 شهادات ومذكرات

في وداع صباح علي الشاهر

كاظم الموسويخبر الفاجعة سريع الانتشار.. وفي زمن جائحة الكورونا وبسببها يتحول إلى بلاغ للجميع. في ما يخص العراقيين والعراق، كل خبر من هذا النوع فاجعة أخرى. فاجعة تضاف الى ما يعانيه الوطن/ العراق، ابسطها أو اقلها غياب ابنائه الطويل في المنافي.. وبُعد المسافات.. وتدور السنوات عليهم، وتطول الايام معهم وتصبح أواخر العمر لهم فيها صفحات فجيعة.

جاءت جائحة الكورونا تتهاوى بمشيتها وتخطف الأرواح المنتظرة املا والمشرأبة لغد أفضل او اسعد.. تطارد دون ان تفرق بين الناس ولا تمزح مع  من تقترب منه او تحتك به..لا عمرا ولا جنسا، لا ثروة أو فقرا، لا لونا أو دينا، لا لغة أو بلدا.. الكل أمامها سواسية كاسنان المشط.. ومرت علينا .. أعداد تتوالى واسماء تتردد..اصبحت قوائم كل يوم يفوت!..

صباح يوم الاثنين 2020/04/06 في لندن فجعنا بخبر رحيل الكاتب والقاص والمناضل الدكتور صباح علي الشاهر.. بفايروس الكورونا، وصباح صديق عمر، لعقود من الزمن، بيننا اخبار واسرار.. ربطتنا المهاجر والمنافي بعد المقاهي و"الحزب" و"الاتحاد" و"طريق الشعب" وأزقة "الفضل" و"القصر الأبيض" ودروب "الكفاح"و"الثورة"..

كانت أياما وساعات  ولقاءات وانتظارا واملا بشمس عراقية ونخيل مثمر بانواعه التي لا تعد.. هناك على ارض الرافدين، الوطن المبتلى، لا في المنافي البعيدة طبعا.. ولكنها .. دارت بنا الأيام فغرّبتنا وابعدتنا وشردتنا وفرّقتنا فرادى وجماعات .. قاسية هي الايام، صعبة ومؤلمة وحتى جارحة.. أي دنيا هذه وأي جائحة سابقة.. وبعدها اللاحقة والتي تزورنا الان؟!.

في صوفيا الخضراء، سهولا وجبالا وشوارع ممتدة ومكتظة، التقينا في اكثر من سفرة ولمة تغيير وشمة هوا بارد تحت غيوم الربيع المزخرفة لسمائها الزرقاء الصافية، كلوحة فنية لفنان قدير، رغم المنع الحزبي وسرية العمل والعواقب، في تلك الظروف وصعوبة الايام والأحكام، حتى اكملنا دراساتنا العليا ونجحنا بتفوق وامتياز..

وسبقها في الجزائر الفيحاء، على سواحلها الغناء وبحيراتها الثرية اشتركنا في جولات ونشاطات.. تبادلنا الحسرات والهموم والرؤى والاجتهادات.. خدمنا شعبنا الشقيق هناك، وظيفة وملجأ ليس اختياريا في كل الأحوال.. ثم التقينا في لندن، حيث انتهت بنا الرحال،  ورست السفن على ضفاف التايمز وشرق وغرب عاصمة تشرشل وتوني بلير..

صباح الشاهر، أديب وسياسي، صحفي وقاص وروائي، اسم معروف، جمع بينها بروية وحلم وخيال، وسرد منها ما استطاع، وبقيت عالقة سطور أو صفحات أو فصول لم تنته حكايتها بعد. بدا الأبداع في القصة القصيرة والكتابة الصحفية النقدية، وواصل في الرواية والبحث الأكاديمي، والمقال السياسي. نشر كتبا لمجموعات قصصية وروايات وفي انتظار لغيرها المخطوط والمعد..

له صفاء ذهن ورقة موقف.. يمكنك معه الاختلاف أو الاتفاق، تحترم رأيه أو تنتقده، تتقبل منه ما لا يقبل أو ترفض منه ما لا يرفض.. بساطة وغضب، وسهولة وانحياز لشعب ووطن وصداقة ورفقة محنة ضدالحصار الجائر والقمع المرفوض وشجن السجن وكارثة الغزو والاحتلال طبعا.. بوصلته لا تحيد ولا تعرف الانحراف.. صوت وطني تلتقي معه وتختلف، تجتمع معه وتفترق، يشد الى ثوابت وقضايا الشعوب والأمة، يطرب لانتصاراتها ويحزن على النكبات والنكسات والخيبات وما أكثرها في زماننا الذي كتبت خطواته علينا. لكن الأهم هو انه بقي وفيا وحالما لصباح برونق وشوق واصالة واصيل. (اسماء بناته وابنه)، مؤمنا بقناعة تامة  بالقيم الإنسانية وبضرورة العدالة الاجتماعية والتكافل الإقتصادي والتعاون الجماهيري وخاصة في بلد كالعراق، ربعي يعتمد على مورد واحد في ميزانيته، ويستأثر فيه من يستلم السلطات، وهم في كل الأحوال أقلية الاقلية، وتجوع أو تجوّع الاكثرية، من أبناء الشعب والوطن، من شغيلة اليد والقلم، من الفقراء والمحرومين والمستضعفين. وكان يدعو دائما الى الحوار واحترام الاخر، مهما كان ومن اين يكون، خاصة في الوطن الواحد، وينظر بتفاؤل الى مستقبل أفضل لأبناء الرافدين والأمة العربية.

في زمن الحظر الصحي والابتعاد الاجتماعي لا تعرف كيف ترد على أسئلة عالقة وأجوبة ممنوعة أومحسومة قانونا وإجراء..  رحل صباح في المستشفى البريطاني وتبادلنا الخبر وكلمات عنه في التواصل الإلكتروني ولكن خسرناه..ونخسر كل يوم .. خسرنا رؤية بأبعاد وطنية قومية انسانية، تمسكت بجذورها وتعايشت مع نسقها وتطورها الأيديولوجي بمنظار حداثي وسعي للمساهمة في التجديد والتطوير والإبداع. في مقالاته الأخيرة عن الوضع السياسي في العراق كان حادا وغاضبا لما الت إليه الأمور واشتبكت مع  أفكاره وقناعاته والتسارع في التغيرات والتحولات. وقف بأمانة مع شعبه وآماله في التغيير والمستقبل المشرق، منفيا في بلاد الخواجات، بعيدا عن السماوات الاولى، والسماوة المدينة، والاقارب ووادي السلام.

أهكذا تمضي السنون؟،

 ونحن من منفى الى منفى،

 ومن باب لباب

نذوي كما تذوبي الزنابق في التراب. (عبد الوهاب البياتي)

في زمن جائحة الكورونا، غطتنا اخبارها، وصرنا كل مرة نخاف من فتح هواتفنا وبريدنا الالكتروني، خشية وتوقعا، سنواجه بما يزيدنا لوعة والما وحسرة. حتى هذه الوسائل تأثرت بالمكروه، وتحولت إلى المحذور من الإدمان والمستور.

الرحمة والذكر الطيب للفقيد الغالي ولاهله واصدقائه الصبر والسلوان..

 

كاظم الموسوي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4970 المصادف: 2020-04-14 14:08:44