ضياء محسن الاسديان تلاقح الأفكار وتعدد المعتقدات الدينية والفلسفية والدراسات الموضوعية الفكرية المطروحة على طاولة البحث العلمي الإدراكي هي ظاهرة صحية وصحيحة يًشد عليها الأيادي وخصوصا إذا كانت ذا مضمون يخدم البشرية والعقيدة الدينية الإسلامية ولا تمس بوحدانية الله تعالى ولا بالعقيدة المحمدية الحقيقية. فكل الطروحات والآراء محترمة إذا كانت تصب في مصلحة وخدمة الإنسانية وتوحد المفاهيم وتعاضد القيم الأخلاقية للفرد فهذا الأمر لا يُعاب عليه حين اعتناق عقيدة أو دين أو رأي يتبناه في حياته بوجهة نظر أو فكرة ولا يسمح لأحد أن يطعن في عقيدته المتبناة أو انتقادها إلا أن يقدم ما هو أفضل منها وبأسلوب الإقناع الحضاري العلمي الفكري بعيدا عن العنف والتكفير والتهجم وأسلوب التشويه للحقائق لأغراض غير سليمة فكل الشرائع والسنن والمعتقدات والأديان في أرجاء العالم ومنها ما نحن بصددها وهي الديانة البهائية وهذا لا يبرر أننا ندافع عنها أو نعتنقها أو نتبناها لكن على سبيل توضيح جزءا مما جاء فيها لغرض التعرف على جزءا كبيرا من معتقداتها.

الديانة البهائية

تعرف كلمة البهاء بالعربية (الروعة أو المجد)

أن مؤسس هذه الديانة هو الباب (علي محمد الشيرازي) ولادة عام 1819 ميلادية وقد تم التواصل مع الحركات الفكرية المجاورة والمعاصرة له آنذاك والتي نشطت وذاع صيتها وبرز نجمها وأفكارها مع تنامي الفكر للمدرسة الشيخية برئاسة الشيخ (أحمد بن زين الدين الإحسائي) وقد آمن الملا (حسين بشروئي) مؤسس المدرسة الشيخية مع (17) شخصا آخرين وبينهم امرأة أسمها الطاهرة أو قرة العين وأطلق عليهم لقب (حروف الحي) وبعد زيادة انتشار هذه الديانة بين الناس وخصوصا في بلاد فارس (إيران) قامت الأسرة القاجرية التركمانية الحاكمة آنذاك بتحريض الدولة العثمانية تم سجن الباب الأعظم ثم إعدامه عام 1850 ميلادية رميا بالرصاص ثم تولى شؤون الطائفة الباب الملقب (بهاء الله) المسمى (حسين علي نوري) ثم سُجن ونُفي إلى العراق وتحديدا في بغداد وأستقر في قصر له حديقة تسمى (حديقة النجيبية) ثم سمية حديقة الرضوان ومنها تأسست جذور البابية وانطلقت الدعوة بقوة وزادت شوكتها وتأثيرها في المجتمع حينها طلب النظام الإيراني بتحريض الدولة العثمانية بنفي بهاء الله إلى إسطنبول ثم إلى أدرنة ومن بعدها إلى مصر ثم أستقر نفيه في فلسطين في مدينة عكا حتى وفاته عام 1892ميلادية وما زال ضريحه مزارا للطائفة والعامة يحج إليه سنويا وقد كتب بهاء الله كتابا أسماه (كتاب عهدي) بخط يده على أن يخلفه من بعده ولده الأكبر (عباس عبد البهاء) ولاية الأمر ولقبه الغصن الأعظم ومن بعده لولده الأصغر من زوجة ثانية له هو الميرزا (محمد علي) الملقب بالغصن الأكبر ثم ظهر من بعدهم فرع آخر تحت مسمى البهائية الأرثوذكس بعد توسع ديانتهم بين الطائفة المسيحية حيث يتواجد من هذه الديانة البهائية في العالم نحو 7- 8 مليون نسمة من المريدين يتوزعون على 247 دولة منها (الهند- أفريقيا –أمريكا الجنوبية – جزر المحيط الهادي –إيران-تركيا-مصر). وهي أحدى الديانات التي تؤمن بوحدانية الله تعالى عز وجل حيث يرتكز معتقدهم الديني على وحدانية الله تعالى أولا ثم على وحدة الدين أي الاعتراف بكل الأديان كاليهودية والمسيحية والإسلام والزردشتية والبوذية وغيرها أنها مرسلة من منبع واحد هو الله تعالى وثانيا وحدة الإنسانية أي أن البشر خُلقوا من قبل الله تعالى ومهم متساوون في النوعية والعرق والطبقة وثالثا وحدانية الله أي أن الله هو الواحد الأحد الخالق لكل البشر وتكون معرفته عن طريق الصلاة والصوم والتأمل الباطني الروحي والعقلي وخدمة الناس جميعا على حد سواء من غير فوارق كونها تذوب أمام إنسانيتهم كما أنها تعترف بالأنبياء الذين سبقوا النبي محمد بن عبد الله عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم (إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم) وأنهم قد بلغوا الرسالة السماوية من الله تعالى.ونستطيع أن نلخص مذهبهم أو معتقدهم) بتهذيب النفس، الابتعاد عن السياسة، المشاركة الجماعية المجتمعية، ولا يؤمنون بالصوامع ولا التعبد ولا الرهبنة ولا التكهن ولا الدروشة ولا الاعتزال عن الناس ويحتفلون من الثاني من مارس وحتى 21 منه وهو شهر الصوم للسنة البهائية الخاصة بهم تسمى رأس السنة البهائية.

التعاليم ومبادئ الديانة البهائية

1-الإيمان والاعتراف بوحدانية الله تعالى ووحدة البشرية ووحدة الديانات والهدف من الحياة هي معرفة الله تعالى.

2-التحري الشخصي لحقيقة الدين بدلا من التقليد والتبعية.

3-وحدة جميع العالم الإنساني.

4-ترك التعصب الديني بكل أنواعه العرقي والطبقي والوطني والقبلي.

5-الوحدة بين العلم والدين وتهذيب النفس البشرية في الدنيا لتكون معه في الآخرة يستفاد منها.

6-المساواة بين الحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة حيث يُسمون (جناحي طير الإنسانية).

7-التعليم الإجباري للأطفال لكلا الجنسين.

8-اتخاذ لغة موحدة للاتصال بين البشر.

9-إزالة الفوارق بين الغنى والفقر.

10-المشورة في اتخاذ القرارات.

11-تأسيس محكمة عالمية للبت في النزاعات البشرية وبين الدول.

12-التأكيد على العدالة والإنصاف بين البشر.

13-الاعتماد على الدين لضمان أمن الناس.

14-أطاعة الحكومة واجبة إلا في الأمور العقائدية.

15-عدم التدخل في الأمور السياسية أو الانضمام لأي حزب أو حركة.

16-تأسيس السلام العالمي هو الهدف الأسمى للعقيدة البهائية.

17-اعتقادهم أن معرفة الله تعالى لا يتحقق أبدا لكن محاولة معرفة صفاته ومزاياه كالرحمة والعدل والأنصاف والشفقة.

من بعض أحكام الديانة البهائية هي :

- الصلاة: وهي ثلاثة أنواع وعلى المريد اختيار أحداهما.

- الصوم: هو الامتناع عن الأكل والشرب من شروق الشمس إلى غروبها خلال الشهر الأخير من السنة البهائية.

- الزواج: شرط موافقة الطرفين ورضا الوالدين وقراءة آية واحدة عند عقد القرآن وبحضور شهود عيان والآية هي أن يقول الزوج (إنا لله راضون وتقول الزوجة وإنا لله راضيات).

- تحريم المشروبات الكحولية والمؤثرات العقلية.

- تحريم النشاط الجنسي إلا بين الزوجين.

- تحريم تعدد الزوجات.

- قوانين خاصة بالعقيدة لتقسيم الإرث في حال عدم وجود الوصية

- تحديد عقوبة الزنا والسرقة والقتل وغيرهما.

في حين توجه الاتهامات من هنا وهناك لهذه الديانة وعقائدها من قبل البعض منها.

1- أن البهائية تعتقد بوجود الله تعالى الواحد الأحد وبالكتب السماوية كاليهودية والمسيحية والبوذية والزرادشتية وبجميع الأنبياء كالنبي محمد بن عبد الله والنبي إبراهيم والنبي موسى والنبي عيسى وغيرهم عليهم أفضل السلام.

2- أنهم يؤمنون بأن الوحي جبرائيل عليه السلام ما زال مستمرا بالنزول بعد النبي محمد عليه الصلاة وأتم التسليم.

