 شهادات ومذكرات

جلال.. كان يشبهني!!

محمد حسين النجمكان جلال يشبهني وهو الامر الذي دائما ما يلتبس على الاخرين فلم يميزوا بيننا، على الرغم من انه كردي وانا لست كذلك، كان يحبني مثلما احبه، جمعتنا كتيبة تدريب المخايرة العسكرية في بغداد، ومن حسن حظنا، ولا ادري ربما من سوء حظ جلال ان محبته لي جعلته يختار البصرة، جلال من كركوك، وانا من البصرة، لا ادري ان كنا نختلف دينيا او مذهبيا، فهو امر لم يكن يوما مدار حديث، كنا عراقيون فقط، وهذا الامر عرفته فقط كوننا تم سوقنا الى الجيش، فغير العراقي لا يساق، وحتى هذه كانت من الثوابت، فاختلاف قومياتنا كانت تمنحنا بعدا حميميا، بل ان جلال، حين منحونا فرصة اختيارالمكان الذي سيوزعوننا اليه، اختار البصرة حبا بي، سالته: لم لم تختر كركوك؟ قال: اريد ان نكون معا، كان يتحدث عني مع اهله فشوقهم لرؤيتي، مثلما كنت اتحدث عنه، كان جلال كتلة خلق تمشي على الارض، تهذيب عالي وعواطف سامية وثقافة، وللحق اقول، لم اكن اعرف ان جلال يشبهني الا يوم ان سالني احد الجنود عن امر قال باني وعدته به، كنت حينها اجلس على سريري في قاعة ممتدة، وحين اخبرته بان لا علم عندي بما يتحدث عنه، اوشك ان يزيدني تذكيرا لولا انه توقف فجأة حين رأى جلال يدخل من باب القاعة، التفت لينظر لي ثم لينظر الى جلال ثانية، اعتذر مني وذهب الى جلال، بعد ان وصلا الي هو وجلال سالته: هل جلال من وعدك؟ قال: نعم، قلت اذن لماذا توجهت الي؟ قال: لانكما تتشابهان،

هذا الشبه لم يزدنا الا محبة، واذا كان الصديق هو انت ولكن اخر، كما يرى بعض الفلاسفة، تعبيرا عن الشبه السلوكي والاخلاقي بين اثنين، فما اجمله حين يكون خلقيا ايضا،

عانينا المصاعب معا وتشاركنا معا محنة الواجبات البائسة التي يتم فرضها لاشغال العسكر دون ان تكون ذات قيمة، سهرنا ليالي نتحدث حين لا يسمح لنا بالنزول، وكثيرا ما تجولنا معا في البصرة اعرفه على مناطقها واحيائها، لكننا حين اشتعلت الحرب افترقنا،

 في القدمة الخلفية قبل الدخول الى الاراضي الايرانية لم نكن نعلم ماالذي يجري، كنا في فرضية بالصحراء وجاءنا الامر ليلا ان نتحرك، الى اين؟ لا ندري، انقضت سحابة الليل فوجدنا انفسنا في منطقة (كتيبان) شمال البصرة، وما هي الا ساعات حتى صدر بيان الهجوم على ايران،

كان المبرر للهجوم هو الحشود الايرانية على الحدود واحتلال ايران لبعض القصبات، تقدمنا في الاراضي الايرانية، تهنا ثم اهتدينا، كنا نتمنى ان نرى جنديا ايرانيا كي نحدد مكاننا، توغلنا مسافة مائة وثلاثين كيلومترا ولم نر احد، ثم جاء التحذير، امامنا قطعات علينا ان نتمترس بحفر الخنادق، فيما قامت مدفعيتنا بدك القطعات المقابلة، ليلة بكاملها نصب حممنا على القطعات المقابلة التي لم نر منها الا صفا من المدفعية الموجهة باتجاهنا، ولكنها لم ترد، انقضى الليل وتم تدمير الهدف، يبدو انه يستحق كل الذي تم صرفه من عتاد، ويالخيبتنا حين وصلنا الى الهدف، لم تكن سوى مجموعة من المدافع المستهلكة تم وضعها على منصات، عرفنا لاحقا انها للتدريب كان يستخدمها الجيش الايراني منذ عهد الشاه الذي لم تمر الا سنة ونصف على اسقاطه،

بينما نحن منشغلين بترتيب اوضاعنا ليلة العمليات تلك، وجدت شبحا يدور على المواضع الشقية التي حفرناها، وحين اقترب لم يكن الا جلال، حظنته وحمدت الله على لقاءه ثانية بعد ساعات فراق، كان يحمل كيسا سلمه لي واذا به (لفة طعام)، اين مكانكم؟ قال لي: هناك واشار الى مكان بعيد نسبيا، وظلام الليل وغربة المكان بل وخطورته التي لاندري اين يكمن خطرها تجعل المكان الذي اشار اليه بعيدا، قلت له محتدا: لم جئت من هناك بهذه المخاطر؟ ابتسم، بابتسامته المعهودة وقال: عرفت بانك جائع، حظنته ثانية وجلسنا نتسامر واصوات القذائف تدوي.

