محمود محمد عليكان لفرج فودة حدة ذهنية ومنطق متماسك ومعارف متدفقة، وفوق ذلك كله فقد كان ذا حضور طاغ بل آسر، فقد كان حيث ينطلق في الحديث بصوته الجهورى والعذب في آن واحد، ينقل المستمع إلى آفاق مغايرة من المدركات والمشاعر تجعل لكلماته مفعول السحر في النفوس (5).

ولد "فرج فودة"  في 20 أغسطس (آب) 1945 ببلدة الزرقا بمحافظة دمياط (شمال مصر)، حصل على ماجستير العلوم الزراعية ودكتوراه الفلسفة في الاقتصاد الزراعي من جامعة عين شمس.عاش حياته مليئاً بالنشاط العلمي والعطاء الفكري، وحمل على عاتقه هموماً كثيرة، ولعب دوراً هاماً في الحياة الإبداعية والفكر العربي المعاصر، وكرّس كتاباته للدفاع عن حرية الفكر والتعبير والمعتقد، وحرية الإبداع الثقافي والفني، وأمن دائماً بأن المستقبل هو للتنوير، والعقلانية، وللخلق، والإبداع، وليس لجيوش الردة، والظلام، والعودة إلى الوراء ؛ وفي الرابع من شهر يونيه لعام 1992م تم اغتياله بإطلاق الرصاص عليه أمام منزله، وكان اغتياله حادثة هزت الأوساط الثقافية في مصر والعالم العربي، بوصفها تنذر بالكثير لما سيتم بعد ذلك ؛ حيث إنه بعد مقتله بسنوات قلائل، تعرض نجيب محفوظ للإغتيال، وتم تكفير "نصر حامد أبو زيد"، و"سيد القمني"، "العشماوى"، "خليل عبد الكريم"، "سمير غريب علي"، "عاطف العراقي" – بتهمة الدعوة لآؤاء علمانية مخالفة للدستور – "أحمد صبحي منصور" – تنظيم إنكار السنة – وخرجت المظاهرات تطالب برأس "حيدر حيدر" (وليمة أعشاب البحر)، ومحاكمة "صلاح الدين محسن "بتهمة إهانة الدين، تكفير "حسن حنفي"، مصادرة مطبوعات هيئة قصور الثقافة بتهمة الإباحية في روايات "محمود حامد" (أحلام محرمة)، "ياسر شعبان" ( أبناء الخطا الرومانسي)، "توفيق عبد الرحمن" ( قبل وبعد)  (6).

ألّف "فرج فودة"  عدداً من الكتب التي تضمنت فصل الدين عن الدولة، منها "قبل السقوط" (1984)، و"الحقيقة الغائبة" (1984)، و"الملعوب" (1985)، و"الطائفية إلى أين؟" (1985) بالاشتراك مع "يونان لبيب رزق" (1933-2008) و"خليل عبد الكريم" (1930-2007)، و"حوار حول العلمانية" (1987). ولقت الكتب اهتماما، فطبع بعضها أكثر من مرة ودرس بعضها في الجامعات والمعاهد.

كما كتب "فرج فودة"  عدداً من المقالات في جرائد المعارضة، مثل "الأهالي" التابعة لحزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي و"الأحرار" التابعة لحزب الأحرار الاشتراكيين، وعددا أقل في الجرائد القومية، خاض فيها العديد من المعارك الفكرية دفاعاً عن مبادئ الدولة المدنية من علمانية ووحدة وطنية وحقوق إنسان.

وقد أثارت كتابات "فرج فودة"  جدلاً واسعاً بين المثقفين والمفكرين ورجال الدين، واختلفت حولها الأراء وتضاربت وتصاعدت، حتى بلغت حداً كبيراً من العنف أدى في النهاية إلى اغتياله فقد كان يدعو إلى فصل الدين عن الدولة، ويرى أن تحكيم الشريعة من الرجعية، لأن الزمن تغير، والأحوال تغيرت، وكان يدعو إلى أن تكون الدولة مدنية بعيدة عن الدين.

كما يشدد "فرج فودة"  في كثير من كتاباته ومحاضراته على أنه مسلم متمسك بالإسلام الذي هو عنده "الدين الأعظم" مع التمييز بين الإسلام كديانة والدولة الإسلامية؛ ففي كتابه "النذير" (1989) والذي تناول فيه نمو التيار الإسلامي ما بين عامي 1982 و1987، خلص فيه إلى أن التيار الإسلامي "نجح بالفعل في تكوين دولة موازية"، لها اقتصادها المتمثل في بيوت توظيف الأموال، وجيشها المتمثل في الجماعات الإسلامية المسلحة، وكيانها السياسي المتمثل في مكتب إرشاد الإخوان المسلمين رغم حظر الجماعة قانونا. كذلك اخترق التيار الإسلامي المؤسسة الدينية الرسمية، مثل دعوة شيخ الأزهر الناخبين لإعطاء أصواتهم للمطالبين بتطبيق الشريعة (أي مرشحي التحالف الإسلامي)، ومطالبة جريدة اللواء الإسلامي التي يصدرها الحزب الحاكم (الحزب الوطني الديمقراطي) للمواطنين بعدم التعامل مع البنوك القومية وقصر تعاملاتهم على البنوك الإسلامية. كما اخترق أيضاً الإعلام الحكومي؛ حيث زادت الجرعة الدينية فيه من صحف، ومسلسلات، وخطب، تلفزيونية؛ مثل خطب الشيخ "محمد متولي الشعراوي" (1911-1998) التي عرّض في بعضها بعقيدة المواطنين المسيحيين (7).

كما ناقش "فرج فودة"  في هذا الكتاب، الذي يعد أحد أهم كتبه، الظهور الواضح لتيار الإسلام السياسي والتيار المتشدد، خصوصا بعد قتل الرئيس المصري "أنور السادات" في السادس من أكتوبر (تشرين الأول) 1981. واستنتج أن التيار المتشدد لم يكن مجرد مرحلة أو حركة، ولكنه دولة داخل دولة، معتبراً أن الفروق بين المعتدلين والمتطرفين في الإسلام السياسي هي الدرجة وليس النوع (8).

وتمسك "فرج فودة"  بطرح "إن إنكار العلمانية جهل بالحضارة الحديثة، وإطلاق صفة الكفر عليها جهل بالعلمانية، والدعوة لدولة دينية جهل بحقوق الإنسان، والمناداة بالخلافة جهل بالتاريخ"، وظل فودة يرى أن العودة إلى الإسلام السياسي عودة لزمن الهزائم، وهو ما جعله يُناصب العداء بكامل قوته للإسلام السياسي (9).... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

....................

الهوامش

5-أيمن عبدالرسول: فى الذكرى التاسعة لاغتيال فرج فودة : الموت دفاعا عن العلمانية، أدب ونقد، حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، مج 17 ,ع 191،2001، ص 9.

6- فرج فوده : قبل السقوط، ط1، القاهرة، 1985، ص 7.

7- فرج فوده : النذير، ط1، القاهرة، 1989، ص 7.، ص 10.

8- المصدر نفسه،  ص 16.

9- المصدر نفسه،  ص 19.

 

 

محمود محمد عليعزيزي القاري اسمح لي أن أكتب عن رجل وعالم ومفكر، اختلف الناس في أمره، ما بين متفق ومختلف معه، قد نراه سطحياً أحياناً، عميقا في بعض الأحيان، قد نتهمه بالرأسمالية ومعاداة الشيوعية، أو أنه لم يكن منظراً فلسفياُ، ربما نختلف معه إلي أقصي مناحي الاختلاف، إلا أن أحدنا لا يستطيع إتهامه بالكفر والخيانة، أو العداء للإسلام (1).

وفرج فودة كذلك (سواء اتفقنا معه أو أختلفنا معه أيضا) إلا أننا لا ننكر أنه أحد مفكري التيار العلماني العقلاني في مصر والعالم العربي وأكثرهم نشاطاً وديناميكية، وشهيدا من شهداء الحرية، وواحداً من مفكرينا الذين نعتز بهم بأنهم وقفوا في مواجهة الإرهاب بالكلمة، والرصاص بالفكرة، ولا يمكن أن ننسي أنه الوحيد – بلا تزيد أو مزايدة – الذي دفع عنا ضريبة الموت دفاعاً عن الفكرة .

قال عنه الكاتب الفلسطيني "شاكر فريد حسن" :" فرج فودة داعية للتجديد والعقل والوجه العقلي، استطاع أن يخاطب العقل والوجدان العربي ويؤسس بالفكر، حالة عربية مميزة بواقعها المادي وصراعاتها الفكرية العقيدية، فأعطى عمره وحياته كلها واستشهد في سبيل أسمى قضية ؛ قضية الحرية والاعتقاد، وتميز بشخصيته الصلبة الجريئة المثيرة للجدل (1).

ولذلك عندما ندخل في عالم "فرج فودة" ، علينا ألا ننسي أنه مفكر سياسي بالأساس، أفزعته الدعوة للدولة الدينية، وتنامي التيارات الإرهابية، فترك حزب الوفد (بعد أن كان أحد قياداته) – اعتراضاً علي تحالفه مع جماعة الإخوان المسلمين، وعلى خلط الأوراق فيما هو ديني وسياسي، ولا يمكن تأويل كلماته على أنها كفر صريح أو باطن، لقد كان يخوص معركة سياسية لمصلحة الوطن أولاً وأخيراً حتي إنه يقول :" لا أبالي إن كنت في جانب والجميع في جانب، ولا أحزن إن ارتفعت أصواتهم أو لمعت سيوفهم، ولا أجزع إن خزلني من يؤمن بما أقول، ولا أفزع إن هاجمني من يفزع لما أقول، وإنما يؤرقني أشد الأرق، ألا تصل هذه الرسالة إلى من قصدت، فأنا أخاطب أصحاب الرأي لا أرباب المصالح، وأنصار المبادئ لا محترفي المزايدة، وقصاد الحق لا طالبي السلطان، وأنصار الحكمة لا محبي الحكم، أتوجه إلى المستقبل قبل الحاضر، وحسبي أيماني بما أكتب، وبضرورة أن أكتب ما أكتب، والله والوطن من وراء القصد (2).

نعم لقد كان "فرج فودة" واحدا من المفكرين أصحاب القضية، وكانت قضيته هي كيف يمكن للوطن، الذي عشقه فعلاً، أن يتخطى محنته التي وضعته فيها جماعات العنف الديني بما تحمله من أفكار معادية للتقدم، وللقيم الإنسانية الحديثة، ومناصرة للسلفية الدينية، وللفهم المنغلق علي الذات المنافي لكل معطيات العصر الذي نعيشه، كانت المسألة إذن بالنسبة إليه هي مسألة نقد وتفنيد الأسس الفكرية والمفاهيمية التي تقوم عليها المنظومة الكفرية والسيكولوجية لجماعات العنف الديني، والتي كانت تشكل خطرً عظيماً، في ذلك الوقت على كل مكتسبات العلم والمعرفة، وعلى نمط منظومة الحداثة بكاملها، وكانت تهدد بتحويل الوطن إلى نمط الحياة الخاص بالعصور الوسطي، حيث الدولة الثيوقراطية (الدينية) التي تحكمها أو تتحكم في توجهاتها نخبة من رجال الدين الذين لهم صلاحيات واسعة في تحديد ما هو متفق مع الشرع، وما لا يتفق معه في جميع شؤون المجتمع العامة والخاصة . وهي صلاحيات لم يكتسبوها بأي نوع من أنواع الانتخاب الحر مما سجعلها مشروطه نسبية، بل هي مفوضة إليهم باسم مرجعية إلهية عليا لا يملك البشر فيها حلاً ولا عقدا، ومثل هذه النخبة التي تدير شئون المجتمع لها هي وحدها دون سواها أن تفرض ما تتصور هي أنه متفق مع صحيح الدين ـ وما خالف ذلك من فكر، أو سلوك، أو حتي تصورات ليس مدانا فحسب، بل هو كفر صراح يستوجب تطبيق حدود الله التي تصل غالباً عقوبات بدنية متفاوتة الشدة قد تصل – قد تصل في حدودها – إلى تقطيع الأيدي والأرجل من خلال كما هو في نظام حكم طالبان (3) .

ويمكن القول إن تلك القضية هي التي كانت تشغل "فرج فودة" ، إذ كان صعود نجمه المفاجئ في ثمانينيات القرن العشرين قد ارتبط بها مباشرة، لكن يبدو أنه كانت ثمة فترة إعداد طويلة تمرس فيها على أساليب الكتابة من ناحية، وعلى اكتساب خبرات معرفية وتاريخية خاصة بتلك النوعية من الموضوعات من ناحية أخري ؛ ذلك أنه كان ذا أسلوب متميز، يتسم بالفصاحة والبلاغة والدقة في آن واحد، وهو شئ من الصعب اكتسابه في زمن يسير . ولعله قد تأثر فيه بأسلوب "طه حسين" فهو أقرب الأساليب إليه ؛ إذ أن فيه عذوبة وفيه إيقاع جميل وسلاسة وطلاقة لا نجدها إلا عند القليل من الكتاب خاصة من أجيال سابقة، من أمثال طه حسين (4)... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.....................

الهوامش

1- شاكر فريد حسن: الدكتور فرج فودة..ضحية الارهاب الديني المتطرف، الحوار المتمدن-العدد: 2835 - 2009 / 11 / 20 - 13:20.

2- أحمد عاطف : فرج فودة : الغائب الحاضر، أدب ونقد، حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، العدد 240، 2005، ص 82.

3- المرجع نفسه، ص 83.

4- المرجع نفسه، ص 85.

 

مصدق الحبيبيوجين يڤـگيني سلَـتِسكي

 (1880 – 1948)

Eugen Yevgeny Slutsky


 هو الاقتصادي وعالم الاحصاء والرياضيات الروسي الذي يعرفه طلاب الاقتصاد في كل مكان بسبب معادلته المعروفة بـ "معادلة سلتسكي" Slutsky Equation. ورغم ان اسم سلتسكي بدأ يصبح مألوفا في المناهج التي تعتمد التطبيقات الرياضياتة في تدريس الاقتصاد خلال النصف الثاني من القرن الماضي، إلا انه صاغ معادلته الشهيرة عام 1915 في بحثه عن نظرية المستهلك. ولم يكن هذا الاقتصادي المتفوق معروفا لدى الاوساط الغربية آنذاك لأسباب منها انه لم يكتب باللغة الانكليزية ولم تترجم بحوثه منذ البداية اضافة الى الاسباب السياسية المتعلقة بالثورة البلشفية التي اندلعت بعد سنتين من نشر ذلك البحث. يقول سامولسن الاقتصادي الامريكي الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1970 انه لم يتعرف على ذلك البحث الفاخر المنشور عام 1915 الا بعد اكثر من عقدين من الزمن، أي في عام 1936. كان ذلك بفضل سلسلة المقالات التي نشرها عن سلتسكي الاقتصادي الرياضياتي البريطاني روي ألن، بمفرده وبالاشتراك مع ، جون هكس ابتداءً من عام 1934. أما فنسنت بارنيت، رئيس معهد اقتصاد التنمية في كلية وليمز فقد صرح بأن سلتسكي يعتبر أشهر الاقتصاديين الروس، قبل وبعد ثورة اكتوبر، لما قدم من مساهمات ثمينة في النظرية الاقتصادية ، ولما آل لتراثه الفكري ان يصبح جزءً لايتجزء من تراث الفكر الاقتصادي الغربي المعاصر.

2834 سلتسكيولد يوجين في مقاطعة ياروسلافل شمال شرقي موسكو لعائلة متواضعة الحال حيث كان والده معلما في احدى المدارس الابتدائية المحلية. أصر الوالد على ادخال ابنه يوجين في مدرسة أوكرانية متخصصة بتعليم الرياضيات والعلوم الطبيعية حيث توفرت الفرصة لانتقال العائلة من غرب روسيا الى أوكرانيا. وفي هذه المدرسة تفوق يوجين في كل مراحل دراسته حتى نال المدالية العليا عام 1899 لينتقل بعدها الى دراسة الرياضيات في جامعة كييف Kiev . لكن يوجين كان قد فصل من الجامعة في السنة الثالثة بسبب نشاطه السياسي الثوري المناوئ لحكومة القيصر. وعندما استمرت ادارة الجامعة بفصل الطلاب ذوي الاتجاهات السياسية المعارضة لسياسة الحكومة، نظم يوجين سلسلة من الاحتجاجات الطلابية التي طالبت باعادة المفصولين الى مقاعد الدراسة، فكان عقابه هذه المرة أن اُرسل الى الالتحاق بالخدمة العسكرية. ولحسن حظه لم تكن تلك الخدمة طويلة الامد مما مكنه للعودة الى الجامعة والاستمرار بنشاطه السياسي الذي أدى به اخيرا الى استلام قرار الجامعة القاضي بالفصل النهائي وحرمانه من حق الدراسة في أي جامعة في عموم البلاد. وهنا كان عليه ان يغادر الى ألمانيا والتسجيل في جامعة ميونخ عام 1902 والتي درس فيها الهندسة لغاية عام 1905. ولأنه اصبح في ميونخ مولعا بدراسة الاقتصاد والقانون، فقد انكب على دراسة الادب الاقتصادي الكلاسيكي لسمث وريكاردو وماركس وآخرين، وعاد الى كييف ليحصل على الدكتوراه في القانون عام 1911 ويعمل في تدريس التشريع والقانون ثم يبدأ بالتحضير الى دراسة الدكتوراه في الاقتصاد التي اكملها عام 1918 ونالت اطروحته في النظرية الحدية درجة الشرف. وبعدها خلص الى الاستنتاج بأنه وجد في الاقتصاد الحيز التطبيقي المناسب لقدراته في الرياضيات والاحصاء والقانون. أما اهتمامه بالاحصاء فيعزوه لصديقه ليونتوفج الذي كان له الاثر الكبير في حثه على دراسة كتابات گوس Gaussوپيرسن Pearson وبذلك تمكن من نشر بحثه الاحصائي الاولي عن معامل الارتباط عام 1912.

في عام 1913 بدأ التدريس في معهد كييف التجاري وحصل على درجة الاستاذية عام 1920. وفي عام 1926 بدأ العمل في دائرة الاحصاء المركزي في موسكو والتحق بمعهد دراسات الدورة الاقتصادية والتي كانت باشراف الاقتصادي الروسي الشهير آنذاك كوندراتيف Kondratiev الذي وجده سلتسكي كقدوة علمية ومهنية. فمن خلال تأثير كوندراتيف ونظريته حول موجة الدورة الاقتصادية الطويلة التي سميت بـ "دورة او موجة كوندراتيف" ونتيجة لبحثه المتواصل في نظرية الاحتمال والاحداث العشوائية، تمكن سلتسكي عام 1927 من نشر مقالة احصائية عن السلسلة الزمنية للبيانات Time Series قدم فيها فكرة ان حوادثا عشوائية غير متزامنة قد تسبب حدوث نوبات صعود وهبوط دورية ! وهذا مافتح الباب على مصراعيه لانتعاش بحوث الدورة الاقتصادية.

لكن علاقته المهنية المثمرة مع كوندراتيف وسمعته الطيبة التي بدأت تنتشر كاقتصادي رياضياتي واحصائي بارز في معهد الدورات الاقتصادية لم تدم طويلا بسبب الظروف السياسية التي اشتد ثقلها على العلماء غير الشيوعيين وحتى على الشيوعيين المعتدلين. فقد واجه كوندراتيف وزملائه في المعهد ضغوطا فكرية خلال السنوات الاولى لحكم ستالين التي اتسمت بالتطرف الفكري خاصة فيما يتعلق باقتصاد السوق، والتي تحولت بعد عام 1929 الى شن حملات تطهيرية شملت كل من يتمتع بفكر مستقل حر. وهكذا قامت السلطة الستالينية بغلق معهد كوندراتيف عام 1930 واعتقلت كوندراتيف ومجموعة من زملائه الاقتصاديين لمجرد انهم بنوا علاقات ودية علمية مع بعض الجامعات الغربية. وحين قبل كوندراتيف دعوة علمية من جامعة منيسوتا الامريكية كان حدث زيارته الى الولايات المتحدة بمثابة الشعرة التي قصمت ظهر البعير! حيث اودع السجن في موسكو حال رجوعه من امريكا عام 1931 ليمضي ثمان سنوات عجاف في السجن انتهت باعدامه رميا بالرصاص عام 1938 ضمن ما سمي بضرورة تصفية الرؤوس المعادية للحزب والثورة. كان هذا الحدث اضافة الى الجو السياسي المشحون عموما قد اجبر سلتسكي على ان يهجر النشاط السياسي الذي زاوله منذ ايام حكم القيصر وفي السنوات الاولى لحكم البلاشفة، وهكذا فقد آلى على نفسه ان يبتعد جهد امكانه عن كل ماله علاقة بسياسة الدولة بما في ذلك البحث الاقتصادي! وبذلك لم يبق لديه سوى ان يتوجه للتركيز على الاحصاء النظري.

بين عامي 1931 و 1934 تحول يوجين سلتسكي للعمل في معهد الانواء الجوية في موسكو. انتقل بعدها الى التدريس في معهد الرياضيات والميكانيك في جامعة موسكو وحصل على شهادة دكتوراه فخرية منها. ثم تحول الى معهد ستكلوف Steklov التابع لاكاديمية العلوم السوفيتية والذي بقي فيه لحين وفاته عام 1948. وواضح ان هذا الابتعاد القسري عن البحث الاقتصادي الذي اصبحت الحكومة المركزية مهيمنة تماما على كل قنواته هو السبب الجزهري في ان مابقي لدينا من مساهمات لسلتسكي في الاقتصاد اقل من مساهماته في الاحصاء وفي ما سمي بعدذاك بالاقتصاد القياسي مقارنة بما هي عليه في الاقتصاد الجزئي الذي حقق فيه انجازا مثيرا عام 1915. من مساهماته الاحصائية المبكرة والهامة اشتغاله على طرق الانحدار القياسي وتناسب تقديرات وجودة مطابقة خط الانحدار على البيانات الواقعية. كان ذلك عام 1913 ، أي ثمان سنوات قبل اشتغال الانكليزي رونالد فشر على نفس الفكرة وهو الذي يعتبر الاب الشرعي للنظرية الاحصائية. ومن مساهماته الحاسمة ايضا اشتغاله على نظرية الاحتمال ومعامل الارتباط ونظرية التفاضل والتكامل وطرق قياس الدالة العشوائية ونظرية التقارب غير المحتمل Asymptotic Convergence improbability التي اشتغل عليها عام 1925 ، ومساهمته في صياغة نظرية الحد ٍStochastic Limit Theorem عام 1928. وبذلك كانت تطبيقات معرفته في الرياضيات والاحصاء جلية على موضوعات اخرى غير الاقتصاد شملت التنبؤات الجوية والوراثة والطاقة الشمسية.

بإسم سلتسكي ارتبطت عدة مصطلحات اقتصادية واحصائية، منها:

- Slutsky Equation; Slutsky Matrix; Slutsky Identity

- Slutsky Diamond

-Slutsky Symmetry

Slutsky Theorem

- Slutsky – Yule Effect

- Slutsky Wealth Compensation

-Slutsky Compensated Price Change

معادلة سلتسكي والتي تسمى احيانا مصفوفة سلتسكي أو متطابقة سلتسكي هي التي شرحناها في القسم السابق الخاص بالاقتصادي البريطاني جون هكس، والتي كان لها الاثر البالغ في نظرية المستهلك. جاءت هذه المعادلة في بحث نشره سلتسكي عام 1915 بعنوان "حول نظرية ميزانية ودخل المستهلك" الذي لم ينتبه اليه احد قرابة عشرين عاما لاحقة! لكنه احدث زلزالا في النظرية الاقتصادية حين تم كشف النقاب عنه من قبل الاقتصادي الرياضياتي روي ألن ومن ثم تم شرحه وتوضيحه من قبل جون هكس. تبين المعادلة رياضيا وگرافيكيا الحكمة من فصل تأثير التغير في الاسعار على مشتريات المستهلك من خلال تأثيرين فرعيين يكمل احدهما الآخر، هما تأثير دخل المستهلك وتأثير رغبته في استبدال السلع من اجل تأمين الوضع الافضل. وبنفس المبدأ استنتجت بعدئذ معادلة مماثلة لفهم نظرية المنتـِج.

أما Slutsky Diamond (ماسة سلتسكي) فتخص امكانية تحويل معادلة سلتسكي گرافيكيا الى مايشبه متوازي الاضلاع وبالذات ان يتخذ الشكل الماسي الذي تكون مساحته متناسبة مع قيمة مرونة الاستبدال، مما يؤسس ميزات جديدة لدرجة انحناء دالة الطلب. وهي الدالة التي يمكن عندئذ اشتقاقها من ذلك الشكل الماسي. ولهذا الاستنتاج النظري تطبيقات اخرى، خصوصا في فهم طبيعة واسباب النمو الاقتصادي.

وينص مصطلح تماثل سلتسكي Slutsky Symmetry الى انه اذا كانت دالة الطلب خطية بشكل تام فان التغيرات التي تطرأ على الاسعار ستكون متناظرة في حالتي كونها واضحة ومتميزة أو كونها متناهية في الصغر. أما نظرية سلتسكي Slutsky Theorem فتدخل في نظرية الاحتمال الاحصائية وتعني امكانية ان تسري بعض مزايا العمليات الجبرية على السلاسل المتعاقبة للاعداد الحقيقية كما هو الحال على سلاسل المتغبرات العشوائية.

ويشير تأثير سلتسكي ويول Slutsky-Yule Effect الى ان تأثير رقم عشوائي واحد سيتوالى في عموم السلسلة المكونة لمجموع المتوسطات المتحركة moving averages مما يؤول الى ان المتوسط المتحرك قد يولّد تقلبات عشوائية في السلسلة من غير ان تكون موجودة فعلا في البيانات الحقيقية.

على ان تعبير Slutsky Wealth Compensation صاغه الاقتصاديون بعدئذ ويعني ان تنسب التغييرات في دالة الطلب المارشالية غير التعويضية Marshallian Uncompensated Demand Function الى التغييرات في دالة الطلب التعويضية الهكسية Hicksian Compensated Demand Function.

ويتخذ التعبير الاخير Slutsky Compensated Price Changes نفس التفسير.

 

ا. د. مصدق الحبيب

 

 

صادق وجيه الدينتبدو الأمة الإسلامية، في واقعها الراهن، بحاجة ماسة إلى المفكِّرين الذين يحملون همومَها ومشكلاتِها على عواتقهم، ويحرصون - بأقصى ما أمكنهم- على تشخيص الأمراض التي تعاني منها، ومعرفة مواطن إصاباتها وبواطنها، ومن ثَمَّ الانتقال من مرحلة كشف الداء إلى مرحلة البحث عن الدواء، من خلال تقرير الإجراءات النافعة والعلاجات الناجعة، فإنَّ الأمم تصح وتمرض، وتنهض وتتخلَّف، وتتقدَّم وتتراجع، وفقًا للسنن الثابتة التي لا تعرف المحاباة، ولا يخفى على أحد حالة التراجع التي أوقع أمتنا في واقع مأساوي من التخلف الحضاري ذي الأشكال المتعدِّدة والألوان المتنوِّعة، بصورة تجعلها بحاجة ماسة إلى مشروعات جادة، في مختلف الجوانب، يأتي الجانب المعرفي/ الفكري في مقدمتها.