3- أنهم لا يرددون أسم الله تعالى ولا ذكره وهذه الشبه يردون عليها بأن الله له قدسية ومكانة مقدسة لدى الذاكرين له والسامعين وللمكان المذكور فيه.

4- أنهم منكرون الجنة والنار لكنهم يؤمنون بالعقاب والثواب في الآخرة لكن العقاب  على الروح بدل الجسد.

5- أنهم غير محبي الوطن لكن معتقدهم يؤكد على حب الوطن خاصة بالإضافة السعي على حب العالم جميعا وشعوبه لتحقيق الأمن والأمان وكرامة الإنسان والحصول على حقوقه بغض النظر عن جنسه وعرقه ومعتقده.

6- أن لهم قبلة غير قبلة المسلمين يتوجهون إليها وهي مدينة عكا بفلسطين تسمى (قصر البهجة) لكنهم يصرون على أن التوجه هو لله وحده ولا شريك له.

ومن الاتهامات المهمة والخطيرة أنهم قد تعاونوا مع اليهود في فلسطين لتأسيس دولتهم وأن اليهود دخلوا لهذه الديانة وحصلوا على المناصب الرفيعة علما أن بهاء الله قد دخل مدينة عكا بينما اليهود لم يكن لم وجود يذكر في سنة (1844ميلادية) بينما تأسس الكيان اليهودي عام 1948ميلادية). وأخيرا أن للبهائيين دورا إنسانيا وفكريا على أرض الواقع في الكل البلدان التي نزلوا فيها في أحلال السلام وتنمية السلم الأهلي والاجتماعي ونشر المحبة والتنمية في الاقتصاد وبناء الجسور الفكرية والثقافية ولهم صلة وثيقة مع كثيرا من الأدباء منهم (جبران خليل جبران – شكيب أرسلان – محمد عبدة – أمين الريحاني -) ولهم مقولة مشهورة مفادها (إنا لا نخاف الله لعقابه ولا طمعا بجنته بل حبا لله تعالى)....

 

ضياء محسن الاسدي

 

ابراهيم أبراشتوفي في العاصمة الأردنية عمان، فجر اليوم الاثنين الموافق الخامس من أبريل الشاعر والمفكر الفلسطيني عز الدين المناصرة عن عمر يناهز الـ74 عاما متأثرا بإصابته بفيروس كورونا.

إلى هنا ينتهي الخبر الذي تناقلته وسائل الإعلام، ولكن وفاة المناصرة بالنسبة للفلسطينيين ومناصري الحرية والعدالة يفتح جروحاً تتجاوز الحزن  والألم على فقدان شاعر وأديب لتثير مسألة على قدر كبير من الأهمية والخطورة وهي أنه مع فقدان كل شاعر وأديب كبير من جيل الثورة في الستينيات والسبعينيات كعز الدين المناصرة وقبله محمود درويش وسميح القاسم وهارون هاشم رشيد ومعين بسيسو وآخرون، يحدث فراغ كبير في الذاكرة الوطنية الثورية ودورها في تثوير الحاضر وشحن همم الأجيال الجديدة، وهو فراغ لا يستطيع الجيل الجديد من الأدباء والشعراء تعويضه لأن الشاعر والأديب ابن عصره وزمانه يؤثر فيه ويتأثر به، وهذا الزمان ليس زمان الثورة والنضال بل زمن المهادنة والمناورة والمساومة والبحث عن تسويات سياسية .

المثقفون بكل تصنيفاهم يُقتلون مرتين، مرة بالوفاة الطبيعية أو الموت الجسدي ومرة أخرى بتهميشهم والتَنَكر لإبداعاتهم خلال حياتهم، والجزء الأكبر من أدباء وشعراء فلسطين ممن عاشوا بدايات الثورة ونظَّروا لها وكان دورهم لا يقل عن دور حملة السلاح قُتلوا مرتين.

 ولمن لا يعرف عز الدين المناصرة الذي كان لي شرف الجلوس والتواصل معه عدة مرات، فهو أحد شعراء "الثورة الفلسطينية" ومفكر وناقد وأكاديمي فلسطيني من مواليد بلدة بني نعيم، في الخليل، أصدر العديد من الكتب المتخصّصة في النقد والثقافة والفكر ومنها: "الفن التشكيلي الفلسطيني" (1965)، و"السينما الإسرائيلية في القرن العشرين" (1975)، و"المثاقفة والنقد المقارن" (1988)، و"نظرية الأدب.. قراءة مونتاجية في علم الشعريات" (1992)، و"حارس النص الشعري" (1993)، و"إشكالات قصيدة النثر (في ضوء الشعريات المقارنة)" (1998)، و"لغات الفنون التشكيلية" (2003)، و"الهويات، والتعددية اللغوية في ضوء النقد الثقافي المقارن" (2004)، و"علم التناصّ والتلاصّ والتنالاص" (2006)، و"تداخل الأجناس الأدبية (في ضوء الشعريات المقارنة)" (2011)، و"أكبر من دولة فلسطينية، أقل من دولة كنعانية" (2012).

إلى جانب إصداره حوالي عشرين عملاً شعرياً مثل: "قمر جَرَشْ كان حزيناً "(1974)، و"بالأخضر كفّناه" (1976)، و"جفرا" (1981)، و"كنعانياذا" (1981)، و"حيزيّة: عاشقة من رذاذ الواحات" (1990)، و"مطرٌ حامض" (1992)، و"لا أثق بطائر الوقواق" (2000)، وغنى مطربون عرب عدداً من قصائده ومنها "يا نايمين تحت الشجر" و"يا عنب الخليل" و"جفرا" و"بالأخضر كفناه" و"عتم الليل" و"الباب" و"المسافرين" و"مواصلات إلى جسد الأرض" و"الميعاد" و"طواويس" و"كان الصيف موعدنا".

ومن اعماله التي انتشرت شعبيا "جفرا" وقبلها قصيدته الشهيرة "بالأخضر كفناه" والتي غناها المطرب اللبناني "مارسيل خليفة" وتقول كلماتها:

"بالأخضر كفّناه بالأحمر كفّناه

بالأبيض كفّناه بالأسود كفّناه

لا الريح تحاسبنا إن أخطأنا لا الرمل الأصفر

لا الموج ينادينا إن خطف النوم أعيننا

والورد إحمرّ

يا دمَهُ النازف إن كنت عذاباً يومياً

لا تصفرّ ".

***

إبراهيم ابراش

 

محمود محمد عليلقد طغي علي الفكر النهضوي هاجس البحث عن إدراك ركب الحضارة، والأخذ بأسباب التقدم البشري، سواء كان ذلك التقدم يتم بالقطيعة مع الماضي والانفصال عنه أو يكون بالرجوع إلي أسسه النقية الخالصة؛ وهكذا تشكلت لدي الوعي النهضوي مفارقة العدو- النموذج، أي الخصم التاريخ المتفوق علمياً وتقنياً ومؤسسياً الذي لا بد من اللحاق به، مع التمسك بالقيم الروحية والثقافية، وإن اقتضي الأمر تأويلها وتجديدها، ذلك أن القضية التي شغلت مفكري النهضة تدور حول هذا السؤال: كيف يمكن للمسلمين أن يصبحوا جزءً من العالم الحديث دون أن يتخلوا عن دينهم؟

إنه السؤال الذي يصر أن يطرحه بحده المشروع الاصلاحي عند " محمود محمد طه"، ويقوم هذا المشروع علي تصورين مترابطين عضوياً: أولهما: إرجاع أسس التقدم والتطور العملي إلي أًصول إسلامية، باعتبار أن الغرب استمد جذور نهضته وحضارته من الإسلام، ومن تراث العرب، وثانيهما: تبيان أن الإسلام الصحيح هو الذي لا يناقض المدنية الحديثة، بل هو في جوهره انسجام كامل معها، ولكى يضمن "محمود محمد طه" لمشروعه الاصلاحي الانتشار أسس حركة التأليف، والنشر ومنابر الحوار، وأركان النقاش التى تقام فى الطرقات العامة والميادين والحدائق ودور العلم والأحياء، ثورة فكرية لم يعرف لها مثيل فى تاريخ الأديان والأفكار، حيث حمل هو وتلاميذه الفكرة إلى كل مكان ناء من السودان يذهبون إلى الشعب، حيث يعيش، يحدثونه عن الدين ويحاورنه وينقلون له النموذج الحى للإسلام المسجد الذى يمشى على قدمين وقد كانت حركة الحوار الفكرى هذه معالم بارزة فى حياة الشعب السودانى، حيث كانت كثير من أركان النقاش فى الجامعات، وفى الطرقات والأماكن العامة مدارس تعلم فيها الشعب أدب الحوار وأدب الدعوة إلى الدين، وقد كان أساليب الدعوة الفريدة حملات الدعوة الخاصة، حيث كان الجمهوريون يذهبون إلى لقاء المثقفين ورجال الدين والمفكرين فى مقابلات خاصة يتم فيها الحوار الفكرى وتعرض الدعوة إلى الرسالة الثانية من الإسلام وتقدم لهم فيها نسخا من كتب الفكرة الجمهورية (33).

