محمود محمد عليكان العلم الأوروبي عند مطلع العصر الحديث، كما يري أستاذنا الدكتور فؤاد زكريا، علماً ميكانيكياً فى المحل الأول. فالميكانيكا نفسها كانت أهم العلوم وأدقها وبفضلها تحققت مجموعة كبيرة من كشوف القرنين السادس والسابع عشر. والأهم من ذلك أن نموذج المعرفة ذاته كان هو النموذج الآلي ؛ أعنى أنك تستطيع أن تفهم الظواهر على أفضل نحو إذا ما استطعت أن تنظمها فى نسيج تكون فيه كل منها مؤدية إلى الأخرى بطريقة آلية خالصة . بل إن الكون كله كان آلة ضخمة تسير فى عملها بانتظام الساعة الدقيقة . وعلاقة الله بالعالم أشبه بعلاقة الصانع بصنعته؛ بمعنى أن العالم قد صنع متقنناً منذ البداية، ويظل يسير بعد ذلك بنفس الدقة والانتظام اللذين صنعا بهما.

ولقد كان دافنشى خير من يمثل هذا الاتجاه فى عصر النهضة؛ حيث رأى فى الميكانيكا أساساً للعلوم الطبيعية التى تقوم على مفاهيمنا للمادة ولحركتها فسجل العبارة التالية: " الميكانيكا فردوس العلوم الرياضية، إذ أن فيها نصل إلى ثمار الرياضيات "

Mechanics is the paradise the mathematical science because by means of it comes to the fruits of mathematics.

وبلغ تقديره لأهمية العلوم الميكانيكية أقصاه؛ حيث يقول: " يطلق توصيف الميكانيكي على تلك المعرفة، التى تولد من التجربة، بينما المعارف التى تتولد من العلوم، وتنتهى فى العمليات اليدوية، فإنها تسمى عندئذ بالعلوم نصف أو العلوم شبه الميكانيكا " .

إن تقدير دافنشى لعلوم الميكانيكا كان له أثره فى أن يصبح واحداً من كبار المهندسين والمصممين للآلات فى عصره ؛ حيث كان مهتما بشكل خاص بمشاكل الاحتكاك والمقاومة وتوصيف عناصر مثل أسنان اللولب والتروس والرافعات الهيدروليكية وأجهزة التدوير وتروس الثقل، وما شابه ذلك بصورة فردية أو فى مجموعات متنوعة، وبمرور الزمن اختلط اهتمامه بالميكانيكا التطبيقية . كما أدرك دافنشى أن القوى الميكانيكية العاملة فى القوانين الأساسية للميكانيكا تعمل فى كل مكان سواء العالم العضوي أو غير العضوي . وهكذا فإن القوة أصبحت فى النهاية المفهوم الأساسي بالنسبة لدافنشى وكخاصية روحية فإنـها كانت تشكل وتحكم الكون .

وأينما فحص دافنشى ظواهر الطبيعة، كان يعترف بوجود قوى أولية تحكم شكل ووظيفة الكون . ففى دراساته عن طيران الطيور التى اتخذت فيها فكرته الشبابية عن إمكانية أو جدوى أداة الطيران شكلا قد أدت به إلى بحوث شاملة فى عنصر الهواء.

وفى دراساته للماء التى اهتم فيها بالخواص الطبيعية يقدر اهتمامه بقوانين الحركة والتيارات . وفى بحوثه عن قوانين نمو النباتات والأشجار. وكذلك التكوين أو التركيب الجيولوجي للأرض وتشكيل التلال .

وأخيراً فى ملاحظته لتيارات الهواء التى تستحضر لهب شمعة أو صورة خيط رفيع من سحاب ودخان . وفى رسوماته – خاصة فى دراساته عن الدوامات بناء التجارب العديدة التى قام بها، وضع دافنشى مرة أخرى شكلاً للتمثيل ينطبق على أسلوب معين كان من تصميمه هو نفسه، وكان هذا يتضمن تقسيم الظاهرة إلى أجزائها المكونة لها – خطوط الماء والتيارات الدائرية للدوامات . ولكنه فى الوقت نفسه يحتفظ بالصورة الكاملة والرؤية التحليلية والتجميعية . وهكذا فإنه بالنسبة لكل المجالات الفردية المنفصلة لمعرفة علم الطبيعة، قدم دافنشى صورة موحدة للعالم: نظرية لنشأة الضرورة وقانون الانسجام اللذين خلقهما الله" .

وانطلاقاً من هذا يرى بعض الباحثين أن دافنشى: " كان عبقرية تكنولوجية لا مثيل لها، ففي أعماله تتحول التقنية إلى تكنولوجيا، تحولا تعبر عنه أقواله حول الأهمية المطلقة للتجربة، التي يدعى هو أنه تلميذها بالنسبة إلى التأمل الفلسفى وإلى المعرفة الكتبية، والتي ليست على الأقل إلا قاعدة لبناء النظرية التى تحل محلها وتخالفها، تحول نادى به تصريحه الشهير القائل بأن الميكانيكا هى فردوس الرياضيات، حيث تعطى الرياضيات كل ثمارها، الميكانيكا تتحول من  فن تجريبى إلى علم تطبيقى، والتالي إلى علم مغلق أمام كل أولئك الذين ليسوا مهندسين، تحول حققته مشاريعه الآلية التى سبقت زمنه، والتى لا تقدم لنا صوراً كما تقدم المجموعات التقنية من القرن الخامس عشر والسادس عشر، بل مشاريعاً محسوبة ومنجزة بالمقاييس مثل الرسوم الجيومترية .

وتبين مذكرات دافنشى ذلك؛ حيث تحوى دراسات وبحوث تجريبية قيمة في مجال الهندسة الميكانيكية، ومن بين هذه الدراسات والأبحاث أنه وصف وبين بالرسم كثير من الاقتراحات للمخترعات الحربية التى تشمل الدبابات والمدافع والبنادق .

ومما يدل على ذلك تلك الرسالة التى أرسلها إلى الأمير" لود فيكو سفورزا " والتى بين مواهبه فى مجال الهندسة الحربية، حيث يقول فيها:  " سيدي الأجل الأفخم، لقد اطلعت الآن إطلاعاً كافياً على جميع البراهين التى يتقدم كل أولئك الذين يحسبون أنفسهم أساتذة فى أدوات الحرب، فتبين لي أن اختراع هذه الآلات السالفة الذكر، واستخدامها لا يختلفان فى شئ عن الآلات والطرق التى تستخدم الآن، وقد جرأني هذا على أن أتصل بعظمتكم دون أن أبغى فقط الإساءة إلى أحد غيري، لكي أكشف لكم عما عندي من الأسرار، ثم أعرض عليكم بعدئذ، إذا سركم هذا أن أشرح لكم شرحا وافيا فى الوقت الذى يوائمكم جميع الأمور التى أوجزها فى هذه الرسالة، وهى على النحو التالي:-

1- إنى أستطيع بناء جسور نقالة عظيمة الفائدة فى مطاردة العدو أثناء الحرب أو الفرار منه بنجاح. وهى جسور خفيفة وقوية فى آن واحد، كما يسهل فكها وتركيبها بسرعة فائقة.

2- فى حالات الحصار المضروب على قلعة للأعداء يمكنني بوسائلي الخاصة، تفريغ المياه التى تملأ الحفر والخنادق من حولها. وعندي لهذا الغرض آلات حديدية وسلالم تنفع فى تسلق الجدران العالية.

3- إذا كان هناك نهر يمنع الاشتباك بين جيشين، فأنا أستطيع تغيير مجرى النهر وتحويله ضد العدو . كما أحسن حفر الخنادق والأنفاق تحت الأرض بحيث يتمكن المهاجمون من بلوغ القلعة المحاصرة فى سرية تامة ومباغتة العدو من الداخل .

4- أستطيع بناء مركبات مصفحة بالحديد ومجهزة بالمدافع وقاذفات النيران . كما أن بمقدوري صناعة قنابل يدوية محرقة تلتهم جنود العدو عند الهجوم .

5- فى أيام السلم أستطيع أن أحوز رضاكم التام فيما يختص بتشييد العمارات والأبنية والجسور فوق الأنهار وإقامة السدود ومد الأقنية الصالحة للري. وبوسعكم أن تتأكدوا من ذلك .

وبناء على ذلك يذكر بعض الباحثين أن دافنشى قد رحل إلى مدينة " ميلانو" بعد أن رد عليه الحاكم مشجعاً . وبدأ عمله هناك كمستشار فني لأعمال استكمال " كاتدرائية ميلانو"، ثم قام بتصميم بعض الآلات التى كان قد وعد لود فيكو سفورزا بها .

ويذكر " ول ديورانت " في كتابه "قصة الحضارة"، أن دافنشى فكر فى وضع كتاب يبين كيف تصد الجيوش بقوة الفيضان الناشئ من إطلاق المياه، وكتاب يبين كيفية إغراق الجيوش بسد المياه التى تجرى فى الوديان، ووضع تصميماً لأدوات تقذف بطريقة آلية وابلاً من السهام من سطح دوار، ولرفع المدافع على عربات، وإسقاط سلم مزدحم بقوة محاصرة تسلق الجدران، وأغفل " بورجيا " معظم هذه الأدوات لأنه ظنها عملية، واكتفى منها بتجربتين أو ثلاث فى حصار " تشيري"  عام 1503 .

واعتمدت طريقة دافنشى على تحويل كل مشكلة تصادفه إلى فحص منطقي للمبادئ الأساسية الخاصة بها، سعياً وراء الحصول على الهيئة المثلي لطريقة الحل . ويتضح ذلك حين اشتدت رغبته فى استئناف طريقة عمل من المحامل والوصلات والتروس، وغير ذلك من آليات نقل الحركة الميكانيكية.

ولم تقتصر جهود دافنشى على ابتكار الآلات الحربية، بل كانت له إسهامات أخرى فى العلوم الميكانيكية، منها كما يذكر بعض الباحثين أنه عمل فى ميلانو مهـندساً للهيـدورليكا، حيـث قام بتعديل بوابات الأهوسة المقامة على القنوات ( عن طريق إنشائها بزوايا محدودة للصمود فى مواجهه الماء)، وخاصة أهوسة قناة " ماريتزانا "، وقد انبهر دائماً بالقدرات الهائلة للحياة الجارفة . كما صور فى لاسكتشاته عشرات الآلات التى أدخل عليها  تحسينات " .

وامتد نشاطه إلى تخطيط بعض المدن، وقد كتب فى ذلك يقول: "يجب أن تقام المدينة إلى جانب نهر لا تعكر مياهه الأمطار، يجب أن يكون ارتفاع أبنية هذه المدينة فى مستوى واحد، ويجب أن يدخلها النور والهواء وتسودها النظافة وتنشأ فيها ميادين فسيحة واسعة .

ثم يستطرد فيقول: ويجب أن تكون فى هذه المدينة نوعان من الطرق: طرق مرتفعة أو معلقة تزدان بنوع من الأناقة، وطرق منخفضة أو سراديب تسير تحت الأرض ترتفع رويداً رويداً عن المياه الصافية، ويرتفع منها الطين المتراكم باستمرار بواسطة الكراكات والمجاريف .

وكان دافنشى يتعمق فى رسومه إلى أحط حاجيات المعيشة، وكان يصمم الغرف موزعة أحسن توزيع، بحيث يدخلها النور والهواء، ويضع لها مدخنة تبقى الأخشاب مستعرة على الدوام .

وبجانب اهتمام دافنشى بإصلاح البيئة، كانت له اسهامات علمية فى الكشف عن آلات أخرى منها كما يذكر كراوذر أنه صنع آلات لخيوط بأشكال لولبية، وسار من خلال التجربة إلى الطريق الصحيح الموصل لاختراع الساقية، وأبتكر كماحات (فرامل ) ذوات سيور، وترساً لمضاعفة سرعة الحركة ثلاثة أضعاف، ومفتاحا مضبباً قابلاً للضغط ، وترس آلة للف المعادن وتدويرها، وقاعدة متحركة لآلة طباعة، وترساً ينغلق من تلقاء نفسه لرفع سلم . وأحياناً فكر دافنشى فى تعديل الآلة البخارية التى قال بها " هيرو الاسكندرى ". كما اثبت بالتجربة كيف يستطيع الإنسان بالضغط فى مدفع أن يرمى قذيفة من الحديد على مدى ياردة . وأبتكر وسيلة للف الخيط وتوزيعه بالتساوي على مغزل دوارا ومقص ينفتح بحركة واحدة من حركات اليد.

هذا بالإضافة إلى أنه وضع تصميماً لمرابط الخيول التى يمكن حفظها نظيفة وللمداخن التى تدور مع الهواء كى لا يدخل الدخان الحجرات، كما وضع تعديلات متقنة لآلات النسيج، وكانت مقترحاته ورسوما ته تشمل ألآت لصنع الحبال وآلات خيوط الحرير، وقطع الأقمشة، وآلة لإزالة الوبر، ومقص الحرير والأقمشة، وقبعات الصوف.

من ناحية أخرى، فقد كان لتقدير دافنشى للميكانيكا أثره الفعال فى أن يقوم بدراسات تجريبية فى أصول هذا العلم من استاتيكا وديناميكا. ففي مجال الاستاتيكا بحث دافنشى فى مركز الثقل، وفى مبدأ الرافعة وجمع للقوى وتحليلها، وقد كان دافنشى على علم بما توصل إليه أرسطو وأرشميدس فى هذا المجال .

فمثلاً حول مركز الثقل قام دافنشى بدراسات تجريبية توصل من خلالها إلى أن مركز الطبيعي يقسم الجسم إلى جزأين متساويين، فهو يوضح ذلك فيقول: " يستقر مركز الثقل لكل جسم معلق تحت نقطة ارتكازه، وبذلك يطلق اسم الخط المركزي على الخط المستقيم الذى يتصوره المرء ممتدا من الجسم .

كما كان دافنشى على بينة من أن مركز الثقل يمكن أن يقع خارج الجسم نفسه، حيث يقول: " يحدث  أحياناً أن يوجد مركز الثقل خارج الثقل، أو بعبارة أخرى فى غير نطاق المادة أى الهواء؛ كما توصل دافنشى أيضاً إلى الحقيقة القائلة بوجوب وقوع مركز ثقل داخل نطاق قاعدته كشرط أساسي لتوافر حالة الاتزان له، وفى هذا يقول: " تتناسب الأوزان أو القوى تناسباً عكسياً مع أطوال أذرعتها مقاسه من نقطة الارتكاز الرافعة عندما تكون المجموعة فى حالة الاتزان؛ كما عرف دافنشى مبدأ الرافعة الذى نادى به أرشميدس، وحاول أن يصوغ قانونه، فأكد بأنه بقوم على بديهيتين:-

الأولى: أن الجسمين المتساويين يكونان متساويين وزنا إذا علقا على بعدين متساويين من نقطة الارتكاز.

الثانية: أنهما إذا لم يكونا على بعدين متساويين من نقطة الارتكاز، فإن أبعدهما يهوى إلى أسفل .

وبعد أن صاغ دافنشى مبدأ الرافعة الذى قال به أرشميدس، عرج إلى تطبيقاته، ومنها مثلاً الموازيين ودارة اللف، أو المرفاع الصغير، وفيها يحصل على ما يعرف بالفائدة الميكانيكية، حيث نسلط قوة صغيرة نسبياً لنتغلب على قوة أكبر، وقد أولى دافنشى عناية خاصة للموازين ذات التدرجات التى يمكن قراءتها معرفة الوزن المطلوب مباشرة، وطبق هذه الفكرة فى قياس درجة رطوبة الهواء، حيث يزيد الوزن على الكفة التى تحمل المادة الممتصة للرطوبة، وبذلك يمكن تحديد كميتها.

ومن ناحية أخرى تناول دافنشى فى مذكراته دراسة مسألة جمع قوتين أو سرعتين فى اتجاهين، كما تعرض أيضا للمسألة العكسية، وهى تحليل قوة ما إلى قوتين فى اتجاهين معينين .

ويؤكد الدكتور "جلال شوقي "، أن أرسطو قد توصل إلى إيجاد محصلة قوتين متعامدتين على بعضهما البعض منذ زمن بعيد، ولكن دافنشى لم يقصر دراسته على هذه الحالة الخاصة، وإنما تعداها إلى الحالة العامة التي تتخذ فيها إحدى القوتين – أي وضع مائل مع القوة الأخرى . وقد وقف دافنشى على فكرة وجود قوة محصلة تحدث نفس تأثير القوتين مجتمعتين، واستعان فى حل مسألة تحليل القوة برافعة افتراضية في وضع متعامد مع خط عمل القوة المراد تحليلها، وبذلك يكون دافنشى أول من أدخل فكرة العزم فى الاستاتيكا، كما أنه أول من توصل إلى مركبات القوة عن الشد في الحبال الحاملة للثقل".

وفى مجال الديناميكا، يعتبر دافنشى بحق من رواد علم الديناميكا، إذ كانت الدراسات السابقة لعصره تتناول أساساً علم الاستاتيكا، ومن ثم فقد عمل دافنشى فى حقل بكر كان له فيه فضل واضح، وقد تعرض دافنشى للقوانين التى تنظم حركة الأجسام، واكتشف بالفعل قانونين من قوانين الحركة الثلاث التى نعرفها اليوم، وذلك قبل أن ينشرها اسحق نيوتن فى كتابه بحوالى مائتي عام . كما تناول دافنشى بالدراسة أيضاً حالة خاصة من القوة هى قوة الجاذبية.

حقاً لقد تعرض دافنشى للقوانين التى تنظم حركة الأجسام، فاستنتج بالتجربة أن الجسم لا يتحرك من تلقاء نفسه، وإنما يحركه غيره، وجميع أنواع الحركة تميل إلى الاستمرار، أو أن الجسم المتحرك يستمر فى حركته ما دام واقعاً تحت تأثير المتحرك . كما توصل دافنشى بالتجربة أيضا إلى أنه إذا تحرك جسم تحت تأثير قوة مسافة معينة فى زمن محدد، فإن نفس القوة ستجعل جسما له نصف الكتلة بتحرك ضعف المسافة البادئة فى نفس الزمن .

كما توصل دافنشى بالتجربة إلى أن لكل فعل رد فعل مساوي له في المقدار ومضاد له فى الاتجاه، وقد أوضح ذلك عند تحليله لعمل الباراشوت، حيث قال: " أن مقاومة الجسم للهواء تعادل مقاومة الهواء للجسم. أنظر كيف يستطيع النسر أن يحلق فى أجواء شديد الخلخلة بضرب أجنحته فيه. شاهد أيضاً كيف يملئ الهواء المتحرك فوق البحر الشرع المنتفخة، وكيف تسير السفن ذات الحمولات الكبيرة، من هذه الأمثلة وللأسباب المبينة قد يستطيع كيف يتغلب على مقاومة الهواء، وينجح فى غزوه ورفع نفسه فوقه " ؛  كما تحدث دافنشى عن حالة خاصة من القوة هى قوة الجاذبية، تلك القوة التى تؤدى إلى سقوط الأجسام على مركز الأرض متبعة فى ذلك أقصر الطرق وهو الخط المستقيم، فكتب عن سقوط الأجسام قائلاً: " إن الجسم الذى لا يعوقه عائق يتخذ أقصر طريق فى سقوطه على الأرض، وفى الهواء منتظم الكثافة تزاد سرعة حركة الجسم فى سقوطه من لحظة إلى أخرى " .

ويذكر الدكتور " جلال شوقي" بأن دافنشى قد أجرى تجربة بإلقاء كتلة ثقيلة من أحد الأبراج، فلاحظ أن الأجسام الساقطة تحيد بعض الشئ عن موضع تلاقى الخط الرأسي المسقط من البداية إلى الأرض، وقد وجد أن هذا الانحراف يأخذ  اتجاهاً شرقياً، وقد عزا دافنشى وصف مسار الجسم الساقط بأنه يجمع بين حركة خطية مستقيمة، وأخرى منحنية، وسبب الحركة الخطية المستقيمة إلى مركز الأرض، وأنها  حركة خطية فى ذاتها، وفى كل نقطة من المسار.

كما بحث دافنشى فى القوى التى تؤثر على جسم موضوع على سطح مائل، وبين أن الجاذبية تؤثر على الجسم فى اتجاهين، احدهما عمودي على المستوى المائل، والآخر فى اتجاه المستوى المائل . كما بين أيضاً أن نسبة سرعة كرة منزلقة على مستوى مائل إلى سرعة جسم ساقط لا يعوقه عائق، كنسبة ارتفاع الجسم الساقط إلى طول المستوى المائل .

مما سبق يتضح لنا أن دعوة دافنشى إلى تطبيق العلم على مجال الصناعات تمثل أول مظهر من مظاهر التحول الفلسفي فى عصر النهضة الذى هيأ الأذهان قبل فرنسيس بيكون لقبول فكرة الآلية ووضع الأساس الفكرى للعصر الصناعي الحديث .

 

د. محمود محمد علي

قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

يسري عبد الغنيولد يعقوب صنّوع 15 إبريل سنة 1839 في القاهرة لوالدين مصريين مقيمين في مصر في حي باب الشعرية  كان والده مستشاراً للأمير يَكَن حفيد محمد علي باشا، ويروى أن يعقوب كتب قصيدة مدح في يكن الذي أعجب بها ولم يصدق أن فتى في الثالثة عشر من عمره هو الذي كتبها

فأبتعثه الأمير يكن لدراسة الفنون والأدب في إيطاليا على نفقته سنة 1853، ثم عاد يعقوب سنة 1855 ليعمل مدرسا لأبناء الخديوي يُدرِّس لهم اللغات والعلوم الأوروبية والتصوير والموسيقا.

عين في عام 1868 مدرسا في مدرسة الفنون والصناعات في القاهرة، وعضوا في لجنة امتحان المدارس الأميرية. كان بارعا في عدة لغات أهمها العربية والعبرانية والإيطالية والفرنسية والإنجليزية والألمانية، مع إلمام بالأسبانية واليونانية والروسية والبرتغالية وغيرها.

عام 1869 فكر يعقوب في تأسيس مسرح مصري تعرض على خشبته مسرحيات عربية متأثرا بما رآه في إيطاليا. وسمح له التنقل بين جميع فئات المجتمع من حرفييها وعمالها وجاليتها الأجنبية والطبقة الارستقراطية التعرف على كافة افراد الشعب المصري آنذاك واستفاد من ذلك في رسم شخصياته المسرحية الكوميدية.

ألف يعقوب صنوع مسرحيات قصيرة ممزوجة بأشعار وقام بتلحينها وعرضها في قصر الخديوى إسماعيل وأمام حاشيته من الباشوات فأعجبوا بها، قرر يعقوب أن ينشئ فرقة مسرحية من تلاميذه وكان هو يلعب دور المدير والمؤلف والملحن والملقن، وعرض مسرحيته على منصة مقهى موسيقي كبير بحديقة الأزبكية بالقاهرة وكانت توجد في ذلك الوقت فرق تمثيل إيطالية وفرنسية تعرض أعمالها للجاليات الأوروبية في القاهرة، ونجحت مسرحيته نجاحا كبيرا.

أنشأ بعدها يعقوب فرقته الخاصة لتقديم مسرحياته وفي فرقته ظهرت النساء لأول مرة على خشبة المسرح. ويرجع لقب موليير مصر إلى الخديوى إسماعيل الذي اطلق عليه ذلك الاسم وطلب منه ان يعرض مسرحياته على مسرحه الخاص في قصر النيل، عرض يعقوب ثلاث مسرحيات هي (آنسة على الموضة) و(غندورة مصر) و(الضرتان) وكانت مسرحيات كوميدية أعجب بهم الخديوي وسمح له بإنشاء مسرح قومى لعرض مسرحياته على عامة الشعب، وقد عرض على هذا المسرح أكثر من 200 عرض ل 32 مسرحية ألفها، إلى أن قدم مسرحية (الوطن والحريه) فغضب عليه الخديوي لانه سخر فيها من فساد القصر ثم اغلق مسرحه ونفاه إلى فرنسا فاستقر في باريس إلى آخر حياته.

انشأ عددا من الصحف نذكر منها أبو نضارة التي اضطر إلى إعادة إصدارها باسم "أبو نظارة زرقاء"، ثم صحيفة الوطن المصري وأبو صفارة التي أيضا اضطر الي تغيير اسمها إلى أبو زمارة، وصحيفة الثرثارة المصرية.

بسبب معارضته للسياسة المصرية في ذلك الوقت غضب عليه الخديو فأغلق مسرحه وأبعده إلى باريس. وألتقى يعقوب أديب إسحاق في باريس وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وإبراهيم المويلحي وخليل غانم ثم مصطفى كامل وغيرهم. ثم واصل دعايته للقضية الوطنية بعد الاحتلال البريطاني لمصر، فأصدر العديد من الصحف بالعربية والفرنسية وأخذ يتنقل في أوروبا للدفاع عن مصر واشترك في الحملات التي شنت على الخديوي إسماعيل والاحتلال البريطاني، وراسل احمد عرابي في منفاه في جزيره سيلان.

رغم أن صنوع كان ميالا للمسرح والتمثيل بطبعه، إلا أنه لم يجد بدا بعد إغلاق مسرحه الذي لم يستمر سوى عامين من أن يخلق متنفسا آخر لآرائه فأسس جمعيتين أدبيتين علميتين في سنة 1872: الأولى: تم تسميتها "محفل التقدم" والثانية:"محفل محبى العلم" وتولى رياستهما.

شرع في إصدار صحفه مكملا ما بدأه بالقاهرة قبل نفيه ونجح في توصيل جريدته إلى أبناء وطنه بالقاهرة وها هو عرضا موجزا لصحافته بباريس:

1- "رحلة أبى نضارة زرقا": صدر العدد الأول منها في 7 أغسطس 1879 وكان على رأس هذا العنوان "رحلة أبى نضارة زرقا (الأولى) من مصر القاهرة إلى باريس الفاخرة، تعلم جيمس سنوا رأى يعقوب صنوع، محرر جريدة "أبى نضارة زرقة البهية والدة النظارات المصرية"، وكانت الصحيفة تصدر في معظم أعدادها في أربع صفحات مليئة بالمحاورات الساخرة والمهاجمة لسياسة الخديوي وحكومته.

2- "النظارات المصرية": صدر العدد الأول منها في 16 سبتمبر 1879 ورسم في صدرها عوينات كتب في أسفلها " جريدة تاريخية علمية تحرير مصر وإسكندرية ". وكانت الصحيفة أيضا مليئة بالمحاورات التمثيلية التي استعاض بها عن غلق مسرحه، وكانت معظم أعداد الصحيفة بها صور كاريكاتورية تصور السياسة وتنتقدها بطريقة فكهة لاذعة.

3- " أبو صفارة ": صدرت في يونيو سنة 1880 وصدر منها ثلاثة أعداد وكتب في صدرها " جريدة هزلية أسبوعية لانبساط الشبان المصرية بحفظهم رب البرية من المظالم الفرعونية منشئها محب الاستقلال والحرية".وكانت متضمنة أخبارا عن أحوال مصر الداخلية، هذه الأخبار التي صدرت تحت باب "مراسلات الجهات" الجديد في مجلة صنوع.

 4- " الحاوى": صدر العدد الأول منها في 5 فبراير سنة 1881 وقد صدر منها أربعة أعداد جاء في صدر العدد الأول منها هذا الشعار "الحاوى الكاوى اللى يطلع من البحر الداوى عجايب النكت للكسلان والغاوى ويرمى الغشاش في الجب الهاوى".

5- " أبو نضارة": صدر منها خمسة عشر عددا كان شعارها " لسان حال الأمة المصرية الحرة"، وقد امتازت هذه الصحيفة بوجود الصور الكاريكاتورية الجميلة البالغة الإتقان، كما تمتاز مقالات الصحيفة بالعودة إلى الأسلوب العربى الأدبى. وكان الهدف من هذه المقلات هو تنبيه المصريين إلى حقوقهم وتحذيرهم من التهاون في هذه الحقوق والتمسك بالاستقلال. وبدأت الجريدة من عددها الثامن حتى العدد السادس عشر في ترجمة ما تنشره باللغة العربية إلى اللغة الفرنسية ،وذلك لتظهر للرأى العام الفرنسى كيف يتدخل الإنجليز والأجانب لنصرة الخديوي على الشعب المناضل المسكين .

6- "الوطني المصري": صدر العدد الأول منها في 29 سبتمبر سنة 1883 أى بعد مضى سنة من الاحتلال الإنجليزي لمصر، ولم يصدر منها سوى عددين، وكانت تصدر في ست صفحات بخلاف صحف صنوع الأخرى التي كانت تصدر في أربع صفحات فقط، وتحدث عن صحفه الأخرى باللغة الإنجليزية التي احتلت فيها جزءا كبيرا وكانت ترجمة لبعض مقالاته المنشورة في الصحف باللغة .

7- "التودد": من صحف صنوع الجادة، وكانت في حجم أكبر قليلا من صحفه، أى في حجم الكتب العادية، وصدرت في مارس سنة 1902، وكانت سجلا لنشاط دول الغرب ، دون العناية بأخبار مصر إلا أخبار التاريخ والآثار القديمة.

8- " المنصف ": صدر العدد الأول منها في 15 فبراير سنة 1899 وكان في صدر العدد "جريدة سياسية أدبية تجارية مديرها ومحررها الشيخ جيمس سافوا أبو نضارة المصرى بباريس " وقد استمر صدور الصحيفة لمدة عامين وكانت حملتها شديدة جدا على الإنجليز وسياستهم في وادى النيل وكذلك في حرب البوير.

