 شهادات ومذكرات

الشيخ عبد الحميد كشك.. جحا العوام الزائف (2)

محمود محمد عليفي فترة الستينات انتقد الشيخ كشك صدور أحكام بالإعدام على بعض قيادات جماعة الإخوان المسلمين، إذ قال في إحدى خطبه :"في الوقت الذي عُلقت فيه الرقاب التي كل ذنبها إنها قالت لا إله إلا الله، كان الموسيقار محمد عبد الوهاب يقيم حفلة في سلاح الفرسان يغني أغنية تسلم ياغالي.

وفي أوائل السبعينات أعلنت شركة فليبيس عن اختراع شريط الكاسيت، والذي كان بوابة العبور للشيخ كشك من مسجد "عين الحياة" بحدائق القبة إلى كل محافظات مصر والعالم الإسلامي. وكان الشيخ يُحضر لصلاة الجمعة من عصر الجمعة التي تسبقها، فيستعين بمن يقرأ له الجرائد والكتب ويجهز المادة العلمية، ويمزجها بالنكتة ولهجته العامية المطعمة باللغة العربية وفصاحة لسانه وحنجرته القوية، فهكذا كانت خطبته مزيجا بين كل هؤلاء..

كما لقب بفارس المنابر.. كيف تحول الشيخ كشك إلى ظاهرة.. عند صلاة الفجر كان مسجده يمتلئ بالمصلين .. يظلوا جالسين ليحجزوا لأنفسهم مكان حتي صلاة الجمعة، قال روايات أسطورية عن التعذيب في سجون مصر، وشن حروباُ لاذعة عن الفنانين، ولُقب بفارس المنابر والشيخ الثأئر .. اتُهم بالإرهاب والتطرف، وأكد البعض أنه كان عميلاً لأمن الدولة ..

والسؤال الآن: كيف تحول الشيخ كشك لظاهرة ؟ .. وما حقيقة ما قيل عنه ؟..

قناة الميادين أعدت حلقة كاملة عنه يعنوان :" عبد الحميد كشك .. داعية أم عميل؟.. حيث قالت عنه أنه تفوق رغم الإعاقة .. بعد سنوات قليلة من ولادته أصيب الطفل عبد الحميد كشك بمرض الرمد الصديدي .. وهو مرض يمكن معالجته .. إلا أن خطأ وقع من المعالج تسبب من فقدان الطفل بصره في عينه اليسري .. وضعف بالعين اليمني .. لن يعيقه عن التفوق في دراسته .. ولم يمنعه من حفظ القرآن كاملا قبل أن يتم العاشرة من عمره .. مرت سنوات بعد ذلك .. فقد الفتي عبد الحميد بصره في كلتا عينيه .. فمكث في بيته حزيناً لسنتين قبل أن يقرر المضي في حياته .. وإكمال دراسة العلوم الشرعية .. ليتحصل بعد ثورة يوليو عام 1952 علي تكريم من الرئيس جمال عبد الناصر .. لحصوله علي أوائل المكفوفين في الثانوية العامة علي مستوي جمهورية مصر العربية ..

وبعد حصوله علي أوائل المكفوفين في الثانوية، أكمل الشاب عبد الحميد دراسته في الأزهر، وكان له نصيب التفوق أيضا، فتخرج وعُين معيدا في الجامعة عام 1964 . لكن كشك لم يكن لينسي شغفه بالوقوف علي المنبر ؛ خاصة أنه كان قد سبق له اعتلاء المنبر للخطابة حين كان في الخامسة عشر من عمره، ما دفعه لترك تدريسه والعودة للمساجد لممارسة ما يبرع به وما سيجعله لاحقا يلقب بفارس المنابر.