كان شعار ثورة التغيير التى قادها "محمود محمد طه" هو الكلمة (لا إله إلا الله) بعد أن رفعها الأستاذ محمود فى دعوته الجديدة إلى الأستاذ محمود من التحقيق جعلها منهاجا لتغيير النفوس، وقد قامت هذه الحركة الشاملة فى مداها والمنضبطة فى أدائها، والفاعلة فى تأثيرها على موارد الجمهوريين الذاتية، والتى يقتطعونها من دخولهم الشخصية، وعلى العمل التطوعى الذى يكرس له الأعضاء إجازاتهم وأوقات راحتهم، وعلى ريع الكتب التى يوزعونها بعد أن يقوموا بطباعتها يدويا، فكانت بذلك ثورة شاملة فى معناها ومبناها، وإرهاصا كبيرا بالثورة الثقافية المنتظرة والتى تعيد صياغة الأفراد والجماعات (34).

لم يكتف بذلك بل حاول "محمود محمد طه" أن يبين لنا بأن كل أفكاره التي تعتمد في أساسها على ضرورة العودة إلى الإسلام المكي باعتباره الأصل في الإسلام، وتجاهل الإسلام المدني الذي لا يصلح للعصر الحالي مطلقاً. وفي ضوء هذا الفهم كان للمفكر السوداني البارز العديد من الأفكار غير التقليدية التي وصفها البعض بالشذوذ عن الدين، وكانت سبباً في الحكم بردّته"طه" خاض حقلى السياسية والفكر بنهم وإخلاص وخرج بمشروعه التجديدى للتراث الإسلامى وبحزب يرأسه وهو الحزب الجمهورى السوداني، الذى وقف مدافعا عن استقلال السودان فى وجه الاستعمار الإنجليزي والتدخل المصري فى الشئون السودانية (35).

وتحت شعار تاريخي "الحرية لنا وسوانا" عارض طه عددا من المشكلات الاجتماعية والتشريعية التى عانى منها الشعب السودانى، منها على المستوى الاجتماعي رفض عادة الخفاض الفرعونى – الختان – وعلى المستوى التشريعي ما سنه التشريع السودانى من قطع يد السارق استنادا على نصوص دينية (36).

ووفقا لما توصل له طه بأن التفسيرات المنغلقة للنصوص الدينية هى العامل الرئيس فى قمع الفرد باسم الدين فقد كتب مؤلفه "الرسالة الثانية للإسلام" ليحدث ضجة واسعة خاصة بعدما حصر ثمانية قضايا رأى أنها ليست أصولا فى الإسلام، هذه القضايا هى الجهاد، الرق، الرأسمالية، عدم المساواة بين الرجال والنساء، تعدد الزوجات، الطلاق، الحجاب، المجتمع المنعزل رجاله عن نسائه (37).

وثمة نقطة أخري مهمة وجديرة بالإشارة ألا وهب أن "محمود محمد طه" ينظر للجمهوريين بأنهم ورثة الصوفية، ذلك بأن الصوفية في حقيقتهم هم أنصار السنة، فقد أحيوا الدين وحفظوا عليه أصالته بعد أن انحط المسلمون عن الأوج الذي تركهم عليه النبي صلى الله عليه وسلم، عندما انتقل إلى الرفيق الأعلى، وانشغلوا بالدنيا عن الدين، يتضح ذلك في فكر الأستاذ طه عبر كتابه "طريق محمد"؛ حيث يقول: "ان دولة القرآن قد أقبلت، وقد تهيأت البشرية لها بالمقدرة عليها وبالحاجة إليها، فليس عنها مندوحة.. وهذا يلقي على عاتق المسلمين المعاصرين واجبا ثقيلا، وهو واجب لن يحسنوا الاضطلاع به إلا إذا جعلوا محمدا، وحده إمامهم ووسيلتهم إلى الله" (38).

ويزيد إلى ذلك “لقد خدمت الطـرق الصوفية غرضا جليلًا، في نشر الدين الحق، ولقد ربت رجالًا أفذاذا، كانوا منارات هدى، ومثابات رشد للأمة، عبر تاريخها الطويل، في ارتفاعه وانخفاضه، عندهم التمست دينها وخلقها وتربيتها.. ولكن اليـوم!! فإن تحديات العصر أكبـر من الطرق وأكبـر من المشائيخ، وليس لها غير "محمد". ونحن ندعو جميع أصحاب الطرق إلى العودة إلى طريقة الطرق ـ طريقة محمد ـ إذ بتقليد محمد تتوحد الأمة ويتجدد الدين (39).

بيد أن هذه الأقوال لم ترضي خصومة من جماعة الإخوان المسلمين الذين ألبوا السلطات في ذلك ضده، واتهامه بالردة، ففى ١٨ نوفمبر ١٩٦٨م حوكم "محمود محمد طه" بتهمة الردة أمام محكمة الاستئناف العليا الشرعية، لكنه رفض الامتثال لأمر الحضور للمحكمة، بتهمة ترك الصلاة والدعوة لترك الصيام، وقوله إن الزكاة والجهاد ليسا أصلًا فى الإسلام (40).

لم يكتفوا بذلك بل قالوا إن محمود طه يقول بحلول الله فى جسد الإنسان، كما قالوا فى نص محاكمته إنه دعا لترك الصوم، لأنه عندما سئل قال (أنا آكل وأشرب فى نهار رمضان، وأنا صائم بقلبى وهذا هو الصوم الأصيل، لا كصوم غير الأصيل، فليس المراد من الصوم الجوع والعطش، إنما هو صوم القلب (41).

وبالفعل اعتقل "محمود محمد طه" ومعه عشرات الجمهوريين في يونيو من العام 1983، أي قبل ثلاثة أشهر من صدور قوانين سبتمبر 1983. وكان سبب الاعتقال كتاب أصدره الإخوان الجمهوريون انتقدوا فيه النائب الأول لرئيس الجمهورية آنذاك، اللواء "عمر محمد الطيب"، لكونه قد استجلب إلى مسجده المسمى “مسجد التقوى” في ضاحية "كوبر" بالخرطوم بحري، واعظاً مصرياً اسمه "محمد نجيب المطيعي"، كان يعمل في جامعة أم درمان الإسلامية. وقد شرع ذلك الواعظ في تأليب وتحريض جمهور المصلين ضد الجمهوريين، من على منبر ذلك المسجد. ولقد أشار "محمود محمد طه" في مذكرة بعث بها من معتقله إلى الجمهوريين المعتقلين بسجن "كوبر"، أنه يرى أن اللواء "عمر محمد الطيب" ضالع في مؤامرة ضد الجمهوريين فيها أيد أجنبية، يدل عليها استخدامه لذلك الواعظ الذي أخذ في بث الفتنة الدينية من “مسجد التقوى” التابع له، ومن التلفزيون القومي، ثم باعتقاله للجمهوريين. عموماً، أخذت حلقات المخطط المبيت ضد الجمهوريين، تتجلى على أرض الواقع، منذ منتصف العام 1983م، أي قبل ثلاثة أشهر من صدور قوانين سبتمبر 1983م، واستمرت تلك الحلقات في الظهور المتتابع، حتى محاكمة "محمود محمد طه" في يناير 1985م (42).

وفي العام 1972 أفتى “الأزهر الشريف” (للأسف) بأن فكر الداعية والمفكر "محمود محمد طه" "كفر صراح ولا يصح السكوت عليه"، وخاطب "وزارة الشؤون الدينية والأوقاف السودانية"، قائلاً: "فالرجاء التكرم باتخاذ ما ترونه من مصادرة لهذا الفكر الملحد والعمل على إيقاف هذا النشاط الهدام خاصة في بلدكم الإسلامي العريق"، كما خرج بيانا لجنة الإفتاء بمجمع البحوث الإسلامية ورابطة العالم الإسلامي آن ذاك كضوء أخضر للسلطات السودانية كى تسفك دم المفكر السوداني بدم بارد (43).