9- " العالم الإسلامى": تتميز بلغتها الفرنسية، وصورها الواضحة الدقيقة، وكانت تهتم بأخبار العالم العربي والمسلمين ويظهر ذلك الرسم الذي اتخذه "صنوع" شارة للصحيفة وهو رسم القباب، والمآذن والأشخاص المرتدين للملابس العربية..

كانت الريبورتاجات التمثيلية من العناصر الهامة التي كانت تشغل جميع الصحف التي أصدرها صنوع، وكان يعتمد في ريبورتاجاته هذه على حل جميع المشاكل التي تشغل مواطنيه، والقيام بمعالجتها بطريقة تمثيلية حوارية جميلة تشجع القارىء وتجذبه لذلك قام باختيار هذا الشكل الفنى قالبا يصب فيه مادته الكتابية السياسية. وكان يقوم صنوع باختيار أسماء مستعارة في غالب الأحيان يغطى بها مهاجمته اللاذعة للشخصيات الحقيقية، فكان يسمى إسماعيل شيخ الحارة، وتوفيق توقيف أو الواد الأهبل، ورياض أبو ريض، والفلاح أبو الطلب، ومجلس الوزراء جمعية الطراطير. وكان يعلن رأيه بصراحة في المشاكل الاجتماعية والسياسية تحت هذه الأسماء المستعارة.فقد استعاض صنوع عن غلق مسرحه بكتابة هذه المحاورات التمثيلية، وقد انقسمت هذه الريبورتاجات لنوعين: الأول: المحاورات الثاني: اللعبات

لقد كان صنوع أشبه بالمغناطيس الحساس، سرعان ما يلتقط المشكلات والأحداث، حال وقوعها، ويتناولها بالمعالجة والتحليل في مسرحياته، على نحو ما نجد مثلا في:

مسرحية "البنت العصرية ": حيث تناول مشكلة انسياق بعض الاسر وراء تقليد الغرب في التبرج وانغماس الفتيات والنساء في حياة اللهو والسهرات مبينا ضرر هذا الانقياد الأعمى للتقاليد الغربية وما يتبع ذلك من تفكك، وانتشار الانحلال والتصدع بين أفرادها.

مسرحية "الضرتين": حيث تناول مشكلة تعدد الزوجات وأوضح بصراحة ما يترتب على ذلك من تفكك في الأسرة وتعاسة في المعيشة. وسخر أيضا من الباشوات والأمراء الذين يقتنون عددا كبيرا من النساء في قصورهم كما يقتنون الخيول والأثاث سواء بسواء.

مسرحية "العليل": كانت دعاية لمشروع افتتاح الحمامات الكبريتية ونصح للمرضى والمشوهين الذهاب إلى هذه الحمامات التي تشفى مياهها جميع الأمراض المستعصية.

وإذا تتبعنا إنتاج صنوع بعد إغلاق مسرحه ونفيه إلى باريس سنجده يكتب لعبات تياترية ومحاورات تمثيلية تعالج أيضا مشكلات الساعة السياسية والاجتماعية وكذلك تنتقد التقاليد وما يحدث في المجتمع من نفاق وزيف.

بالرغم من كل التاريخ الذي يحمله صنوع فإن الاديب والقاص المصري محمود تيمور ينفي بوجود شخصيتة أصلا في التاريخ الأدبي المصري. ولا ندري على وجه الدقة على أي مصادر موثقة أعتمد أستاذنا الجليل؟

بقي يعقوب صنوع منفيا في أوروبا إلى أن توفي في 1912 في فرنسا

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

محمود محمد عليكان الإنسان القديم لديه شبه معرفة بالمعادن، وإن كانت معرفة بدائيَّة، أمَّا علماء اليونان فإن أرسطوطاليس (383-322 ق. م) قسَّم العالم إلى قسمين رئيسين: الأرض؛ وتتكوَّن من العناصر الأربعة: (الماء، والنار، والهواء، والتراب). والسماء؛ وتتكوَّن من الأثير، وبقيت آراء أرسطوطاليس متداولَة إلى أن جاء الإسلام الذي قضى على الخرافات والشعوذة والأساطير؛ حيث اتجه علماء المسلمين إلى التأمُّل والاستنتاج والبحث عن الحقيقة بالطريقة العلميَّة الصحيحة، فنجحوا نجاحًا باهرًا في تفسير الظواهر الطبيعيَّة، ودراسة الصخور والجبال والمعادن، واستطاعوا أن يُعَلِّلوا كثيرًا من الظواهر الجيولوجيَّة مثل الزلازل والبراكين، والمدِّ والجزر، وتكوُّن الجبال والوديان، والسيول والأنهار والجداول، ولعل أول أثر مسجَّل لعلوم الأرض لدى المسلمين هو ما تحتويه المعاجم وكتب اللغة التي تزخر بمفردات هذا العلم.

كما قدَّم العلماء المسلمون دراسات قيِّمة عن الجيولوجيا الطبيعيَّة والتاريخيَّة فكان لهم الكثير من الإنجازات، وقد برهنت هذه الدراسات على أن أكمل صورة من صور الماء في الطبيعة هي تلك التي وصفها العلماء المسلمون في مصنَّفاتهم.

قصدت أن أقدم هذه المقدمة لاتحدث عن الريادة الفكرية لعلم من أعلام الجيولوجيا  في مصرنا الحبيبة ألا وهو الأستاذ الدكتور" عبد العزيز عبد الرازق طنطاوى"، حيث يعد هذا العالم الفذ واحداً من أهم وأشهر أساتذة كليات العلوم- قسم الجيولوجيا بمصر الذين قدموا لنا إسهامات جيدة حول الدراسات الأفريقية وحوض النيل، حيث أبرزت لنا أبحاثه ودراساته كيف يشهد العالم اليوم أحداثاً متسارعة وتحولات كبيرة وخطيرة تهدد مستقبل البشرية والإنسانية، في ظل نظام عالمي غير متوازن وغير عادل وعولمة قاسية ركزت علي الجانب المادي الذي نتج عنه الكثير من الأزمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، مثل الحروب وظاهرة الإرهاب ومشاكل التنمية والأمن في البلدان الأفريقية الفقيرة والهجرة غير الشرعية التي تمثل مشكلاً وتحدياً قائماً بالنسبة للعالم الغربي والدول الأفريقية علي حد سواء، مما ضاعف من إرباك المشهد العالمي وتزعزع الثقة بين الدول واتساع المسافة بين الشعوب والثقافات والحضارات .

ومن هنا كانت هذه الأوراق البحثية والمقاربات المنهجية التي قدمها عبد العزيز طنطاوي في أبحاثة المتعددة الاختصاصات في معالجة هذه المشاكل بمثابة نقاط ضوء مهمة تنير طريق الباحثين لاكتشاف حقائق وأسباب هذه الظواهر واستشراف النتائج والتحدير منها مستقبلا، وهذا كله من أجل تأسيس رؤية جديدة وعالم أفضل لمصرنا الحبيبة، لأن كل فكر هو في جوهره فكر استشرافي ننتظر منه أن يرينا صورة الغد انطلاقا من الحاضر والماضي بغية إعطاء صورة معقولة عن المآلات الممكنة والمستحيلة .

وقد ولد الدكتور عبد العزيز طنطاوي في 2 يناير 1967، بمحافظة الوادي الجديد – الداخلة – بلاط، حيث تخرج من كلية علوم أسيوط 1989م، وحصل علي الأستاذية: 2009م، وعُين رئيسا قسم الجيولوجيا، ووكيلا لكلية العلوم، وعميد لكلية العلوم، ثم عميد معهد البحوث والدراسات الأفريقية ودول حوض النيل، ومدير وحدة الدراسات البيئية والتنمية بالجامعة خلال الفترة من 2006 حتي تاريخه وأنشأ معمل الدراسات البيئية الحاصل علي شهادة الاعتماد (ISOIEC 2006-2005) وسافر في بعثة إشراف مشترك إلي سويسرا لدراسة الدكتوراه (1996 -1998م). وسافر إلي جامعة برنستون بالولايات المتحدة الأمريكية في مهمات علمية أعوام 2000 و2001 و2003و 2004م لفترات تتراوح بين الشهرين والستة أشهر، وسافر إلي نيجيريا ضمن الوفد الرسمي لجامعة أسوان لحضور المعرض التعليمي بالمركز الثقافي الذي تقيمه مؤسسة أخبار اليوم في أبريل 2018، وله عدد 32 بحث منشور في مجلات ومؤتمرات دولية، و6 أبحاث منشورة في مجلات ومؤتمرات محلية وعضو فريق بحثي دولي مكون من 33 فرد في مجال الجيولوجيا، وباحث رئيسي في خمسة مشروعات البحثية الدولية وعضو فريق بحثي في سبعة مشروعات البحثية المحلية وخدمة المجتمع وتنمية البيئة.

حصل الدكتور عبد العزيز طنطاوي علي عشرة جوائز بحثية دولية ومحلية، أهمها جائزة الدولة التشجيعية في العلوم الجيولوجية لعام 2010، وجائزة جامعة أسوان للتفوق العلمي لعام 2016 وعضو عشر جمعيات ولجان علمية دولية ومصرية والإشراف على عدد كبير من الرسائل العلمية (ماجستير ودكتوراه)، ومحكم دائم أبحاث علمية لعدد سبعة مجلات محلية ودولية وتحكيم، والمشاركة في عدد 21 مؤتمر وورشة عمل دولية وعدد 17 مؤتمر وورشة عمل محلية، ويقوم بالتدريس الجامعي لمرحلتي البكالوريوس والدراسات العليا لطلاب كليات العلوم والتربية والهندسة والآثار والآداب وبمعهد البحوث والدراسات الأفريقية ودول حوض النيل، ومدرب ومراقب اختبارات على نظم وتكنولوجيا المعلومات للطلاب والعاملين وأعضاء هيئة التدريس، والتحق أيضا بالعديد من ورش العمل (22 دورة) الخاصة بتوكيد الجودة في أسوان وأسيوط وقنا والقاهرة، والقيام بأعمال التطوير الشاملة (إحلال وتجديد) للبنية التحتية لمبنى كلية العلوم بجامعة أسوان، كما شارك في استقدام 110 طلاب دراسات عليا الطلاب الوافدين من العرب والأفارقة بمعهد البحوث والدراسات الأفريقية ودول حوض النيل.

وقد تولي الدكتور عبد العزيز رئاسة جامعة الوادي الجديد في الثالث والعشرين من مايو 2019م، حيث أصدر الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، بتعليمات من الرئيس عبدالفتاح السيسي، اليوم الخميس، قراراً بتعيين الدكتور عبدالعزيز طنطاوي، ‏عميد معهد البحوث والدراسات الأفريقية ودول حوض النيل بجامعة أسوان‏ سابقًا، رئيسًا لجامعة الوادي الجديد؛ تلك الجامعة المستقلة بعد فصلها عن جامعة أسيوط، حيث تضم الجامعة 6 كليات وهم البيطري والتربية الرياضية والتربية والعلوم والزراعة والآداب.

وبتولي الدكتور عبد العزيز طنطاوي منصب رئيس جامعة الوادي الجدي يكون قد تحمل عبئا ثقيلا بهذا المنصب وهو أهلا له، وهذا العبئ فيما أعنيه أن جامعة الوادي الجديد هي جامعة وليدة وتحتاج منه ومن العاملين معه المساهمة في تنمية الوادي الجديد بالتوسع في إقامة كليات جديدة من شأنها أن تخدم البيئة والمجتمع.

وأنا واثق من إمكانيات الدكتور عبد العزيز علي تحمل المسؤولية، فهو صاحب مشروع تطوري ورؤية استشرافية في تنمية وتطوير جامعة الوادي الجديد الوليدة، وكما أنا سعيد كل السعادة بالتحركات الجادة التي يقوم بها الدكتور عبد العزيز عقب توليه منصب رئيس الجامعة من خلال تنفيذ خطته في تطوير الجامعة مثل : تطوير قرى الشركة من خلال الكليات المختلفة، تنظيم قافلة من قسم تربية الطفل بكلية التربية لمدة يومين، بهدف تنفيذ عدة ورش لتنمية مهارات المرأة الريفية، وكذلك تنمية التذوق الجمالي لدى أطفال القرية من خلال تدريبهم على فن الأرجواني كطي الورق واستخدام المناديل وورق الجرائد وأكياس البلاستيك من خلال عمل فازات الورد وأوراق الشجر وصناعة بعض الزهريات والبراويز، وتدوير بعض المخلفات لعمل بعض الأدوات المدرسية من خلال الاستغلال الأمثل للموارد البيئية المتاحة.

وأيضاً جهوده في  تمكين المرأة وتنمية مهاراتها وكذلك تنمية الحس الجمالي لدى أطفال القرية من أولويات خطة التطوير، وأنه سيتم إقامة معرض لعرض بعض الأعمال الجيدة وسيتم تقييمها وتكريم أصحاب الأعمال الجيدة…الخ

وفي النهاية لا أملك إلا أن أقول تحية طيبة وعطرة للدكتور عبد العزيز طنطاوي، ذلك الرجل الذي يمثل بالفعل قيمة وطنية وشخصية علمية، وذلك الرجل أيضا الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره نموه، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً مني أخري لرجل آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً . بارك الله لنا في عبد العزيز طنطاوي قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه السفهاء، وأمد الله لنا في عمره مصلحاً ومعمراً  لجامعة الوادي الجديد الوليدة والذي تنتظر منه المزيد والمزيد، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليه ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

مصدق الحبيب(1877 – 1959) Arthur Pigou

هو الاقتصادي الإنگليزي الذي تتلمذ على يد مارشل والذي ربما كان تلميذه المفضل لذكائه وتفوقه بحيث أن مارشل أعطاه الفرصة ان يحاضر في قسم الاقتصاد مباشرة بعد تخرجه وهو بسن الرابعة والعشرين. كما انه جعل منه خليفته في رئاسة القسم وهو في الثلاثين من عمره. عُرف بالتصاقه بمنهج مارشل واخلاصه لفلسفته في التدريس والبحث فكان يردد غالبا على طلابه "أي شئ تسألون عنه في الاقتصاد سترون جوابه عند مارشل". وكما كان وفاؤه لمارشل فقد اهتم بطلابه وتخرجت على يده نخبة بارزة من الاقتصاديين الذين قادوا مسيرة الاقتصاد في القرن العشرين. وقد ساهم حماسه وحماس طلابه في زرع البذرة الاولى لما سمي فيما بعد بمدرسة كمبردج في الاقتصاد.

ولد آرثر في رايد الواقعة في جزيرة وايت في الجنوب البريطاني. كان أبوه ضابطا في الجيش وأمه منحدرة من عائلة بارونات معروفة. دخل مدرسة هارو الاهلية العريقة في لندن فكان تلميذا مجتهدا مهذبا فاز بجوائز مدرسية عديدة اضافة الى نشاطه الاجتماعي. كانت دراسته الجامعية في الفلسفة والاخلاق، ثم تفرغ لدراسة الاقتصاد في كلية الملك بكمبردج وبدأ التدريس فيها عام 1901. ثم اصبح زميلا في الكلية بعد عام واحد فقط أي في 1902، وفي العام التالي فاز بجائزة آدم سمث لعام 1903. بعد ذلك حصل على درجة الاستاذية عام 1908 فاستلم مباشرة رئاسة قسم الاقتصاد، خلفا لمارشل الذي تقاعد من عمله الجامعي في ذلك العام.

كان آرثر رجلا مبدئيا مخلصا في عمله ومعروفا بقيمه الاخلاقية العليا التي غالبا ما كانت سببا لمتاعبه الشخصية التي تحملها نظرا لالتزامه بمسؤوليته. فحين اندلعت الحرب العالمية الأولى رفض الانخراط في القوات المسلحة البريطانية لانه كان رافضا للحروب ولفكرة القتال ضد ابناء جنسه  والتي لاتجلب الا الموت والخراب. لكن انصياعه للواجب الوطني جعله يقبل ان يصبح سائقا لسيارات الاسعاف مع الاحتفاظ بعمله كأستاذ جامعي. وفي هذا الصدد كان كارها لعمله في اللجان الوطنية العليا. فقد انتدب للعمل في لجنة كونليف الوطنية للتبادل التجاري لعامي 1918 و1919 واللجنة الملكية لضريبة الدخل لعامي 1919 و1920 ولجنة چيمبرلن للنقود والبنوك لعامي 1924 و1925. فلم ير لنفسه المكان المناسب في هذه اللجان عالية المستوى لما يسود فيها عادة التدخل السياسي والنفاق والتدليس. وحتى الاكاديمية البريطانية التي منحته عضويتها عام 1925 استقال منها. ومع تركه العمل في كل تلك اللجان فضل ان يبقى اكاديميا مستقلا منصرفا للتدريس والبحث.

2175 بيكوكان آرثر پيگو من الاكاديميين الاوائل الذين استهوتهم فكرة ان لعلم الاقتصاد رسالة انسانية هي خدمة المجتمع وتحسين احوال معيشة الناس،  فهو القائل بأن الاقتصاد عبارة عن نشاط يحمل ثماره الطيبة معه. ولذا فقد اشتغل على عدة محاور اقتصادية كالدورة الاقتصادية واقتصاد المالية العامة والتبادل التجاري والارقام القياسية وطرق تقدير الناتج القومي، لكن جهوده تركزت على مجالين اصبحا فيما بعد الموضوعان اللذان يشيران لمساهماته المتميزة، وهما اقتصاد الرفاه ونظرية العمالة. ولابد لي هنا ان اشير الى الترجمة العربية التي ورثها تلميذ الاقتصاد والقارئ العربي لهذين المصطلحين التي لا أراها ترجمة دقيقة. فاقتصاد الرفاه في هذا الصدد Economics of Welfare لايقصد به اقتصاد السعادة والترف، انما اقتصاد الصالح العام، حيث يقول التعريف الانكليزي بانه فرع الاقتصاد الذي يعالج ما يجنيه المجتمع من الفوائد والاضرار المترتبة على تبني القرارات والسياسات الاقتصادية من قبل الحكومات والمؤسسات، العامة والخاصة. أما ترجمة  Employment  بـ "العمالة"   فهي الأخرى ترجمة غير موفقة لانها تعطي الانطباع المباشرعن الاشتغال كعميل لجهات اجنبية ! فيهمل القارئ انها مشتقة من "عمل، يعمل، فهو عامل، وليس عميل". أعتقد ان الترجمة الأدق هي الاستخدام، والمقصود به استخدام عنصر العمل كواحد من عناصر الانتاج، وهي بهذا متوافقة مع الاستعمال الشائع لمفهوم استخدام الموارد الاقتصادية.

في عام 1912 نشر پيگو كتابه الموسوم "الثروة والرفاه" والذي أصدر نسخة منقحة وموسعة منه عام 1920 بعنوان "اقتصاديات الرفاه" الذي أصبح الكتاب -الهوية  له بما شمل  من طروحات جديدة اُعتبرت كمساهمات قيمة لأدب النظرية الاقتصادية. في هذا الكتاب أولى پيگو اهتماما خاصا باعادة صياغة وتوسيع وتطوير مفهوم مارشل الـ  Externalities والمقصود به الآثار الجانبية، الايجابية والسلبية، الناتجة عن تطبيق القرارات والسياسات الاقتصادية.  فبدلا من أن لايعير لها اهتماما متخذو القرارات وراسمو تلك السياسات ولا ينتبه اليها المجتمع،  أشار پيگو الى اهميتها واهتم بمعالجتها. وتماما كما تعالج الادوية في الغالب عرضا مرضيا رئيسيا ولا تأبه بالاعراض الجانبية، يحدث هذا على صعيد الاقتصاد نتيجة لاتخاذ أي قرار اقتصادي.   والتعريف الرسمي لهذه الآثار الاقتصادية الجانبية هو الكلفة المفروضة أو المنفعة المتحققة للاخرين والتي لم يُحسب لها حساب عند من سببها وهو يخدم غرضا معينا لمشروع ما.

لنفترض اننا نتحدث عن بناء مطار في مدينة ما. فلهذا المشروع، اضافة لمنفعته الاصلية بتوفير خدمات النقل الجوي، اضرار وكذلك فوائد جانبية غالبا ما لم تؤخذ بالحساب الاقتصادي. فمن الاضرار الرئيسية التأثير على نقاوة الجو في المنطقة المحيطة بالمطار بسبب الكم الهائل من الغازات المنبعثة من محركات الطائرات، وكذلك ما يترتب على الضوضاء الناتجة جراء اقلاع وهبوط الطائرات من ازعاج، اضافة الى ضغط المرور الاضافي على الطرق والجسور وماينتج عنه من ازدحام واختناقات. أما الفوائد فقد تكون في هيئة الانتعاش الاقتصادي للمنطقة المتمثل بالحاجة الى المزيد من الفنادق والمطاعم والمحلات التجارية وشركات النقل والسياحة والاتصالات وغيرها. ولابد ان تكون تلك الاضرار مكلفة، فمن يتحمل مسؤوليتها؟ كما ان  الفوائد ينبغي ان تـُشجع وتـُدعم لتخرج من نطاقها الفردي الى نطاق المجتمع الاوسع. وهنا يقترح پيگو بأن الكلفة ينبغي ان تدفع على شكل ضرائب اضافية تفرض على مشروع المطار وبذلك ستتجنب المدينة او الولاية تحملها. أما الفوائد فينبغي ان تدعم من قبل الحكومة شريطة ان تتوسع ليجني المجتمع الاوسع ثمارها. وهذه الضرائب والاعانات المقترحة هي التي عرفت فيما بعد بـ :

Pigouvian tax and Pigouvian Subsidy.

امثلة اخرى على هذه الآثار الاقصادية الجانبية ومعالجتها بالضرائب والاعانات تبعا لسلبيتها أوايجابيتها، منها مثال حول حريق في غابة يندلع بسبب الشرار المنبعث من ماكنة القطار المارعبر الغابة! فمن المسؤول ومن ذا الذي يدفع الكلفة؟ مثال آخر حول مصنع للورق يُنشأ على ضفة نهر ليطرح فضلات الانتاج في النهر علما ان النهر هو المصدر الوحيد لماء الشرب للقرية القائمة على ضفتي النهر وعلى مسافة ليست بعيدة من المصنع. هاذان المثالان يركزان على  الآثار السلبية التي تفوق بكثير اي آثار ايجابية،  لو وجدت.

كما يعطي پيگو مثالا عن الآثار الايجابية التي قد تنفرد بنفسها والتي تتمحور على التمييز بين المنفعة الفردية والمنفعة الاجتماعية. فيأخذ طالبا يمول ذاتيا تعليمه الاولي من اجل هدف واحد هو حصوله على عمل يعيله. يقول پيگو ان الطالب يتعلم لهدف فردي وربما لايدري ان المجتمع سيستفيد من ذلك ايضا، وبذلك يستطيع المجتمع ان يدعم ويشجع هذا الطالب وطلاب اكثر ان يزيدوا من مستوى تعليمهم او يتلقوا برامج تدريب اضافية من اجل ان تزداد الفائدة الجمعية. وينبغي ان يحدث ذلك عن طريق تقديم الزمالات والبعثات والمنح الدراسية التي تمول ذلك التعليم الاضافي من اجل المنفعة الفردية والاجتماعية معا.

يرى پيگو ان الآثار الاقتصادية الجانبية تقدم التبريرالمفحم لتدخل الحكومة والالتزام بمسؤوليتها تجاه المجتمع برسم السياسة وتنفيذها وتمويلها وادارتها ومراقبتها. وذلك عندما تبرز الحاجة في الحالتين: الآثار الاقتصادية الجانبية السلبية    Negative Externalities  التي تعالج بالضرائب، والآثار الاقتصاددية الجانبية الايجابية  Positive Externalities  التي تعالج بالاعانات. وهو هنا يخرج عن فلسفة الـ  Laissez Faire  واليد الخفية التي تنظم شؤون اقتصاد السوق الحر الذي ينبغي ان يترك لوحده دون اي تدخل حكومي. و پيگو كغيره من الاقتصاديين الذين خرجوا عن هذه الفلسفة يرى ان اقتصاد السوق الحر لابد ان يخفق هنا وهناك، وحين يخفق في أمر ما سيكون من واجب الحكومة التدخل لمعالجة الخلل. ةالغرض الاول من ذلك هو ارجاع التوازن الذي قد يتطلب عدالة التوزيع باستخدام الضرائب والاعانات كأدوات تسوية بيد الدولة من اجل اعادة التوزيع أو تحفيز الانتاج وزيادة الاستخدام.  وهذا الاعتقاد ناجم عن ايمان آرثر بمبدأ ان الدولة، وباستشارة الاقتصاد، تستطيع رفع الحيف عن المواطنين وتحسين حالتهم الاقتصادية واحلال العدالة الاجتماعية. وما على الاقتصاديين الا ان يرسموا الطريق الصحيح ويحددوا الخطوات والادوات لتحقيق ذلك.  پـيگو يعتبر هذا الهدف بالنسبة له أسمى من الانشغال بالتنظير لمجرد تسجيل المساهمات الابتكارية في النظرية الاقتصادية. ومن الجدير بالذكر هنا هو الاشارة الى اختلافه في هذا المجال مع صديقه القريب جان مينرد كينز حول دور الدولة في الاقتصاد! أو ربما بمعنى أدق دور الاقتصاد في الدولة.

ومما ينبغي ذكره هنا هو ان اقتصاديي الرفاه الذين برزوا بعد الكساد العالمي تجاوزوا طروحات پـيگو حول الآثار الاقتصادية الجانبية ومعالجتها بالتدخل الحكومي عن طريق استعمال الضرائب والاعانات كأدوات لتصحيح الانحرافات المتأصلة في اقتصاد السوق. المثال الابرز على ذلك هو مقالة الاقتصادي رونالد كوس الحائز على جائزة نوبل الموسومة "مشكلة الكلفة الاجتماعية" والمنشورة عام 1960 والتي تضمنت انتقادا صريحا لنظرية پـيگو في الآثار الاقتصادية الجانبية ومعالجته المقترحة لها. يعتقد كوس انه لا داعي ابدا الى التدخل الحكومي لمعالجة تلك الآثار! اذ ان من المثمر ان تدخل الاطراف المعنية في المفاوضات وتصل الى التسوية دون جر الحكومة الى هذا الامر. ويأخذ مثال پـيگو حول مصنع الورق فيقول لو يعطي نظام اقتصاد السوق الاهمية لتوزيع الملكية وتنظيمها لاصبحت حلول هذه المشاكل بسيطة. فمثلا لو ان كل ضفاف النهر معلومة الملكية والحقوق مسجلة لاصحابها لاصبح موضوع انشاء مصنع الورق على ضفاف النهر قضية قانونية يترافع فيها الطرفان بموجب القانون فتكون ادارة المصنع امام حقوق استخدام ماء النهر العائدة للسكان. هذا اذا لم يصل الطرفان الى تسوية خاصة بالتفاوض بينهما.  فاذا شعرت ادارة المصنع ان طلبات السكان باهضة ولايمكن تحملها سيعزفون عن تنفيذ خطة بناء المصنع في ذلك الموقع. وواضح ان كوس ومن يؤمن بطروحاته هم اولئك الذين يقفون ضد التدخل الحكومي وسن القوانين والقواعد والاجراءات العامة المعروفة بـ Regulatory policies. الاتجاه الذي اتسع خلال الستينات من القرن المنصرم وبعدها، والذي أدى الى ظهور مدرسة الخيار العام  Public Choice School في الاقتصاد التي تعترض على رمي كل الامور بيد الدولة، خاصة وإن اصحابها يعتقدون ان نصيب فشل الحكومات في حل المشاكل الاقتصادية لا يختلف كثيرا عن نصيب القطاع الخاص، بل ربما كانت دوائر الحكومة أقل كفاءة.

الموضوع المهم الثاني الذي تميز به پـيگو هو نظرية الاستخدام والبطالة. في عام 1913 نشر پـيگو بحثه عن البطالة، والذي نقحه وطوره ووسعه خلال العشرين سنة اللاحقة فنشره عام 1933 بعنوان "نظرية البطالة"، والذي تضمن آراءه الاساسية في هذا الموضوع.  ورد في موسوعة العالم الجديد ان نظرية پـيگو هنا تستند على أساسين هما:

- ان الاجور ينبغي ان تساوي الناتج الحدي للعمل

- وان منفعة او قيمة الاجور للعامل عند قبوله العمل تساوي المنفعة او القيمة الحدية فيما لو لم يقبل العمل. وبتعبير اوضح ان قيمة الاجر بالنسبة للعامل يجب ان لاتنخفض دون الحد الادنى المقبول لديه في ذلك الظرف. اذ انها لو انخفضت عن ذلك فلا يكون للعامل الحافز لقبول ذلك العمل.

