 شهادات ومذكرات

محمد إبراهيم منصور وعولمة الإرهاب

محمود محمد عليفي هذه الأيام تمر الذكري الخامسة علي وفاة الدكتور محمد إبراهيم منصور – العميد السابق لكلية التجارة بجامعة اسيوط بجمهورية مصر العربية - ذلك المفكر المصري اللامع، وعالم السياسة رفيع القدر، والكاتب الصحفي المتميز، كنت أسمع عنه منذ ربع قرن، وعندما تولى موقعه مديراً لمركز دراسات المستقبل في جامعة اسيوط، كنت أتردد عليه باستمرار لأتعلم منه أصول الفكر السياسي والاستراتيجي، وقد وجدت فيه وفاء الصديق، وقلب الطفل، ومثاقفة الفارس، وأريحية المفكر، والنبوغ المبكر، والعبق القديم، وعطر الزمان الجميل، وكبرياء المفكر، وسمو العالم، والحرص الشديد على الكرامة، والاعتزاز بالنفس مع الشجاعة فى إبداء الرأى والخروج عن المألوف بأفكارٍ غير تقليدية، طلباً للتطور والإبداع، والمعرفة الموسوعية، وغير ذلك من الخصال، الأمر الذي كان وراء حيرتي وقلمي في اختيار أحد الجوانب لأتحدث عنه، فراق لي أن أتحدث عن محمد إبراهيم منصور وعولمة الإرهاب.

فالدكتور محمد إبراهيم منصور هو ذلك المفكر الاقتصادي المرموق الذى قطع رحلة طويلة ‏عبر آفاق علوم الاقتصاد ‎وفروعها المختلفة، واستطاع ‏باجتهاده أن يصل إلى تصور شامل للنظرية الاقتصادية في مصر، ‏فلسفة وفكراً، من منظور يساري ورؤية عصرية، فجاء ‏مختلفاً عن سابقيه متميزاً عن غيره،‎ ‎والذين يطالعون ما ‏كتبه الدكتور « محمد إبراهيم منصور » سوف يكتشفون أن منهجه فى ‏البحث يختلف‎ ‎عن أسلافه ؛ حيث يتميز عنهم بأنه أكثر جرأة فى الرأي ‏وشدة فى اقتحام القضايا‎ ‎الاقتصادية الأكثر حساسية.

والدكتور محمد إبراهيم منصور واحد من أكثر الذين عرفتهم في حياتنا اهتماماً بقضايا الوطن وهمومه، فلقد حمل الرجل على كاهله عبر تاريخه شؤون مصر بمشكلاتها فى القلب والعقل معاً، وظل معنياً بالشأن العام فى كل مراحل تفكيره، جزءًا من رؤيته للماضي والحاضر والمستقبل.

ولقد شهد له زملاؤه ومعاصروه له بالدقة، والأمانة العلمية، والثقافة الواسعة ..إلي جانب ما يتمتع به من خلق رفيع،. ولا غرو في ذلك فهو يمثل منظومة حافلة بالعطاء العلمي الجاد، والشموخ الإنساني المتميز، باحثا ومنقبا، محققا ومدققا، مخلفا وراءه ثروة هائلة من الكتب العلمية، والبحوث الاكاديمية الرصينة، وطائفة كبيرة من المريدين والاتباع الذين أعطاهم خلاصة فكره وعلمه.

والدكتور محمد إبراهيم منصور من مواليد 4/9/1946 م من مركز أبو تيج، محافظة اسيوط، حيث حصل علي درجة الماجستير والدكتوراه في الاقتصاد، وبالأخص اقتصاديات الموارد الطبيعية والبيئة فى الوطن العربى، وشغل منصب عميد كلية التجارة – جامعة أسيوط من 2004-2006، ورئيس تحرير المجلة العلمية "دراسات مستقبلية"، وعضو المجلس الاستشاري للمركز العربي للدراسات السياسية، وغير ذلك من المناصب التي تقلدها سيادته.

أثري مركز دراسات المستقبل بالندوات والمؤتمرات التي قام بتنظيمها والإعداد لها، ونذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر :- الندوة الدولية "القدس : التاريخ والمستقبل"، و ندوة "التاريخ العسكرى لجنوب مصر عبر العصور"، وندوة أزمة المياه في القرن الحادي والعشرين، ومؤتمر "السوق العربية المشتركة ومستقبل الاقتصاد العربي"، ومؤتمر "دور المجتمع المدنى فى صياغة رؤية مستقبلية لمصر، ومؤتمر تكنولوجيا المياه وهلم جرا.

كما كان الراحل كاتباً مرموقاً فى عدد من الصحف والمجلات المصرية والعربية كجريدة الأهرام والوطن وروزا ليوسف والأهرام الاقتصادي والسياسة الدولية والحياة اللندنية وأخبار العرب الإماراتية والثورة اليمنية.