ظل الخصوم والأئمة والوعاظ والفقهاء في السودان يستخدمون فتوى "الأزهر الشريف" على منابر المساجد وفي وسائل الإعلام، منذ عام 1972، وحتى يوم الناس هذا، ويستندون عليها في تكفير الداعية والمفكر "محمود محمد طه"، وتلاميذه، الإخوان الجمهوريين، وتلميذاته، الأخوات الجمهوريات. لم يكن لدى خصوم الفكر الجمهوري والوعاظ والفقهاء غير فتوى الأزهر (44).

وفي الثامن عشر من يناير1985م، وفي صباح الجمعة، كشأن السيد المسيح، صعد "محمود محمد طه" إلى منصة الإعدام بسجن كوبر، وسط تهليل وتكبير، صوره لنا المخرج العالمي "ميل جيبسون" في فيلم (آلام المسيح)، ووسط آمال ورغبات ودموع مريديه – أو قل، للإنصاف- والعاقلين من أبناء وبنات الشعب السوداني والمعمورة.. فما هي الجريرة التي أرتكبها ذاك الشيخ السبعيني، حتى يثور عليه رجال الدين والحكم في بلاده، ويرون أن الموت أنجع وأمضى ما يداوونه به!! (45).

بالنسبة لكثير من السودانيين الذين هللوا لإعدامه في ذلك اليوم، فإنّ "محمود محمد طه" قد اقترف أسوأ جريمة يمكن أن ترتكب. لقد أدين بتهمة الردّة عن الإسلام. وهي تهمة نفاها طه، الذي أصرّ حتى النهاية، أنه ليس مهرطقاً، أو مرتدّاً عن الإسلام، وإنما مصلح دينيّ، ومؤمن وقف في وجه التطبيق الوحشيّ للشريعة الإسلامية، "قانون المسلمين المقدّس"، إنّ الألم لإعدام "محمود محمد طه" كان مضاعفا، فالرّجل أُعدم مرّتين؛ مرّة أولى عندما أعلن "رفاقه الأربعة" الّذين حكم عليهم معه بالإعدام "توبتهم" أمام المحكمة واصفين إيّاه بالمرتدّ الّذي ضلّلهم وأخرجهم عن الملّة. ومرّة ثانية عندما وضع الجلاّدان حبل المشنقة حول رقبته (46).

ولا يسعنا ونحن نختم مقالنا عن الشهيد الأستاذ محمود محمد طه، إلاّ أن نستعير ما قالته الصحفيّة "جوديث ميلر"، المراسلة السابقة لصحيفة "نيويورك تايمز" في الشرق الأوسط، ضمن شهادتها التي ضمّها كتابها "لله تسعة وتسعون اسماً"، God Has Ninety Nine Names عن واقعة إعدام طه، عندما كانت مُوفدة عن الصحيفة لتغطية الواقعة، حيث كتبت: "أحسست أنا أيضاً أنّ طه لم يُقتل بسبب يتعلق بنقص في قناعاته الدينية، وإنما بسبب من نقصهم هم".

مات "محمود محمد طه" وتفرق دمه بين القبائل؛ خاصة بعدما أعلن رجال الدين ردة الرجل وإحلال سفك دمه فى الوقت الذى أيد فيه "جعفر النميرى" – الرئيس السودانى الأسبق- تنفيذ الإحكام الإسلامية – ليصطاد عصفورين بحجر واحد، الخلاص من "محمود محمد طه" واسترضاء مؤقت للإخوان فى سبيل استمرار قمع المعارضين؛ بعد أن أعلن "نميرى"، تطبيق حدود الشريعة فى سبتمبر ١٩٨٣، قال "محمود محمد طه" بكل شجاعة، (إنها مخالفة للشريعة وللإسلام، وشوهت الشريعة، وشوهت الإسلام، ونفرت عنه.. يضاف إلى ذلك أنها وضعت واستغلت لإرهاب الشعب وسوقه إلى الاستكانة عن طريق إذلاله.. ثم إنها هددت وحدة البلاد (47).

وعلى خطى “سارقي النّار” في الفكر الإسلامي؛ "قاسم أمين"،" علي عبد الرّازق" و"الطّاهر الحدّاد" تجرّأ قلم “محمود محمّد طه” على استنطاق الصمت وإنارة السّبيل، أمام جيل تائق للحريّة والانعتاق. إلا أن المؤسسات التقليدية القابضة على أجهزة التوعية ومساراتها في وطننا العربي، لا تسمح لمثل أفكار "محمود محمد طه" بالذيوع. غير أن الوقت لم يفت بعد، إذ لا بد أن تأتي اللحظة، التي يجد الناس فيها منصرفاً عن الرجوع إلى تلك الحادثة الشنيعة.

إنّ أكثر ما يثير الحزن في نفس المفكّر أن يتمّ تشويه أفكاره عمداً، إذا لم تتماه تلك الأفكار مع مصالح الطبقات المسيطرة، بل وتهدّد بتقويض تلك السيطرة لحساب المعرفة الإنسانية. ولعل ما حدث مع "محمود محمد طه"،أعدم على يد نظام جعفر النميري في السودان في 18 يناير سنة 1985، يُعد نموذجاً على ما يمكن أن يعانيه المفكر، عندما يهمّ بالخروج عن نمط التفكير السائد ومخالفة العقل الأوحد، إذ سيكون وقتها هدفاً لقوى الظلام التي ترى أنّ مصلحتها تقتضي تكريس الرجعية وتدعيم أسس الاستبداد التي تحفظ لها هيمنتها الثقافية والسياسية.

وفي هذا يمكن القول بأن محمود محمد طه شكّل تحدّياً أخلاقياً في مواجهة وُعّاظ السلاطين وفقهاء السلطة، ومحترفي التجارة بآلام الشعوب وتطلّعاتها، ولم تكن حادثة إعدامه سوى شاهد حيّ على مأساة بشرية ستكلل بحبل المشنقة، وهنا لم نجد تقريظاً لحياة الرجل سوى أن نردّد معه "بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء"، وهو الحديث النبوي الذي كان يردده طه، ويكثر من الاستدلال به دوماً، ويحفظه عن ظهر قلب عملاً وقولاً، ليدفع حياته في النهاية ثمناً لتلك الغربة القاسية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...........

33- محمود محمد طه: الإسلام وإنسانية القرن العشرين، أم درمان: الحزب الجمهوري، 1973، ص 45-47.

34- عماد البليك: تعرف على المفكر السوداني الذي حوكم بالردة قبل 33 عاماً، نشر في: 19 يناير ,2018: 12:00 ص GST

35- ماهر فرغلى: أفكار فوق حبل المشنقة، محمود محمد طه.. الرجل الذى كشف عملية تزوير الإسلام الخميس 21/يوليه/2016 - 03:20 ص.

36- عبدالله الفكي البشير: التجديد الديني/ الاقتصادي لمشروع الأستاذ محمود محمد طه، 27-06-2020.

37- محمود مراد محمد: محمود محمّد طه و"الرسالة الثانية من الإسلام"، مارس 2021

38- جعفر نجم نصر: التأويل الصوفي للشريعة: راهنية مشروع المفكر السوداني محمود محمد طه للعالم الإسلامي، دراسات 14/07/

39- عبدالله الفكي البشير: التجديد الديني/ الاقتصادي لمشروع الأستاذ محمود محمد طه، 27-06-2020.

40- منشورات الأخوان الجمهوريين- أمدرمان 1984/1985؛ وأنظر أيضا نجيب البكوشي: محمود محمد طه.. الأفكار أعلى من أعواد المشانق، الجزء الثاني،2020-10-31آخر تحديث: 2020-10-31.

41- نفس المرجع.

42- عبدالله الجبور: الأستاذ المفكِّر فى زمن الردَّة، مرجع سابق؛ وأنظر أيضا غسان علي عثمان: محمود محمد طه .. قتلته السياسة ولم يقتله الدين..!!، 26 ديسمبر، 20120

43- إيمان عادل: محمود محمد طه.. مفكر أهدر دمه المتأسلمون وأعدمه النظام السودانى، جريدة اليوم السابع المصرية، الإثنين، 20 يناير 2014 08:05 ص؛ وأنظر أيضا صحيفة انباء السودان/مقالة بقلم الأستاذ محمود محمد طه بعنوان (تعالوا الى كلمة سواء) 1958.

44-عبدالله الفكي البشير: رسالة مفتوحة الى فضيلة شيخ الأزهر، مركز الدراسات السودانية، نشر في 23-07-2020.

45- موقع الفكرة الجمهورية بالإنترنت www.alfikra.org؛ وأنظر أيضا محمد أسامة: المفكر والسياسي السوداني «محمود محمد طه"، 29/04/2019.

