 شهادات ومذكرات

نكبة بني العباس وخراب سامراء!!

صادق السامرائيهذه قراءة نفسية سلوكية مكثفة لتأريخ الخلافة العباسية في سامراء (221- 279) هجرية، في محاولة للإجابة عن لماذا تخربّت سر من رأى وتحولت إلى ساء من رأى في وقت قصير.

والسؤال لماذا لم يتم وضع حراسة على قصورها ومنشآتها عند مغادرتها؟!

 المعتصم هو الذي إنطلق ببناء سامراء، وكان مغرما بشراء الغلمان الأتراك، فأسس بهم جيشا لحمايته أشبه بما نسميه اليوم بالحرس الجمهوري أو الملكي أو القوات الخاصة، وقد تجاوز عددهم عشرات الآلاف، وعندما ضاقت بهم بغداد وسئم أهلها منه ومنهم، قرر الرحيل بهم إلى مكان آخر فابتنى مدينة سامراء لتكون معسكرا لجنده وعاصمة لدولة الخلافة، فأمعن في عمرانها لتتوافق وعظمة الدولة العباسية آنذاك. ويبدو أنه كان يعرف اللغة التركية.

وقد حاول المعتصم بشتى السبل من منع الأتراك من مضايقة العرب والإختلاط بهم، وكان صارما معهم وشديدا جدا ولا يرأف بهم إن أحادوا عن سبيله.

وقد إرتكب خطيئة أخرى عندما قرر تزويجهم في سامراء فاشترى آلاف الجواري ليصبحن زوجات لهم، ومع الزمن تزايد عددهم وبلغت سطوتهم ذروتها، ويبدو أن أعدادهم قد فاقت سكان مدينة سر من رأى بأضعاف مضاعفة.

وتوفى المعتصم وترك جيشا عرمرما فيه قادة متمرسين وذوي شأن في الدولة، وجاء بعده الواثق الذي كان واعيا لسطوة الأتراك وقوتهم  فتعامل بمثل ما تعامل والده معهم ولجم جماحهم، لكنه لم يحكم طويلا ويبدو أنه كان مريضا، فتوفى وجاء من بعده المتوكل.

المتوكل إنهمك بالعمران والبنيان، وكان مهابا ومؤثرا لا يستطيع الأتراك مواجهته وتحديه، وكان وزيره معه الفضل بن سهل، وحكم بقوة وسطوة لستة عشر سنة، لكن الأتراك تكاثروا وهيمنوا وكانت العقبة الوحيدة أمامهم للإستئثار بالسلطة هو المتوكل ووزيره، فتحالفا مع ولده المأفون المنتصر وفي ليلة عتماء قتلوا المتوكل ووزيره.

 فصار المنتصر دمية بيديهم، نصبوه خليفة لستة أشهر وحرضوه على خلع أخويه من الخلافة ومن ثم قتلوه، وجاؤوا بعمه المستعين بالله ويعد ذلك إنقلبوا عليه، وأخرجواالمعتز إبن التاسعة عشر من السجن ليكون خليفة وهو كالأسير عندهم، ودفعوه لمقاتلة عمه في بغداد وإستمرت حربهم أشهرا، حتى تنازل المستعين بالله عن الخلافة، فإستصدروا من المعتز أمرا لقتل عمه المستعين بالله، وتم لهم ذلك، وبعد فترة قتلوا المعتز شر قتلة وجاؤوا بالمهتدي ليقتلوه ببشاعة، ويضعوا المعتمد خليفة من بعده، وكان خائفا مرعوبا منهم، ولا يحكم بإرادته.

وكان أخوه الموفق هو القائد الفعلي الشجاع المقدام الذي تمكن من إسترداد هيبة الدولة من الأتراك وخاض بهم حروبا شرسة، لكنه مات في 278 هجرية، وكان هو ولي العهد، فرأى المعتمد أن يكون إبنه وليا للعهد، لكن المعتضد الذي شارك مع أبيه الموفق في الحروب والمواجهات كان قويا حازما فأجبر المعتمد على أن يكون هو صاحب الحق في الولاية لأنه وريث أبيه، وحصل ما حصل وتنازل المعتمد عن ولاية العهد للمعتصد ومات أو قتل بعد أيام.

ومنذ مقتل المتوكل توقف البناء والعمران وعمّ الإهمال مدينة سر من رأى فتهاوت أركانها وبدأت تذبل كالزهرة المتفتحة في المروج.

أي أن خراب سامراء بدأ في اللحظة التي قتل فيها المتوكل فأهملت، ومضى على هذا المنوال حتى تحولت إلى خرائب وأطلال.