وقد تحدث پـيگو عن مرونة العمل، وبالاخص مرونة الطلب على العمل من قبل اصحاب العمل والشركات والمصانع.  والمرونة هي المفهوم الذي يصف مدى استجابة كمية العمل المطلوبة تبعا للتغيير في معدلات الاجور. تكنيكيا يمكن حساب هذه الاستجابة بقسمة نسبة التغيير المئوية في كمية العمل المطلوبة على نسبة التغيير المئوية في الاجور، زيادة ونقصانا. وبموجب النتائج الرقمية فقد جرى تصنيف المرونة تبعا لقيمتها. فاذا كانت قيمتها اكثر من واحد، فهي توصف حالة الاستخدام او التشغيل بانها "مرنة". وهذا يعني ان الطلب على تشغيل العمال يستجيب بشكل ايجابي واكبر من معدل انخفاض الاجور، كما يستجيب بشكل سلبي واكبر من معدل ارتفاع الاجور.أما اذا كانت قيمة المرونة اقل من واحد  فان الطلب على التشغيل سيوصف بانه "غيرمرن".  لنأخذ مثالا رقميا نفترض فيه ان العمال في مكان ما سيقبلون اجورا اقل من ذي قبل بنسبة 10%، فماذا ستكون استجابة اصحاب العمل بالنسبة لتشغيل العمال؟  فاذا اقبلت ادارة العمل على زيادة التشغيل بنسب اكثر من 10% فان مرونة الطلب على العمل تكون "مرنة"، والعكس صحيح، اي اذا كانت استجابة الادرة هي زيادة التشغيل بأقل من 10% ستكون مرونة الطلب على العمل "غير مرنة".

وقد قام پـيگو فعلا بتقدير مرونة الطلب على العمل في بريطانيا فوجدها بين 3 و4 %. كما كان من دواعي الصدف ان يحصل الاقتصادي الامريكي پول دگلاس على تقديرات مشابهة عن مرونة الطلب على العمل في أمريكا. ان ماتعنيه هذه المرونة هو انه لو اُ تخذ قرار برفع اجور العمال بنسبة 1% فان رد فعل اصحاب العمل سيكون تخفيض عدد العمال او ساعات العمل بنسبة 3-4 %، وبذلك سيُحبط قرار زيادة الاجور بالمعنى الاجمالي وسوف لن يتحقق هدف رفع الحيف عن العمال والكادحين ورفع مستوى معيشتهم. والعكس سيحدث ايضا فلو فرضنا ان العمال وافقوا على تخفيض اجورهم بنسبة 1% فسيندفع اصحاب العمل لزيادة التشغيل بنسبة 3-4% من اجل انتهاز فرصة تخفيض كلفة الانتاج وتحقيق ارباح اكثر.

كان پـيگو صديقا حميما لكينز. ورغم اختلافه الفكري معه فقد حافظ على روح الاحترام والتعاون حتى انه ساعد كينز بمبالغ كبيرة اثناء بحثه ونشره لنظرية الاحتمال. لكن كتاب كينز " النظرية العامة للعمالة والفائدة والنقود" المنشورعام 1936 والذي احدث تغييرا كبيرا في السياسة الاقتصادية، ليس فقط في بريطانيا بل على المستوى الدولي، انتقد فيه كينز بشكل واسع طروحات پـيگو حتى انه ذكر پـيگو 17 مرة في معرض نسف افكاره في الاستخدام والبطالة والنقود والتدخل الحكومي. وقد رد پـيگو على ذلك عدة مرات وفي مناسبات مختلفة.  ومن موقفه المخالف لكينز عرفنا ما سمي ب "تأثير پـيگو" Pigou Effect  المقصود به تحفيز الناتج الوطني ورفع مستوى الاستخدام والاستهلاك في اوقات الانكماش وانخفاض الاسعارDeflation والذي اوضح من خلاله پـيگو علاقة الاسعار بالانتاج والتشغيل والاستهلاك حيث يعتقد پـيگو بأنه في وقت الانكماش وانخفاض الاسعار،  سيعود الاقتصاد الى حالته الطبيعية وسيكون متوازنا اكثر مما يتوقع كينز. اذ ان مستويات الاسعار المنخفضة ستعني زيادة عرض النقود وارتفاع الميل الحدي للادخار والاستثمار الذي سيؤول الى زيادة التشغيل وبالتالي زيادة الانتاج وتوزيع اكثرللدخول التي سيذهب اغلبها الى الاستهلاك ! وبخلافه، فعندما ترتفع الاسعار للمستوى التضخمي، ينخفض الميل الحدي للادخار ويهبط الاستثمار والانتاج وتنخفض معدلات التشغيل اكثر وكذلك الاجور والدخل الاجمالي فيصبح المجتمع غير قادر على شراء السلع المتوفرة في السوق.

من الموضوعات التي اهتم بها پـيگو هو موضوع التفريق بين مفهومي صافي الناتج الخاص الحاصل نتيجة للقرارات الاقتصادية التي يتخذها الافراد وصافي الانتاج الاجتماعي الحاصل نتيجة للقرارات الاقتصادية التي يتخذها المجتمع. وكذلك بين الناتج الحدي الخاص والناتج الحدي العام. واوضح ان في اقتصاد السوق والمنافسة الحرةغالبا ما تتخذ القرارات الاقتصادية العامة من اجل تعظيم المنفعة الفردية المختلفة عن المنفعة العامة. وهذا ماينبغي معالجته من قبل الدولة. فمثلا احدى وسائل تحقيق الصالح العام هو تحويل جزء من دخول الاغنياء الى الفقراء عن طريق الضرائب والذي له اثر مضاعف حيث ان القيمة الحدية للدولار عند الفقير تكون اعلى من قيمتها الحدية عند الغني مما يسفر عن الاستخدام العقلاني للدخل وتحسين الحالة المعاشية للكادحين والمعدمين الذي سينسحب على تحسين الانتاج عموما وزيادة الانتاجية والمنفعة العامة للجميع. كان پـيگو متأثرا تأثيرا كثيرا بلبرالية جيمس مِلْ، حيث آمن بالفرد الذي تقيمه عقلانيته وموضوعيته وسعيه واحترامه للقانون. وكلما تهذب الفرد تهذب المجتمع وكلما كان المجتمع مهذبا كانت حكومته كذلك لترتقي الى مسؤوليتها العليا في حماية المجتمع والعمل الجاد من اجل الرفاه العام.

كان لپـيگو اصدقاء كثيرون تربطهم علاقات المودة والانسجام والتعاون المشترك لكنه لم يتزوج ! وكانت هوايته المفضلة تسلق الجبال مع مجموعة من الاصدقاء، وهي الهواية التي لم يعد قادرا على ممارستها بعد ان اصيب بمرض القلب واصبح ملازما لبيته. استقال من رئاسة قسم الاقتصاد في كمبردج عام 1943 لكنه بقي يحاضر هناك كلما استطاع ولحين وفاته عام 1959.

 

ا. د. مصدق الحبيب

 

محمود محمد علييعد الأستاذ “حفني محمود ابراهيم بدقة” الشهير بحفني بدقة هو ذلك الرجل البسيط الذي لم يحصل علي أعلي الشهادات الجامعية لا الليسانس أو الماجستير ولا الدكتوراه، ولكن حاصل فقط على دبلوم المعلمين بنظام الخمس سنوات، ولكن كان هذا الرجل أسطورة، فهو نموذج للمعلم الناجح في عمله، فهذا الرجل يتميز بثقة كبيرة في النفس فهو يقوم بأداء العمل ولا يكون شغوفاً برد فعل المستمعين من الطلبة والتلاميذ ولا ينتظر شكراً أو ثناء من أولياء أمور طلابه، كما يتسم بالوضوح في العمل والبساطة، وله أسلوب معروف ومحدد يستطيع أن يلتمسه الجميع من طلابه وتلاميذه. كما يتميز يتوسط في الاستماع للطلاب فهو دائما ما يكون متوازن بين الاستماع والتجاهل، حيث إن استماعه الجيد لطلابه جعله نموذج للمعلم الذي يحظى بثقة طلابه وتقديرهم.

وحفني بدقة قمة في التواضع، فهو الإنسان بكل ما تحمله كلمة الإنسان من معاني ودلالات، فلقد وهب حياته كلها لطلابه: تعليماً وتعلماً، وظل اهتماماته الرئيسية هي اهتمامات معلم بسيط للغاية يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن، ومن هنا فإنه يمثل القدوة والريادة وسيظل تفانيه في العمل تمثل المنارة التي يهتدي بها زملائه وتلاميذ في الظلام تمثل الشعلة الخالدة، شعلة التعلم، وما أعظمها من شعلة.

والأستاذ حفني بدقة من مواليد الثاني والعشرين من شهر ديسمبر لعام 1946م، حيث نشأ في أسرة فقيرة جدا في صعيد مصر بجمهورية مصر العربية؛ وبالأخص محافظة سوهاج – مركز أخميم، حصل علي لقب المعلم المثالي أكثر من مرة ؛ منها المعلم المثالي على مستوى سلطنة عمان الوافدين، والمعلم المثالي في عيد تكريم المعلمين، ورائد مثالي على مستوى الجمهورية، ثم مديرا لإدارة المعهد الوطني لعلوم الحاسب بسوهاج، والدارس المثالي بدورة القيادة الطبيعية، والمعلم المثالي لعام 1998م، 2005م،2013م . وبعد تقاعده سن المعاش أبي هذا الرجل أن يركن إلي البيت كما يفعل كثير من المدرسين، بل نزل إلي ميدان العمل يجد ويجتهد ويعمل حيث وكل إليه إدارة مدرسة العمرى الابتدائية بسوهاج، ثم مدير مدرسة جيل المستقبل الخاصة بسوهاج، ثم مدير عام مدرسة المناهل الخاصة.

وكان الأستاذ حفني بدقه يرتجل الشعر بدرجة تفوق الخيال، ومن مواهبة الشعر قوله: عندما تصبح رقيقا.. نعم من أجل عيشك قد تهاجر.. أبصر كل أفاك وفاجر.. وتلقي البعد يطعن فيك طعنا.. وتنسي كل طعنات الخناجر.. وتبصر في صحاري الناس ورداً.. وتقتل كل صيحات الحناجر.. تميت القلب في دنياك حقا.. وتصبح سلعة في كف تاجر.

وفي شعر آخر يرتجل يقول: أعيدوني إلي وطني الجميل..ونيل ماؤه كالسلسبيل.. أعيدوني إلي وطني المفدى.. ولو أحيا براتبي القليل.. فما في الأرض والدنيا جميعا.. علي مدي العمر الطويل.. يقولون الغني في غير مصر.. غناك بها ضروب المستحيل.. فقلت أما كفي فها نسيم يعيد الروح للصدر العليل.. وهل ينسى ضفاف النيل يوما هنالك شاعرا فيها مثيلي.. بها أهلي وأصحابي وحبي.. وهل في سواها للخليل.. أأرمي بالسعادة قصد مال..لأحيا بين كثبان مهيل.. فيا ربي وقد قدمت بعدي عن الأحباب في اليوم الجميلي.. هجرت أحبتي وتركت أهلي وغبت.. وغاب عن عيني دليلي.. وما ترضى إلهي أتراني وقد أصبحت في الثوب الذليل .

ومن أشعاره المرتجلة قوله: تسليني بأنواع التسالي.. وتغريني بدولار ومالا لتنسيني.. هنا في مصر أهلا وزوجا قد تركت لها عيالي.. وقريتي التي قد عشت عمرا.. بها بين الأحبة من رجالي.. وزرعا أخضرا فيها نظيرا.. جميل الطلع ممتد الظلال.. وماء جاريا في حضن نيل.. جري فيضانه من سد عالي.. وأسماء تداولها لساني.. أرق من التصور والخيال.. جميل كل ما في مصر حقا وغال شعبها والله غالي.. تراب كله ذهب يباهي.. به أغلي النفائس واللالي.. وليلا ساهر في نور بدر يريك الأنس في جنح الليالي .

وكذلك من أشعاره التي يرتجل فيها: لا تسلني عن حياتي من جديد.. بعد أن ودعت في مصر الوليد.. لا تسلني بسمة من شفتي.. ابتسامي صار من ثغري بعيد.. لا تقل لي أنني أحيا سعيد.. ما غريب عاش في الدنيا سعيد.. لا تسلني يا صديقي عن حياتي.. لا تسلني عن وجودي من جديد.. كل يوم مر في الدنيا دوني بهموم كل ما فيها جديد.. كل أمالي التي عشت فيها.. هي أن ألقي خطابا في بريد.. كل أحلامي التي أملتها أن أري بعيني الدلتا والصعيد..أسأل الليل أناجي بدره عله يكتب عن قلبي الشهيد.. لا تسلني أن أقول الشعر يوما.. كل شعري ضاع في تلك الرياح.. لا تقل لي تلك شمسا بعدما.. أظلم الكون وجافاني الصباح.. لا تقل لي ذاك وردا أنني لم أعد أبصر في وردي انشراح.. كل وردا.. كل زهر.. صار عندي رمز سهد و مآسي وجراح.. مصر كانت ملء قلبي ومضت.. مثل حلم بعده طال النواح.. أي ماء بعدها لا ينبغي لي أي ماء غيري يستباح..إنما النيل من الله شربناه.. فكان الري والماء القُزاح.

وأيضا من أشعاره: حديثا ولكن ليس بين حديد.. غني ولكن عاش غير سعيد.. يعاني من الآلام طيلة عمره ويشكو بلا دمع لكل بعيد.. يراسل كل الناس يكتب أنه علي لذة ليست بصور مريب.. ويلبس أثوابا رقيا لباسها.. ويحيا بفكر في الجبال شريد.. ويظهر فيه الخير في غربة النوى.. وينظر للآمال شبه زهيد.. وإن عاد يوما حيث كان وجدته تزينا بثوب لامعا وجديد.. يسير كأن الأرض ثمة ملكه.. وفوق ثراها سار شر عبيد.. يواري وراء الثوب باعا ملازما.. ولولا التشفي صار شبه قعيد.. يظن بأن الناس صاروا أَضاحيا.. فليس من الأثواب غير زهيد.. ولو كان يدري الأمر راح مسارعا يودع دنياه بكل برود.. فما نال فقدانه سواه على المدى.. فقد عاش لكن عاش شبه وئيد .

وأختم مقالي بتلك الأشعار التي يرتجل فيها أيضا: ليل طويل.. يا يوم مالك لا اريد طلوعا.. و بزوغ شمسك قد غدا ممنوعا.. عجبي لمثلك هل تريد لي الوري سيرا لتقتل قلبي المخلوعة.. إني أري يا شمس فيك وضاءة.. وأري بليلك حسرة و خنوعا.. لو أن دمعي مرجعا لي بلدتي لملئت وديان الجبال دموعا.. أو أن شكواي الحزينة خفقت.. عني شكوت لمن أراه سميعا.. بئس التغرب في الحياة وإن يكن نهاجا كفرت به ولو تشريعا.. والله لولا هجر الأحبة سنة للناس ما كنت الغداة مطيعا.. أو أنهم قد قرروا مناهجاً كرهته ورفضته موضوعا.

ويطول بنا المقال غير أني لا أملك في نهاية حديثي عن الأستاذ حفني بدقة إلا أن أقول تحية طيبة لهذا الرجل البسيط العصامي الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمعلم المثالي والشاعر المرتجل الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به و يسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

قاسم المحبشيكثيرون هم العرب الذين يجيدون التحدث باللغات الأجنبية وكثيرون هم الذين ترجموا بعض نصوصها إلى لغتهم الأصلية في مختلف الحقول المعرفية؛ العلمية والثقافية والأدبية والفنية. فكم هي الكتب المترجمة إلى المدونة العربية لا أحد يعرفها؟ الترجمة ليستِ مجرد نقل لِنَصٍّ من لغة إلى أخرى، بل هي نقل لرؤيةٍ فكرية ـ جمالية، من ثقافة إلى أخرى، بما تحمله هذه الرؤية من قِيَم، وتعبيرات، هي، بالضرورة، غير ما هو موجود في ثقافتها، أو يختلف عنه، من حيث القيمة، ومن حيث المعنى وهي بذلك عين الثقافة ووسيلة التثاقف بين الحضارات والشعوب واداة التواصل والاتصال والتفاهم مع الأخر. والآخر مرآة الذات. بهذا المعنى يكون

المترجم مبدعا للافكار ومنتجا للمفاهيم " بما يُقْدِم عليه من اختيار، وما يكون اطَّلَع عليه، في اللغة التي يُتَرْجِم عنها من معطيات جديدة إلى اللغة المترجم اليها إذ يفترض بالمترجم قبل إطلاق أي حكم نافذ على مجتمع آخر  أن يبلور الباحث موقفا واضحا قدر الإمكان تجاه مجتمعه نفسه وسرعان ما سيكتشف أن الطريق الوحيد لتحقيق كشف المحجوب عن الذات إنما يتم بالدراسة المقارنة  لذاته في أثناء إنهماكها برصد الآخرين ، وبأن يعي أنماط التشوهات التي ينطوي عليها هذا الموقف بالضرورة، فرصد الآخرين وتأويلهم هو الوسيلة الناجعة إلى رصد الذات. وليس هناك ما هو أصعب من ترجمة المفاهيم والأفكار المجرد من لغة وسياق ثقافي إلى لغة وسياق ثقافي مغاير ذلك لأن المفاهيم لا توجد في فلك الأفكار ومدونات اللغات فحسب، بل هي كائنات تاريخية شديدة الارتباط بسياقاتها الاجتماعية الثقافية المشخصة، ولكل مفهوم مكان وزمان ولادة وسياق نمو وتجربة ممارسة وعلاقات قوة وسلطة معرفة ونظام خطاب ومدونة لغة وفضاء فكر وحساسية ثقافة وحقل تأويل وشفرة معنى وأفق تلقي..الخ ولا يجيد ترجمة المفاهيم الفلسفية إلا الفلاسفة أو محبي الفلسفة وهكذا كان الأستاذ إمام عبدالفتاح إمام مترجم هيجل الأبرز فيلسوفا عربيا وكان عبدالرحمن بدوي مترجم الفلسفة اليونانية والوجودية فيلسوفا متمكنا من ادواته وكان مطاع الصفدي مترجما متمكنا من الفلسفة الفرنسية حينما ترجم كتب ميشل فوكو ومجاهد عبدالمنعم مجاهد مترجم سارتر وغيرهم ومن بين أهم المترجمين العرب المعاصرين كان المفكر الفلسطيني جورج زيناتي من مواليد 1935حيفا، وقد حصل على دكتوراه دولة في الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة باريس، فرنسا، عام 1972، وكانت أطروحته الرئيسة بإشراف بول ريكور، أما أطروحته الثانية فكانت حول ابن باجه الأندلسي. كان جورج زيناتي يتقن اللّغات العربية والفرنسية والإنكليزية والإيطالية، ويلم باللّغات اللاتينية والألمانية واليونانية.عمل أستاذًا جامعيًّا في لبنان وزائرا ورئيس تحرير مجلة الباحث في فرنسا، وله عدة مؤلفات بالعربية والفرنسية، وعدد كبير من الترجمات المهمة عن الفرنسية منها : انفعالات النَّفس (رينيه ديكارت)؛ تاريخ بيزنطة (جان - كلود شينيه)؛ الفلسفة الأخلاقية (مونيك كانتو سبيربر وروفين أوجيان)؛ الذات عينها كآخر والذاكرة، التاريخ، النسيان (بول ريكور). عرفته من هاذين الكتابين الأخيرين لبول ريكور من ابداع الترجمات واجودها

وقد وجدت في كتاب الذات عينها كآخر افضل تناول للهوية والغيرية. ويميز الفيلسوف الفرنسي بول ريكور بين معنيين للهوية: ف"الهوية بمعنى الشيء عينه (idem) والهوية المطابقة (Sameness) بالإنجليزية بمعنى الهوية المتطابقة بإحكام، أو المتماثلة إلى حدِّ التطابق التام أو التشابه المطلق مع الذات في جميع الأزمنة وجميع الأحوال"

صدمت اليوم بنبأ رحيل المترجم المفكر العربي الفلسطيني جورج زيناتي لروحة السلام والطمئنينه.

 

ا. د. قاسم المحبشي

 

 

محمود محمد عليمن الأمور العسيرة أن يحاول المرء أن يكتب عن إنجازات إنسان قريب إلي عقله وقلبه، فالموضوعية والحياد قد لا يتوافران بالقدر الكافي، لكني سأحاول قدر الإمكان أن أكون موضوعيا في حديثنا عن عالمنا الكبير . ينتمي الدكتور مصطفي كمال رئيس جامعة أسيوط، روحاً ومكانة، إلي الجيل الموسوعي من العلماء الذين يصعب أن تحدد ميداناً بعينه لإسهاماتهم، فعلي الرغم من أن التخصص الدقيق للدكتور هو الكيمياء، إلا أن بحوثه العلمية تعدت هذه المجالات إلي ميادين وموضوعات أكثر رحابة وتنوعاً .

والأستاذ الدكتور ” مصطفى محمد كمال محمد علي” (أستاذ الكيمياء بكلية العلوم – جامعة أسيوط بجمهورية مصر العربية)؛ يعد من كبار علماء الكيمياء في مصر وفي العالم العربي، الذين استطاعوا بحوثهم ومؤلفاتهم أن ينقلوا البحث في الكيمياء من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارمة إلي أبعد حد: فالنص العلمي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

كان الدكتور مصطفي كمال قمة في التواضع، فهو الإنسان بكل ما تحمله كلمة الإنسان من معاني ودلالات، فلقد وهب حياته كلها للجامعة : تعليماً وبحثاً، وظل اهتماماته الرئيسية هي اهتمامات أستاذ جامعي يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن، ومن هنا فإنه يمثل القدوة والريادة وستظل كتاباته تمثل المنارة التي يهتدي بها الإنسان في الظلام تمثل الشعلة الخالدة، شعلة الفكر، وما أعظمها من شعلة .

ولد مصطفى كمال (مع حفظ الألقاب) في السابع من شهر يناير عام 1953م بمدينة بني مزار بمحافظة المنيا، حيث حصل على درجة البكالوريوس فى العلوم - كيمياء – بتقدير جيد جداً دور يونيو 1974م؛ ثم حصل على درجة الماجستير فى العلوم – كيمياء – اعتبارا من 25/10/1977م، ثم حصل بعد ذلك علي درجة دكتوراه الفلسفة فى العلوم – كيمياء اعتبارا من 20/10/1981م، وخلال تلك الفترة تدرج في المناصب الإدارية بدءا من معيد ومدرس مساعد بقسم الكيمياء بكلية العلوم – جامعة أسيوط فى الفترة من (1977 /1974)، مـدرس قسـم الكيمياء بكلية العلوم – جامعة أسيوط اعتبارا من 13/12/1981م، وأستاذ مساعد بقسم الكيمياء بكلية العلوم – جامعة أسيوط اعتبارا من 14/12/1986، وأستاذ بقسم الكيمياء بكلية العلوم – جامعة أسيوط اعتبارا من 12/1/1992م. وخلال تلك الفترة بزيارة كثير من دول العالم من خلال المهمات والزيارات العلمية، كما حضر كثيرا من المؤتمرات العلمية وورش العمل الدولية والمحلية، كما أشرف علي كثيرا من بحوث رسائل الماجستير والدكتوراه، كما قام بتحكيم العديد من الأبحاث العلمية فى مجال الكيمياء التحليلية للعديد من المجالات المحلية والإقليمية.

كما أشرف على الشعبة الكيميائية بمعهد دراسات وبحوث تكنولوجيا صناعة السكر بالجامعة اعتبارا من 1-2-2003، أستاذ زائر بقسم الكيمياء كلية العلوم جامعة الإمارات العربية المتحدة في الأعوام الأكاديمية من 1991-1993، وأستاذ بقسم الكيمياء كلية العلوم جامعة الإمارات العربية المتحدة فى الفترة من سبتمبر 1994 وحتى سبتمبر 2000م، ووكيل كلية العلوم لشئون التعليم والطالب ـ جامعة أسيوط من 2003-2004، وعميد كلية العلوم ـ جامعة أسيوط اعتبارا من 2004-2006، ورئيس جامعة سوهاج من 2006-2008، ورئيس جامعة أسيوط بالتعيين من 2008-2011، ورئيس جامعة أسيوط بالانتخاب من 2011-2013، وهو الآن يشغل منصب رئيسا لجامعة بدر منذ 2014 وحتي الآن.

ولم يكن مصطفي كمال ممن يحرصون علي غزارة الإنتاج، بل كان في عمله العلمي يغلب عليه الكيف علي الكم، وكان في ذلك متسقاً مع نفسه تمام الاتساق، فقد كان يبحث دائماً عن النوعية من الحياة، ويعرف كيف يتذوقها، ويُرضي بها حسه المرهف. ولكن لعل السبب الأهم في عزوفه عن الإنتاج الغزير، برغم قدرته عليه، هو أنه كان من ذلك النوع النادر من الأساتذة، الذين يلمعون ويمارسون أعظم تأثير لهم من خلال اللقاء المباشر بينهم وبين تلاميذهم، لا من خلال اللقاء غير المباشر عبر الكتب والبحوث.

ولم يكتف مصطفي كمال بالإلمام بمقتضيات البحث العلمي في مجال الدراسات الكيميائية أو ترسيخها في قلوب وعقول تلامذته وكل من يستمعون إليه، بل كان له السبق في استبطان عقول من يشرف علي رسائلهم ؛ بمعني أنه كان مقتنعاً تماماً بأن لكل باحث شخصيته وميوله، فمنهم من يميل إلي المنهج التاريخي المقارن، ومنهم من يميل إلي التحليل والتعمق، في حفر الأفكار، فلم يحرم هؤلاء أو هؤلاء من ميولهم، ولكنه أضاف إليها، فحافظ علي شخصية تلامذته والقواعد العلمية في آنا واحد، مما يندر أن يتوفر عند أساتذة كثيرين.

كما جمع مصطفي كمال بين الأفق الفلسفي الواسع، والرؤية العلمية المحددة، وهنا يتضح عدم تعصبه لتوجه أيديولوجي، فلم يكن وضعياً ولا برجماتياً ولا وجودياً، ولا متمذهبا بأي حال من الأحوال فموضوعتيه غلبت عليه في كل أحكامه، وأراءه وعندما يوجه سهام نقده لأى من هذه المذاهب فهو لا ينكرها أو يريد هدمها أو نقضها، إنما يطالب بإعادة النظر إليها لاشتمالها علي نقائض وعيوب، كما يهتم بصياغة المصطلح صياغة فلسفية، وعلمية دقيقة ويظهر التفرقة الواضحة بين الصياغتين.

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي هذا الأستاذ الاكاديمي حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب أساتذة لا يعرفون قدر هذا الأستاذ العالم.

تحية طيبة لمصطفي كمال الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للعالم الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفردا.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

 

يسري عبد الغنيعبد الرحمن عبد الملك الخميسي مراد (13 نوفمبر 1920 – 1 أبريل 1987)، شاعر مصري رومانسي تقلب بين مختلف ألوان الفن في الشعر والقصة والمسرح والتمثيل والصحافة والتأليف الإذاعي والإخراج السينمائي وتعريب الأوبريت بل وتأليف الموسيقى والأغاني كتابة ولحنا، ومذيعا عرف بأنه “صاحب الصوت الذهبي”.

ولد في 13 نوفمبر 1920 بمدينة بورسعيد. درس في مدرسة القبة الثانوية بالمنصورة لكنه لم يكمل دراسته بها. في سن مبكرة بدأ الخميسي يكتب الشعر ويرسل قصائده من المنصورة فتنشرها كبرى المجلات الأدبية حينذاك مثل “الرسالة” للأستاذ أحمد حسن الزيات، و”الثقافة” للأستاذ أحمد أمين، ثم استقر قراره على الانتقال للقاهرة عام 1936، وهناك أجبرته الظروف على العمل بائعا في محل بقالة وكومساري ومصححا في مطبعة ومعلما في مدرسة أهلية والنوم على أرائك الحدائق، كما جاب الريف مع فرقة “أحمد المسيري” المسرحية الشعبية التي كان صاحبها يرتجل النصوص. وفي فترة لاحقة دخل إلي عالم الصحافة بانضمامه إلي جريدة المصري لسان حال الوفد قبل ثورة 1952.

لمع الخميسي شاعرا من شعراء الرومانسية ومدرسة أبوللو بروادها الكبار: علي محمود طه، ومحمود حسن إسماعيل، وإبراهيم ناجي، وغيرهم. وفي سنوات ما قبل ثورة 52 أخذت تظهر مجموعات الخميسي القصصية التي صورت طموح المجتمع المصري وخاصة الطبقات الفقيرة إلي عالم جديد. وعندما قامت ثورة يوليو، وأغلقت صحيفة المصري، اعتقل الخميسي وظل رهن الحبس من يونيه 1953 حتى منتصف ديسمبر 1956 نظرا لموقفه الداعي للتشبث بالحياة الحزبية الديمقراطية. بعد الإفراج عنه التحق بجريدة “الجمهورية” لكن الحكومة قامت فيما بعد بنقله فيما يشبه العزل السياسي مع مجموعة من أبرز الكتاب إلي وزارات مختلفة وكان نصيبه منها وزارة التموين، فألف في تلك الفترة فرقة مسرحية باسمه كتب وأخرج أعمالها ومثل فيها وجاب بها المحافظات، كما كتب للإذاعة عدة مسلسلات لاقت نجاحا خاصا أشهرها “حسن ونعيمة” التي تحولت لفيلم واعتبرها النقاد “قصة روميو وجولييت” المصرية.