46- إيمان عادل: محمود محمد طه.. مفكر أهدر دمه المتأسلمون وأعدمه النظام السودانى الإثنين، مرجع سابق؛ وأنظر أيضا منصـور خالـد: شهيد الوطن الاستاذ محمود محمد طه، مجلة الكلمة.الرابط http://www.alkalimah.net/Articles/Read/21186

47- ماهر فرغلى: أفكار فوق حبل المشنقة، مرجع سابق؛ وأتظر أيضا سامح إسماعيل: محمود محمد طه.. ترنيمة أخيرة على صليب الحلاج، 12/11/2017.

48- محمود مراد محمد: محمود محمّد طه و"الرسالة الثانية من الإسلام"، مؤسسون بلا حدود، نشر في 20 مارس،2021؛ وأنظر أيضا الطيب عبد السلام: محمود محمد طه بعيون محمد اركون / الإسلام السوداني و إمكان التحديث – حوارية، الحوار المتمدن-العدد: 6475 - 2020 / 1 / 28 - 10:02.

49- علاء الديب: إعدام رجل يفكر، نشر يوم الأحد 17-03-2013 00:00.

 

 

لطفي شفيق سعيدقبل أن أواصل ما ذكرته في الجزء الثاني استوقفتني فقرة وردت في الجزء الثالث من مقالة الدكتور قاسم وهي (إن الشيوعيين توفرت لهم فرصة استلام السلطة عام 1959 حين ضرب عبد الكريم قاسم وجاءت اللقمة على بعد سنتمترات من الفم وما أخذها... فتولد انطباع بأن الشيوعيين مصابون بـ(عقدة الخوف من السلطة أو أنهم غير قادرون على إدارة بلد محاط بثلاثة دول إسلامية قوية تجمعها على اختلاف أنظمتها ومذاهبها كره الشيوعية..... انتهى نص الفقرة

قبل أن أناقش هذا الرأي أقول بأن الدكتور لم يحدد أي فئة من الشيوعيين كان يقصد فقد وردت وكأنها تشمل جميع شيوعي العالم ولو أنه كان يقصد الحزب الشيوعي العراقي بدليل ما ذكره بأنه بلد محاط بثلاثة دول إسلامية ويعني بذلك العراق وعليه فسوف أناقش ما يتعلق بالحزب المذكور وبحدود السؤال لماذا لم يستلم السلطة في عام 59 ،باعتقادي وحسب تعليلي في أن ما كان يدور في أروقة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي من سجلات حول موضوع استلام السلطة ومن عدمه لم يفض إلى نتيجة ولم يستقر على رأي واضح وحاسم  قد كلف ذلك الكثير من ضياع الفرص مثلما وصفها زميلي الدكتور قاسم بقوله (حيث وصلت إلى اللقمة على بعد سنتمترات من الفم) ويمكن أن أضيف لذلك المثل الشعبي (لاحظت برجيلها ولا خذت سيد علي) واعتقد بأن الدكتور قاسم لديه من المعلومات الكافية لهذا السبب   وما جرى في تلك الفترة من تاريخ العراق .

لقد تبين لي إضافة لما ذكرته سابقا وقراءة ما بين السطور وبعض الوقائع التي واكبت وجودي في تلك الفترة أن قيادة الحزب لم تمتلك الحس الثوري المطلوب وإدارة دفة المرحلة بشكل جيد وإن أكثرية أعضاء المكتب السياسي للحزب كانوا خاضعين لإملاءات وتوجيهات الحزب الشيوعي السوفياتي عدا البعض منهم وقد حيدوا ولم يأخذ بمقترحاتهم الخاصة بهذا الشأن   ومنهم وحسبما بينت سابقا عضو المكتب السياسي المسؤول عن اللجنة العسكرية المرحوم ثابت حبيب إضافة للمرحوم لطيف الحاج الذي كان من اشد المطالبين باستلام السلطة عن طريق القوة العسكرية الكبيرة المنضوية للحزب ، أما في خصوص ما ذكره الدكتور قاسم و انطباعه بأن الشيوعيين مصابون ب(عقدة الخوف من السلطة وإنهم غير قادرون على إدارة بلد) وإنني أسأل أخي الدكتور قاسم هل طلب من الشيوعيين وخاصة العسكريين الأشداء منهم تنفيذ تلك المهمة وجبنوا وأبدوا مخاوفهم أو توفرت لهم فرصة استلام السلطة ولم يتمكنوا من أدارة البلد؟ وهل أن الخمسة آلاف منهم جميعهم جبناء أم أن المسؤولين على اتخاذ مثل هذا القرار هم الجبناء، فلو كان الأمر يتعلق بسيكولوجية القادة  لكان بإمكاننا أن نميز بين الجبان والشجاع  ولكنها كانت اساسا تخضع لآيدوليجيات واملاءات محددة وجاهزة، ولأجل أن أضرب مثلا حول مسألة الخوف والجبن  وبين الشجاعة والتصميم والاقدام والإصرار على تحمل المسؤولية التاريخية ومصير شعب ووطن أشير الى ما قام فيه فتية يافعون لم يتجاوز عمر البعض منهم ستة عشر عاما وبقيادة نائب عريف من طبقة المعدمين والفقراء هو البطل الأسطوري حسن سريع وكاد أن ينهي ويقضي على أشرس واعتى مجموعة عاثت بالبلاد قتلا وتنكيلا بعد انقلابهم الأسود وقد نفذت  تلك العملية  مجموعة كان اكثرهم متأثرا بتوجهات الحزب الشيوعي العراقي والبعض منهم منهم  كان ينتمي اصلا للحزب الشيوعي مثل محمد حبيب (أبو سلام) وغيرهم   فنفذوا مهمتهم الباسلة بأسلحة خفيفة وبسيطة والأكثر من ذلك أن قائد المجموعة حسن سريع قد استخدم بيريته بدلا من السلاح  للسيطرة على مدرسة الأسلحة وتجريد ضابط الخفر من سلاحه والاستيلاء على جميع أسلحة المدرسة ولهذا اطلق البعض على حركته (البرية المسلحة) ولولم تحدث بعض الأخطاء لتمكنت تلك المجموعة من استلام السلطة وتسليمها للمخلصين لإدارة دفة الحكم ألا يمكننا القول هنا بأن الإرادة والتصميم والاقدام هي كفيلة بتحقيق الهدف المنشود؟ أما فيما يتعلق بقول أخي الدكتور قاسم (أن الشيوعيين غير قادرين على إدارة بلد محاط بثلاثة دول إسلامية تجمعها كره للشيوعيين..) أقول ان الوقائع التاريخية تثبت عكس ذلك عندما ولنأخذ مثال على انبثاق ثورة 14 تموز 58 الجبارة من قبل الجيش العراقي والتفاف معظم الشعب العراقي حولها ومساندتها منذ الساعات الأولى والمهم أن أذكر هنا بأن العراق كان آنذاك محاط بدول قد تكون معادية في حالة تغير الحكم هي ايران الشاه والأردن الملكية وتركيا العضو في حلف بغداد والاطلسي الامريكي  إضافة لوجود قواعد عسكرية لبريطانية في جنوب وغرب البلاد وارتباطه العر بحلف بغداد الذي أحد بنوده تجيز  التدخل في حالة حدوث خطر اوتهديد ضد مصالح الحلف