هذا ملخص حكاية خلفاء بني العباس بعد مقتل المتوكل في سامراء.

فالنكبة الحقيقية التي حصلت تسبب بها المنتصر الخليفة الغبي المأزوم الذي قتل أباه من أجل الكرسي، وتناسى أن الذين إستخدموه سوف يقتلونه حتما.

ولا يمكن إغفال خطأ المتوكل في هذا الشأن فهو الذي عهد بولاية العهد للمنتصر ومن ثم المعتز ومن بعده للمؤيد، وبعد أن أصدر تلك الوثيقة، أدرك أنه قد أخطأ وعليه أن يخلع المنتصر، لكنه لم يفعلها بأمر، وإنما أخذ يهزأ منه ويوبخه أمام الآخرين، ظنا منه أنه سيدفعه للتنازل عن ولاية العهد لأخيه المعتز، لكنه إنتقم لنفسه من أبيه فقتل المتوكل نفسه بإبنه.

هذا الإبن مضى على سورة إنتقامه فخلع أخويه من ولاية العهد، ولم يعرف الخلافة إلا لأقل من ستة أشهر، قتل بعدها مسموما أو بغير ذلك، وعمره لم يتجاوز السابعة والعشرين.

ففي هذه الفترة التي إستمرت لما يقرب من عشرة سنوات، صار الخلفاء الصبية دمى بيد الأتراك، يقتلونهم ويخلعونهم ويسجنونهم ويشردونهم، وهم كالأسرى عندهم، ولا من مغيث.

وفي الجانب الآخر هناك العرب الذين يتذمرون ويغضبون ويرفضون ما يحصل، لكنهم بلا قوة عسكرية كافية لمواجهة العابثين بالبلاد والعباد.

ويمكن القول أن الأتراك قد فقدوا قدرتهم للتحكم بالسلطة، ووجدوا أنفسهم بلا أموال وأرزاق بعد وفاة الموفق، الذي أنهكهم في الحروب، فهجروا المدينة وعادوا إلى ديارهم، وبقيت المدينة خالية بلا حماية وأمن، فهب عليها العرب من كل حدب وصوب وعاثوا فيها نهبا وتخريبا، وبروح إنتقامية وعدوانية شديدة لما عانوه من جور الأتراك فيها عليهم.

والغريب في الأمر أن الجوامع التي بنيت فيها قد خربت، وهذا سلوك يبعث على الحيرة ويحتاج إلى تفسير، فالجامع الأموي الذي بني قبل جامع الملوية بأكثر من قرن لا يزال قائما، أما جامع الملوية فقد إنفنى عن بكرة أبيه، ولم يبق منه إلا المئذنة والأسوار.

بعض المؤرخين يتهمون التتار بالخراب وهذا ضعيف إسناد، فالشاعر إبن المعتز الذي ولد في سامراء وترعرع فيها يصف خرابها بأشعاره بعد إنتقال العاصمة إلى بغداد، حتى أحد الخلفاء حاول العودة إليها بعد بضعة سنوات فلم يجد ما يمكن إصلاحه من القصور، أي أنها قد آلت خرابا في بضعة سنوات وبأيادي العرب الذين كانوا حولها.

ويبدو أنه سلوك تخريبي يتكرر في حياتنا، فكلما تسقط مدينة ينهال عليها أهلها فيمعنون بنهبها وتخريبها، وهذا ما حصل لسامراء، كما حصل للعديد من مدننا بعدها.

 

د. صادق السامرائي

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

أني العزيز
في حياة العربي كما يبدو لا يوجد شيء اسمه مصلحة عامة. يوجد فقط المصلحة الخاصة. من خلال هذه المصلحة الخاصة نرى كل شيء: الوطن. الأدب. الجمال. التضحية. الزمان المكان...كلها أشياء نراها من خلال مصلحتنا الخاصة وهذا مرتبط كما يبدو بنمط حياتنا وبنيتنا البيولوجية.
تحياتي

حسين فاعور الساعدي
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ حسين فاعور الساعدي المحترم
أطيب التحايا وأصدق التمنيات

المصلحة الخاصة الصادقة لا تتعارض مع المصلحة العامة لأنها تحتاجها والعلاقة بينهما متكافلة.
أما تلك فهي سلوكيات الكراسي المأفونة المحقونة بأقياح أمّارة السوء التي فيها.

معذرة لأن النسخة التي نُشرت سهوا غير النسخة المحررة

طابَ إشراقكَ البديع

د. صادق السامرائي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5209 المصادف: 2020-12-09 01:05:19


Share on Myspace