 شهادات ومذكرات

بيوت علم

يسري عبد الغنيمن الدور المهمة التي كان يلجأ إليها الطلاب والمدرسون وعشاق العلم والمعرفة، فيستفيدون منها أعظم استفادة، دار الإمام / أبي حامد الغزالي (توفى 504 هـ) حيث كان يستقبل تلاميذه في داره بعد أن اعتزل العمل بالمدرسة النظامية بنيسابور، على إثر رحلته التي قام بها لأداء فريضة الحج والاعتكاف في الجامع الأموي بالعاصمة السورية دمشق، حيث كتب كتابه الشهير (إحياء علوم الدين) .

وعندما اتهم العالم / علي بن محمد الفصيحي (توفى 516 هـ ) بالميل إلى الشيعة، وسئل عن ذلك الاتهام فلم ينكر، فتم فصله من المدرسة النظامية حيث كان من مشاهير مدرسيها، ولكن أفواجًا من المتعلمين راحوا يقصدونه في داره ليواصلوا القراءة عليه، وبالطبع ما اتخذه أهل السلطة في تلك الآونة من فصل للرجل من عمله يدل أكبر دلالة على ضيق الأفق والتعصب الأعمى الذي يضر بنسيج المجتمع، فالإسلام دين الوحدة والتسامح، لا يعرف الطائفية أو الحزبية المقيته التي تعصف بوحدة الأمة وتؤدي إلى ضعفها وتراجعها .

وكان الوزير الفاطمي / يعقوب بن كلس، وزير الخليفة / العزيز بالله (الخليفة الفاطمي الخامس في سلسلة الخلفاء الفاطميين، تولى 365 هـ، وتوفي 386 هـ ) على معرفة واسعة للمذهب الإسماعيلي، وقد كتب في الفقه الإسماعيلية كتابًا ضخمًا ضمنه ما سمعه من الخليفة الفاطمي / المعز لدين الله محمد أبو تميم (توفي 365 هـ )، والخليفة الفاطمي / العزيز بالله نزار أبو منصور (ابن الخليفة / المعز لدين الله، توفي 386 هـ)، وكان منزله كل يوم جمعة مأوى للعلماء والطلاب ليقرأ لهم من هذا الكتاب ومن سواه من الكتب .

أما السلفي أحمد بن محمد أبو طاهر (توفى 576 هـ) كان من العلماء الفقراء، وطاف بلاد الله، وقابل خلق الله حتى وصل إلى مدينة الإسكندرية المصرية، فتزوج امرأة ذات مال واتخذ من بيته بالإسكندرية مكانًا للتعليم، وفي الجزء الثالث من منتخباته من أصول سماعات أبي الحسن علي بن المشرف يقول: بلغت من أوله قراءة وسماعًا ومعي إسحق وحمد ابنا أحمد بن موسى المروزاني، وصح لنا ذلك في منزله بالإسكندرية .

تلك أمثلة تعد نماذج فقط لسواها مما حفلت به كتب الأدب والتاريخ، وهي تبين بوضوح أن منازل العلماء أسهمت بنصيب وافر في نشر الثقافة والعلم في أرجاء المعمورة الإسلامية، وبخاصة قبل انتشار المدارس .

ولما كان البيت مكانًا له خصوصيته التي لا يصح أن تنتهك بأي حال من الأحوال فمن الطبيعي أن يحسوا رواده بالوحشة والانقباض، ومن هنا كان على صاحب البيت - وقد جعل منه ملتقى للطلاب والتلاميذ - أن يقابل رواده ببشاشة وترحيب ويسري عنهم قدر الطاقة والإمكان، وإلا فقد يتسبب عن ذلك انقطاعهم عن الحضور .

بالطبع هذا مما يجعل الدرس قليل الجدوى، ويتحتم على الطلاب كذلك أن يتسموا بالوقار والهدوء حفاظًا على حرمة البيت وجلاله .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5184 المصادف: 2020-11-14 02:56:11


Share on Myspace