كان كل شئ مرتبكا وهو ما منحنا فرصة ان تطول جلستنا، قام مودعا فسرت معه، التفت لي وقال: الى اين؟ قلت له معك حتى اطمئن على وصولك، قال: ومن يطمئنني على عودتك؟ ارجع، قلت له معي بندقيتي وليس معك ما تدافع به عن نفسك وجئتني ، دعني اكون حمايتك، ضحكنا بملء رئتينا، فحين تكون مع جلال لابد ان تضحك بملء رئتيك، كان انيسا، ضحوكا، محبا للحياة ولاصدقائه، اوصلته الى حدود سريته، قال وصلت الان وعد انت مادام هناك بصيص رؤيا اتابعك فيها حتى تصل او توشك، حظنته وعدت، كان فراقا في المسافة بين قطعتينا لكنها لم تكن بين قلبينا، تزاورنا على البعد وتواصلنا كثيرا، ومرت الايام.

بعد استيعاب هجومنا، توقف تقدمنا مع انتشار الجيش الايراني، وتوزعت قطعاتنا بين مناطق ساخنة ومناطق امنة ومناطق ساخنة نسبيا، وفي الوقت الذي انا في منطقة ساخنة نسبيا كان جلال بمنطقة ساخنة، كانت القذائف تتساقط عليهم في اكثر الاحيان، التقينا يوما وسالته كيف الوضع عندكم؟ قال مزري، ولكننا نحتمي بملاجئ نرجو ان تقينا الخطر،

ربما من سخرية القدر، واصراره على ان لا نجتمع، ان يتصل بي امر السرية ليخبرني بان هناك نية للتبديل بين المخابرين في القطعات، فبعضهم اتعبته المناطق الساخنة ويحتاجون الى راحة، ونحن نناور بين المناطق الساخنة والساخنة نسبيا، فالمناطق الامنة هي لخلفيات القطعات ووضع اتصالاتهم افضل، ليس ثمة حاجة لامر السرية ان يبرر، وهو تحدث باسترسال لايقصد به التبرير، فالجميع يعلم بان للمناطق الامنة اهلها وهؤلاء لا يتم تبديلهم الا بموافقات عليا، وهذه العليا تمنع ذلك ، المهم بالامر اخبرني باني ساكون بديلا لجلال، نعم لقد تعب جلال كثيرا ولابد ان يرتاح قليلا، ومكاننا افضل بكثير من مكانه على الرغم من بعض الزيارات الخاطفة للقذائف علينا،

اذن لاستعد للالتحاق هناك، قال لي امر السرية سوف نذهب صباحا الى جلال نسحبه الى هنا وبعدها ناخذك الى هناك، لكي نقلل احتمالات تعرض الجميع للخطر، اتفقنا، واخذت اهيئ نفسي، رزمت امتعتي وسلاحي وانتظرت الصباح،

صباحاتنا دائما ملفعة بزخات قذائف، غالبا ما تبدأ فجرا، بعضها يستمر وبعضها يتوقف، هل اخذت القطعة التي يعمل بها جلال حصتها من القذائف؟ انا بانتظاره وساعلم منه ذلك،

لكن طال انتظاري وشوقي له، مرت الساعات ثقيلة وانا بكامل قيافتي منتظرا وصولهم،

كنا نعمل على اجهزة لاسلكية وهي تغطي قواطعنا، وهي مفتوحة على الدوام، يبدو ان جلال في طريقه الينا، كما يبدو ان قطعته هادئة فلم اسمع صوتا لمحطته، كانت المحطة الرئيسية تنادي على المحطات لتاكيد حضورها الصباحي ، اجاب الجميع، ولم يجب جلال، يبدو ان من معه كانوا مهملين فما ان خرج من المحطة متجها الينا حتى اهملوا الاجابة على المناداة، يبدو انهم بحاجة الى ضبط،

دارت هذه الافكار في خاطري وانا استعد للالتحاق بهؤلاء المهملين واكون مسؤولا عنهم، توقفت المناداة على محطة جلال، احيانا تؤثر الظروف على مستوى الاتصال فينعدم السماع، يبدو انهم لم يسمعوا،

بعد العاشرة صباحا بدأت تظهر شوشرة وكلام مريب بين المحطات، تناهى لسمعي كلام عن هجوم، لم اعرف اين ولكني شعرت بالقلق، لاسيما وان جلال لم يصل لحد الان، ماهي الا لحظات واذا بعجلة امر السرية تظهر من بعيد متجهة الينا، الحمد لله وصل جلال،

اين جلال؟ سالت الامر، قال لم نستطع الوصول فهناك كما يبدو هجوم وعمليات عسكرية منعتنا السيطرات من الاقتراب، ازداد قلقي، قلت له ان محطته لاتجيب، قال هذا ما يقلقني ايضا،

سرعان ما بدأت تظهر التقارير، الهجوم عنيف ونار كثيفة وتقدم ايراني وسقوط القطعة العسكرية،

واين جلال؟ استشهد مع رفاقه في محطته اللاسلكية،

 

د . محمد حسين النجم

الجامعة المستنصرية

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5284 المصادف: 2021-02-22 01:39:54