انتقل إلي تعريب الأوبريتات في تجربة كانت الأولى من نوعها في تاريخ المسرح الغنائي خاصة أوبريت “الأرملة الطروب”، وألف العديد من الأوبريتات المصرية، ثم انتقل إلي تأليف وإخراج الأفلام السينمائية. إلي جانب ذلك كله كان الخميسي يواصل دوره الصحفي، والأدبي في مجال القصة والشعر، ومهد الطريق لمواهب كبرى مثل يوسف إدريس، واكتشف طاقات أخرى مثل الفنانة سعاد حسني وغيرها، وترك أثرا خاصا بدوره في فيلم الأرض ليوسف شاهين. وبرجوع الخميسي إلي جريدة الجمهورية كان أول ما نشره سلسلة من المقالات منع نشر ما تبقى منها، وبعدها هاجر الخميسي من مصر في رحلة طويلة من بيروت إلي بغداد ومن بغداد إلي ليبيا ومنها إلي روما ثم باريس ثم موسكو، حيث قضى ما تبقى من سنوات حياته في الغربة حتى وفاته في أبريل 1987، فنقل جثمانه ليدفن في المنصورة حسب وصيته الأخيرة.

قال عنه أحمد بهجت قام الخميسي بدور في: “تنوير الحياة الأدبية يشبه دور برتراند راسل في المجتمع الإنجليزي”

قال عنه يوسف إدريس إنه “أول من حطم طبقية القصة”، وأنه: “عاش قويا عملاقا مقاتلا إلي ألف عام”

كتب أحمد بهاء الدين قائلا: “دهشت عندما قرأت في نعيه أنه توفي عن سبعة وستين عاما فقط وكنت أظنه أكبر من ذلك لكثرة ما أنتج وكثرة ما عاش، وكثرة ما سجن، وكثرة ما سافر في أنحاء الدنيا، وكثرة ما ترك من الأبناء والبنات في شتى عواصم العالم”.

ترك الخميسي سبعة دواوين شعرية هي: الدواوين: أشواق إنسان (مايو 1958) القاهرة – ثم “دموع ونيران” 1962 القاهرة، ثم ديوان الخميسي دار الكاتب العربي 1967 ثم ديوان الحب 1969 القاهرة – إني أرفض ؟ بيروت – تاج الملكة تيتي شيرى 1979 بيروت– مصر الحب والثورة 1980 بيروت. وقد اعتبره الدكتور لويس عوض: “آخر الرومانسيين الكبار” وأشار إلي قصيدته “في الليل” معتبرا أنها “من أروع ما نظم شعراء العربية”. واعتبر د. محمد مندور أن الخميسي “بلغ بشعره حد السحر”.

توالت مجموعاته القصصية بعد أن أعاد صياغة “ألف ليلة وليلة الجديدة” على صفحات المصري وصدرت في جزئين، ثم ظهرت مجموعته الأولى “من الأعماق” ثم “صيحات الشعب” في نوفمبر 1952، ثم “قمصان الدم” مارس 53، و”لن نموت” مايو 1953 ثم “رياح النيران” مكتبة المعارف بيروت أبريل 1954 و”ألف ليلة الجديدة” و”دماء لا تجف” في نوفمبر 1956، “البهلوان المدهش” أكتوبر 1961 (الكتاب الذهبي روز اليوسف)، وأخيرا “أمينة وقصص أخرى” (الكتاب الماسي) عام 1962 وكانت تلك آخر مجموعة قصصية له، فلم يعد إلي فن القصة. وله أيضا قصة طويلة لم تطبع نشرت في المصري أواخر الأربعينات تحت عنوان “الساق اليمنى”.

كون الخميسي فرقة مسرحية باسمه في 21 مارس 1958 وقدمت عرضها الأول على مسرح 26 يوليو الصيفي بثلاث مسرحيات قصيرة من تأليف الخميسي وإخراجه وتمثيله وهي “الحبة قبة”، و”القسط الأخير” و”حياة وحياة”. ثم قدمت فرقته مسرحية “عقدة نفسية” المترجمة عن الرواية الفرنسية “عقدة فيلمو ” لمؤلفها جان برنار لوك واقتبسها للمسرح الإنجليزي جون كلمنتس وسماها “الزواج السعيد” ثم مصرها أحمد حلمي لفرقة الخميسي. كانت عزبة بنايوتي تأليف محمود السعدني ثالث عروض الفرقة، وفيها قام الخميسي بدور كشف عن طاقاته كممثل بارع. وقدمت الفرقة بعد ذلك عملها الرابع والأخير وهو “نجفة بولاق” تأليف عبد الرحمن شوقي في مارس 1961، وجابت الفرقة محافظات القاهرة، ثم توقفت بسبب الظروف المالية.

أتجه الخميسي إلى تعريب الأوبريتات وكتابتها، فقدم أولا الأرملة الطروب عام 1961 التي وضع موسيقاها الموسيقار المجري فرانز ليهار عام 1905 وعرضت في نفس العام في فيينا، وهي من تأليف “فيكتور ليون” و”ليوشتين”. وتمكن الخميسي مع الالتزام بالترجمة الشعرية الدقيقة للنص الأصلي من اختيار وضبط الكلمات العربية شعرا على مقياس الوحدات الموسيقية والألحان الأصلية التي وضعها فرانز ليهار. وقدم الخميسي تجربة ثانية مماثلة من تعريبه أيضا هي أوبريت “حياة فنان” تأليف الموسيقار الإنجليزي ايفون نوفيللو، وكان اسمها الأصلي “السنوات المرحة” وتم عرضها بدار الأوبرا في مطلع شهر ديسمبر عام 1970، وكلفت وزارة الثقافة المخرج النمساوي توني نيسنر الذي أخرج من قبل ” الأرملة الطروب ” بإخراجها. وقدم الخميسي للمسرح الغنائي من تأليفه هي أوبريت مهر العروسة عن تأميم قناة السويس ونشر الفصل الأول منها في الجمهورية في 27 مايو 1961، وعرضت في 2 أبريل عام 1964، وفي 29 يوليه 1963 وقع الخميسي عقدا مع المؤسسة العامة للمسرح والموسيقي قدم بموجبه أوبريت جديدة من تأليفه هي الزفة لكنها لم تعرض. وخاض غمار كتابة أوبريت جديدة هي “عيد الحبايب”، كما خطط لكتابة أوبريت مشترك مع الشاعر التركي العالمي ناظم حكمت عن تاريخ كفاح الشعب المصري وذلك عندما التقى الفنانان في مؤتمر لكتاب آسيا وأفريقيا في القاهرة في فبراير 1962، لكن الظروف الشخصية للشاعرين حالت دون تحقيق ذلك الحلم.

قدم الخميسي أربعة أفلام شارك في وضع قصصها وسيناريوهاتها وألف الموسيقى التصويرية لبعضها ومثل في بعضها الآخر وهي :الجزاء 1965 بطولة شمس البارودي وحسين الشربيني – عائلات محترمة عام 1968 حسن يوسف وناهد شريف – الحب والثمن أكتوبر 1970 أحمد مظهر زيزي البدراوي – زهرة البنفسج 1972 زبيدة ثروت عادل إمام. كما قدم للسينما اكتشافه الرائع سعاد حسني في فيلم حسن ونعيمة الذي كتب له السيناريو، كما قام بأداء دور الشيخ يوسف في فيلم “الأرض” ليوسف شاهين.

قدم كتاب “الفن الذي نريده” – الدار المصرية عام 1966، وكتاب “مناخوليا – محاورات ونظرات في الفن” – وكتاب “المكافحون” وهو سير لحياة العظام مثل عبد الله النديم وغيره صدر عن مطبوعات المصري في سبتمبر 1951.

ترجم مختارات من أشعار ووردزورث، وكيتس، ثم مختارات من القصص العالمية تحت عنوان “يوميات مجنون” صدرت في كتب للجميع ما بين 1951- 1952، ثم مختارات من الشعر السوفيت عام 1985 صدرت عن دار رادوجا الروسية، ثم الصهيونية غزو بلا سلاح للكاتب فلاديمير بيجون – بيروت عام 1985.

في النهاية فقد ترجمت أعمال الخميسي إلي لغات عديدة منها الإنجليزية والروسية والفرنسية وغيرها وكانت موضوعا لرسائل الدكتوراه في جامعات أوروبية عدة.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

قاسم المحبشينشرت مجلة جمعية الصداقة اليمنية البريطانية بحثا بعنوان الرحلة إلى يافع ١٨91 - 1967. قام بترجمته الاستاذ محمد محسن العمري نائب وزير العمل سابقا. في ١١٠ صفحات من القطع الكبير. جاء فيه " كان الكولونيل ليك هو أول أوربي يزور يافع العليا والسفلى في نوفمبر 1925. وبانتدابه من الجيش الهندي خلال الحرب العالمية الأولى قام ليك (1886-1943) بإنشاء وتدريب قوة قبلية لأغراض الحراسة المحلية، وللغرابة فقد سميت هذه القوة مشاة اليمن الأول (First Yemen Infantry) . وبعد أن تم حل هذه القوة في عام 1924 أوكلت إلى ليك المهمة الأكثر إثارة للارتياح بتأسيس وقيادة جيش محمية عدن (جيش الليوي (APL Aden Protectorate Levies) . وفي أعوام الثلاثينات من القرن العشرين تم تحويله إلى طاقم عدن السياسي، وخدم سكرتيراً للمحميات (ولاحقا قائم بأعمال المقيم والحاكم) حتى تقاعده في عام 1940"

"انطلقت القافلة من الحصن صعوداً بمرافقة حرس قبلي تحت قيادة السلطان علي بن عبدالله. أخذ ليك معه مبلغ 10000 ربية في صندوقين من الحديد الصلب من أجل توزيعها كمنح (بقشيش Douceur) لرؤساء القبائل ولتغطية نفقات الضيافة ودفع اجور الجمّالة. وبعد عشرة أيام من مغادرة ليك وفريقه من عدن وصلوا إلى القارة حيث استقبلوا بحفاوة بالغة وترحيب حار. وقد تضمن تقييم ليك لرحلته وصفاً مفعماً بالحيوية للطبوغرافيا المحلية: " تقع القارة على تل يرتفع منتصباً من الأودية المحيطة إلى ارتفاع حوالي 800 قدم فوقها، ويرتبط من الاسفل بطريق حجري متعرج... ومن قمتها يبدو منظراً بانوراميا بديعاً.... إلى الجنوب ينظر المرء عبر وادي إمهدارة إلى جبل موفجة، حيث يمكن من قمته أن يشاهد المرء جبل شمسان وميناء عدن عندما يكون الجو صحواً. وإلى الغرب على بعد شاسع يمكن رؤية سلسلة جبال ردفان، وما وراء ذلك أبعد قليلاً إلى الغرب تظهر بلاد الأميري مع جبل الضبيات. وغرب – شمال-غرب تبرز القمم الشامخة لمنطقة المفلحي بكل عريها الوعر، وإلى الشمال أكثر يقع جبل أهل يزيد، متوجاً على طوله بالدور الحجرية بأشكالها الظلية في مواجهة السماء. وما وراء جبل اليزيدي تقع سلسلة جبال يافع العليا.... إلى الشمال الشرقي قليلاً يمكن رؤية جبل العر، الذي لم يسمح لنا بزيارته ولم تطأه بعد قدم أوربي. وإلى الشرق من العر تقف النصبا كساد مثل سنام فوق جمل .... وإلى شرق شمال وأبعد بالمسافة ينتهي حائط الجبال بصورة حادة منحدراً إلى الأسفل حتى الكور وسهول دثينة... وإلى الشرق وجنوب شرق يصبح المنظر أكثر تقييداً، منقطعاً عبر انحدارات جبل الشعاب والتلال إلى الجنوب من وادي سرار.تتكون البلاد المتداخلة من سلسلة من القمم والوديان، في قمم وبطون الجبال وضعت المدرجات لزراعة الدخن (الذرة) والوديان الخضراء بمزارع البن والقمح والشعير. إنه منظر لا يمكن أن ينسى بسهولة، لابد انه بنوعه وعظمته الجامحة أحد أهم الروائع في الجزيرة العربية، وبصفه خاصة في الصباح الباكر وفي المساء مع التغيرات الرائعة بالضوء والظل

بعد تلك الرحلة الموفقة لل الكولونيل ليك توالت زيارات الانجليز اليها على مدى السنوات اللاحقة إذ كان الزائر البريطاني  الثاني "للقارة هو السير ستيوارت سيمس في عام 1929. سيمس الذي كان مقيم عدن بين 1928و1931 كتب في تقريره انه حظي بمعاملة في غاية الكرم وحسن الضيافة"

في عام 1938 زارها ستيورات بيرون، وهو ضابط سياسي ولم تعرف غرض زيارته، ولكن يبدو على الارجح بانه أرسل ليلوّح بالعلم الامبريالي البريطاني في وقت تزايدت فيه حده التوترات الدولية. وفي عام ١٩٥٠ زارها البريطاني مالكوم ميلن. قدم ميلن تقييما مفعماً بالحيوية عن رحلته إلى القارة في كتاب سيرته الذاتية الصادر عام 1999 (No telephone to Heaven) كتب عن لحظه وصوله:" شاهدنا قلعة القارة حول تل منخفض بارتفاع 1500 قدم فوقنا، والدور المنيعة البيضاء مواجهة إلى السماء خلفنا. كان الطريق الملتوي بطول ميل إلى القلعة أسود اللون وبه حشد من رجال القبائل. قدَر حسن محسن (من أعيان المنطقة السفلى)، إن ثلاثة آلاف رجل في انتظارنا. السلطان نفسه محاطاً بمجموعة من أتباعه يبترعون ويلوحون بالسيوف، جاء قادما ببطء لاستقبالنا. ورجال القبائل بصدورهم العارية واجسامهم المطلية بالنيلة وزيت السمسم ذي الرائحة الفواحة. عندما التقى الطرفان بدأت التحية: أطلق مدفع في الاعلى اثنتي عشر طلقة، وكل رجل قبيلة اصطف على الطريق أطلق النار من بندقيته عند اقترابه. في تلك الليلة انفتحت السماء وهطل المطر الغزير مصحوبا برعود قوية". أوحت زيارة ميلن بتلك التي قام بها حاكم عدن السير هيكنبوتم في عام 1952. في مذكراته (عدن 1958) سجل هيكنبوتم: " القارة هي البلدة الاكثر استثنائية التي شاهدتها في أي مكان في العالم. لقد بنيت على قمة دائرية من الحجر الجيري على تلة شديدة الانحدار والتي تبدو مثل شكل مخروطي مقطوع(الرأس). كان الوصول إلى البلدة يتم عبر طريقين وعرين وبصعوبة تتمكن الجمال والحمير من الصعود اليها.

في أغسطس 1953 كتب ديفيد ترفري في مذكرة سرية معلقاً على زيارتي ميلن وهيكنبوتم إلى يافع السفلى، وكان قد عين في أبين وقام بزيارة القارة قبل اسابيع قليلة:" أن موقف القبائل قد بقي في كل الاحوال معاديا بصورة اساسية... لقد أوليت اهتماماً لقوة المعارضة لزيارة صاحب المعالي (حاكم عدن) عبر حوارات مع أعضاء من فريقه المرافق، ومع نائب سلطان يافع السفلى (السلطان محمد) الذي كان مسئولا عن تأمين حمايته ومع الحرس القبلي الذين رافقوه... إن مشاعر عدم الود العامة كانت واضحة تماماً خلال زيارتي الحالية. لقد وجهت الاهانة لفريقنا من قبل من صادفناهم في الطريق وفي الحقول... وقد شوهد نحو 1000 من قبائل كلد المسلحين في وادي سرار، قاموا حسب اعترافهم بالتجمع للسيطرة على ممر مسكبة لمنع هجوم القوة العسكرية التي كانوا يتوقعونها. وقد تم قطع اشجار بن السلطان من قبل رجال قبيلة السعدي احتجاجاً على ميول السلطان تجاه الحكومة... إن معارضتهم تنطلق من عدائهم للحكومة ومن خوفهم من التغيير ومن استقلاليتهم الشديدة. كانت زيارة ترفي عام 1953 هي الاخيرة من قبل أي أوربي قبل الاستقلال في عام 1967.

إن الرحلة الوحيدة إلى يافع العليا من قبل أوربي منذ رحلة ليك في عام 1925 كانت واحدة غير متوقعة قام بها في منتصف 1952 نيجيل جروم الذي كان موقع عمله حينها في الضالع. ومستنداً بصورة اساسية على ذكريات عديدة مدفونة عن تلك الرحلة، قدم لنا نيجيل جروم بكرم التقرير التالي:

"في صباح أحد الايام جاء جندي من الحرس القبلي حاملاً رسالة من النائب في الشعيب تفيد بان طائرة قد سقطت في وادٍ في جزء معزول جداً من يافع العليا على مقربة من الحدود الشعيبية واليمنية. تلا ذلك بعد وقت قصير رسالة مماثلة من شيخ المفلحي وبعدها من أمير الضالع، وبعدها بيوم أو يومين من مصادر عدة معتبرة. كانت تقاريرهم كلها متسقة وقابلة للتصديق. أبرقت بذلك إلى عدن التي بدورها أكدت بعد التواصل مع تعز بعدم فقدان طائرة بريطانية أو يمنية"يصف الرحالة البريطاني نيجيل جروم رحلته إلى يافع العليا بالقول: " زوجتي لورنا التي كانت برفقتي حينها في الضالع، دونت (في يومياتها) بأنني غادرت بصحبة 15 جندي من حرس الحكومة وحوالي 60 جندي من جيش محمية عدن وبمرافقة مساعدين طبيين مع تموينات ونقالتين طبيتين. كل ذلك جاء من حامية الضالع... وفي صباح اليوم التالي بدأنا رحلة العودة إلى الضالع. أمضينا حوالي أسبوع في عملية البحث الساذجة هذه. ولكنها كانت بالنسبة لي مغامرة ممتعة، وأستطيع أن أدعي انني الضابط البريطاني الوحيد الذي دخل أراضي نقباء الموسطة منذ رحلة ليك إلى يافع العليا عام 1925”

 

ا. د. قسم المحبشي

 

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن شهادات علماء المغربي العربي بالريادة الفكرية للدكتور علي القاسمي، وهنا نستشهد في هذا المقال بما قاله عنه الباحثون المغاربة من أمثال الدكتور محمد الفتحي، والدكتور عبد الواحد المرابط، والكاتب عبد السميع بنصابر .

ونبدأ  بالدكتور محمد الفتحي، حيث قال: مسرور جداً بالمشاركة في هذا اللقاء عن بعد الذي يستضيف الأديب واللساني والعالم اللغوي الدكتور علي القاسمي فتحية له وللمشاركات والمشاركين وتحية خاصة للجهة المنظمة .. بالنسبة لمشروع الدكتور علي القاسمي اللساني واللغوي فهو غني ودقيق يندرج ضمن أهداف طموحة ستعمل في تنمية اللغة العربية وتطويرها وفي إنماء وتطوير البحث اللساني وبرامج ومناهج تعليمه لتعلم اللغة العربية، واستحضر بالنسبة لهذا العنصر الأخير دراسة نشرها في الأعوام الماضية ضمن موسوعة جماعية وهي بعنوان " التعليم عن بعد وتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها " حيث يقدم علي القاسمي منظورا متكاملاً لاستثمار التعليم عن بعد في تطوير وتعليم وتعلم اللغة العربية ومن ثم فإن هناك أهمية خاصة للاستفادة من هذه الخبرات العلمية والبيداغوجية، من جانب آخر تتوسع أبحاثه اللسانية واللغوية بين مجموعة من الكتب والكتب الجامعية ومجلات متخصصة، من أهمها ما يعني بالحقل المعجمي الذي تشكل اللسانيات ركيزته الأساسية في مشروع الدكتور علي القاسمي، فهو يحرص علي إقامة الجسور بين اللسانيات والمعجمية  ويستثمر المعارف اللسانية في بناء تصوره ومشروعه المعجمي .. في هذا النطاق انصبت جهود الدكتور علي القاسمي حول قضايا المصطلح نظريا ومنهجيا في علاقته بمشكلات الترجمة ومشكلات توحيد المصطلحات في ظل واقع التعدد والفوضي المصطلحية أحيانا، ومن بين كتب الدكتور علي القاسمي في هذا المجال " علم اللغة وصناعة المعجم " وكتاب صناعة المعجم التاريخي في اللغة العربية " وهو يقدم تصوراً نظرياً ومنهجياً دقيقا لبناء معجم تاريخي للغة العربية، ومن ثم فالبحث اللغوي ضمن هذا المشروع يزواج بين التنظير والتطبيق .. يتأسس المشروع المعجمي لعلي القاسمي علي معطاً أساساً مفاده أن اللسانيات العامة واللسانيات التطبيقية تشكل الحضن الطبيعي للمعجميات لمختلف مكوناتها النظرية والتطبيقية، وأن الحقل المعجمي في المشروع مبحث غني ومعمق ومتخصص؛ حيث ينفتح علي تعدد المعارف والثقافات، وهو ينهل من التراث ويستند علي خبرات غنية في المجال التربوي واللغوي، وفي مجال الترجمة يشكل استثماره في الحقل البيداغوجي، وتطوير مناهج  تعليم وتعلم اللغة العربية، وتطوير معجميتها مسألة أساسية ومهمة .

أما فيما يتعلق بشهادة الدكتور عبد الواحد المرابط (الأستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، شعبة اللغة العربية، جامعة القاضي عياض) في حق الدكتور علي القاسمي فيقول: أبعث بهذه المناسبة بأذكى التحيات وأطيب المتمنيات للصديق الدكتور علي القاسمي، وأتمني له دوام الصحة والعافية، والمزيد من التألق، والابداع المستمر، وموضوع مداخلتي هو " الآمال النقدية للدكتور علي القاسمي، فمعلوم أن الانتاجات الذهنية للدكتور علي القاسمي، قد توزعت بين مجالات عديدة، منها مجال الدراسات اللغوية واللسانية، ومجال التربية والتعليم، ومجال الدراسات الترجمية، ومجال الدراسات التاريخية والحضارية، ومجال الفكر والفلسفة، ومجال القانون، والحقوق، ومجال الأدب والنقد، ومن أحاط بأعماله في هذه المجالات كلها، يستطيع أن يتبين صورة عامة لهذا المشروع الشامل، ومن ثم يتبين الشخصية الموسوعية لهذا العالم الجليل والمبدع المتميز، الذي هو الدكتور علي القاسمي .. إذا ركزنا علي المجال الأدبي سنكون أمام مدونتين، مدونة أدبية إبداعية، تتضمن مجموعات قصصية ورواية وترجمات أدبية، ومدونة نقدية تتضمن مؤلفات نشرت خلال العقيدين الأول والثاني من هذا القرن، فضلاً عن عدداً كبيراً من المقالات التي نشرت في المجلات والدوريات والمواقع الالكترونية، وسأركز مداخلتي علي هذه المدونة الأخيرة ؛ حيث أسجل فيها ست ملاحظات : أولا : تجسدت المدونة المشار إليها في ثمانية مؤلفات تستغرق أكثر من ثلاث ألاف صفحة دون احتساب المقالات التي تجمع في كتب ومن ثم فإنها مدونة ضخمة تفرض نفسها علي الدارسين، وعلي المتتبعين للحركة النقدية المعاصرة في العالم العربي، وفي هذا الصدد أشير إلي أهم هذه المؤلفات فهناك كتاب " روائع الأدب المغربي" والمنشور 2002م، وكتاب الحب والابداع والجنون المنشور 2006 وكتاب النور والعتبة المنشور 2009، وكتاب العراق في القلب المنشور 2010م، وكتاب صياد اللآلئ المنشور 2012م، وكتاب الثورة والشعر المنشور 2015م، وكتاب التراث العربي الإسلامي المنشور 2017م، وكتاب مفاهيم الثقافة العربية المنشور 2018 .. فكل واحد من هذه المؤلفات يضم دراسات كثيرة وبحوث متعددة ومتميزة .. ثانياً تتميز هذه المدونة النقدية المشار إليها بالغني والتنوع ؛ حيث تتخذ مادة لها أنواعا أدبية مختلفة لأدباء عرب من أقطار مختلفة، لكن هذا الغني والتنوع خاضع من الناحية المنهجية لرؤية فكرية منسجمة ولأدوات متناسقة ولمقاربات متكاملة .. ثالثاً .. الملاحظة السابقة تجعلنا نتبين منهجاً شاملا يؤطر كل الدراسات الأدبية التي قدمها الناقد الدكتور علي القاسمي، وهو منهج يقوم علي رسم الشخصيات الأدبية للأدباء المدروسة أعمالهم، سواء أكان ذلك الرسم موضوع الدراسة مجموعة الآمال أم مثناً مفرداً منها وسواء أكان ذلك الرسم شاملاً أم جزئياً يركز علي جوانب دون أخري .. رابعاً .. هذه الرؤية المنهجية تتسم بطبيعتها بضروب من المقارنات المنهجية التي تتكامل فيما بينها، لتصب في أهداف الدراسة النقدية، لذلك نجد الناقل يحرك تقنيات المقاربة البيوغرافيا والموضوعاتية، والسيوسيولوجيا، والتاريخية، والنصية، والتأويلية، والمقارنة ويوجهها جميعها نحو رسم الشخصية الأدبية المدروسة .. خامساً .. تنطوي الممارسة الإبداعية عند الدكتور علي القاسمي علي أبعاد جمالية وتاريخية ومعرفية، فالبعد الجمالي يتجلي في ذلك الحس الابداعي والطوق الفني، الذي يعبر عنه الناقد في قراءته للنصوص والبعد التاريخي يتجلي عند الناقد في استحضاره الدائم لزمنية النصوص التي يدرسها ؛ حيث يربطها بسياقاتها الفنية والاجتماعية والنفسية والفكرية، والبعد المعرفي يتجلي في البناءات العلمية التي يشيدها الناقد، انطلاقا من النصوص المدروسة، حيث يربط بينها وبين المفاهيم، والمقولات، والقوانين، والقواعد، والتصنيفات، والتصورات النظرية .. سادساً .. يحرص الدكتور علي القاسمي علي أن يجعل النقد يؤدي وظيفتيه : الأدبية والعلمية في نفس الوقت، فهو يتنازل عن علاقته بالقارئ العادي، فيقربه من النصوص، ويحببه في الأدب، ثم إنه في نفس الوقت يرمي بسهامه في المعرفة الأدبية المتخصصةن ويدلي ببنائه في مناقشة سبل الارتقاء بالمناهج والمقاربات، ضمن علم الأدب.

وننتقل إلي شهادة الكاتب عبد السميع بنصابر (قاص وروائي مغربي، وعضو اتحاد كتاب المغرب)؛ حيث يقول: الدكتور علي القاسمي هو أحد كبار أعلام الأدب واللغة في عصرنا الحالي، ولعل تنقله الدائم بين مختلف بلدان العالم، وتقلده عدة مناصب ثقافية ودبلوماسية، أتاح له تجربة ثرية في الأدب والحياة بكافة مناحها، هذه الشمولية، وهذه الموسوعية في الفكر والثقافة نلمسها فعلاً حين نطالع مؤلفاته التي تتميز بالمائة مؤلف، بين القصة، والمعاجم، والدراسات إلي غير ذلك .. وللدكتور علي القاسمي فضل كبير علي الأدب العربي المعاصر، فمن خلال مؤلفاته التي أثرت المكتبة العربية والعالمية، وقد حظيت بمجاورة هذا الأديب الكبير ومرافقته في عدة أسفار، والحق أنه كاتب نادر، وكلي فخر أن مجموعتي القصصية الأولي الصادرة عام 2009م، نالت شرف كتابة غلافها الدكتور علي القاسمي الذي فعلاً أشهد له بالثقة، ورقي أخلاقه، ونبل مواقفه ؛ سيما إزاء الكتاب الشباب، وللإشارة فكتبه ومؤلفاته وابداعاته تُدرس بعدة جامعات عربية ودولية، وسبق بالمناسبة أن قرأت بعض مؤلفاته ونصوصه عبر دراسات نقدية، نشرت بمجموعة من الجرائد، لعل آخرها قصة الكومة علي ما أتذكر التي كانت موضوع امتحان البكالوريا منذ سنوات قليلة.

ونستنتج من كل الشهادات التي قالها علماء المغرب في حق الدكتور علي القاسمي، أن جميعهم اتفق علي أن الرجل من أهم وأشهر العلماء والمفكرين العراقيين الذين نذروا حياتهم لخدمة المعاجم العربيّة الحديثة، وأكدوا ريادته ومكانته الفكرية فيه، كما أكدوا بأنه العالم الذي جمع بين الثقافة الواسعة والرحلة الطويلة، والأسلوب الأدبي المتين، وهو أحد فرسان النثر العربي الذين طالما استفادوا من قلمه الرشيق، وأسلوبه البديع،، وسيرته مثال رائع لمضاء العزيمة، وخلوص النية،  وصدق العمل، وحبّ الخير، وإرادة الإصلاح.

وأخيراُ وعلي كل حال لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شاملة ومستوعبة لكل مقدمات شخصية الدكتور علي القاسمي بأبعادها الثرية، وحسبنا هذه الإطلالة السريعة الموجزة علي الجانبين الإنساني والعلمي لعالم ولغوي ومعجمي مبدع في أعمال كثيرة ومتنوعة، ونموذج متفرد لأستاذ جامعي نذر حياته لخدمة العلم والإنسانية .

