 شهادات ومذكرات

محمود محمد علي: فرج فودة.. مُؤسساً لتنظيم الجهاد العلماني (2)

محمود محمد عليكان لفرج فودة حدة ذهنية ومنطق متماسك ومعارف متدفقة، وفوق ذلك كله فقد كان ذا حضور طاغ بل آسر، فقد كان حيث ينطلق في الحديث بصوته الجهورى والعذب في آن واحد، ينقل المستمع إلى آفاق مغايرة من المدركات والمشاعر تجعل لكلماته مفعول السحر في النفوس (5).

ولد "فرج فودة"  في 20 أغسطس (آب) 1945 ببلدة الزرقا بمحافظة دمياط (شمال مصر)، حصل على ماجستير العلوم الزراعية ودكتوراه الفلسفة في الاقتصاد الزراعي من جامعة عين شمس.عاش حياته مليئاً بالنشاط العلمي والعطاء الفكري، وحمل على عاتقه هموماً كثيرة، ولعب دوراً هاماً في الحياة الإبداعية والفكر العربي المعاصر، وكرّس كتاباته للدفاع عن حرية الفكر والتعبير والمعتقد، وحرية الإبداع الثقافي والفني، وأمن دائماً بأن المستقبل هو للتنوير، والعقلانية، وللخلق، والإبداع، وليس لجيوش الردة، والظلام، والعودة إلى الوراء ؛ وفي الرابع من شهر يونيه لعام 1992م تم اغتياله بإطلاق الرصاص عليه أمام منزله، وكان اغتياله حادثة هزت الأوساط الثقافية في مصر والعالم العربي، بوصفها تنذر بالكثير لما سيتم بعد ذلك ؛ حيث إنه بعد مقتله بسنوات قلائل، تعرض نجيب محفوظ للإغتيال، وتم تكفير "نصر حامد أبو زيد"، و"سيد القمني"، "العشماوى"، "خليل عبد الكريم"، "سمير غريب علي"، "عاطف العراقي" – بتهمة الدعوة لآؤاء علمانية مخالفة للدستور – "أحمد صبحي منصور" – تنظيم إنكار السنة – وخرجت المظاهرات تطالب برأس "حيدر حيدر" (وليمة أعشاب البحر)، ومحاكمة "صلاح الدين محسن "بتهمة إهانة الدين، تكفير "حسن حنفي"، مصادرة مطبوعات هيئة قصور الثقافة بتهمة الإباحية في روايات "محمود حامد" (أحلام محرمة)، "ياسر شعبان" ( أبناء الخطا الرومانسي)، "توفيق عبد الرحمن" ( قبل وبعد)  (6).

ألّف "فرج فودة"  عدداً من الكتب التي تضمنت فصل الدين عن الدولة، منها "قبل السقوط" (1984)، و"الحقيقة الغائبة" (1984)، و"الملعوب" (1985)، و"الطائفية إلى أين؟" (1985) بالاشتراك مع "يونان لبيب رزق" (1933-2008) و"خليل عبد الكريم" (1930-2007)، و"حوار حول العلمانية" (1987). ولقت الكتب اهتماما، فطبع بعضها أكثر من مرة ودرس بعضها في الجامعات والمعاهد.

كما كتب "فرج فودة"  عدداً من المقالات في جرائد المعارضة، مثل "الأهالي" التابعة لحزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي و"الأحرار" التابعة لحزب الأحرار الاشتراكيين، وعددا أقل في الجرائد القومية، خاض فيها العديد من المعارك الفكرية دفاعاً عن مبادئ الدولة المدنية من علمانية ووحدة وطنية وحقوق إنسان.

وقد أثارت كتابات "فرج فودة"  جدلاً واسعاً بين المثقفين والمفكرين ورجال الدين، واختلفت حولها الأراء وتضاربت وتصاعدت، حتى بلغت حداً كبيراً من العنف أدى في النهاية إلى اغتياله فقد كان يدعو إلى فصل الدين عن الدولة، ويرى أن تحكيم الشريعة من الرجعية، لأن الزمن تغير، والأحوال تغيرت، وكان يدعو إلى أن تكون الدولة مدنية بعيدة عن الدين.

كما يشدد "فرج فودة"  في كثير من كتاباته ومحاضراته على أنه مسلم متمسك بالإسلام الذي هو عنده "الدين الأعظم" مع التمييز بين الإسلام كديانة والدولة الإسلامية؛ ففي كتابه "النذير" (1989) والذي تناول فيه نمو التيار الإسلامي ما بين عامي 1982 و1987، خلص فيه إلى أن التيار الإسلامي "نجح بالفعل في تكوين دولة موازية"، لها اقتصادها المتمثل في بيوت توظيف الأموال، وجيشها المتمثل في الجماعات الإسلامية المسلحة، وكيانها السياسي المتمثل في مكتب إرشاد الإخوان المسلمين رغم حظر الجماعة قانونا. كذلك اخترق التيار الإسلامي المؤسسة الدينية الرسمية، مثل دعوة شيخ الأزهر الناخبين لإعطاء أصواتهم للمطالبين بتطبيق الشريعة (أي مرشحي التحالف الإسلامي)، ومطالبة جريدة اللواء الإسلامي التي يصدرها الحزب الحاكم (الحزب الوطني الديمقراطي) للمواطنين بعدم التعامل مع البنوك القومية وقصر تعاملاتهم على البنوك الإسلامية. كما اخترق أيضاً الإعلام الحكومي؛ حيث زادت الجرعة الدينية فيه من صحف، ومسلسلات، وخطب، تلفزيونية؛ مثل خطب الشيخ "محمد متولي الشعراوي" (1911-1998) التي عرّض في بعضها بعقيدة المواطنين المسيحيين (7).

كما ناقش "فرج فودة"  في هذا الكتاب، الذي يعد أحد أهم كتبه، الظهور الواضح لتيار الإسلام السياسي والتيار المتشدد، خصوصا بعد قتل الرئيس المصري "أنور السادات" في السادس من أكتوبر (تشرين الأول) 1981. واستنتج أن التيار المتشدد لم يكن مجرد مرحلة أو حركة، ولكنه دولة داخل دولة، معتبراً أن الفروق بين المعتدلين والمتطرفين في الإسلام السياسي هي الدرجة وليس النوع (8).

وتمسك "فرج فودة"  بطرح "إن إنكار العلمانية جهل بالحضارة الحديثة، وإطلاق صفة الكفر عليها جهل بالعلمانية، والدعوة لدولة دينية جهل بحقوق الإنسان، والمناداة بالخلافة جهل بالتاريخ"، وظل فودة يرى أن العودة إلى الإسلام السياسي عودة لزمن الهزائم، وهو ما جعله يُناصب العداء بكامل قوته للإسلام السياسي (9).... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

....................

الهوامش

5-أيمن عبدالرسول: فى الذكرى التاسعة لاغتيال فرج فودة : الموت دفاعا عن العلمانية، أدب ونقد، حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، مج 17 ,ع 191،2001، ص 9.

6- فرج فوده : قبل السقوط، ط1، القاهرة، 1985، ص 7.

7- فرج فوده : النذير، ط1، القاهرة، 1989، ص 7.، ص 10.

8- المصدر نفسه،  ص 16.

9- المصدر نفسه،  ص 19.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5497 المصادف: 2021-09-23 03:15:19


Share on Myspace