 شهادات ومذكرات

عندما تمتزج النورانية بالفكر المبدع

يسري عبد الغنيالإسم بالكامل مصطفى كمال محمود حسين آل محفوظ ولد في 27 ديسمبر 1921 في ميت خاقان بمركز شبين الكوم بمحافظة المنوفية وتوفاه الله في 31 أكتوبر 2009 عن عمر يناهز 88 عاماً قضى معظمها في القاهرة. ويعود نسبه إلى الأشراف و ينتهي نسبه إلى علي زين العابدين. توفي والده وهو مازال يدرس بالجامعة وعمره 18 عاماً يدرس الطب و تخرج عام 1953 و تخصَّص في الأمراض الصدرية، ولكنه تفرغ للكتابة و البحث عام 1960. تزوج د. مصطفى محمود عام 1961 وانتهى الزواج بالطلاق عام 1973 و رزق بولدين هما "أمل" و"أدهم" ثم تزوج ثانية عام 1983 و لكن لم تمر حوالي أربعة أعوام حتى إنتهى، وانتهى بالطلاق عام 1987. بدأ حياته متفوقاً في الدراسة، حتى ضربه مدرس اللغة العربية، فغضب و انقطع عن الدراسة مدة ثلاث سنوات إلى أن انتقل هذا المدرس إلى مدرسة أخرى فعاد مصطفى محمود لمتابعة الدراسة. وفي منزل والده أنشأ معملاً صغيراً يصنع فيه الصابون والمبيدات الحشرية ليقتل بها الحشرات، ثم يقوم بتشريحها، و حين التحق بكلية الطب اشتُهر بـ"المشرحجي"، نظراً لوقوفه طول اليوم أمام أجساد الموتى، طارحاً التساؤلات حول سر الحياة و الموت وما بعدهما.

إنه الكاتب العلمي والسياسي والأدبي الذي صاحبه الزعيم السادات والذي ما كان يمر شهر حتى كان يطلبه مع النخب للقاءات فلسفية وسياسية وتأملية للإستفادة من إمكاناته الفكرية. هو الفيلسوف الذي تمتع بحب الناس البسطاء وبكل الدرجات ومنهم الفنانون فأخرجت مسرحياته. الكاتب المتأمل صاحبه الفنانون مثل د. محمد عبد الوهاب وعبد الحليم وجلال الشرقاوي وكامل الشناوي وإحسان عبد القدوس وغيرهم و وصلت أواصر الصداقة بينه وبين عبد الوهاب في أخذ رأيه في الأصوات الجديدة حينئذ، مثل محمد ثروت وغيره. الكاتب ذو الصوت العذب والضحكة المتميزة ونظرات العيون المتأملة. والذي أتقن العزف على العود و الناي ببراعة ولازماه طيلة حياته.

إنه صاحب حلقات بحلقات برنامجه العلم والإيمان التي خاطب فيها العقل المتأمل بفلسفته والفكر البسيط. الرجل الذي قضى نصف حياته في السفر لجمع المواد العلمية والتأمل و التعارف حتى نقل خبرات العقول الأخرى بفكر واع سبق عصره. الرجل الذي إختلف معه أهل الدين و الفقهاء و المتخصصين و لكنه بنى مسجداً شهيراً و مستشفى لخدمة البسطاء وبالجهود الذاتية. إنه الرجل الذي بحث عن الحقيقة ثلاثين عاماً في رحلة شاقة حتى اهتدى إلى الصراط والفطرة والدين الصحيح. الرجل الذي قال عن نفسه في تجربة هي الأولى من نوعها في العصر الحديث "لقد بدأت الدين من أول السطر" حتى يدرك فلسفة أحكامه و نواهيه بالعقل والنقل و ليس النقل فقط. وقد صهرته هذه التجربة بقوة وصنعت منه مفكراً دينياً خلاقاً، فلم يكن هو أول من دخل في هذه التجربة، فعلها الجاحظ قبل ذلك، و فعلها حجة الإسلام أبو حامد الغزالي. تلك المحنة الروحية التي يمر بها كل مفكر باحث عن الحقيقة، ان كان الغزالي ظل في محنته 6 أشهر فإن مصطفى محمود قضى ثلاثين عاماً أنهاها بأروع كتبه وأعمقها (حوار مع صديقي الملحد)، (رحلتي من الشك إلى الإيمان)، (التوراة)، (لغز الموت)، (لغز الحياة)، وغيرها من الكتب شديدة العمق في هذه المنطقة الشائكة.

إنه العالم الذي لم يهزمه المرض الذي أقعده في بيته ثلاث سنوات أثناء صغره وهو في دراسته الجامعية والذي لم يوقف سيل كتابته في كبره أثناء عمله. الطبيب الذي فضل الكتابة العلمية عن مزاولة الطب ليكون متميزاً ومتفرداً في منهجه وأسلوبه فسبق عصره. الرجل الذي مزج العلم بالإيمان فجعل الإيمان من العلم والعلم من الإيمان. الرجل الذي جعل الإنسان البسيط يردد "سبحان الله" عندما يشاهد آيات الله في الكون و الناس. الرجل صاحب الضحكة العذبة والصوت الحنون والنبرة الهادئة، الرجل الذي كان برنامجه جزء من ثقافة عامة الناس فأثرت فيهم وأعلت من شأن فكرهم وحركت تيارات الفكر في العقول الساكنة حتى جعلت الفلاحين في الحقول يتحدثون بلغته العلمية.

ألف الدكتور مصطفى محمود 89 كتاباً منها الكتب العلمية والدينية والفلسفية والاجتماعية والسياسية إضافة إلى الحكايات و المسرحيات وقصص الرحلات، و قدم 400 حلقة من برنامجه التلفزيوني الشهير (العلم والإيمان)، وأنشأ عام 1979 مسجده في القاهرة المعروف بـ "مسجد مصطفى محمود". والذي يتبعه ثلاثة ‏مراكز‏ ‏طبية‏، ‏و ‏أربعة ‏مراصد‏ ‏فلكية‏، ‏ومتحفاً ‏للجيولوجيا‏‏، والاسم الصحيح للمسجد هو "محمود" وقد سماه باسم والده والذي أنشئ بالجهود الذاتية وكان أولها دخل كتابه الأول "المستحيل". تلك نبذة عن مفكر وفيلسوف وكاتب مبدع وطبيب ومتصوف وإعلامي، قلّما أن يجود الزمن بمثله في العصر الحديث سواء اختلف الناس معه أو اتفقوا فسيظل رمزاً للفكر المتحرك الذي يلقي الحصى في الماء الراكد ليسري فيه تيار الفكر والتأمل و الحكمة والتحليل المنطقي والإبداع الخلاق.

مات مصطفى محمود ولكن تعيش أعماله و أفكاره بين الناس و لن تموت. ومن يدري لعل أن يأتي اليوم الذي تقدر أعماله مجتمعة وينال التقدير والتكريم الدولي الذي يستحقه والذي أتمناه له في جائزة نوبل للسلام، نعم هو يستحقها فيكفي أنه كان سبباً في حراك فكري فردي ومجتمعي على مدار أكثر من نصف قرن من الزمان. ما أحوجنا إلى ألف مصطفى محمود هذه الأيام. وكل الأيام.

رحم الله د. مصطفى محمود وجعل كتاباته وأعماله في ميزان حسناته.

 

بقلم. د. يسري عبد الغني

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5226 المصادف: 2020-12-26 00:19:43


Share on Myspace