بارك الله لنا في علي القاسمي قيمة جميلة وسامية، في زمن سيطر عليه "أشباه المعماريين"، وأمد الله لنا في عمره، قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطنناً، بهدف الكشف عن مسالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليها ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

يسري عبد الغنيكان اختياره البعد عن الأضواء، اختار «موسى» أن يرحل في هدوء في 18 يناير 2018، عن عمر يناهز 85 عامًا، وعلى عكس طريقة رحيله كانت حياة الكاتب مليئة بالجدل والأحداث، فمنذ أن ترك مدينته الهادئة في دمياط – مسقط رأسه - عام 1932، بعد دراسة الفنون الجميلة والعمل كمدرس رسم في إحدى مدارس دمياط، اختار أن يذهب وراء حلمه ككاتب وصحفي، فجاء إلى القاهرة، وعمل بالصحافة في جريدة الجمهورية، ثم التحق بعدها بمؤسسة «روزاليوسف» ليعمل كاتبًا متفرغًا، وهى المرحلة التي تركت أثرًا كبيرًا على كتاباته.

بدأ «موسى» حياته الأدبية بالكتابة في فن القصة، ومن أعماله القصصية: القميص وجها لظهر، حكايات صبري موسى، مشروع قتل جارة، الرجل الذي ضحك على الحصان، السيدة التي والرجل الذي لم، وفى أدب الرحلات كتب : في البحيرات، في الصحراء، رحلتان في باريس واليونان.

لقد خاض كاتبنا مغامرة فنية في السرد من أجل البحث عن طابعنا المصري أو العربي الخاص، ومن الواضح أنه استفاد من مكونات التراث العربي الأصيل : من المقامات العربية، ومن نوادر جحا، ومما ذكره أبو علي القالي في كتابه الشهير الأمالي، من هذا التراث نهل وحاول إعادة البناء إلى عروقها، حتى الحكمة أو الموعظة قدمها بأسلوب عصري ملائم، يمكن للقارئ أن يستخلصها من عصارة القصة برشاقة بسهولة ويسر .

ومما لا شك فيه أن كاتبنا تأثر بتقنية الريبورتاج الصحفي وبالذات في مجال القصة القصيرة، بل في إبداعه بوجه عام، وهنا نحب أن نؤكد على نقطة جوهرية ألا وهي أن صبري موسى هذا الفنان القلق أو المبدع المتسق مع نفسه دائمًا، كان لا يشغله شاغل عن الإبداع الحقيقي الملتزم، دون أدنى التفات للشهرة أو للشو الإعلامي أو المجاملات الاجتماعية التي لا تقدم بل تؤخر .

وهنا أيضًا، وإذا كان في الإمكان أن نضع مفتاحًا لشخصية أديبنا الكبير، ألا وهو (الثقافة البصرية) أو (الرؤية التشكيلية) بدلاً من السمعية، تلك التي لا تتأتى إلا بعشق حقيقي للألوان وفهمها فهمًا فنيًا إبداعيًا، ولما لا ومبدعنا درس الفنون التشكيلية والتطبيقية، وعاش في بيئات عديدة، ساحلية (رأس البر ودمياط والبحيرات)، والصحراء القاحلة بطولها وعرضها بين مصر والسودان، والذي كتب فيها روايته (فساد الأمكنة).

الوعي بالفن التشكيلي جعله يبدع لوحات فنية في إبداعه الأدبي، لوحات يشارك فيها القارئ عبر الرؤية البصرية، نضيف إلى ذلك فكرة الرحلة أو القطارات التي كان يركبها دون هدف محدد، المهم لديه الوصول إلى مكان واستكشافه، وقد ذكرنا من قبل أن الصحافة كان لها أثرها في عملية التعبير الإبداعي، بكل ذلك يكون صبري موسى رائدًا حقيقيًا أن يمكن أن نسميه اللوحة القصصية .

مع بداية عام 1962 صدرت له رواية «حادث النصف متر»، التي قدم فيها نفسه كروائي يمتلك أدوات مميزة، وصدرت الرواية – شأنها شأن روايتيه الأخيرتين : فساد الأمكنة، والسيد من حقل السبانخ، واللاتي نشرن على حلقات في روزاليوسف.

وتحولت رواية «حادث النصف متر» إلى فيلمين سينمائيين بنكهتين ومعالجتين مختلفتين تبتعدان أو تقتربان عن روح الرواية الأصلية، الأول هو فيلم لأشرف فهمى من بطولة محمود ياسين ونيللي، والثانى هو فيلم للمخرج الفلسطينى سمير ذكرى بنفس الاسم، وهو فيلم لقي حفاوة كبيرة في العديد من المحافل السينمائية .

وهذه الرواية القصيرة أعلن فيها صبري موسى إفلاس المثقفين وازدواجيتهم، محاولا أن يجيب على سؤال فحواه : هل الماضي يغسله حب جديد، وأن الماضي ملكًا لصاحبه، وهذا ما قاله أحمد بطل الرواية لمحبوبته وفاء، كما حاول أن يجيب على سؤال آخر هو: لماذا يحاسب المجتمع المرأة على خطئها ولا يحاسب الرجل؟ .

ويمكننا القول أن هذه النوفيلا أو الرواية القصيرة بحث اجتماعي معاصر لما يدور داخل أذهان المجتمع، ونرى أن هذا العمل من أكثر القصص التي ناقشت قضية الشرف وعلاقة الفتاة بخطيبها قبل الزواج، كما حاول أن يخبرنا بأنه في بعض الأحيان يأخذ الإنسان قرارًا قاسيًا ليتجنب العديد من الأمور الخطيرة التي ستحدث مستقبلاً، وأن المرأة قد تجرفها عواطفها ولكنها عندما تختار، تختار الرجل الذي يحميها ويحترم إنسانيتها .

وفي هذه الرواية نقف أمام مجموعة من النماذج، مثل : أحمد الذي سافر إلى الخارج ويزعم تحضره ورقيه إلا أنه مثال مجسم للشخص المتخبط المتردد، والدكتور / مصطفى المتسق مع نفسه والمتفتح المتحضر، وفتحي العشوائي المتخلف الذي يتزوج من قروية يعزلها عن الحياة ليحقق بذلك رجولته كما يزعم .

وحادثة النصف متر (في الأوتوبيس) تصوير للحياة في المدينة، إلا أن مؤلفها يدخلنا في دوائر عديدة تتسع كلها لنرى الإنسان في قمة اغترابه، فلا شيء في المدينة يعرف الثبات.

الأوتوبيس رمز للحداثة، أو فكرة التحرر من العادات والتقاليد الاجتماعية، ومحاولة التعبير عن الرأي و المشاعر، فصبري موسى نجح في استخدام تكنيك جديد، حيث ينطلق من النهاية إلى البداية، فالرجل الطويل ينحني، هذا المشهد الذي يتعلق بعلاقة أحمد بوفاء، حيث حاول أن يعود إليها بعد أن رفضها لعلاقتها السابقة بآخر .

لقد كتب صبري موسى هذه النوفيلا بعد ثورة يوليو 1952، معبرًا فيها عن المجتمع الجديد ومكوناته، منطلقًا من فكرة التحرر المباشر من قيود العادات والتقاليد، وهل يمكن أن يتحقق ذلك في مجتمعنا؟ .

كاتبنا يريد ما يمكن أن نطلق عليه القراءة السينمائية أو الرؤيا التصويرية، ولعل ذلك ما يميز أعمال صبري موسى بوجه عام .

أحب أن أشير هنا إلى جانب مهم وأقد به ترجمة أعمال صبري موسى إلى اللغات الأجنبية، فقد ترجمت مجموعة من إبداعاته إلى العديد من اللغات المختلفة، كالإنجليزية والألمانية والإيطالية و الروسية والصينية .

والمعروف لنا أن رواية (فساد الأمكنة ) فازت بجائزة بيجاسويس الدولية سنة 1978، وترجمت إلى اللغة الإنجليزية، كما نشرت طبعتها الأولى عن دار هوتن ميفل الأمريكية في بوسطن 1980 .

وفي 1990 صدرت الترجمة الألمانية لهذه الرواية في طبعة شعبية عن دار ريكلام الألمانية في ليبيزج .رحم الله صبري موسى

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

محمود محمد علي

ما زلت أؤمن بل ربما أكثر من أي وقت مضي بأن الأستاذ الدكتور "علي بن الحاج محمد بن الحاج عيسى بن الحاج حسين القاسمي" (المعروف بالدكتور علي القاسمي) ليس مجرد  أستاذ جامعي عراقي عادي يعمل في دولة المغرب الشقيقة، فمعرفتي عن زملائنا المغاربة أنهم ينظرون إليه بوصفه رمزاً من أبرز الرموز العراقية في مجال اللسانيات - تخصُّص المعجمية؛  كما يمثل لهم أيضاً قيمة كبيرة وشعلة من التنوير الفكري التي بدأها منذ أكثر نصف  قرن باحثاً ومنقباً عن الحقيقة والحكمة . إنه الباحث عن سبيل يحفظ للإنسان حريته وكرامته فهو ينقب في ثنايا علم المصطلح، صناعة المعجم، الترجمة ونظرياتها، التنمية البشرية، حقوق الإنسان، القصة القصيرة، الرواية، النقد الأدبي المعاصر، التاريخ الفكري.، لكنه لا يسلم به من ما يكتب عنه من قبل زملائه الباحثين، بل لديه قدرة عظيمة علي أن يلقي بنفسه في خضم المشكلات المطروحة، ويشق لنفسه طريقه الخاص غير عابئ بما يقوله هذا العالم أو ذاك من الأعلام  الشوامخ.

وإذا كنت لم ألتقي بالدكتور علي القاسمي إلا أنني أستطيع أن أقول عنه من خلال معرفتي القصيرة به؛  بأنه يعد بحق أحد القامات الأدبية الرفيعة  الباقية في العراق والعالم العربي، ومهما كُتبت عنه فلن تأتي الكتابة، مع الجهد المبذول فيها، وافية لحقه مقرّرة لحظه الوافر من العناية بمبدعي الفكر واللغة والأدب .

فالرجل لعلمه الغزير وثقافته الواسعة، ولأخلاقه الأصيلة، مطبوع على البحث والدرس والتفكير، أمين غاية الأمانة فيما يكتب ويستخلص من مباحث،وآراء، فهو والله حلو المعشر، جميل الأحدوثة، يجذبك برُقيّه، وسمو روحه، وفكاهته، إلى درجة تعجب فيها أن تصدر تلك الفكاهة عن لغوي ومعجمي ومحقق وأديب وفيلسوف، عاش بين الآراء الجادة والمباحث العميقة سنوات عمره المنتجة، ولم يفقد مع ذلك روح الدعابة والمرح؛ لكأنه يريد أن يلطّف جفاف الفكرة بخفّة الروح الحانية.

أنا شخصيّاً أحببته بما سمعت عنه بأنه كان عميق الفكرة، خفيف الظل، يألفه النظر، ويعشقه القلب من أول وهلة، لا يضنّ برأيه على مسترشد، ولا يتهجم في وجه طالب علم، ولم يعرف لسانه العف كلمة نابية، ولم تكن الأخلاق التي قضى حياته يدرسها، ويدرّسها، وينظّر لها، ويحللها، مُجرّد أقوال لعلماء اللغة والأدب بل كان يستقيها من روحه ويستدعيها من ضميره، يستحضرها حيّة عاملة فاعلة لتكون فيه حقيقة لا صورة.

ولأجل ذلك شهدوا له إخواننا المغاربة المتخصصين في علوم اللغة والأدب بالفضل، وشهادتهم لم تأتي تملقاً، ولا رياءً، فهم يقدرون العلماء حق قدرهم، وقديماً قيل " لو كان العلم في الثريا لناله رجال من فارس" (وفارس هنا يُقصد بها أرض العراق القديمة)، فمن فارس خرج منها، أبو الأسود الدوؤلي، سيبويه، وأبو زكريا الفراء، وأبو كر السراج، كذلك خرج منها علي القاسمي ليستقر في المغرب، والمغاربة لا يأوون أحد بينهم بسهولة إلا كان بالفعل يستحق ذلك.

ولا أنسي الدراسة الشيقة والرائعة التي كتبت عنه في سفر ضخم بعنوان " الدكتور علي القاسمي سيرة ومسيرة .. مجموعة بحوث ودراسات مهداه إليه بمناسبة عيد ميلاده الخامس والسبعين"  والتي صدرت عن دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر بجمهورية مصر العربية، والذي أعده الناقد الأديب الأستاذ الدكتور منتصر أمين عبد الرحيم، وطبعه على حسابه ليصدر الكتاب في عيد ميلاده الـ 75.

وهنا أستأذن القارئ الكريم باختيار نماذج من العلماء والمفكرين المغاربة الذين أدلو بشهادتهم في حقه من خلال البرنامج الذي أذيع بالمغرب العربي تحت عنوان " الدكتور علي القاسمي في ضيافة الرواية المسافرة"، ونختار شهادة الدكتور عبد المالك أشهبون، والدكتور "عبد الرحيم وهابي، والدكتور محمد الفتحي، والدكتور عبد الواحد المرابط، وعبد السميع بنصابر..

نبدأ بشهادة  الناقد المغربي الدكتور عبد المالك أشهبون وذلك من خلال دراسته النقدية هذه البحث عن مظاهر التجديد في متون السردية (الروائية والقصصية) عند علي القاسمي؛ حيث قال : يعد علي القاسمي من الكتاب المشارقة الذين كتبوا سيرتهم الذاتية بطرقة مباشرة أو غير مباشرة مستحضرين المغرب محطة رئيسة في ترحالهم خارج الوطن الأم .. من أبرز تلك السير نذكر علي سبيل المثال لا الحصر أيام الرباط الأولي للكاتب والصحفي السوداني طلحة جبريل وكتاب "بعض مني" للناشط الفلسطيني البارز واصف منصور، وكتاب جدل الأنا والآخر للمرخ فارس محمود إسماعيل، وأخيراً وليس آخراً السيرة الروائية الموسومة بعنوان "مرافق العشق السبعة" للكاتب والأكاديمي العراقي المقيم في المغرب علي القاسمي، كما أن هناك بلدانا رسخت في دخيلة علي القاسمي  وطأة الاغتراب كالولايات المتحدة علي سبيل المثال، فإننا نجد  أن هناك  بلداناً أخري مكنته من الاستقرار، ووفرت له الحد الأدني، من الدفئ النفسي والدعم المعنوي، وذلك ما حصل له عند وصوله إلي المغرب في سبعينيات القرن الماضي في مهمة أكاديمية لإلقاء الدرس بجامعة محمد الخامس بالرباط ليتحول هذا اللقاء العابر إلي رباط آسر وعروة وثيقي لهذا البلد ..  ومن المؤكد أنه أحياناً يكون الدر في الوطن الغربة والعدل في الغربة وطناً ثاني تمشياً مع جوهر هذا القول، اعتبر القاسمي إحدى شهاداته، المغرب بلده الثاني بعد  العرق، حيث يقول في هذا المضمار :" أكثر من خمسة وثلاثين عاما بدأت أحس أن حب المغرب تغلغل في حنايا الروح وسويداء القلب ورحاب الفكر، وإني من المغرب والمغرب مني "... وهذه الشهادة تعبر بصدق عن علاقة المغرب أو علاقة علي القاسمي بالمغرب .. من هنا لم يكن المغرب مكاناً للعبور إلي مرافق أخري بالنسبة لعلي القاسمي، بل فضائاً جتاباً وآسراً حميمياً فيه عوض عثراته حين لاذ بلوحته وارفة  الظلال، بل وجعل هذا البلد مستقر حيث لم يبرحه إلا لكي يعود إليه مشتاقاً،  حتي أصبح علي مر السنين جزء من سيرته التي تتعدد وتتنوع منها ما هو معرفي أكاديمي ومنها ما اجتماعي ومنها ما هو وجداني عاطفي، فقد كان التفكير في الرحلة إلي المغرب يسوده الكثر من علامات الاستفهام في البداية،  وحين حل علي القاسم ضيفا هذا البلد سيفسح له الحياة في ربوعه طولا وعرضا، ذهاباً وإياباً، زائراً أو مقيماً، حيث سينتقل في المقام المغربي من ممارسة التدريس إلي  المغرب  وخارجه  والعودة إليه مرة أخري إلي مزاولة مهام جديدة – فكرية، وفلسفية، وأكاديمية، وإدارية، أبلي فيها كل البلاء الحسن، وفي ذات الوقت سمح له المقام في المغرب، أن يكتشف حقولاً بعيدة وعميقة من العشق المغربي للعراق، وبانفتاحه علي المثقفين المغاربة الذين وجدو فيه قلماً رصيناً في الابداع والبحث الاكاديميين، له مني كل التقدير والتحية..

كما قال عنه الباحث المغربي الدكتور "عبد الرحيم وهابي " ( الحاصل علي شهادة الدكتوراه في التواصل وتحليل الخطأ والحاصل أيضا علي جائزة كتارا للرواية العربية): بأنه هذه ليست المرة الأولي التي أشارك فيها للحديث في قراءة أعمال علي القاسمي، فقد سبق أن تحدثت عنه في عام 2013 بالمركز الإعلامي بمدينة "فاس"؛ حيث تحدثت عنه بعض الكتب، مثل كتاب سيرة ومسيرة للدكتور منتصر أمبن، وكتاب في اللسانيات. والادب والترجمة وهو أعمال ندوة عني في كلية بمدينة تازة... وهنا يمكننا القول بأنه قد يصعب الإحاطة في دقائق لإحصاء المشروع العلمي والاكاديمي والأدبي للدكتور علي القاسمي، وذلك نظراً للمجالات الكثيرة التي كتب فيها، وأغني بها الخزانة العربية في الترجمة المعجمية والمصطلحية والنقد الأدبي إلي آخره، ولكني سأركز علي خصائص أفكاره العامة والتي التي طبعت كتاباته الثرية والتي يمكن أن أجملها في ثلاثة خصائص، الخاصية الأولي، وهي تلك الرؤية الفلسفية والفكرية التي تطبع أعماله وقدرته علي إثراء المعرفة وجعل الرواية موسوعة تتناثر بها الأفكار والآراء والثقافات، فالسرد عند "علي القاسمي" دائما يستبطن رؤية فلسفية؛ حيث يستعيض آراءه في قضايا وجودية وإنسانية وأدبية وفلسفية مستقبلاً مجموعة من الطرفات مع عدد من المفكرين والأدباء، بل إنه قد يجعل من عنصر ما خلفية للتعبير عن هوية وجودية كما فعل مع عنصر ما في رواية " مرافي الحب السبعة" وكنت قد كتبت دراسة حول هذا الموضوع نشرتها في إحدى المجلات بينت فيها كيف جعل السرد عنصرا ما مهيمنا ومحركا للحديث ومعبرا عن الذات السعيدة، وفي هذا السياق نشرت مقالا بعنوان " ما وراء الحكي في رواية " مرافي الحب السبعة"، بينت فيها كيف يتحول السرد في بعض المواقف إلي ناقد يقدم آراءه عن خيال وهو باسم الكتابة وقضايا القراءة وطبعا هذه سمة عامة تتبع كتابات أو روايات ما بعد الحداثة .. الخاصية الثانية والتي تتبع السردية عند "علي القاسمي" هي جعل السرد خلفية للتعبير عن الهويات العرية والثقافية والسياسية إلي آخره، فالشخصيات لا تعبر عن ذاتها بقدر ما تعبر عن انتمائها ولذلك فالشخصيات عند علي القاسمي هي من جنسيات وهويات مختلفة حيث تحضر هوية كردية وهوية أمريكية وهو أوربية والهوية السوداء والهوية اليهودية إلي آخره، ومن هنا يحقق علي القاسمي في كتاباته السردية ما يسميه بحث متعدد الأصوات وهي أصوات يستطلعها علي القاسمي لإلقاء الضوء علي الكثير من الرواية التاريخية والاجتماعية والسياسية إلي  آخره .. الخاصية الثالثة والتي سأقف عندها الطاقة التأويلية والتي تنطوي عليها أعمال علي القاسمي السردية كما هو الشأن مثلا في رواية " مرافي الحب السبعة" حيث الاقتباس عن امتداد الرواية بين الخيال والواقع، بين الرواية والسيرة الذاتية، إذ علي الرغم من أن "علي القاسمي" جعل " مرافي الحب السبعة" رواية، لكن القارئ يلاحظ ذلك التقاطع العجيب بينها وبين سيرته حيث يتنقل البطل بين العراق وبيروت وأوسلو وأمريكا والمغرب ويمس الأماكن التي عاش فيها "علي القاسمي" .. إذن فهناك هذا الارتباك علي مستوي النص وتأويله أهو رواية أم سيرة ذاتية!، كما يستثمر "علي القاسمي" في كل أعماله القصصية والسرد والرواية وضوع الحلو وهناك دائما أحلام يفردها البطل ويترك تأويلها للقارئ مثلا شكل الحلم بؤرة .. وللحديث بقية ..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط.

 

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديتنا، لنستكشف الجوانب الإبداعية في الريادة الفكرية عند العالم، والمفكر المبدع، والشيق "علي أسعد وطفة" في مجال علم الاجتماع التربوي، وهنا نقول: في حياة الأمم والشعوب أفراداً يتميزون عن غيرهم بحيوية الفعل، وبالقدرة علي التضحية، وقد عرفت سوريا الشقيقة نماذج رائعة من هذا النوع من الرجال الذين شكلوا طلائع الإحساس العميق بضرورة التغيير، وتمتعوا بقدرة كبيرة علي الاستنارة، وكان "علي وطفة"، واحداً من هؤلاء وبداية للطلائع القليلة الواعية التي هاجرت من الوطن إلي المغترب لطلب العلم، وأدرك – منذ وقت مبكر – الفارق الهائل الذي يفصل سوريا عن العالم، واكتشف حالة السبات التاريخي الذي عاشت تحت تأثيرها أجيال متعاقبة من السوريين، معتقدا أن الذي يلاقيه من عناء وتخلف، إنما هو الوضع الطبيعي لكل البشر .

يعد علي "أسعد وطفة" أستاذ علم الاجتماع التربوي اللامع (كما قلنا في المقال الأول)، وأحداً أبرز علامات النخبة السورية فى الوقت الراهن، فضلاً عن كونه الألمع فى مجال تخصصه فى علم الاجتماع التربوي، ورغم اختصاص علي وطفة فى علم الاجتماع التربوي، لكنه كتب فى الفلسفة الدين، وفلسفة التربية، وفلسفة القيم، ويملك إلماما واسعا بتاريخ الفلسفة .

كما لا أنسي كيف استطاع "علي وطفة عبر صفحته على الفيس بوك والواتس، أن يشكل وعى العديد من الشباب والمثقفين، وأن يعيد لعلم الاجتماع التربوي دوره فى صناعة الوعى، وقد ارتضى أن تكون الثقافة الفلسفية طريقه قبل أن يتخصص في هذا العلم، وأن تكون الأفكار هى محور اهتمامه، وأن تكون رسالته متخمة بالعديد من الأفكار الحية التى تنير الوعى وترتقى بالمعرفة الرفيعة.. لقد أعاد "علي وطفة" لعلم الاجتماع التربوي مكانته بين شباب الباحثين وكهولهم، فجذبهم إليه عبر بوستاته ومراسلاته الجميلة، وحفز عقولهم على التفكير والنقاش.. وأشهد أنني والله كنت وما زلت واحداً من هؤلاء .. ما أجمل "علي وطفة" .. وما أرق إنسانيته، وألمعية عقله، حين تتواصل معه تجده نعم الأستاذ والمفكر الخلوق.

ونجد ملامح هذا واضحا في مجال تخصصه وهو مجال علم الاجتماع التربوي ؛ حيث له فيه درس وبحث، ونقد وتعلق، وحكم ورأي وقد وقفت طويلاً أمام دراساته وبحوبه حول علاقة  التربية بالتسامح، وحقوق الإنسان، ولم يكتف بذلك كشف لنا عن الإصلاح التربوي في الوطن العربي، ولا أنسي كلامه الشيق حول هذه المسألة، عندما قال:" تشكل مسألة الاصلاح التربوي واحدة من القضايا الساخنة في مجال الحياة السياسية والاجتماعية للعالم  المعاصر .. وتحفل اليوم الساحة العالمية بالنشاطات السياسية والمؤتمرات التربوية التي تسعي إلي بناء منطق جديد يكفل للتربية أن تتجاوز التحديات التي تحيط بها ويمنحها القدرة علي مواكبة عصف الحضارة التكنولوجية المتقدمة، وعلي احتواء التفجير المعرفي بما تنطوي عليه من خصائص التسارع والتقادم والتنوع.

كما كشفت دراساته وبحوثه الشيقة حول عن جائحة كورونا علي أنه فيلسوف في تخصصه، فلا أنسي أحاديثه وأفكاره ورؤاه الشيقة عن موت المدرسة في زمن كورونا ؛ حيث قال: اعتقد انه لا يجهل أحد اليوم أن جائحة كورونا جاءت علي صورة تسونامي جبارة صدم الحياة الإنسانية برمتها في مختلف جوانبها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية تختلف في رأيي هذه الجائحة عن جميع  الأوبئة البيولوجية التي عرفتها الإنسانية عبر تاريخها الطويل لترجمتها الاجتماعية والتربوية، ويمكن القول بأن كورونا بتأثيراتها وارتداداتها كانت جائحة الاجتماعية إنسانية أكثر منها جائحة بيولوجية ويتجلي تأثيرها في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والثقافية والفكرية في الأدب وفي مختلف العلوم والفنون وأصبحت هذه الجائحة كما تعلمون الشغل الشاغل للعلماء والمفكرين والباحثين وقد جاءت هذه  الجائحة لتشكل صدمة علمية مفاجئة للمجتمع الإنساني المعاصر ويعود السبب في رأينا إلي أن الإنسان المعاصر قد استكان كلياً إلي القدرة العبقرية للعلوم والمعارف الإنسانية لإيجاد الحلول السريعة لكل الملمات والجوائح، وجاءت الصدمة عندما وقف العلم كلياً عاجزاً عن تقديم العلاج المناسب خلال أشهر متعاقبة وكانت الأشهر الستة الماضية كافية لتدمير اقتصاديات عدد من الدول والشركات وأحدثت أزمة اجتماعية هائلة  وهذه الصدمة كانت أيضاً اجتماعية وتربوية للمجال الاجتماعية والتربوي إذ هي للمرة الأولي منذ الأنفلونزا الإسبانية التي يُكره فيها الناس أطفالاً وشيوخاً وشباباً علي ملازمة منازلهم في الحجر الصحي المقيت لفترات زمنية طويلة وكان هذا الأمر مفاجئا لعلماء النفس والتربية والمجتمع، وضمن هذه الصدمة وجد علماء الاجتماع والتربية أنفسهم ضمن حقل جديد لم يألفوا وفضاء جديد لم يجدوا الفرصة للنظر في أبعادهما .

ثم يتساءل وطفة هذا السؤال: لماذا الصدمة السوسيولوجية ؟ .. وهنا يجيبنا قائلاً: نتيجة كورونا علي ما اعتقد اهتزت أغلب النظريات الكلاسيكية التي عرفناها في علم الاجتماع، حول التنشئة الاجتماعية وأوجه التفاعل الاجتماعية في أعماق الأسرة، والمؤسسات التربوية.. ونحن اليوم علي ما اعتقد علي أبواب علم جديد وهو علم اجتماع الأوبئة؛ وأيضاً علم آخر وهو علم التربية في زمن  الأوبئة، وهي علوم بدأت تسم خطواتها الأولي تحت تأثير الصدمة الكورونية الجديدة التي هزت أوصال المجتمعات الإنسانية وزلزلت بنيانه، وهذه العلوم كما تلاحظون أخذت طابعاً مستقبلياً، ومما لاشك فيه فقد كانت الصدمة الكبرى في مجال التربية والتعليم ؛ حيث توقفت عجلة التربية، وجائحة كورونا استطاعت أن تضع علي المحك الأنظمة التربوية والاجتماعية في العالم المعاصر .. نعم لقد جاءت كورونا في حقيقة الأمر ليهز أوصال الأنظمة التربوية ويفجر أطراها التقليدية ويضعنا علي مسارات جديدة تهدد الأنظمة التعليمة الحالية وتعلن عن بداية سقوطها التقليدي، فالمدارس والمؤسسات التربوية اليوم، فقدت تحت تأثير الجائحة كثيرا من تألقها وقدرتها علي مواكبة المستجدات في عالم الكوارث والأوبئة ..