لا أريد الاستطراد في هذا الموضوع، وكل ما رميتُ إليه في هذه الاستهلالية العابرة ليس أكثر من إبراز حجم الخسارة التي تعرَّضتْ لها الأمةُ الإسلامية برحيل عَلَمٍ بارزٍ من أعلام الفكر الإسلامي المعاصر، وأحد أبرز روَّاد الإصلاح من بوابة المدخل المعرفي؛ وهو الأستاذ الدكتور عبدالحميد أبو سليمان الذي غادر دنيانا يوم الثامن عشر من أغسطس الماضي، مع العلم بأني حينما أتحدث عن الخسارة فإني أعي معناها تمامًا، فقد كان مثالًا لــ"رجل الأمة"، ولهذا كرَّس جهوده للاشتغال في قضايا الأمة عمومًا، متأثِّرًا في هذا من نشأته في مكة المكرمة التي تجمع المسلمين من كل بقاع الأرض (1)، فقد كانت شهرتُه مبنيةً على مكانته العلمية ومشروعه الفكري، وارتبط اسمه بالمدرسة الإصلاحية الرائدة المتمثِّلة في (المعهد العالمي للفكر الإسلامي) الذي حرص مؤسِّسوه وروَّادُه على استقلاليته عن الأُطر التنظيمية الضيِّقة، فكريًّا وسياسيًّا، وقد كان أبو سليمان ثالث ثلاثة تحمَّلوا العبء الأكبر في التأسيس والإدارة والإشراف، بجانب رفيقيه: الفلسطيني أ.د. إسماعيل راجي الفاروقي (ت1986م) والعراقي أ.د. طه جابر العلواني (ت2016م) مع وجود مجموعة ممَّن اشتغلوا معهم وساعدوهم في بعض الأمور، من بعض الأساتذة والدارسين في أمريكا.

وبدافع من حرصه على التفرُّغ للعمل في المعهد العالمي المذكور؛ فقد اضطر الدكتور أبو سليمان –بعد ذلك- إلى أخذ تفرغ مبكِّر من عمله في جامعة الرياض (الملك سعود حاليًّا) (2)، فاشتغل بدايةً مديرًا للمعهد عند تأسيسه مطلع العقد الثامن من القرن العشرين الماضي، في ولاية فرجينيا بأمريكا1401ه/ 1981م، وكان الدكتور الفاروقي رئيسًا والدكتور العلواني نائبًا للرئيس، وشكَّلت فكرةُ إسلامية المعرفة وإصلاح مناهج التفكير ومعالجة أزمة الفكر الإسلامي المعاصر المرتكزَ العام للمشروع، ثم تولَّى –أبو سليمان- رئاسة المعهد المذكور خلفًا للدكتور العلواني، نهاية التسعينيات من القرن العشرين الماضي، أي بعد إنهائه عمله رئيسًا للجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا الذي استمر منذ تأسيسها 1988م وحتى 1999م، واستمر في قيادته إيَّاه إلى ما قبل سنوات، ويتولَّى رئاسةَ المعهد حاليًّا الدكتورُ هشام الطالب.

لقد كان الدكتور عبدالحميد أبو سليمان المولود في مكة المكرمة عام 1936م، واحدًا من المفكِّرين المسلمين الذين اشتغلوا في خدمة الإسلام ورفع راية الفكر الإسلامي في مختلف أرجاء العالم، فإلى جانب تجوُّله في الغرب وإقامته في أمريكا سنواتٍ طويلةً، قبل نيله الدكتوراه 1973م وبعده، فقد اشتغل على نفس الفكرة وقام بذات المهمة في الشرق -أيضًا-؛ فهو الرئيس المؤسِّس للجامعة الإسلامية العالمية في العاصمة الماليزية (كوالالمبور)، وهي الجامعة التي تم إنشاؤها خدمةً لمشروع إسلامية المعرفة الذي دعا إليه المعهد واشتغل عليه وعُرِف به؛ بهدف تفعيل رؤية التكامل بين العلوم الإسلامية (وبينها -بالضرورة- اللغة العربية) من جهة والعلوم الإنسانية والاجتماعية من جهة أخرى، وهو ما يعني الانتقال بهذه الرؤية أو الفكرة من جانب التنظير إلى جانب التطبيق، في خطوة عملية مهمة مثَّلت نقلةً نوعيةً وأحدثت قفزةً كبيرةً في مسيرة المشروع.

وقد سنحت لي فرصة الاستماع لشرح من شخص الدكتور أبي سليمان نفسه، عن موقع الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا من إعراب المشروع الفكري للمعهد، ولا سيَّما الكلية التي تتضح طبيعة المهمة المناطة بها من خلال اسمها، وهي "كلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية"، وأبان لي في شرحه الشفوي خلاصة ما يتعلق بهذه التجربة الناجحة، وهي التي كان قد عرضها في أحد فصول كتابه "الإصلاح الإسلامي المعاصر: رؤية منهجية واجتماعية" (3)، وذلك حينما شرفتُ وسررتُ بلقاء سيادته، قبل سنوات، في القاهرة، وتعلَّمتُ على يديه في دورة تدريبية نظَّمها مركز الدراسات المعرفية (4)، وأكَّدتُ له وقتها بأنَّ هذه الدورة مثَّلت بالنسبة إليَّ الانتقال إلى التعلم على يديه بطريقة مباشرة، بعد سنوات من التعلم غير المباشر، من خلال مؤلفاته وبحوثه التي تعلَّمتُ منها الكثير، وكان له -بفضل الله- فضلٌ عليَّ فيها، وهو من المفكِّرين الذين حرصتُ على تتبع مؤلفاتهم وجمعها والاهتمام بها، فهي -حسب قناعتي- من الكتب التي لا أظن حاجتي إليها تنتهي بمجرد قراءتها مرة أو مرتين، وقد أبدى -رحمه الله- أسفه وحزنه إزاء ما آلت إليه أحداث بلادي (اليمن)، وكانت الحرب لا تزال -آنذاك- في أشهرها الأولى، موضحًا أن له دراسةً عن سياسة بريطانيا في عدن، وهي –فعلًا- الرسالة التي نال بها درجة الماجستير في العلوم السياسية.

ومع أنَّ الدكتور أبا سليمان اشتغل كثيرًا في جوانب إدارية عديدة، في مؤسَّسات أكاديمية وبحثية ودعوية واجتماعية مختلفة، داخل العالم الإسلامي وخارجه، في الشرق والغرب، فإنَّ كل هذا الاشتغال لم يشغله عن الاشتغال في جانب الإنتاج العلمي؛ إذ إنَّ له نتاجاته العلمية رفيعة القيمة، عالية الدقة، قوية العمق؛ فقد اشتغل بهمة ومسؤولية عاليتين على البحث عن حلول جادة للأزمات والمشكلات التي تعاني منها الأمة، فتناول أزمة المعرفة الإسلامية التي تمثِّل فكرة إسلامية المعرفة علاجًا لها، فكتب عرضًا إجماليًّا عن هذه الفكرة أو المشروع في كتاب المبادئ العامة وخطة العمل وإجمالي الأهداف المنشودة (5)، ثم كانت له كتاباته التطبيقية للفكرة، من واقع تخصصه في مجال العلوم السياسية؛ إذ كتب دراسةً عن "إسلامية المعرفة والعلوم السياسية" (6)، واللافت أنَّ موضوع دراسته في مرحلة الدكتوراه (1973م) جاءت في سياق هذا المشروع أو هذه الفكرة؛ وفقًا للعنوان الذي حملته الدراسة المشار إليها عند صدورها في كتاب، بعد ترجمتها إلى العربية، وهو "النظرية الإسلامية للعلاقات الدولية: اتجاهات جديدة للفكر والمنهجية" (7)، بل إن تتبُّع مؤلفاته وترتيبها زمنيًّا، حسب تواريخ صدور كلٍّ منها، حسب الأقدمية، يوضِّح لنا أن أول إصدار له كان في إطار المشروع، وهو "نظرية الإسلام الاقتصادية: الفلسفة والوسائل المعاصرة" (8)، وكان ذلك عام 1960م، أي بين حصوله على البكالوريوس 1959م وحصوله على الماجستير 1963م، ولعل هذه الدراسة صدرت وهو لا يزال في بداية مشوار الدراسات العليا.

كما بدا واضحًا أنَّ الدكتور عبدالحميد يحمل هموم الأمة ومشكلاتها، ويتسم بالحرص على الإسهام في معالجاتها؛ بناءً على تناوله بحرص وجدية عددًا من الأزمات والمشكلات التي كانت تبدو في نظره أسبابًا أكثر من كونها آثارًا للتخلف الحضاري في المجتمع الإسلامي؛ منها: "أزمة العقل المسلم" (9)، و"أزمة الإرادة والوجدان المسلم" (10)، و"إشكالية الاستبداد والفساد في الفكر والتاريخ الإسلامي" (11)، و"العنف وإدارة الصراع السياسي في الفكر الإسلامي" (12)، وحرص على التنبيه في كتاب صغير إلى ضرورة إيلاء "قضية المنهجية في الفكر الإسلامي" (13) الاهتمام الذي تستحقه، رغم أنها كانت جزءًا من موضوعات أزمة العقل، وليس ذلك إلا زيادة في توكيد الأهمية.

وحرص أبو سليمان على إبراز "الرؤية الكونية الحضارية القرآنية" (14) وتقريبها إلى الناس؛ باعتبارها تمثِّل خارطة الطريق أمام المسلمين، يمكن أن تساعدهم على تجاوز التخلف الموجود وتحقيق النهوض المنشود، فهي –أي الرؤية المذكورة- عنده تمثِّل (المدخل الأساس للإصلاح الإنساني)، بناءً على العنوان الفرعي الوارد في غلاف الكتاب، وقد كان الحرص السليماني على تفعيل "الإصلاح الإسلامي المعاصر" بارزًا في عموم كتاباته وأطروحاته، منهجيًّا واجتماعيًّا، من قبل أن يصدر له كتابه الذي حمل نفس العنوان، وجَمَع دراسات كانت قد نُشرَت متفرقةً، مع إضافة دراسات أخرى إليها، على نحو ما سبقت الإشارة إليه.

ولأنّ أبا سليمان -رحمه الله- ظل يحمل هموم الأمة الإسلامية ومشكلاتها، ويحرص على أن يسهم ما أمكنه في النهوض الحضاري، فقد كان من آخر ما صدر له في حياته من مؤلفات، كتابه عن "انهيار الحضارة الإسلامية وإعادة بنائها: الجذور الثقافية والتربوية" (15)، ولعله كان آخر مؤلفاته التي ألَّفها منفردًا، وكشف في مستهل فصله الأول هدف الكتاب ومقصده، بقوله: "قضية هذا الكتاب هي معرفة أسباب تدهور حال الأمة وقصور أدائها، ومِنْ ثَمَّ معرفة السُبُل الموصلة إلى استنهاض همَّتها واستعادة قدرتها" (16).

ورغم ما عُرِف عن أبي سليمان من قوة الكتابة وعمق الفكرة وجزالة العبارة، بشكل يبدو فيه مخاطِبًا -في كتاباته- النخبة، فقد أظهر قدرةً عاليةً على الطرح الميسَّر الذي يراعي فيه إمكانات المخاطَبين وطبيعة احتياجاتهم على المستويين النفسي والعقلي، وهذا ما برز في كتاباته التربوية التي استهدف فيها الطفل المسلم بشكل مباشر، أو ما عبَّر عنه في فترته الأخيرة بـ"التربية الوالدية" و"التربية الأسرية" (17)، وكذلك قصة "جزيرة البنَّائين" (18)، وخاطب بها الطفل بشكل غير مباشر، عن طريق البيت والمدرسة والمجتمع.

رحمه الله وغفر له وعفا وأسكنه فسيح جناته، وجزاه خيرًا عن كل جهوده وإسهاماته، وجعلها في موازين حسناته.

 

د. صادق وجيه الدين - باحث وإعلامي يمني

كلية الآداب- جامعة إب- اليمن

............................

(1) ذكر الصديق الأستاذ خالد عبدالمنعم، مدير مركز الدراسات المعرفية الذي يمثِّل فرع المعهد بمصر، أنَّ الدكتور عبدالحميد أخبره ذات يوم بنشأة البُعد الأممي لديه من خلال مشاهداته لقدوم الناس، من مختلف البلدان، إلى مكة المكرَّمة. ورد هذا في مقالة نُشِرت للأستاذ خالد في موقع "إندونيسيا اليوم، بتاريخ 24 أبريل 2021م، يمكن الرجوع إليها بهذا الرابط: shorturl.at/sxV57.

(2) ذكر لي ذلك الدكتور طه جابر العلواني –رحمه الله- شخصيًّا، في زيارة قمتُ بها إليه بمقر إقامته بالقاهرة، وهو وارد -أيضًا- في كتابه "التعليم الديني بين التجميد والتجديد".

(3) صدر هذا الكتاب بدايةً في عام 2006م، تحت عنوان "الإصلاح الإسلامي المعاصر: الثابت والمتغيِّر"، واقتصر على مناقشة قضيتين، كانت الثانية منها خاصة بتجربة الجامعة الإسلامية بماليزيا، فيما كانت الأولى حول نظام العقوبات بين الثابت والمتغير، ثم صدر في الطبعتين الثانية والثالثة 2010و2011م، تحت العنوان المذكور في المتن، وناقش خمس قضايا، بمعنى أنه تم إدراج ثلاث دراسات فيه: قضية الإيمان والتصديق الجازم بصدق إلهية الرسالة المحمدية، وقضية الدولة المدنية الإسلامية، وقضية الحوار الحضاري الإسلامي المسيحي.

(4) كانت الدورة عن المنهجية الإسلامية في الفكر والبحث والسلوك، وأُقيمت في أبريل 2015م، حاضر فيها إلى جانب الدكتور أبي سليمان عددٌ من الأساتذة الكبار؛ هم: الراحل د.عبدالرحمن النقيب، د.محمد عمارة، د.فتحي ملكاوي، د.السيد عمر، د.رفعت العوضي، د.عبدالحميد مدكور، د.زكريا سليمان.

(5) صدر الكتاب عام 1986م، تحت عنوان (إسلامية المعرفة: المبادىء العامة- خطة العمل- الإنجازات)، وأسهم به أبو سليمان، تأليفًا وتحريرًا وإشرافًا.

(6) أول ما نُشِرت هذه الدراسة –حسب اطلاعي وتتبُّعي- كان في مجلة المسلم المعاصر، العدد 31، 1982م: (ص19- 45)، ثم تمت مناقشة نفس القضية في كتابه الشهير "أزمة العقل المسلم"، إذ جاء المبحث الثاني من الفصل الخامس، ولكن بطريقة مختلفة وأكثر سعةً.

(7) ترجمه إلى العربية الدكتور ناصر راشد البرَّاك، وصدر عام 1992م، أي بعد عقدين من الزمن على إنجاز الدراسة في حامعة بنسلفانيا بأمريكا، وإن كان يتم وضع تاريخ 1973م أمامه، فهو على اعتبار تاريخ إنجاز الرسالة.

(8) بناءً على تاريخ نشر هذا الكتاب "نظرية الإسلام الاقتصادية"، فإنه بعد نيله البكالوريوس (1959م) بسنة، وقبل نيله الدكتوراه (1973م) بثلاث سنوات، وهذا يعني أنه إمَّا بحث تخرجه في المرحلة الجامعية الأولى وإمَّا بحث مستقل عن أي التزام دراسي، وفي كلتا الحالتين أو كلا الاحتمالين فهو يكشف عن عبقرية فذَّة لدة مفكرنا الراحل الكبير، رحمه الله.

(9) صدر هذا الكتاب في طبعته الأولى عام 1986م، وذلك عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي والدار العالمية للكتاب الإسلامي، ضمن سلسلة "المنهجية الإسلامية".

(10) صدر هذا الكتاب في طبعته الأولى عام 2004م.

(11) صدر هذا الكتاب في طبعته الأولى عام 2011م، ولكن بعض ما يخصه كان قد تم التطرق إليه في كتاب (الإصلاح الإسلامي المعاصر)، ضمن قضية الدولة المدنية الإسلامية، منذ الطبعة الثانية له 2010م.

(12) صدر هذا الكتاب في طبعته الأولى عام 2002م.

(13) صدر هذا الكتاب في طبعته الأولى 1998م.

(14) صدر هذا الكتاب في طبعته الأولى عام 2009م.

(15) صدر الكتاب في طبعته الأول عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2016م.

(16) انهيار الحضارة الإسلامية وإعادة بنائها: الجذور الثقافية والتربوية، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، أمريكا/ الأردن، ط1، 1437ه/ 2016م: (ص17).

(17) صدر له كتاب بعنوان "التربية الوالدية: رؤية منهجية تطبيقية في التربية الأسرية"، عام 2019م عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي، بالاشتراك مع د.هشام الطالب و د.عمر هاشم الطالب.

(18) صدرت القصة بعنوان "جزيرة البنَّائين: قصة تعليمية في التفكير الإبداعي والتربية العقدية والاجتماعية والسياسية"، وقد وقفت على بحث حولها، بعنوان ""، للباحثة: آلاء عبدالرحمن عبدالرحمن النقيب"، صدرت في مجلة كلية التربية- جامعة المنصورة، العدد 111، يوليو 2020م، (ص441- 467).

 

 

علاء اللاميهل هم أحفاد العيارين والشطار العباسيين؟ وكيف حَكَمَ أحدهم "ولاية بطيخ"، ولماذا استشهد آخر -عبد المجيد كمونة - مناصرا ثورة العشرين بمشانق الإنكليز فشيعته بغداد برايات المواكب الحسينية ودفوف الفِرق الصوفية، وأمثلة شبه مجهولة على أشقياء من اليهود العراقيين والنساء: في كتاب "بغداد في العشرينات" للراحل عباس بغدادي، وهو الكتاب الذي قدم له قريبه الروائي العربي الكبير الراحل عبد الرحمن منيف، نقرأ الفقرات التالية عن الأشقياء في ذلك الزمان: "وللشقاوة في بغداد تاريخ طويل يمتد إلى الدولة العباسية، حيث كانوا يسمون الشطار والعيارين - هناك فرق نوعي وتراثي واجتماعي كبير بين هؤلاء وأولئك. ع.ل - وقد تدخلوا بمعارك الأمين والمأمون".

1- والشقاوة نوعان؛ شقاوة الشهامة والنخوة ومساعدة الضعيف على القوى وشقاوة الإجرام كاللصوصية والسلب والاعتداء على الغير.

2- ومنهم موسى أبو طبرة وكان وسيما بسطة في الجسم مصارعا، وكان أتباعه الذين يسيرون خلفه من الشباب المسلمين واليهود. وقد قتل بطعنة سكين في رقبته إثر خلاف مع أحد الأشقياء. وقد اعتقل قاتله -جواد الأجلق - وحكم عليه بالسجن لفترة طويلة ثم أطلق سراحه في عفو خاص. وكان هذا القاتل يلتقي في مقهى حسن عجمي في محلة الحيدرخانة وفي أحد الأيام، وحين غادر المقهى، تصدى له صبي صغير وأوقفه قائلا له: قف يا جواد، أنا ابن موسى أبو طبرة، وأطلق عليه أربعة عيارات نارية قتلته في الحال. وحكم على الصبي بالسجن لفترة قصيرة لصغر سنه.

3- ومن الأشقياء القتلة المحترفين عبد الأمير العجمي وكان يلوذ بحماية مظهر بك الشاوي، وقد قُتل على يد أحد الأشقياء. ومثله محمد الأعور وقد قُتل هذا الأخير في مقبرة الغزالي حين كان يتربص بأحد الأشخاص ليقتله. ومن أغرب هؤلاء الشقي عبد الأمير الأسود من محلة بشار الكرخ ولكن اسمه اختفى فجأة ولم يعثر له على أثر ولا يعرف إنْ كان قتل أو هرب إلى إيران. ومنهم الشقي كزكه الفويلي من محلة الصدرية. ومن الأكراد الفيلية اشتهر أيضا ابن عبدكة وابن شاهية وجوامير النكه وآخرهم جبار الكردي وأخوته.

4- وهناك أشقياء اشتهروا بالمعارك اليدوية لا بالقتل بالسلاح، وهم كثيرون ومنهم إبراهيم الأسود الذي كانت الأوتيلات - الفنادق- مجال عمله وعُرف بتحرشاته بالجنود البريطانيين الذين كانوا يرتادون المشارب ليلا.

5- وهناك شقيان مشهوران كانا حديث الناس في بغداد زمنا طويلاهما هما محمد الحمد وكامل البطيخ. ولم يزل يضرب المثل بأحدهما وهو كامل البطيخ. وهو من عشيرة شمر طوقة من المجايلة الذين يسكنون مقاطعة الشاعورة، في ناحية العزيزية وكان من رؤساء العشيرة. وكان جده بطيخ رئيسا للمجايلة وكان طاغية امتد نفوذه إلى داخل إيران من جهة قضاء بدرة. وجاء المثل (ولاية بطيخ) المشهور بسبب تصرفات البطيخ اللامعقولة، والتي لم تكن تخضع لأصول أو قواعد، بل كان المزاج اليومي والكيفي لبطيخ هو الذي يدير حياته.

6- وكانت هناك طبقة من الأشقياء اليهود المعاركين وليس القتلة، وأكثرهم يحوم حول أحد الأشقيائية المسلمين للتظاهر بأنه من مريديه. ومن هؤلاء خضوري سويكا، وشلومو أبو السوتلي، وقد هاجر شلومو إلى لندن ولقيته فيها في مطلع الثمانينات، وبقي يحتضنني ويجهش بالبكاء لأنه فارق بغداد رغما عنه ليلحق بولديه.

7- ولابد من ذكر الأشقيائية من النساء الفنانات طبعا، وعلى رأسهن صبيحة كسرى "أم أكرم" وقد اتهمت بقتل إحدى العاملات عندها في أوتيلها، وأودعت في السجن لعدة أشهر ثم برئت ساحتها في المحكمة. وهناك أيضا خديجة بيدي وقد جرحت أحد أصدقائها بطعنة سكين لخلاف معه، ولم تكن تمشي بدون أن تحمل سكينا معها. والأخرى فوزية جيجان وكانت تسمى فطومة أم خنجر لأنها كانت تمشي والخنجر معلق في حزامها تهدد به من يعترض طريقها وعلى عينك يا تاجر..

8- وللأشقياء طريقة خاصة في الملبس وهي الجراوية المنحدرة إلى الكتب وتسمى العدام أي أن لابسها يسير إلى الإعدام. ولبس الكيوة البيضاء بالرجل، واللباس -السروال -الأبيض الطويل الواصل الى الكاحل. مع عرقجين - غطاء رأس - أبيض ذي قبة مدببة وعالية وسكين أم الياي - سكين قرن الغزال - في جيبه، وإبراز صدره إلى الأمام والتبختر في المشي وفي الشتاء يلبسون الدميري الطويل "يشبه الجاكيت ويُلبس فوق الزبون".

 9- وفي أيام ثورة العشرين اشتهر في بغداد بشقاوة الشهامة والنخوة المرحوم عبد المجيد كنة في محلته "السيد عبد الله" والمحلات المجاورة لها، ثم في أوساط الثوار في بغداد. وقاوم الإنكليز مقاومة عنيفة وأردى بعضهم قتلى ووزع المناشير الداعية إلى الثورة ومقاومة الاحتلال البريطاني. فشددت السلطات البريطانية الخناق عليه وتمكنت من إلقاء القبض عليه أخيرا وأعدمته ودفن في تشييع مهيب بمقبرة الشيخ الجنيد - القطب الصوفي المعروف- ولم يزل ضريحه قائما فيها وعلى جداره الداخلي صورته المكبرة مرتديا "الزي العربي" العقال واليشماغ وزبون البتة/ ص 363 وما بعدها من الكتاب المذكور أعلاه.

 

علاء اللامي

.........................

* (وعن تشييع الشهيد عبد المجيد كنة يذكر الكاتب قاسم خلف الجميلي، في مقالة له أن جموع أهالي بغداد شاركت في ذلك التشييع المهيب آنذاك، تتقدمهم المواكب الحسينية إلى جانب الفِرق الصوفية بدفوفهم، وحملت الجموع الجنازة من داره وطافت بها في شوارع وأحياء بغداد، ووريَ جثمانه الثرى في مقبرة الشيخ معروف الكرخي - وهي ذاتها مقبرة الشيخ الجنيد التي ذكرها عباس بغدادي في كتابه وفيها ضريحه- وبعد ثلاثة أشهر من استشهاد عبد المجيد تمكن رفاقه من تصفية ضباط الشرطة الذي كانت له يد في اعتقال الشهيد بالرصاص قرب جامع مرجان. وقد رثت الشاعرة الجنوبية زهرة آل محيسن الظالمية/ من مدينة الرميثة مهد ومثابة ثورة العشرين الشهيد بقولها:

لبغداد يالطارش تَعَنّى

گلها الرميثة چذبت ونَّة

من اسمعت بإعدام ابن كنة

حِيد ويشهد التاريخ عنه

للوطن ما خيبت ظنه.

والملحوظ أن هذا الشهيد مُعَتَّمٌ عليه وعلى مناقبه لدى الجيل الحاضر والذي قبله، ولا أدري إنْ كان ضريحه لا يزال قائما ومُعتنىً به حتى الآن في موضعه عند ضريح شيخي القطب الجنيد أم لا، ولا عجب في هذا التعتيم عليه وعلى أمثاله من مقاومين في عهد الحكم الاستبدادي الذي لم يكن يفكر ويهتم إلا بزعيمه "الضرورة" ولا في الحكم التابع للأجنبي الذي جاء به المحتلون الأميركيون! هذه الإضافة لم ترد في كتاب عباس بغدادي. ع.لام).

 

 

عبد الجبار الرفاعيتغمد الله الصديق العلامة المرحوم محسن بيدارفر ‏برحمته الواسعة، وأسكنه فسيح جناته. رحل محسن بيدارفر عن عالَمنا هذا اليوم، بعمر 77 عامًا، إلى الدار الآخرة. ‏

فقد العرفان برحيله عارفا نبيلًا، وخسرت الفلسفة الإسلامية والعرفان والتفسير بغيابه محققًا دقيقًا، وباحثًا متمرسًا خبيرًا. وخسرت أنا صديقًا روحانيًا أخلاقيًا نادرًا.

 كان محسن بيدارفر ‏ملهما ودودًا دافئًا مهذبًا، إنه من أولئك الأفذاذ الذين يتعلم الإنسان من صمتهم وتأملهم وتدبرهم.

‏ قبل 40 سنة أمضيت أكثر من سنة اتردد عليه، واقتني من مكتبته الكتب، وأقرأ اسمه على بعض الأعمال. كان لا يجيب إلا على قدر السؤال، إجاباته مكثفة لا فائض لفظي فيها.

لم أكن أعرف ‏أنه هو محسن بيدارفر ، الذي يتكرر اسمه على بعض الكتب، حتى سألته في أحد الأيام: من هذا المحقق محسن بيدارفر، الذي أنجز تحقيق هذه المؤلفات، فابتسم بلطف خجلًا، ولم يقل أنا.

كلما زرته في مكتبته وجدته منكبّا على تحقيق المخطوطات القديمة.         

