 شهادات ومذكرات

محمد الشاوي: عبد الرحمن الجباري أديبا مغربيا وفنّانا متعددا ومُتميِّزا

محمد الشاويرحم الله شيخ القصيدة الزجلية المغربية المعاصرة؛ الأديب والفنان المبدع والمتفرد الحاج سِيدي عبد الرحمن الجباري، وأحسن إليه بقدر عشقه لمدح الرسول صلى الله عليه وسلم، وحرصه على التمسك بمحجته البيضاء.

هو ابن العلاّمة العدل سِيدي إدريس الجباري مفخرة العرائش، الذي عمل على تلقينه أسس التربية الدينية المنفتحة وغير الخشنة، سيرا على على نهج التنشئة الأسرية لآل الجباري العالِمة. فكان حفظ القرآن الكريم مرتكزا لهذه التربية، والأحاديث، وعلم التجويد، والنحو، وفقه اللغة، وفن الخط، والخطابة...

ومن إهداءاته لي، التي أعتز بها أيما اعتزاز، ديوانه الزجلي: "عَرُّوشَة" نسبة إلى مسقط رأسه مدينة العرائش، وكما أراد هو أن يُدلِّعها بهذا الاسم  الدال على ظرافة مسمياته، وعذوبة مفرداته. "عرُّوشة" وليست "عرُّوش"، فهي الأنثى الجميلة والفاتنة  "المْسْرَارَة"، التي ينبغي على الرجال مغازلتها، والتودد لها بالتَنَعُّم "فْ مْحَاسْنْهَا نْظْرة". يقول عن عرّوشته:

بيني وبينك لعرايش يـــــاقوثــة

خـضرة عينـك تْطِـــيبها تـُوتـــة

ف شجرة تسايْنك كاشي كتْكُوتة

تـصونْ مـحايـنـك بـزغْـــروتـة

وتْهـدي لـزيـْنـْك ألــفْ حــوتَـة

بيني وبينك لعرايــش جُوهَــرة

تـبْــرد جْــفْــنْــكْ مـع الـبْحَّـارة

بيـني وبـينـك لــعرايش جْــنَــة

تـشهى مْلايْنــك وشْوية مْحْنَّــة

وينضاف إلى ديوانه الزجلي الأول: "عرّوشة" ديوانه الثاني، وهو: "رزة القاضي". لقد عهدتُ في سيدي عبد رحمن منذ نعومة أظافري؛ وخلال المناسبات العائلية حسن الإلقاء، ومبادرة الخطابة الاحتفالية. فعندما تعود بي ذاكرتي، أستبصر ملاحظة حية، عشتُها ذات مرة، وأنا طفل صغير منبهر بطريقة إلقاءه لحكاياته اللطيفة، والمؤنسة أثناء المناسبات، والأفراح، والاحتفالات العائلية... وهو يقرأ على مسمع الحاضرين، قصائده الزجلية التي تصل إلى القلب قبل الأذن. يُحبُّ تنشيط الحضور بقوافيه الرنانة، والآخذة بعبق نغمات موغلة في تطبيقات الحياة اليومية للمواطن العرائشي. تلك القصائد التي تنهل من جينيالوجيا الحكم، والأمثال المغربية الآتية من الشمال.

تلك القصائد الزجلية التي تَمْتَحُ من الفكر الاجتماعي، ومن مفهومات القصيدة العامية المعاصرة، على غير منوال. قصائده كما يقول الأستاذ والكاتب المترجم محمد بنعبود: "تفوق 300 مقطوعة منظومة في شتى المواضيع جلها في مدح العرائش بخشيشها وريشها، ومن أشهرها: كتامة، التاكرة، عرُّشة، جنان بلا رباع، رزة القاضي، وأخرى قامت بنشرها للقراء بعض الجرائد الوطنية، جهوية ومحلية وأكثرهم جريدة الشمال بطنجة".".

2340 Jeberiإن أدب سيدي عبد الرحمن، هو أدب شعبي عالِم يصدر عن الشعب، يعبِّر عن وجدانه. حيث يعكس همومه، وانشغالاته لكي يميط اللثام عن المستوى الإبداعي، والفكري والحضاري الذي يزخر به الفاعلون الثقافيون الذين يوظِّفون العامية في خطاباتهم، وذلك باعتبارها لغة لهذا الأدب. وقد تبدى هذا الأدب تاريخيا في مجموعة من الفنون المتنوعة والمتعددة، وتسمى أجناسا، وهي: الأهازيج، أغاني المناسبات، الزجليات، المحكيات، والأمثال، الأسطورة، السير، الحكاية الخرافية... تلكم السرديات والمرويات التي تتشكل منها الأمم والحضارات، فتحيلنا تارة إلى عهود موغلة في الفكر الاجتماعي الساذج والبسيط، وتارة أخرى إلى دليل تقدم ورقي  الأمم. وإن كان مصطلح الأدب الشعبي أو المكتوب بالعامية تم تبييؤه مع الثقافة العربية، لكونه فولكلورا في أصله، حيث استعاره باحثون عرب خلال الخمسينيات من القرن العشرين، ومنهم: أحمد رشدي صالح، فاروق خورشد، حسين نصار... ويمثل هذا الأدب بالمغرب العلاّمة عباس الجيراري.

