 شهادات ومذكرات

آلو.. السلام عليكم

امان السيد يطلب موعدا، تتخيّل، ماذا يمكن أن يجري بيني، وبينه من أحاديث، لكن قد يكون قصدني لشيء ما، وبما أننا ننحدر من الجدار نفسه، فلا ضير أن أستمع إليه، بعد أن طلب اللقاء أكثر من مرة!

تتفحّصه مقبلا، بازدواجية المُغتربات، ولكن ماذا، وتفاصيل المغترب صارت هي نفسها في الأوطان الأم، ألم تستطع العولمة أن تسيطر على كل شيء، وتدخل في نتوءات عقولنا، وتفرغ جديدها في أدمغتنا لتهبنا هناك تلك الازدواجية أيضا؟!

اللحية النّابتة، مهذّبة قليلا، تماشيا مع ما يتطلّبه العالم الجديد، "التي شيرت" الذي يكاد يسحق جسده تحتها، عضلات شبه متصلّبة توحي بأن صاحبها رياضي، البنطال، هو الآخر يساير التي شيرت، وثنائية صاحبها.

"السلام عليكم"، تحية تبثّ عطرها، حتى وإن لم تختصّ بطائفة معينة، ولكن" وإن حُييتم بتحية..." اللفظة النّكرة "تحية" التي تفتح على اتّساع التّعايش كله، نادرة هنا، وقد لا يُردّ إلا بـ" وعليكم السلام"، كتأنيب وتقريع، واستعلاء على ثقافة فهمتها أنتَ بما امتلكت من وعي بمضمون تلك الآية الكريمة.

أما بعد.. فهل السّرد يقتصر على مشهدين أو ثلاثة؟ إذا كان الأمر كذلك، فعليك ألا تتابع القراءة!.

يجلس الرجل الخمسيني، حديثه فيه من التّثقف المُبوَصل في الجهة نفسها، هو المسيطر.. وماذا بشأن جلستك مع امرأة في مكان مختلط الثقافات، والسلوكيات، وماذا، والمرأة كاشفة تاج جمالها، وإن كان غابة من الأشواك، أو جبلا أجرد.. هنا سيكون للمفاهيم مرونتها التي تُثكل.

يجري الكلام، للوهلة الأولى لا يمكن إلا التيقّن بأنك أمام رجل متحرر من القيود الفكرية تماما، الجلسة ينقصها فقط أن تُسلم المرأة كفّها لراحتيه، أو تتّكئ على كتفه، بالطبع ليس في عقلها مطلقا أي طرف من ذاك، لكنه في عقله، الأطراف كلها، الجسد المهيكل وراء لباس عادي، يراه غير عادي، المهم ذاك المستدير المنصبّ بين كتفيها والذي تواجه به الأفق، وبما أنه يصطفق مع الهواء دون تجلبب، فالأمور التي في تفكيره مُتاحة بمطلقها..

المهمّ، الأهم أنّ المُزدوج يحشر بين هذا، وذاك آيات قرآنية، وبعضا من أحاديث شريفة، تستبقه المرأة المقابلة إلى إتمامها، والبدء بها في أغلب الأحيان، لكن عذرها مسحوق تماما أمام رأس غير مجلبب بستر..

الله، يا لذاك الغطاء كم يمنع من الشهوة ويحبسها، إنه مخرز في قلب بارود ينتصب، فيخمده، وهو وحده القلعة التي تنتعلها الأنثى في تجوالها، وترحالها، قلعة يحرسها ألوف من الجنود مشرعين أسلحتهم المختلفة، بنادق، وقنابل، وآربي جي، وأحيانا راجمات صواريخ، كل ذلك لتسحق به تلك الشهوة التي لا تنخمد في ذكر تنبثق مآسيه بجمعها من شعر امرأة، هو نفسه الطريق إلى الولوج في مغارتها التي تنتظر فقط ركلة، أو نكزة، فارس اللحظة يحلم بها، ولا سيما أنه بعيد عن المرأة منذ سنة!..