ولد ‏ محسن بيدارفر في تبريز سنة 1944، ‏تخرج في كلية الإلهيات والمعارف الإسلامية، ثم هاجر إلى قم سنة 1975، أسس دار نشر متخصصة في نشر مؤلفات العرفان والفلسفة الإسلامية، باسم: "‏أنتشارات بيدارفر".

2803 محسن بيدار‏اقتنيت من مكتبته أكثر كتب العرفان والفلسفة ‏لمكتبتي، ‏عندما أراها او اقرأ في أحدها تذهب بي الذاكرة إلى شخصيته المؤثرة الآسرة، ومواقفه المهذبة التي لا تمحوها ذاكرة الأيام مهما تقادمت. ‏كنت أرى محسن بيدارفر يصل من بيته إلى مكتبته كل يوم على دراجة هوائية ويعود إليه على هذه الدراجة، لا يمضي اكثر من ساعتين في المكتبة، من الساعة ‏10 صباحا إلى 12 قبل آذان الظهر، وفي السنوات الأخيرة اختزلها إلى ساعة.

 ‏كان زاهدًا، يعيش عيشة الكفاف الذي اختاره لنفسه برضا، يكتفي باليسير من كل شيء.

محسن بيدارفر من ملهمي الروح الذين خسرت صحبتهم بعد عودتي إلى بغداد، وبصراحة لم أكتشف حتى اليوم وربما لن اكتشف كل حياتي الباقية على ملهم للروح يشبهه ممن تعرفت عليهم.

هذا إنسان مدهش في زهده بكل شيء، ‏لا نعثر على أمثاله إلا عندما نفتش عنهم، لانهم يزهدون بالتعريف بأنفسهم.

الحياة الدينية في بلادنا تفتقر لأمثال هؤلاء، اثر تسيّد السلفية، واختزالها للدين في القشور والتدين في الشكل دون المضمون الروحي والأخلاقي.

محسن بيدارفر وأمثاله ملهمون، ‏حضورهم في الحياة يعكس أنبل وأجمل واطهر ما في الدين. ‏افتقار الحياة ‏الدينية إليهم، يعني افتقارها لأجمل معانيها الإنسانية العظيمة.

بكى قلبي بحرقة لرحيله لكني اطمئننت عندما استمعت إلى صوت الله يعد هذا الرجل الملهم وأمثاله بالبشرى: "تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ".

2802 محسن بيدار

من آثاره:

1- ترجمة كتاب «كسر اصنام الجاهلية»، لملاصدرا

2- تحقيق كتاب «المباحثات»، لابن سينا.

3- تحقيق كتاب «علم اليقين في اصول‌الدين»، للفيض الكاشانى.

4- تحقيق شرح منازل السائرين، الخواجه عبدالله الأنصاري… فاز تحقيقه بالجائزة السنوية الأولى للكتاب.

5- تحقيق الـجوهر النضید في شرح منطق التجرید

6- تحقيق أنوار الحكمة، للفيض الكاشانى.

 

عبد الجبار الرفاعي

 

نبيل عبدالامير الربيعيبعد قيام ثورة 14 تموز 1958 كان عطشان ضيول المشرف على التنظيم العسكري للحزب وتُنفذ أوامره المختلفة، وكان الضباط في التنظيم يدينون لهُ بالولاء بشكلٍ كبير. ويشير ثابت حبيب العاني في مذكراته إلى أن (تنحي عطشان من عضوية اللجنة المركزية إلى ما يتعلق بنشاطه الحزبي، وسلوكيات إدارته للتنظيم، وبخاصة في إدارته للجان النشاط الديمقراطي)(1).

لكن التهمة المشاعة عن عطشان ضيول هي اليساروية والثورية المتطرفة؛ فكانت سبب إبعاده القسري وإرساله إلى الاتحاد السوفيتي للدراسة الحزبية، فضلاً عن مواقفه من استلام السلطة في زمن الجمهورية الأولى (14 تموز 1958- 9 شباط 1963) تعبر عن مجمل آراءه في هذا الصدد. كان عطشان ضيول ملتزماً بمبادئ الحزب وتوجهاته النظرية والعملية، وينفذ التوجيهات والقرارات بغض النظر عن ماهياتها على وفق سياق مبدأ: نفذ ثم ناقش(2).

كما كان لعطشان ضيول الدور على ضرورة المطالبة باستلام الحزب للسلطة في زمن الجمهورية الأولى، وكان هذا صدى لما كان يطالب به سلام عادل وجمال الحيدري وجلال الأوقاتي وغيرهم(3). كما كان عطشان ضيول من أكثر الكوادر إلحاحاً على عدم حل التنظيمات العسكرة للحزب في مختلف صنوف القوات المسلحة، وأكثرهم نقداً للتوجه الذي حاول حل هذه التنظيمات. وفي عام 1961م (طرح الزعيم الركن جلال جعفر الأوقاتي آمر القوة الجوية على ثابت حبيب العاني خطة للاستيلاء على وزارة الدفاع وإزاحة عبد الكريم قاسم عن الحكم، مشيراً إلى أن كل ما يحتاجه لأسناد القوة الجوية، هو لواء مشاة)(4). لكن سلام عادل كان يرفض هذا التحرك وقد جرى اتهام سلام عادل بالتشديد تجاه الزعيم عبد الكريم قاسم(5). وقد سبق وأن قام الحزب الشيوعي بما يسمى (محاولة إنقلابية) الوحيدة في كل تاريخه وذلك في 5 تموز من عام 1959(6).

كان إرسال عطشان ضيول إلى المدرسة الحزبية في طشقند عام 1961 ولغاية مطلع عام 1964م، حيث درس سوية كلٍ من عطشان ضيول المسؤول الحزبي عن المجموعة العراقية المتكونة من بعض اعضاء محلية الموصل من المحكومين بالإعدام وهم: عمر الياس وعبد الرحمن القصاب وخليل عبد العزيز وعباس هبالة القصاب (رشيد رشدي) الذي أصبح عطشان ضيول متصلاً به بعلاقة فردية بعد تأزم علاقته بالحزب وبمنظمة الاتحاد السوفيتي واستقالته منه. وقد كرر عطشان ضيول مناهضته الشديدة من مستقرة في الاتحاد السوفيتي لسياسة الحزب الشيوعي العراقي عندما تبنى خط آب 1964 المهادن لسياسة الاتحاد الاشتراكي العربي الذي أسس في زمن عبد السلام عارف.

لقد ناهض عطشان ضيول هذه التوجهات عبرَّ تقديم المذكرات والرسائل الحزبية للعديد من الجهات؛ كالقيادة السوفيتية عبرَّ مسؤول شعبة العراق في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي، وإلى قيادة الحزب متمثلة بعزيز محمد بعد انتخابه سكرتيراً عاماً للحزب الشيوعي عام 1964م في براغ(7).

وبسبب سياسة الحزب الشيوعي العراقي أصيب عطشان ضيول بحالة نفسية نتيجة الظروف التي مر بها، وبخاصة بعد إبعاده إلى مدينة كراسندار... وقد وجد في حالة نفسية مزرية، والأنكى من ذلك وجده (رشيد رشدي) مكبل بالسرير من رجليه ويديه حتى لا يهرب كما صرحوا لهُ الأطباء في المصح!؟ وعلى هذا المنوال مكث في المشفى ما يقارب سنة إلى سنتين(8).

وازاء الصمت المطبق من قبل قيادة الحزب الشيوعي العراقي وعدم الرد على استفسارات ورسائل عطشان ضيول؛ وكذلك تجاهله من قبل مسؤول العراق في الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي... فقد قدم استقالته التحريرية من الحزب وتم قبولها فوراً من قبل منظمة الاتحاد السوفيتي، مع التوصية بمساعدته في الوصول إلى أية دولة يرغب السفر إليها، لكنه رفض هذه المساعدة... وبعد أن تم تشكيل (حزب القيادة المركزية) برئاسة عزيز الحاج في ايلول عام 1967م... لقد وفروا لعطشان رفاقه في القيادة المركزية المساعدة المعنوية.. من جواز سفر أردني مزور باسم (أحمد داود) وسافر إلى المانيا الغربية واستقر في مدينة كولن، وقيل في برلين... ألتقى بالأديب الراحل كاظم السماوي والذي حاول اقناعه بالمكوث في الماني الديمقراطية ومساعدته في الحصول على الإقامة الدائمة، لكن عطشان أبى ذلك ورفض رفضاً قاطعاً... مما وجدت جثته مقتولاً أو منتحراً في مدينة كولن، والبعض يعتقد بأنه أصيب بمرض جنون العظمة. وهناك أكثر من احتمال لوفاته، لكنه في بغداد أرخت شهادة وفاته في يوم 28/2/1963، وتم تبليغ أهله في عام 1972(9).

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

........................

المصادر:

1- ثابت حبيب العاني. صفحات من السيرة. مصدر سابق. ص160/161.

2- عامر عبد الله. مقومات النظام. ص188.

3- محمود البياتي. مثقفون ضحايا وجلادون مقوضات النظام الاشتراكي العالمي. صحيفة القدس العربي. ليوم 30/1/2006.

4- عزيز سباهي. عقود. مصدر سابق. ج2. ص427.

5- آرا خاجادور. من هو سلام عدل. الحلقة3. الحوار المتمدن. ليوم 24/6/2016.

6- صالح دكلة. من الذاكرة.. سيرة حياة. دار المدى. دمشق. 2000, ص58.

7- صلاح الخرسان. صفحات. مصدر سابق. ص121؛ حنا بطاطو. ج3. ص354/356.

8- د. عقيل الناصري ود. سيف عدنان القيسي. من التاريخ السياسة.. لدراسات النظرية.. عطشان ضيول الازيرجاوي. أمل الجديدة لطباعة. ج2. ط1. 2021. ص111.

9- د. عقيل الناصري ود. سيف عدنان القيسي. من التاريخ السياسي. مصدر سابق. ص120/125.

 

2799 عشان ضيولساهم عطشان في جميع الانتفاضات الشعبية حقبة الخمسينيات، كما عمل في لجنة العمل الديمقراطي والمنظمات المهنية. فعطشان ضيول كان مثقفاً ثقافة محلية بإطارها الأممي التقدمي ذات البعد المتطرف، وبخاصة عن عمله عضواً في اللجنة المركزية تحت قيادة بهاء الدين نوري أولاً، واللجنة المركزية التي كانت بقيادة حميد عثمان ثانياً؛ بسبب اساليب الأثنان الاستالينية في إدارة الحزب منتصف خمسينيات القرن الماضي.

وقد اشرف عطشان ضيول على منظمة الحزب (اتحاد الجنود وضباط الصف والضباط) عام 1955م، ومن ضمن الضباط الذين اشرفوا على التنظيم كلٍ من (محمد عبد الرحيم، وإبراهيم حمودي الغزالي، وكاظم مرهون، وطه صالح السلطان، وعدنان محيي الدين الخيال، وأحمد حسن، ونور إسماعيل وآخرين(1).

وكان للحزب علاقة مباشرة أو غير مباشرة بعددٍ كبير من الضباط بين هؤلاء (الزعيم الركن داود الجنابي، والزعيم الركن هاشم عبد الجبار، والعقيد حسن عبود، والعقيد عبد الرضا عبيد، والزعيم إبراهيم الجبوري، والمقدم موسى إبراهيم، والعقيد طه السلمان والعقيد سلمان الحصان، والعقيد فاضل عباس المهداوي، والعقيد الركن ماجد محمد أمين، والعقيد الركن كافي النبوي، والزعيم الركن عبد الله سيد أحمد، والعقيد جلال بالطة، والرئيس الأول المتقاعد فاتح الجباري، والرئيس رسول مجيد، والمقدم لطيف حسن، والمقدم محمد عبد الغفور، والمقدم إبراهيم الغزالي، والرئيس غازي الدخيل، والرئيس الأول عربي فرحان، والعقيد عبد الباقي كاظم، والعقيد الركن مجيد علي، والمقدم محمد علي كاظم، والمقدم جواد كاظم التعيسي، والمقدم كاظم عبد الكريم، والمقدم إبراهيم كاظم الموسوي، والمقدم عمر فاروق، والمقدم عبد الرزاق غصيبة، والرئيس الأول سعيد مطر، والمقدم علي شريف، والرئيس الأول مصطفى عبد الله، والرئيس حامد مقصود، والرائد فاضل البياتي، والرئيس إحسان البياتي، والرئيس الأول نوري الونّه، والملازم الأول رشاد سعيد، وآخرين(2).

إلا أن عطشان ضيول الأزيرجاوي قد انخرط بالفعل السياسي في المؤسسة العسكرية منذ انتسابه إلى الكلية العسكرية لحين ارساله إلى الاتحاد السوفياتي للدراسة الحزبية عام 1961م، وهي طريقة لإبعاده عن الساحتين السياسية والعسكرية عامة والحزبية خاصة، بعد صدور أمر إلقاء القبض عليه من قبل الحاكم العسكري العام أحمد صالح العبدي ومن مديرية الأمن لعامة.

وفي عام 1954م ساهم عطشان ضيول في حركة انصار السلام منذُ عقدها لمؤتمرها الأول في بغداد رغم مرور (4) سنوات على انشاء لجنتها التحضيرية، نتيجة متابعة الشرطة السرية وما مارسته من قمع مادي ومعنوي إزاء الحركة.

وفي حزيران عام 1955م تمت إعادة انتقاء عطشان الازيرجاوي إلى عضوية اللجنة المركزية، في اللجنة الأولى لسلام عادل والتي كانت قوامها (9) أعضاء هم كلٍ من: حسين أحمد الرضي، عامر عبد الله، عبد الكريم أحمد الداود، فرحان طعمة، جورج حنا تلو، محمد صالح العبلي، هادي هاشم الأعظمي، عطشان الازيرجاوي، وناصر عبود(3).

كما حافظ عطشان ضيول على ذات المركز في اللجنة الثانية بعد نجاح سلام عادل السكرتير الأول للحزب في توحيد المنظمات والشخصيات الشيوعية التي انشقت في فترات سابقة عن الحزب؛ وبخاصة في الاربعينيات ومطلع الخمسينيات (راية الشغيلة) حتى عادت للتنظيم في حزيران 1956م. وعلى أثر الكونفرنس الثاني الذي تم عقده في ايلول 1956م، ارتفع قوام اللجنة المركزية ومرشحيها من (9) أعضاء إلى (18) عضواً، وهي التي قادت العمل الحزبي لغاية ايلول 1958(4).

وقد شارك عطشان ضيول في الكونفرنس الثاني للحزب الذي انعقد في ايلول 1956م، لكن هناك رأي حول إخراج عطشان من قوام اللجنة المركزية في العام 1957م، ودون ذكر أسباب إخراجه(5).

إلا أن عطشان ضيول كان ضمن قوام اللجنة المركزية الثالثة لحسين الرضي (ايلول 1958- تشرين الثاني 1961) باعتباره أحد المسؤولين بصورة مباشرة عن التنظيم العسكري للحزب، وربما أعيد عطشان ضيول إلى عضوية اللجنة المركزية بعد انتهاء موسع أيلول 1958(6).

في حين لم يورد اسمه ضمن قوام اللجنة المركزية الرابعة لحسين الرضي (تشرين الثاني 1961- شباط 1963) بسبب ايفاده للدراسة في الاتحاد السوفيتي في مدرسة الكوادر الفلاحية في طشقند، بعد إصدار الحاكم العسكري ومدير الأمن العامة أوامر إلقاء القبض عليه(7)، كما ذكرنا ذلك سابقاً.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

.......................

المصادر:

1- ثابت حبيب العاني. صفحات من السيرة. مصدر سابق. ص179.

2- عزيز سباهي. عقود نت تاريخ الحزب. مصدر سابق. ج2. هامش ص250.

3- صلاح الخرسان. صفحات من تاريخ العراق السياسي الحديث "الحركات الماركسية" 1920 - 1990. بيروت. مؤسسة العارف للمطبوعات. ص76؛ حنا بطاطو. ج3. ص14.

4- حنا بطاطو. العراق. الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية. ترجمة عفيف الرزاز. مؤسسة الأبحاث العربية. بيروت. ط2. 1995. ج3. ص18/20.

5- صلاح الخرسان. صفحات. مصدر سابق. ص79/81.

6- صلاح الخرسان. صفحات. مصدر سابق. ص89.

7- حنا بطاطو. العراق. مصدر سابق. ج3. ص18 وص160 وص271.

 

محمود محمد عليتمر علينا في مثل هذه الأيام الذكرى الأربعين على رحيل الشاعر الكبير صلاح عبدالصبور، إذ رحل عن عالمنا في 14 أغسطس من عام 1981، بعد مسيرة عطاء ثرية وحافلة شعرًا ونثرًا ومسرحًا، وهذه الذكري جاءت لا لتذكرنا بصلاح الغائب، بل لتذكرنا بأنه على الرغم من غيابه حاضر على الدوام. ونحن نرى أن الأيام تمضى ونحن في ذكره على الدوام نكتب عنه ونتحدث ونقرأ شعره كأنه حاضر معنا، ليس فقط نحن أبناء جيله الذين امتد بنا العمر، بل أيضا أبناء الأجيال التالية من الشعراء والكتاب والقراء المثقفين، وربما كان حضور صلاح عبد الصبور بعد رحيله أقوي. لأنه حاضر بأجمل ما فيه وأبقى ما يمثله ويعبر عنه وهو شعره الذى يزداد كل يوم صدقا ونفاذا  (1).

يعد  الشاعر صلاح عبدالصبور واحدا من رواد حركة الشعر العربي المعاصر، ويعد واحداً من الشعراء القلائل الذين أضافوا إضافة بارزة في مجال المسرح الشعرى أما اسمه كاملا فهو محمد صلاح الدين عبدالصبور، وهو مولود في ٣ مايو ١٩٣١ بالزقازيق،، وقد تخرج في كلية الآداب جامعة القاهرة قسم اللغة العربية في ١٩٥١وتتلمذ على يد الشيخ أمين الخولي، الذي ضمه لجماعة "الأمناء" التي كان لها إسهام كبير في حركة الإبداع الأدبي والنقدي في مصر، ولفت عبدالصبور الانتباه بعد نشره قصيدته" شنق زهران"، ومع صدور ديوانه الأول "الناس في بلادي" تم وضعه بين رواد الشعر الحر، مع نازك الملائكة وبدر شاكر السياب، وسرعان ما وظف صلاح عبدالصبور هذا النمط الشعرى الجديد في المسرح، وفى شعره استلهم التراث العربي وتأثر بالشعر الإنجليزي المعاصر، وبالأخص الشاعر"ت. س. إليوت"، وقد لفت انتباه المتابعين للحركة الشعرية ديوانه الأول الذي جاء في قالب شعر التفعيلة متميزا بالصور الفريدة واللغة اليومية الشائعة، مع امتزاج الحس السياسي والفلسفي بالموقف الاجتماعي" (2).

كما يعد صلاح عبدالصبور أحد أبرز رواد حركة الشعر الحر العربي ومن رموز الحداثة العربية، وهو فارس المسرح الشعري إذ أنه من القلائل الذين أضافوا مساهمة بارزة في التأليف المسرحي، ومن أبرز أعماله مسرحيات "مأساة الحلاج"، و"مسافر ليل"، و"ليلى والمجنون"، هذا بالإضافة إلى دواوينه الشعرية ومنها "أقول لكم"، "أحلام الفارس القديم"، و "شجر الليل" وغيرها (3).

وصلاح عبد الصبور كان متعدد المواهب بين الشعر والكتابة والصحافة، فبعد تخرجه من كلية الآداب قسم اللغة العربية عمل كمدرس لكنه شعر بأنه في الطريق الخطأ فترك على الفور مهنة التدريس وألتحق بالعمل الصحفي حيث عمل بجريدة روز اليوسف ومن بعدها الأهرام الذى عرض عليه العمل فيها محمد حسين هيكل عندما قرأ كتاباته وأعجب بها، لكنه لم يطل العمل بها بسبب اختلافه مع هيكل وبعد تركها أصدر هيكل قرار بعدم التعامل مع عبد الصبور نهائيا  (4) .

لقد آمن الراحل الكبير صلاح عبدالصبور بأن الأديب الحق لا يستطيع سوى أن يكون ابن عصره، نموًا جديدًا لنبتة جديدة، تضاف إلى سلسلة من الأدباء المبدعين السابقين، لذلك بقيَ بعد موته في ذاكرة الأجيال اللاحقة، حافرًا اسمه في سجلات «الخلود العظيم»، بينما قاتلوه، ومنهم أحياء حتى الآن، تغطيهم رمال النسيان (5).

ولذلك نجده يتحدث صلاح عبدالصبور عن أدبائه المفضلين بوصفهم أصدقاءه، "كفافيس" و"كافكا" و"بروست" و"ديستويفسكي" و"تشيكوف" و"كازنتزاكيس" و"إليوت"، وغيرهم كثيرون.

يقترب بمهابة من عوالمهم الكبيرة المذهلة، لكنه لا ينزع عنهم الصفة الإنسانية، وهكذا يمكنك أن تجرّب العزلة والكبرياء والجنون والتمزق والاكتئاب والسعادة والمجد، وكل المشاعر، بينما تقرأ مؤلفات "عبدالصبور" النثرية "نبض الفكر"، و"كتابة على وجه الريح"، و"حتى نقهر الموت" و"أصوات العصر"، و"على مشارف الخمسين" وغيرها، عالم من المتعة الذهنية الصافية، حيث تتناثر الأفكار والرؤى والمشاعر، تقترب وتبتعد في محيط روحك، لم أعرف أحدا من المبدعين أحببته بكل هذا الإخلاص الغريب طوال ما يقرب من عشرين عاما هي "حياتي في الشعر" (6).

لقد كان يمثل الشاعر المسرحي الراحل صلاح عبد الصبور…. مشروعا مصريا ثقافيا ومن خلاله أنتشر الشعر المصري في وطننا العربي من المحيط الى الخليج بعد سنوات طوال من رحيل أمير الشعراء أحمد شوقي …وشاعر النيل حافظ ابراهيم …وها هي الأجيال التي من بعد شاعرنا صلاح عبد الصبور… اتخذته أبا روحيا لهم صاروا في أيامنا هذا شعراء كبارا….جعلوا الشعر يتنفس تفاصيل الحياة للمواطن المصري محدود الدخل في تجربة للأجيال المتمردين على السلطة… مما أغضب السلطة منهم لأنهم تعلموا من شاعرنا الراحل صلاح عبد الصبور أن هناك دائما تناقض بين المثقف والسلطة خاصة مع مثقفي جيل السبعينات والذى أسهم ذلك في أن يكون دائما المثقف والكاتب دائما متواجد في قضايا الوطن والمواطن….فتحية للفارس النبيل الشاعر الراحل صلاح عبد الصبور… أبن جيل السبعينات… الذى جاهد بأعماله الشعرية الوطنية من أجل الحرية والعدل منذ تسعة وثلاثون عاما.

وقد كتب صلاح عبدالصبور كثيرًا عن الحب والعشق الإلهى، فهو شيخ المتصوفين، ولكنه كتب شعرًا جميلًا عن المحبين والعشاق فى عالم الإنسان. وأبدأ بقصيدة «أقول لكم» من أول ديوان له: لأن الحب مثل الشعر/ ميلاد بلا حسبان/ لأن الحب مثل الشعر/ ما باحت به الشفتان/ بغير أوان/ لأن الحب قهار كمثل الشعر/ يرفرف فى فضاء الكون... لا تعنو له جبهة/ وتعنو جبهة الإنسان/ أحدثكم - بداية ما أحدثكم - عن الحب/ حديث الحب يوجعنى، ويطربنى ويشجينى/ ولما كان خفق الحب فى قلبى هو النجوى بلا صاحب/ حملت الحب فى قلبى، فأوجعنى وأوجعنى.

وحول جهوده في الشعر المسرحي عبدالصبور كان محظوظاً بتقديم كل نصوصه على المسرح، لذلك استطاع تطوير أدواته المسرحية، ثم قدم دوارة بانوراما عن نشأة وتطور المسرح الشعرى الذى بدأ عالمياً منذ الإغريق وصولاً إلى ويليام شكسبير وتقديم مسرحياته الشعرية للمسرح العربى، ثم بداية مسرحنا الشعرى مع أحمد شوقى، كما تطرق دوارة إلى سمات مسرح عبدالصبور وهى غياب دور الشعب فى نصوصه المسرحية, فالبطل فيها هو الشاعر المثقف الثائر (7).

ولذلك فقد ارتبط اسم عبد الصبور باسم الكاتب لوركا بعدما قدم مسرحيته يرما وكتب أشعارها، ومن أهم المسرحيات الشعرية التي أثرى بها الحركة المسرحية مسرحية مأساة الحلاج  وتعد هذه المسرحية حتى من  أروع المسرحيات الشعرية التي عرفها العالم العربي، وهي ذات أبعاد سياسية إذ تدرس العلاقة بين السلطة المتحالفة مع الدين والمعارضة كما تطرقت لمحنة العقل وأدرجها النقاد في مدرسة المسرح الذهني ورغم ذلك لم يسقط صلاح عبد الصبور الجانب الشعري فجاءت المسرحية مزدانة بالصور الشعرية ثرية بالموسيقى. (8).

وأيضا مسرحية "الأميرة تنتظر" وهى من أفضل الدراما الشعرية التى قدمها عبد الصبور للمسرح الشعرى العربي، وذلك لأسباب عدة أولها أن لغة الشعر فى رأى صلاح عبد الصبور هي الأب الحقيقي للدراما المسرحية، حيث دفعه هذا الإيمان إلى الشروع فى تقديم مسرح درامي شعرى عربي لم يكن موجودًا قبله سوى المحاولات الغنائية البسيطة التى ألبسها أحمد شوقي وعزيز أباظة ثوب الدراما الشعرية، ويستعين الشاعر فى بنية الحكاية بالأساطير القديمة وخاصة ألف ليلة وليلة (9).

أما مسرحية " بعد أن يموت الملك " فنري هنا ان الشاعر صلاح عبد الصبور يتحرك في جو من التراث ويستفيد في شخصياته من الحكايات الشعبية، وتبدأ المسرحية بروايات ثلاث يقدمن العرض المسرحي في ثوب ساخر فيسخرن اولا من المخرج ثم من المؤلف ثم من ارسطو صاحب النظريات القديمة في الفن عموما والمسرح بوجه خاص ويورد في التقديم ذكرا عن ملك مسرحيته القادر الذي يلمس الكائنات فتدب فيها الحياة يتركها فتموت، يأمر فيطاع يرغب فتطوع كل الاشياء لرغباته يشتري الشعراء والمؤرخين لكن هذا الجبروت لا يلبث ان يهتز امام الملكة حينما نعرف انه عقيم يوهم نفسه بأن لديه طفلا وعندما تكشف الملكة حقيقته بوضوح أمام عينيه يسقط ميتاً علي الفور وعن مليكته التي تبحث عن من يعطيها طفلا (10).

ومسرحية " مسافر ليل  " يتناول العرض عدة أفكار فلسفية كالخير والشر ومعنى الوجود الإنساني وجدواه، ويناقش بذكاء قضايا واقعية حول الظلم والقهر والعدل والضعف في إسقاط على علاقة الحاكم بالمحكوم من ناحية والصراع بين الخير والشر من ناحية أخرى. (11).

