 شهادات ومذكرات

المهدي المنجرة.. رائد فلسفة المستقبل (1)

محمود محمد علييعد عالم المستقبليات المغربي البروفيسور الدكتور المهدي المنجرة مفكراً موسوعياً، لما يطرحه من أفكار ووجهات نظر حول مختلف قضايا العالم: السياسية والاقتصادية، والثقافية، والعلمية، والتربوية، ولعل ذلك مرده إلي سببين: يرجع أولهما، إلي أن المنجرة يملك نظرة شمولية عن العالم، والتاريخ، والإنسان، والهوية، حيث ينبغي للباحث ألا يفصل بين قضية وأخري، أو أن ينصب الحواجز النظرية والإجرائية بين أبعاد الموضوع ومستوياته. وباختصار، إنه يرفض الرؤية التجزيئية للأشياء، والوجود، والمجتمع، وذلك كي لا يؤول الأمر بالباحث إلي إغفال الترابط القائم بين مكنات الحياة، مما سوف يوقع رؤيته في الإسقاط، والانتقاء، والابتسار .أما السبب الثاني فيتعلق بالمرجعية التي يبني عليها المنجرة تفسيراته وتقديراته، وتوقعاته، وهي كذلك مرجعية شمولية تستثمر مختلف ما أنجزه الفكر العالمي وحققه من مكاسب، سواء في الغرب، أو في الشرق، في الماضي أو في الحاضر، مما يكسبها بعداً إنسانياً قلما نعثر عليه عند غيره من المفكرين والمحللين والمستقبليين.

لقد شهد بمكانته عدد لا باس به من المفكرين نذكر منهم علي سبيل المثال لا الحصر: ما قاله عنه "حسن أوريد" المفكر السياسي والكاتب مغربي: "إن تقييم أو تقدير الحاضر أو المؤسسات الرسمية ليس مهماً، المهم هو تقييم أو تقدير المجتمع والمكانة التي يمكن أن يخطئ بها الشخص في التاريخ، واعتقد أن للمهدي المنجرة مكانة في تاريخ المغرب وتاريخ الإنسانية". كما قال عنه أيضاً " هو من إحدي المنارات المهمة المضيئة والمشعة من المثقفين الذين كانوا واعين مثلاً بمخلفات الاستعمار، وكان منخرطاً في الصراع من أجل الاستقلال، سقراط لم يأخذ حقه لما كان في حكم أصينا ولكن أخذ حقه في تاريخ الإنسانية".

كما قال عنه " محمد بريش" خبير في الدراسات المستقبلية فقد اعتبر أن الدكتور المنجرة " علم بذاته وعالم فريد من نوعه، يؤمن بأفكاره إيماناً قوياً، ويدافع من أجلها دفاعاً مستميتاً، أفكاره نيرة شديدة الارتباط بالقيم، القيم المثلي للإنسانية، وعلي رأسها العدل، والحرية، والكرامة ". وتابه " فمنذ صباه وهو يقاوم الاستبداد، والظلم الاجتماعي، وأشكال الهيمنة بأنواعها كافة، وكل من لازمه أحس أنه يتعامل مع شخصية علمية بارزة في تألق علمها وقي مستوي فكرها، شخصية إنسانية تتميز بصفات نظرتها وصدق إنسانيتها، مناضل لا يتردد في الجهر بالتنديد الفوري لما يلمسه أو يراه من ظلم، وجهل، وفساد.

والسؤال الآن: ما الدراسات المستقبلية؟، وما هي إسهامات المنجرة فيما يختص بتلك الدراسات المستقبلية؟