ثم يستطرد "أسعد وطفة" قائلاً: وهنا أريد الآن أؤطر لفكرة المسؤولية الاجتماعية، حيث أذكر أنه في النصف الأول من القرن الماضي؛ حيث اتضح أن الأسرة بدأت تتقلص أو يتضاءل دورها في العملية التربوية والاجتماعية، وبدأت تتنازل عن أدوارها لصالح المدرسة والمؤسسات الاجتماعية؛ بحيث أن الأسرة اضطرت للتخلي عن معظم وظائفها خلال العقود الأولي من القرن الماضي، حتي أصبحت بمكان كبير للنوم والراحة والاسترخاء، ولذلك ظهرت كتابات تتحدث عن موت المدرسة، وعن موت العائلة، وفعلا خسرت المدرسة الكثير من وظائفها وتقلصت كثيرا، ولكنها في النصف الثاني من القرن الماضي من القرن العشرين، بدأت المدرسة أيضا بدايات موت المدرسة.. لماذا ؟.. لأن المدرسة بدأت تُوظف ايديولوجيا في خدمة الأنظمة الرأسمالية وبدأت هذه المؤسسات توظف توظيفا ايديولوجيا رأسماليا – مهنيا واضحا، ثم جاءت الثورة الصناعية الثالثة، ثم تلتها الثورة الصناعية الرابعة حتي لاحظنا أن هناك الثورة المعرفية والثورة الرقمية والتي تجلت من خلال الانترنت والجيل الخامس من الاتصالات والذكاء الاصطناعي والريبوتات ... كل هذه ساهمت فيما يسمي بعملية موت المدرسة أو موت التعليم التقليدي، ولذلك كانت المدرسة وقد أُفرغت نهائيا من مضمونها الإنساني ومن مضمونها المعرفي أو مضمونها الأخلاقي، وجاءت كورونا لتدق المسمار الأخير في نعش المدرسة التقليدية وتعلن موتها علنيا، فأغلقت المدارس ورياض الأطفال والجامعات .

وفي مقالة له عن "الهوية الإنسانية في زمن ” الكورونا” قال "علي وطفة": والقضية هنا ليست قضية تتعلق بمصدر هذا الوباء الكوروني، فقد يكون سببه التلوث المرعب الناجم عن التوحش في العادات الغذائية للإنسان المفارق لطبيعته (أكل الحشرات النيئة)، أو قد تكون بواعثه نوعاً من الحروب البيولوجية التي تخوضها الدول الكبرى في الصراع من أجل السيطرة على العالم. ومهما يكن الأمر فإن جائحة كورونا تثير اليوم قضايا فكرية في مختلف المجالات والميادين في الأدب، والفن، والفلسفة، والموسيقا، وعلم الاجتماع، وهي فوق ذلك كله ستكون أكثر القضايا إثارة للوعي الفلسفي الجديد الذي يتعلق بمركزية الإنسان وهويته وانزياحاته المستمرة عن مركزية الكون أي بوصفه غاية للوجود وصانعا للتاريخ وبانيا لأمجاد الحضارة الإنسانية.

ثم يعلن وطفة قائلاً: لقد أثار كورونا صدمة وعي كبرى وشعور لدى الإنسان بالانتماء الواحد إلى المملكة الإنسانية المفتوحة على العالمين الحيواني والجرثومي. والإنسان يدرك اليوم ومنذ الأمس بأنه وجوده مهدد بمخاطر وجودية لا حصر لها، ولكنه لم يأخذ بالحسبان أن اللامتناهيات الصغرى والدقائق المجهرية قد تكون أعظم هذه المخاطر وأشدها فتكا بالإنسان. والآن يطل الكورونا كشكل محتمل لأنواع كثيرة من التهديدات الفيروسية القاتلة التي يمكن أن تؤدي إلى فناء العالم.

وفي النهاية يقول واطفة بأن: مملكة الإنسان مملكة بين الممالك الحيوانية والجرثومية والنباتية تتداخل معها وتتفاعل تفاعلاً وجودياً يحفظ الحياة وينهض بها، ومن غير هذا التفاعل الخلاق قد تتم الإطاحة بالحياة نفسها في مملكتنا الإنسانية المتفردة في الكون. وقد نقول أن فرصة الإنسان ومركزية الإنسان وتميزه لا تقوم على ازدراء ممالك الحياة التي تحيط بنا، بل يجب أن تقوم على الاحترام والتفاعل الحذر والحسابات العقلية لتحديات المصير الإنساني نفسه. فثورة الفايروسات والكوارث الطبيعية ما هي في نهاية الأمر إلا نتاجا لعدوانية الإنسان ضد الطبيعية والممالك الحية فيها وقد حان للإنسان أن يعود إلى رشده وأن يأخذ بالعقلانية الأخلاقية في إدارة المصير تحت عنوان احترام الحياة .

وحتي لا يطول بنا الحديث أقول في نهاية حديثي تحية طيبة لأستاذنا الدكتور "علي أسعد وطفة"، الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ، ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطنى يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم  الفلسفة بكلية الآداب وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

محمود محمد عليهناك نمطان من الأساتذة الجامعيين، نمط تقليدي تتوقف مهارته عند تقليد الآخرين، والنقل عنهم وضبط الهوامش، والحرص علي أن يكون النقل أميناً، وكلما كان من مصادر ومراجع أجنبية كان أفضل، وكلما قل فيما يقولون فإن ذلك هو الصواب عينه، ونمط مبدع يسخر قراءته لإبداء الرأي أو للتدليل علي صواب الاجتهاد العقلي الشخصي، وبالطبع فإن النمط الثاني هو الأقرب إلي النمط الفلسفي الحق، فالتفلسف ينتج الإبداع ولا يتوقف عند النقل وإثراء الهوامش .

ولا شك في أن الأستاذ الدكتور علي أسعد واطفه (أستاذ  علم الاجتماع التربوي بجامعة الكويت) من هؤلاء الذين ينتمون إلي النمط الثاني، فهو صاحب موقف فلسفي ونقدي واضح من كل ما يقرأ ولا يكتب إلا في حول أو في قضايا معاصرة  بغرض بلورة موقف مبدع ومستقل عن كل المواقف ومختلف عن كل الآراء المطروحة حول نفس الموضوع سواء قيل من قبل .

وهنا وجدنا أن البحث في علم الاجتماع التربوي في نظر الدكتور علي أسعد وطفة، هو تعبير خالص عن الموقف الفكري المستقل الخالص بالباحث، وليس مجرد مجموعة من النقول والشروح والتعليقات المفتعلة.

علاوة علي ذلك فإن جدية الدكتور علي أسعد وطفة وأصالته تتكشف عندما يطرح القضايا الفكرية والسياسية، حيث نجد الغاية من هذا الطرح ليست مجرد تكرار للأفكار، وإنما يسلط الضوء علي أفكار وقصايا بعينها، من أجل أن يكشف عن المجتمعات العربية، وكذلك من أجل أن يستقي القارئ العربي منها مصادر خلاصة من مشكلاته التي تؤرقه وخاصة مشكلة وجوده كإنسان له كرامته الأصلية .

هذا بالإضافة أيضاً إلي أنه مكافح مناضل، وتلك ظاهرة ملحوظة في حياته كلها، كافح في صباه وشبابه، كما كافح في كهولته وشيخوخته . كافح وناضل في ميدان العلم والتعليم، في ميدان التربية والاجتماع، في ميدان الوطنية والسياسة، وكلفه كفاحه ما كلفه من عنت ومشقة، وقد حاول جاهداً أن يجمع أنواع مختلفة من العلوم وضروباً من المعارف؛ وهو عالم يشار إليه بالبنان ضمن علماء الاجتماع التربويين .

وقد شهد له كل من عرفه بأنه نعم الرجل الذي في نظرته حنان، وفي قلبه تواضع، وهو ذو شخصية إنسانية طاغية، حانية، حاضنة، وذو بصيرة ناقدة، وشخصية بناءة إيجابية متفائلة، وقلب مفعم بحب البشر، كرس حياته للدفاع عن الإنسان، وإبراز كرامته وقدسيته روحياً ودينياً، حضارياً وثقافياً، اجتماعياً ومادياً.

علاوة علي أن علي وطفه (مع حفظ الألقاب) يعد قامة، وقيمة علمية، وأخلاقية كبيرة، على المستوى العلمي، والمستوى الشخصي أيضاً، لأنه دائماً كان يمد يد العون، لمن يعرف، ولمن لا يعرف صغيراً وكبيراً؛ كما يتميز بدماثة الخلق، وحسن المعاملة مع أصدقائه وزملائه فى العمل، وأنه كان يسعى دائماً إلى تحقيق هدف سامى ونبيل، وهو جبر الخواطر، وأن يجمع بين الصدقة الجارية، والعلم الذى ينتفع به.

لقد كان قارئا لكل الأحداث، ولم تقف قراءته هنا الحديث والمعاصر، بل أبي إلا أن يجمع بين الماضي والحاضر . ودون أن أعرض لإلمامه الواسع بعلم الاجتماع التربوي، وأحب أن أشير إلي تمكنه من هذا العلم ؛ حيث عرف أصوله وأحاط بشتي جوانبه، إذ درسها في عمق وسعة، وكون فيه رأيه الخاص، ولا أظن أن من بين أقرانه من أهتم بقراءة التربية العربية في معترك الحداثة، أو حضور المقدس في الثقافة العربية، أو جان جاك روسو: فيلسوف الحرية والأب الروحي للتربية الحديثة، أو موت المدرسة في زمن كورنا ... وهم جرا.

وإذا ما جئنا لنكشف ما تميز به علي وطفه من علم وافر وثقافة واسعة، وجدنا صيته في هذين المجالين يتجاوز نطاق العالم العربي والإسلامي إلي ما هو أوسع وأرحب . ولعل الذي أعان علي انتشار صيته وازدياد شهرته، ومعرفته المتنامية باللغات الأجنبية الحية . وغني عن البيان أن هذه اللغات، التي كان يعرفها علي وطفه (مع حفظ الألقاب)، لها شأن كبير في تشكيل تيارات الفكر والثقافة في عصرنا الحاضر. ناهيك عن أنه كان ضليعاً بلغته العربية – لغة القرآن الكريم – وعارفاً بالمصطلحات الاجتماعية والتربوية في لغاتها الحية.

وهنا يمكن القول مع محمد الإدرايسي (وذلك في حواره معه) بأن علي وطفه يعد  واحدا من علماء الاجتماع العرب الذين بذلوا جهوداً رائدة في مجال البحث العلمي في العالم العربي ؛ ولا سيما في قضايا التربية والمجتمع، عبر مسار بحثي يناهز ثلاثة عقود ونيف من الزمن. وتتوزع إنجازاته العلمية بين عشرات الكتب والمقالات التربوية والسيوسيولوجية التي تعد مرجعاً لا غني عنه لكل باحث ومهتم بشؤون التربية العربية من منظور العلوم الاجتماعية، كما أنه قدم ترجمات لأمهات المقالات والكتب المؤسسة للفكر التربوي والسياسي العالمي من اللغتين الفرنسية والإنجليزية إلي العربية.

وهو سوري الجنسية من مواليد دمشق 1955، وأستاذ علم الاجتماع التربوي بجامعة دمشق في الفترة 1988- 1997، ومعار إلي كلية التربية بجامعة كالكويت منذ عام 1997 حتي الآن، وهو عضو في اتحاد الكتاب العرب، وفي رابطة الكتاب السوريين، وفي اتحاد كتاب سورية الاحرار، وفي الشبكة العالمية للتربية علي حقوق الإنسان، وأخرا عضو الجمعية الدولية للمترحمين واللغويين العرب.. حصل وطفه علي شهادة الليسانس في الفلسفة وعلم الاجتماع من جامعة دمشق 1979، والماجستير في علم الاجتماع التربوي من جامعة كان Caen في فرنسا عام 1985، وعلي الدكتوراه في علم الاجتماع التربوي من الجامعة نفسها، وذلك سنة 1988.

وقد حصل الدكتور وطفه علي جوائز علمية عدة منها : جائزة حميد بن راشد للعلوم الاجتماعية 2014، وجائزة الملصق العلمي للعلوم الإنسانية في جامعة الكويت 2010، وجائزة الباحث المتميز لجامعة الكويت في مجال الآداب والعلوم الإنسانية في عام 2009.

يرأس حالياً تحرير مجلة نقد وتنوير، ويدير " مركز نقد وتنوير للدراسات الإنسانية والسياسية " وفق استراتيجيات علمية وأكاديمية طموحة تهدف إلي تنمية البحث والترجمة في حقل العلوم الاجتماعية والتربوية في العالم العربي.

ولعلي واطفه مؤلفات كثيرة نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر: الجمود والتجديد في العقلية العربية: مكاشفات نقدية (2007)، وبنية السلطة وإشكالية التسلط التربوي في الوطن العربي (1999)، والتربية  إزاء تحديات التعصب والعنف في الوطن العربي (2002)، والتربية العربية والحداثة : رهانات الحداثة التربوية في عالم متغير (2013)، ورأسمالية المدرسة في عالم متغير: الوظيفة الاستلابية للعنف الرمزي والمناهج الخفية (2011)، وأصول التربية: إضاءات نقدية معاصرة (2011) وسوسيولوجيا التربية  إضاءات معاصرة في علم الاجتماع التربوي (2013).

ومن ترجماته : التربية والمجتمع (إميل دوركهايم، 1991)، والهوية (أليكس ميكشيللي، 1993)، واللاشعور (جان كلود فيلو، 1995)، وفلسفة الحب (بيير بورني، 1996)، والطفل والتلفزيزن (ميريه شالفون، 1996)، وسوسيولوجيا الاتصال الجماهيري (جوديت لازار، 1995)؛ هذا بالإضافة إلى مئات المقالات العلمية التربوية المنشورة في الدوريات العربية المتخصصة والمحكمة. ولم يتوان عن الانخراط في الثورة الإعلامية والرقمية، وهو التربوي الخبير، كتاباً، وإرشاداً، وتوجيهاً، إذ قـام بتأسيس عدة مواقع علمية متخصصة، وانفتح علي مواقع التواصل الاجتماعي، كالفاسبوك والتويتر وغيرها بفاعلية، ناهيك بالمساهمة في لجان مناقشة الأطروحات الأكاديمية، والإشراف علي كثير من البحوث الجامعية، فضلاً عن تحكيم العشرات من المقالات، والدراسات العلمية، والكتب، ومشاريع الأبحاث المختلفة، والأعمال العلمية للترقية، والمشاركة في عشرات الندوات والمؤتمرات العلمية، والدورات التدريبية، والمحاضرات العامة في المنطقة العربية وخارجها. وراكم وطفة، خلال ذلك كل خبرات تدريسية هـامة، تخطيطا ً وتأليفا ً وتدريسا ً وتحكيما ً وإشرافا.

وفي تلك الكتابات والدراسات والأبحاث، نجح علي وطفه في خلق لغة خاصة بها للتعبير عن دقائق أفكارها ومنعرجات مسائلها ومسافات حلولها بعبارات شفافة رقراقة، لا تشويش فيها، إلا ما كان من بعض التشقيقات الاصطلاحية التي يصعب علي المرء مجاراتها ببادئ الرأي؛ ولقد استطاع علي وطفة أن يكتب بلغة فلسفية متصالحة مع ذاتها ومع واقعها التاريخي؛ لغة منسجمة رقراقة قوية مبتكرة بعيدة عن الانغلاق، ولكنها لا تفرط عن مقتضيات الصناعة الفلسفية، وقد تخلت كتابته عن الطابع الدعوي وسلك مسلك الاستنباط السلس والجدل السيال. ليس هذا فقد برهن علي وطفة في تلك الكتابات علي أنه يمتلك قدرة كبيرة علي توليد الأفكار وربطها وانتقادها وتحويل أي موضوع في مجري الحياة العادية إلي موضوع فلسفي عميق... وللحديث بقية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم  الفلسفة بكلية الآداب وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

قاسم حسين صالحالتقيته بداية السبعينات.. كان رئيس لجنة اختبار المتقدمين للعمل مذيعين باذاعة بغداد، ضمت سعد لبيب، مدير برامج اذاعة صوت العرب، وكبير المذيعين سعاد الهرمزي، و دكتور عبد المرسل الزيدي عميد كلية الفنون الجميلة..

دخلت .. جلست.. قال لي:

- اقلب الورقة التي أمامك وأقرأ رأسا.

قرأت واضفت كلمتين من عندي على الخبر.. فامتدح نباهتي.. وكنت من ضمن عشرة تم قبولهم ودخلنا دورة اذاعية لثلاثة اشهر حاضر علينا فيها بدري حسون فريد في النطق والألقاء، وكرم شلبي من مصر في الصحافة، ومالك المطلبي في اللغة.. وآخرين.

شهادتي هذه تقوم على مواقف، نوجزها في الآتي:

موقف 1

كلفني مسؤول القسم السياسي فلاح العماري بمنتجة تقرير يذاع بعد نشرة اخبار الثامنة مساء يجب ان لا يزيد على عشر دقائق.. تبين انه للحاج خير الله طلفاح في زيارته لمكة ولقائه بأخت الشاه.. وبنصف ساعة..

حذفت منه عشرين دقيقة وأنا خائف.. وما ان اذيع .. رن جرس الهاتف.. وكان الصحاف:

- تعال .. وجيب تيب تقرير الحجي معك.

دخلت .. قلت له :خير سيدي

قال (وهو يستمع): الحاج خير الله زعلان .. هاي انت شمسوي!

خفت حقيقي (شراح يخلصك قاسم).. مرر الشريط سريعا.. وقال: تفضل روح.. يبين فلاح راد يذبها براسك.

موقف 2

كنت اعمل صحفيا بمجلة الأذاعة والتلفزيون، فكلفني رئيس تحريرها الراحل (زهير الدجيلي)عمل تقرير صحفي عن تجربة التلفزيون التربوي في المدارس الابتدائية.. زرت عددا من المدارس فوجدت التجربة بائسة فظهر التقرير بمكان بارز تحت عنوان (التلفزيون التربوي ربي كما خلقتني)..

فكان ان اتصل وزير التربية بالصحاف قائلا له:

سنحيل الصحفي قاسم حسين الى المحكمة، فأجابه الصحاف:

- سيادة الوزير.. اقم الدعوة عليّ انا لأنني انا المسؤول عن المجلة.

موقف 3:

اصطحبني معه الى استديو التلفزيون لكتابة ريبورتاج صحفي عن عمل درامي تلفزيوني يخرجه المخرج المصري المعروف ابراهيم الصحن.

بعد ثلاثة او اربعة مشاهد ابدى ملاحظات فنية واقترح على الصحن حذف واضافة.. فشكره مقتنعا.. وطلب مني ان لا اذكر ذلك في الريبورتاج.

موقف 4:

ظهر مقال الصفحة الاولى بمجلة الأذاعة والتلفزيون بعنوان (مكافحة الأمية في الوسط الأذاعي) فقال مدير اذاعة بغداد السيد عادل الدلّي .. ماكو غير قاسم حسين كاتبه..

وكنت داخلا للاذاعة فقال موظف الاستعلامات: ممنوع تدخل.. السيد المدير انهى خدماتك.

لمحت الصحاف واقفا ومعه صديقه الكاتب ثامر مهدي، فاستأذت لاقابله..

قال الصحاف: ومن اصدر امرك؟

قلت: استاذ عادل

اجاب: خلص .. مديرك وانهى خدماتك.

بعد اسبوع تم نقل السيد عادل وعدت لممارسة عملي.

موقف 5 الأهم:

صار السيد الصحاف وزيرا للأعلام وتم تشكيل (لجنة رأي) بتوقيع الرئيس صدام حسين من اكاديميين ومثقفين كبار بينهم أنا نجتمع اسبوعيا برئاسته. وكنت انا الوحيد الذي اطرح رأيا مختلفا.. فنصحني الدكتور عبد المرسل الزيدي والدكتور محمد عبد الرزاق الدليمي بان لا (أرادد) الصحاف لأن " ما عنده مانع يعتدي عليك".. لكنني لم آخذ بالنصيحة.

وحصل ان طلب منّا تقييم اداء الاذاعة والتلفزيون وكان ذلك في تسعينيات الحصار.. وكانت حصتي تلفزيون الشباب (وأظن أن مديره كان السيد علاء مكي) فوجدت المخرج يضع اصبعه بداخل الجهاز.. سألته لماذا؟

- شاسوي استاذ .. برغي ماكو!

عقد الاجتماع برئاسة الصحاف وقدمت التقارير وجاء دوري فقلت:

- سيادة الوزير.. اذا يبقى الوضع هالشكل .. بعد سنتين ستتوقف الاذاعة والتلفزيون.. ورويت له ما شاهدت.

اجابني بحدّة:

- أخونه.. اليحب الوطن ما يعوفه!

وتمضي الايام.. ويأخذون السيد الصحاف بطائرة خاصة الى الامارات.. ويتصل بي الصديق الراحل دكتور عبد المرسل الزيدي العائد من لقائه في الامارات قائلا:

- دكتور قاسم لك سلام خاص من محمد سعيد الصحاف انقله بالنص:

(سلمنه على استاذنه الجليل دكتور قاسم حسين صالح)

فاجبته بميانة محب: دكتور مرسل.. انا ادري بيك تجذب.. وقبل ان اكمل اقسم انه ينقل الحقيقة.

وتوصلت الى الآتي: ان سيكولوجيا السلطة في العراق عودت المحيطين بالمسؤول ان يقولوا له ما يحب ان يسمعه.. فيما انا كنت اقول له الحقيقة برغم خشيتي منه.. وأنه كان يقدر ذلك في داخله.

الصحاف .. مثقف وشجاع

كان محمد سعيد الصحاف اشجع البعثيين.. فمع أنه كان على يقين بان الاميركان سيدخلون بغداد فانه كان يسخر منهم ويشجع على الصمود مع انه يرى دباباتهم من على جسر الجمهورية تزحف نحوه.

وكان الرجل أداريا ناجحا حقق نقلة نوعية في مؤسسة الأذاعة والتلفزيون بعكس السيد لطيف نصيف جاسم.. واذكر هنا حادثة:

كنا ثلاثة: الروائية لطفية الدليمي والصحفي باسم عبد الحميد حمودي وأنا قد صدر امر لنكون اللجنة المشرفة على برامج الأطفال بما فيها فحص النصوص (نهاية السبعينات هي الفترة الذهبية لبرامج الأطفال). وكانت مقدمة برنامج حروفنا الجميلة (نون..) قد رفضنا لها نصا لأنه ضم فلاسفة اجانب فقط.. وثبت عليه ملاحظة خلاصتها: (ان تاريخنا العربي والاسلامي فيه فلاسفة اشهر واحق.. يعاد كتابة النص).. فحملت النص الى المدير العام (السيد لطيف) معترضة، فأجاز لها تنفيذه (ولو كان الصحاف لأمرها باعادة كتابة النص).. فجاءه بعد عرضه تلفون له من الرئاسة ينتقده، فاجتمع بالعاملين وحين دخل قال: (الله بلانه بهاالمؤسسة القذرة).

فيما كان الصحاف محبا ومطورا نوعيا لها.. مثقف وصاحب ذوق، واليه يعود تقليد اذاعة اغاني فيروز كل صباح من اذاعة بغداد.. فضلا عن انه عمل سفيرا في الهند والسويد وايطاليا ومندوب العراق في الامم المتحدة.

اقول هذا شهادة للتاريخ.. (ولا تعنيني سلبياته).. فانا لا تربطني علاقة شخصية بالسيد الصحاف.. ولكنها الحقيقة.. نقولها للذين تراجعت الدراما العراقية في زمنهم.. وللذين عملوا له تمثالا في متحف الشمع في دولة تعرفونها بقصد السخرية منه وهو يتوعد الأميركان بصوته.. وللشركة الأميركية التي انتجت دمية عنه تردد عبارته (ان الاميركان ينتحرون الآن على اسوار بغداد).. واخرى تردد كلمة (العلوج) التي لم يجدوا لها ترجمة باللغة الانجليزية!.

المشكلة فينا نحن العراقيين أننا لا ننصف من نختلف معه في الرأي والموقف حتى لو كنا نعترف في داخلنا.. انه يستحق.

*

أ. د. قاسم حسين صالح

 

 

محمود محمد علييعد الأستاذ الدكتور “حسن محمد حسن حماد”- أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة بكلية الآداب -جامعة الزقازيق، من أبرز المفكرين المصريين التنويريين الجدد بفضل أفكاره وآرائه الجريئة الشجاعة، التي أثارت جدلاً كبيراً وسجالاً واسعاً بين الأوساط الثقافية والاجتماعية والدينية العربية، حيث دعا في معظم كتاباته إلي إطلاق مشروع “تنوير عربى” لمجابهة الأفكار الظلامية والمتطرفة التى شوهت الدين الإسلامي، مشيراً إلي رفض الفكر السلفي التكفيري والعمل علي التصدي لكل الأفكار الظلامية والمتطرفة التي يبثها بعض دعاة الإسلام السياسي، وذلك من أجل مكافحة الإرهاب وتصحيح الصورة السلبية المأخوذة عن العالم العربي وصحيح الدين الإسلامي ورسالته التى تدعو للحرية والعدل والسلام، فكان له دور بارز في النهوض في الحياة الثقافية بمصر من خلال مؤلفاته وأعماله الفلسفية التي كان لها دور تنويري في تشكيل الوعي لدي العديد من الباحثين والمفكرين في مصر والعالم العربي.

كما كان حسن حماد واحداً من الأساتذة المصريين الكبار الذين استطاعوا بحوثهم ومؤلفاتهم أن ينقلوا البحث في الفلسفة الحديثة والمعاصرة من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارمة إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

علاوة علي أنه كان قمة في التواضع، فهو الإنسان بكل ما تحمله كلمة الإنسان من معاني ودلالات، فلقد وهب حياته كلها للجامعة : تعليماً وبحثاً، وظل اهتماماته الرئيسية هي اهتمامات أستاذ جامعي يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن، ومن هنا فإنه يمثل القدوة والريادة وستظل كتاباته تمثل المنارة التي يهتدي بها الإنسان في الظلام تمثل الشعلة الخالدة، شعلة الفكر، وما أعظمها من شعلة .

وقد ولد حسن حماد بمحافظة المنيا في الثاني والعشرين من شهر مارس عام 1957، وقد حصل علي ليسانس الآداب من قسم الفلسفة بكلية الآداب بجامعة المنيا بتقدير ممتاز عام 1979م، الأمر الذي أهله بعد ذلك للتعيين في إعلان وظيفة معيد بكلية الآداب جامعة الزقازيق عام 1983م، وفي نفس العام بدأ في إعداد أطروحته للماجستير حول “الاغتراب عند إريك فروم”، الذي وجد في أفكاره إجابة عن الكثير من الأسئلة التي شغلته في هذه المرحلة، عن تيارات الإسلام السياسي والأصوليات الدينية الإسلامية الكارهة لكل مظاهر الحياة: الفن، الحرية … إلخ؟، إلي أن فرغ منها عام 1989م.

ثم بدأ بعد ذلك في إعداد أطروحة الدكتوراه حول “النظرية النقدية عند هربرت ماركيوز”، تحت إشراف د. صلاح قنصوه. وكانت لدرسته الأولى عن إريك فروم فاتحة للتعمق أكثر في دراسة مدرسة فرنكفورت التي شعر أنها الأقرب إلى تفكيره. يقول عمار بن حمودة في مقاله المنشور بعنوان “حسن حماد: ذهنية التحريم (منشور ضمن مجلة أوراق فلسفية –إشراف د. أحمد عبد الحليم):” يخبرنا عن نفسه، أنه يساري وجودي ومدرسة فرنكفورت بوتقة فكرية انصهرت فيها أفكار الماركسية والفرويدية والوجودية، ولذلك فقد وجد فيها ملاذا للكثير من الأفكار التي اعتنقها”.

وقد تقلد حسن حماد خلال مسيرته الجامعية العديد من المناصب نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر : تقلده رئاسة جمعية الفنون والآداب، وتولية عمادة كلية الآداب بالزقازيق لأكثر من دورة، وتمثله عضوا بلجنة الفلسفة بالمجلس الأعلي للثقافة، وعضوا باللجنة الدائمة لترقيات أساتذة الفلسفة …الخ. وفي نفس الوقت توالت دراسات حسن حماد الفلسفية بعد ذلك داخل هذا الإطار فكتب عن دوائر التحريم : السلطة والجسد والمقدس، و”قصة صراع الفلسفة والسلطة”، و”آفاق الأمل”، و”الخيال البوتوبي”، و”الخلاص بالفن: التراجيديا نموذجاً”، و”الاغتراب الوجودي”، و”العبث بين الفلسفة والفن”، و”البحث عن السعادة عند نيتشه”، و”قصة الصراع بين الفلسفة والسلطة “، و”محنة العبث ورحلة البحث عن خلاص، قراءة وجودية في أدب نجيب محفوظ”، وقد نال هذا العمل الأخير جائزة الدولة التشجيعية بعد صدوره بعامين.

هذا إلى جانب عدد من الدراسات التي نشرت لحسن حماد في دراسات منفصلة في مجلات أو في كتب، ونذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر : جدل الغربة والزمان عند مارتن هيدجر، وتطور مهوم العقل من ديكارت إلي هيجل، والاغتراب عند أبي حيان التوحيدي، ودور الفلسفة في تحرير الوعي أو الخروج من قبضة الفاشية، وفلسفة الجسد عند أفلاطون، وسؤال الهوية، البحث عن السعادة عند نيتشه، وأزمة التقدم في العالم العربي، والمشاعر عند جان بول سارتر، وسؤال العبث في رواية ثرثرة فوق النيل، وقراءة هيجل بين التمرد علي الدين والثورة علي الواقع.. الخ. وكلها برغم تنوعها تنتمي إلى دائرة ما يمكن تسميته بفلسفة التمرد، فهو يعتقد أن الفلسفة عبر تاريخها الطويل مارست دائما هذا التمرد : على التقاليد، على التابوهات، على السلطة، على الأنظمة السياسية، وحتى على نفسها، لا فلسفة، فيما يرى، بغير تمرد بغير فلسفة، وحتى أشد الفلسفات مثالية لا تخلو من تمرد لأنها ترفض الانصياع للواقع القائم وتفتش عما ينبغي أن يكون .