ولذلك لا يمكن وصف تجربته سوى بالصدق الشديد، فأحلامه كانت تتشابه مع أحلام الفارس القديم، لكن وطأة الواقع جعلت أحلامه تتساقط يوما عن يوم، ومع السقوط أصر أن يتتبعها في أشعاره ليعيد لنا تشكيل صورة "الفارس القديم" وهو يصرخ لحبيبته "سوف أظلُّ واقفًا بلا مكانْ.. لو لم يعدني حبك الرقيق للطهارة.. فنعرف الحب كغصني شجرة.. كنجمتين جارتين.. كموجتين توأمين.. مثل جناحي نورس رقيق.. عندئذ لا نفترق.. يضمنا معا طريق"...لم يترك "صلاح عبد الصبور" نفسه فريسة للواقع لكنه استطاع بشعره أن يخلق لنا عالما مبهرا، وبالتزامن مع احتفال قصور الثقافة بذكراه التي مرت في أغسطس الماضي، نعود من جديد لقراءة قصائده لنسترجع صوته الملائكي كي يبعث لنا رسائل قادمة توا من الجنة تحيي لنا فردوسًا مفقودًا (12).

رحم الله صلاح عبد الصبور الذي تركنا ونحن في أمسّ الحاجة إليه‏،‏ فقد كان “مثقفًا” كبيرًا بكل معنى الكلمة‏،‏ ينطوي على رغبة متأصلة في المعرفة التي لا نهاية لها أو حدا‏،‏ وقد ساعدته معرفته الكاملة باللغة الإنجليزية‏،‏ وإمكان القراءة بالفرنسية على الاطلاع على أصول الفكر العالمي وفروعه‏.‏ وكانت ثقافته الشاملة‏،‏ العميقة والمتجددة‏،‏ خير دعم لشعره الذي لم يكف عن التجدد والتحول‏.‏ ولذلك فمن يقرأ “الناس في بلادي”؛ ‏ديوانه الأول‏‏، يجد وجها يختلف عن الوجه الذي ينطوي عليه ديوانه الثاني البديع “أقول لكم” إلى آخر دواوينه التي تؤكد حضوره الشعري المتميز‏،‏ وهو حضور يمتزج فيه الفكر بالشعر‏،‏ وحسبي وحسبك أيها القارئ لشعر صلاح عبد الصبور أن نحني الرأس لفنه الصادق، وأن نخشع أمام ألمه العظيم”؛ كما قال عنه الناقد الراحل شكري عياد (13).

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو ركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط.

........................

الهوامش

1- أحمد عبد المعطي حجازي: صلاح عبد الصبور في ذكراه، جريدة الأهرام.

2- إلهام زيدان: صلاح عبدالصبور.. 40 عامًا على رحيل رائد حركة الشعر الحر.. جريدة الوطن المصرية،  06:26 م | السبت 14 أغسطس 2021.

3- ماهر حسن: زي النهارده".. وفاة الشاعر صلاح عبدالصبور 13 أغسطس 1981.ز المصري اليوم .. الثلاثاء 13-08-2019 05:48

4- شيماء منصور: ذكرى وفاة صلاح عبد الصبور.. تعرف على أهم مسرحياته الشعرية، اليوم السابع، الجمعة، 14 أغسطس 2020 02:23 م.

5- علي سيد علي: صلاح عبدالصبور.. «القديس» تقتله كلمة، المصري اليوم .. الجمعة 14-08-2015 16:46.

6- محمد رياض: صلاح عبدالصبور.. جريمة الشعر المصري اليوم .. 14-08-2015 16:46.

7- د. عمرو دواره: صلاح عبد الصبور من التجديد الشعرى إلى التجديد المسرحى، بحث منشور الكتاب التذكاري بعنوان : صلاح عبدالصبور... رائد التجديد فى الشعر العربى، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 1981.

8- شيماء منصور: المرجع نفسه.

9- المرجع نفسه.

10- المرجع نفسه.

11- المرجع نفسه.

12- إسراء عبد التواب ونضال ممدوح: صلاح عبد الصبور: سأظل واقفًا بلا مكان، الأحد 14/سبتمبر/2014 - 08:47 م.

13- جمال زرد: الشاعر …صلاح عبد الصبور في ذكراه ..جريدة الفراعنة مستقبل له جذور.. الخميس - الموافق 02 سبتمبر 2021م.

 

 

نبيل عبدالامير الربيعيإن إلقاء الضوء على سيرة الشخصيات السياسية اليسارية وماهيات سيرتهم النضالية تعتبر من المصاعب التي يمر بها الباحث في مجال كتابة التاريخ، ومن تلك المصاعب السيرة النضالية التي مَرَّ بها المناضلين، وقلّة المصادر عنهُم وقد تكون منعدمة، فضلاً عن ذلك نمط الدراسات في كشف أسرار سيرتهم وأدوارهم التاريخية التي ساهمت في صياغة شخصيتهم، ومن تلك الشخصيات عطشان ضيول الأزيرجاوي، ذلك الرجل الفذ الذي عمل في صفوف الحزب منذ عام 1944م، فضلاً عن ممارسة عملهُ ضمن عضوية اللجنة المركزية في لجنة الشهيد سلام عادل خمسينيات القرن الماضي.

فالشخصية السياسية عطشان ضيول بن منشد بن عبد أفليس الأزيرجاوي المولود في ريف قضاء الشطرة العائد للواء الناصرية، وهو من أصول فلاحية، عمل والده شرطياً في العهد الملكي، وكانت أسرته تتكون من كلٍ من (أخيه حسن، وأخيه نعمة، وأخته نجاة)، الأول كان مدير كمارك كونه خريج اعدادية وقد قتل بسبب توجهات أخيه عطشان بسبب زقهِ إبرة سامة أدت لوفاته، والثاني أصبح مقاولاً صغيراً، والأخيرة ربة بيت.

أكمل عطشان ضيول دراسته الاعدادية في اعدادية الناصرية عام 1940م(1)، بعد تخرج عطشان من الاعدادية انتمى إلى الكلية العسكرية عام 1940-1941م، وبعد تخرجه أصبح معلماً للفروسية في ذات الكلية، تزوج عطشان من أبنة عَمهِ (فضيلة جسام منشد)، ورزق بثمان ابناء هم كلٍ من: كفاح (1950)، ثائر (1952)، واقد (1954)، حازم (1955)، فائزة (1956)، سلام (1958)، انتصار (1960).

كان انتماء عطشان ضيول إلى الحزب بسبب اطلاعه على أدبيات الحزب الشيوعي العراقي عام 1941م مما زادت من وعيه الثقافي والأدبي والتطور المعرفي والعلمي. في عام 1944م أصبح المسؤول الأول للتنظيم الشيوعي في المؤسسة العسكرية وعضو في اللجنة المركزية للحزب.

عام 1945م انضم إلى (رابطة الشيوعيين العراقيين) مجموعة داود الصائغ، وقد بقيت هذه التنظيمات محافظة على ذاتها رغم الانشقاقات التي مرت بها قيادة الحزب منتصف اربعينيات القرن الماضي بقيادة داود الصائغ، المنشق عن الحزب، إلا أن مؤسس الحزب فهد أسس وشكل منظمة عسكرية تابعة للحزب برئاسة لجنة من الضباط هم كلٍ من: (الرئيس الركن سليم الفخري، الرئيس الركن غضبان السعد، الرئيس الركن عبد القادر ويردي، الملازم حسين خضر الدوري، والملازم عايد كاطع العوادي، والملازم صالح الدريعي)، فضلاً عن الملازم الثاني عطشان ضيون(2). وعندما اعتقل الصائغ عام 1947م انضم عطشان وباقي التنظيم إلى الحزب الشيوعي العراقي الأم؛ ومجموعة الضباط الذي كان يضمهم جانح داود الصائغ.

كما كان هناك تنظيم عسكري يشرف عليه سكرتير الحزب (فهد)، ومسؤوله الملازم عبد العزيز عبد الهادي، وهو امتداد للتنظيم العسكري الذي ألفه الحزب منذ عام 1935م، كمبرر للانتماء إلى الكومنترن (الأممية الثالث)، كما يذهب زكي خيري ود. سعاد خيري في دراساتهما عن تاريخ الحزب الشيوعي العراقي(3). كانت من ضمن شروط الأممية الثالثة أن (يأتِ نهج الحزب في التوجه صوب القوات المسلحة)(4). ومن الضباط الذين تبوأوا مراكز قيادية في الحزب الشيوعي العراقي أيام فهد، كان الضابط المتقاعد عزيز عبد الهادي الأعظمي (مقدام) مسؤول تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي في الجيش في البدء، كما ذكرنا سابقاً، والرئيس مهدي حميد وعطشان الأزيرجاوي وغيرهم، فضلاً عن العناصر اليسارية التي لعبت دوراً في بناء تنظيمات سياسية في الجيش منهم (جلال جعفر الأوقاتي، وسليم الفخري، وغضبان السعد، وطه الشيخ أحمد ومحيي الدين عبد الحميد، وناظم الطبقجلي، وحسين خضر الدوري وعبد الوهاب الشواف، ومير حاج، وإسماعيل علي وحسين الجبوري(5).

في أب عام 1949م تسنم عطشان عضوية اللجنة المركزية في قيادة بهاء الدين نوري الثانية ولغاية شهر آب 1951، تفرغ للعمل الحزبي وانقطع عطشان كلياً عن زيارة عائلته بسبب مراقبة داره من قبل الشرطة السرية، فكانت الأم هي الراعية لأبنائها في التربية والمعيشة حتى أدت بها الحالة إلى بيع الأقمشة في مدينة البياع. وكذلك عمل ضمن اللجنة المركزية الثالثة (آب 1951- نيسان 1953). ترك عطشان العمل في المؤسسة العسكرية وتفرغ للعمل الحزبي في الحزب الشيوعي العراقي، وكان يعيش في البيوت الحزبية حتى قيام ثورة 14 تموز 1958، كانت زوجته (فضيلة) لها الدور الكبير في نقل الرسائل الحزبية أبان العهد الملكي.

في هذه الحقبة اعتقل عطشان وأودع السجن وتعرض إلى عمليات تعذيب قاسية على يد شرطة التحقيقات الجنائية ومديرها بهجت العطية، حتى مورست ضده شتى وسائل التعذيب من ارغامه على الجلوس فوق المدفأة النفطية الساخنة، واجباره بالجلوس على القناني الزجاجية المكسورة الفارغة.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

.......................

المصادر:

1- د. عقيل الناصري ود. سيف عدنان القيسي. من التاريخ السياسي الدراسات النظرية، ما تبقى في ذاكرتي عن الحركة الشيوعية في العراق، عطشان ضيول الأزيرجاوي المسؤول السابق للجناح العسكري في الحزب الشيوعي العراقي. أمل الجديدة للطباعة والنشر والتوزيع. ط1. 2021. ص34،

2- عزيز سباهي. عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي. 2002. ط1. ج1. ص234.

3- زكي خيري ود. سعاد خيري: دراسات في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي. 1984. دار نشر (بلا). ص39.

4- ثابت حبيب العاني. صفحات من السيرة (1922 -1998). دار الرواد المزدهرة. ط1. 2014. ص176.

5- د. كاظم حبيب ود. زهدي الداودي. فهد والحركة الوطنية في العراق. دار كنوز الأدبية. بيروت. 2003. ص205.

 

جمال العتابيفجأة، أسعفني الصديق كاظم حبيب من حرجٍ شديد، برسالة موجزة جداً، يدعوني فيها للمشاركة في حفل تقيمه وزارة الثقافة لإقليم كردستان في منتصف حزيران من عام 2010 ، لمناسبة بلوغه الخامسة والسبعين من العمر، حضرها عدد من الأصدقاء،  فائق بطي، هاني فحص، فاضل ثامر، زهير الجزائري، عبد المنعم الأعسم، كنت متردداً، أراجع مغزى الدعوة، وطريقة المشاركة.

لقد أيقظتْ فيَ الرسالة تلك بمدلولها وإيجازها، مئات الذكريات عن حقبة زمنية عشناها معاً، لقد عادت بي إلى سنوات السبعينيات، عندما كنا تحت سقف لبيت واحد نتشاطر فيه العيش والأحلام. لقد قدم لي كاظم حبيب اختصاراً لكل ذلك الزمن، ووفر لي جهداً وعناءً في البحث عن موضوع... هو محوره، وبطله، إذ كنا ننظر بانبهار ودهشة لتلك الفتوة والحيوية لشخصية تتدفق شباباً وعطاءً، لاتكلّ في التنقل بين المجلس الزراعي الأعلى، وأروقة (طريق الشعب)، و(الثقافة الجديدة)، والمهام الحزبية، وإلقاء المحاضرات على طلبة الجامعة المستنصرية. لتقدم نموذجاً متميزاً وفريداً، في العمل والمثابرة، والصبر، ونكران الذات، والتواضع، واكبر من ذلك، نشر المحبة للناس والوطن، كنا مجموعة من الشباب، بدأنا خطواتنا الأولى في عالم الصحافة الفسيح. واغتنت تجاربنا المتواضعة بما تعلمناه من أولئك (المعلمين) الكبار.. إذ كانوا فرسان التجربة التي أضحت علامة متميزة في العمل الصحفي والثقافي. على الرغم من قصرها ووأدها من قبل القوى السوداء. فذهب صناعها الماهرون، لكن إلى أين؟..إلى الغربة، والموت، والزنزانات. والاختباء...!!

كاظم حبيبلم تكن رسالة حبيب البليغة تحمل شيئا من الأسرار، لأننا إعتدنا الكتابة أحدنا للآخر، بين الحين والحين، برسائل تقتصر على السلام والسؤال عن الصحة والاطمئنان عليها. نستعيد الماضي بتفاؤل أو بدونه، ونتحدث عن الحاضر والمستقبل بترقب وحذر..! إنها رسالة كالدرس.. فصيحة وواضحة وشجاعة، شحذت ذاكرتي لأستعيد تفاصيل جلسة على طاولة غداء في أحد مطاعم أربيل ضمت الصديقين الدكتور كمال مظهر، والدكتور تيسير الآلوسي، كنت قبالة الدكتور كاظم، حين سألني بنبرة خجولة عن حال أحد الأصدقاء، وأثنائها مدّ يده بحذر شديد إلى جيبه وبحرصٍ متناهٍ بأن لا يراه أحد من الحضور، وأودع لدي مبلغاً من المال ملتمساً إيصاله إلى هذا الصديق. لم أخف فضولي في السؤال عن معنى ذلك، فأجاب بكل تواضع: ان لديه شعوراً بالتقصير إزاء بعض الشخصيات التي ظلت وفية لمبادئها وحريصة على مواقفها الوطنية. فهذا الإنسان كما يرى، نموذجا من هؤلاء، يستحق الرعاية والإهتمام، مثلما يدعو للإعتزاز كمثال للإنسان العراقي المكافح والثابت الذي لم يغادر انتماءه في أقسى الظروف وأعتى المحن. ربما لا يشكل هذا الموقف مأثرة كبرى تسجل لصالح الدكتور كاظم من وجهة نظره. ومن المؤكد إنني اجهل مواقف أخرى له مع آخرين تحمل نفس المعنى، لكنني لا أجهل حتماً مقدار النبل والوفاء الذي يحمله حبيب، وبلا حدود.. ليس لهذا الصديق لوحده فحسب، بل لكل العراقيين من أمثالهَ.أنا متأكد ان شعوراً غمر الدكتور كاظم بالسعادة.. وامتلأت نفسه بالرضا والارتياح. تعادل كل ما قرأه من نظريات وعلوم وتاريخ، وإقتصاد، وفلسفة. هي ذي اللحظة التي تترجم كل المعارف إلى فعل إنساني حقيقي أصيل، والى ناتج اجتماعي وأخلاقي بعيداً عن الزيف وكذب الشعارات.!!على وفق هذه المنظومة الأخلاقية التي تشكّل عقله، فكراً وسلوكاَ، وتنظّم علاقاته بالعالم. وتحدد فهمه ورؤاه للإنسان، حتى في أسوا حالاته. انه يجد نفسه مضطراً للإلتماس من أحد أصدقائه للتدخل في معالجة إشكالية تعيد لأهله حقوقهم التي أغتصبها النظام السابق وأزلامه. وهو يترقب وينتظر، شفيعه بذلك، النوايا الطيبة. والزاد والملح، قاعات الدرس المشتركة، الحيطان المتلاصقة في أحياء مدينته، رائحة البخور المنبعثة من مراقد الأئمة عليهم السلام، طقوس العزاء.. المواكب.. التي تطالب بالحرية... و... و... كل ذلك الإرث الطيب والجميل كفيل أن يحقق أحلام تلك الشريحة المظلومة والمغدورة من أهله.. وهي أحلام لا تتعدى، سوى العودة إلى بيوتهم التي شيدوها في سنوات الحرمان والكد والأحزان..كان نصيبي من هذا السعي إنني أشرت إليه بمناشدة بعض أصدقائه، وهم كثر، يشغلون مواقع مهمة في مفاصل الحكومة. فاكتفى برد موجز، انه لا يحتاج كل ذلك. قرأت في الرد شعوراً بالمرارة والخيبة..

كاظم حبيب أحد رموزنا الوطنية والثقافية، أثرى الساحة الثقافية بعدد كثير من الأبحاث والدراسات، وأغنى المكتبة العربية بعشرات المؤلفات في مجال تخصصه، والقضايا الوطنية، وله سجل مشرّف في الدفاع عن قضايا شعبه، وهو رمز سعى إلى التجديد، في الفكر والمعرفة، وحاول ان يكون صوتاً يحمل خصوصية تفكيره ومنهجه، وراهن على الحداثة والتغيير، سلوكاً وممارسة، وصاغ من قسوة الظروف الاقتصادية والسياسية، آلية الدفاع عنها.

يلزمنا صوتك، يا كاظم (الحبيب)، وروحك الشابّة، تذوقت العذاب والألم، وعشت سنوات صعبة، عرفت القهر، لكن ذلك لم يثنيك عن العمل المثابر الدؤوب، فرحلت مطمئناً، فسلاماً لك ايها الصديق.

 

جمال العتّابي

 

 

مشتاق عبدمناف الحلورحل صباح السبت الماضي الشيخ عبدالرضا الجزائري أثر نوبة قلبية مفاجئة، ومما ميّز هذا الرحيل هو تنكّر رفاق الأمس له ميّتاً بعدما تنكّروا له حيّاً. فاستكثروا عليه حتّى اصدار ابسط تأبين بهذه الفجيعة المؤلمة. الّا بعض الاستثناءات (ان شاء الله ستنشر مجتمعة) واكثر هؤلاء كان من الاخوة المضحّين، المخلصين، الوطنيين الذين لم ينزلقوا للتسلّق بأساليب رخيصة لبلوغ المناصب.

لا يوجد احد من المتصدين في المعارضة الإسلامية العراقية في أواخر السبعينيات في العراق وأوائل الثمانينات في ايران لا يعرف الشيخ المرحوم. وان كان قد يكون الكثير من الناس لا يعرفونه لأنه لم تكن وسائل التواصل متوفرة في حينها.

والسبب واضح لأنه لم تكن معارضة إسلامية آنذاك في العراق من دون السيد الشهيد محمد باقر الصدر، والشيخ كان أحد أبرز وكلاءه والذي قاد شباب  هذا الخط في البصرة آنذاك. كما استمر في عمله ونشاطه بعد انتقاله الى ايران في أوائل الثمانينات. حتّى تحوّلت المعارضة الى مشروع ايراني في العراق. فانسحب منها ولم يذهب مذاهبهم ولم يسلك مسالكهم ولم ينهل من مناهلهم ولم يتنفس من الرئة التي تنفسوا منها. لهذا اعلن ملاحظاته جليّاً على كل المشروع، وبطبيعة الحال رفض كل العروض التي عرضتها عليه الحكومة الإيرانية قبال الانخراط في المعارضة وفضّل الجلوس ببيته والتفرّغ للمطالعة والكتابة. كما فتح أبواب داره بوجه كل من أحب ان يستفيد منه. فعرف داره ملتقى الفقراء من شباب العراقيين المتطلعين للفكر الديني والمنتقدين لانحراف وفساد المعارضة.

بمرور الزمن انخراط المتصدين في المشروع الإيراني حقّق لهم وفرة مالية وجوازات وسفر و... بينما حياة الشيخ بقيت على النمط الذي تعلّمه ورآه ونقله لنا عن استاذه الصدر الأول. وهذا ما كان يحرجهم ويكشف زيف ما يدعونه من خدمة جهادية. (يطالبون الشعب العراقي اليوم بتعويضات لا متناهية قبالها). فكان افضل طريق لهم للخلاص من هذا الاحراج هو انكار الشيخ وتجاهله والتخلّي عنه. لا بل أحيانا مضايقته والاستهزاء من فقره واعتبار زهده دليل ضعفه وفشل مشروعه. لأن أي مقارنة بينهم وبينه ستجعلهم الخاسرين. (لا يمكن ذكر تفاصيل تلك الحقبة في هذه الورقة وان شاء الله ستنشر)

2788 عبد الرضا الجزائرياستمر هذا التجاهل والانكار والمقاطعة وأحيانا المحاربة من قبل الكثير من المتصدين على مدى عقدين حتى حان موعد الهجوم الأمريكي على العراق. فخالف الشيخ بشدة هذه المرّة الدخول في المشروع الأمريكي وتشكيل غطاء عراقي له. لهذا أصدر بيانه الأول تحت عنوان "مؤتمر المعارضة أم سلطة المؤامرة" في 13/12/2002 وتلاه ببيان ثان تحت عنوان "الضربة الأمريكية للعراق سقوط حضاري" في 22/12/2002 وثم "سلطة المؤامرة بين النظام والمعارضة" في 5/1/2003. انتشرت هذه البيانات في حينها على نطاق واسع في أوساط المعارضة وكذلك في موقع "كتابات" ومواقع أخرى. لكنه لم يجد أذن صاغية بين المتصدين من المعارضة التي صارت تتاجر بالعراق وأهله مع كل من يقايضها بحطام الدنيا. لهذا وجّه خطابه للشعب وأصدر "بيان من الشيخ عبد الرضا الجزائري الى الشعب العراقي" في 21/4/2003 ثم "حقيقة الحرب الامريكية ضد العراق واهدافها النهائية" وتلاه "حقيقة الانتخابات وتشكيل الجمعية الوطنية العراقية" في 23/12/2004 وبعده "الانتخابات في العراق والمواقف المضادة" في 12/ 1/ 2005 سجّل فيها ملاحظاته على صيغة تشكيل مجلس الحكم وبناء الدولة من قبل المحتل.

هنا كان الغضب على الشيخ مضاعفا ممن رأى ضربة العمر في الالتحاق بالهجوم الأمريكي على العراق. لأن ما يمنحه المحتل يختلف تماما عمّا كانوا يكسبونه أيّام المعارضة. فالمحتل بكل سخاء وكرم فتح أبواب قاصات وادي الرافدين على مصراعيها لهم كي يغترفوا منها ما طاب لهم قبال أداء أحد الأدوار التي يحددها لهم في هذه التراجيديا السوداء. حتّى اجتث المحتل الغاشم الدولة العراقية وصار يقامر في سهراته الماجنة بأوصال الوطن مع كل مقامر.

بالتأكيد ليس من حقّنا أن نفرض على الآخرين رأينا ونطلب منهم أن يؤبّنوا من نحب نحن. لكن تجاهل رحيل الشيخ والصمت المطبق من قبل رفاق الأمس موقف سياسي حين مماته مكملاً لموقفهم حينما كان حيّاً بيننا، عسى ولعل مضي الأيّام تخلّصهم منه. أساسا في الغالب عند هؤلاء عملية التأبين جزء من سبيل كسب العيش. لأنهم في الغالب يأبّنون من يمتلك حزباً، او عشيرة، او قاعدة شعبية كبيرة او دولة تسنده. فحينما يؤبنونه يحاولون كسب جزء من تلك القاعدة او ود تلك الدولة، ليضيفوها الى رصيدهم. والشيخ ما كان يملك كل هذا. فلماذا تأبينه وتنبيه الناس عليه؟! فهذا الأمر قد يسبب أن يسأل الشباب النابه عنه وعن تاريخه وعن ما جرى أيّام المعارضة حينما تحوّلت الى مشروع إيراني وثمّ حينما أصبحت مشروعاً أمريكياً.

 

مشتاق عبدمناف الحلو

 

 

علجية عيشهل يمكن للإنسان أن ينسلخ عن جلده ويبدله بجلد آخر؟ لاشك أن الإقدام على هذا السلوك يعد انتحارا أو جنونا، فالهندي يظل هنديا حتى لو تكلم بلغة غير لغته الأصلية، وكذلك  الإيطالي والألماني والروسي والعربي  والمغاربي، والإفريقي، الأمر لا يتعلق بالعقيدة واللغة ليست عقيدة، بل هي جسر للتواصل، فلا أحد يمكنه أن يتنكر لجذوره وهذا يعبر عن الإعتزاز بالإنتماء، الأمر لا يتعلق بالعقيدة واللغة ليسا عقيدة، بل هي وسيلة للتواصل، ومن يريد أن يعرف تاريخ الجزائر من شباب الألفية الثالثة عليه العودة إلى ما كتبه رجال كانوا في مستوى عظمة المسؤولية بدءًا من مولود قاسم نايت بلقاسم، محمد الصغير غانم، أحمد توفيق المدني و امبارك الميلي وغيرهم

المعركة  في الجزائر هي  معركة لسانٍ وانتماء مهما اختلفت الحدود الجغرافية (شمال جنوب شرق غرب) إن جوهر الصراع هو أن نعرف من نحنُ؟، من أين جئنا؟، لماذا نعيش؟ ولمن؟،  وهل اختلافنا مع الآخر يحقق لنا نتيجة، إنه الصراع من أجل الهوية، أن نحافظ على هويتنا لا يتطلب تقديم تنازلات حتى لو غيّرنا شكلنا وانتقلنا إلى مكان آخر خارج حدود بلادنا،  فلا بمكن أن نغير هويتنا الأصلية أو نتخلى عنها، لأنها تعبّر عن جذورنا وأصولنا، أما إن تعلق الأمر بشيئ "مقدس"  (الدين) تكون لنا القدرة بل القناعة للتنازل عن شيئ كنا نراه مقدسا، أوكنا نقدسه، ذلك هو  المفكر والمؤرخ الجزائري العلامة مولود قاسم نايت بلقاسم الذي تنازل عن  لغته الأمازيغية ليستعمل اللغة العربية يخاطب بها غير الأمازيغي، فقد رضي عن نفسه أن يكون لسانه عربيُّ اعتزاز بدينه، لقد آثر العلامة مولود قاسم نايت بلقاسم اللغة العربية على اللغة الأمّ (الأمازيغية) لأنها لغة "القرآن" تعبيرا عن انتمائه للإسلام فلا فرق بين عربي وأمازيغي إذن، طالما يجمعهم رابط الدين، هذا الإيثار لا يعني أنه انسلخ عن جلده واستغنى عن لسانه الأصلي.