وفي الإجابة علي السؤال نقول: لا شك أن العلم بالمستقبل هو علم متطور وليس علماً مستحدثاً ؛ فلقد مارس الإنسان القديم طرقاً عديدة في اكتشاف صور للمستقبل. وقبل عصر العلم كانت الكهانة قد تكفلت بهذه المهمة . وسوف يتأكد لنا أن عصر العلم لا يعني بالضرورة القطع مع مخلفات عصور ما قبل العلم في كيفية تدبير الزمان . فالعلاقة التي تنشئها الأيديولوجيا مع الزمان من شانها أن تقع في أنماط الأسطرة والكهانة . فالإصرار علي انتهاك السادة للأمم قد يوقعنا في ضرب من التخييل الكهاني للمستقبل . إن أصل الخطيئة هي خطيئة الزمان . وحينما أكل آدم من الشجرة، إنما فعل ذلك بداعي أنها شجرة الخلد ؛ الخلد في الزمان، الزمان الممتد واللانهائي .. لكن الزمان الممتد واللانهائي هو وحده الزمان الذي يعفينا من مسؤولياتنا في المستقبل . في الخلود ينتهي القلق من المستقبل . إن قلق المستقبل يبدأ حينما ندرك أن هناك نهاية للتاريخ، وبالتالي ضرورة تدبير الزمان . إذن خطيئة الإنسان تبدأ حينما لا يصح المستقبل مجالاً للتفكير والمسؤولية أو حينما يركن إلي الخلود المطلق، فيصبح زمانه مهدورا . إن المستقبل هو أفق زماني ومجال لتجلي تطور الإنسان. وحيث لا يوجد تطور تنعدم قيمة الزمان، وتغيب فكرة المستقبل . كان لا بد لأدام أن ينزل إلي المكان المحصور ليدرك أهمية الزمان المحصور أو جغرافيا الزمان لتبدأ رحلة المستقبل .

ولا يمكن أن يكون المستقبل إلا ملازما لشروط الجغرافيا . إنه مستقبل المكان وليس مستقبل الزمان . بعد ماكيندر والجغرافيا السياسية أصبح التاريخ تابعا للجغرافيا. تصبح المستقبليات من فروع الجغرافيا . هنا لا بد أن نتحدث عن زمان أفريقي، وزمان أوربي، وزمان أسيوي .. حتي النزاع المفتعل بين التاريخ، والبينات هو في حد ذاته يعكس صداما خفيا بين أنواع الأزمنة نفسها ؛ زمن الأمد الطويل وزمن الظرفيات المتعلقة بالزمان الاجتماعي حسب التقسيم الثلاثي البروديلي. إن التحول بمفهوم الزمان خارج المفهوم التاريخي ومقاييسه الكلاسيكية تولدت عنه أمكنة جغرافية جديدة ذات مقاييس متدرجة . التنمية المستدامة هي أهم منتج بفضل انفتاح الجغرافيا علي الزمان والمستقبل بل هي تدبير الماكن والجغرافيا عبر الزمان . لم تعد الجغرافيا مجرد مكان بل هي منذ اليوم علم تداخل المكان والزمان، علم أثر المكان في الزمان واثر الزمان في المكان ؛ وذلك في سياق محاولة لتكريس الأركيولوجيا المستقبلانية الذي يقدحها السؤال المشروع دائما: أي مستقبل نريده؟ تحاول الأيديولوجيا غير عابئة بالزمان ولا حتي بالمكان مع أن ضرورتها هي غير زمكانية . ولذا فهي لا تترك فرصة للاختيار بين طبقات المستقبل وممكناته، وهنا نركز علي قياس النموذج الذي اعتمده مهدي المنجزة في نقد الوضعية التنموية في العالم الثالث . وحينئذ كان لا بد أن أؤكد أن مشكلة المهدي المنجرة كانت دائما تتعلق بغياب الحدسي السياسي.

كان مهدي المنجرة (13 مارس 1933م - 13 يونيو 2014م) ممن اهتدوا إلي دراسة الزمان بوصفه مجالا حيوياً قابلاً للاستعمار . وليس التاريخ وحده من تعرض للاحتلال عبر محاولات تحريف حقائقه، بل المستقبل هو الآخر تم احتلاله بصورة من الصور . وأعتقد أن تحريف أي فصل من فصول الزمان هو احتلال لكل الفصول الأخرى . إن تحريف الماضي هو شكل من أشكال الهيمنة علي الحاضر والمستقبل أيضا . ومن هنا ستكون المستقبليات تعاني التحدي نفسه الذي عاناه التحقيق التاريخي .

والمستقبلي كما يقول المنجرة هو الذي يكتب لزمن يعتقد أنه لن يكون حياً فيه ؛ أما ذلك الذي يكتب كتابة لحظية، فأي حساب ما تبقي من حياته، فهو بذلك يتوقع مصالحه الخاصة، ولا يتوقع ما قد يأتي به المستقبل . فالمستقبلي الجيد، هو الذي يكتب لفترة، يكون مؤكد أنه لن يعيش فيها، وهو بذلك يتحرر من المصالح الشخصية الآنية، ومما يمكن أن يجذبه إلي الأسفل، ليبقي كمن يركب طائرة ؛بحيث كلما ارتفعت تلك الطائرة، كلما اتسع أفق رؤيته .