وفيما يخص سجون عبد الناصر، كان لكشك ما أردا،  فقد بدا عام 1965 بإلقاء الخطب في المساجد، وسرعان ما ذاع صيته، علي بروز قدرته علي الخطابة، وإضفائه الحماس ورواح الطرفة علي ما يقول ؛ وفي عام 1965 شن الأمن المصري حملة ضد الإخوان المسلمين بعدما عُرف في وقتها بتكشف مخطط سيد قطب الذي أتُهم بالتآمر ضد نظام الحكم، حينها طلبت أجهزة أمن الدولة من المساجد إدانة مخطط الإخوان وسيد قطب، لكن الشيخ كشك رفض ذلك بحجة أن الأمن يعتقل جماعة الإخوان المسلمين، في حين أن حفلات المطربين تقام دون أن يمسهم أحد، وقبل هذا التاريخ لم يُعرف عن الشيخ  كشك كلامه بالسياسة علي الإطلاق، ودخل المعتقل عام 1965 وخرج منه بعد عامين ونصف مع منعه من الخطابة ..

وبعد سنتين من خروج كشك من المعتقل .. رحل الرئيس جمال عبد الناصر عن الحياة وجاء إلي الحكم الرئيس أنور السادات .. وبعد أن كانت الاشتراكية تهيمن علي المجتمع المصري  وبعد حرب عبد الناصر علي تيارات الإسلام السياسي، كان الرئيس السادات يرغب في طي صفحة جمال عبد الناصر للأبد، فبدأ بحملة مضادة ضد الاشتراكيين والقوميين الذين كان ولائهم لعبد الناصر، وقرر ضم أسطورة عبد الناصر في وجدان المصريين؛ فأخرج المعتقلين من الإسلاميين والإخوان، وفتح لهم المنابر وسمح لهم  بالتمدد داخل المجتمع المصري وشن حروب علي الاشتراكية والقومية باسم الدين، فاشتد عود الإسلاميين وتيارات الإسلام السياسي في السبعينات داخل مصر وخارجها، حيث راحت دول عربية تحاول دحر الأفكار القومية التي أذاعها عبد الناصر، ومهد الطريق لصعود هجوماً جدد علي الساحة من الدعاة وتيارات الدينية بنجومية جديدة بعد أن كانت النجومية في الستينات والسبعينات حكرا علي الممثلين والمغنيين ..

برز مطلع السبعينات مطلع جديد علي الساحة، قادم من خلفية أخري .. الشيخ عبد الحميد كشك الذي كان قد استقر في مسجد عين الحياة في حدائق القبة بالقاهرة، والذي عُرف شعبيا باسم مسجد الشيخ كشك، وبدأ بشن هجوم معاكس علي نجوم الفن والسياسة، مستعينا بلغته الفصيحة، وصونه الصداح، وأسلوبه الممزوج بالطرافة، واستطاع استقطاب مئات الآلاف من المصريين، مستغلاً أشرطة الكاسيت التي سُجلت عليه خطبه، ووزعت في مصر والعالم العربي، وبلغت خطب الشيخ كشك حتي قدوم المصلين وقت الفجر لحجز أماكن للاستماع إلي خطبة الجمعة التي يلقيها، وكان الناس يتزاحمون علي مسجده، ومن يجلس خارج المسجد أضعاف من يوجدون بداخله ..

صوت الشيخ كشك لم يملأ مصر وحسب، بل انتشر في دول عربية أخري بعد قيام شركات خليجية بإعادة نسخ خطبه، وتوزيعها مجاناً في جميع الدول، لا سيما بعد أن تخصص الشيخ بنقده لفترة حكم عبد الناصر ومن الذين كان ولائهم لناصر في فترة حكمه.

وفي عصر الهزائم التي مُني بها عدد من الدول العربية، حيث كانت مصر خارجة من نكسة حزيران عام 1967، وحيث كانت إسرائيل تحتل جزءً كبيراً من الأراضي العربية، وتستعد لاحتلال المزيد، رأي الشيخ كشك أن العرب والمسلمين انشغلوا بمتابعة الفن والفنانين، الذين رأي فيهم وبما يقدمونه مضيعة للوقت وللمصلحة، فكرس منبره وخطبه للهجوم عليهم،  ولم يسلم من نقده وهجومه أحد، كما فتح النار علي رموز حقبة عبد الناصر من إعلاميين وسياسيين، وكان أبرزهم محمد حسانين هيكل دون أن يتمكن أحد من الرد عليه أو منعه .

