 شهادات ومذكرات

محمود محمد علي: أنا والحاجب المنصور!

محمود محمد عليالقارئ العزيز لعلك قد سمعت عن "أبي عامر محمد بن أبي عامر"، والمشهور بلقب "الحاجب المنصور"، كان جندياً مغموراً، ليس له شأن، لكنه بجده واجتهاده استطاع أن يبرز في القتال، ثم برز في الشرطة، حتى صار قائدا لشرطة قرطبة، وقد جاءت تقديرات الله -عز وجل- لتهيئ له الفرصة لأن يشغل خلال خلافة الحكم الثاني (الخليفة الحكم المستنصر بالله،) مناصب إدارية أخرى مهمة غير الشرطة، مثل مدير دار سك العملة، ووكيلاً لعبد الرحمن أول أولاد الخليفة، ثم وكيلا لهشام بعد وفاة عبد الرحمن. وولي خطة المواريث، فقاضيًا على أشبيلية ولبلة وأعمالهما.

وبأبي عامر ننتقل إلى عهد جديد، غريب في تاريخ الأندلس.. عهد "الحاجب المنصور" الذي قال عن نفسه: الحمد لله الذي جعل لنا دولة تمتد شماريخها من عدوة المغرب إلى شادي يعقوب، ومن البحر إلى المحيط، وأما بعد.. فما بال أقوام يقولون: سلب الأمر أهله.. وما بال آخرين يقولون.. من كاتب رقاع علي باب الزهراء إلى متحكم في الدولة.. فأما كاتب الرقاع فنعم..وبعد.. فأنا ابن إمرأة كانت تغزل الصوف بالجزيرة الخضراء، آخذه لأبيعه لأتقوت.. وأما الثانية فو الله ما أخذنا الأمر إلا من أجل الأندلس.. وقد كان الأمر ما علمتم.. خليفة صبي.. وأم ضعيفة.. ومن ورائهم أعمام يريدون هذا الكرسي.. ومن وراء هؤلاء وأولئك صقالبة يتآمرون.. ومصحفيون قد قلبوا علينا الموالي والعرب.. هؤلاء يقولون: لا مولي لنا سوي المصحفي.. وأولئك يقولون: قد أخذ مراتبنا في الدولة.. ومن وراء كل هؤلاء: العدو الجاسم على ثغور الأندلس يتربص بكم الدوائر.. فهل نعطيه هذا كله.. وهل نعطيه إرث الداخل، حتى لا يقال سلب الأمر أهله.. والله لو أني أخذتها لنفسي لما كنت غدوت في كل عاماً مرتين حتى وصلت إلى مناطق لم يصلها الفاتحون الأولون.. لم يصلها طارق بن زياد.. ولا موسي بن نصير حتي أصابت المرأة في تلك الممالك إذا أرادت أن تخوف أولادها قالت: صه ليأتينكم أبو عامر.. وإني والله لأرجو أن ألاقي الله تعالى بقارورة جمعت فيها غبار المعارك عن ملابسي، لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يجتمع على عبد دخان جهنم وغبار في سبيل الله..

وهنا أتساءل: كيف استطاع محمد بن أبي عامر هذا الشاب، وهذا الفتي الذي كان جندياً مغموراً أن يمتلك المجد، والذي يذكرنا بعبد الرحمن الداخل؟.

هكذا استطاع "محمد بن أبي عامر" ليس له شأن لا مكانة، ولا وزن، ولا مال، ولا عائلة تختصها، ولا جنود، ولا أحد.. أستطاع أن يسيطر على الأندلس وحده.. كيف؟

روي عنه أنه في شبابه، إذ قال لزملاء دراسته أنه سيحكم الأندلس يوماً، وقبل أن يسترسلوا في الضحك مما سمعوه، طلب من كل منهم أن يتمنى عليه شيئاً ليعطيه إياه يوم يبلغ تلك النكال، فطلب أحدهم أن يجعله والي قرطبة.. وآخر أن يوليه ولاية كبيرة.. بينما سخر منه ثالث وطلب أن يجلده مائة جلدة ثم يطوف به عارياً على حمار ورأسه لذنبه وهو مغطي بالعسل حتى يجتمع علي جسده الذباب والنحل.. وعندما كبر حقق ما أراد، وأوفي لكل منهم ما طلب بما فيهم هذا الأخير.