وفيما يخص علم المستقلبليات فنجد المنجرة يؤكد علي أنه علم فتي، لكن مجتمعات الجنوب أو دول العالم الثالث، هي في أمس الحاجة إليه، لأنه سوف يساعدها علي تحديد الملامح لرؤيتها التنموية، للخروج من التخلف، واللحاق بركب الدول المتقدمة ؛ خاصة وأننا نعيش عالم العولمة المشحون بالتنافسية والسباق .

والمستقبليات في نظر المنجرة ليست علماً؛ لأن العلم لفظ كبير وواسع، في حين أن المستقبليات، هي محاولة للرؤية البعيدة ؛ فهي نوع من الخيال الذي يحيل علي المتمنيات، وعلي كيفية تطبيقها في المستقبل ؛ وكلما كانت تلك الرؤية بعيدة، كلما تطلب ذلك جدولاً زمنياً، ليس هو الجدول الزمني للسياسيين، إذ ليس هنالك حكومة أو حركة وطنية أو حزب سياسي ...، يمكن له زعم برنامج معين، تعقد عليه آمال التحقق في فترة زمنية مستقبلية طويلة المدي .

ويعطينا المنجرة مثالاً من مجال التعليم ومحاولة إصلاحه، بحيث أن أي إصلاح فيه يتطلب رؤية لجيل كامل ؛ عوض الإصلاح التقسيمي والتقطيعي المتبع في جل الإصلاحات داخل المنظومة التربوية التكوينية ؛ التي تتم حسب الأسلاك (إبتدائي، إعدادي، ثانوي، جامعي، ...)، أو حسب التخصصات (أدبي، علمي، مهني...)؛ إن هذا الأسلوب من الإصلاح، المتأسس علي التقسيمات والتقطيعات، يقتل الرؤية الشمولية المتكاملة والارتباط العضوي بين مكونات وعناصر المنظومة التربوية التكوينية ؛ ذلك أن من يدرس حالياً بالتعليم الإبتدائي، يدرسه من تخرج من التعليم الثانوي أو الجامعي، ونفس القاعدة يمكن سحبها علي الذين يدرسون بالتعليم الإعدادي والثانوي والعالي .

فإصلاح المنظومة التربوية في نظر المنجرة ينبغي أن يُنظر إليه بمنظور التمفصل والتداخل، وليس من الزاوية التبسيطية، المنطلقة من الوجهة الخطية السطحية، ومن أجل ذلك فإن الرؤية المستقبلية لإصلاح التعليم سبق وأن جسدها وأن جسدها المنجرة في نادي روما، ضمن دراسته التي اصطلح علي عنونتها بـ" من المهد إلي اللحد –التعليم وتحديات المستقبل"، وهي دراسة ساهم فيها إلي جانب المنجرة، جيمس بوتكين ومرسيا ماليتزا، وقدم لها ليوبولد سيدار سنغور، وقد نشرت طبعتها الثانية باللغة العربية سنة 1984، وطبعتها الثالثة سنة 2003م .

وعندما يتحدث المنجرة عن مشكلة العالم الثالث المرتبطة بالتخلف، فإنها تتعلق بالأساس بأزمة انعدام الرؤية المتأسسة علي المنظور التكاملي، الذي يدخل في حسابه التمفصل والتداخل والتكامل لمختلف المكونات والعوامل المحددة للرؤية المستقبلية السليمة، وبهذا بخصوص يقول المنجرة:" أتحدي أي دولة، أو أي بلد، أو أي رئيس حزب، أو أي رئيس حكومة، أو أي مسؤول عن التعليم، أو أي شخص في القطاع الخاص بدول العالم الثالث، أن يقول لي: ها هي رؤيتي ... أما الرؤية التي أتحدث عنها، فهي ليست ذات مرجعية ميتافيزيقية، كما هو الحال بالنسبة للحلم الذي يحدث أثناء النوم، ويرغب صاحبه في تطبيقه صبيحة يومه ؛ بل هي علي خلاف ذلك، منظور أو تصور ناتج عن إجماع كافة المواطنين وكافة الشرائح الاجتماعية لهذا البلد أو ذاك " .

