 شهادات ومذكرات

محمد سعيد الصحاف.. شهادة منصف

قاسم حسين صالحالتقيته بداية السبعينات.. كان رئيس لجنة اختبار المتقدمين للعمل مذيعين باذاعة بغداد، ضمت سعد لبيب، مدير برامج اذاعة صوت العرب، وكبير المذيعين سعاد الهرمزي، و دكتور عبد المرسل الزيدي عميد كلية الفنون الجميلة..

دخلت .. جلست.. قال لي:

- اقلب الورقة التي أمامك وأقرأ رأسا.

قرأت واضفت كلمتين من عندي على الخبر.. فامتدح نباهتي.. وكنت من ضمن عشرة تم قبولهم ودخلنا دورة اذاعية لثلاثة اشهر حاضر علينا فيها بدري حسون فريد في النطق والألقاء، وكرم شلبي من مصر في الصحافة، ومالك المطلبي في اللغة.. وآخرين.

شهادتي هذه تقوم على مواقف، نوجزها في الآتي:

موقف 1

كلفني مسؤول القسم السياسي فلاح العماري بمنتجة تقرير يذاع بعد نشرة اخبار الثامنة مساء يجب ان لا يزيد على عشر دقائق.. تبين انه للحاج خير الله طلفاح في زيارته لمكة ولقائه بأخت الشاه.. وبنصف ساعة..

حذفت منه عشرين دقيقة وأنا خائف.. وما ان اذيع .. رن جرس الهاتف.. وكان الصحاف:

- تعال .. وجيب تيب تقرير الحجي معك.

دخلت .. قلت له :خير سيدي

قال (وهو يستمع): الحاج خير الله زعلان .. هاي انت شمسوي!

خفت حقيقي (شراح يخلصك قاسم).. مرر الشريط سريعا.. وقال: تفضل روح.. يبين فلاح راد يذبها براسك.

موقف 2

كنت اعمل صحفيا بمجلة الأذاعة والتلفزيون، فكلفني رئيس تحريرها الراحل (زهير الدجيلي)عمل تقرير صحفي عن تجربة التلفزيون التربوي في المدارس الابتدائية.. زرت عددا من المدارس فوجدت التجربة بائسة فظهر التقرير بمكان بارز تحت عنوان (التلفزيون التربوي ربي كما خلقتني)..

فكان ان اتصل وزير التربية بالصحاف قائلا له:

سنحيل الصحفي قاسم حسين الى المحكمة، فأجابه الصحاف:

- سيادة الوزير.. اقم الدعوة عليّ انا لأنني انا المسؤول عن المجلة.

موقف 3:

اصطحبني معه الى استديو التلفزيون لكتابة ريبورتاج صحفي عن عمل درامي تلفزيوني يخرجه المخرج المصري المعروف ابراهيم الصحن.

بعد ثلاثة او اربعة مشاهد ابدى ملاحظات فنية واقترح على الصحن حذف واضافة.. فشكره مقتنعا.. وطلب مني ان لا اذكر ذلك في الريبورتاج.

موقف 4:

ظهر مقال الصفحة الاولى بمجلة الأذاعة والتلفزيون بعنوان (مكافحة الأمية في الوسط الأذاعي) فقال مدير اذاعة بغداد السيد عادل الدلّي .. ماكو غير قاسم حسين كاتبه..

وكنت داخلا للاذاعة فقال موظف الاستعلامات: ممنوع تدخل.. السيد المدير انهى خدماتك.

لمحت الصحاف واقفا ومعه صديقه الكاتب ثامر مهدي، فاستأذت لاقابله..

قال الصحاف: ومن اصدر امرك؟

قلت: استاذ عادل

اجاب: خلص .. مديرك وانهى خدماتك.

بعد اسبوع تم نقل السيد عادل وعدت لممارسة عملي.

موقف 5 الأهم:

صار السيد الصحاف وزيرا للأعلام وتم تشكيل (لجنة رأي) بتوقيع الرئيس صدام حسين من اكاديميين ومثقفين كبار بينهم أنا نجتمع اسبوعيا برئاسته. وكنت انا الوحيد الذي اطرح رأيا مختلفا.. فنصحني الدكتور عبد المرسل الزيدي والدكتور محمد عبد الرزاق الدليمي بان لا (أرادد) الصحاف لأن " ما عنده مانع يعتدي عليك".. لكنني لم آخذ بالنصيحة.