سبحان وإن لنا في محمد بن أبي عامر لعبرة لا تنسي في أخ وصديق لي كان فقيرا معدما، وأمه التي مات زوجها كانت تبيع الفول لتتقوت به علي صبيها.. كانت تتمني أن يكون ولدها أستاذاً بالجامعة ويشار إليه بالبنان، ولكنها ماتت قبل أن يتحقق مرادها.. ذهب ولدها إلى الجامعة والتحق بكلية الآداب، وأثناء دراسته بالكلية كان يحلم أن يكون فارس كبير.. فارس تَشَوُّفه في الميدان.. له صولجان ويشار له بالبنان.. راح يشتغل عامل باطون.. في البرد وفي عز الهجير .. عامل أجير.. يُمْلِي بطون الأرض أسمنت وزلط.. ويصب عمدان العزيمة في كل بيت ويكتب عليها بالعرق.. إما أكون أولا أكون.. وفي وسط تيار العمل مد أيده للكتاب.. يقرأ الحروف.. وكان أول حرف هو حرف الألف.. ألف الإرادة والأمل.. والحرف الثاني هو الحرف ميم.. ميم العزيمة والهدف.. والحرف الثالث هو حاء.. حاء هو حلم عمره إنه يتعرف.. والحرف الرابع هو الحرف ميم.. ميم مستحيل أن ينحي أو ينحرف.. والحرف الخامس هو واو.. واو القسم ليكتب اسمه على لوحة شرف (زي أبي محمد أبي عامر)... والحرف السادس هو الحرف دال.. دال الدعاء من أم ضحت لأجل ما يوصل للهدف..

وبالفعل وصل وصار بفضل الله ومنته أستاذا يشار له بالبنان.. راح ينشر مؤلفات مجانا من غير ما يأخذ فلوس من مكتبة نور الإلكترونية.. وبالفعل نشر فيها أكثر من حوالي 167 مؤلف منشور، لدرجة أن المكتبة كتبت عنه قائلة: هو واحداً من كبار المفكرين المصريين المعاصرين الذين يطلق عليهم لقب المثقف الشامل الذي ضرب بسهام وافرة في فروع الفلسفة، حيث كتب في الفلسفة الإسلامية، والتصوف، وعلم الكلام، والمنطق ومناهج البحث وفلسفة الإبستمولوجيا، علاوة على اشتغاله بقضايا الفكر السياسي المعاصر، وهو صاحب موسوعة أجيال الحروب، والتي صدر منها حتى الآن ثلاثة مجلدات، بدأ فيها من حروب الجيل الثالث إلى حروب الجيل الخامس، علاوة علي اهتمامه الشديد بقضايا الأوبئة والجوائح، ومقالاته المتعددة حول كوفيد 19، وكذلك مقالاته في القضايا الاجتماعية والسياسية والمنشورة بالصحف والمجلات العربية والمصرية.

وأختم حديثي بقول الأستاذ محمد ياسين صالح: سلام على نجم الأمل مؤتلفاً في سماء الشباب.. سلام على دعوة سليمان والهدهد الغائب.. سلام على حلم تحقق وحلم تكسر وحلم ما زال ينتظر.. عن هذا الأخير أحدثكم وعن ورقة اتخذتها منذ بيعة الصبا.. أودعتها أسماء رجال وقعوا في نفسي موقع التأثير والعظمة.. قد تجدون فيها "المتنبي" و"السموئل".. وقد تجدون "أبا حيان" و"أبا عثمان".. ولربما عثرتم بـ"مارون عبود" و"جورج زيدان".. وإذا سألتني يا سيدي ما الذي جمع هؤلاء كلهم في ورقة واحدة.. أجبتك بأني كنت حديث عهد لشباب كانت مرآة نفسي تواقة غير صدئة ما كان أسهل أن ينبطبع فيها الجمال والدهشة.. أدهشني ذات مرة شاعر نبطي.. فأورثتني تلك الدهشة أربعمائة بيت نبطي حفظاً ومعشار ذلك نظماً .

أنا ابن إخميم الذي نظم نثر البادية فقال " والله لأكتب اسمي علي لوحة في سجل الخالدين".. أنا كما قال "المتنبي": صَخْرَةُ الوادي إذا ما زُوحمَتْ.. وإذا نَطَقْتُ فإنّني الجَوْزاءُ.. وَإِذا خَفيتُ عَلى الغَبِيِّ فَعاذِرٌ.. أَن لا تَراني مُقلَةٌ عَمياءُ.. شِيَمُ اللَيالي أَن تُشَكِّكَ ناقَتي.. وصَدري بِها أَفضى أَمِ البَيداءُ.. وصدق الله القائل: ونريد أن نمنّ على الذين استُضعِفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض.. وللحديث بقية في قابل الأيام..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5450 المصادف: 2021-08-07 04:02:46


Share on Myspace