وعن طرائف الشيخ كشك، فقد تميزت كما قلنا خطب الشيخ كشك بالبلاغة، والفصاحة، والصوت الجهوري المؤثر، وما زال من جاذبيتها حسه الطريف، فلم يسلم فنان من فناني مصر من هجوم الشيخ كشك والتهكم عليه وكأنه يحارب الفن والابداع في أشخاصهم، فقد هاجم كشك أيضاً عبد الحليم حافظ بشدة، ووصفه بأنه المسئول الأول عن إفساد شباب مصر، كما أنه سخر من أغنياته، ولعل أشهر ما قاله عنه هو أن "عبد الحليم لديه معجزتَين الأولى أنه أمسك الهواء بيديه يقصد مقطعا في أغنية (زى الهوا) "وأتارينى ماسك الهوا بإيديه"، ومعجزته الثانية هي أنه يتنفس تحت الماء، وكان يشير إلى قصيدة "رسالة من تحت الماء". كما سخر منه بعد أن غنى عبد الحليم: "جئت لا أعلم من أين"، التي علق عليها بقوله: "هذا رجل كاذب لأن عنده أولاداً ويعلم كيف جاء بهم فإنه مثلهم جاء من نفس الطريق" .. ويتضح من كلمات الشيخ كشك انه كان يستخدم الفكاهة الساخرة التي برع فيها للهجوم على الابداع والفن بشكل عام بغض النظر عن قائله، ورغم علمه باللغة العربية وبلاغتها فهو لا ينتبه للجماليات الفنية في كلمات الاغاني بقصدية الهجوم عليها لدى العامة محولا الجميل قبيحا وتلك ثمة اساسية في التيار الذي ينتمي اليه الشيخ كشك.

أما أم كلثوم فكان لها مع الشيخ كشك قصص أخرى من السخرية، منها أنه علق على أغنية “أنت عمري” التي تقول فيها "خدني في حنانك خدني.. عن الوجود وابعدني" فتندر عليها الشيخ كشك بقوله “امرأة في الستين عمرها تقول خدني فى حنانك خدني.. يا شيخة ربنا ياخدك”.

وعلى الرغم من أن الشيخ كشك كان يُعرف عنه عشقه للفنان محمد عبد الوهاب، وحرصه على سماع أغانيه، إلا أن عبد الوهاب لم يسلم من هجومه عندما قام بغناء أغنية “من غير ليه”، والذي وصل إلى حد تكفيره، حيث أصدر فتوى مع الشيخ "صلاح أبو اسماعيل" تجيز تكفير عبد الوهاب واعتباره خارج عن الملة وقام أحد المحامين برفع قضية على عبد الوهاب مستندا على هذه الفتوى، وفي ذلك يقول كشك “هل من الإسلام أن يتساءل عبدالوهاب مندهشاً أو معترضاً.. جايين الدنيا ما نعرف ليه؟.. ألا يعلم الجميع لماذا جئنا إلى الدنيا وأننا إلى الله ذاهبون؟”، إلا أن القضاء أنصفه وبرأ عبد الوهاب من تهمة الإلحاد نزولاً على شهادة الشيخ المشد رئيس لجنة الفتوى بالأزهر آنذاك.

الاتهام بالكفر أيضاً كان من نصيب الفنان الكبير يوسف وهبي، وذلك على إثر المعركة الشهيرة بينه وبين الأزهر الشريف، فبعد موافقته على تجسيد النبي صلى الله عليه وسلم في فيلم تركي، تعرض وهبي لتهديد الأزهر له بإصدار فتوى بتكفيره، وقد قامت العديد من الصحف وقتها بنشر صور ليوسف وهبي، وهو يؤدي دور “راسبوتين” الراهب الروسي الدموي، وتساءل الشيخ كشك كيف يقدم بعد ذلك صورة النبي “محمد” عليه الصلاة والسلام... وهبي دخل وقتها في معركة مع الأزهر وهو يصر على أن من حقه أداء الدور، ولكن في النهاية أمام ثورة الأزهر اعتذر، مؤكدًا أنه كان يريد تجسيد النبي ليظهر الإسلام في صورته الصحيحة للغرب، وأنه إن لم يقم بذلك سيقوم ممثل أجنبي به.

