 شهادات ومذكرات

بعضٌ من الثقافة الفرنسية التي نسيتها الأجيال

مصدق الحبيبمن ابشع طرق قتل الانسان كانت طريقة اعدام المدانين قانونيا باستخدام المقصلة الفرنسية Guillotin.  وكما يعرف اغلبنا، فالمقصلة عبارة عن هيكل خشبي يتم فيه اسقاط شفرة كبيرة حادة ومحملة بالاثقال من ارتفاع عال على رقبة المدان. ويكون المدان قد استلقى على بطنه وتم ربط جسده على لوح خشبي بحيث تنحصر رقبته في ثقب لتكون مباشرة في مسار الشفرة التي تسقط بقوة عند تحريرها بفعل الثقل والجاذبية فتقطع الرقبة في الحال.

لم تكن المقصلة ابتكارا فرنسيا، فقد اُستعملت اشكالا مختلفة منها خلال العصور الوسطى في بلدان اوربية اخرى مثل انكلترا والمانيا وايطاليا، إلا انها ارتبطت بفرنسا نتيجة استخدامها بكثرة خلال الثورة الفرنسية حيث اعدم عشرات الالوف من الفرنسيين خلال الثورة وبعدها. فخلال ماسمي بعهد الرعب، تم اعدام 16000 مواطن في سنة واحدة بين 1793 و1794 من بينهم الملك لويس السادس عشر والملكة ماري انطوانيت. كما ان النازيون استخدموها في اعدام 16549 فرنسي اثناء احتلالهم لباريس.

ولعل من المدهش والمثير ان استخدام المقصلة في فرنسا جاء للرأفة بالمدانين وقتلهم بطريقة سريعة جدا لايحسون فيها بأي ألم، وذلك استنادا لرأي من اقترحها وأقرها. وهي بذلك تكون مخالفة للطرق الاخرى التي يعاني ويتعذب فيها المعدوم قبل ان يلفظ انفاسه الاخيرة. ففي عام 1789 تقدم ثلاثة اشخاص متنفذون بطلب الى الملك لاستخدام المقصلة في الاعدامات الرسمية، وهم جوزيف گولتين (وبإسمه سميت المقصلة) وهو طبيب، وانطوان لوي وهو جراح البلاط، وتوبايا شمدت المهندس الالماني الذي اشرف على التصميم.  وكان أول استخدام فعلي لهذه الاداة الجديدة في عام 1792 حيث اعدم نكلس جاك بيليتيه الذي ادين بالسرقة. ومنذ ذلك التاريخ اصبحت المقصلة هي الاداة الرسمية للاعدام الذي يتم امام الناس في الساحات العامة. ومنها اصبح الاعدام مناسبة شعبية وطنية للحضور والاحتفال. كما اصبح خلال الثورة الفرنسية متناغما مع مبادئ الثورة باعتباره تجسيدا للشعور بالعدالة والانصاف والمساواة. حيث اعتقد الثوار ان المساواة ينبغي ان تكون في الحياة والموت على حد سواء، خاصة بعد ان عاش الشعب تاريخا طويلا من التمييز العلني المقرف بين اعدام الفقراء بعد تعذيبهم واهانتهم وسحلهم في الشوارع واعدام الارستقراطيين والاغنياء، ان حصل، بالرصاص او الشنق السريع. ومن الطرق الوحشية لاعدام العامة كانت تلك التي تنطوي على مرحلة اخرى بعد الاهانة والتعذيب والشنق والسحل وهي ربط الاطراف الاربعة للمعدوم باربعة عربات تساق بالاتجاهات المختلفة فتسفر عن فصل الجسد الى اربعة اجزاء، ومن ذلك جاءت تسميتها بالتربيع    Quartering .

2285 مقصلة 1

في اول اعدام بالمقصلة خرج الناس باعداد غفيرة وكأنهم ذاهبون لعرض مسرحي ممتع، لكنهم اصيبوا بالخيبة حين تم قطع رأس المدان بلحظة واحدة لينتهي العرض. ولهذا ثارت ثائرتهم وبدأ قسم منهم بالصراخ والصفير واطلاق الشتائم على الجلادين بسبب هذه الطريقة السريعة التي لا تساوي تجشمهم عناء الحضور.

