 شهادات ومذكرات

صوفي أوليوول.. الفيلسوفة النيجيرية التي أعادت الاعتبار للفكر اليوروبي

رحمة بوسحابةترجمة: د. رحمة بوسحابة

المصدر: صحيفة الأندبندنت البريطانية

الفيلسوفة التي حاربت الصور الساخرة المُقلِّلة من شأن الفلسفة الافريقية في الغرب

صوفي أوليوول Sophie Oluwoleشخصية رائدة في مجال الفلسفة الأفريقية، وهي أول حاصلة على درجة الدكتوراه في هذا المجال في بلدها نيجيريا، وتعتبر أعمالها مثل "الفلسفة والتقاليد الشفهية" (1997 م)، و"الشعوذة والتناسخ والربوبية" (1992م) شاهدا على رسالتها في دحض الادعاءات التي قام عليها نظام التعليم الاستعماري الذي وضعه البريطانيون، والذي تتلمذت على يديه أوليوول نفسها.

ويقوم هذا النظام على فكرة أن "الأفارقة لا يستطيعون التفكير"، وقد صرحت أوليوول لصحيفة "بانش"Punch ": " أنّنا لسنا مفكرين، وأننا بدائيون، هذا ما أشعرني بالتحدي وقررت البحث ما إذا كنا فعلا غير قادرين على التفكير ... كنت أريد أن أثبت أنهم على خطأ".

كانت كلمة "فلسفة" غريبة على أوليوول وهي طفلة، بل وحتى في المدرسة الثانوية، إذ لم يكن هناك ما يسمى بالفلسفة الافريقية في نظر الأسياد المستعمرين.

كما اضطرت أوليوول،التي تُوفِّيت عن عمر يناهز 83 عامًا، إلى محاربة التمييز على أساس الجنس، المتأصِّل مؤسساتيا واجتماعيا في نيجيريا، مُلقية اللَّوم في ذلك على البريطانيين، الذين حصلت نيجيريا على استقلالها منهم عام 1960 بعد أكثر من قرن من التدخًّل والاضطهاد ... "لقد عطَّلوا ثقافتنا" تقول أوليوول.

2352 صوفي أوليوولوُلدت أوليوول"باسم أبوسيدي"أوليوول Abosede Oluwole في إغبارا-أوك Igbara-Oke في ولاية أوندوOndoالنيجيرية عام 1935 م، وهي الطفلة الثامنة لوالدين أنجليكانيين، كانا تاجرين من شعب الإيدز. منحتها مديرة مدرستها اسم صوفيا نتيجة تميُّزها الاستثنائي عندما تمّ تعميدها في سن الثامنة، وقد عدّلت اسمها إلى صوفي لاحقا.

انتسبت صوفي عام 1951 إلى مدرسة البنات الأنجليكانية الحديثة في إيل-إيفIle-Ife – وهي مدينة يوروبا القديمة في جنوب غرب البلاد –لتلتحق بعدها بسنتين بكلية المعلمات فيIleshaإيليشا التي تخرَّجت منها عام 1954م.

في عام 1963م، التحقت أوليوول بزوجها الأول في موسكو أين تحصّل على منحة دراسية، ومن هناك سافرت إلى ألمانيا ثم الولايات المتحدة قبل أن تعود إلى نيجيرياعام 1967 م، حيث تمكنت من الحصول على مقعد في  يونيلاج Unilag/جامعة لاغوس لدراسة الفلسفة. وأثناء ذلك"نصبت خيمتها التي كانت مسرحا للمعركة الفكرية والإيديولوجية الأشد شراسة لروح إفريقيا ما بعد الاستعمارية "، كما وصفها الكاتب تونجي أولوابا Tunji Oloapa

صرّحت أوليوول في العام الماضي للمخرج الهولندي جول فان دير لان Juul van der Laan، بـ"أنّ الواقع يتكوّن مما هو مادي وما هو غير مادي"، مُلقية الضوء على مكمن الصدع قائلة "في الغرب، لا يمكن أن يجتمع الاثنان معا، فهما متناقضان. أما الافريقي فيقول نعم، إن الواقع يشمل المظهرين معا، لكن لا يمكن الفصل بينهما، إذ ليس هناك شيئ مادي مطلقا  ولا غير مادي مطلقا، ففي كل الظواهر في العالم، يوجد الاثنان معا".

واصلت أوليوول دراساتها للحصول على درجة الماستر في يونيلاج Unilag، قبل أن تحصُل على درجة الدكتوراه من جامعة إبادان - Ibadan، لتكون الأولى من نوعها التي يمنحها مركز نيجيري. وقدركّزت أبحاثها على التقاليد الشفهية اليوروبية"إيفا " Ifa، وهي ديانة غرب إفريقيا، ونظام العرافة الذي تمارسه شعوب اليوروبا Yoruba، والايغبوIgbo، والايويEwe.