وإن ما ساعد على إيقاف ذلك التدخل هو وجود المعسكر السوفياتي كقوة عظمى والذي اعلن الاعتراف ومساندة نظام الحكم الجديد إضافة لموقف مصر ورئيسها المرحوم عبد الناصر الذي كان رمزا للمد القومي العربي في تلك المرحلة وما واكبتها من احداث ضد قوى الاستعمار وهنا يمكننا القول لو أن الحزب الشيوعي قد أقدم في عام 1959 على استلام السلطة وليس عن طريق العنف بل عن طريق التغير في بنية الحكم حتى وإن حدث دون مشورة الحزب الشيوعي السوفياتي لاضطر السوفيات لتأييد ذلك التغيير ومساندته وقد يكون ذلك لاعتبارات أخرى منها الصراع على مناطق النفوذ بين الكتلتين الشرقية والغربية والنظر إلى مصلحة تلك الدولة وقد تعكس مواقف الاتحاد السوفياتي في تأييد ومساندة بعض الدول والحكام لتلك الاعتبارات حتى لو كانت نتائجها سيئة وكارثية كمساندة نميري السودان وسياد بيري الصومال وابن بله الجزائر وحتى عبد الناصر وأنور السادات والكل قلبوا ظهر المجن للسوفيات الذي مدهم بالأسلحة والخبراء، هذ على الصعيد العربي والعراقي وهناك أمثلة أخرى تؤكد بأن التغيرات التي قامت بها بعض القوى التي تنشد الحرية والاستقلال لا يهمها من يحيط بها من دول معادية حتى لو قامت بإسقاط أنظمتها بالقوة والسلاح كمجموعة الثوريين التي قادها فيدل كاسترو واسقط نظام باتيستا العميل لأميركا ولم يتجاوز عدد اعوانه مائة وخمسين فردا أسلحتهم بدائية وخفيفة والغريب أن الحزب الشيوعي الكوبي قد اعتبر إن اقدام كاسترو بمحاولته تلك تعتبر مجازفة ومغامرة سيكتب لها الفشل حتى خلال بيانته التي أصدرها عندما اقتحم كاسترو العاصمة هافانا ولذلك فقد اتخذ  كاسترو خطوة ثورية وجريئة وهي حل الحزب الشيوعي الكوبي وتشكيل لجنة مركزية جديدة واعلن نفسه سكرتيرا لها وهو الدكتور الماركسي الاشتراكي ولم يعر اهتماما لوجود الحوت الأمريكي متحفزا لابتلاع كوبا التي تعتبر كوبا  سمكة صغيرة امام فكه واستمرت كوبا بنهجها الاشتراكي وتحت قيادة كاسترو للحزب الشيوعي الكوبي منذ انبثاقها الذ تزامن مع انبثاق ثورة العراق في 14 تموز عام 58 واستمر لحد الآن رغم محاولات اميركا التدخل واسقاط النظام لعدة مرات، وهكذا تثبت احداث ووقائع  التاريخ أن الإرادة والتصميم تصنع المعجزات وتحقيق الأهداف ولا يهم إن كان شيوعيا عراقيا أو كوبيا أو صينيا أو كوريا شماليا أو فيتناميا أو في أعماق غابات افريقيا على شرط أن لا يعتريهم الخوف والتردد بحجة وجود دول مجاورة معادية في كل المواصفات على حد رأي الأستاذ الفاضل قاسم حسين.

والى قسم رابع وأخير لتكملة سبب النهاية المحزنة التي أدت إلى ضياع أمل العراقيين والمستضعفين في إقامة دولة العدل والحرية والرفاه وذلك بالقضاء على أعظم جمهورية ظهرت على ارض الرافدين منذ عهد السلالات.

 

لطفي شفيق سعيد

الرابع من نيسان 2021

 

 

محمد السعديفي الأداب جامعة بغداد عام ١٩٨٠، ألتقيته في المرة الأولى معرفاً عن نفسه لنا، نحن الطلبة الجدد، أنا جليل كمال الدين كاتب ومختص بالادب الروسي، وسوف ألقي عليكم دروساً في الادب المقارن. طلب منا نحن الطلبة بالتعريف عن انفسنا، وعندما وصل الدور لي عرفت عن نفسي وأسم قريتي الهويدر، قال مبتسماً، أجلس أيها الهويدراوي الدمث ”عزاؤكم مشهود. بعد فترة زمنية سألته ما المقصود؟. الهويدراويون في أربعينية الحسين يلطمون بوجع. من هنا ربما بدأت اللحظة الاولى في فضاء علاقتنا يمتد خارج سياقات طالب وإستاذ الى هموم وتبادل الأراء حول العمل السياسي في العراق. كنت في بداية محاولاتي للكتابة والتردد لابسني إمام قامة أدبية كبيرة تزين يومياً الصحف بمقالاته ومواضيعه ” ومجلة الثقافة الجديدة للراحل صلاح خالص وزوجته المصرية سعاد محمد خضر لايخلوا عدداً من نتاجاته المتنوعة حول الثقافة والأدب مغموسة بهموم الوطن. للأداب في باب المعظم والوزيرية في داخل ذلك المبنى العتيق والشهير أكثر من مكتبة للقراءة والمخطوطات، في أحداها والتي كانت منزوية وقله ممن يرتادها من الطلبة والمتابعين، كان الإستاذ الراحل جليل كمال الدين ملتقاه الصباحي برفقة فنجان قهوته للمراجعة والكتابة والتأليف، في صباحات أحدى الأيام نفضت عن غباري ذلك الخجل القروي، وعرضت عليه ما كتبته لأول مرة حول قصيدة ”موت شاعر ” للشاعر والاديب الروسي ميخائيل ليرمنتوف صاحب رواية ” بطل من هذا الزمان ” أرثى هذا الشاعر لموت رفيقه الشاعر ألكسندر بوشكين والتي أنتشرت في كل أنحاء روسيا، والتي دفع بسببها حياته أثناء مبارزة سخيفة بدفع من سلطة القياصرة.. يقول في مطلعها ……

موت شاعر ….

مات الشاعر عبداً للشرف.. مات وكان مفتريء عليه بأفتراءات خبيثة..

كان مقالي الأول حول تراجيدية المشهد، وفي يومها قدم لي الراحل الدكتور جليل كمال الدين ملاحظات حول كتابة المقال، ومازلت متمسك بتلك الأسس في كتابة مقالاتي، بل دلني وبمساعدته في نشرها في مجلة الثقافة الجديدة بأسم محمد الهويدراوي. ومشت الشهور والسنين في طبيعة تلك العلاقة، وبدأت أتردد على شقته الكائنة في شارع ١٤ رمضان في المنصور الدور الثاني، وكان تحتها محلاً للمشروبات الكحولية، فوفر لنا وقتاً كافياً في جلب البيرة العراقية ”فريدة ” الرائعة المذاق في قيض العراق الحار، كانت أحياناً تلك الزيارات برفقة زميلي محمد عبد الكريم الزبيدي العمر المديد له. فتنة الحرب العراقية/الإيرانية وتداعياته على الحياة اليومية للعراقيين وسياسة النظام والتذمر منها، ومن نافلة الكلام أني ساهمت أن تصل مستوى علاقتي بالإستاذ جليل التبادل في وجهات النظر وإبداء الأراء والنقد حولها، فبحت له بأنتمائي السياسي وعملي الحزبي رغم خطورته المحدقة، وعندما لمست من جانبه بوادر الاهتمام والمتابعة، تفتحت أمامي أفاق جديدة للعمل خارج دائرة الريبة والشك من خلال إيصاله له كل أدبيات الحزب الشيوعي السرية وجريدة طريق الشعب وأخبار عمليات الانصار. ويقدم لنا الراحل أبو فرقد شهرياً إعداد ودراسات حول المشهد السياسي العراقي، وكنت أبعثها الى المنظمة الحزبية للاطلاع والتقييم والنشر أحياناً.

في صيف عام ١٩٨٣ أزداد الخناق عليه من قبل أجهزة السلطة، فأجبرت على ترك مقعدي الدراسي والقرية والعراق ملتحقاً الى الجبل مع الثوار ” أنصار الحزب الشيوعي العراقي ” ولتداعيات المشهد وخطورته وطريقة محاولة إلقاء القبض عليه، تركت كل شيء خلفي معرضاً للاحتمالات والتساؤلات والأشاعات بحكم الظرف السياسي وقوة الدكتاتورية في التحكم بمصير ورقاب شعبنا. إستاذ جليل كمال الدين كان واحد من تلك الملابسات والاحتمالات المفتوحة في السؤال وتتبع أخباري حول مصيري. وقد حدثني عبر ناصية التواصل الإجتماعي بعد ثلاثة عقود من الزمن من مدينة الناصرية زميلي ورفيقي حسن خضير الناصري، كان الانطباع السائد بيننا والهمس الذي يدور حولك أنك في قبضة أجهزة السلطة ومصيرك محتوم الى الموت، لكننا تفاجأنا وأنا أحدهم أن أصل لك عبر هذه الناصية أنك أنت وما زلت حياً رغم تلك السنين العجاف. في الصيف نفسه من ذلك العام، كنت في الجبل مع الثوار وفي أعادة الاوراق مع قيادة التنظيم وآلية توجهي الى بغداد والعمل داخل التنظيم وضعت كخطة عمل قريبة لي في أنتظار الأشارة بتأمين المنزل ومستلزمات التحرك، لكن الذي عرقل تلك الخطط والتوجهات لوجستياً والقرب من القرى والمدن هو سياسة الاحتراب وصراع القوى الكردية بين الاتحاد الوطني الكردستاني (أوك) من جهة والحزب الديمقراطي الكردستاني (حدك) والحزب الشيوعي العراقي (حشع) من جهة أخرى، مما أدت تلك السياسات الى تقييد حركتنا في شريط حدودي في جبل سورين، مما تعرقلت خطة نزولي وألتحاقي برفاق التنظيم في بغداد وديالى. وفي أقتراح من قيادة التنظيم من المرحوم طه صفوك (أبو ناصر) والشهيد محمد الخضري (أبو جلال) في التواصل مع الرفاق وأصدقاء الحزب والذين أنقطعت سبل التواصل معهم ومازالوا معلقين وعلى أقل تقدير تبعد عنهم هاجس الخوف ومفاجأة الاحتمالات السيئة، فقمنا بجلسات طويلة أنا والشهيد أبو جلال في قرى وتلال شهرزور بدايات ١٩٨٤ قبل توجهه الى بغداد، والذي أستشهد على أثرها، وهو من أطلق أسمي الحركي لطيف وهذا مفخر أعتزازي. كانت واحدة من تلك الرسائل، التي حملها الشهيد أبو جلال الى الإستاذ جليل كمال الدين تتضمن بعض الأشارات المهمة لتطمينه على أقل تقدير أنني ما زلت حياً وإبعاد شبح الخوف عنه. وصلت رسالتي الى الإستاذ جليل وكان مطمئناً وإيجابياً ومتعاوناً حسب قول المرحوم أبو ناصر لي في ربيع ١٩٨٤ في منطقة ” كرجال ” في سليمانية وهذا كان موضع أرتياح وأعتزاز لي، وما قدمته في تلك الظروف الدموية.