ومنذ تلك المرة، اصبحت مناسبات الاعدام بالمقصلة وكأنها احتفالات،  يخرج الناس فيها قبل الموعد ليحجزون اماكنهم  في اقرب ما يمكن من منصة المقصلة ويأخذون افرشتهم ومأكولاتهم ومشروباتهم ويصطحبون اطفالهم وقد يشترون مايحتاجونه من عربات الحلوى والمرطبات التي تنتشر هناك. ومن الغريب ان لُعبا مختلفة تمثل المقصلة كانت تباع للاطفال. فضلا عن تصنيع اشياء اخرى كحلي للنساء، قلائد واقراط وملابس مطبوعة ونشرات وبوسترات وكاردات للذكرى.  كما ان الاغرب من ذلك هو تدافع الناس من اجل ان يطمسوا اشيائهم بدم المعدوم المنهدر على الارض للاحتفاظ به كشاهد على المناسبة.  وقد جرت العادة ان يرفع احد الجلادين رأس المعدوم ويعرضه على الناس فيما تتعالى الطلبات الغريبة كصفع خد المعدوم او سحب اذنه للتأكد فيما كانت فيه حياة ام لا. ولأن بعض الرؤوس اظهرت بعض الحركات الانعكاسية الطفيفة كتحريك الحاجب او زاوية الفم، جرى الاعتقاد بأن الرأس يبقى يحتفظ بالحياة بعد قطعه.

2285 مقصلة 2

في الخمسينات من القرن الماضي اصدر الباحثان الطبيان بيدلفيه وفورينييه تقريرا في هذا الشأن مفاده ان الدماغ في الرأس المقطوع يبقى يحتفظ بنشاطه لمدة قليلة قد تكون عدة ثوان. وفي تجاربهما على الفئران وجدا ان هذه المدة لم تتجاوز الثمان ثواني.

بقيت المقصلة قيد الاستعمال في فرنسا الى 1981 حيث الغيت عقوبة الاعدام، وبذلك اصبح آخر من اعدم فيها هو التونسي حميدة جندوبي عام 1977 جراء ادانته باختطاف وتعذيب وقتل فتاة عمرها 22 عاما اسمها اليزابيث بوسكيه. على ان الاعدام امام الجماهير انتهى عام 1939 فيما استمر استخدام المقصلة  داخل السجون بين 1939 و1977. وماتزال احدى مقصلات الثورة الفرنسية معروضة الى اليوم في متحف شرطة باريس.

 

ا. د. مصدق الحبيب

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً على هذه المقالة التي جعلتني أفكر في تغير الأذواق والسلوكات الجمعية للمجتمعات المختلفة، فقد قرأت يوماً مقالة تعتبر الشعب العراقي شعب عنيف واستشهدت في عمليات سحل العائلة المالكة في ١٩٥٨، وانطلقت المقالة من هذه الحادثة لتجد مثيلاتها لتقول بالأخير أن معدن الشعب العراقي هو العنف والصخب. والآن وقد قرأت هذه المقالة أثارت انتباهي تلك الفقرة التي تتحدث عن (الخيبة) التي أصيب بها متفرجي عملية الاعدام لان العملية سريعة وبلا معاناة كبيرة، ثم التفنن في صفع الرأس المقطوع أو جر إذنه، وإلى ما ذلك من طلبات تبدو ليست فقط سادية بل في منتهى العنف وانعدام الرحمة. وبالمقارنة مع أذواق الناس الان في فرنسا وسلوكهم المتحضر (على الأغلب في اعتقادي)، نجد أن لا شعب له (معدن) خاص، بل هناك سياقات تاريخية وظروف مجتمعية محددة تصوغ سلوكات الأنسان إينما كان، وبأن البشر متشابهون أينما كانوا، أو على الأقل نستطيع القول أن نسبة التشابه بينهم تكثر على نسبة الاختلاف. كيف لا وأنهم يشبهون القرود الشمبانزي حتى أكثر مما يختلفون عنها؟ تحياتي.

سامي عادل البدري
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لك اخي الكريم. السلطة والقوة زرعت في الانسان شرورا ليس لها حدود. فخلال التاريخ البشري تفنن الانسان بقتل اخيه الانسان. أما وصم الشعب العراقي بالعنف والعدوانية فهو ينم عن جهل مطبق بما فعلته الشعوب الاخرى. شعبنا سليل خمس حضارات والعنف خلال تاريخه الطويل لايمكن ان يقارن بما تفوق عليه بكثير عند بقية الشعوب.

مصدق الحبيب
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ الفاضل. يبدو انكم تجهلون ماذا فعلت هذه الالةالجهنمية في ثوار الجزاير خلال ثورة التحرير. لقد تم إعدام الميات من المجاهدين ابتدا؛ من عام 1956 بسجن - بربروس- بالعاصمة واول شهيد كان المجاهد احمد زبانة رحمه الله.

محمد غانم
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ الفاضل. يبدو انكم تجهلون ماذا فعلت هذه الآلة في حق مجاهدي الثورة الجزايرية. لقد تم إعدام الميات من الثوار منذ عام 1956 وكان اول شهيد بهذه المقصلة (الحضارة الفرنسية) هو أحمد زبانة من مدينة وهران بالغرب الجزايري.

محمد غالم
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5298 المصادف: 2021-03-08 04:01:46


Share on Myspace