وعلى الرغم من أن تناقل  الايفاكان يتمّ مشافهة عبر الأجيال، دون أن يكون له أي أساس أدبي مثل الكتاب المقدَّس أو القرآن، إلا أن أوليوول اعتبرت أنَّه كان مدعوما بالفلسفة، مُستدِلَّة في ذلك بأنه لا يمكن أن يوجد أي نظام ديني بدون فلسفة.

وقد وجدت أوليوول أوجه تشابه مذهلة بين سقراط الذي يسمى "أب الفلسفة الغربيّة" والذي لم يخلِّف وراءه أي مؤلَّف مكتوب عن حكمته التي تولّى طلبته كتابتها بعد وفاته، وبين أورونميلا Orunmila، حكيم الإيفا العظيم، الذي ترك وراءه أيضًا شريعة شفهيَّة، ومن هنا –بحسب أوليوول- فإذا كان بالامكان اعتبار سقراط أب الفلسفة الغربية دون أن يترك وراءه أي عمل مكتوب خاص به، فلماذا لا ينبغي اعتبار "أورونميلا"، الذي يُعتقد أنه سبق سقراط، أبالفلسفة إفريقية؟ وهكذا حثَّت أوليوول افريقيا الغربية على استعادة تراثها الفلسفي، مؤكِّدة أن مجموع المعارف التي اكتشفتها في تقاليد اليوروبا غنية ومركبة مثل نظيرتها التي كانت موجودة في الغرب.

كما وجدت أوليوول"في التقاليد الشفهية للايفا أدلة دامغة على معارف قديمة لها علاقة بالحاسوبيات الحديثة وفيزياء الجزيئات، وعند سؤالها عن سبب عدم استغلال مثل هذه المعارف لوضع إفريقيا في مقدمة الدول المتطوّرة علميّا، انتفضت  مُنتقدة النظام التعليمي النيجيري، وخاصة مسألة التعليم باللُّغة الإنجليزية، فقدكانت متحمسة في اعتقادها بأن اللغة كانت جزءًا عظيما من المشكلة قائلة: "إن إفريقيا هي القارة الوحيدة التي تستخدم اللغة الأجنبية وسيلة للتعبير في المؤسسات التعليمية على الرغم من أن دراسات عديدة تؤكد حقيقة أن اللغة الأم هي أفضل وسيلة للتعليم، فهي تُسهِّل استيعاب المعرفة بشكل أفضل".

وأعربت أولوييل عن أسفها لكون النظام التعليمي النيجيري أنجب طلابًا متعلمين تعليماً عالياً، غير أنهم لم يتمكنوا من العثور على عمل بعد التخرج/ كما كانت حازمة بشأن أهمية العمل خارج المنزل للرجال والنساء، رغم تبنيها لفكرة الزواج والولادة المبكِّرين في نفس الوقت. وقد اشتكت مؤخرًا في مقابلة أُجريت معها من أن العديد من أطفالها الستة من زوجيها عاطلون عن العمل.  كما استمرت هي نفسها في العمل حتى نهاية حياتها،إذ عملت مُحاضِرة في قسم الفلسفة بيونيلاج، وأسَّست مركزا للثقافة الافريقية والتنمية .

في عام 2015، نشرت كتابها" سقراط وأورونميلا،آباء الفلسفة الكلاسيكية"، قارنت فيه مباشرة بين الفيلسوفين  اللذين شكّلا أهمّ عمل في حياتها.

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

فضيلة الدكتورة رحمة

السلام عليكم و رحمة الله

شكرا جزيلا لهذا المقال و المداخلة عن هذه المساهمة الفلسفية من مفكرة فيلسوفة عريقة من إفريقيا. و علينا أن نطلع على الإنتاج العلمي من أقطار مختلفة من إفريقيا . للأسف حتى الآن يتم تهميش علماء من إفريقيا (ما يسمى بإفريقيا تحت الصحراء و ذاك تسمية إستعمارية شنيعة كما المصطلح شمال إفيريقيا من مسميات الإستعمار البغيض) في شتى حقول معرفية. فلك الشكر و التقدير

محمد شهيد
This comment was minimized by the moderator on the site

الشكر الوافر لك على الاهتمام، فعلا نحن بحاجة الى تسليط الضوء على كل من يساهم في الثقافة والحضارة الانسانية ، وأن نتحرر من التمركز حول الغرب وننفتح على تجارب عالمية رائدة ..خالص التحية لك

د رحمة بوسحابة
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5325 المصادف: 2021-04-04 05:57:34


Share on Myspace