في سجون صدام.

أخبرني بأنه سيتم ترتيب إرتباطي خلال أيام، وإنتهى اللقاء، وساعتها لم يدر في ذهني أن علاقة من نوع خاص ستشدني الى هذا الرجل الصارم الوقور، وأنها ستتحول الى ما يشبه علاقة الإبن بأبيه، حتى أن بعض الأصدقاء فيما بعد كانوا يقولون أن السيد حسن شبر هو (ابوك الروحي).

بعد مضي أكثر من عقدين من الزمن، كنت أقوم معه في منزله بترتيب وأرشفة وثائق الحزب، حيث كنت معه في لجنة التاريخ الخاص للحزب، فأخرج مظروفاً وقال لي:

هذه رسالة نقلك من سوريا الى إيران.

طلبت منه أن أطلع عليها، فقال:

لا يمكن ذلك فهذا مخالف للضوابط التنظيمية.

كنت أعرف مسبقاً أنه سيمتنع، لما أعرفه عنه من صرامة في الإلتزام الحزبي، حتى ولو كان غارقاً في أحاديث السمر الجميلة.

الذين يعرفون تأريخ السيد حسن شبر الشخصي، يرونه رجل الصبر، لكن في شخصيته جوانب أخرى تزاحم الصبر، فالصراحة ونكران الذات والشجاعة في الرأي والدقة، وصفات أخرى كثيرة، تختزنها شخصيته، كنت اكتشفها مع الأيام من خلال العلاقة اللصيقة معه، فلا يكاد يمر يوم دون أن التقيه أو اتحدث معه هاتفياً.

مع الفقر كانت البداية:

في أحاديث كثيرة ومناسبات متفرقة لفت نظري أن السيد حسن شبر، يذكر التين والمشمش كشواهد في بعض كلامه. وذات يوم سألته عن سبب ذكره اسماء هذه الفاكهة. فأجابني:

ـ في طفولتي كنت أتصور أن هذه الفاكهة موجودة في الجنة فقط.

بهذه الطفولة بدأ حياته، مع أنه ينتمي الى عائلة عريقة لها منزلتها الدينية والإجتماعية الذائعة الصيت في العراق وخارجه.

وكنت أستمع الى أحاديثه عن طفولته وكأنه يروي قصة عن شخص آخر، إذ يصعب تصور شخص بهذا الطفولة المعدمة، أن يصل الى ما وصل اليه السيد شبر من ثبات ونزاهة ونظافة يد وتحمل لهموم الناس والاسلام، وعزيمة على الاستمرار نحو الهدف الذي آمن به.

كانت عائلته الكبيرة تقضي الكثير من الليالي بدون عشاء، وكانت وجبة الطعام هي الخبز بدون أدام. بل أن الخبز كان لا يكفي أحياناً، فيضطر والده الى ترك إبنائه يأكلون الخبز، معتذراً بانه مدعو لوليمة، فيخرج الى الصحن الحيدري يمضي الوقت هناك ثم يعود بعد ساعات متظاهراً بالشبع، فيما الجوع يقرصه بإنتقام.

وكان الخبز أحياناً لا يشبع جوعه، فيتسور سور نادي المعلمين ليأكل من أوراق الشجر.

حكايات كنت أسمعها فأجد نفسي أمام عملاق يعشق التحدي، يصرع بإرادته العنيدة كل الصعاب.

وكان يذهب الى المدرسة حافياً، لقد أكمل الإبتدائية حافي القدمين.

لكن هذا الفقر الظالم، علمه أن يسير بثبات في طريق الهم العام، وتلك خصلة لا يتوافر عليها كل أحد.

فقد حمل السيد حسن شبر الهم الإسلامي منذ بدايات شبابه، ففي الثلاثينات من القرن الماضي، وكان طالباً في مدرسة منتدى النشر في النجف الأشرف، بدأ يفكر بأهمية أن يشهد الواقع الإسلامي تحولاً جذرياً ينقذه من التخلف السائد. فأصدر مع بعض أصدقائه مجلة إسلامية بعنوان (البذرة) كانت تتبنى طرح أفكار إسلامية تدعو الى التغيير والإهتمام بشؤون المسلمين، وتوعية المجتمع.

وخطى السيد شبر خطوة أخرى باتجاه العمل الحركي في تلك الفترة، فقد تحسس أهمية أن يتم إعتماد العمل الحزبي من أجل مواجهة التخلف والانحراف في المجتمع، فأسس مع رفيق عمره الشهيد عبد الصاحب دخيل حزباً باسم (الحزب الاسلامي الجعفري) وكان يهدف الى القيام بحركة توعية في وسط الشباب على أساس الإسلام ومفاهيمه الأصيلة، بعيداً عن التقليدية الضاربة في الوسط الشيعي.

وكانت الخطوة من الخطورة بحيث انها تضعه أمام نقمة هائلة فيما لو انكشف أمرها، فلم يكن تشكيل الأحزاب السياسية مألوفاً في جو محافظ مثل أجواء النجف في تلك الفترة.

كان في حزبه يتحرك في أجواء من السرية الصارمة، يتخير الأشخاص الذين يفاتحهم بأمر حزبه بدقة وحكمة، فلا مجال للخطأ حتى لو كان عارضاً.

وفي تلك الفترة توثقت علاقته بالعديد من الشبان، صار لبعضهم أكبر الشأن في الحياة السياسية والاسلامية، مثل الشهيد الكبير السيد محمد باقر الصدر، والسيد محمد حسين فضل الله والمرحوم الشيخ محمد مهدي شمس الدين، والشهيد السيد مهدي الحكيم، والشهيد السيد محمد باقر الحكيم  وشخصيات أخرى.

ونتيجة لنشأته في مدينة النجف الأشرف، وتعرفه على أجوائها، ورصده لمظاهر الحياة فيها، فقد استطاع أن يتمتع بحس إجتماعي كبير، كما أن نشاطه الحركي جعله يكتشف نقاط الخلل في الواقع الشيعي، وقد إختزن في ذاكرته تلك التجارب، وكتبها في مجلد كبير لا يزال مخطوطاً حتى الآن، وقد أعطاني نسخة منه، قرأته أكثر من مرة لأني كنت أشعر بأني أدخل حقبة من التاريخ لم أولد فيها.

وقد طلبت منه أكثر من مرة أن يبادر الى طباعة الكتاب، لكنه كان يرى أن الظروف لم تحن بعد، وكان عنوانه الأولي: (التخلف عن قيادة الأمة).

رحم الله الأستاذ الكبير والشخصية الرسالية الصابرة السيد حسن شبر، لقد استعدت عند سماعي خبر وفاته سنوات طويلة من الذكريات، مرّت عليّ سريعة مثقلة بالحزن الموجع.

 

سليم الحسني

٦ تشرين الثاني ٢٠٢١