 شهادات ومذكرات

مَصَابيحٌ في دائرةِ الظِلِ: الفيلسوف الأزهري محمد غلاب

عصمت نصارما زال صناع الأمل من أصحاب القدرات الخاصّة الذين نطلق عليهم فى ثقافتنا المعاصرة (المعاقين، العميان، العجزة، أصحاب الاحتياجات الخاصة)، على هامش حياتنا الاجتماعية والسياسية والثقافية بل إن شئت قل فى الدرك المهمل منها، ذلك على الرغم من القانون الذى صدر هذا العام لرد إليهم بعض حقوقهم ويحقق شيئًا من طموحاتنا.

نعم إن الكثير منهم خارج دائرة الظل، والقليل الذى عُرف منهم لم ينل القدر الكافي من الاهتمام سواء كان من الأحياء أو الأموات، وعالِمنا هو واحد منهم، هو المفكر والناقد والمترجم والرائد الأول لتاريخ الدراسات الفلسفية فى مصر، محمد غلاب (١٨٩٩-١٩٧٠ م).

لا نعرف على وجه الدقة شيئًا عن طفولته، ولا عن سجنه فى ظلمة محبسه، فقد أجمع معاصروه على أنه أصيب بكف البصر فى سن مبكرة، غير أن هذه الواقعة لم تؤثر فى إرادته الفولاذية الطامحة لاعتلاء مقعده بين صفوة المثقفين ورواد الفكر وأكابر المعلمين فى ميدان الفلسفة. نعم فقد وُلد ذو عقلية ناقدة باحثة عن الحقيقة عاشقة للكمال صانعة للأمل.

وُلد فى بلدة بنى خالد التابعة لمركز ملوى بمحافظة المنيا بمصر. نشأ نشأة دينية وتلقى تعاليمه الأولى فى كتّاب القرية ثم انتقل إلى الأزهر بعد حفظه للقرآن عام ١٩١٧م، وحصل على الشهادة الثانوية عام ١٩٢٤م ثم التحق بالجامعة المصرية فى نفس العام، ثم اُبتعث إلى فرنسا عام ١٩٢٦، للحصول على درجة الدكتوراه فى الفلسفة من جامعة ليون عام ١٩٢٩ ثم عاد إلى مصر. اشتغل بالصحافة وأنشأ مجلة النهضة الفكرية عام ١٩٣١، وفى عام ١٩٣٢ عاد إلى الأزهر، وعمل مدرسًا فى كلية أصول الدين، وظل فيها حتى سن التقاعد عام ١٩٥٩.

وله عشرات المقالات فى العديد من الدوريات، نذكر منها: الأزهر، الرسالة، السياسية، المشرق اللبناني، الحديث، النهضة الفكرية، منبر الشرق، مصر الفتاة، البيان، الثقافة، المجلة الجديدة، تراث الإنسانية، الإسلام والتصوف.

ولا ترجع أهمية مفكرنا إلى ريادته فى ميدان التأريخ للفلسفة الشرقية واليونانية والإسلامية والحديثة ولا إلى إثارته العديد من القضايا الدقيقة فى بنية الفلسفة بوجه عام، بل ترجع إلى وعيه بأنه صاحب مشروع نقدى يرمى إلى تصويب آراء بعض المؤرخين لتاريخ الفلسفة ونفر من المتعصبين للجنس أو الدين من غلاة المستشرقين، ذلك بالإضافة إلى تدريسه للفلسفة على نحو نسقى فى لغة بسيطة ونظرة عميقة ورؤية علمية أقرب إلى الحيدة والموضوعية منها إلى الرؤى الذاتية والأحكام المتعجلة، وذلك بين جدران كلية أصول الدين بالأزهر.