ولذلك لا فرق عند حسن حماد بين الوجودية والماركسية كلتيهما تمارسان فعل الانتهاك بأوسع معانيه. وبعد أحداث الربيع العربي وتصّدر جماعات الإسلام السياسي للمشهد شعر حماد بأن على الفلسفة أن تستحضر في بنية وجودها وفعلها ومقولاتها فكرة التمرد بأعمق معانيه، ومن هنا كان كتابه “ذهنية التكفير، الإسلام السياسي والعنف المقدس.

لقد تمكن حسن حماد في هذا الكتاب من أن يلم بالمناهج الفكرية والاجتماعية التي أنتجتها الحداثة في قراءته للتراث الإسلامي، فمزج بين المنهج التفكيكي للنصوص بما سمح له بإعادة النظر في مجمل الأسس المعرفية، وعمد بعدها إلى استخدام منهج الحفر الأركيولوجي للعودة إلى الجذور والأسس، ليخضع هذه النصوص التراثية إلى منهج النقد التاريخي، وليصل أخيرًا إلى إعادة التركيب وبناء المفاهيم في صورة صحيحة انطلاقاً مما يكون قد حصّله من نتائج النقد الذي أجراه.

والناظر لبنية الكتاب يدرك ذلك فهو يقسم الكتاب في بنيته العامة علي مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة، فأما المقدمة فحفر في مفهوم المقدس وأثره في الوعي الإنساني، وقد استعان حماد في فهمه للظاهرة بمقاربات “روجيه كايوا Caillois Roger ” و”مرسيا إليادMercia Eliade ”، وأما الفصل الأول فمقاربة لمنابع التطرف الديني، إذ بين أن المقدس مفهوم تاريخي عرفته الإنسانية باختلاف حضاراتها وأديانها، وما القرآن سوى تجّل من تحليلاته التي جعلت الفرق الإسلامية توظّفه في صراعها التاريخي حول الحقيقة الدينية. وقد كان لحديث الفرقة الناجية دور كبير في تضييق آفاق التأويل، وإقصاء المختلفين، فترسخت بذلك عقلية إقصاء الآخر.

ولكن دائرة إشعاع المقدس اتسعت لتشمل المجالات السياسية والاجتماعية والنفسية، وهو ما دعا حماد إلي اعتبار أن توظيف الدين لخدمة الأغراض السياسية والدنيوية والحياتية للبشر، وهو من أبشع أنواع السيطرة التي يمكن أن تمارس علي الإنسان. وهو الذي أورث الحركات الأصولية والإسلام السياسي عقلية احتكار الحقيقة وحق التحدث باسم الإله وباسم المقدس.

وهو يطرح في مقدّمته مشروع لنقد التّراث والتحرر من بذور التعصب، فكّل تفكير في مقاومة الأصولية دون استحضار التّراث يعد علاجاً ظرفياً غير مجد، لأن علل الحاضر ضاربة بجذورها في الماضي، والمقدس أشبه ببقعة زيت يتّسع أثرها في محيط الفكر ما دمت الينابيع التي تتفعر منها قائمة إلي اليوم، بل إنها زادت فيضا على أشياء وشخوص وأفكار ليست في الأصل مقدسة بفعل الإعلام، ولذلك تلازم مع الإرهاب وصار إلزماًمواجهته في ساحات شرعيته وخطاباته التاريخية المعاصرة.

وفي نهاية حديثي لا أملك إلا أن أقول تحية طيبة للأستاذ الدكتور حسن حماد الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري مني لهذ الرجلٍ العظيم الذي لم تغيره السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

بهجت عباسالنصف الثاني من مقدّمة كتاب لم يُنشر بعدُ

الحظّ بيئيّـاً ومجتمعيّـاً

لا أحد يعرف لماذا يولد طفل من عائلة فقيرة ومن أبوين جاهلين في بلد متخلف فيحيا ليقاسي في الحياة، وبعضهم ينطبق عليه المثل الصيني أو الفارسي (ولدوا فتعذبوا فماتوا)، بينما يُولد طفل آخر من أبوين مرفّـهـيْن في بلد متطور فيحيا حياةَ طفولةٍ سعيدةً  وتسنح له الفرص فيعيش بهناء، وآخـر

أتـتْـه الخلافـةُ مُنـقـادةً**إليه تجــرّرُ أذيــالَهـــا

فلمْ تكُ تصلحُ إلّا لــهُ**ولمْ يكُ يصلحُ إلّا لَهـا

ولـوْ رامَها أحدٌ غيرُهُ**لزُلزلتِ الأرضُ زِلزالَها   (أبو العتاهية)

بل وحتى ثمّة اختلاف بين طفلين في دارين متجاورين من منشأ واحد، أحدهما من أبٍ حنون على أطفاله يسعى جاهداً ليسعدهم فيضحّي من أجلهم، والآخر من أب بخيل قاسٍ أنانيّ يعتبر أيَّ طفل يولد له، وخصوصاً إذا كان أنثى، عبئاً عليه. إنه لغز عصيّ على العقل . وهكذا كان حظّ مدرس اللغة الإنكليزية (علاء) في مدرستنا، متوسطة الكاظمية في الخمسينات من القرن العشرين، حيث كان يدرّس الملك فيصل الثاني أيضاً. كان يأتينا بقميص وبنطلون لا يتغيّران مع فقر واضح على سيماه، ولما سألناه بمزاح عما نراه من حاله، ابتسم بمرارة وقال؛ نحن نعلم أن الأب يورث أولادَه مالاً أو ملكاً ولكن أبي أورثنا ديوناً وعلينا تسديدها! أمّا الفتى (صالح) فقد أرسله أبوه إلى أميركا، وهو في السابعة عشرة عاماً من عمره المديد، ليدرسَ فيكونَ مهندساً بارعاً ثريّاً وكلاهما من جيل واحد في بلد واحد! لا تفسير! إنه الحظّ العجيب أو القدر الذي لا مردّ له . ولكن هل يستطيع الإنسان أن (يعكس) القدر لصالحه؟ ربّما، إذا أراد وصمّم وكافح وثابر ولم يتخاذلْ عند النوائب ويستسلم للقدر العتيد وعرف ما وجب عمله. ولذا أمثلة لا حصرَ لها.

 على أنَّ ثمّة من يعتقد أنّ الصّدفة coincidence أو ما تسمّى بالألمانية   der Zufall، التي قد تكون نتاج العقل الباطن أو اللاشعور، لها ارتباط بالحظّ وقد تلعب دوراً في حياة الإنسان، وكمثل بسيط على ذلك ما حدث لي في الستّينات من القرن العشرين، ذلك أنني كنت عاطلاً عن العمل بعد استقالتي من وزارة الصناعة في نوفمبر 1964 (لأسباب سيأتي ذكرها) فكنت أبحث عن عمل في الصيدليات الأهليّة. حدث ذات يوم أنْ كنت أسير في شارع السعدون في بغداد فمررت بصيدلية (القزويني) فلمحني صديقي الصيدلي حسين القزويني فحيّيته فدعاني للدخول إلى صيدليته وقال لي: كنتُ أبحث عنك، حيث كان السيد قاسم الشمّاع، الرجل الثاني بعد الدكتور خير الدين حسيب، رئيس المؤسسة الاقتصادية العامة التي تضمّ المؤسّسة العامّة للأدوية، هنا في الصيدلية يوم أمس وكان صديقه، فسأله إن كان يعرف بعض الصيادلة الأكْـفـاء لتوظيفهم في المؤسّسة العامة للأدوية التي كانت تابعة للمؤسّسة الاقتصاديّة، لأنّ الناس ضجّوا من قلّة وجود الأدوية ويلومون التأميم (حدث حينذاك تأميم المذاخر والأدوية وإناطتها بالمؤسّسة المذكورة، فلم تستطع القيام بواجبها في توفير الأدوية في الأسواق.) يقول السيّد حسين القزويني ذكرتُ اسمَك للسيّد قاسم الشمّاع وقلتُ له أنّك قادر على توفير الأدوية، فطلب منه (من السيد القزويني) أن يتّصل بي لأقابله في دائرته (البنك المركزي) ولكنني لا أعرف رقم تلفونك لأتّصل بك (لم يكنْ لديّ تلفون حينذاك) ولكنّه (القدر) ساقك إليّ وهنا ساتّصل بالسيد قاسم الشمّاع فاتّصل به فطلب منه هذا الأخير أنْ يُكلّمني فأخبرني أن آتي إليه غدا في دائرته (البنك المركزي) فكانت المقابلة في اليوم التالي، رحّب بي وأعطاني بطاقته (كارت) بتوصية إلى المؤسّسة العامة للأدوية التي رفضت طلباً لي للتعيين من قبلُ. وهكذا كان تعييني فيها ووظيفتي التي دامت أربعة عشر شهراً، وبعدها تعرّفتُ على الشركة الألمانية أ. ميرك للأدوية فصرت مدير مكتبها العلمي في بغداد،  فكانت نقطة التحوّل كما يسمّيها الشاعر ريلكه. ولولا تعييني في المؤسّسة العامّة للأدوية (كيماديا) التي كان ممثّلـو شركات الأدوية العالمية يزورونها لغرض تصدير (بيع) أدويتهم وتعرّفي عليهم ومقابلتهم، لربّما كان (حظّي) في العثور عليهم ضئيلاً أو معدوماً. لماذا كان مجيء من الكاظميّة إلى شارع السعدون ذلك اليوم ومروري بصيدلية القزويني الذي أدّى إلى حصولي على الوظيفة؟ أهو (الصّدفة) أو (الحظّ) الذي قادني إليه العقل الباطن؟ هذه الحال وغيرها الكثير (تؤيّد) قول الدكتور إبراهيم ناجي (لا تقل شئنا فإنّ الحظّ شاء) ولكنْ هذا (الحظّ) قد يكون ضد ّ مصلحة الفرد، فقد يقوده إلى طريق ضالّ أو أقلّ نفعاً من طريق آخر لو سلك هذا الأخيرَ، فما العلة أو العلل؟

وأخيراً أحبُّ أن أذكر شيئاً آخر قد يكون تفسيراً للحظّ، حسناً كان أم سيّئاً، تبعاً لـ(مخزون) العقل الباطن، ذلك أنني عندما كنتُ في الصف الرابع الإعدادي، كما سيأتي ذكره لاحقاً، خطّطتُ لدراسة الصيدلة لأكون صيدلانيّاً مستقلّاً لا أعتمد على الوظيفة للعيش. وكان زملائي يعرفون ذلك، فمثلاً، عندما اندلعت شرارة المظاهرات في عام 1952 والتي بدأت من كلية الصيدلة والكيمياء الملكية (كما كانت تُسمّى حينذاك) وأنا في الصف الخامس (الأخير) من الدراسة الثانوية، كان بعض الزملاء يقولون لي، لماذا لا تتظاهر تضامناً مع طلاب (كليّتكَ؟!) ولكنّي بعد التخرّج من الثانوية وتقديمي طلباً للحصول على بعثة وزارة النفط لدراسة الكيمياء الصِّناعية في إنكلترا، فشل  مسعاي، وعندما قُبِلتُ في كلية الطبّ للدراسة على نفقة ووارة الدفاع للتخرّج برتبة رئيس (نقيب) طبيب، فشلت، لأنّ طبيب الأذن والأنف والحنجرة (د. محمد الشوّاف) لم يقبل أن يفحصني لتأخّري عن  الفحص (سيأتي ذكره) وبعد ذلك إلغاء بعثة وزارة الإعمار إلى أميركا، مما جعلني مضطراً للدراسة في كليّة الصيدلة التي قبِلتُ فيها. هل لعب الحظّ دوره (الجيّد) في هذا؟ ربَّما، فقد كانت شهادة الصَّيدلة (قارب النجاة) في معترك الحياة التي خضت غمار بحرها، فبواسطتها استطعت الحصول على إجازة ممارسة الصّيدلة في كندا التي (سهّلت) أمور حياتي كثيراً ولولاها لكانت الحياة قاسية! ومن قال إنني سأنجو بعد تخرّجي من الطبّ (العسكري) لو تمّ، بعد انقلاب 1963 الأسود! فهل كان ما خُزن في العقل الباطن في الدراسة الثانوية من التركيز على دراسة (الصيدلة) أدّى إلى (تعثّر) دراسة ما سبق ذكره و(سهّل) التوجّه إلى دراسة الصيدلة وكان حظّاً حسناً؟ وهل كان (المخزون) في الدماغ، وهو التركيز على الصّيدلة، وفقَ نظريّة د. لبتون، موجباً وليس سالباً كالدراسات الأُخرى، حيث أنتج الحاسوب الضخم (العقل الباطن) الأول ورفض الثاني لأنّ كلّ ما تخزن فيه، تحصل عليه، رضيتَ أم لم ترضَ. وهل نسمّيه (الحظّ؟) بنوعيه، نتيجة اختيارك طريقاً معيّناً، تسعد فيه أو تشقى، أو يأتيك تلقائيّاً دون أنْ تفكّر فيه أو تسعى إليه؟ المسألة غامضة، وهناك الكثير من الحوادث التي مرّت عليّ في مسيرتي الطويلة الكأداء أحياناً في هذه الدّنيا الجميلة والقبيحة في الوقت ذاته، وكلّ حدثٍ ينطِقُ بذاته ولا أعرف حقّاً، هل اختياري ذلك الطريق وليس  آخر بديلاً، كان في منفعتي أم في ضرري، أو بالأحرى حظّاً حسناً أم عاثراً، ولربّما كان تفويت فرصة، ويا لكثرةِ ما فاتني من فرص، ندمتُ على تفويتها، كانت خسراناً مبيناً إنْ اغتنمتُها! لا أدري، ولكنّني أدري أنّ اتّخاذَ القرار الصّحيح يلعب الدور الأكيد في النجاح، وهذا ما يتّخذه العقل المبدع المفكّر (الظّاهر!) أمّا نتيجة اتّخاذ قرار (اعتباطيّ)، إيجاباً أو سلباً، فهي شأن العقل (الباطن!) وهنا في هذه السيرة ذكرتُ الحوادث الرئيسة الني مرّت عليّ أو مررت بها ممزوجة بواقع المجتمعات التي عشت وأعيش فيها واتّخاذ الطرق المتعدّدة المتشعّبة في مجالاتها، فما انسدّ طريق في وجهي إلّا وحاولتُ فتحه والسير فيه، وإن لم تعذّر، فطريق آخر، ولو كان شائكاً، ولنْ أقعدَ مذموماً مدحوراً، وقد قال الشاعر العربيّ منْ قبلُ

إذا لمْ تكنْ إلّا الأسنّةُ مركباً**فما حيلةُ المضطرِّ إلّا ركوبُـها

(كميت الأسدي)

وهذا طبعاً لم يكنْ ولن يكون، فهو من باب المجاز (metaphor) ليس إلّا. فالارادة لتغيير الواقع المتعثّر في الحياة هي الحياة الحقّة للعيش بكرامة، والتخاذل أو الاستسلام هو النهاية المؤلمة لها، ولاتَ حينَ مّناصٍ.

 

د. بهجت عباس

ابراهيم مشارةقراءة في رسائله إلى ابنتيه ورفيقه إنجلز

وصل كارل ماركس إلى الجزائر في 20 شباط ومكث فيها إلى غاية 02 أيار من عام 1882 فقد كان يعاني من ذات الجنب والتهاب في القصبة التنفسية وقد نصحه أطباؤه وبعض رفاقه بمن فيهم إنجلز بضرورة المكوث أسابيع في شمال إفريقيا حيث الشمس مشرقة والهواء صحي وكان القصد هو توجه ماركس إلى مدينة بسكرة لكن تردي صحته حال دون توجهه إلى هذه المدينة الداخلية حيث يستغرق السفر إليها أسبوعا ناهيك عن مشاق الرحلة واكتفى بالمكوث في الجزائر العاصمة حيث أقام بنزل الشرق أولا ثم نزل فكتوريا في شارع ميشليه (ديدوش مراد) اليوم، يزوره الطبيب "اسطفان" في النزل يفحصه ويعالجه بمختلف الأدوية ويوصيه بالمشي والتنزه صباحا والإقلال من القراءة والاكتفاء فقط ببعض الصحف التي لا تتطلب إمعانا في التفكير فقد كانت حالته تنتكس أحيانا وتتحسن قليلا، وفي رسائله التي بعثها إلى ابنتيه جيني ولورا لافارج وصديق عمره فريدريك إنجلز يتحدث دائما عن الأرق الذي كان يلازمه وعن السعال الشديد أحيانا حتى إنه بصق دما ذات مرة وعن فقدان الشهية وعن صدمته من كون الجو في الجزائر كان استثنائيا منذ عشر سنوات فقد ظلت الأمطار تهطل والبرد شديد والسماء دائما ملبدة بالغيوم وهذا الجو بالذات لا يناسبه، إنه يزيد في معاناته، ولذا لم يكن مستريحا في إقامته بالجزائر وظل ينتظر الرحيل بفارغ الصبر لكن الأطباء لم يسمحوا له بذلك. إن البقاء في البلد ضروري فهو مرهق وحالته الصحية هشة وعلامات التعب على وجهه ما تزال ظاهرة فالراحة وأخذ الدواء والامتثال للتعليمات الطبية والحرص على الرياضة الصباحية والمتمثلة في النزهة الصباحية لازمة وهذا أمر يتطلب أسابيع إضافية لذا يمكن القول إن ماركس أقام على مضض في الجزائر متسليا بقراءة الصحف الكولونيالية الصادرة في الجزائر خاصة "المعمر الصغير " والصحف التي تصله مع البريد من أوروبا ويتسلى بكتابة الرسائل إلى إنجلز وابنتيه جيني ولورا لافارج وقد كتب خلال إقامته في الجزائر 16 رسالة أغلبها إلى جيني وإنجلز .

لم يتحرك ماركس خلال إقامته في مدينة الجزائر كثيرا حيث كانت آنذاك تقسم إلى ناحيتين مصطفى الأعلى حيث شارع "ميشليه "و"اسلي" (العربي بن مهيدي) اليوم ومصطفى الأدنى حيث حديقة التجارب وقد زارها مرة، إذا كانت نزهة ماركس اليومية وغالبا صباحا في ناحية شارع ديدوش مراد أو العربي بن مهيدي وقد سجل ماركس في إحدى رسائله إعجابه بالريف الجزائري أي ضواحي مدينة الجزائر حيث أبعد في خرجاته هذه المرة وامتدح كثيرا دفء العاصمة وجمال الجو والشمس مسفرة والإطلالة البحرية على خليج الجزائر كما امتدح كثيرا الاخضرار والزهور التي تزين بعض المناطق وفيما عدا ذلك ظل يستعد للرحيل فالآلام والأرق والسعال ظل يلازمه وأنحى باللائمة على إنجلز الذي من فرط حبه لصديقه حرص على رحيله للاستشفاء-وقد قتله حبا كما قال- لولا أن الحظ كان عاثرا فالجو كان مكفهرا ،بارد ا متلبدا إلا من أيام قليلة تشرق فيها الشمس ويعتدل الجو .

إذا هي رسائل قصيرة فقد كانت حالته لا تسمح له بالإطناب كما لا تسمح له بالتنزه بعيدا واكتشاف مناطق هذا البلد الإفريقي وعاداته وتقاليده وثقافته ومعاناته من الاستعمار الوخيم الذي دمر كل البنى التحتية والفوقية وكان بحق أجرم استعمار في القرن التاسع عشر والعشرين معا.

إن الذي يهم في هذه الرسائل اكتشاف مدى المعرفة السطحية التي يحملها ماركس والمفكرون الغربيون عن الآخر المختلف خاصة إفريقيا والعالم العربي ومن ثمة كانت مقولاتهم وتنظيراتهم أوروبية محضة، ثقافة متمركزة على ذاتها حيث تهيمن نرجسية متعالية فالحضارة البيضاء هي المتن والمركز وغيرها هو الآخر غير الأبيض، الهامش والحاشية واعتراف ضمني بان الآخر ليس عنده ما يستحق النظر أو الاهتمام ولا أدل على ذلك من سذاجة المعلومات الجغرافية والتاريخية عن البلد والاكتفاء بالاطلاع عليها نتفا من موسوعات وقواميس ذلك العصر وهي لا تخلو من ابتسار وأخطاء بكافة أنواعها ،ولقد وجد ماركس نفسه في ورطة فهو لم يدن الاستعمار الفرنسي للجزائر لأنه اكتفى بالنظر إليه اقتصاديا إنه في مصلحة الرأسمالية التي تدخل التحديث الضروري إلى هذا العالم البدوي المتخلف، إنه تغاضى سياسي وتركيز على الجانب الاقتصادي للاستعمار حيث تتأزم الرأسمالية وتبحث عن حلول لأزماتها بتشجيع الهجرات وما يتبع ذلك من اكتشاف للموارد الأولية وهجرة لرؤوس الأموال ومن ثمة خلق دينامكية اقتصادية وتجارية وصناعية وعلمية وثقافية في تلك البلاد المتخلفة منددا أحيانا من الناحية الأخلاقية بالفظاعة التي يرتكبها الجنود الفرنسيون والاستعمال الزائد للقوة وواصفا المعمرين الجشعين باللصوص أو بنات آوى الذين استولوا على أرض الأهالي ودمروا الملكية الجماعية للأرض (المشاعية) وبالتالي قضوا على الرابطة الأسرية والدموية وارتباط الأهالي بالأرض وهي حيلة كان يهدف المعمرون من خلالها إلى تشتيت العائلات بتشجيع الملكية الفردية بامتلاك الغير للأراضي وبذر بذور الفرقة والانقسام بينها حتى لا يتهيأ أمر الوحدة والتمرد جماعيا ، ندد بهذا لكن لم يندد بالاستعمار على أنه انتهاك للحق الإنساني وبربرية وجرائم للرجل الأبيض باسم نشر الحضارة والتمدين وهذه إحدى ورطات ماركس فهو ظل مركزيا ولم يكن يعني له الآخر المختلف غير تابع لا حظ له من حضارة ولا من رقي ولا من تاريخ . نظر ماركس إلى الاستعمار الفرنسي للجزائر على أنه عملية تعمير للأرض وهجرات بشرية مثل الهجرات الأوروبية إلى أمريكا وأستراليا فهؤلاء المعمرون الأوروبيون بنوا حضارة ونشروا التقدم وتطورت الحياة والمعارف العلمية والحضارية بهجرة أولئك المعمرين ولكن ماركس لم يتذكر كافة أشكال الإبادة التي تعرض لها الهنود الحمر والتي كانت بالملايين ولم ينظر في الاستعمار من الناحية الثقافية حيث يطغى عليه الشعور بالتفوق والغلبة فيبيد الثقافة الأخرى لصالح ثقافته المتنصرة والمهيمنة وهذي جريمة أخرى من جرائم الاستعمار.

2150 ماكرس

نظرة ماركس للاستعمار الفرنسي للجزائر نظرة اقتصادية بحتة أهملت الجانب الحضاري والثقافي والإنساني واهتمت بالجانب الاقتصادي حيث تحتل النظرية المادية حجر الزاوية في تنظيراته وهذه إحدى مآزق كتاباته فهي فكر مركزي منغلق على ذاته فالواقع ليس إلا مقولة غربية .

في إحدى رسائله إلى لورا لافارج يكتب ماركس ما يلي: "كان المنظر مدهشا كان بعض أولئك المغاربة يرفل في ثياب أنيقة بل فاخرة وكان بعضهم الآخر يرتدي ما سأجرؤ على وصفه بأنه بلوزات كانت فيما غبر من الصوف الأبيض وحالت اليوم إلى مزق وأسمال لكن مثل هذه الاحتمالات من يسر وعسر لا يمكن في نظر المسلم الحق أن تقيم من فروق بين أبناء محمد وهي لا تؤثر في شيء على المساواة المطلقة التي يظهرونها في علاقاتهم الاجتماعية"

كتب هذه الرسالة بعد زيارة قام بها إلى حديقة التجارب بالحامة وقد رأى مقهى في الهواء الطلق يجتمع بعض الشباب والكهول من الأهالي على موائد خشبية يلعبون لعبة الأوراق ويرتشفون القهوة العربية الإعداد.

وواضح أن ماركس وجد نظريته في الصراع الطبقي لم تفسر سبب هذا الاجتماع الحميم بين موسرين ومعدمين وهم يلعبون الورق ويحتسون القهوة فمن المفروض أن الصراع الطبقي والحقد الطبقي لا يترك فرصة لاجتماع الموسرين والمعدمين بهذا الدفء والحميمية والروح الأخوية وماركس يستبعد الإيديولوجيا – الدين - في تفسيراته للتاريخ الإنساني مما حدا ببعض النقاد إلى اعتبار هذا النص بالذات دليلا على تمركز ماركس على نفسه وانغلاقه على ثقافته الأوربية وإحساسه بالاستعلاء وبالتالي فتحليلاته للصراع الطبقي لا تخص إلا الواقع الأوروبي فالواقع مقولة أروبية لا غير، أو لعله انقلب في هذا المشهد مثاليا ولا تفسير لذلك إلا بالإقرار بأهمية البعد الروحي في الحياة الاجتماعية بله والتأثير فيها بصرامة ولكن يا للعجب يحدث هذا في الشرق وليس في الغرب !

وفي إحدى رسائله أيضا يتحدث عن فجيعة إعدام الفرنسيين للص مسكين وهذا توصيف ماركس ولا شك أنه يعرف سبب كثرة اللصوصية في الجزائر في ذلك الإبان والسبب في انتشارها إنه الاستعمار الذي جعل الشعب مشردا وأخذ أرضه وماله وقتل ناسه أي دمر البنى الاقتصادية والثقافية برمتها للشعب فظهرت الآفات الاجتماعية بكثرة مثل اللصوصية والسكر وقطع الطريق وهي مثالب تسبب فيهال الاستعمار وقد أدانها ماركس سطحيا لكنه لم يتعمق المسألة .وبروح النكتة والطرافة يقص على لورا لافارج فاجعة إنسانية حيث أعدم الاستعمار رجلا بالمقصلة وقطع رأسه وكان الأهالي يريدون استرجاع الرأس ليلصقوه بالجثة ويدفنوها كاملة لكن السلطات الاستعمارية رفضت ويعلق ماركس أن هذا المسكين حين يصل إلى الجنة يجد محمدا يرفض دخوله إلى الجنة حتى يعود إلى الكفار ويأخذ رأسه فالجنة لا يدخلها مسلم بلا رأس. هكذا روى ماركس هذه النكتة بروح الاستخفاف والتندر عن فاجعة إنسانية وعن استخفاف بثقافة ودين ولو أنه وصف الضحية بالمسكين لكن هذا لا يشفع له قلة اعتباره لثقافة الآخر واحترامه للتجارب الحضارية والروحية عند الشعوب غير الأوروبية.

وتجدر الإشارة إلى أن القاموس اللغوي الذي يستخدمه ماركس في رسائله في حديثه عن الأهالي مثل :عصابة من العرب،البدو ،ملكوت المسدس ، العروق الدنيا، وهي كلمات كان ينتقيها من الصحف الكولونيالية الصادرة بالجزائر - يخففها بالتعاطف البسيط مع الضعفاء دون إدانة عميقة للجريمة وسببها الرئيس- وهي صحافة ناطقة باسم المعمرين الكبار أو المعمرين الصغار حيث اهتم ماركس بتحليل الصراع الطبقي بينهما ولم يهتم بإدانة جريمة الاستعمار في حد ذاتها.

وإلا فكيف يسوغ لنفسه أن يكتب في إحدى رسائله مثل هذه العبارة:

"الزنوج عبيد للبربر والعرب أحرار في العهد الفرنسي"إن الشعب برمته من بربر وعرب وزنوج صار عبدا للاستعمار الفرنسي.

أخيرا يعلق جورج طرابيشي على أن سطحية معرفة ماركس بالجزائر وإدانته الخفيفة للإجرام الفرنسي كانت بسب أنه رأى الجزائر بعين القاضي الفرنسي "فرميه" والذي كان لا يندد في   الاستعمار إلا بالشدة وينقل إليه صورا غير كاملة وما يحب هو أن يسمعه من وجهة نظر طبقة من المعمرين الصغار الذين كانوا في صراع طبقي مع المعمرين الكبار وبالتالي أدانوا القسوة الزائدة فقط ولا يمكن أن يكون تبرير طرابيشي مقبولا فالاستعمار هو الاستعمار والظلم هو الظلم منذ أن خلق الله الأرض والإنسان والسماء إنه فعل بربري لا إنساني همجي ولم يكن الأمر يحتاج إلى بروز الإمبريالية وتنامي الاستعمار وينتظر العالم المخلص لينين ليدين الإمبريالية ويمجد الحركات التحريرية في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية ليعرف فداحة الظلم وجريمة الاستعمار منذ عصر الرومان إلى يوم الناس هذا.

كما أن المغالاة في الاعتقاد بصدقية النظريات الماركسية مع حرفيتها –وهي مجرد أدوات لفهم الواقع وتحليله تخطئ وتصيب- والهوس بها إلى درجة الإيديولوجيا يولد العمى الإيديولوجي ذلك العمى الذي يجعل الفرد يرى في الحياة لونا واحدا وجهة واحدة مسطحة ذات بعدين على الأكثر أحدهما عماه الإيديولوجي ، فهو الهوس بالماركسية إلى حد الماركسوية وهي أصولية أخرى على غرار الأصولية القومية والسلفية والعلمية التقنية وما شئت من أشكال العمى الإيديولوجي.

