 شهادات ومذكرات

الطبيب النفسي والقلم!!

صادق السامرائيإلى روح الزميل (حسين سرمك حسن) الذي تأثرتُ بغيابه المباغت:

"يا طبيباً وأديْباً حاذِقا

ونَطاسِيًّا أريْبا بارقا

جَهْبَذٌا كنْتَ، عَليْما بارعا

ناقدا دًمْتَ وجئتَ السامِقا

قدْ جَعَلتَ النقدَ نَهْجاً فاعِلاً

ومَناراً وبَيانا فارِقا

يا زَميلاً بازغا في ليْلِنا

فُقِدَ البَدْرُ فَكِدْنا الصادَقا"

الكتابة قد تكون موهبة أو مرضا أو سلوكا إدمانيا، لكنها تختار مَن يمثلها وتستعبدهُ، وتكون فيه رغما عنه أو توافقا مع ما فيه.

وكثيرا ما تساءلت عن علاقة الطبيب النفسي بالقلم (الكتابة)؟

قبل أن أدخل كلية الطب كنت أكتب كثيرا وأنشر قليلا في مجلات عربية، خواطر وقصص قصيرة ومقطوعات نثرية على أنها شعر، وتواصلت في الكتابة والقراءة أثناء دراستي في كلية الطب، وذات يوم  نشرتُ قصة قصيرة في نشرة الكلية، وأنا أتأملها وإذا بعميد كلية الطب المرحوم الدكتور (فخري الدباغ)، قد توقف وراح يقرأ في النشرة، وجذب إهتمامه القصة فأعلمته بأني كاتبها، ومضى معي في كلام  مهم عن ضرورة التواصل في الكتابة وأهمية أن يكتب الطبيب.

وتطورت تفاعلاتنا بعد ذلك فأهداني أول كتاب نشره، وكنت معجبا بأسلوبه في الكتابة وأتابع مقالاته، وما خطر ببالي سأتخذ من الطب النفسي إختصاصا، لكنها الأيام والأعلام والتفاعلات مع الأحداث والتطورات والحالات الإنسانية، رمتني في أتون ما لم يكن بالحسبان.

توفى أستاذي قبل أن ألج باب الطب النفسي، لكن كتاباته وأحاديثه بقيت مؤثرة وفاعلة في نفسي، فهو الطبيب النفسي العراقي الوحيد الذي كان يكتب في الصحف والمجلات.

وقبل ذلك كان الدكتور (علي كمال) من أصحاب القلم أيضا.

وكان بعض الأساتذة الذين تدربت معهم لديهم ميل للكتابة لكنهم ليسوا من أصحاب الأقلام المؤثرة، ففي العراق لم يبرز طبيب نفسي يكتب، كما أن عددا من الزملاء كانوا يكتبون لكنهم إعتزلوا الكتابة خشية العواقب والمخاطر.

وفي مرحلة إقامتي كان الدكتور (ريكان إبراهيم) ينشر عمودا "تحت الجذر التربيعي"، وكنتُ أتابعه، وعرفت أنه يكتب شعرا لم أطلع عليه في حينه.

وما أدهشني ظاهرة الدكتور (حسين سرمك حسن)، فهو طبيب نفسي موسوعي متعدد المواهب والقابليات النقدية والتأريخية والتحليلية والتوثيقية المتميزة، وشدّتني إليه جرأته المُطلقة المُقلقة، وشجاعته الواضحة، فهو المُتحدي المُغوار بقلمه وفكره وثقافته، والمُحارب الدؤوب في الميدان، دفاعاُ عن الحقيقة والمعاني الإنسانية السامية.

فأخذتُ أتابعه بجدية وشعور بأن البلاد فيها طبيب نفسي صاحب قلم إنساني وطني نقدي ثائر مكافح، متوثب بإيمان وإخلاص لتأكيد الحقيقة وبث أنوار المعرفة الأصيلة.

ومن أروع ما قدمه وبجهد لا يُظاهى منهجه المعاصر في كتابة التأريخ، الذي يستعصي على التزييف والتضليل والتدسيس، فإقترابه العلمي الدقيق الموثق المدعوم بالبراهين والوثائق والصور وغيرها من الأدلة، يقدم لنا أسلوبا جديدا في قراءة وتسجيل الأحداث بمنظار علمي محايد نزيه.

وقد تألمت كثيرا لفقدانه المفاجئ المتوجس، وحسبت ربما سننطلق في مشاريع تنويرية ثقافية مشتركة، لكنه غادرنا مبكرا.