يا لعاركن أيتها النسوة حين لا تقدّرن كارثة أن يخلو عالم ذكر من امرأة طوال سنة، "أليس أعزب الدهر، أكثر فظاعة في أحواله من أرمل الشهر"، و"أليست المرأة هي سبب الفتنة، وهي المعلّقة من ثدييها في جهنمهم، وهي حواء البغيضة الطاردة لنقائه من عالم الخلد، وأليست هي سبب جريمة القتل الأولى بين أخوين"، ورغم تلك الجيوش كلها من المآسي التي تسببها النسوة، ما تزال تفاحتُها الشّهيةَ، وكمّثراها المرتجاةَ، أما الشّراكة في الإثم، فليست إلا بسببها أيضا، وهو الإثم الذي يُغتفرله بسبب ما حُبي به من قوامة يلغيها الواقع تماما، أما إثم أنوثتها، فيظلّ يتكرّر جَلدُه على مرّ الدهور..

لم يحترز المزدوج من التّصريح، فحين عيناه راحتا تجولان في كل واد، لعل شقًّا ما من هنا، أو هناك يوصل إلى فرجة تُطفئ لظى القلب، تُعوَضه عن عام من الحرمان اللذّي..

السماء تمطر في الخارج، هل تُقلّينني بسيارتك، مكاني ليس بعيدا.. ليس من أقنعة الآن البتّة، فبعد "السلام عليكم" افتُرض أنّ الاطمئنان قد شاع، وأنّ كؤوسه قد انهلّت برحيق الفردوس، وجنائن سماوية، فلا بأس إذا أن ينحشر بجسده المُنهك قريبا منها في السيارة، لا سيما، وأنّ المَخفيّ المَأمول يستحقّ المجازفة، وهناك مظلّةُ الشمس أمام مقعده حين يُسدلها مثل لصّ، سيُسدل على العيون مئات من تلك الخُمر التي تُخَمّر رؤوس النسوة في هذا العالم الآفن، فلا يعود مرئيا لمن يصادف أن يمروا في شوارع، بها قد يُلمح.

ما به يتلعثم، وهو يهبط من السيارة، لعله توقّع أن تنكبّ حوّاؤه بخطيئتها فوقه، أليست هي مصدر الغواية برمّتها، ماذا بها هذه، التي تدّعي الاختلاف، أتعتقدني سأصدّق أنها لا ترغب بي أكثر مما أرغب بها، لا بأس إذا، الطرق تتفرّع، الزواج يسيّل لعاب أمثالها، ولكن، كيف؟ حتى طلب الزواج لم يحرك فيها ساكنا؟!

تسقط من بين شفيه عسلا معلقما، دعوةٌ إلى الصعود إلى الشقة: إنني وحدي.. هل من تطمين أكثر من هذا؟ ماذا تريد تلك السافرة الرأس أكثر من ذلك.. إنني أرغبها، هل هي بهذا الغباء، فكم من امرأة تدحرجت في ثقل ازدواجيتي، مسبحتي حين تُكركر التّسبيح من تُراهُ سيشكّ بنقاء لُبابي، وجبهتي حين تخرّ على الأرض وراء الإمام صَعقا، من سيشكّك باختلاط يقيني..

يصفقُ الباب، خائبٌ هو، يعرف أنها لم تُعره التفاتا، فيخجل من الانتكاص رجوعا بنظرة. تنطلق السيارة تنهشُ الأرض، عبير من زهور برية يتصعّد من جهاز تسجيلها، تربت بأناملها على المقود، وتستغرق في دنىً من الطّوف.

آلو.. السلام عليكم.. عبارة بقيت أرملة عنكبوت على جهاز الهاتف في مساء يقدم ملحاحا..

 

أمان السيد - سيدني

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5218 المصادف: 2020-12-18 11:26:25


Share on Myspace