 شهادات ومذكرات

سليم الحسني: د. إحسان الأمين.. كفاءة العمل وروضة الأخلاق

سليم الحسنيرجل يمشي على بيّنة من أمره. مسك بيديه الاستقامة والأخلاق والنزاهة، وسار يواجه الحياة في مجالات العمل الرسالي والإداري، فكانت خطواته نجاحات متلاحقة.

يستند الدكتور إحسان الأمين الى تاريخ لامع على مستوى النشأة والأسرة والانتماء والعمل. وقد كان نتاجاً أميناً على هذه المنظومة المشرقة، حافظ على سمعتها وماضيها ومكانتها، بل زاد عليها من استقامته وعطاءاته لمسات اضافية.

في عام ١٩٨٢، قدِم الحاج إحسان الأمين/ أبو كوثر من الكويت الى طهران، وكانت أبرز نشاطات حزب الدعوة في موقعين أساسيين: العمل الجهادي، والعمل الإعلامي. فدخل في الحقل الإعلامي الى جانب مسؤوليات تنظيمية تم تكليفه بها.

كانت مشاكل العمل الإعلامي في تلك الفترة صعبة، فظروف الهجرة وصعوبات الحياة وصخب الساحة السياسية تجتمع مع بعضها لتتحول الى هموم ضاغطة على العاملين وهم في فترة الشباب المتدفق والمشاعر الثورية الحارة.

مع وجود الحاج أبو كوثر تسرّبت نسمات رطبة ندية على أجواء العمل، شعر بها العاملون في كل الأقسام وبمختلف درجاتهم في المسؤولية. وفي غضون أسابيع صار هو الشخص الأكثر (هيمنة) على كل العمل الإعلامي، رغم كونه لم يكن الأكبر سناً. كانت (هيمنة) من طراز خاص، من النوع الذي تجعلك تبحث عنها وتريدها لترتاح في جو العمل، إنها خيمة أمان على نشاط العمل وقوته، وتشعر فيها بأن المشاكل في طريقها الى الحل السريع.

بأخلاقه الرفيعه، وأدبه الجم، وتواضعه الصادق، وحرصه الكبير، نشر الحاج أبو كوثر طيبته على الجميع، وضخ من روحه عناصر القوة والإبداع، فكانت مشاريع حزب الدعوة في المجالات الإعلامية في تصاعد، وصار إعلام الحزب هو الأول في ساحات المهجر.

كنتُ وقتها رئيس تحرير مجلة الجهاد للبحوث للدراسات، وكان هو قد تولى مسؤولية إدارة المجمّع الإعلامي للحزب بكل مكاتبه ونشاطاته، فنشأت بيننا علاقة من العمل والصداقة والانسجام بحيث كنتُ أشعر معه بأن أي عمل يمكن انجازه ما دام الحاج أبو كوثر على قمة المسؤولية الإدارية.

يمتلك الدكتور إحسان عبد الأمير الأمين/ أبو كوثر اسلوباً خاصاً، فهو لا يمارس إدارته على الطريقة التقليدية في ضبط شؤون العمل ووتيرته، إنما يقبله أولاً بعقله، ثم يصهره بروحه، وبعد ذلك يحوّله الى حركة، وهذا ما كان يجعل المسؤوليات التي يتصدى لها تنجح وتتطور بسرعة ملحوظة.

تعرّض إعلام الحزب الى فترة من التراجع، بعد أن وقع الاختيار عليه ليدير مؤسسة دار التوحيد، فقد كانت تعاني من تراجع في ادائها، وهي مؤسسة واسعة ضخمة لها نشاطاتها الإسلامية على مساحة واسعة من خارطة العالم.

في فترة التراجع التي شهدها إعلام الحزب، تم عقد اجتماع لمناقشة هذا الخلل، وحضره من أعضاء القيادة المرحوم الأستاذ صالح الأديب والمرحوم الأستاذ عبود مزهر الراضي والأستاذ علي الأديب. وحين جاء دوري في الكلام، طرحت تقييمي بأن مشكلة التراجع في الإعلام سببها غياب الحاج أبو كوثر، وانتقاله الى مؤسسة دار التوحيد، وأن الحل لن يكون بتخصيص جزء من وقته للعمل الإعلامي الحزبي، لأن الجزء الآخر سيبقى غائباً وهو حضوره الميداني بروحه وأخلاقه وقدرته الفذة على استيعاب المشاكل.

وأتذكر أن المرحوم صالح الأديب وهو أحد مؤسسي حزب الدعوة، قال: صحيح ان دار التوحيد ليست من نشاطات حزب الدعوة، لكنها مؤسسة إسلامية رائدة في مجالها، وتقدم خدمات فكرية ضخمة في دول كثيرة، وليس من منهج حزب الدعوة أن تُحرم من كفاءة الحاج أبو كوثر، ليستفيد الحزب منه.

والى جانب ذلك كان أعضاء هيئة دار التوحيد يتمسكون به بأيديهم وأسنانهم بعد أن وجدوا النجاح الذي حققه، وكان المرحوم الوجيه الكبير كاظم عبد الحسين يبذل جهوده مع العلامة الكبير المرحوم الشيخ محمد مهدي الآصفي لكي يبقى الحاج أبو كوثر مديراً لدار التوحيد. وكان رحمه الله يقول: (لو كان لدى الشيعة عشرة أشخاص مثل الحاج أبو كوثر لكانت منجزات الشيعة التبليغية مشهودة في بلدان كثيرة).

بعد ما يقرب من عام أي في حدود سنة ١٩٨٤ تم تكليفي رئيساً لتحرير جريدة الجهاد الناطقة بلسان الحزب، خلفاً لرئيس تحريرها الصديق الأستاذ (حسن السعيد/ أبو أحمد)، وقد تناوبنا على ذلك عدة مرات. وقد تولى الحاج أبو كوثر مسؤولية الاشراف، مع بقائه مديراً لمؤسسة دار التوحيد التي تغير اسمها الى مؤسسة البلاغ.

بعد عام ١٩٩٠ وحتى خروجي من إيران، كنت قد انهيت علاقتي مع جريدة الجهاد ومع العمل الحزبي، وأنصرفت لأعمالي الإعلامية والكتابية المستقلة، وفي تلك الفترة صرت أقرب الى الحاج أبو كوثر، لقد ربطتنا الأفكار والتوجهات والمشاريع الثقافية المختلفة، وكان لقاؤنا يجري أكثر من مرة في الأسبوع في مؤسسة البلاغ، حيث أشعر وأنا ادخل المبنى بنسمات طيبة ندية تغطي المكان وترتسم على وجوه العاملين مثابرة وجهداً وتفاعلاً.

لم يتغير الدكتور احسان الأمين بعد سقوط النظام، فهو ليس مثل الآخرين، إنه المتشبع بالأصالة واستقامة الشخصية وشموخ القامة، تولى رئاسة دار الحكمة في بغداد وهو منصب أقل بكثير من كفاءته ونزاهته ولياقاته، لكنه العراق الذي تسوده أجواء لافحة تكره النسمة، وتسيطر عليها حسابات خاصة تمقت النزاهة والإخلاص.

أخي العزيز الدكتور أبو كوثر، تحية اليك خالصة وأرجو أن تكون في خير وعافية. كبير أنت والقلب منك قريب.

 

سليم الحسني

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5354 المصادف: 2021-05-03 01:49:46


Share on Myspace