ولد المهدي سنة 1933 في حي «مراسا» الموجود خارج سور المدينة العتيقة للرباط، لأسرة ترتبط أصولها بالسعديين٬ وكان والد المهدي، محمد المنجرة، أحد التجار المغاربة في الثلاثينات، الذي كان السفر جزءاً من مهنته. وقد كان مهتماً بالعلوم المستقبلية، وأسس سنة 1924م نادي الطيران، وهو أول نادي عربي مختص في الطيران.

وفي سنة 1941 دخل المهدي «ليسي غورو» لمتابعة تعليمه الابتدائي. لم تخل دراسته من المصادمات مع المسؤولين الفرنسيين بسبب معاداته الاستعمار، ثم درس بثانوية ليوطي بالدار البيضاء منذ سنة 1944 حتى سنة 1948. وبعد أن حصل على الباكالوريا، أرسله والده للدراسة في أمريكا ، حيث كان يؤمن بأهمية التعددية في التكوين، فبدل إرسال أبنائه لفرنسا كما كان يفعل جل المغاربة، فضل بعثهم لسويسرا والولايات المتحدة. التحق المهدي بمؤسسة بانتي، ثم التحق بجامعة كورنل وتخصص في البيولوجيا والكيمياء.

بيد أن ميولاته السياسية والاجتماعية دفعته إلى المزاوجة بين دراسته العلمية من جهة، والعلوم الاجتماعية والسياسية من جهة ثانية، وفتحت إقامته بأمريكا عينيه على العمل الوطني والقومي.

وفي سنة 1970 عمل بكلية العلوم الاقتصادية بلندن أستاذا محاضرا وباحثا في الدراسات الدولية. وخلال سنتي 1975 و1976 تولى مهمة المستشار الخاص للمدير العام لليونسكو. وانتخب كرئيس" الاتحاد العالمي للدراسات المستقبلية" سنة 1981. كما شغل منصب منسق لمؤتمر التعاون التقني بين الدول الأفريقية (1979-1980). وكان عضوا بـ"الأكاديمية العالمية للفنون والعلوم"، و"الأكاديمية الإفريقية للعلوم"، والأكاديمية الأوروبية للعلوم والفنون والآداب، والجمعية العالمية للمستقبل، و"الاتحاد العالمي للمهندسين المعماريين"، و"منتدى العالم الثالث"، ونائب رئيس "جمعية الصداقة بين المغرب واليابان". وكان المهدي المنجرة أصغر عضو سنّا ضمن "نادي روما" منذ تأسيس النادي سنة 1968. بعد تأليفه كتاب "نظام الأمم المتحدة" سنة 1973، خرج من هذه المؤسسة الأممية سنة 1976 وتخلى عن جميع حقوقه فيها من تقاعد وتخلى معه عن الاستفادة من راتبه، بعد تيقنه أن القيم التي تسير عليها الأمم المتحدة، وتخدم لصالحها، هي القيم المسيحية اليهودية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة اسيوط.

.................

1- د. جميل أبو العباس زكير بكري: مستقبل النظام العالمي الجديد بين حقيقة العولمة والهيمنة الميغا إمبريالية في فكر المهدي محمد المنجرة .. مقال..

2- المهدي المنجرة: من أجل استعمال ملائم للدراسات المستقبلية، مجلة عالم الفكر: الدراسات المستقبلية، العد الثامن ٢٤) عشر، العدد الرابع، يناير فبراير مارس ١٩٨٨ ).

3- المهدي المنجرة مغرب المستقبليات المستقبل الحرب الحضارية، عن موقع الجزيرة، مـارس ٢٠١٩ .

4-  المهدي المنجرة رجل سابق لزمانه، مجلة حزب العدالة والتنمية الإلكترونيـة، ٢٢ مـارس ٢٠١٨.

5- المهدي المنجرة: من أجل استعمال ملائم للدراسات المستقبلية، مجلة عالم الفكر: الدراسات المستقبلية، العد الثامن عشر، العدد الرابع، يناير فبراير مارس ١٩٨٨.

6- محمد محمد الخطابي: المَهدي المَنجرة..كَانَ محباً فَأَحبه الناس، مجلة هسبريس المغربية الإلكترونية، ٢٧ يونيو ٢٠١٥ .

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5263 المصادف: 2021-02-01 01:41:31


Share on Myspace