 أما الذين سماهم بـ: " المُخَرْبِشِين" ، الذين يريدون للآخر  أن ينسلخ عن جلده،  فمكرهم بلغ ذروته ويردون أن يخلقوا حالة من التمزق، وبالوقوف على شخصية العلامة مولود قاسم نايت بلقاسم وهو يتحدث عن شخصية الجزائر الدولية وهيبتها العالمية قبل 1830   وهو عنوان كتابه (في جزئه الأول والثاني) جعل من اللغة العربية همزة وصل بين الجزائر والقارئ العربي وهو النهج الذي سار عليه العلامة عبد الحميد ابن باديس المعتدّ بصنهاجيته (كأمازيغي) المعتز بعروبته وإسلامه، إذن لا يمكننا أن نلغي التاريخ، هذا التاريخ الذي قال عنه مولوود قاسم نايت بلقاسم "الإسمنت الروحي إذ فيه الدين والإيديولوجيا والسياسة لتقوية وحدة الأمّة وتعزيز تماسكها وتوطيد أركانها وتعميق الوعي بتلك الوحدة  وإذكاء الإحساس بذلك التماسك"، يقول مولود قاسم نايت بلقاسم: "إن التاريخ وسيلة لغرس حب الوطن لدى الشباب، ويؤكد عناصر الشخصية الأصيلة المنفتحة، في الوقت نفسه على ضرورات العصر بما لا يضر أصالتها ويضمن للأمة  الوجود المتميز الذي يكون عنوانا لها وبطاقة إنِّيَّتِهَا – أو تعريفها- بين الأمم، كَكُلٍّ  قائمِ بذاته وكجزء من كلٍّ أكبر منه ويشمله عربي، مغربي،  إسلامي بل إنساني عالمي، وبالتالي يشمله جزائري سواء كان عربي، أمازيغي، إباضي أو تارقي، فهو الأهم (أي التاريخ) في كل ثقافة، ليس فقط لإستخلاص الدروس أو التعريف بالأجداد ولكن أيضا لغرس الإعتداد بالنفس وتعميق الوعي بالذات وتقوية الإعتزاز بالوطن.

 وقد اهتم العلّامة مولود قاسم نايت بلقاسم بدبلوماسية الجزائر وعلاقاتها مع الدول العربية والأوروبية باعتبارها سيدة البحر البيض المتوسط منذ أكثر من ثلاثة قرون ولا تزال، وكانت الخصم اللدود لقوى الشر، ومكانت الحَكَم العادل بين الخصماء،  فكتاب شخصية الجزائر الدولية وهيبتها العالمية قبل 1830 كان ردا على هؤلاء الذين سمّاهم بـ: "المخربشين" الذين قالوا أن الجزائر لم تكن في يوم ما "أمّة" ومنهم (موريس طوريز، إذغار مور، شارل ديغول، جيسكار ديستان وغيرهم من القادة الأوربيين،  وردا كذلك على الصحفي المصري محمد حسنين هيكل الذي قال ايضا أنها لم تكن أبدا أمّة في التاريخ)، أمر معقول طبعا من هؤلاء الذين زيفوا تاريخ الأمة الجزائرية، فالعيب والعار من بعض ابنائها الذين تنكروا لتاريخهم،  فقد أرخ مولود قاسم نايت بلقاسم لعلاقات الجزائر الدبلوماسية مع دول اوروبا وعلاقاتها مع أفريقيا، كما أرخ للمقاومات الشعبية والمعاهدات التي ابرمتها الجزائر مع هذه الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية.

و لنتصور الأسلوب البلاغي الرفيع الذي اعتمده مولود قاسم نايت بلقاسم وهو يؤرخ لهذه الأحداث وكأنه عربيٌّ الجذور، أو كأنه أديب أو فيلسوف، إذ يقول في الجزء الأول من الكتاب: " وكان ظلم الحقيقة من ذوي القربى ظلما منقولا، أفليس الظلم من الأبناء مازوخية صارخة وتواطؤا مصقولا "، ويرد في الجزء الثاني من كتابه: " إن دولة الجزائريين التي بعثها بابا عروج بهذا الإسم سنة 1516م لم تكن إيالة ولا عيالة ولا خيالة ولا ذيالة ولا سيالة ولا شيالة (حمّالة) لأحد ولا جزء منه ولا تابعة له ولا ملحقة به، هي دولة جزائرية خالصة من الدولة النوميدية إلى الرستمية إلأى الزيرية، الحمادية إلى الزيانية إلى دولة الأمير عبد القادر إلى الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية ثم أخيرا إلأى الجمهورية الجزائلاية الديمقراطية الشعبية.

أراد مولود قاسم نايت بلقاسم أن يقول  أن العيب في الشعوب التي لم تسجل أحداثها وظلت خرساء بكماء، فالتاريخ ايضا سيبقى أخرس ابكم ساكتا عنها، لا يدرجها في سجلاته أو يعمد إلى ملء ذلك الفراغ الذي يستدعي الإنتباه باستعمال الشهادات الناقصة والمجحفة المُزَوَّرَة بالضروري التي تتمثل في الكتابات الرديئة التي يدلي بها أعدلؤ ثرثارون، كما ينتقد  الجزائريين الذين كانت لهم القدرة على  تدوين تاريخ الجزائر وأعمال الرجال وكشف الحقائق ولكنهم كانوا أميّين من حيث تسجيلها والإبانة عنها وإبرازها وتخليدها بالكتابة بالحرف للأجيال جهلا منهم بقيمة التاريخ واستخفاف بأهمية تسجيل الأحداث لإستخلاص العبر، إن خطاب مولود قاسم نايت بلقاسم (الأمازيغي) بلغة الضاد لهو رسالة للعروبيين، بأن المشكلة ليست في اللسان وإنما في الفكر،  فهو يخاكطب الوجدان ويستعمل المعاني التي تؤثر في النفس.

و يختتم المؤرخ مولود قاسم نايت بلقاسم كتابه (الجزء الثاني) : لقد ظن بعض الناس في وقت ما أنهم يستطيعون الإستغناء عن التاريخ،  ولايزال البعض حتى اليوم على هذا الرأي،  فهم يرون أن التاريخ ليس غبار الماضي الذي لا يجدي فتيلا، ولكن الماضي يظل مفعوله مستمرا حتى عندما يرفض البعض معرفته، هذا الرفض الذي ينتظر البعض أن يحررنا ولكنه في الحقيقة يضيق الخناق علينا ويعرضنا لأحداث يومية وتيارات جارفة، لأننا لا نعرف أسبابها التاريخية، ثم يضيف قائلا: إنه لا يمكن أن يأمل النجاة من أخطاء الماضي إلا من يعرفها، ولكن ليست معرفة الأخطاء فقط هي قصدنا من التاري، بل معرفة الصورة الكاملة للماضي، معرفة التاريخ كله، وهكذا فإن تاريخ أية أمة من الأمم مفتاح يؤدي إلى وطن فكري، روحي يخلق ألفة ويضمن أمنا وثقة بالنفس.

  من هذا المنطلق يمكن أن نفتح هنا قوسا (...) ونقول: ماذا يفيد إن كنا نتكلم عربي ولا نفكر عربي، فإسرائيل تتكلم عربي، وأصبح لسانها عربي لكنها  ظلت تحافظ على فكرها، هذه الملاحظة تقودنا إلى ما كتبه الدكتور عبد الله ركيبي في كتابه " عروبة الفكر والثقافة أولا" حيث قال: "إن تفكيرنا في كافة القضايا أو معظمها يوشك أن يكون مستوردا، جاءنا من الغير وتبنيناه نحن بلا فهم ولا تمحيص ولا تدقيق ووضعناه في رؤوسنا وحاولنا صبغه بصبغتنا، فلا هو تفكيرنا ولا هو نابع منّا، ولعل هذا هو السبب فيما نعانيه في بيئتنا العربية من اضطراب في الفكر والسلوك معا"، يقول الركيبي: إن مثل هذه القضايا لا تذوب ولا تتجمد ولا تتوقف، لأنها تحدد هوية الشعب وتصور واقعه وتطبعه بطابعها الخاص، كما أنها أيضا ترسم له مستقبله وهذا من شأنه أن يقضي على التشرذم والتمزق والتناحر

 

علجية عيش

 

 

 

عدنان الظاهرمرحباً يا صاحبي يا طيّب ويا أبا الطيّب وكل ما في الكون من طيوب، كيف أموركم؟ بخير، بخير… ماذا لديك من أخبار سارّة في هذا الصباح الباكر؟ إنها الساعة العاشرة يا عزيزي، فلا مجال لتسمية هذا الوقت بالصباح الباكر. قال صاحبي أعذرني يا أخي، فنحن سَكَنة كوكب المريخ لا نعرف الساعات ولا نفرِّق بين الساعة الثامنة صباحاً والساعة  الثانية عشرة ظُهراً على سبيل المثال. زماننا ثابتٌ متّصل لا قطع فيه لذا فإننا لا نحسُّ بفروق الزمن التي تعرفون على سطح (أو بطن) أُمِّكم الأرض. ثمَّ، لا ليلَ على كوكبنا فإنه مُضاءٌ ساطع لامع لا نعرف عَتمةً أو ظلاماً. بإختصار، نحن متفوقون عليكم فنحنُ الأعلوَن وأنتم الأدنوَن. صدقتَ أبا الطيّب صدقتْ، وما عرفتك إلاّ صادقاً وأميناً. نحن ما زلنا في مراتبنا الدنيا في حياتنا وفي آخرتنا. ضحك المتنبي أو تضاحك هازئاً رافضاً فكرةَ أن نكونَ متخلفين حتى في موتنا وفي دنيانا الأخرى. إندفعتُ شارحاً له الفروق الأساسية بيننا وبين الكثير من الشعوب الأخرى سواء في طقوس دفن الموتى وتفصيلاتها أو الفروق الهائلة بين مقابرهم ومقابرنا وكيفية بناء قبور موتاهم وموتانا. مقابرهم يا أبا الطيّب جناتٌ تجري من تحتها الأنهار لذا فإنَّ موتاهم خالدون أو كالخالدين. مطر من السماء ومياهٌ تحت الأرض، وزهورٌ ورياحين وشموع وصور ورخامٌ فوق الأرض ثمين محفورةٌ عليه أسماؤهم وتواريخ ميلادهم ووفاتهم. تظللهم الأشجار الباسقة ويزورهم ذووهم في شتى المناسبات. كان صاحبي يتابع ما أقول بشيء من الفضول. بعد فترة صمت سألني: وهل يُصيب المتوفى كل هذا النعيم مجاناً؟ قلت كلاّ، الناس هنا يستأجرون قبورهم بعقود، ويجددون هذه العقود  مرّةً كلَّ عشرة أعوام. قال وما الذي يحصل للمتوفى إذا ما عجز ذووه عن تجديد العقد؟ قلتُ ترفع الجهاتُ المسؤولة عن المقبرة رفات المرحوم وتضعها في مقبرة أخرى خاصة بالمجهولين أو من ذوي الدخول المحدودة أو الغرباء. قال وما مصير القبر الذي تركه صاحبه للسبب المذكور؟ يُستأجرُ من قِبلِ ذوي مرحومٍ جديد. هزَّ صاحبي رأسه مردداً: تماماً كما في الحياة، يتبدل المستأجِر وتبقى الدار المؤَجّرة هي هي لا تتبدل. ميّتٌ متحرك في العالم الآخر ودار في الدنيا ساكنة لا تتحرك. قال يبدو أنَّ مقابر [الغرب] تعجبك وتستهويك. قلتُ أجل يا أيها الخِضرُ الأخضرُ الغائب الدائم الحضور. تعجبني حتّى إني أتمنى أن أقضي فيها عمري !! ضحك صاحبي ثم قال إنها واللهِ لنكتة بارعة، يتمنى حيٌّ أن يقضي عمره في مقبرة للراحلين، أية أُمنية هذه؟ أطلَّ المرحومُ أبو العلاء المعرّي على شاشة الكومبيوتر مُنشِداً بعضَ شعر المتنبي:

يُدفِّنُ بعضُنا بعضاً وتمشي

آواخِرُنا على هامِ الأَوالي

إختفت صورة أبي العلاء، شيخ مِعرّة النعمان، قبل أن يتسنى لي أنْ أسأله عن تفاصيل رحلته الشهيرة في [رسالة الغُفران] التي زار خلالها الدار الأخرى وقابل الكثير من زملائه الشعراء وجادلهم في بعض شعرهم وكيف حاول دخول الجنة.

قال المتنبي لا عليك، سأقصُّ عليك ما عانى أبو العلاء من مَشقّات محاولاً الوصول إلى جنان الخُلد. كانت رحلة شاقة إبتدأها برضوان خازن الجنان فتملّقه بالكثير من الأشعار لكنَّ رضوانَ أنكرَ معرفته للشعر ثم قال له [إنكَّ لَغبين الرأي، أتأملُ أنْ آذنَ لك بغير إذنٍ من ربِّ العِزّة؟؟]. ترك رضوانَ وتوجّه إلى خازنٍ آخر من خَزَنَة الجنة يُقالُ له زُفَر. قرأ له وفيه أشعاراً كثيرةً كما فعل مع رضوان لعله يُشفِقُ أو يلين فلم يستجب. أُضطُر أبو العلاء أن يخاطبه قائلاً [رَحِمُك الله !كنّا في الدار الذاهبة نتقرّب إلى الرئيس والملك بالبيتين أو الثلاثة، فنجدُ عنده ما نُحب. وقد نظمتُ فيك ما لو جُمعَ لكان ديواناً، وكأنك ما سَمِعتَ زجمة، أي كلمة، فقال لا أشعرُ بالذي حممتَ، أي قصدتَ…]. علّقتُ قائلاً: مسكين أبو العلاء، يتملّق حرّاس أبواب جنات النعيم ـ وهو الضرير الضعيف ـ وينظم فيهم الشعر علّهم يفهمون فيفتحون له باباً من تلكم الأبواب الموصدة ولكنْ هيهات، لا من أمل لرجل كفيف فقير في دخول الجنة. قال صاحبي لا تتعجل الأمور، إصبرْ قليلاً حتى أنتهي من رواية ما أعرف من تفاصيل رحلة هذا الرجل الضرير إلى العالم الآخر إسراءً ومعراجاً ومحاولاته في أن يعيش هناك خالداً كما يحيا في الآخرة أصحاب النعيم الذي لم يعرف في الحياة الدنيا له لوناً أو طعماً. قلتُ آسف، أعتذر، تفضّل وأقصصْ عليَّ ما قرأتَ أيام بَطَرِك في كتاب (رسالة الغفران). قال أليس عندك ما نشربُ أو نأكل قبل أن أواصل الحديث فإنه حديث ذو شجون؟ قلتُ بل ما لذَّ وطاب. قال يرحم والديك، هات فإني لشديد الجوع. قال وما زالت يده في صحون الطعام: نصحه الخازن الثاني زُفَر أن يقابل (حمزة بن عبد المطَّلب). وجده مع نفرٍ من شهداء المسلمين في معركة أُحُد. عمل [أبياتاً على منهج كعب بن مالك التي رثى بها حمزة وأولها]:

صفيّةُ قومي ولا تعجزي

وبكّي النساءَ على حمزةِ

إقترب منه فنادى [يا سيدَ الشهداء، يا عمَّ رسولِ اللهِ، يا إبن عبد المطَّلِب!]. ثمَّ أنشده الأبيات فقال له [ويحك ! أفي مثل هذه المواطن تجيئني بالمديح؟]. إعتذر الرجل حمزة بن عبد المطلب لكنه بعث مع أبي العلاء رسولاً إلى إبن أخيه علي بن أبي طالب لكي يخاطب النبي في أمره. فلما قصَّ الرسولُ قصته على أمير المؤمنين قال لأبي العلاء [أين بيّنتك؟ يعني صحيفة حَسَناته]. وهل أدخله أمير المؤمنين الجنة؟ تساءلتُ وفي ريقي يبوسة وفي اللسان مرارة وفي النفس حاجةٌ لمعرفة مصير هذا الرجل الفريد. أترع لي صاحبي كأس شاي ثقيلٍ آخر ـ لعله السابع أو الثامن ـ ثم قال: تَلَهَّ بهذا الشراب ودعني أُكمل القصة. تذكّرت شراب أهل الجنة فتمنيت أنْ أعُبَّ من أنهارِخمرها ولبنها وعسلها ثم أستحمَّ فيها أبدَ الدهر. نعم، يا صاح، تفضّل، أكمل. قال المتنبي: ثم ذهب أبو العلاء ليقابل فاطمةَ الزهراء زوج عليٍّ وإبنة الرسول الكريم فقال لها نفرٌ من آل أبي طالب [هذا وليٌّ من أوليائنا قد صحّتْ توبَتهُ ولا ريبَ إنه من أهل الجنّة وقد توسّل بنا إليكِ، صلّى الله عليكِ، في أنْ يُراحَ من أهوال الموقِف ويصيرَ إلى الجنّة فيتعجّل الفوز. فقالت لأخيها إبراهيمَ، صلّى الله عليه، دونكَ الرجل. فقال لي: تعلّقْ برِكابي. وجعلتْ تلك الخيلُ تُخلّلُ الناس وتنكشف لها الأمم والأجيال، فلما عَظُمَ الزَحامُ طارت في الهواء وأنا متعلِّقٌ بالرِكاب]. إنها والله لقصة طريفة يا أبا الطيّب، لكأنك تقص عليَّ حُلُماً أو شيئاً مما يعرض لبعض الناس في لحظات الغيبوبة. قال إنها قصة حقيقية لم أقم بتأليفها من بنات أفكاري لأقصها عليك وأشغلك بها عن الكثير من أمور دنياك الفانية. تعلّم يا رجل وأفهم الطريق السليم لدخول الجنة. ألا تتعلم من الغير وتتعظ بسواك؟ بقيتُ صامتاً لا أصدِّق ما يقول صاحبي، لا أُريدُ أن أُصدِق. لا أملَ لي في دخول الجنة. بل لا رغبة لديَّ في دخولها حتى لو جاءتني مجاناً. أأطمعُ في دخولِ جنّات السماء وما زالت أرض العراق مُحرَّمةً عليَّ وأبوابه مُوصَدةً أو كالموصدة في وجهي؟ قرأ المتنبي أفكاري وما كان يدور في خلدي فإبتسم وهو يعب الشاي عبّاً ثم قال: زهدَ في الجنة قبلك الكثير من البشر. ثم قد ندموا إذ ماتوا وفات الآوانُ حيث لا ينفع ندمٌ. ثم سألني هي يواصل الحديث أم يسكت؟ إمضِ يا أبا الطيّب، إمضِ، حديثك مُغرٍ ومُسلٍّ، ولعله أن يغيّرَ موقفي من دخول الجنة. قال مثلك كأبليس عنيد لا يتغير. أقصُّ عليك قصة أبي العلاء لا طمعاً في أن تتغير فتعدل عن رفضك لدخول الجنّة، إنما لكي أُسليّك وأخفف عنك شيئاً من همومك. طيّب يا أبا الطيب، واصل حديثك: وصل المسكين أبو العلاء إلى الصراط المستقيم فلم يستطعْ عبوره. قال: [… فوجدتني لا أستمسك. فقالت الزهراء صلّى الله عليها لجاريةٍ من جواريها: يا فُلانة أجيزيه. فجَعَلتْ تُمارِسُني وأنا أتساقط عن يمينٍ وشَمال … فلما جزتُ قالت الزهراءُ عليها السلام: قد وهبنا لك هذه الجارية، فخذها كي تخدمك في الجنان]. علّقتُ قائلاً: ألا نِعمَ ما وهبت الفاطمةُ الزهراء، فأبو العلاء رجل كفيف البصر وطالما كان في حياته يقول (أنا المستعين بغيره). ستعينه لا شكَّ هذه الجارية. ثم؟ ثم وصل الرجلُ أخيراً إلى مدخل الجنّة ليجد رضوان خازنها أمامه فيسأله هذا هل معه من جواز؟ فيقولُ لا. وكان جواب رضوان قاسياً صارماً [لا سبيلَ لك إلى الدخول إلاَ به]. مسكين أبو العلاء، رهين المحبسين، ما رأى الراحة في حياته وحُرِم منها في مماته، فأين العدالة يا أبا الطيّب؟ قال ألم أقلْ لك إصبرْ ولا تتعجلْ الأمور، فلكل شأن ميقات معلوم وأَجَلٌ مقدور؟ إصبر وتعلّم مني مطاوعة الزمن والتكيّف لأحكامه وتقبّل ضرباته ومفاجآته. حاولْ أن تفهم قانون الزمن الأبدي الذي يتحكم بالكون لا بالبشر حسبُ. كنتُ أُصغي لما يقول صاحبي وأستعرض سِفرَ حياتي وما فعل به الزمن وما قد خطَّ عليه من سطور وما حفرَ عليه من لوحات وملاحم. إعتذرتُ لصاحبي ثانيةً وإلتمستُ منه أن يواصل حكايته مع تلميذه أبي العلاء. قال: لم يتخلَ عنه إبراهيمُ وقد مكّنه من الوصول إلى الباب. هل تعرف ما فعل إبراهيمُ في تلكم اللحظات الحرجة؟ قلتُ كلاّ، لا أعرف. (ما كنتُ يا عمّ فيهم). قال على الفور: قبّحَ اللهُ وجهك. كان هذا جواب قيس حين سأله عمه والد ليلى (أين كنتَ إذن؟). ضحكنا كأننا ما عرفنا الضحك قبلاً. ضحكنا وتناولنا المزيد من أقداح الشاي المستورد من بساتين جنات الخُلد المُداف بالعسل المصفّى تحف بها أباريقُ ألبانِ الجنانِ التي لا تتأسّن ولا يصيبها تَلَفٌ مهما طال عليها الزمن. واصل صاحبي كلامه ليقول: لم يتخلَ إبراهيم عن الشاعر الضرير وكيف يتخلى عنه وهو من أتى به حتى أبواب الجنة. فلما رأى موقف رضوان الخازن المتعنت وغير المُنصِف بحق أبي علاء إلتفتَ وقد تخلّف عنه ثم [رجعَ إليَّ فجذبني جذبةً حصَّلَني بها في الجنّة]… حسب ما قراتُ في كتاب رسالة الغفران. تنهدّتُ بعمق ثم قلتُ: الحمد لله، دخل الجنّةَ أخيراً أبو العلاء المعرّي. دخلها شاعر ومفكِّرٌ كفيف ورجلٌ قرمطي إسماعيلي مُتَّهمٌ أو مشكوكٌ في دينه. هممتُ أن أسألَ صاحبي ألديه رغبة في دخولها؟ لكني أحجمت. أعرف أن الرجل مثلي راغبٌ عنها لا فيها. بعد فترة راحة قصيرة أغمض كلانا فيها عينيه للإسترخاء، إلتفتُّ إلى صاحبي فوجدته مهموماً محزوناً كمن فقد عزيزاً. ما بكَ يا صاحْ؟ قال أحزنني غياب تلميذي النجيب المفاجيء. كنتُ مسروراً برؤيته على شاشة الكومبيوتر. أردتُ أنْ أُوجِّه إليه الكثير من الأسئلة لكنه آثرَ ـ على ما يبدو ـ فُرقتَنا والغيبةَ عنا لأسباب مجهولة. ما زال الرجلُ شديدَ الحَذرِ من البشرِ ويكره السفرَ والأسباب معلومة. ويتوجس من زيارة بغداد ثانيةً بعد أن أهانه [الشريفُ المُرتضى] ضيفاً في مجلسه. الأشراف يهينون الشعراء ويستهينون بالضعفاء منهم وذوي العاهات. تركتُ صاحبي يُنهي كلامه فسألته عمّا يدور في خاطره من أسئلة كان يود أن يوجهها لأبي العلاء. قال سأوجهها له حين يُطلُّ علينا ثانيةً، أو حين تستضيفه فضائية [الفيحاء] في برنامج خاص ويوجه له الدكتور [هشام الديوان] بإسم الحكومة العراقية الحالية ووزير ثقافتها دعوةً رسمية لزيارة العراق للإطلاّع على ما جرى فيه بعد سقوط [هُبَلْ]… صنم بغداد وتكريت، من تغييرات هائلة سواء في مجال الأمن أو السياسة والإقتصاد ثُمَّ ـ نعم، ثُمَّ !!! ـ الثقافة. لكنك قلت قبل قليل إنَّ الرجلَ يتوجس من زيارة بغداد بعد أنْ أساء بعض (أشرافها) التصرف معه. قال حدث له ذلك مع البعض من ذوي الحظوة والنفوذ في بغداد. لكنْ كانت له علاقات جدَّ متينة مع البعض الآخر وفيهم الكثير من أدباء ومثقفي العراق ومنهم رجل يسميه صاحب الدولة هو [أبو أحمد عبد السلام بن الحسن البصري] الذي كان يُكثِر عنده أيامَ إقامته في بغداد، على حدِّ قول أبي العلاء نفسه في ديوانه " سَقْط الزَنْد " في مُقدِمة القصيدة المسماة (أمير المغاني). ثم لا تنسَ  علاقاته المتينة مع خازن دار العلم ببغداد الذي خصّه بقصيدة أسماها (ما قسطوا إلاّ على المالِ). لا أعرف إسم هذا الخازن إذ لم يذكره أبو العلاء. أرجو الإنتباه إلى أمرين: علاقة متينة مع إبن الرجل الشهير الحسن البصري، وعلاقة ثانية هي الأخرى متينة مع الرجل المسؤول عن مكتبة دار العلم في بغداد. فأية بوصلة كان يهتدي بها هذا الرجل الكفيف الضعيف الزاهد في الحياة؟ أية قوّةٍ تجذبه لمثل هذين الرجلين؟ لكأنَّ روحه في الكتب والدار التي تخزنها وتحويها. قال في بعض أبيات هذه القصيدة ما يشير بقوة إلى شدة تعلّقه ببغداد حتى إنه يتوسل أن يعلِّمه علماءُ الجانبين (الكرخ والرُصافة) ما يسميه ب (عِلم السلوّ):

خليليَّ ! لا يخفى انحساري عن الصِبا

فحُلاّ  إساري، قد  أضرَّ  بيَ   الربطُ

 

ولي  حاجةٌ  عند  العراقِ  وأهلهِ

فإنْ تقضياها، فالجزاءُ هو الشرطُ

 

سَلا  عُلماءَ  الجانبينِ،   وفتيةً

أبنُّوهُما، حتّى مفارِقُهمْ شُمطُ

 

أَعندَهُمُ  علمُ   السلوِّ   لسائلٍ

به الركبَ، لم يعرفْ أماكنَهُ قطُّ؟

 

ولعلمك، أضاف المتنبي، كتب في بغداد والعراق غير قليل من الأشعارالرائعة،

هل تريد أن تسمع نماذجَ من حنينه وحبه وشوقه لبغداد وما كال من مدائح

فيها؟ أجبتُ كالمَشوقِ المستهام أجلْ، هيا يا أبا الطيب، ومن مثلك يجيد فن السرد وقراءة الشعر؟ قال في قصيدة (إهدِ السلامَ إلى عبد السلام):

يا عارِضاً  راحَ  تحدوهُ   بوارقهُ

للكرخِ، سُلِّمتَ من غيثٍ ونُجِّيتا

 

لنا ببغدادَ من نهوى تحيتَهُ

فإنْ تحملّتها عنا فحُيّيتا

 

سَقياً لدجلةَ والدنيا مُفرِّقةٌ

حتى يعودَ اجتماعُ النجمِ تشتيتا

 

وبعدها لا أُريدُ الشَربَ من نَهَرٍ

كأنما أنا من أصحابِ طالوتا

 

