 شهادات ومذكرات

نص في المكان: عزف على ضفاف نهر الغرّاف

جمال العتابيكل من يعرف الغراف، النهر القادم من مقدم سدة الكوت التي شيدت على نهر دجلة عام 1939، يدرك أن النهر يمشي الهوينا، مثل أسراب الطيور التي تحطّ على ضفافه تارة، وتعلو تارة أخرى، دون مشاكسة مع الماء المتدفق نحو مدن امتدت على ضفافه، متواضعة وصغيرة أولاً، ثم توسعت بتشوه، في اعوام الحروب والحصارات، تبدأ بالحي ذكرها الجواهري، وبوركت فيها انتفاضات، وقبلها الموفقية، كل اسمها (أم التبن)، مع بعض التحسين فيما بعد، فسميت (محيرجة)، استقر فيها الكاتب الراحل شمران الياسري، أو اختفى عن ملاحقات السلطة، ثم الفجر(سويج شجر)، مقيمة على بؤس وداء، مصير اهلها متعلق ب(سلك معدني) يدفع العبارة الخشبية ليتصلوا بالعالم، حشد من اهلها استقبل المتصرف في سنوات الستينات، بهتاف واحد (مطلب جماهير الفجر سيمات للطبگة تجر) قلعة سكر، على خلاف ازلي مع الرفاعي (الكرادي) الذي يليها بالموقع، بشأن احقيتها بمركز القضاء، منذ السقيفة الثانية وللآن، ثم النصر(الغازية)، وبدايتها (سويج شكبان)، ما أروع اشراقتها في ذاكرة الطفولة، ويذهب النهر نحو ناظم البدعة الذي انجز العمل فيه عام1929. وقبل الناظم، كان الغراف يهب الماء الحلو لأهلنا في البصرة بقناة مبطنة بالاسمنت، جف ماؤها للأسف بجفاف السنين.

عند الناظم يذهب النهر للانشطارات والتلاشي، في أرض يقلقها المصير والقدر، مودعاً الشواطئ التي تحفل بالأسماك، والنوارس، الفرع الرئيس منه يذهب يميناً نحو الشطرة، ولأنه يشطرها الى صوبين، جاءت تسميتها هكذا! حسب ما يذكر الباحث يعقوب سركيس، سمّاها حسين الهلالي عروس الغراف، ومنها الى عالم فسيح لا تلوثه الطحالب والأشنات.

  لكل من هذه البلدات حكايات وإرث طويل من أحجار سومر، وطين أكد، و(أصنام) لكش (تلو)، تلوح هنا وهناك، مساحة من العصور والتواريخ، تكمن في الأعماق، هنا قبل الميلاد بآلاف السنين، بدأت الثورة المدينية، ودشن الانسان عصر الابتكارات الأولى، والمنجزات الفنية في النحت والاختام الاسطوانية، وأقدم الامثلة من الكتابة على الرقم الطينية، في هذه البقعة من الكون، شرّع الإنسان أول نظام قانوني في تاريخ البشر، وعزف أول موسيقى، وغنى أول أغنية حب في العالم. ولم يكتمل شرط وجوده الانساني إلا بعد أن تدفق الماء، فإغتسل السومري بمياه الغراف، وصلى لواهب الحياة. ل (أنكي) إله المياه العذبة.

الغراف في تلك الربوع، متقلب المزاج، غيّر مجراه نحو الشمال او نحو اليمين، دون خوف أو حذر، ينطفىء حيناً، ويجف حيناً اخرى، يتدفق بعنف تارةً، ولا يني تياره الغاضب عن الإرتطام بالشواطئ بقسوة، وتارة أخرى يشح علينا بعد أن يثمله الطمى، ويغيب المطر.

من نافذة صغيرة تطل على (لكش)، خرجنا الى الدنيا، بسطاء، سمر، مغمورين، أهلنا يعرفون تماماً بأنهم أولئك الآتون من أقاصي ذلك التاريخ، الى أداني هذا الحاضر، وشيوخنا منهم مازالوا يحملون صناديق أسرارهم القديمة، يخفون فيها لميم الأسفار والأشعار، والرؤى والحكايات، والأساطير، وحكمة الحياة، على تلك الضفاف عزف طالب بريد القره غولي ابن الغازية اولى أغانيه، بناي ينوح بما علق به من أيام، وعلى مقربة منه في الشطرة، كان حضيري أبو عزيز يؤدي حلماً يبنيه على صوت ماكنة خياطة، منه ولدت (حمام لتون على روس المباني)، كان حضيري يدعو الورد ينمو على شرفات جنائن شط الشطرة ب(عمي يبياع الورد كلي الورد بيش)، كان يغار منه داخل حسن، وحدهما يتحاوران في واحدة من أعذب الثنائيات الغنائية التي تمسح الحزن والإختناق (يحضيري بطل النوح شالت هدية)، فيرد عليه حضيري بذكريات ترسم صورة الحب المنتهك، ينوحان معاً في الليالي التي ينهمر فيها ضوء القمر، ليهزما الظلمة من شواطىء الغراف، حيث تصعد القوارب القادمة من الجنوب نحو الشمال، من أهوار الجبايش، والغموكة تحمل القصب والبردي، وعصيره المجفف (الخريط)، والخلال المطبوخ أولئك سكان الهور(الشكون)، يهجرون وطنهم حين ينحسر الماء، وتبتعد أسراب الطيور فتندفع القوارب محملة بأماني اهلها الضائعة، يندفعون بقوة أجسادهم ومتانة الحبال التي تسحب القوارب المثقلة بالقصب، يلهثون مثل جمر الدلال التي ظلت بلا بنٍ أو رنين، يدجنون الصعاب بالأغاني، أغان لا تشبه أغاني الأخرين، انها أشبه بسحابات حزن لا تمطر غير الدموع، والقرى التي يمرون عليها، غارقة هي الأخرى في الجوع، تتكسر تعبانة من فرط أحزانها.

كنا صغاراً نلهو برمل الضفاف نبني بيوتاً مثل ما نهوى، وننفعل بالمياه شداً وانبساطاً، تعيش في أحلامنا على مدارات الفصول، فهي الملاذ في صيف لا يعرف مذاقه إلا أبناء الجنوب، ومخازن الحبوب (المناثر) أشبه بوطن نائم، تمتد غير مبتعدة عن الضفاف، كأنها بقايا آثار مهدمة بأسوارها الطينية، مكشوفة، تسبّح بحمد للشمس التي تنضج السنابل، لتأتيها حباً مقدساً.

يا مدن الغراف، يا موطن الأحلام، إذ تعيش قصص الحب والاساطير، ندور على ضفافك، نبحث عن أسرار وجودك، لعل الماء يطفىء حر لظانا، فالزمن يعصف بالضحكات وبالشهقات، والغول يطبق فكيه يقضم شفاهك، والريح تفح سموماً تسيل رعافاً، يا لهذا الزمن القاسي ! يستجيب لطعم الأذى .

 

جمال العتّابي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4944 المصادف: 2020-03-19 11:20:59


Share on Myspace