في يوم واحد من الشهر الجديد في السنة الجديدة ١٩٨٦ تعرض التنظيم الى ضربة ماحقة شملت كل أوكاره وشبكات علاقاته أنطلاقاً من محطته الرئيسية في قرية ” جديدة الشط ” في ديالى بساتين عائلة أبو ناصر. في حجم الاعتقالات والاعترافات والاعدامات شملت الإستاذ جليل كمال الدين وحكمته محكمة الثورة عواد البندر مدى الحياة وألقي في ردهات سجن أبي غريب، والذي قضى زمناً طويلاً منها، وخرج منها بعد أن شاخ وتعب وأستهلكت قواه وودع الحياة في العاصمة بغداد. في حديث هاتفي مع الدكتور ضرغام عبدالله الدباغ من منفاه الإلماني في برلين، والذي قضى ١٦ عاماً في سجن أبي غريب باعتباره بعثي يساري ومازال يعتز بهذا الأنتماء رغم ما تلقاه من رفاقه. ذكر لي محطات من أيام السجن ”أبي غريب ” التي جمعته مع الاستاذ جليل كمال الدين ونشاطهم الفكري والثقافي في الترجمه والكتابة والأحلام. وأكد لي واقعة جريئة، أقدم عليها إستاذ جليل في السجن، كادت أن تنهي حياته، في واحدة من وجبات الاعدام المستمرة بحق السجناء، جاؤوا في أخذ مجموعة شباب الى مقاصل الإعدام فوقف جليل كمال الدين بوجهم هاتفاً بالكف عن ذبح الناس، وهذه تعتبر بادرة غريبة وجريئة في داخل ذلك المبنى المرعب.

في رحيله الابدي عام ٢٠١٤ عن عمر ناهز ٨٤ عاماً في العاصمة بغداد نعيته بكلمات بسيطة حزينة بعد ما تلقيت نبأ رحيله من ولده فرقد تعبيراً عن أعتزازي به وبتلك السنوات من النضال والمعاناة والتحدي، مما ألفتت إنتباه الاعلامي عبد الجبار العتابي أنه قامة أدبية وفكرية يرحل عن دنيانا ولم يلقى ذلك الإهتمام الا ببعض الكلمات من أحد طلابه محمد السعدي. بئساً لتلك الثقافة ولذلك الإتحاد الذي لم يحتفي ولايحزن برحيل أعلامه، والذي ساهم في تأسيسه.

نم قرير العين.. فمازال موقعك شاغلاً وقلمك حزيناً.

 

محمد السعدي

مالمو/أبريل٢٠٢١

 

محمود محمد عليتحتل أعمال المفكر السوداني "محمود محمد طه" مكانة متميزة من حيث طرافة منهجها، وتعدد مناحيها وشموليتها، كما يتميز "محمود محمد طه" بحرصه علي بعث المشروع الإصلاحي من كبوته، معتبراً نفسه امتداداً طبيعيا لرواد النهضة، مستعيداَ بصفة بارزة وحادة الهم التنويري، متجاوزاً رواسب التمزق والاختلاف التي عصفت به، ولأجل ذلك يدش "محمود محمد طه" حركية النهضة العربية منذ انطلاقتها إلي كبوتها، وتوزعها إلي مواقف متباينة المنحي، داعياَ إلى تقليد النبي محمد صلى الله عليه وسلم كمنهاج للسلوك الديني بهدف توحيد القوى المودعة في الإنسان، من قلب وعقل وجسد، والتى وزعها الخوف الموروث والمكتسب، ثم إلى تطوير التشريع الاسلامي بالانتقال من الآيات المدنية التي قامت عليها بعض صور الشريعة، إلى الآيات المكية التى نسخت فى ذلك الوقت لعدم تهيؤ المجتمع لها، حيث الدعوة إلى الديمقراطية والاشتراكية والمساواة الاجتماعية، المدخرة فى أصول الدين، وقد بسط "محمود طه" فكرته فى آفاقها الدينية والسياسية والمعرفية بعلمٍ واسع، وحجةٍ ناصعة، وصبرٍ على سوء الفهم وسوء التخريج وسوء القصد الذى قوبلت به فكرته من معارضيها، حتى ذهب يقينه بفكرته وإخلاصه لها، والتزامه إيّاها فى إجمال حياته وتفصيلها، مثلا فريداً فى الدعاة والدعوات (18).

وفي ديسمبر 1955م أصدر "محمود محمد طه"  مشروعه لتجديد الفكر الإسلامي نحو مشروع مستقبلى للإسلام، وقد تمثل ذلك فى ثلاثة أعمال أساسية هى: الرسالة الثانية من الإسلام، ورسالة الصلاة، وتطوير شريعة الأحوال الشخصية، وفيها قدم "محمود محمد طه" الإسلام كدين عالمي لا تنفصل فيه الدولة عن الدين، لكن من غير تغول على حقوق الأفراد، مسلمين كانوا أم غير مسلمين، رجالا كانوا أم نساء، ولم يقدم الإسلام بوصفه طريقة للسلوك أو منهاج للخلاص الفردي، غير مرتبط بقضايا التحولات الاجتماعية (كما هى الحال فى التصوف) (19).

قدم "محمود محمد طه"  ذلك كله من خلال منهج متماسك لتأويل النص القرآنى، من خلال تصور جدلى عميق لمواد النص مع حركة التطور بمعنى أن النص لا يكشف عن طبقاته بغير النظر الفاحص لحركة التطور، الزمن وحركة الحياة فى كل صورها، فحركة التطور لا تخضع لفهم ثابت جامد للنص وإنما تجليات الحياة هى التي توسع من فضاء النص، وهو يتمدد عبر علاقته الجدلية بالواقع، وبتمدد آفاق الوعى الإنساني (20).

كان "محمود محمد طه"  مؤيداً قوياً للحرية الفردية والضمير الإنساني. وكان مؤمناً بأن للبشر أن ينتموا لتقاليدهم الدينية، أو ينأوا بأنفسهم عن ذلك وفق ما تمليه عليهم ضمائرهم. وكان ضد التحرك صوب الطائفية الدينية، الذي كان يحصل في بلاده، ويؤمن بأن لأتباع كل الأديان الحق في ممارسة شعائرهم بحريّة، كما أن لهم حريّة تغيير معتقداتهم. واقتصادياً اعتنق "محمود طه"  شكلاً من الاشتراكية القائمة على المشاركة في المشاريع التعاونية بدلاً من سيطرة الحكومة المركزيّة (21).

بيد أن "محمود محمد طه"  لم يكن طيلة نشاطه الفكري، والسياسي، منذ منتصف الأربعينات، يطلب سلطةً، أو جاهاً، كان زاهداً في السلطة الفوقية، زهداً مطلقاً، فقد كان يريد تغييراً جذرياً، ينطلق من حيث يقف عامة الناس، لا من حيث تقف الصفوة! وكان يعرف أن ذلك يقتضي زمناً، ولذلك، فقد كان يسابق الزمن ليضع البذرة في الحقل البور، تلك البذرة التي كان ينتظر لها أن تثمر التغيير الجذري، في نهاية المطاف. فهو قد ألقى البذرة، وكان فقط، يود أن يتأكد أن جذوراً من تلك البذرة قد بدأت تمتد إلى داخل الأرض. لم يكن مشغولا متى ستشق تلك البذرة التربة، وتظهر على سطح الأرض، لتنتج الثمر، كان "محمود محمد طه" حامل مشعلاً، ولم يكن طالب سلطة، وشتان بين الإثنين (22).