أعدُّ من صلواتي حِفظُ عهدكُمُ

إنَّ الصلاةَ كتابٌ كان موقوتا

كنتُ أتمايل إذ كان صاحبي يُغرّد بإنشاد شعر أبي العلاء. كنتُ منتشياً إذ أسمع عبارات الود الصادق لبغداد وساكنيها وشوقه لماء دجلة الذي سبق وأن قال فيه (شربنا ماءَ دِجلةَ خيرَ ماءٍ // وزُرنا أشرفَ الشَجرِ النخيلا). كنتُ كالغائب عن وعيه. تركني صاحبي لشأني برهةً من الزمن ثم سألني رأيي فيما قرأ من أشعار. قلت متململاً: ألا ترى شَبَهاً كبيراً بين البيتين الأولين وبعض ما قال الشاعر الأندلسي إبن زيدون من شعر في صاحبته ولاّدة بنت المستكفي؟ قال تقصد البيتين:

يا ساريَ البرقِ غادِ القصرَ واسقِ به

من كانَ صِرفَ الهوى والودِ يسقينا

 

ويا  نسيمَ   الصَبا  بلِّغْ     تحيتَنا

من لو على البُعدِ حيّا كان يُحيينا

قلتُ أجل. قال نعم، هنالك مشابه كثيرة ولكن لا تنسَ: يأخذ الشعراء من غيرهم ويعطون. يؤثِّرون ويتأثرون وهم في نهاية الأمر زملاء في المهنة وأقارب دون رَحِم، ونسيج عصبي واحد وتركيب نفساني مشترك وتنظيم نقابي واحد هو: إتحاد الغاوين الهائمين في كل وادٍ والقائلين وليسوا فاعلين [والشعراءُ يتبِّعُهمُ الغاوون. ألمْ ترَ أنّهم في كلِّ وادٍ يهيمون. وأنهم يقولونَ ما لا يفعلون / من سورة الشعراء].  عدتُ أسأل صاحبي وهل في رأسه أشعارٌ أخرى قالها أبو العلاء في العراق أو في أهل العراق؟ قال إنَّ في رأسي الكثير لكني سأقرأ عليك الأقل من القليل. قال أبو العلاء المعري مُودِّعاً بغداد في قصيدةٍ إسمها " ليتَ حِمامي حُمَّ في بلادكم ":

أُودِّعكمْ يا أهلَ بغدادَ والحشا

على زَفَراتٍ ما يَنينَ من اللَذعِ

 

وداعَ  ضنىً  لم يستقِلَّ   وإنما

تحاملَ من بَعدِ العِثارِ على ظَلعِ

 

فبئسَ البديلُ الشامُ منكمْ وأهلهُ

على أنّهم  قومي وبينهمُ  رَبعي

 

ألا   زوِّدوني   شَربةً  ولو أنني

قَدَرتُ، إذاً أفنيتُ دِجلةَ بالجرعِ

 

وأنّى لنا من ماءِ دِجلةَ نُغبَةٌ

على الخِمسِ من بُعدِ المفاوزِ والرِبعِ

 

غُذيتُ النعامَ الرَوحَ دون مزارِكمْ

وأسهرني زأرُ الضراغمةِ الفُدْعِ

 

لَبِستُ حِداداً بعدَكمْ كلَّ ليلةٍ

من الدُهمِ لا الغُرِّ الحِسانِ ولا الدُرعِ

 

أظنُّ الليالي وهي خُونٌ غوادرٌ

بردّي إلى بغدادَ ضيِّقةَ الذَرعِ

 

وكانَ اختياري أنْ أموتَ لديكُمُ

حميداً فما ألفيتُ ذلكَ في الوِسعِ

 

فليتَ حِمامي حُمَّ لي في بلادِكمْ

وجالت رِمامي في رياحكمُ المِسعِ

صحوتُ من إغفاءة النشوة وسحر الإلقاء وصدق عاطفة أبي العلاء وشدة تأثره بإقامته في بغداد. صحوت ولم أفتح عينيَّ إلاّ وقد وجدتُ نفسي وحيداً. إختفى صاحبي. أنجز ما عليه وقام به خير قيام فغاب، كعادته التي أَلِفتُ. غاب دون كلمة وداع. غاب المتنبي وهو المُغرَم بها فظهر أمامي وجه شيخ معرّة النعمان شاحباً كئيباً فسألته ما الخير؟ قال إنه أحسَّ أنَّ لديَّ بعض الأمور التي أروم تداولها معه، وأنَّ لديَّ أخباراً أودُّ أن أقصها عليه فسارع بالعودة تاركاً وراءه جنّاتِ الخُلْد وحورَ العِين والوِلدانِ المُخَلَّدين وأنهار اللبن والعسل والخندريس وكؤوسَ الفضة وصِحافَ الذهبِ والزَبَرجد والزُمرّد والياقوت. قلت له لم يبقَ شيء عنك لم يقصّه لي أستاذك المتنبي بعد أن تركتنا وعُدتَ بسرعة البرق إلى كِناس ظِبائك في الجنائن المُعلَّقة. قال بلى، في صدرك أمر لا بدَّ أنك مُفضيهِ إليَّ عاجلاً أم آجلاً. قلت له: ها قد تذكّرتُ، إنك لعلى حق، كل الحق يا سيدي الضرير الذي فاق جميع أهل البصرِ والبصائر. معك حق، أردتُ أن أسألك هل قرأ الشاعر الإيطالي (دانتي) كتابك (رسالة الغفران) فتأثّر به وأخذ منك أموراً كتبها بعدك بقرون في كتابه الشهير ب (الكوميديا الآلهية)؟ قال لم أقرأ كتاب الكوميديا الإلهية وما سبق وأنْ تشرّفت بمعرفة هذا الرجل الطلياني لا في حياتي ولا في الآخرة. لذا لا أستطيع أن أؤكدَّ أو أنفي هل أخذ الرجل مني وهل تأثر بكتابي أمْ لا. الحكم متروك لكم أنتم الأحياء ـ الأموات. قلت له يا سيدي ونور عيوني ومهجة قلبي جُعِلتَ فداك، أردتُ أن أقولَ لك إنَّ هذا الشاعر الإيطالي المولود في مدينة فلورنسة قد قسّم الجحيم إلى مناطق أو دوائر متداخلة لها مركز واحد. ثم قسّم الجحيم ـ وهوالنار بلغتنا نحن المسلمين ـ  إلى جحيم خارجي وآخر داخلي. فهل تجدُ شَبَهاً في هذا التقسيم ولو ضئيلاً بينه وبين تقسيمك للعالم الآخر إلى جنة ونار ثم منطقة ثالثة أطلقت عليها إسم (في أقصى  الجنّة)، حيث وجدتَ الخنساء جاءت لتنظرَ أخاها صخراً فوَجَدَته (كالجبل الشامخ والنارُ تضطرمُ في رأسه)… حسبَ زعمها في بعض ما قالت من شعر في رثاء أخيها:

 

وإنَّ صَخَراً لتأتمُّ الهُداةُ بهِ

كأنه عَلَمٌ في رأسهِ نارُ

قال لا أرى أيَّ وجهٍ للشبه. وصفت الجنة ومن وجدت من أهلها فيها ووصفت حال أهل النار من زملائي الشعراء وغيرهم من أئمة اللغة والنحو. هذا هو التقسيم الذي إعتمدتُ وإنه كما تعلم لا يعود أصلاً لي، إنما هو التقسيم الثنائي الذي عرفناه في قرآننا ولا أكثر من ذلك. الشاعر دانتي ما كان مسلماً، لذا فلقد متّع نفسه بأقصى ما يمكن من دَرجات الخيال والتصرف وإبداع العوالم التي يريد أن يُحلِّقَ فيها ويقول ما يريد أن يقول بمطلق حريته حيث لا حاكم أو سلطان يسجنه ولا معتوه يقطع رأسه ولا مأفون مشبوه يغتاله بالسموم. أبدع هذا الرجل أموراً لم يعرفها زماننا لأنه جاء بعدنا بقرون، فضلاً عمّا كان يتمتع به من أجواء الحرية شبه المطلقة. من المحتمل إنه ـ كشاعر إيطالي، وإيطاليا ليست بعيدة عن الشمال الإفريقي ـ سمع بكتاب رسالة الغفران أو ربما قرأ شيئاً منه مُتَرجماً إلى اللغة الطليانية، لكني أجزم أنَّ الرجل لم يقلدني في أمري ولم يتأثر بما كتبتُ في كتابي وإنَّ الفروق ما بين الكتابين لأكبر من الشُبُهات. أحسنتَ عزيزي أبا العلاء، أحسنتَ، بارك الله فيك. قد أفاجئك بالقول إنَّ دانتي ذكر في كتابه كلاًّ من القائد صلاح الدين الأيوبي والفيلسوف إبن سينا. بل وذكر كلاًّ من سمير أميس الآشورية أو البابلية ثم كليوباترا التي يُقال عنها إنها كانت تنتمي إلى آخر سلالات فراعنة مصر. وكانت معه في كتابه صديقته (بياتريس) وأُستاذه (فرجيل). قال بلهجة عتب خفيف: أفلم يكن معي صديقي إبن القارح علي بن منصور؟ وهل نسيتَ حديث الجارية التي ساعدتني في عبور الصراط المستقيم بأمر سيدتنا فاطمة الزهراء ومن ثُمَّ وهبتني إياها كيما تخدمني في الجنان؟! إعتذرتُ وطلبت الصفحَ والمغفرة.

متى نلتقي مرةً أخرى سيدي شيخ المعرة ورهين المحبسين؟ قال ذاك يتوقف على مزاج صاحبك المتنبي. كان دوماً يقول: لا مكانَ واحداً لشاعرين عظيمين ولا يجمعهما زمنٌ واحد. قلتُ أفلا يجمعهما موتٌ واحد؟ قال ذلك شأن آخر. مقاييس الآخرة والعالم الآخر تختلف عما هو مألوف ومعروف في الدنيا أو الدنيّة أو العاجلة. بلى، يجتمع الموتى وإنْ كانوا عِظاماً أو رُفاتاً للعظماء. الرميم يتوق للرميم.

 

د. عدنان الظاهر

.....................

هوامش

1- كتاب رسالة الغفران لأبي العلاء المعرّي (الطبعة الأولى 1990 . دار الكتب العلمية. بيروت، لبنان).

2-  ديوان سقط الزَنْد لأبي العلاء المعرّي (دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت 1980).

3- القرآن الكريم.

 

قلولي بن ساعدلم تسعف الحياة كثيرا بختي بن عودة (1961/ 1995)، الذي غادر الحياة إثر إغتيال جبان في ما كان يعرف في التسعينيات من القرن المنصرم "بالحرب الأهلية الجزائرية". فقد فاجأه الموت وهو في عز شبابه، وخلال السنوات القصيرة التي عاشها وإنخرط في الكتابة موزعا بين العمل الصحفي والهاجس النقدي الذي ميز كل مساره القصير وهو مسار مكثف تبنى فيه قضايا الإختلاف والغيرية والتفكيك.

و لم تكن السنوات القصيرة التي عاشها كافية لإستكمال مشروعه النقدي الذي كان يمكن له أن يرمم بعض فجوات النص الإبداعي الجزائري ومساحات تمفصله السردية منها أو الشعرية. ومن ثم إكتشاف قواعد "إنتاجية نصية " بتعبير جوليا كريستيفا لا على شكل متتاليات أو إضاءات ماقبلية على النص كوصفة جاهزة وإنما.

في صورة إعادة إنتاج تعمل على فتح منافذ النص والإبقاء عليه قابلا للقراءة المستمرة المتعددة الأبعاد والمستويات.

بما يشبه " النقد المزددوج "  بمفهوم عبد الكبير الخطيبي لا نتمكن قط من الإنتهاء منه وإستنفاذ أسئلتنا اللاشعورية حوله ضمن دائرة "التعاضد التأويلي للنصوص " مثلما يسميها أمبيرتو إيكو التي أصبحت الموجه الأساسي لتيارات التفكيك والتأويل في النقد الذي كرس له بختي بن عودة كل جهده.

هذا فضلا عن جهوده في حقلي الترجمة والشعر/ الترجمة التي أولاها أيضا أهمية كبرى وقدم بشأنها على الصعيد النظري دراسة مهمة بعنوان " الترجمة ونسق التطابق " مقتربا كعادته من إنتاجية مفهوم ديريدا للترجمة في عدم فصل الأثر المترجم عن الإختلاف تمييزا له عن مفهوم الخطاب والممارسات الخطابية المتحررة من " نظام الخطاب "  عند فوكو والنص عند رولان بارت،  لينقل إلى لعتنا العربية دراسات ومقالات عديدة منها دراسة للروائي مولود معمري عن " الشفوية / الخطاب والبربرية " ودراسة أخرى للشاعر محمد سحابة عن " الشعر الجزائري ذي اللسان الفرنسي بعد الإستقلال".

ودراسات أخرى لديريدا وعبد الكبير الخطيبي نشرها بمجلات عربية مرموقة.

الخطيبي الذي خصه أيضا بدراسة جامعية تحدث فيها عن " ظاهرة الكتابة في النقد الجديد / مقاربة تأويلية الخطيبي أنموذجا "،  مفككا (ظاهرة الكتابة عند عبد الكبير الخطيبي) بحس تأويلي منظورا إليه من زاوية تفكيكية صاغها بهدف تجسير فجوات القراءة لخطاب الخطيبي.

في السياق الذي تشكل فيه بوصفه ناقدا وسوسيولوجيا لا زالت حفرياته تحافظ على راهنيتها وعلى (إنتاجيتها النصية) بتعبير كريستيفا، الإنتاجية التي لم تستنفذ بعد نزوعها في إستقصاء ما يربض خلف ماكنة (النقد المزدوج).

لقد تنبه بختي بن عودة مبكرا لضرورة الإنفتاح على الفتوحات المعرفية لمنظومات النقد الغربية المتركزة حول ذاتها أو الخارجة سلطة اللوغوس،  إيمانا منه بأن هناك قطيعة إبستمولوجية كبيرة بين النص الأدبي الجزائري والتحولات التي عرفتها المعرفة النقدية في العلوم الإجتماعية والإنسانية.

مخلصا لفلسفة التفكيك / تفكيكية ديريدا الذي كان أول ناقد جزائري يدعوا لمارستها وإخضاع النص الإبداعي العربي لبعض نتائجها، الأمر الذي جعل ناقدا عربيا هو الناقد البحريني محمد أحمد البنكي يخصص له فصلا من كتابه (دريدا عربيا قراءة التفكيك في الفكر النقدي) حمل عنوان (التفكيك بوصفه خلاصا قراءة بختي بن عودة).

وقد إعتبره حامل لواء التفكيك والقارئ للخطيبي بأصداء دريدية بنوع الحماس الذي يقول محمد أحمد البنكي الذي تجاوز جتى إستلهام الخطيبي لديريدا.

الإنفتاح الذي لم يحل بينه وبين إستقراء المحمول العلاماتي للتبيين بالعودة إلى مفهوم (السمة) كما جاء في (البيان و التبيين) للجاحظ كمعادل موضوعي لما أصبح يسمى في الدرس النقدي الحديث العلامة أو العلامية.

هذا ما نلمسه في إفتتاحيته لآخر عدد أشرف عليه من مجلة (التبيين) الجزائرية والتي إعتبرها "قراءة غير بريئة في التبيين " وهو يرأس تحريرها.

ويزداد الأمر تفاقما حين نتأمل لغة بختي بن عودة المفهومية  الغائرة في النسق المفهومي للفلسفة الغربية، وهي من هذه الناحية تتناص مع رؤية الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز للإبداع المفهومي أو إبداع المفاهيم.

عندما كان يرى بأنه لا خير في ناقد أو فيلسوف لا يبدع مفهومه الخاص أو مفاهيمه الخاصة في لغة مفهومية ضمن حالة كان يهدف ين عودة من خلالها إلى التحرر من "اللغة الأبوية المهيمنة "، إنطلاقا من ذلك التحليل السيميولوجي الذي يقدمه رولان بارت والقاضي بأن لكل " لغة تصنيف وأن كل تصنيف ينطوي على نوع من القهر".

وهي معادلة لغوية يصعب تقبلها أو إقناع المثقف التقليدي بها.

ومع ذلك فقد ترك بختي بن عودة بعض إرهاصاتها الأولية، في زمن ثقافي جزائري كان شديد القسوة، ولا يقبل بأي خروج عن قيم الطاعة اللغوية، حتى ولوكان ذلك بهدف تحديث لغة الأنا لتخليصها من ميتافيزيقا الهيمنة وجعلها بتعبير محمد عابد الجابري قابلة " لأن تعيش معنا مشاغل عصرنا ".

بدل أن نرد ذلك إلى نظرية المؤامرة وما أدراك!.

 

قلولي بن ساعد / كاتب وناقد جزائري .

 

 

2774 عبد الهادي الجواهريهو عبد الهادي بن عبد الحسين بن عبد علي، بن محمد حسن (صاحب كتاب جواهر الكلام).  ولد في مدينة النجف (جنوبي العراق) وتوفي ودفن فيها. عاش في العراق (1904-1973)، وزار مصر وفلسطين والهند وبعض إمارات الجزيرة العربية واليمن. تعهده أخوه الشاعرعبدالعزيز في طفولته بالتوجيه وأقرأه المقدمات. ثم تعلم على يد أساتذة وشيوخ معروفين منهم قاسم محيي الدين، ومحمد علي الجواهري، وتلقى علوم البلاغة ودرس النحو والصرف، ثم اتجه إلى التعليم الحديث وتوقف قبل أن يكمل المرحلة المتوسطة.عُيّن معلماً في وزارة المعارف العراقية في مدينة العمارة وفي "المدرسة الأدبية"عام 1934م. ثم فصل بسبب اعتقاله. وعندما أطلق سراحه رجع إلى وظيفته. وكان لديه متسع من الوقت وكتب كتابه حول مدينة  العمارة في عام 1938 " العمارة بلد الوحي والنعيم".

إن شاعرنا وكاتبنا المنسي عبد الهادي الجواهري هو كاتب وصحفي ومحقق وشاعر، ويعد من شعراء النجف الاشرف، ورث الشعر من والده الشيخ والشاعر عبد الحسين الجواهري وشقيقيه عبد العزيز الجواهري ومحمد مهدي الجواهري، لذلك كان الشعر حقاً طبيعة تشكيل لهذه العائلة الجواهرية. ترك عبد الهادي الجواهري مجموعات كتب وبعضها مسودات لم يُكتب لها فرصة النشر. وترك مجموعة من القصائد لم تر النور لسوء الحظ. وقد تنوعت الأغراض الشعرية بين النحيب والتأبين والمداعبة والوطنية .. ..الخ ، كانت من النوع التقليدي حملت مضامين مصحوبة بروح عصر الشاعر، لأنها بدت تنويراً وتحررياً كدعوته للعدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة بالعدل والعدالة للفقراء ودعوة المظلوم ومحاربة الظالمين. الطاغية والمستعمر ... إلخ.

وكان الشاعر عبد الهادي الجواهري من محبي السفر والترحال، اذ بدأ شبابه بجولة في ربوع الخليج، مبتدءا من الكويت فالبحرين فمسقط وعمان، ثم أبحر إلى الهند ودخل منها بومباي وكلكتة ورامبو وحيدر آباد، ورجع الى عدن فاليمن وبقى فيها زهاء ستة اشهر، ورجع منها الى العسير فالحجاز فنجد فمصر ودخل فلسطين وسوريا ولبنان، واستمر في مجموع جولته اكثر من ستة وعشرين شهرا.

بعد عودته من سفراته، أصدر مجلة «السائح» لكنها توقفت بعد صدور العدد الأول، كما أنه آزر حركة العقداء الأربعة في عام 1941 ضد الإحتلال البريطاني، وحكم عليه بالسجن لمدة أربع سنوات، قضى في سجن الفاو سنتين مع الدكتور عبد الهادي محبوبة، رئيس جامعة البصرة لاحقاً، وأصيب بمرض السل في السجن، وعلى أثر مساعٍ ذلك، بذل شقيقه الشاعر محمد مهدي الجواهري جهوده، وأطلق سراحه ولقي علاجه في بيت الجواهري في الجعيفر على نهر دجلة.

ويورد الخاقاني نماذج من شعره في كتاب: «شعراء الغري»، وله ديوان مخطوط ضم أكثر من ثلاثة آلاف بيت. وله عدة مؤلفات نثرية في مجالات متنوعة منها: "العمارة قديمًا وحديثًا" و تأريخ وتعليل - بغداد 1939، و"الوثبة" وهو سجل تاريخي للحركة العراقية في 1941 المسماة حركة العقداء الأربعة وهو تأليف مشترك، وله مؤلف بعنوان: "الديوانية". إلتزم الشاعر عبد الهادي الجواهري بالبناء الشعري العمودي ونظم في أغراضه، وتميزت لغته بدقة التعبير وحسن الصياغة وجدة الصور والأخيلة، ويعكس شعره صدق الإحساس وقوة العاطفة.

زار عبدالهادي الجواهري اليمن عام 1933م ووصف صنعاء بقصيدة رائعة التي تعبر عن إعجابه ودهشته بمدينة صنعاء. فكل بيت في القصيدة يرتبط بمعنى لطيف وجميل في وصف مدينة صنعاء وجمالها وتاريخها، وفي بعض أبياته قال:

صنعاء يا دار الحضارة والعُلا/ ومقر كل سميدع ومليكِ

سعدت بمرآك النفوس وهكذا/ لا زال تسعد نفسه رائيك

باريسُ دونك في الجمال ولندن/ وعواصم الرومان والأمريك

فجمال تلك مزخرفٌ متكلفٌ / وجمالك المطبوع من باريك

قد هجت بلبالي بحسن مناظرٍ/ وجذبت قلبي جذبة المنهوك

ما هذه الأرياف ما هذي الربا/ ما الروض ما ورد الخميلة فيك؟!

ما الماء يجري سلسلاً متشابكا/ ما الطير يشدو في ربا واديك؟!

مــــا (مــــأربٌ) مـــــا ســـــــده مــــــا/ (حميـــــــرٌ) ما (تبعٌ) كلٌ أرى يعنيك؟!

مــــــا الـــــهـــدهـــــد السيـــار /ما  نبـــــأ له إن الذي في شرحه يغنيــك

- ورثى أخيه جعفر لجواهري، شهيد وثبة كانون عام 1948 قائلاً:

قسما بوجهكَ مشرقا لا ينثني/  وبه بماء شبيهه يتعصرُ

بتحرك الزاهي ترقرق ماؤه /بالبشر ريان الاهاب ينور

وبه التوى – ياليت نحري دونه/ اسفا كقلبٍ بالفجيعة يهصر

وبصدرك الزاكي يفيض امانيا/ وقد انطوى فيه النسيج الاكبر

والذكريات تحيط بيتاً باكيا/ اين اتجهت فثمّ انتَ تُصوّر

لن تبرح الذكرى تثير خواطري/ اذ انت فيها كل آنٍ تخطر

ولّى، واشلاء الشباب تمزقت/ برصاص شرطته البواسل يفخر

حسب البطولة منك رميّك اعزلاً/ وهي الفخار فاين منها (عنترُ)

يانبعة الدوح الاثيل ونبتة الروض الجميل به تعالى منجــر

ومغانة الحدباء جعفر يارؤى، روحي ونوط حشاشتي يا(جعفـرُ)

ويد الاخوة والمروءة والوفا/ وعزايّ عند ملمة اذ تحضر

ومنارة الامل البسيم تشع من عليائه، وهدايّ اذ اتعثــرُ

وأنشد للفنانة اللبنانية فيروز، اواخر الخمسينات قصيدة وقعها بأسم ابنته البكر (كواكب) وفازت بجائزة الشعر السنوية لمجلة (العربي) الكويتية، فقال:

فيروز يا لحن الربيـــع يطوف من لبنان همسا

وصدى الهزار على العـريش اقام للمصطاف عرسا

يا صوت احالم العذارى الطالقات عليك لمسا

أضويتني كم معجب أضــويت؟ وهذا بذا فخور

يمضي الى المذياع ولها نا لينجده االاثير

فاذا استويت تنشدين فكله سمعا يصير

يا بنت لبنان ولبنا نٌ محبوه كثير

فيروز –لا بيتي بمبـتهج ولا يومي منير

كلا ولا  شأني بمصـطلح ولا امري يسير

إلا اذا غنيّت،  فالـدنيا بأفراح تمورُ

رحل شاعرنا بشكل فجيع عن هذه الدنيا، ولكنه ترك إرثاً أدبياً ومعرفياً وإنسانياً يشار إليه بالبنان، مخلفاً ثلاثة اولاد هم (فـيّ ونايّف وعلى) واربع بنات هنّ (كواكب واسيا وجمهورية، وغالية) .

 

عادل حبة

 

محمود محمد عليلم يكن باكثير مبدعاً فحسبُ، بل كان له إسهامٌ في مجالات أخرى غير الإبداع. فقد أصدر، عام 1958، كتاباً نظرياً في المسرح، جمع فيه المحاضرات التي كان يُلقيها على طلبة المعهد العالي التابع للجامعة العربية بالقاهرة، عنْوَنَه بـ”محاضرات في فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية”. وألف سنة 1959 تصنيفاً يذكّرنا بكتب الاختيارات الشعرية التي اشتهر بها في تراثنا النقدي المفضّل الضبي والأصمعي وأبو تمام الطائي وآخرون، عنوانُه “المختار من الشعر الحديث”، ضَمَّنَه أشعاراً لواحد وثلاثين شاعراً، بينهم شاعرة واحدة من مصر، هي جليلة فؤاد رضا، ينحدرون من عدة دول عربية (مصر – اليمن – سوريا…)، ومهّد له بمقدمة مركزة. وباستثناء خمسةٍ من نصوص الكتاب المنظومة وَفق طريقة الشعر التفعيلي، للشاعرين السوري نزار قباني واليمني العزي مصوّعي، فإن باقي قصائده كلاسيكية عمودية (13).

ولم يقتصر دور باكثير، في هذا المؤلَّف، على اختيار النصوص الشعرية وترتيبها، بل إنه عمَد، في كثير من الأحايين، إلى تقويم ما بها من اعوجاج، وتصحيح هفواتها اللغوية والعَروضية. وحقق ديوان الشاعر المصري صالح علي الشرنوبي، وألف كتاباً عن أدب رومانيا التي زارها، ومكث فيها مدة من الزمن، أسْماه “لمحات في الأدب الروماني الحديث” (14).

برزت موهبة الشاعر علي أحمد باكثير الأدبية في مرحلة مبكرة من عمره، وكانت بدايتها من حضرموت، فنظم الشعر الجديد عنده ليس بالسهل، خاصة أنه كان يتجه اتجاهاً إسلاميا محافظاً في تناول الموضوعات الشعرية (15).

وقد كانت أولى محاولات كتابه هذا اللون على يد شاعر القطرين اليمني المصري علي أحمد باكثير، الذي ترجم مسرحية (روميو وجولييت)؛ لشكسبير إلى العربية على شعر التفعيلة، وكان وقتها طالبًا في السنة الثانية بقسم اللغة الإنجليزية بآداب القاهرة (1936م)، وقد جاءت هذه الترجمة ردًّا على زعمٍ خاطِئٍ من أستاذه الإنجليزي بأنَّ اللغة الإنجليزيَّة هي اللغة الوحيدة التي تتَّسِع للأشكال الجديدة، وأنَّ وسيلة التعبير بالشعر الحر أو المرسل المنطلق لا توجد في غيرها من اللغات، ومنها اللغة العربية (16).