وحصل ان طلب منّا تقييم اداء الاذاعة والتلفزيون وكان ذلك في تسعينيات الحصار.. وكانت حصتي تلفزيون الشباب (وأظن أن مديره كان السيد علاء مكي) فوجدت المخرج يضع اصبعه بداخل الجهاز.. سألته لماذا؟

- شاسوي استاذ .. برغي ماكو!

عقد الاجتماع برئاسة الصحاف وقدمت التقارير وجاء دوري فقلت:

- سيادة الوزير.. اذا يبقى الوضع هالشكل .. بعد سنتين ستتوقف الاذاعة والتلفزيون.. ورويت له ما شاهدت.

اجابني بحدّة:

- أخونه.. اليحب الوطن ما يعوفه!

وتمضي الايام.. ويأخذون السيد الصحاف بطائرة خاصة الى الامارات.. ويتصل بي الصديق الراحل دكتور عبد المرسل الزيدي العائد من لقائه في الامارات قائلا:

- دكتور قاسم لك سلام خاص من محمد سعيد الصحاف انقله بالنص:

(سلمنه على استاذنه الجليل دكتور قاسم حسين صالح)

فاجبته بميانة محب: دكتور مرسل.. انا ادري بيك تجذب.. وقبل ان اكمل اقسم انه ينقل الحقيقة.

وتوصلت الى الآتي: ان سيكولوجيا السلطة في العراق عودت المحيطين بالمسؤول ان يقولوا له ما يحب ان يسمعه.. فيما انا كنت اقول له الحقيقة برغم خشيتي منه.. وأنه كان يقدر ذلك في داخله.

الصحاف .. مثقف وشجاع

كان محمد سعيد الصحاف اشجع البعثيين.. فمع أنه كان على يقين بان الاميركان سيدخلون بغداد فانه كان يسخر منهم ويشجع على الصمود مع انه يرى دباباتهم من على جسر الجمهورية تزحف نحوه.

وكان الرجل أداريا ناجحا حقق نقلة نوعية في مؤسسة الأذاعة والتلفزيون بعكس السيد لطيف نصيف جاسم.. واذكر هنا حادثة:

كنا ثلاثة: الروائية لطفية الدليمي والصحفي باسم عبد الحميد حمودي وأنا قد صدر امر لنكون اللجنة المشرفة على برامج الأطفال بما فيها فحص النصوص (نهاية السبعينات هي الفترة الذهبية لبرامج الأطفال). وكانت مقدمة برنامج حروفنا الجميلة (نون..) قد رفضنا لها نصا لأنه ضم فلاسفة اجانب فقط.. وثبت عليه ملاحظة خلاصتها: (ان تاريخنا العربي والاسلامي فيه فلاسفة اشهر واحق.. يعاد كتابة النص).. فحملت النص الى المدير العام (السيد لطيف) معترضة، فأجاز لها تنفيذه (ولو كان الصحاف لأمرها باعادة كتابة النص).. فجاءه بعد عرضه تلفون له من الرئاسة ينتقده، فاجتمع بالعاملين وحين دخل قال: (الله بلانه بهاالمؤسسة القذرة).

فيما كان الصحاف محبا ومطورا نوعيا لها.. مثقف وصاحب ذوق، واليه يعود تقليد اذاعة اغاني فيروز كل صباح من اذاعة بغداد.. فضلا عن انه عمل سفيرا في الهند والسويد وايطاليا ومندوب العراق في الامم المتحدة.

اقول هذا شهادة للتاريخ.. (ولا تعنيني سلبياته).. فانا لا تربطني علاقة شخصية بالسيد الصحاف.. ولكنها الحقيقة.. نقولها للذين تراجعت الدراما العراقية في زمنهم.. وللذين عملوا له تمثالا في متحف الشمع في دولة تعرفونها بقصد السخرية منه وهو يتوعد الأميركان بصوته.. وللشركة الأميركية التي انتجت دمية عنه تردد عبارته (ان الاميركان ينتحرون الآن على اسوار بغداد).. واخرى تردد كلمة (العلوج) التي لم يجدوا لها ترجمة باللغة الانجليزية!.

المشكلة فينا نحن العراقيين أننا لا ننصف من نختلف معه في الرأي والموقف حتى لو كنا نعترف في داخلنا.. انه يستحق.

*

أ. د. قاسم حسين صالح

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5245 المصادف: 2021-01-14 09:22:35


Share on Myspace