ومن الطريف أن نجد مفكرنا واعيًا تمامًا برسالته ويصرح بمشروعه التنويري، وذلك فى قوله: «إن مهمتنا هى رسم الطريق للباحثين البادئين، ولنضيء الطريق أمام الظامئين إلى الثقافة الرفيعة».. «وقد حق على كل من يتصدى لتاريخ الفكر الفلسفى أن يلم بالعوامل المؤثرة تأثيرًا فعليًا مباشرًا أو غير مباشر فى تكوين هذا الفكر وفى تطورات ما مر به من مشكلات وحلول. ونحن على يقين من أن إلقاء الضوء على أمهات المشكلات الأساسية التى تعنى بها الفلسفة، والطرائق التى تعرض بها تلك المشاكل على بسط البحث فى العصور المختلفة، والأسباب التى تحد تلك الطرائق، والمحاولات الفردية التى قام بها كل فيلسوف على حدة، وما إلى ذلك من بواهر النتائج العقلية لم يكن إلا ثمرة من ثمار الموازن بين تلك العوامل، على أن هذه العناية بالبيئة ومؤثراتها لا ينبغى أن تفوت علينا الاهتمام بالمواهب الشخصية للمفكرين وبكل الأحداث التى يمكن أن تشرح منتجاتهم وتوضح آراءهم وتجلو أسباب اتجاهاتهم من الناحية النفسية البحتة، وكذلك لا ينبغي أن نغفل المظاهر المتباينة التى اتخذتها المشكلات وما تعاقب عليها من تطورات منذ أقدم العصور التى عرضت فيها، لأن مجموعة هذه الظواهر وتلك التطورات هى التى تؤلف من المشكلات كيانها المتين الذى هو منشأ مغالبتها أحداث الدهر، ومآتى بقائها على الزمن».

ويمكننا إيجاز الأسس المنهجية التى يقوم عليها الدرس الفلسفى عنده فى:

- يجب دراسة النظريات الفلسفية على مر تاريخ الفكر الإنساني على أنها مجرد تجارب ذهنية وسياحات عقلية وقراءات للواقع واستشرافات للمستقبل ومن ثم لا ينبغي علينا التسليم بصحتها والنظر إليها على أنها تحوى الحقائق التى لا ينبغي الخروج عليها فإن مثل ذلك يفقد الفلسفة معناها فيجعلها بمثابة نصوص جامدة أو قيود تمنع العقل من الانطلاق حرًا صوب البحث عن الحقيقة.

- لا ينبغي النظر للفلسفة على أنها كيان معادٍ للدين أو مناهض ومكذب لحقائقه وجاحد لثوابته وأن أفضل علاقة بين الفلسفة والدين هى علاقة التجاور أى تآخى المعقول والمنقول.

- إن من أكبر الأخطاء دراسة الفلسفة على أنها كيانات منفصلة أو منعزلة بل يجب اعتبارها شلالًا متصلًا من الأفكار يؤثر سابقه على لاحقه، كما أن إغفال أثر الثقافة والبيئة وحياة الفلاسفة على التصورات والآراء والنظريات لا يمكننا من فهمها، فالفيلسوف وليد عصره وفلسفته مرآة صادقة تعكس واقعه بما فيه من سلطات مناهضة ونجاحات وإخفاقات وآمال وطموحات.

- إن القلم الحر دون غيره هو الذى يستطيع كتابة تاريخ الفلسفة بمنأى عن آراء السابقين وآراءهم وأحكامهم عليه، وأن الحيدة والموضوعية بمنأى عن العواطف والتحيز والتعصب الملى أو الجنسي هو الذى يمكن الدارس للفلسفة من الوصول إلى مرامي النصوص ظاهرها وباطنها.

- إن البساطة والوضوح فى الأسلوب والعمق فى التحليل والنقد فى المعالجة والأمانة فى العرض هى الآليات التى يجب على من يشرع فى كتابة الفلسفة أن يمتلكها أو ينتحلها. ولعل مفكرنا يعاتبنا وهو بين الخالدين فى العالم الآخر، وذلك بقوله: إياكم والجحود ونكران الجميل وانعدام الوفاء سواء فى حياتنا الثقافية أو من تقاعس أولى الأمر عن توجيه النشء لتبجيل واحترام واقتفاء سنة أساتذتهم الذين أضاءوا لهم طريق الاستنارة والوعى والحرية وإن كانت جهالاتهم وحمقهم منعتهم من السير فيه، فها هو يقول: «إن أول واجبات الأمم نحو أفذاذها الموهوبين وأعلامها الممتازين، أن نعنى عناية فائقة بتقديرهم واحترامهم اعترافًا بفضلهم وإبرازا لإنتاجهم إن كانوا من الأحياء، وتخليدًا لأسمائهم إن كانوا من الأموات، وتشجيعًا لأخلافهم على متابعة الجهود النشيطة ومزاولة الأعمال الرفيعة على اختلاف أنواعها وتباين نواحيها، وكلما كانت المواهب عالية كان واجب الأمة نحو صاحبها أثقل وأشد جدية بحيث لو لم نقم به لقضت على نفسها بالموت الأدبي ولأوصدت فى وجه نهوضها كل باب».

 

بقلم : د. عصمت نصار 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4967 المصادف: 2020-04-11 04:29:52


Share on Myspace