فكانت المادة السردية الزجلية المكتوبة لدَى أديبنا سيدي عبد الرحمن، تعكس وبحق عالم الشخوص، والأحداث الواقعية، والمتخية  لمدينة العرائش. وهي مادة سردية تتكئ على بناء ونظم يتسما بالسلاسة التعبيرية وبجمالية الانزياحات والاستعارات البلاغية للعامية المغربية العريقة. كما أن اختياره للغة العامية  لم يكن عن ضعف في الملكة اللغوية، بل إنه  يعكس وبحق مدى ارتباطه بلغته الأم وببيئته الاجتماعية. فهو ضليع في اللغة العربية، وله كتابات ومرويات ومخطوطات أدبية رفيعة المستوى، وأخرى فقهية، عدلية، وإجتهادية... ورثها عن والده العلامة العدل سيدي إدريس الجباري.

عُرف أيضا سيدي عبد الرحمن بتأطيره للعديد من الأنشطة التربوية، والثقافية، وللأوراش الشعرية الزجلية، والابداعية... لفائدة نزلاء المؤسسات الإصلاحية والتربوية، بواد لو-تطوان، والعرائش، خلال مساره المهني والتربوي بإدارة السجون. وهو أيضا خطّاط ماهر،  أجاد فن الرسم والكتابة الذي ورثه عن والده، حيث حافظ على أسلوبه المتسم بتصويرية الحرف، وبتنوع المنظور الجمالي للخط المغربي.

فضلا عن ذلك، لسيدي عبد الرحمن الجباري العديد من المحكيات والقصص الطريفة، فهو حكواتي خبير بالسرديات الشعبية، تارة يحكي لك عن العنصرة دجبالا، قصص الأولياء، حكاية سوكسو بزبيدة وْلْفْتْ، بوجلود، حكوزة، سلطان طُلبة، عن يومياته في العمل مع زملائه، عن الأزلية، ألف ليلة وليلة، حكاية رزة القاضي، المنازل، للا منانة المصباحية، اللا زْوَايْنَة، سلطان شمهاروش، سيدي مدوح، الطاهر النقي، شيخ جبالة، بولولو....وعن دعاباته وقفاشاته مع صديقه الكاتب المسرحي الرائد والدبلوماسي المغربي عبد الصمد الكنفاوي.

وقال في رثائه:

كُنـْتي بــْفْنْكْ ضَاوي    وبـيــك زْهاتْ لـعْـرَايـشْ

حين مُوتي اَلْكْنـْفَاوي   تْدفــنـت معــــك لْهْوايـشْ

كُونْتِي تْعالجْ وتْـدَاوي    وْعـلـينَا ديـــــمَا طَايــشْ

تْحرك لْـكْبـادْ والكْلاوي  وتــْحييها بـْضَوْ لْفْتَايـشْ

ترضي الخَشبة والهَاوي  وانت ف زنادك عايـش

تْرْكُدْ لْمواج والرْغاوي   ومعهم لفنَار والرشايش

وبخيْطْ غُنْبَاجْ تْسَــاوي  مدلـول لْـــحْفَافْرْ والنــمايــش

تْــلاَّها زْمـــانْ سـْفـْسَاوي  دْرَّا لــفْــوَاسْ والـنقــايـــش

وسكنت لحجار والـكْدَاوي  قـبسة من طــوب وحنايــش

وجات الموت جمعت المطاوي  وتْكبْ الحزن عالعرايش

كما تحضر قفاشاته في هذا الصدد، عن جبالا ومدى حبهم للسفر من أعال الجبال إلى مدينة العرائش، للذهاب إلى دور السينما،  ولأكل المثلجات (بولو، ومانتيكا) في فترة الصيف، ولركوب قوارب (فلوكا) رأس الرمل للاصطياف... 

أتذكر إحدى محكياته الغنائية التي كان يحكيها لنا ونحن أطفالا صغارا، محكية: "العَيْلاَ دْجْبْلْ  والسُولَيْمَا"، والتي يقول فيها: "أَوْ تَشَاقْشَاقْ مَاهُو تَشَاقْشَاقْ؟ جَاتْ العَيْلاَ دْجْبْلْ. قَاتْلِي يَالاَهْ مْعَايَا. قُتْلاَ مَاهُو فَايْنْ؟ نْمْشِيوْ نْ لْمُودَيْنَة، نْتْفَرْجُو فْسُولَيْمة..".

عبد الرحمن الجباري مؤسِّسٌ رائد للمسرح الشعري الزجلي بالعرائش. وهو النسَّابة الضليع في علم الأنساب Généalogie بشمال المغرب، والحافظ للقصائد، الدواوين، المنظومات، المتون الشعرية للنوبات الإحدى عشرة للطرب الأندلسي، الحايك، وعددا من المتون الشعرية لعديد من الصنائع، البردة، الهمزية، الدعوة الناصيرية، والأوراد...

وهوالشيخ المادح الذي تفنن في مدح الرسول الكريم، بالطريقة المديحية العالمِة، لفن المديح والسماع الصوفي بالمغرب. لقد عهدتُ فيه أيضا ضبط الإيقاع السماعي الصوفي خلال مشاركاته الوازنة برحاب الزاوية البدوية بالقصر الكبير، وللا عائشة الخضراء، وللافاطمة بنت أحمد... فهو من كبار مشاييخ الذين يضبطون الأوزان والنغمات السماعية على منوال صنعة قدماء الرواد، وجهابدة فن المديح والسماع الصوفي أمثال: الشيخ  الجعفري، والروسي، والكشوري، واليعقوبي، والغربي...

رحم الله الأديب والفنان المتعدد سيدي  عبد الرحمن الجباري، وأحسن مثواه.

إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربنا وإنا بفراقك يا عبد الرحمن لمحزونون.

 

بقلم: أ.د. محمد الشاوي

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5320 المصادف: 2021-03-30 03:35:51


Share on Myspace