فردَّ عليه باكثير غاضبًا: إنَّ اللغة العربية تتَّسع لكلِّ أشكال التعبير، وإنَّه من الممكن كتابة الشعر المرسل بها، فسخر منه أستاذه، وركب ناقة الخُيَلاء والشطط، فعكف باكثير على المسرحيَّة فترجمها وأتمَّها، وكانت بحقٍّ أولى التجارب الشعرية الناضجة التي مهَّدت الطريق أمام شعراء مدرسة الشعر الحر بعد ذلك، يقول باكثير: "ولكن ليس هناك ما يحولُ دُون إيجاده - الشعر الحر - في اللغة العربية، فهي لغة طيِّعة تتَّسع لكلِّ شكلٍ من أشكال الأدب والشعر" (17).

ولذلك انخرط باكثير في التجديد واستطاع الخروج عن أسوار الشعر التقليدية المنيعة، متجهاً نحو تخصيب شعره بالتجارب الحديثة، والخروج بتجربة شعرية ريادية، ولاسيّما بعد أن رأى أن الشعر يحتاج إلى أن يكون أكثر اقتراباً إلى الحياة التي يعيشها. وقد ظهرت ريادته الحوار المسرحي، وفتحت الباب لمن تلاه من كتّاب المسرحية وفقًا لنمط الشعر الجديد. الشعرية في مسرحية روميو وجوليت، فقد أزالت محاولته تلك كثيراً من العقبات من أمام وقد ارتضى باكثير الشعر الجديد حين ترجم مسرحية "روميو وجوليت" عام 1936 ولم تنشر إلا عام 1946 ، مستخدماً عدداً من البحور الصافية الوزن وهي المتقارب، والمتدارك، والكامل، والرجز، والرمل، وبخاصة بحر المتدارك لما فيه من طاقات، كما يمكن أن نلاحظ ذلك في ترجمته للمقطع التالي من المشهد الثاني من الفصل الثاني للمسرحية المذكورة:

روميو: قَسَمًا بغرة ذلك الوجه المبارك

إذ يُتوِّج بالسنا الفضِّيِّ هامات الشجر

جوليت: أقسم بغير البدر هذا الكائن الجم التقلّب

إني لأخشى أن يكون هواك مثله

متغيراً في كل شهرٍ ما له يومًا على حال ثبات (18)

ويرى باكثير أن "هذا النظم حر كذلك لعدم التزام عدد معين من التفعيلات في البيت الواحد" ، معتبرًا هذه التجربة نقطة انقلابًا في تاريخ الشعر العربي كله، "فقد قدّر لها أن تكون التجربة الأم فيما شاع اليوم تسميتُه بالشعر الحر أو التفعيلي، وأسميته أنا  قديماً الشعر المرسل المنطلق (19).

والحقيقة أنَّ باكثير كانتْ له تجارب أخرى في ترجمة بعض مسرحيات شكسبير قبل ترجمته روميو وجولييت، فقد كان شديدَ الإعجاب بشكسبير وفنِّه، فترجم فُصولاً من مسرحيَّته (الليلة الثانية عشرة)، ونشر أجزاء منها في "مجلة الرسالة" (رسالة الزيَّات) عام 1932م، ولكن على طريقة الشعر المقفَّى المألوف، لكنَّه عزف عن هذا ورأى أنَّ الشعر المقفَّى لا يناسب فن المسرحية (20).

وأكَّد باكثير أنَّه توصَّل بعد تفكيرٍ عميق وجهد جهيد إلى أنَّ البحور الموحَّدة التفعيلة أو القافية، هي الأنسب للشعر الحر؛ كالكامل، والرجز، والمتقارب، والمتدارك، والرمل، ويتَّضح هذا من قوله: "فاكتشفتُ بعد لَأْيٍ أنَّ البحور التي تصلُح لهذا الضرب الجديد من الشعر هي تلك التي تتكوَّن من تفعيلةٍ واحدة مكرَّرة؛ كالكامل والرجز، والمتقارب والمتدارك والرمل، لا تلك التي تتألَّف من تفعيلتين مختلفتين؛ كالسريع والخفيف والبسيط والطويل، فإنها لا تصلح (21).

كان رائداً من رواد حركة الشعر الجديد، ووضع أساساً لشكل القصيدة العربية الجديدة، واتسمت محاولاته بالتحدي، ثم فجأة إلى النَّظمِ على الأسلوب المقفَّى بعد ذلك، ، فكيف تم هذا التغيير؟

أما باكثير نفسه، فيَذكُر أن تَجارِبه جعلته يرى بأن النثر هو اللغة الطبيعية للمسرح، وأنه لا ينبغي أن يكتب بالشعر إلا المسرحية الغنائية التي يُراد لها أن تُلحَّن وتُغنَّى (الأوبرا)، وقال حين سئل عن سببِ انقطاعه عن كتابة الشعر الحر: “كتبته بادئ ذي بَدء في المجال المسرحي (..) وانقطعت عن هذا الشعر حين صِرتُ أكتب مسرحياتي بالنثر”(22)

ولذلك يرى الدكتور عبدالعزيز المقالح أن انصراف باكثير عن كتابة الشعر الحر يرجع إلى أربعة أسباب مجتمِعة، هي:

أولاً : أن باكثير كان يرى أن هذا الأسلوب الشعري يَصلُح للمسرحية الشعرية، وهو قد انتهى إلى أن النثر هو اللغة الطبيعية للمسرح، وبالتالي فليس في موقف باكثير أي ارتداد[56]، وهذا الرأي يَنقُضه أن باكثير كتَب مسرحية شعرية بعد ذلك بالشعر المقفى، وهي (قصر الهودج – 1944) (23).

السبب الثاني - في رأي الدكتور المقالح هو “طبيعة باكثير وتكوين شخصيَّته الرافض للمغامرة والثورة على المألوف (24).

أما السبب الثالث – في رأي الدكتور المقالح – فهو توقُّف باكثير عن “كتابة الشعر بعد الانبهار الذي أَحدثه الاتصال المفاجئ بالأدب الإنجليزي، والاطِّلاع على مفاهيم وخصائص جديدة للشعر، جعلتْه يتَّجِه للمسرح وإلى الكتابة النثريَّة، وما ظهر له بعد ذلك من شعر، فهو شعر مناسبات، وشعرُ المناسبات لا خصائص له” (25) .

السبب الرابع والأخير في رأي الدكتور المقالح هو تأثير العقاد على باكثير، ومعروف أن العقاد كان يقف موقفًا معاديًا للشعر الحر، ويرى الدكتور المقالح أن الصداقة غير المتكافئة – حسب تعبيره – بين الرجلين جعلت باكثير يخشى من إغضاب العقاد إذا كتب شعرًا حرًّا، ويُدلِّل على ذلك بأن باكثير لم يكتب شعرًا حرًّا إلا بعد وفاة العقاد بثلاثة أعوام تقريبًا (26)، والمقالح يَقصِد بذلك مطوَّلة باكثير “نكون أو لا نكون”، التي كتبها في أعقاب نكسة حزيران (يونيو) 1967م، والزعم أن باكثير عاد لكتابة الشعر الحر بسبب وفاة العقاد، ولم يكتبه في حياته حتى لا يُغضِبه – زَعْمٌ ليس له ما يُثبِته؛ فقد تَرجَم باكثير قصائد عن الإنجليزية بالشعر الحر، ونشرها في حياة العقاد، مثل قصيدتَي “لحظات التجلي”؛ للشاعر الإنجليزي جورج هربرت، “وتحت أشجار الحور”؛ للشاعر الروماني ميهائيل إيمينسكو.

إن تجربة (باكثير) في الشعر الحر رغم الضجة عليها كانت رائدة ومثيرة بكل المقاييس وتحت الشروط، وهي لم تكن مقصورة على قصيدة أو قصيدتين تتمثل في عملين فنيين كبيرين أحدهما مترجم وهو (روميو وجوليت) والآخر عمل إبداعي وهو (أخناتون ونفرتيتي) وهما من حيث الحجم وكم الشعر أكثر من كل ما قدمه السياب ونازك الملائكة من قصائد جديدة فقد بدأت ريادتهما عام 1947 إلى أوائل الخمسينيات (27).

وأخيراً، المازني يكاد يصرخ وهو يقدم لمسرحية (أخناتون ونفرتيتي) بأن هذا هو الأسلوب الذي ظللنا نبحث عنه أدركه هذا الشاب (باكثير) الشاب اليماني القادم من أرض اليمن أرض أقدم أشكال التجديد:

في تاريخ الشعر العربي القديم:

تطاول الليل دمون

دمون إنا معشر يمانون

وإننا لأهلها محبون (28).

أجل: لقد تطاول علينا ليل العصر الحديث، لكننا لا نزال لأهلنا محبين ومشفقين، إلا أننا نحب الحق ونكره التعصب، وحبنا للتجديد ضارب في جذور التراث ومتغلغل في أعماق العصور.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

......................

13- عبد الحميد حنورة: علي أحمد باكثير ظاهرة إبداعية، المرجع نفسه، ص18.

14- المرجع نفسه، ص23.

15- نافع حماد محمد: علي أحمد باكثير وخارطة الشعر العربي الجديد ، 223، التجديد ــ المجلد العشرون . العدد التاسع والثلاثون ، 1437ھ / 2016م،  ص 240.

16- د. سليمان علي عبدالحق: المرجع نفسه.

17- المرجع نفسه.

18- المرجع نفسه، ص241.

19- باكثير : روميو وجوليت، ص 5.

20- د. سليمان علي عبدالحق: المرجع نفسه.

21- المرجع نفسه.

22- د. محمد أبو بكر حميد: أحاديث علي أحمد باكثير، دار المعراج الدولية، الرياض، 1418هـ/ 1997م (ص: 182).

23- د. عبدالعزيز المقالح: ملامح ورمانتيكية في شعر باكثير، مجلة المنتدى، السنة الأولى، العدد التاسع، رجب 1404هـ/ أبريل 1984م (ص: 4).

24- المرجع نفسه، ص 5.

25- المرجع نفسه، ص 6.

26- المرجع نفسه، ص 7.

27- د. رحيم هادي الشمخي: علي أحمد باكثير… رائد التجربة الشعرية وبطل الانقلاب في الشعر المعاصر، الوطن ، نشر بتاريخ الإثنين، 15-02-2021.

28- المرجع نفسه.

 

علاء اللاميقليلة هي الكتب المترجمة إلى العربية في ميدان التاريخ القديم وعلوم الآثار والديانات واللغات القديمة والإناسة قياسا لما يصدر ويطبع في العالم، وأقل منها تلك الكتب التي أنصف مؤلفوها تاريخنا ووقفوا بحزم ضد السردية الصهيوتوراتية التي عاثت فسادا في ذلك التاريخ ومعطياته حتى جعلت من تاريخنا الجزيري "السامي" عموما والعربي والفلسطيني خصوصا مجرد هامش صغير ضمن الرواية التوراتية الملفقة. والواقع، فإن قلة الترجمات العربية لكتب هؤلاء العلماء النقديين الشجعان من أصدقاء الحقيقية لا يعود لقلتهم أو قلة كتبهم باللغات الأصلية على أرض الواقع وإنما يعود في جزء كبير منه لإهمال وكسل وجهل وانعدام الشعور بالمسؤولية الحضارية لدى الجهات الثقافية العربية الرسمية وغير الرسمية.

بهدف التعريف بعدد من هؤلاء العلماء وبإنجازاتهم أقدم أدناه هذا الجرد المأخوذ عن هوامش ومقالات نشرتها أنا وغيري في السنوات الماضية، ورأيت من المفيد جمعها في دليل صغير خدمة للقارئ العربي إيمانا مني بأنه إذا كان جهلك بعدوك خطأ ميدانياً فجهلك بصديقك خطيئة كبرى!

إن التعريف بهؤلاء العلماء يساهم في تفنيد الاتهامات العشوائية والتعميمات الإطلاقية ضد العلماء الأجانب، التي يوجهها بعض الكتاب العرب الخائضين في ميدان الأركيولوجيا واللاهوت والتاريخ القديم والإناسة من حملة الخطاب الأيديولوجي السياسيوي الإنشائي والفقير علميا كالاتهامات بالتزوير والتلفيق البحثي والتآمر وكأن جميع الباحثين والعلماء في العالم صهاينة وتوراتيون متعصبون متجانسون ومتفقون على العداء لنا ولتاريخنا وقضايانا.

إنَّ تزوير الآثار والوثائق والأدلة التاريخية مثلا من قبل ذوي الغرض الديني والسياسي أمر واقع، وهناك أمثلة موَّثقة عليه، ولكن الإنصاف والموضوعية العلمية يوجبان علينا أيضا تسجيل أن هناك باحثين وخبراء أجانب، وحتى في المؤسسة الأركيولوجية الإسرائيلية أحيانا، تصدوا فعلا لعمليات تزوير وتحريف آثار ووثائق تاريخية عديدة وكشفوها وفندوها، مؤكدين بذلك وجود بعض الباحثين الذين يحترمون العلم والتخصص المهني، أو الذين يفعلون ذلك تحت وطأة المنافسة المهنية بين التيارات البحثية والباحثين الأفراد، ومن أشهر الأمثلة على ذلك كشف تزوير نقش تل القاضي في الجليل الفلسطيني الأعلى أو "تل دان" حسب التسمية التوراتية المعاصرة؛ فهذا النقش الذي احتفلت به الأوساط الآثارية في الكيان الإسرائيلي ساهم في كشف كونه مزوراً عددٌ من الباحثين الإسرائيليين من بينهم نداف نعمان المؤرخ والأستاذ في جامعة تل أبيب، وجرينشتاين خبير اللغات الجزيرية "السامية" والأستاذ بجامعة تل أبيب، وزئيف هرتسوغ رئيس قسم الآثار في جامعة تل أبيب وصاحب الدراسة المثيرة "التوراة: لا إثباتات على الأرض"، ورولستون الخبير بالنقوش السامية القديمة ورئيس تحرير مجلة (معراف) المتخصصة باللغات والكتابات الجزيرية "السامية"، الذي رأى أنه "ليس من الصعب فضح التزوير في هذا النقش لأنه ليس متقن الصنع ولا يمكن أن يؤخذ بجدية على أنه قديم"، كما ذكر د. عصام سخنيني من كلية الآداب بجامعة البتراء في مقالة له حول الموضوع. ومن خارج فلسطين المحتلة، من أوروبا، ساهم في كشف تزوير هذا النقش كل من غاربيني وكيرير وليمشي.

أما الباحث الرافض لتأريخية التوراة فنكلشتاين فقد تورط في الدفاع عن القراءة التوراتية المزيفة للنقش، في كتابه "التوراة مكشوفة على حقيقتها"، وقد انتقدتُ تفسيراته الخاطئة هذه وقدمت محاولة لتفنيد ما ذهب إليه في مناسبة سابقة.

والخلاصة؛ هي أن استسهال إطلاق الاتهامات بالتزوير دون دليل أو قرينة أو حجة مُفحِمة وحاسمة يضرُّ بمطلقِها ويفقده صدقيته ويحوِّله من باحث جاد ورصين في ميادين البحث العلمي الآثاري والإناسي والتأثيلي والتأريخي إلى مجرد خطيب سياسي شعبوي هجّاء ليس إلا.

لقد سرَّني ما أثارته مقالة صغيرة نشرتها قبل فترة للتعريف بالعالِم الشجاع توماس طومسون من ردود أفعال القراء؛ وفي هذا ما يشبه المفاجأة والكشف، إذْ تأكد لي أن طومسون اسم مجهول أو شبه مجهول لدى القراء العرب رغم أنه هو واحد من أشهر مَن كتبوا بإنصاف وعلمية في تاريخ فلسطين وشعوبها القديمة والتوراة وخرافيتها ولاتاريخيتها؛ لذا، وجدت من المفيد التعريف به وبعلماء آخرين، ربما لم يسمع بهم القارئ، بسبب هيمنة الإعلام الغربي وحتى العربي المنحاز أو الجاهل بحقيقة الأمور ولنبدأ بهذا الاسم لعالِم جليل ما يزال عطاؤه العلمي متواصلا رغم تقاعده الوظيفي، ضمن قائمة تتضمن التعريف بأكثر من اثني عشر عالما وباحثا:

اضطهاد طومسون:

ولد توماس طومسون (Thomas L. Thompson) في 7 كانون الثاني/يناير 1939 في ديترويت بالولايات المتحدة الأميركية. نشأ متخصصا بحثيا في الدين الكاثوليكي وتخرج بشهادة (ليسانس / بكالوريوس الآداب) من جامعة دوكين، بيتسبرغ، بنسلفانيا، في عام 1962.

- أصبح مدرساً لاهوتياً في جامعة دايتون من عام 1964 إلى عام 1965، ثم أستاذًا مساعدًا لدراسات العهد القديم بالجامعة في ديترويت من عام 1967 إلى عام 1969.

- درس اللاهوت للكلية الكاثوليكية بجامعة توبنغن، وأكمل أطروحة الدكتوراة الخاصة به حول "تاريخ الروايات. البطريركية: البحث عن إبراهيم التاريخي"، في عام 1971.

- رُفِضت أطروحته للدكتوراة لأن أستاذه الذي أجرى الامتحان والتقييم، الأب جوزيف راتزينغر، أستاذ علم اللاهوت ورجل الدين الذي سيصبح سنة 2005 بابا الفاتيكان بنديكتوس السادس عشر، اعتبرها غير مناسبة لعالم لاهوت كاثوليكي.

- فكر طومسون في تقديم أطروحته إلى الكلية البروتستانتية في توبنغن، والتي اضطر إلى تركها في عام 1975 دون دبلوم. تمت دعوته بعد ذلك لإكمال دراسته في جامعة تمبل في فيلادلفيا، حيث تخرج أخيراً لدراسات العهد القديم بتقدير امتياز في عام 1976.

- أدى الجدل الذي أثارته هذه الأطروحة المنشورة في الأوساط الأكاديمية الأمريكية المحافظة إلى منع كاتبها من الحصول على وظيفة في إحدى جامعات الأميركية.

- ظل غير قادر على تأمين وظيفة له في الأوساط الأكاديمية الأمريكية في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، واضطر للعمل كمدرس في مدرسة ثانوية وكبواب عمارة وصباغ منازل حتى عام 1984.

- حصل سنة 1984 على منصب أستاذ زائر في مدرسة القدس للكتاب المقدس. ولكن هذه المدرسة تعرضت لانتقادات شديدة من قبل الدوائر الصهيونية الإسرائيلية التي عارضت الشكوك التي أثارها طومسون حول موضوع تاريخية القصص ذات الأصل اليهودي وطُرد من وظيفته.

- عمل طومسون على أسماء الأماكن الفلسطينية لمصلحة منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة، لكن المشروع توقف بسبب اتهامات التي وجهتها له الأوساط الصهيونية بأنه معاد للسامية، وبسبب انتقاده لممارسات "نزع التعريب" الإسرائيلية في فلسطين وفرض العَبْرَنَةِ بدلا من العربية.

- في عام 1975م عاد طومسون من ألمانيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ونظراً للمعارضة الشديدة لآرائه في الأوساط العلمية الأمريكية، حُرم من التدريس في الجامعات الأمريكية، وهو يتحدث عن نفسه في جريدة الحياة فيقول: تقدمت بأكثر من 200 طلب توظيف خلال 12 عاماَ من 1974وحتى 1986م، لكن لم تسنح لي الفرصة خلالها إلا لمقابلة جدية واحدة.

- لكسب العيش وتأمين متطلبات حياته اليومية تحول طومسون إلى عامل للدهان "الصبغ" في بيوت الناس، وعامل يدوي يشتغل حيثما يوجد العمل يديوي، فعمل لفترة بوابا ولكنه لم ينقطع عن العلم، وكان ينفق وقته في مساء نهاية الأسبوع في البحث العلمي لدراسة العهد القديم، ولقد استمر الوضع هكذا لمدة عشر سنوات، حتى عين أستاذاً مساعداً في المدرسة اللاهوتية بالقدس عام 1985م، واستمر في هذه الوظيفة قرابة سنة.

- كما اشتغل في جامعة ماركويت وجامعة لورنس، وهما جامعتان كاثوليكيتان، وخاضعتان للجهات التبشيرية، وبما أن أبحاثه وتوجهاته كانتا في سمت مخالف للجامعة الكاثوليكية، فالجامعة قررت الاستغناء عن خدماته. بعدها عين طومسون أستاذاً لتدريس العهد القديم في جامعة كوبنهاجن بالدانمارك، وكان ذلك في عام 1993م واستمر فيها حتى تقاعده عام 2009 حاملا لقب أستاذ فخري.

- أصدر أكثر من عشرين كتابا مهما ترجمت خمسة منها إلى العربية. كما أصدر أكثر من 170 مرجعا علميا في تاريخ فلسطين والأدبيات التوراتية.

- رغم تقاعده ما يزال يواصل عمله وأبحاثه العلمية بنشاط، وآخر نشاط علمي له كان تقديمه سلسلة من المحاضرات في فلسطين المحتلة قبل سنتين، رفقةَ زوجته الباحثة أنغريد يلم، حيث ألقيا محاضرات وعقدا لقاءات مع الطلاب الفلسطينيين بدعوة من البيت الدنماركي الفلسطيني في جامعة الخليل وفي المتحف الفلسطيني ببيرزيت وفي دار الآثار جامعة القدس - أبو ديس، وأماكن أخرى وقد جمعت وترجمت عشر من تلك المحاضرات وصدرت سنة 2019 في كتاب يحمل عنوان "الماضي العصي" عن دار الناشر في رام الله.

بسالة وكرم كاثلين كينيون:

2- الباحثة الآثارية والمنقبة البريطانية د.كاثلين كينيون (Kathleen Kenyon): كانت أول امرأة ترأست جمعية جامعة أوكسفورد للآثار. توفيت قبل أن تتم مشروعها الآثاري في القدس والذي توقفت عن إكماله احتجاجا على مضايقات السلطات الصهيونية لها وتخريبها للآثار الفلسطينية بعد حرب 1967، عندما كانت تجري تنقيباتها في القدس. وقد كتبت حينها رسالة نشرت في صحيفة "التايمز" اللندنية قالت فيها: "ذكرت عدة صحف أن السلطات الإسرائيلية قامت بحفريات بجانب السور الغربي للحرم الشريف بالقدس، ولقد عدت لتوي من القدس، وأستطيع الجزم بأن التقارير لم تبالغ بما كتبت... وهناك إشاعات بأن الحفريات ستستمر على طول سور الحرم، حيث توجد أروع الأبنية الإسلامية التي بنيت في القرون الوسطى... إن إتلاف هذه الأبنية يعتبر جريمة كبرى، ولا يعقل أن يتم تشويه الآثار القديمة بمثل هذا النوع من الحفريات ذات الأسلوب البالي، مما يتوجب على الرأي العام العالمي تقديم كل دعم لإيقاف هذه الأعمال البربرية".

ولم تقتصر انجازات د. كينيون على أعمال الحفر والتنقيب في حيفا وأريحا والقدس، وما أصدرته من مؤلفات حول تلك الأعمال، وإنما تجاوزتها إلى مجالات أخرى كثيرة، فإليها يعود الفضل في إنشاء مركز "الاعتماد الفلسطيني المالي للتنقيب" الذي ترأسه والدها العالم الآثاري واللاهوتي هو الآخر سنة 1937 وحتى سنة 1948، ثم انتقلت رئاسته إليها حتى وفاتها عام 1978. وكانت المهمة الرئيسة لذلك المركز جمع التبرعات لمتابعة الأبحاث الأركيولوجية في فلسطين، وصدرت عنه العديد من الكتب والمنشورات عن فلسطين، منها حوالي 13 كتاباً و84 مقالاً لها فقط معظمها عن فلسطين. وترأست د. كينيون منذ عام 1951 المركز البريطاني للآثار في القدس، وتمكنت خلال فترة رئاستها الطويلة لهذا المركز من توسيع المكتبة، ونشر مجلة باسم المؤسسة. كما أنشأت بيتاً كبيراً لإقامة الباحثين الغربيين القادمين إلى فلسطين لأغراض البحث والتنقيب/ مقالة للدكتور إبراهيم فؤاد عباس بعنوان/ كاتلين كينيون: اسم ينبغي على كل فلسطييني أن يعرفه!"

 3- الباحثة الهولندية مارغريت شتاينر (Margaret Steiner) : تولت إكمال أعمال د.كينيون عبر دراسة متقنة لما خلفته زميلتها الراحلة من معطيات على الورق في كتاب مهم هو "القدس في العصر الحديدي" ونشرت عملها في كتاب بعنوان "فلسطين في العصر الحديدي" والكتاب مترجم إلى اللغة العربية ومتوفر بنسخة مجانية رقمية "P.D.F" على النت.

ويتلام يكشف العلاقة بين الصهيونية السياسية والتوراتية الآثارية:

4- د.كيث ويتلام (Keith W. Whitelam) : أستاذ جامعي، وباحث في الكتاب المقدس ومؤلف للعديد من الكتب والمنشورات عن الكتاب المقدس وإسرائيل، ومدير شركة نشر متخصصة في دراسات الكتاب المقدس. وهو أحد ممثلي مدرسة كوبنهاجن، إلى جانب توماس طومسون، وفي كتابي "موجز تاريخ فلسطين/المقدمة" اعتبرته (أول من شخص حقيقة "إنَّ الارتباط التاريخي والمضموني بين الرؤية الصهيونية الاستراتيجية والرواية الدينية التوراتية والمشروع السياسي المباشر لدولة "إسرائيل" العنصرية أمور علائقية لا يمكن نكرانها. في كتابه "اختراع إسرائيل القديمة: إسكات التاريخ الفلسطيني" وهو مترجم إلى اللغة العربية وتتوفر منه نسخة مجانية رقمية "P.D.F" على النت ، يسمي كيث دبليو وايتلام تاريخ إسرائيل القديمة "اختراعا". ويستنتج د.ويتلام من ذلك استنتاجاً صحيحاً مفاده (هذا يعني أن التاريخ الإسرائيلي، ويهودية الهيكل الثاني، اللذين كانا حكراً على الدراسات التوراتية حتى عهد قريب، يشكلان في الحقيقة جزءاً من التاريخ الفلسطيني، بينما التاريخ الإسرائيلي، الواقع تحت هيمنة الدراسات التوراتية، قد سيطر على المشهد العام لفلسطين لدرجة أنه أسكت فعلياً كلَّ مظاهر التاريخ الأخرى في المنطقة، من العصر البرونزي حتى الفترة الرومانية".