ومن الواجب الأخلاقي القول أن الدكتور (حسين سرمك حسن) هو الطبيب النفسي العراقي المناضل المقدام الغيور، الذي تحدّى وكابد وتواصل في إرساء القيمة المعرفية السامية للكلمة والمعلومة، والمجاهد الفذ الذي كدح لإظهار الحقيقة وتحريرها من التشويه والتضليل.

 والدكتور (حسين سرمك حسن) ظاهرة معرفية موسوعية عراقية عربية لا تُظاهى، غادرنا مُحمّلا بمشاريع وطاقات كان عليها أن تورق وتنير، والأمل أن يحمل مشعل رسالته الثقافية قلم يستلهم روح تطلعاته وجوهر أهدافه النبيلة، التي فتحت أبوابا مشرقة في دروب الحياة المعرفية الحرة الشميمة.

يقول تعليقا عمّا كتبته عنه في 10\11\2020:

 " أفعم موقفكم الغيور المنصف روحي بالإيمان والإصرار على مواصلة النهج  الذي نذرتُ له نفسي...نهج الأمانة العلمية والذود عن الحقيقة والإخلاص لمحن أمتنا"!!

فلن تهون أمّة تلد أفذاذا كمثله!!

تحية لزميلٍ أحبَّ الكلمة وإنتمى للإنسانية، وجاهد لرفع قيمة الإنسان، في زمن تحوّل البشر فيه إلى أرقام!!

فوداعا أيها الطبيب النفسي الأديب العليم الأبي المقدام!!

 

د. صادق السامرائي

29\12\2020

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (6)

This comment was minimized by the moderator on the site

رحمه الله وأسكنه فسيح جناته. خسارة كبيرة للأمة.
انا لله وانا اليه راجعون.

حسين فاعور الساعدي
This comment was minimized by the moderator on the site

اخي الحبيب الاديب د. صادق السامرائي . اشكر لك وفاءك وذاكرة مودتك لاخينا د. حسين سرمك الغالي علينا حيا وميتا . لقد مثلت يا د. صادق انت واخونا المبدع سعد جاسم رمزين صادقين للوفاء العراقي المفقود .

د. ريكان ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

الدكتور صادق السامرائي المحترم
لا تحتاج لان اشكرك او اقول عن وفاءك للثقافة و للنقد منها و للراحل الغالي العزيزفانت من تلك الخصال النبيلة التي ندرت اليوم
في ’’لجلجتي’’ وارتباكي وانا اقترب من الراحل العزيز الدكتور علي الوردي وجدت منه موقف كبير ليس غريب عليه وهو لا يعرفني و انا لا اعرف شخصياً وكانت كلماته فيما عرض ادهشتني..ودفعتني عن بعد للبحث فيما انتجه هذا الانسان النبيل وتابعني مرشداً و اتخذته مرشداً فعندما اكتب و اتعثر و اشك بدقة ما سطرت رغم وجود المصادر التي تسعفني كنت الجأ اليه سائلاً طالباً رايه في هذه العبارة او تلك او هذا التفسير او ذاك..و كان كما هو كريماً ليس في كرمه لا لف ولا دوران رغم اختلافي معه في موضوعة الراحل الكبير علي الوردي.
بالمناسبة فلديه مخطوطة كتاب عن الراحل علي الوردي قال عنها ستنشر بعد وفاته,
كما يجب ان اقول ما قلته سابقاً كان لك تعليق كنتُ في حاجة اليه وانا اٌحاط بالمثبطات
...........................
للراحل الكبير عطر دائم فواح وسيبقى بيننا و بين الكتاب و النقاد و المثقفين بما ترك وقدم و نسج واوفى

عبد الرضا حمد جاسم
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ حسين فاعور الساعدي المحترم
تحياتي

شكرا لدوام المتابعة والإهتمام

تقديري

د. صادق السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي العزيز الساطع الإبداع د. ريكان المحترم

تحية وأمنيات طيبة

شكرا لإطلالتك وما تفضلتَ به

خالص الود

د. صادق السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي الأستاذ عبدالرضا المحترم
تحياتي

تواصل بالكتابة ما دامت فيها رسالتكَ

فإبداعكَ ينير

عشتَ رائع الكلمات

مودتي

د. صادق السامرائي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5230 المصادف: 2020-12-30 01:34:58


Share on Myspace