ولقد أثار الدكتور محمد إبراهيم منصور اهتمامي منذ سنوات فتابعته بتقدير مستمر ‏إلى أن جمعت بيننا ظروف‎ ‎مختلفة جعلتنى أكثر قرباً منه ‏وفهماً له، ولن أنسى ذات يوم أنه كان وراء إنجازي لكتابي حروب الجيل الثالث ونظرية تفتيت الوطن العربي "، وكتابي " حروب الجيل الرابع وجدل الآنا والآخر "، حيث أعانني كثيرا بالكثير من النصائح والتوجيهات فيما. وكلما أتيح لى أن أستمع إليه أو أتحدث معه أشعر أننى أمام ‏نمط يستحق التقدير‎ ‎ونموذج يثير الإعجاب.

وكم سعدت كثيرا حين أقامت جامعة أسيوط في ذكراه الأولي حفل تأبين لروحه العطره، وذلك بحضور الأستاذ الدكتور أحمد عبده جعيص رئيس جامعة أسيوط (آنذاك)، والدكتور جعفر عبد السلام الأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية والمستشار هيثم منصور وعدد من أفراد أسرة المرحوم الراحل وزملائه وطلابه من أعضاء هيئة التدريس بالجامعة إلى جانب أسرة العاملين بالمركز.

ولا أنسي الكلمة الرقيقة التي قالها في حقه الدكتور أحمد عبده جعيص، حين أكد مصاب الجامعة الأليم فى فقدها لرجل فى قامة ومكانة المرحوم الدكتور محمد إبراهيم منصور والذي كان يمثل فخر للجامعة وعمود ارتكاز لكثير من أنشطتها، داعياً المولى عز وجل أن يتقبل ما قدمه من علم وعمل فى صالح أعماله وأن يظل علمه النافع صدقة جارية ترفع من درجاته فى جنات النعيم بإذن الله .

وحول رؤية محمد إبراهيم منصور حول عولمة الإرهاب فنجدة يؤكد أن العولمة ظاهرة اقتصادية عابرة للحدود والسيادات الوطنية، كما لو كان العالم مجرد سوق كبيرة، تقف وراءها شركات عملاقة متعددة القوميات ودول كبيرة فى آن؛ والعولمة لها وجهان متكاملان: الاقتصاد والتكنولوجيا، ووراءهما تقف الأطراف المسيطرة على هذين المجالين معاً.

وقد جاء عصر العولمة بمفارقات جديدة كما يقول محمد إبراهيم منصور، فبعض الدول تآكلت سيادتها وتراخت سيطرتها على حدودها وأراضيها وأسواقها فصارت مستباحة، بينما عرفت العولمة صعود دور الفعالين المسلحين من غير الدول، فقد ظهرت جماعات صغيرة مسلحة تحاول أن ترث سلطة الدولة ذات السيادة، وتستطيع بفضل استعمالات التكنولوجيا أن تهدد العالم من دون أن يكون لديها دول، بالمعنى السيادى والدستورى، ولكنها أقامت -بالمصطلح المعلوماتى- دولاً افتراضية على طريقة «الدولة الإسلامية فى العراق والشام» المعروفة إعلامياً بداعش، أو الدولة الإسلامية فى شمال مالى، أو الدولة الافتراضية التى أعلن عنها الشباب المسلم فى الصومال أو جماعة «بوكو حرام» فى نيجيريا أو أنصار بيت المقدس فى سيناء.

وهذه الدول الافتراضية أو المنظمات الإرهابية عابرة القارات في نظر محمد إبراهيم منصور تشكل تهديداً محتملاً للأمن والسلم الدوليين؛ فنجد إن عالم المستقبليات «ألفن توفلر» يعتقد كما يذكر محمد إبراهيم منصور: أن هناك خطورة من حصول الشبكات الإرهابية على الأقمار الصناعية، ولا سيما أن هناك أقماراً «متناهية الصغر»، وقبله حذرنا فى مقال منشور بالأهرام تحت عنوان «سيناريوهات ما بعد 11 سبتمبر» قبل أن يهدأ غبارها من وقوع أجيال جديدة من الأسلحة النووية تُنقل فى حقائب اليد إلى جماعات إرهابية. وقد بات من الثابت أن جماعة النصرة الإرهابية فى سوريا استخدمت سلاحاً كيماوياً محرماً، بينما لُفِّق الاتهام إلى النظام السورى!..

وكما أن فى العولمة شركات متعددة القوميات، هناك أيضاً منظمات إرهابية متعددة القوميات كما يقول محمد إبراهيم منصور، أعضاؤها شتيت من كل الأقوام والأجناس، وجميعها تنظيمات إرهابية، ما كان لها أن تلتقى وتجند أعضاءها وتتفق فى أهدافها، وتتبادل المعلومات فيما بينها، وتنسق نشاطاتها وعملياتها وتتوفر على مصادر تمويلها إلا بفضل الثورة التكنولوجية التى صاحبت العولمة، وخلقت شبكات للتواصل والتمويل بين هذه التنظيمات.