ميلر براوس و"قضيته الفلسطينية":

5- د.ميلر براوس ( Miller Burrows) الرئيس السابق للمدرسة الأميركية لأبحاث الشرق والأستاذ الفخري في جامعة ومؤلف كتابين مهمين ومرجعيين عن مخطوطات البحر الميت ومؤلف كتاب "فلسطين هي قضيتنا". وقف هذا العالم ضد مدرسة بالتيمور(التي أسسها وترأسها وليم أولبرايت إلى جانب ورايت وغلوك في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي والتي ربطت علم الآثار التوراتي بالأيديولوجيا الصهيونية وقسمت شعوب فلسطين القديمة الى "إسرائيليين أخيار" و"كنعانيين أشرار" ورفضت وناهضت كل من لا يُقِرُّ بتاريخية التوراة وصحة رواياته التاريخية) وقف ضدها بحثيا بقوة ودافع عن الشعب الفلسطيني وتاريخه إلى درجة التخلي وقطع ارتباطاته بالمدرسة الأميركية لدراسات الشرق وكرس جل وقته لدراسة النكبة الفلسطينية سنة 1948 وأصدر كتابه "فلسطين قضيتنا" سنة 1949 وأهداه إلى "المنكوبين والمشردين من الشعب الفلسطيني الأصلي في الأرض المقدسة"، كما وجه الكتاب برسالة إلى المسيحيين الأميركيين حول "الخطأ الرهيب المرتكَب بحق الشعب الأصلي لهذا البلد" قاصدا الشعب العربي الفلسطيني.

6- المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي (Arnold Toynbee): صاحب نظرية الاستجابة والتحدي في التاريخ، شجب في كتابه دراسة التاريخ "الأعمال الشريرة التي ارتكبتها الصهيونية بحق العرب الفلسطينيين، وقارنها بالجرائم التي ارتكبت بحق اليهود إبان الحرب العالمة الثانية".

7- العالم الانثروبولوجي واللاهوتي الأميركي وليم جي ديفر ( William J. Dever) وصف مدرسة بالتيمور التوراتية وصفها بأنها مدرسة بروتستانتية رجعية لدراسة العهد القديم "الجزء الأكبر من التوراة"، نمت خلال عقد الثلاثينات المحافظ في أميركا واستمرت سائدة حتى عقد الستينات من القرن الماضي وقد تحول أولبرايت إلى داعية صهيوني صريح. أما زميلهما أرنست رايت فلم يكن يميز بين علم الآثار وعلم التوراة ويرفض الفصل بينهما ويجعل من علم الآثار مستندا لإثبات صحة مرويات التوراة حتى لو كان ذلك بطريقة تلفيقية ولا علمية.

باحثون يهود منصفون:

8- ومن الباحثين اليهود في الكيان الصهيوني الذين يكتبون في هذا الشأن بشيء من الموضوعية والحياد العلمي النسبي يمكن ذكر الباحث إسرائيل فنكلشتاين رئيس قسم الآثار في جامعة تل أبيب، وزميله دافيد أوسيشكين، اللذين أكدا أن ما يسميه اليهود ’قدس الأقداس’ "لم يشيّد في عهد سليمان وإنما قبله بمئة عام، وأن هذا العهد غامض جداً، وليس هناك أي سند أو دليل آثاري لما ورد في العهد القديم بشأنه". ونذكر أيضا الباحث الأميركي نيل سلبرمان شريكه في تأليف كتابه المهم "التوراة مكشوفة على حقيقتها"/ وتتوفر منه نسخة مجانية رقمية "P.D.F" على النت. وعالم الآثار وأستاذ قسم الآثار وحضارة الشرق القديم في جامعة تل أبيب البروفيسور زئيف هرتسوغ صاحب دراسة ومقولة "التوراة: لا إثباتات على الأرض".

باحثون آخرون مخلصون للعلم:

9- الباحث الدنماركي نيلز ليمكِه "ليمشي" (N.LLemche) الذي توصل في أبحاثة إلى إنَّ ما سُميَّ إمبراطورية داود وسليمان لم تستمر أكثر من أربعين عاما، ثم عادت مملكتا إسرائيل ويهوذا إلى مساحتهما الطبيعية والتي تقارب مساحة جزيرة غوتلاند الصغيرة "ثلاثة آلاف كم² تقريبا" من مجموع مساحة فلسطين البالغة 27 ألف كم²!

10- فيليب ديفيس (Philip Davies) مؤلف كتاب "البحث عن إسرائيل القديمة" والذي توصل فيه الى الاستنتاج التالي: "إن إسرائيل القديمة المذكورة في الدراسات التوراتية هي من اختراع عقول العلماء وإن هذا الاعتقاد مبني على فهم خاطئ للتراث التوراتي بل إنه بعيد عن الحقيقة التاريخية" كما اقتبس وايتلام عنه.

11- هناك أيضا البريطاني جوناثان تيب (Jonathan Tubb) الذي يعد من أكبر علماء الآثار في تاريخ العالم العربي في المتحف البريطاني والذي دافع عن العالم توماس طومسون بوجه الاضطهاد الذي مارسه التوراتيون ضده فقال إن "طومسون دقيق جدا في بحثه العلمي الكبير وشجاع في التعبير عما كان كثير منا يفكر فيه حدسا منذ زمن طويل وإنْ كانوا قد فضلوا كتمانه".

12- كرستوفر إيدن (Christopher Eden) صاحب الدراسة المهمة عن أعمال ويتلام وفنكلشتاين وركز فيها على السؤال الرئيسي التالي: "كيف تظل تلك البنية القوية التي تشكلها المعتقدات الدينية الشخصية والمواقف السياسية والتوجهات الأكاديمية وكذلك الخبرات التاريخية والأيديولوجية للمجتمع الواسع موجودة باستمرار سواء بشكل صريح أو ضمني، وذلك في ميدان العمل التاريخي بوجه عام، والتاريخ التوراتي بوجه خاص وكذلك علم الآثار التوراتي".

13- هناك علماء وباحثون منصفون آخرون كتبوا بحيادية علمية وموضوعية في موضوع التاريخ الفلسطيني القديم لا نعرف عنهم الكثير وورد ذكرهم في أبحاث زملائهم ومنهم:

- آلستروم L.Ahlstrom

- كناوف E.Knauf

- وويبرت H.Weippert

أختم بالإشارة إلى أن إنصاف هؤلاء العلماء والباحثين وإطرائهم والتعريف بهم لا يعني بأي شكل من الأشكال الاتفاق تماما مع جميع أطروحاتهم وأبحاثهم وتصريحاتهم وتزكيتها مائة بالمائة، إنما يعنينا منهم الخط النقدي والموضوعي العام الذي ساروا عليه وأغلب الاستنتاجات المهمة والمنصفة التي انتهوا إليها واطلعنا علينا في ما تُرجِمَ ونشر منها. وقد يكون فاتني ذكر أسماء علماء وباحثين آخرين منهم، أو التوقف عن بعض أبحاثهم وكتبهم المثيرة للجدل والاعتراض مما لم نطلع عليه، ولكن المؤسف هو أن ما ترجم من أعمال وأبحاث وكتب هؤلاء العلماء الشرفاء الشجعان الى اللغة العربية قليل جدا وبجهود فردية لباحثين ومترجمين عرب دون أن تتولى مؤسسة أو دار نشر عربية أو فلسطينية هذا العمل المهم والكبير، وهذا سبب من أسباب جهلنا بأصدقاء قضيتنا من باحثين وعلماء شجعان وشرفاء دفعوا ثمن مواقفهم وإنجازاتهم العلمية كما حدث فعلا مع البروفيسور توماس طومسون.

2768 kynionnn 

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

 

محمود محمد عليتعد قضيَّةُ الشعرِ التفعيلي (أو الشعر الحُر كما يُعرف اليوم) من القضايا المهمة التي شغلت حيزًا كبيرًا من اهتمام الدارسين والباحثين، حيث لم يتَّفِق النقاد ولا الشعراء على تسمية موحَّدة لشعر الشكل الجديد الذي لا يَلتزِم بالوزن والقافية، فرأى البعض تسميتَه “بالشعر الجديد” و”الشعر المعاصر” و”الشعر الحديث”(1)، كما عُرِف أيضًا بـ”الشعر التفعيلي”؛ لاعتماده على التفعيلةِ الواحدة المتكررة، ولكن شاع إطلاق اسم “الشعر الحر” على هذا الأسلوب من الشعر حتى أصبح عَلمًا عليه، وكانت هذه التسمية هي المحور الأساسي الذي دارتْ حوله معظمُ الدراسات التي صدرت عن هذا اللون من الشعر، وقد أقرَّت الشاعرة نازك الملائكة بهذه التسمية، واتخذت منها اصطلاحًا مُطلَقًا لا يمكن أن يُرَد (2)، على أن هناك مَن يرفض هذه التسمية؛ على أساس أن كلمة “الحر” ينبغي أن تُطلَق على شعر النثر الذي “يتحرَّر” من الوزن، خاصَّة أن مصطلح (Free Verses) في الإنجليزية يُطلَق على الشعر الذي يتخلَّص من أي نَمطٍ إيقاعي مُطَّرِد، وهو الذي نُسمِّيه “القصيدة النثرية” (3).

والشعر الحر شعرٌ يجري وفق القواعد العروضية للقصيدة العربية، ويلتزم بها ولا يخرج عنها إلا من حيث الشكل، والتحرُّر من القافية الواحدة في أغلب الأحيان؛ فالوزن العروضي موجودٌ، والتفعيلة مُوزَّعة توزيعًا جديدًا ليس إلا، فإذا أراد الشاعرُ أنْ ينسج قصيدةً ما على بحرٍ معيَّن، وليكن "الرمل" مثلاً، استَوجَب عليه أنْ يلتزم في قصيدته بهذا البحر وتفعيلاته من مَطلَعها إلى مُنتهاها، وليس له من الحريَّة سِوى عدم التقيُّد بنظام البيت التقليدي والقافية الموحَّدة، وإنْ كان الأمر لا يمنع من ظهور القافية واختفائها من حينٍ لآخَر حسب ما تقتضيه النغمة الموسيقيَّة وانتهاء الدفقة الشعوريَّة (4).

والدارس لشعر علي أحمد باكثير (1901 ـ 1969م)، يجد ظاهرةً تَستحِقُّ الاهتمام، هي أن شعره مرَّ بثلاث مراحل تمثَّلت فيها ثلاث مدارس شعريَّة، هي: المدرسة الاتباعيَّة (الإحيائية)، المدرسة الإبداعية (الرومانتيكية)، ومدرسة الشعر الحر، والمراحل الثلاث هي مرحلة البدايات ومرحلة جامعة القاهرة ومرحلة انكسار التجديد، ولأن مرحلة البدايات ليست ذات أهمية ولم تقدم من النتاج الشعري شيئاً يذكر سوى مسرحية (همام أو في بلاد الأحقاف).

وقد أشاد العديد من الشعراء العرب المعاصرين الذين اعترفوا لباكثير بالريادة في الشعر الحر، مثل: الشاعر الكبير بدر شاكر السياب، الذي أقرَّ بريادة باكثير في مقال له بمجلة الآداب البيروتية، وأقرَّت له بالسبق التاريخي الشاعرة نازك الملائكة، إلا أنها اشترطت شروطًا أربعة لتُعطي نفسَها الريادة الفنيَّة، عِلمًا بأن الشروط الأربعة – رغم تعسُّفها – تَنطبِق على باكثير، كذلك أقرَّ له بالريادة الشاعر صلاح عبدالصبور في مقال له في مجلة المسرح، كتبه بعد وفاة باكثير، والشاعر عبدالرحمن الشرقاوي في مقدمة مسرحيَّته الشعرية “مأساة جميلة”، وأشاد الدكتور لويس عوض بموهبة باكثير في مقدمة ديوانه (بلوتو لاند)، وإن كان لم يُشِر إلى ريادته للشعر الحر بشكل مباشر.

وقبل أن نكشف عن ذلك مظاهر الشعر الحر في أعمال باكثير، فلابد من أن نبرز مكانته الأدب العربي، فهو كاتب متنوع الإبداع والمتفرد في الشعر والرواية والمسرح فضلاً عن كونه مترجماً للإبداع العالمي (1)، أثرى الساحة العربية بالروايات والمسرحيات الشعرية والنثرية، فكان "باكثير" نموذجا للأديب الملتزم بالرؤية الإسلامية للكون والحياة والوجود دون ضوضاء ولا افتعال. وفي مجال الرواية التاريخية، يُعدّ - بحق - أحد أعلامها الكبار الذين استطاعوا استلهام التاريخ الإسلامي، وتوظيفه في قراءة الواقع المعاصر، ولذلك، فإن أعماله الروائية التاريخية تثير التأمل في الواقع الراهن، أكثر مما تثير التأمل في الواقع القديم (2).

علي أحمد باكثير قامةٌ سامقةٌ في دُنيا الأدب العربي الحديث، ترك بصْماتٍ واضحةً في عددٍ من حقول هذا الأدب، امتدّ تأثيرها إلى أجيال من أدبائنا المُحْدَثين والمعاصرين. بل إنه “كان، وسيظل إلى أن يشاء الله، ظاهرة إبداعية متفرِّدة” في أدبنا الحديث (3).

أثرى باكثير المكتبة الأدبية العربية بروائعه الخالدة التى تمسك من خلالها بقيم دينه ورفض السير فى ركاب الأدب المزيف؛ ومن أشهر أعماله التي ذاع صيتها وتم تحويلها لفيلم سينمائي كما يتم تدريسها في بعض المناهج المدرسية رواية وإسلاماه، كما ترجم العديد من أعماله الأدبية إلى اللغة الفرنسية والإنجليزية (4).

ولد على أحمد باكثير عام 1910، في جزيرة سوروبايا في إندونيسيا لعائلة من منطقة حضرموت، ثم عادت أسرته إلى حضرموت لينشأ نشأة إسلامية، وتلقى هناك تعليمه بمدرسة النهضة العلمية، ودرس العلوم العربية والشريعة على شيوخ وشعراء وفقهاء القرآن، وقد بدت عليه مواهب الشعر والكتابة وهو في الثالثة عشر من عمره، حتى أنه عين للتدريس بالمدرسة قبل أن يبلغ العشرين من عمره (5).

سافر باكثير بعد وفاة زوجته إلى عدن، الصوال، الحبشة، والحجاز ثم مصر، حيث التحق بجامعة فؤاد الأول - جامعة القاهرة حاليا - وحصل على ليسانس الآداب قسم اللغة الإنجليزية، قام باكثير بترجمة مسرحية رميو وجوليت الشهيرة، ثم ألف مسرحية إخناتون ونفرتيتي بالشعر الحر عام 1938، ويعد باكثير رائد الشعر الحر في الأدب العربي (6).

إلتحق باكثير بعد تخرجه من الجامعة بمعهد التربية للمعلمين وحصل على الدبلوم عام 1940، ثم عمل مدرسا للغة الإنجليزية واستمر لمدة 14 عام، ثم سافر في بعثة دراسية حرة إلى فرنسا عام 1954، عاد بعدها إلى مصر وبدأت علاقاته مع العقاد، توفيق الحكيم، المازني، نجيب محفوظ، صالح جودت وغيرهم من عظماء الأدب العربي، ثم حصل باكثير على الجنسية المصرية عام 1951 (7).

أجاد باكثير عدة لغات غير العربية وهي الإنجليزية، الفرنسية، والملايوية، ثم تفرغ لمدة عامية منذ 1961- 1963 ليكتب الملحمة الإسلامية عمر بن الخطاب في 19 جزء، والتي تعد ثاني أطول عمل مسرحي عالمي، وكان قد حصل على منحة تفرغ لإنجازها وأخرى لكتابة ثلاثية مسرحية عن غزو نابليون لمصر وهي الدودة والثعبان، أحلام نابليون، مأساة زينب (8).

توفي باكثير في مصر في نوفمبر 1969 إثر إصابته بأزمة قلبية حادة ثم دفن في مقابر الإمام الشافعي في مصر .

لقد كانت حياة باكثير حافلة بالعطاء الفكري والأدبي؛ ذلك بأنه خلّف لنا مجموعة كبيرة من النصوص الإبداعية والأدبية التي توزّعت بين المسرحية والرواية والشعر وغيرها. ولكنّ الملاحَظ أنه بدأ مسارَه الأدبي بنظْم الأشعار، قبل أن ينتقل إلى ربْطها بالمسرح في إطار ما يُعرَف بـ”المسرح الشعري”، وكتب أيضاً المسرحية النثرية والرواية والدراسات والمقالات الأدبية، علاوة على ترجمة نصوص من لغات أجنبية كان يُجيدها. بيد أن المسرح، بنوعيْه، شكل المجالَ الأدبي الذي برع فيه الرجل، وتميّز "باكثير" في إبدع عشرات الأعمال الروائية والمسرحية والشعرية، فله العديد من الروايات المتميزة من أشهرها الرواية التاريخية "وإسلاماه" التى أصدرها عام 1945 والتى يسرد فيها سيرة حياة السلطان قطز منذ ولادته وحتى مماته وأحوال البلاد التى عاش فيها وملوكها وصراعهم مع التتار والصليبين ورواية "الثائر الأحمر" والذى يروى فيها أحداث حقبة من التاريخ الإسلامى، تقع بين 200- 300ه، ومن أشهر أعماله أيضاً المسرحية "سر الحاكم بأمر الله" و"سر شهر زاد" التى ترجمت إلى الفرنسية و"مأساة أوديب" التى ترجمت إلى الإنجليزية (9).

كما كتب "باكثير" العديد من المسرحيات السياسية والتاريخية ذات الفصل الواحد وكان ينشرها فى الصحف والمجلات السائدة آنذاك، والتى حصل على اثرها على العديد من الجوائز والاوسمة، منها جائزة وزارة المعارف عام 1944 عن مسرحية "السلسلة والغفران" التى تشبه إلى حد كبير مسرحية شكسبير "واحدة بواحدة" وجائزة وزارة الشؤون الاجتماعية عام 1950 عن مسرحية "أبو دلامة" وجائزة وزارة الشؤون الاجتماعية عام 1943 عن مسرحية "سر الحاكم بأمر الله" وجائزة وزارة المعارف عام 1945 عن رواية "وإسلاماه" وجائزة السيدة قوت القلوب الدمرداشية عام 1944 عن رواية "سلامة القس"، وغيرها؛ كما منحه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وسام العلوم والفنون من الدرجة الأولى عام 1963، ومنحته هيئة رئاسة مجلس الشعب الأعلى فى اليمن الجنوبية –سابقاً- وسام الآداب والفنون عام 1985 (10).

ولـ "باكثير" العديد من الريادات فى الشعر والرواية والمسرح، فهو أول كاتب عربى يرمز رمزاً إيجابياً للحركة الإسلامية فى الرواية التاريخية العربية، وأول من عالج قضية فلسطين فى المسرح العربى و أول من كتب مسرحية شعرية بالشعر المرسل فى اللغة العربية مثل مسرحية إخناتون ونفرتيتي، كما انه أول من نشر مسرحية شعرية اجتماعية وكانت المسرحيات الشعرية قبله ذات مواضيع تاريخية، مثل مسرحية "همام فى بلاد الأحقاف" (11).

نُشر عن "باكثير" العديد من الكتب منها كتاب " الخروج عن النص فى علاقة باكثير والمسرح المصرى" للكاتبة عبير سلامة وكتاب "على أحمد باكثير ناقدا أدبيا"، تأليف الدكتور أحمد باحارثة، وكتاب "اشراقات عن باكثير" للكاتب "عبد القوى الحسيني" وغيرهم، كما سمُيت على اسمه الكثير من الشوارع والمدارس والجمعيات مثل شارع "على أحمد باكثير" المتفرع من شارع الرصافة بالإسكندرية وجمعية أصدقاء باكثير الثقافية بالقاهرة ومؤسسة باكثير للآداب والفنون (12).... وللحديث بقية.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.........

1- د. عبدالعزيز شرف: كيف تكتب القصيدة، مؤسسة المختار، القاهرة، 2001، (ص:120).

2- المرجع نفسه والصفحة نفسها.

3- المرجع نفسه، ص 121

4- د. سليمان علي عبدالحق: إرهاصات الشعر الحر عند علي أحمد باكثير - دراسة فنية.. شبكة الألوكة.. رابط الموضوع:

https://www.alukah.net/sharia/0/40311/#ixzz74o5iBiuB

5- د. يسري عبد الغني: على أحمد باكثير.. رائد القص التاريخي.. Dec 20, 2020.

6- بلال أحمد شاه: علي أحمد باكثير في مسيرة الرواية الإسلامية التاريخية.. إسلام أون لاين.

7- د. فريد أمعضـشو: علي أحمد باكثـير ومسْـرحُه الشعريّ: الشاعر والربيع نموذجاً، جامعة وجدة / المغرب،2015.

8- عبد الحكيم الزبيدي: علي أحمد باكثير، تقديم: عمر عبد العزيز، من منشورات مجلة “الرافد”، الشارقة، ع.6، يونيو 2010، ص 8.

9- علي أحمد باكثير: النشأة الأدبية في حضرموت” لمحمد أبي بكر حميد، مجلة “الأدب الإسلامي”، ع.29، مج.8، 2001، ص 16.

10- محمد أبو بكر حميد: علي أحمد باكثير رائد التنوير السلفي الإصلاحي في حضرموت، مجلة “الأدب الإسلامي”، ع.62، مج.16، ربيع 2009، ص 42.

11- عبد الحكيم الزبيدي: علي أحمد باكثير، من منشورات مجلة “الرافد”، ع.6، يونيو 2010، ص 245.

12- حسين جمعة: الرؤى الحضارية في أدب باكثير وحياته، مجلة “الموقف الأدبي”، اتحاد الكتاب العرب بدمشق، ع.471/472، س.40، يوليو/ أغسطس 2010، ص 9.

 

هاشم عبود الموسويبمثل هذا اليوم 31 / آب / أغسطس من عام 1422

هنري السادس (ولد في 6 ديسمبر عام 1421، وتوفي في 21 مايو عام 1471) كان ملك إنجلترا بين عامي 1422 و1461، ومرة أخرى بين عامي 1470 و1471، وملكًا على عرش فرنسا المتنازع عليه بين عامي 1422 و1453. كان الابن الوحيد لهنري الخامس، تولى خلافته على عرش بريطانيا وعمره تسعة شهور بعد وفاة والده، وخلافة عرش فرنسا بعد وفاة جدّه لأمه شارل السادس بفترة وجيزة.

ورث هنري حرب المائة عام التي دامت بين عامي 1337 و1453، والتي حارب فيها عمّه شارل السابع للحصول على عرش فرنسا. هو العاهل الإنكليزي الوحيد الذي توّج ملكًا على فرنسا (مثل هنري الثاني، عام 1431). شهد حكمه، بينما استلم مجموعة من الأشخاص القيادة عنه، ذروة القوة الإنكليزية في فرنسا، لكن مشكلات اقتصادية ودبلوماسية وعسكرية متتابعة أضعفت تأثير الهدف الإنجليزي في البلاد في الوقت الذي أُعلن فيها عن كون هنري صالحًا للحكم عام 1437. وجد مملكته في حالة صعبة، مواجهةً عوائق في فرنسا وانقسامات بين طبقة النبلاء في وطنه. على عكس أبيه، وُصف هنري بأنه كان جبانًا، مترددًا، كسولًا حسن النية وكارهًا للحرب والعنف، وكان في بعض الأوقات غير مستقرٍ عقليًا. شهد حكمه غير الناجح خسارة الأراضي الإنجليزية في فرنسا. بمحاباةٍ على أمل تحقيق السلام، تزوج هنري في عام 1445 من ابنة أخ تشارلز السابع، الطموحة وقوية الإرادة مارغريت أنجو. فشلت سياسة السلام، مؤدية إلى اغتيال أحد كبار مستشاري هنري، ويليام دي لا بولي، استؤنفت الحرب، مع استحواذ فرنسا على سطوة الحكم؛ بحلول عام 1453، كانت كاليه الأرض الوحيدة المتبقية لهنري في كامل أوروبا.

نتيجة لسوء الوضع في فرنسا، كانت هناك زيادة وثيقة بعد الاستقرار السياسي في إنجلترا. مع عدم كفاءة هنري للحكم، استلمت السلطة مجموعة من النبلاء المتخاصمين، بينما شجعت الفصائل السياسية والمقربون للحكم الفوضى في البلاد. شكل الجنود والقادة العائدون من فرنسا أعدادًا متزايدة من حاشية الملك، الذين تقاتلوا فيما بينهم، ومارسوا أشكال الإرهاب على جيرانهم، وأصابوا المحاكم بالعجز، وسيطروا على الحكومة.[3] لم تبق الملكة مارغريت في الحياد، بل استغلت الموقف لتجعل من نفسها سلطةً متخفيّة وراء العرش.

وسط الكوارث العسكرية في فرنسا وانهيار القانون والنظام في إنجلترا، تعرّضت الملكة وحاشيتها لاتهامات، موجّهة خصوصًا من قبل ابن عم هنري السادس الشهير، ريتشارد من آل يورك، لسوء إدارتها الحرب في فرنسا وسوء حكمها في البلد، تعرّض هنري إلى سلسلة من التدهورات العقلية، وتصاعدت التوترات بين مارغريت وريتشاد من أسرة يورك للاستيلاء على حكومة الملك العاجز، وخلافة العرش اندلعت الحرب الأهلية عام، مؤدية إلى فترة طويلة من النزاع بين أفراد الطبقة الحاكمة، عُرفت باسم حرب الوردتين. خُلع هنري من عرشه في 29 مارس عام 1461 بعد هزيمة ساحقة في معركة توتون من قبل ابن ريتشارد، والذي استلم العرش كإدوارد الرابع. على الرغم من استمرار مارغريت بقيادة ثورة ضد إدوارد، ألقى القبض على هنري عام 1465 وسجنه في برج لندن. أعيد هنري إلى عرشه في عام 1470، لكن إدوارد استعاد سلطته في عام 1471، ليقتل ابن هنري وخلفه الوحيد في إحدى المعارك ويعيد هنري إلى السجن مرة أخرى.

بعد خسارته «عقله ومملكتيه وابنه الوحيد» توفي هنري في البرج ليلة 21 مايو، وهو على الأرجح قُتل بأوامر من إدوارد. نُسبت مُعجزاتٌ إلى هنري عقب وفاته، واعتبر بشكل غير رسمي قديسًا وشهيدًا حتى القرن السادس عشر. ترك خلفه إرثًا من المنشآت التعليمية، وأسس كل من كلية إيتون وكلية الملك في كامبريدج (بالتعاون مع هنري شيشيل) وكلية أول سولز في أكسفورد. كتب شكسبير ثلاثية من المسرحيات حول حياته، مصورًا إياه بكونه ضعيف الإرادة ومتأثرًا بسهولة بزوجته مارغريت.

كان هنري ولي عهد إنكلترا وفرنسا من والده هنري الخامس ملك إنكلترا وجده هنري الرابع حيث كان الطفل الذكر الوحيد وكان ولي عهد عند سنه بالثمانية أشهر حتى عقدوا معاهدة عند وفاة والده مع والدته كاترين من فالويس عندما كان بسن العشرون وتوج آنذاك ملكا على إنكلترا وفرنسا عن والده وجده وملكا باسم هنري السادس من إنكلترا وهنري الثاني من فرنسا.

أقنع الملك بزواجه من الفرنسية مارجريت من أنجو وقد وافق على ذلك بالنسبة إلى الجمال وأبقاها سرا من البرلمان التي كانت تعارض لفرنسا وقد أنجبت له طفله الوحيد أمير ويلز هنري.

أشعل إدوارد ابن ريتشارد يورك الحرب الأهلية التي أستمرت ثلاثون عام والتي عرفت بحرب الوردتين، واستطاع خلالها انتزاع العرش من يد الملك هنري السادس، وأنهت حكم أسرة لانستكر، وبدأ عصر أسرة يورك لكن لا زالت حرب الوردتين مشتعلة.

 

اعداد : د.هاشم عبود الموسوي