و قبل أن يعود ماركس إلى إنجلترا عبر فرنسا حلق ذقنه وتخلص من شعره المستعار وأرسل لابنته صورة شمسية بلا لحية ولا شعر مستعار وغادر الجزائر فرحا بالعودة يوم 02 أيار من عام 1882 ليموت بعدها بأشهر قليلة.

 

ابراهيم مشارة

 

مصدق الحبيب(1867 – 1947) Irving Fisher

هو الاقتصادي والاحصائي الذي وُصِف ايضا بالمخترع والمصلح الاجتماعي المتنور والتقدمي. كان جوزيف شومبيتر قد قال عنه بأنه أعظم اقتصادي انجبته أمريكا. وكان جيمس توبن وملتن فريدمن، وهما من ألمع الاقتصاديين الامريكيين الحائزين على جائزة نوبل في الاقتصاد، قد كررا في اوقات ومناسبات مختلفة نفس وصف شومبيتر. يعتبر فشر من أوائل الاقتصاديين النيوكلاسيكيين الحديين في فترة اتساع دائرة تطور النظرية الاقتصادية من أوربا الى أمريكا. وهو الأول الحاصل على شهادة الدكتوراه في الاقتصاد في أمريكا، والذي اشتهر بوضوح كتاباته وسلاسة شرحه للمفاهيم والنماذج الاقتصادية، حتى مع استخدام التحليل الرياضي لإسناد المنطق الاقتصادي وتثبيت مصداقيته. قال جورج ستگلتز، الحائز ايضا على جائزة نوبل، بأن فشر، وابتداءً من اطروحة الدكتوراه، كان الاول الذي حلل منفعة المستهلك وطريقة قياسها واهميتها في فهم نظرية الطلب.

ولد فشر في وادي هدسن في نيويورك عام 1867، وكان والده يعمل قسًا لدى الدوائر الحكومية. وهو الرجل الذي زرع في ابنائه الضمير الحي وقوة الاحساس المبكر بالخطأ والصواب والشر والخير في الحياة والسعي والاعتماد على الذات. وليس غريبا أن نرى إرفنك قد ارتقى لتحمل المسؤولية في اعالة والدته وأخيه بعد ان توفى والده وهو في الاسبوع الاول من دخوله الجامعة، حيث اسرع لايجاد عمل كمدرس خصوصي مكنه من الحصول على الدخل الذي يحوله الى والدته. ولم يؤثر ذلك على اجتهاده في دروسه حيث تخرج الاول على دورته في جامعة ييل Yale. ومن الجدير بالذكر أن نشأة ارفنك في كنف عائلة دينية علمته الفضيلة، لم تستطع أن تحول دون تحوله الى ملحد فيما بعد. تخرج إرفنگ في قسم الرياضيات عام 1888، وواصل دراساته العليا فيها فأكمل الدكتوراه في الاقتصاد الرياضي عام 1891 في زمن لم يكن هذا الفرع متأسسا أو معروفا بعد، فكان رائده الأول بدعم وتشجيع من استاذه المعروف وليم گرام سمنر. كانت اطروحته بعنوان "بحث رياضي في نظرية القيمة والسعر" التي كانت بذرة لاهتماماته الاكاديمية اللاحقة وفاتحة لتأسيس الاتجاه الرياضي المعاصر في الاقتصاد، خاصة وانها جاءت متزامنة مع جهود زملائه الاوربيين في هذا المجال مثل ليون فالراس في فرنسا وستانلي جيفنز وفرانسس اجوورث في بريطانيا. أشار مؤرخو الفكرالاقتصادي بأن البحوث التي قام بها فشر في الولايات المتحدة كانت متزامنة مع بحوث ليون فالراس في فرنسا من دون ان يعلم احدهما بالاخر، علما ان فشر كان متأثرا بكتابات يوجين فون بومبافرك وجون ري. كما ان نظرية الاستثمار ورأس المال التي صاغها فيما بعد كانت الفاتحة في تقديم المدرسة النمساوية الى المجتمع الاكاديمي الامريكي. من المفاجآت الغريبة السارة التي فاجأ بها فشر لجنة مناقشة اطروحة الدكتوراه هي الماكنة الهيدروليكية ذات المضخات والصمامات التي تعمل على تدوير السائل التي صممها فشر وعملها بنفسه من أجل توضيح دورة النقود في الاقتصاد وكيف يعمل تغيير العرض والطلب على تغيير الاسعار والتي جلبها كوسيلة ايضاح اثناء المناقشة، اضافة الى شرحه المستفيض الوصفي المعزز بالمعادلات الرياضية. بعد نيله الدكتوراه، تعين استاذا مساعدا في نفس الجامعة وبعد مدة وجيزة حصل على درجة الاستاذية عام 1898، وبقي استاذا في ييل لحين تقاعده عام 1935.

2146 فشرأسهم فشر في صياغة نظريات ومفاهيم اقتصادية رئيسية مازلنا نعتمدها الى اليوم كنظرية سعر الفائدة ورأس المال والاستثمار والنظرية الكمية للنقود وكان الاول الذي ناقش العلاقة العكسية بين ارتفاع معدلات الاجور والبطالة، والتي صاغها بشكل رسمي بعد اربعين عاما الاقتصادي النيوزيلندي وليم فيليبس على شكل مانعرفه اليوم بمنحنى فيليبس Phillips Curve. ولذا فان الكثير من النماذج الاقتصادية الحالية تقوم بالاساس على طروحات فشر الاصلية، خاصة في حقل سعر الفائدة والنقود ورأس المال والمدرسة النقدية Monetarism برمتها.

من ضمن تلك المفاهيم الرائدة اعتبار فشر للفائدة كمقياس لخيارات المجتمع بين استخدام المال في الوقت الحاضر وبين استخدامه في المستقبل، والذي فتح باباً لتحليل جديد ومقارن للقرارات الاقتصادية في زمني الحاضر والمستقبل والذي سمي بالـ Intertemporal Analysis، أي التحليل ثنائي الزمن أو تحليل القرارات البيـْزمنية . فمناقشة فشر للنقود والسياسة النقدية ورأس المال عبر هذا التحليل أصبحت الام الشرعية للمدرسة النقدية في الاقتصاد التي ولدت فيما بعد والتي تهتم بشكل خاص بتحليل علاقة عرض النقود في الاقتصاد ودور الدولة في السيطرة على السياسة الاقتصادية من خلالها. وقد كان فشر الاول الذي اخضع متغيرات الاقتصاد الكلي خاصة النقود ومستوى الاسعار وسعر الفائدة والعمالة الى التحليل الاحصائي والقياسي في بواكير نشوء الاقتصاد القياسي الذي كان هو شخصيا من مؤسسيه الاوائل. كما كان الاول في استخدام الارقام القياسية وقد ابتكر الرقم القياسي المثالي Ideal Index Number الذي هو المعدل الهندسي بين سعر پاش Paashe وسعر لاسپيرLaspeyre، اضافة الى ابتكاره لما يسمى بالـ Distributed lag.

أما في نظرية رأس المال فقد ميز فشر بين رأس المال المادي الشيئي كالاسهم المالية وأموال الاستثمار والمكائن والمعدات والابنية وبين تيار العوائد او الدخول المتدفق لوحدة الاستثمار من تلك الموجودات او الاصول. وهنا جاءت نظرية القيمة الزمنية للاموال او الوحدة النقدية التي تتأثر بزمن حسابها. بمعنى ابسط، ان قيمة النقود اليوم تختلف عن قيمتها أمس وعن قيمتها غدا، وهذا مانعرفه اليوم بـ Time value of money. فقيمة رأس المال عند فشر ينبغي ان تحسب في الزمن الحاضر، ومثال على ذلك فاننا اذا استثمرنا مبلغا من المال ونتوقع ان يدر لنا عوائدا بعد سنتين من الان، ستكون القيمة الحقيقية لتلك العوائد هي قيمتها اليوم وليس بعد سنتين من الآن، وهذا مانسميه اليوم القيمة الحاضرة او الحالية Current value. ويسري الامر على تقييم كل رؤوس الاموال وحتى قيمة المؤسسات برمتها. ومن هنا جاءت نظرية الفصل Separation Theorem، والتي تؤكد بأن الهدف الجوهري للمؤسسة هو تعظيم قيمتها الحالية أي ان جميع عوائدها وفائدتها المستقبلية ينبغي ان تحسب بموجب قيمة الدولار اليوم وهذا يتطلب أن نجلب القيمة المستقبلية لأي عائد الى قيمتها الحالية عن طريق الحساب الرياضي المسمى بـ الخصم Discounting الذي يستخدم سعر الفائدة السائد في السوق. وقد جاءت كلمة الفصل بمعنى ان التقييم الاصح للمؤسسة هو الذي يعتمد فصل هدف مالك المؤسسة الذي يروم الى زيادة رؤوس اموالها وعوائدها بأي قيمة عن هدف المدير المالي الذي يدرك ان التقييم الحقيقي هو الذي يعتمد قيمتها المخصومة بموجب قيمة الدولار الحالي.

وبالنسبة لسعر الفائدة، فقد كان فشر هو الذي ميز بين سعر الفائدة الاسمي وسعر الفائدة الحقيقي فوضع مانسميه اليوم معادلة فشر Fisher Equation التي تعرف سعر الفائدة الحقيقي (r) بكونه السعر الاسمي (i) ناقص معدل التضخم المتوقع (f) :                        

r ={ (1 + i)/ (1+f)}- 1 = i - f

كما صاغ فشر معادلة التبادل Equation of Exchange. وهي MV = PT. وذلك عندما يمثل M عرض النقود و V سرعة التداول و P مستوى الاسعار و T عدد العمليات او الصفقات المالية. أما ما سمي بفرضية فشر Fisher Hypothesis التي تنص على ان سعر الفائدة الحقيقي يعمل كعامل مستقل عن العوامل النقدية الاخرى وبضمنها سعر الفائدة الاسمي.

في كتابه "القوة الشرائية للنقود" المنشور عام 1911 والذي وضع فيه اصول توازن الاسعار واستقرار قيمة الدولار، أشار فشر الى العلاقة بين التغييرات في عرض النقود ومستوى الاسعار والتي تتبين من خلالها القوة الشرائية وهي كمية السلع والخدمات التي تستطيع النقود شرائها. وقد بين ماسماه بـ "وهم النقود" Money Illusion. وهو ظاهرة التعلق بالاموال لذاتها وليس بما تستطيع فعله، أي الى اي مدى تستطيع النقود ان تشتري من السلع والخدمات! وبتعبير تكنيكي هو ان اغلب المستثمرين لايقدرون قوة النقود الشرائية والتي تتأرجح بموجب قيمة الوحدة النقدية زمنيا وتأثير مستوى الاسعار عليها. ولهذا كان فشر الاقتصادي الاول الذي اقترح العزوف عن تحديد قيمة الدولار بكمية الذهب الساندة لها في البنك المركزي، انما الاصح ان تقاس بقيمة تلك الكمية في السوق لانها قيمة محكومة بمستوى الاسعار والزمن وتتأثر بموجب الارقام القياسية تبعا لاسعار سلع معينة في اي اقتصاد. كما اقترح على البنوك الفيدرالية ان تنتهج سياسة الاحتياطي الكامل المساوي لـ 100% من قيمة الودائع. ولايخفى على أحد الآن بأن هذه الافكار التي صاغها فشر ماتزال تمثل حجر الزاوية في رسم سياسات البنوك المركزية في العالم.

وفي ماجاء من افكار فشر حول سعر الفائدة هو ان هذا السعر ذا الاهمية البالغة في الاقتصاد ينشأ من تفاعل عاملين: الأول هو تفضيل الناس عموما لاستخدام الدخل الحالي على الدخل التالي. أي انهم يفضلون الحصول على المال وانفاقه على حاجاتهم عاجلا وليس آجلا، وهو امر متعلق بالطبيعة الانسانية الميالة الى الاشباع الآني وليس المؤجل والذي يسمى في اقتصاد المستهلك Consumer impatience.

العامل الثاني هو فكرة الاستثمار التي تسمح بنمو الاموال في المستقبل جراء التضحية باستخدامها في الوقت الحاضر. أي اننا اذا ادخرنا واستثمرنا سنقوم لا محالة بقطع مبلغ الادخار والاستثمار من الدخل وعلى حساب المبلغ الموجه للاستهلاك في الوقت الحاضر. ولذا فاننا اذا احتجنا لاستهلاكنا اكثر مما يسمح به الدخل المتوفر، سنستدين من المصرف! واموال المصرف هي اموال اولئك الناس الذين ضحوا باستهلاكهم الحالي بأمل ان يتمتعوا اكثر باستهلاك المستقبل! ونتيجة لهذه التضحية سيكافئهم المصرف بمنحهم الفائدة المستحقة على استثمار اموالهم. أما نحن الذين استدنا فعلينا ان نسدد الديون مع فائدة في وقت لاحق. وبين الفائدة المدفوعة للمستثمرين والفائدة المستلمة من المدينين، اضافة الى اعتبارات اخرى، تقوم المصارف بتحديد سعر الفائدة، والذي هو في النهاية سيكون "سعر استخدام الاموال".

وكان لفشر رأي خاص حول الضريبة. فهو أول من دعا الى الغاء ضريبة الدخل والاكتفاء بضريبة الاستهلاك حيث كان يعتقد ان الضريبة على الدخل تعني دفع الضريبة مرتين double taxation، مرة على الدخل ومرة اخرى على استثمار هذا الدخل مما يثبط الرغبة في الاستثمار بالنسبة لاولئك القادرين على توجيه ادخاراتهم نحو الاستثمار.

تمكن فشر من انجاز ونشر 14 كتابا في الاقتصاد و15 كتابا في مواضيع اخرى والكتب الاساسية التي ضمت اغلب افكاره المبتكرة في الاقتصاد هي:

- طبيعة الدخل ورأس المال 1906

- القوة الشرائية للنقود 1911

- صنع الارقام القياسية 1922

- نظرية الفائدة 1930

- الانتعاش والكساد 1932

واضافة الى مساهماته الفكرية فقد كان فشر سباقا لتأسيس الجمعيات الاكاديمية المهنية الهامة كجمعية الاقتصاديين الامريكيين التي اصبح رئيسها عام 1918، وجمعية الاقتصاد القياسي التي اسسها مع جوزيف شومبيتر وراگنر فرش وچارلز رووس، واصبح رئيسها الاول عام 1931. كما ترأس الجمعية الامريكية لتحسين النسل لمدة اربع سنوات من 1922 الى 1926. كان رافضا للحروب ومهتما بالسلام العالمي والتعاون الدولي فانتمى الى مجموعة من الناشطين في هذا المجال قادت حملة واسعة للتحضير لتأسيس عصبة الامم وحث الولايات المتحدة على الانضمام اليها من اجل ان تصبح امریکا قائدة العالم الحر للسلام والحرية! وحين تكونت العصبة عام 1919 تخلفت الولايات المتحدة عن الانضمام اليها مما اصابه بالاحباط والهزيمة. ورغم ان البعض من زملائه كان قد وصفه بكونه رجل غريب الاطوار! لكنه كان نابضا بالحياة والحيوية والنشاط الاجتماعي وكانت له اهتما مات في مجالات واسعة في العلوم والاداب ومكان مخترعا في الميكانك حيث ابتكر نظام كاردات الفهرسة وحوله الى مشروع تجاري حصل منه على ارباح كثيرة لكنه فقدها لحد الافلاس عند انهيار السوق المالية عام 1929 وبدء سنوات الكساد العظيم 193خلال الثلاثينات.

في عام 1898 اصيب فشر بمرض التدرن الرئوي الذي شفي منه واصبح على اثره مهتما بالصحة العامة وناشطا في مجال التغذية والوقاية والرياضة البدنية وتحسين النسل واصبح نباتيا وكتب كتابا في هذا المجال بعنوان "كيف تعيش: القواعد العلمية للعيش السليم" الذي حقق شعبية واسعة. كما دعا الى نبذ الكحول والمخدرات وربما تحريم انتاجها واستهلاكها.

رغم ألمعية فشر ونشاطه الاكاديمي المتقدم، فإن من المفارقات الكبرى التي زعزعت ثقة الاكاديميين والجمهور على السواء بقابليته على تفسير الظواهر الاقتصادية هو تصريحه العلني بأن اسعار الاسهم في السوق المالية وصلت الى المستوى الذي يمكنها من الاستقرار الذي لا قلق يتوجب بعده. كان ذلك قبل ايام قليلة من الانهيار المدوي للسوق المالية في الولايات المتحدة الامريكية الذي بدأ في الرابع من سبتمبر، ثم في 29 اكتوبر عام 1929 الذي سمي بيوم الثلاثاء السوداء والذي عصف بالاقتصاد الامريكي والعالمي ورماه في اطول واقسى كساد اقتصادي في تاريخ الاقتصاد. ولم يخسر فشر كامل ثروته فحسب، بل خسر سمعته الاكاديمية رغم استمراره بتفسير ماحدث والتنبؤ بحالة الشفاء الاقتصادي الذي لابد ان يحل بفعل طبيعة الدورة الاقتصادية. ولكن لم ينفع أي تفسير يقدمه فشر أو أي اقتصادي آخر. كان ذلك بمثابة الضربة القاضية التي انهت الانتباه لما يقوله ويكتبه فشر. كما ان حالته المادية قد ساءت كثيرا بعد ذلك، خاصة بعد تقاعده من ييل عام 1935 حيث لم يكن راتبه التقاعدي كافيا لسد مصروفاته الاساسية مما دفع الجامعة لشراء بيته واعادة تأجيره له بايجار رمزي. توفت زوجته عام 1940 واصيب بالسرطان عام 1947 وتوفي في نفس العام في نيوهيفن بولاية كنتكت.

ان تفسير الازمات الاقتصادية الذي طوره فشر بعد انهيار السوق المالية عام 1929 والكساد الذي تبعه مايزال تفسيرا نافذا الى اليوم. وهو ما سمي في ما بعد بنظرية الديون والانكماش التي عزت حدوث الازمات الاقتصادية الى انفجار ما سمي بفقاعة التسليف التي تنتفخ الى اكثر مما هو ضروري فتنفجر نتيجة للثقة المتزايدة في السوق التجارية خلال اوقات الانتعاش الاقتصادي وزيادة الارباح والدخول. فمثلما تنفجر الفقاعة الهوائية عندما يستمر نفخها الى ماوراء حدود استيعاب غلافها، يحدث الامر في انفجار فقاعة المديونية في الهيكل الاقتصادي الذي تترتب عليه نتائج وخيمة منها:

- انخفاض عرض النقود في التداول بسبب دفع الديون الى المصارف التي تحجم عن ضخ النقود مرة اخرى في الدورة الاقتصادية.

- انخفاض الاسعار عموما والارباح والدخول التي يتبعها انخفاض الانتاج والعمالة وتقليص لاحق للدخول والاستهلاك فتكسد السلع والخدمات في السوق مما يدعو الى تخفيض اضافي في الانتاج ثم الدخول والاستهلاك، وهكذا تعيد الدورة نفسها في دوامة حلزونية مفجعة متجهة الى القاع، وهذا ما يصف مرحلة الكساد العميق depression الذي يتبع مرحلة الركود الاقتصادي recession غير القادر على تدوير العجلة الاقتصادية والبدء بمرحة التعافي recovery .

ورغم ان هذه النظرية فسرت الواقع بشكل علمي الا انها جوبهت بالتجاهل والاهمال، خاصة بعد تحول الانظار الى صعود نجم كنز في بريطانيا وتأثيره البالغ على البيئة الاكاديمية واروقة السياسة الاقتصادية الدولية التي استجابت الى طروحاته الجديدة في اعادة الدماء الى اوعية الجسم الاقتصادي المعتل. وهكذا استمر تجاهل فشر الى مابعد اكثر من عقد زمني على وفاته ولحين صدور بحث الاقتصادي الامريكي جاك هرشلايفر الموسوم "حول نظرية الاستثمار الامثل" المنشور عام 1958 والذي اعاد الثقة الى طروحات فشر واثبت صحتها. ومن هناك عاد نجم فشر يلمع في الحياة الاكاديمية ليأخذ القدر الذي يستحقه من الاهتمام والاحترام خلال الستينات والسبعينات من القرن المنصرم.

 

ا. د. مصدق الحبيب

 

محمود محمد عليتلعب الفنون دائما ًدَوراً مُهِماً فِي المُجتمع الإنساني، حيث تجعَلُ الإنسان أكثر رقياً، ودائماً ترتبط بالإبداعِ والعبقريّة، لذلِكَ أهميّة الفنون تكمن في حياةِ الإنسان بـ: إشباعُ الرّغباتِ الرُوحِيّة؛ ولذا فإن الفنون، هي إفراز لثقافة المجتمع، ومن ثم فإن ثقافة المجتمع، هي صورة عكسية، أو مرآة ونتاج لهذه الفنون، وعندما تكون اللوحة معبرة عن الضمير الإنساني وعندما يعبر الفنان عن قضايا مجتمعه، تكون الرسالة التي يحملها الفن في أسمى معانيها، بعيدا عن الارتكان إلى أبراج عاجية يسكنها الفنانون، حالمين بنشر صور رومانسية بعيدة عن الواقع، وإن كنا بحاجة إليها أحيانا للخروج من الدوائر المغلقة والأنفاق المظلمة.

ليس هذا فقط بل هناك علاقة تبادلية بين الفنون، كقيمة ثقافية تطرح على العامة، وبين عموم المجتمع، كتجسيد حي متفاعل مع هذه القيم، يجب أن ترتقى دوما إلى أعلى ولا تنحرف أبدا ولو بقدر ضئيل إلى أسفل؛ ليس فقط على مستوى إعلاء قيمة الإحساس بالجمال، ولكن أيضا على المستويات الأخرى كإعلاء قيم الأخلاق والفضيلة والعمل الجاد وقيمة العلم وقيمة الدفاع عن الوطن إلى آخر هذه القيم التى تمثل عصب نجاح وتطور أي مجتمع متحضر معاصر.

لذلك فإن دور الفنان على كل مستويات يجب أن يرتقي وأن يكون دائما عنصراً إيجابياً مؤثرا يرتقى بهذه العلاقة التبادلية إلى أعلى ولا يهوي بها أبدا إلى أسفل…خصوصاً أن عموم الفنانين في كافة مجالات الإبداع يشكلون صفوة المجتمع ويحظون بإعجاب خاص من عموم الناس، وإفتتان العوام عن أهمية الفنون بهم شيء ملحوظ، مما يوقع على كاهلهم في الواقع مسؤولية أكبر وأعظم في قيادة المجتمعات إلى التزكي الثقافي والترقي الحضاري على وجه العموم

وفي اليومين الماضيين رحل عن عالمنا فنان من هذه النوعية؛ ألا وهو الفنان القدير "هادي الجيار" ، عن عمر ناهز 71 عاما ، بعد اصابته بفيروس كورونا منذ أيام قليلة، ولكن الفيروس تمكن منه وأصابه بالتهاب رئوي حاد نُقل على لإثره للعناية المركزة بمستشفى الهرم،  فارق الحياة تاركًا إرثًا فنيًا وإبداعيًا جديرًا بالاحترام والتقدير.

ولم يتوقع الكثيرون أن يُصاب الفنان هادي الجيار بفيروس كورونا ، فهو منذ بداية الجائحة كان حريصًا على نشر التحذيرات لجمهوره و متابعيه عبر حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك ، فكتب في إحدى تدويناته " "ليه الناس مش مصدقة إن إحنا في خطر.. خليك في البيت" ، الي أن جاء اليوم الذي كتب فيه الجيار على الفيسبوك "ضربنى فيروس كورونا اللعين، نسألكم الدعاء بالشفاء".

ونعى الدكتور أشرف زكي، نقيب الممثلين في مصر، الفنان القدير هادي الجيار، معلنا في تصريحات لصحف محلية أن الراحل كان يعاني من مشاكل صحية أخرى بالإضافة إلى فيروس "كورونا".

وُلد الفنان هادي الجيار في أكتوبر عام 1949، والتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية وتخرج فيه عام 1970، حصل الجيار على بكالوريوس من المعهد العالي للفنون المسرحية، وقد بدأ مشواره الفني من خلال مسرحية مدرسة المشاغبين بدور «لطفي»، وإلى جانب مسرحية "مدرسة المشاغبين" أبدع الجيار في المسرح، في أعمال مثل: "أحلام ياسمين"، "لما قالوا دا ولد". .

وكانت انطلاقته الفنية مع مسرحية " مدرسة المشاغبين " التي ذاع صيته من خلالها وتعرف عليه الجمهور والوسط الفني، وكان يتقاضي أجرًا يُقدر بـ 15 جنيها شهريا، ثم زاد أجره في العام الثانى إلي 20 جنيها، وكشف الراحل عن بعض كواليس مدرسة المشاغبين في لقاء سابق مع برنامج صاحبة السعادة على فضائية "دي أم سي"؛ حيث قال الجيار إنه لم يكن يستطيع في البداية أن يجاري نجوم المسرحية في "إفيهاتهم" قائلا: "كانت إفيهات جديدة لدرجة أنني كنت أضحك عليها مثل الجمهور" وهو ما دفعه للجوء إلى إخبار الفنان الراحل عبد المنعم مدبولي بأنه  لن يستطيع أن يكمل العمل".

وتابع الراحل: "قلت للأستاذ عبد المنعم مدبولي مش عارف أروح فين وأجي منين في وسطهم، قالي أقعد وأتعلم وجرب وحاول تعمل زيّهم، واتمشى على المسرح كأنك في فسحة بيتكم، وأقنعني أكمل".

وعقب نجاحه في مسرحية " مدرسة المشاغبين " ، اتجه هادي الجيار إلي التليفزيون؛ حيث كانت له مشاركات في أهم المسلسلات الدرامية المصرية مثل " المال و البنون ، العصيان ، ولد الغلابة ، الضوء الشارد، ملاعيب شيحة، بطة وأخواتها عام 2004م، من غير ميعاد، مسائل عائلية جدًا، سيف الدولة الحمداني، القاهرة ترحب بكم، نعمة، عمارة الشبوكشي، سوق الخضار، الجبل، امرأة من الصعيد الجواني، السماح، الملك فاروق، وحق ميت، وسلسال الدم".

وكان مسلسل " شديد الخطورة" بطولة الفنان أحمد العوضي آخر أعمال الفنان الراحل ، الذي لم يستكمل تصوير مشاهده في الجزء الثاني من مسلسل "الاختيار"، من بطولة النجمين الكبيرين كريم عبدالعزيز، وأحمد مكي، سيناريو وحوار هاني سرحان، وإخراج بيتر ميمي، والمقرر عرضه خلال موسم رمضان المقبل، وكذلك لم يكن قد انتهى من تصوير دوره في مسلسل " موسى" مع الفنان محمد رمضان من تأليف ناصر عبد الرحمن وإخراج محمد سلامة.

كذلك لم يتم استكمال مشاهده بمسلسل «موسى» مع الفنان محمد رمضان، من تأليف ناصر عبد الرحمن، إخراج محمد سلامة، وهو من بطولة محمد رمضان، سمية الخشاب، عبير صبرى، رياض الخولى، سيد رجب، صبرى فواز، منذر رياحنة، هبة مجدى، فريدة سيف النصر، عارفة عبد الرسول، أمير صلاح الدين، ضياء عبد الخالق وعدد آخر من الفنانين، وإنتاج شركة سينرجى وتدور أحداثه فى إطار صعيدى.

أما في السينما فقد شارك الجيار في العديد من الأعمال التي لم تحقق نفس نجاح نجاحاته في التليفزيون ، مثل "ثم تشرق الشمس" ، و"احترس عصابة النساء" ، و"رحلة المشاغبين" ، و"سوزي بائعة الحب" ، "ابن مين في المجتمع" ، "مقص عم قنديل" ، و"عزازيل" .

وفي نهاية حديثي أقول نسألك يا الله أن تغفر للفنان هادي الجيار وترحمه، وأن تتغمده بواسع رحمتك ورضوانك وأجعله يا ربي من عبادك الفائزين في أعلى الجنان، وأجرنا في مصيبتنا وألهمنا الصبر والسلوان.. إنا لله وإنا إليه راجعون.. أيها الأخ إلى جنات الرحمن مع الشهداء والانبياء والصديقين.. حسبنا الله ونعم الوكيل إنا لله وإنا إليه راجعين .. اللهم لا نسألك رد القضاء وإنما نسألك اللطف بنا يا أرحم الراحمين.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم  الفلسفة بكلية الآداب وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

...............................

1-مي عبدالله: وداعا هادي الجيار.. الكورونا تنتصر على "رابع المشاغبين".. مقال..

2-ضحى محمد : مفيد عاشور ناعيا هادي الجيار: «وداعا يا أخي الأكبر كنت أصيلا»".. مقال..

3-خالد كامل - السعودى محمود: وداعًا هادي الجيار.. ابن البلد فنان كل فئات الشعب".. مقال..

4-د. منال عبد الكريم الرويشيد: الفن التشكيلي والقضايا الاجتماعية.. مقال..

5- حسان البشير : كيف يتمكن الفن من خلق مجتمع أرقى.. مقال..