كما علق الشيخ كشك على وفاة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قائلاً: «إن يوم وفاة جمال عبد الناصر يوم لا ينسى»، كان يعتقد أن ملك الموت لا يجرؤ أن يقتحم الأسوار المنيعة ويدخل على عبدالناصر، ويوم مات طرق بابي طارق وقال لقد مات فلان فأعد نفسك لأنك ستعتقل الليلة،وقلت سبحان الله أشقى به حياً وميتاً،وأعددت نفسي وملابسى،وكلما طرق الباب خرجت بنفسى لأفتح له،إنه رعب حتى بعد الممات، لكنه مات،فسبحان الحي الذى لا يموت.

كان الشيخ كشك مهاجماً شرساً لثورة يوليو كباقي رفاق دربه من الاخوان المسلمين، والذين يكنون كل العداء للثورة فهي لم تحقق لهم مآربهم في الوصول للسلطة، فقال بحقها إنها لم تصنع شيئاً جيداً ولفت إلى أنها قضت على القضاء الشرعي وحلت جماعة الإخوان، ونقضت محاكم الشعب لكل من يقول لا إله الا الله، ثم امتلأت السجون فى 1965 بكل الموحدين». في اشارة للقبض علي مجموعة سيد قطب الاخوانية.

كذلك هاجم الشيخ كشك، فى إحدى خطبه فضيلة الشيخ الشعراوى، عندما تحدث عند الرئيس الراحل أنور السادات قائلاً: «إنه لو كان الأمر بيده لرفعه إلى مقام لا يسأل عما يفعل»، وكان الشيخ الشعراوى لا يقصد بهذه الكلمات أن يرفع السادات إلى مرتبة الألوهية، فرد عليه «إن الذى لا يسأل عما يفعل هو الله»، مشيراً فى حديثه أنه ما كان ينبغى أن يسمع هذا الكلام لأى حاكم.

كان الشيخ كشك،  له مواقف مؤيدة لجماعة الاخوان، ولم يحدث يوما أن خصهم بالنقد،بل كان دوما ما يثني عليهم ويكيل الاتهامات لأي فصيل سياسي آخر فيقول عنهم، إن هذا الشباب لا يعرف للسلاح طريقاً، ولا لاستعماله سبيلاً، مستشهداً بالآية القرآنية "إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى"، وأن شباب الإخوان لا يعرفوا العداء لأنهم تربوا على يد رجل يسمى "حسن البنا"، كان يقول لأتباعه كونوا مع الناس كالشجر يرمونه بالحجر فيرميهم بأطيب الثمر.. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

............................

المراجع:

1- قناة الميادين : عبد الحميد كشك .. داعية أم عميل؟.. (يوتيوب)..

2- محمد حمدي أبو السعود: أساليب الخطاب الديني: من صراخ الشيخ كشك إلى هدوء السلفيين..(مقال).

3- على عبد الرحمن: فى ذكرى ميلاد الشيخ عبد الحميد كشك.. عشق الغناء وهاجم المغنين..(مقال).

4- أحلام حسنين: مغامرات «الشيخ الثائر» مع أهل الفن والسياسة.. عبد الحميد كشك صاحب توك شو المنابر..(مقال).

5- محمد عبد الرحمن: الشيخ كشك: الضرير الذي هزَّ عرش طغاة عصره..(مقال).

6- حسام الحداد: الشيخ كشك : مؤسس مدرسة الشتم والسب على المنابر..(مقال).

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5094 المصادف: 2020-08-16 01:50:28