وقد أظهرت نشاطات إغراء المتطوعين لـ«الجهاد» فى سوريا والعراق كما يقول محمد إبراهيم منصور طفرة فى توظيف مواقع التواصل الاجتماعى، إذ لوحظ أن هناك تحولاً فى نمط الخطاب الذى توجهه التيارات التكفيرية بهدف إغراء المتطوعين بتقديم صورة أكثر جاذبية عن الجهاد وعن «الثواب» الذى يصيبه المجاهدون مثل غنائم الحرب ونكاح الجهاد وسبى النساء والسيارات الخاصة واستخدام الوسائط التكنولوجية الحديثة. ألم تنقل التكنولوجيا الإرهاب من ظاهرة محلية محدودة إلى ظاهرة عابرة للحدود والقارات؟! وهل تقارن تدفقات «المجاهدين» على سوريا بالحرب الأفغانية فى ثمانينات القرن الماضى التى لم تصل إلا لأقل من 10 آلاف مجاهد من الدول العربية والإسلامية؟! وهو عدد أقل من عدد المقاتلين الأجانب غير العرب فى سوريا وحدها (12 ألفاً من 81 دولة) أى بمثابة (غزوة متعددة القوميات)!ألم تتمكن التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود من تأسيس اقتصاديات موازية تقوم على شبكات تمويلية لا مركزية الطابع خارج نطاق النظام المالى العالمى، حافظت على قدرتها على تمويل عملياتها الإرهابية دون الاعتماد على المصادر التقليدية للتمويل؟! وهو ما يُعرف بالشبكات العميقة، التى تضم تحالفات مصلحية غير مقدسة بين التنظيمات الإرهابية وعصابات الجريمة المنظمة التى تقوم بنشاط واسع فى مجال غسيل الأموال.

إن العولمة ظاهرة مليئة بالتناقضات، فكما أنها أنتجت عولمة التجارة وعولمة الديمقراطية وحقوق الإنسان، أنتجت كما بقول محمد إبراهيم منصور أيضاً «عولمة الإرهاب». وصار صعود الإرهاب مرتبطاً بصعود العولمة. ففيما تضاعف حجم التجارة العالمية منذ سنة 1990 إلى السنوات الأولى من الألفية الثالثة من 5 تريليونات دولار إلى 10 تريليونات دولار، فقد تضاعف حجم تجارة غسيل الأموال -على الأقل - عشر مرات ليبلغ 5.1 تريليون دولار على مستوى العالم. ليس غسيل الأموال الناتج عن فساد مالى وأخلاقى موسع إلا محصلة لتعاون المافيات ومراجع سلطوية متعددة يبرهن فعلياً عن الإرهاب.

لقد بات النظام المالى العالمى، بما يشمله من بنوك كبرى كما يقول محمد إبراهيم منصور، غير ملائم لنقل الموارد المالية عبر الحدود بسبب القيود الأمنية، وصار تعويل التنظيمات الإرهابية الأكبر على شركات الصرافة ونقل الأموال والتعاملات الشخصية والتدفقات المالية عابرة الحدود التى تديرها منظمات الإغاثة الإنسانية والمنظمات الخيرية، فضلاً عن توظيف وسائل افتراضية جديدة للتدفقات المالية عبر الإنترنت من خلال بعض مواقع التحويلات المالية، وغالباً ما تستخدم التنظيمات الإرهابية «عملة افتراضية» تعرف بالبيكتوين Bictoin كآلية لتلقى التمويل من المصادر الخارجية. ويتميز استخدام هذه العملة باللامركزية بدون وسطاء لتنظيم التعاملات، وتستخدم عبر شبكة الإنترنت، كما لا تصدر بأرقام متسلسلة كالنقود الورقية، ولا توجد وسيلة لتتبع التعاملات الافتراضية.

إن أسياد العولمة لا تعنيهم الأسباب الموضوعية التى تنتج الإرهاب كما يري محمد إبراهيم منصور، بل يكتفون فقط بعولمة محاربة الإرهاب واستخدام الدول الصغيرة فى هذه الحرب بالزج بها إلى صفوف المواجهة الأمامية، أو على الأقل توظيفها لاختراق عدد من الشبكات الإسلامية العالمية، وعوضاً عن جهود عالمية جادة تستأصل الأسباب الموضوعية التى تنتج الإرهاب، يُكتفى بتحالف -عديم الأثر حتى الآن- بين الدول لمحاربة الإرهاب سيان إن كانت الدولة مناوئة له بحق أو داعمة له مثل قطر وتركيا، وهما عضوان بالتحالف العالمي، والتورط التركى فى تمويل بعض الجماعات الإرهابية كجبهة النصرة فى سوريا أو الإخوان المسلمين فى مصر من خلال هيئة الإغاثة الإنسانية التركية لا يعوزه دليل، كما تنحى دراسة أمريكية محايدة باللائمة على قطر لتمويلها جماعات إرهابية فى سوريا وليبيا، وما خفى كان أعظم!

وفي نهاية مقالنا لا أملك إلا أن أقول تحيةً للأستاذ الدكتور محمد إبراهيم منصور الذي لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطنى يقظ وشعور إنسانى رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4998 المصادف: 2020-05-12 03:53:24


Share on Myspace