ولذلك رأينا الكاتب "أحمد زكى عثمان" يوضح لنا مشروع "محمود طه" فى الرسالة الثانية من الإسلام، بأنه يمثل لحظة مهمة على الصعيد الفكري فى العالم العربي، حيث يمكن قراءة هذا الكتاب فى سياق جملة الكتب التي أرخت لدور الفكر فى التمهيد الهزيمة السياسية والعسكرية ومن ثم الفكرية التى أفضت إلى نكسة حزيران -1967 ؛ مثل كتابي نقد الفكر الديني لصادق جلال العظيم، والأيديولوجية العربية المعاصرة لعبد الله العروى، كما يمكن قراءته على أنه بحث فى أصول الفقه ومحاولة بناء منظور حضارى جديد ورؤية فلسفية مختلفة عن التقاليد الفكرية المسيطرة فى العالم العربي (23).

تبنى "محمود محمد طه" طريقاً وسطيا، مقترحاً أن بإمكان الإسلام استيعاب الأفكار القومية العلمانية. ولكن من أجل الوصول إلى تلك المرحلة، لابد من أن تكون الشريعة مرنة بما يكفي لممارسة الاجتهاد، وأن تتفاعل مع التغيير والعالم الحديث، ولتحقيق ذلك؛ على المسلمين المثقفين العودة إلى المصادر الأصلية، القرآن والحديث، ويقول إن الآيات المدنية أكثر تحديداً على عكس الآيات المكية التي هي بمثابة دعوة عامة للبشرية لدخول الإسلام، المتمثل بـ (الرسالة الثانية للإسلام)، ولذا فإن الآيات المدنية يجب أن تخضع للآيات المكية، وبهذه الطريقة يمكن إعادة تأليف القانون الإسلامي من البداية بدلاً من إثقاله بأحكام العصور الوسطى (24).

لقد قدم هذا الكتاب طرحاً لم يألفه الفكر العربي كثيرا، وهذا الطرح يتعلق بتقديم تصور مختلف لموقع الفرد فى منظومة العلاقات الاجتماعية عند "محمود محمد طه"   الفرد فى الإسلام هو الغاية وكل ما عداه وسيلة إليه، وهذه الفردية هى مدار التكليف والتشريف وبالطبع ستحيل هذه الرؤية إلى محاولة فك التناقض ما بين الفرد والجماعة والتى يقدمها "محمود محمد طه"   كالتالى، حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة امتداد لحاجة الجماعة إلى العدالة الاجتماعية الشاملة، ومن الناحية الفقهية فالفرد هو العبادات، والجماعة هى المعاملات وينتهى "محمود محمد طه"  إلى تقديم محتوى أخلاقى لهذا المنظور الفلسفى، وهو أنه ليست للعبادة قيمة إن لم تنعكس فى معاملتك الجماعة معاملة، تعد هي في حد ذاتها عبادة، يمضى الكتاب فى مناقشة القضايا المتعلقة بعلاقة الفرد والجماعة وحدود إرادة الفرد، حتى يصل إلى فصله الخامس والذى يعرض فيه للرسالة الأولى والتي هي رسالة المؤمنين، حيث أورد "محمود محمد طه"  مجموعة من النتائج الفقهية الخطيرة، وقدم حصرا لثمانية قضايا رأى أنها ليست أصولا فى الإسلام، هذه القضايا هى الجهاد، الرق، الرأسمالية، عدم المساواة بين الرجال والنساء، تعدد الزوجات، الطلاق، الحجاب، المجتمع المنعزل رجاله عن نسائه (25).

كما دعا "محمود محمد طه" إلى الإسلام كمذهبية تبشر بتحقيق إنسانية الإنسان، عن طريق تقديم المنهاج الذى يحقق السلام فى كل نفس بشرية، وعلى مستوى الكوكب، حيث يقدم الإسلام فى مستواه العلمي كدعوة عالمية للسلام، وقد ظلت قضايا الفكر (26).

استمر "محمود محمد طه"  فى تطوير أفكاره حتى وصل إلى أنّ نسخ أصول القرآن بفروعه فى القرن السابع الميلادي لم يكن إلغاءً نهائيّا لأحكامه، وإنّما كان مجرد إرجاءٍ لتلك الأحكام لادّخارها للمستقبل، والسبب الذى يراه فى ذلك هو النزول عند حاجة ذلك المجتمع وطاقته، مشيرًا إلى أنّه لو كان النسخ نهائيّا لأصبح أحسن ما فى ديننا منسوخًا بما هو أقلّ منه، أى أنّ السماح وهو خير من الإكراه، يكون قد نُسخ إلى الأبد بحكم أقلّ منه، منبّها إلى نقطة مهمّة تفضى إلى أنّ الأحسن فى الشرائع ليس أحسنَ في ذاته، وإنّما يُقاس بملاءمته لحاجة المجتمع وظرفه التاريخي، وهذا ما حدث بالنسبة إلى آيات الفروع التي نزلت فى المدينة، ونسخت آيات الأصول التي نزلت فى مكة نسخًا مؤقّتًا فرضه السياق التاريخي للقرن السابع الميلادي، بما لا يعنى تعميمه إلى الأبد خارج ذاك السياق، ولذلك فإنّ زماننا هو زمان بعث آيات الأصول، أى الآيات المكية حيث "لا إكراه فى الدين" (27).

سمّى "محمود محمد طه" هذا التصور المفضي إلى استعادة روح الآيات المكّيّة بـ "الرسالة الثانية من الإسلام"، وهى عنده الرسالة الأصل، وقد كتب طه مؤلّفًا حمل الاسم نفسه ضمّنه بضعة عناوين جاء من بينها "الجهاد ليس أصلا فى الإسلام"، و"عدم المساواة بين الرجال والنساء ليس أصلًا فى الإسلام"، و"الحجاب ليس أصلًا فى الإسلام"، و"تعدد الزوجات ليس أصلا فى الإسلام"، وبذلك ألقى الضوء على كثير من آيات الأحكام التي لم تعد مناسبة لمتطلبات العصر الحديث وتطوّر قيمه الروحية والجماليّة، قاصدًا من ذلك أن ينوّه بالطاقة الكامنة فى التشريع الإسلامي، والتى تستطيع أن تستوعب المتغيّرات الجديدة إذا تمّ بعث "الأصول" دون "الفروع" التى شكّلت شريعة القرن السابع الميلادي (28).

كان "محمود محمد طه" يرى أنّ المخرج للأمة الإسلامية كامن فى الانتقال من نص فرعى فى القرآن خدم غرضه حتى استنفده، إلى نصّ أصلى ظل مرجأً ومدخرًا إلى حين وقت تطبيقه، وها هو قد حان وقته اليوم، بشرط أن نتحرّك من شريعة الفروع وفقهها نحو أحكام آيات الأصول المنسوخة (29)؛    يقول "محمود محمد طه": "إنّ الخلل ليس فى الدين، وإنما هو فى العقول التى لا يحرّكها مثل هذا التناقض لتدرك أنّ فى الأمر سرًّا، هذا السرّ هو ببساطة شديدة أنّ شريعتنا السلفية مرحلية، وأنها لا تستقيم مع قامة الحياة المعاصرة، وأنها حتى تستطيع استيعاب هذه الحياة وتوجيه طاقتها الكبيرة، لا بد لها من أن تتفق وتتطوّر وترتفع من فروع القرآن إلى أصوله" (30) ؛ كما قال "محمود محمد طه" فى كتابه "أدب السالك" :" فالله تعالى إنما يعرف بخلقه، وخلقه ليسوا غيره وإنما هم هو فى تنزل. هم فعله ليس غيره وقمة الخلق وأكملهم فى الولاية هو الله وهو الإنسان الكامل، وهو صاحب مقام الاسم الأعظم (الله)، فالله اسم علم على الإنسان الكامل"(31).

وكان موضوع المرأة من أهم المواضيع التى عالجها "محمود محمد طه"  فى فكره، حيث دعا إلى تطوير التشريع فيما يختص بشريعة الأحوال الشخصية، وإلى وضع المرأة من حيث التشريع فى موضعها الصحيح، بعد أن تعلمت وشغلت الوظائف الرفيعة، متجاوزا بتلك القصور الفكرى الذى ظل ملازما للفكر الإسلامي السلفى تجاه وضع المرأة فى التشريع الدينى، ومتجاوزا دعوات تحرير المرأة التى هدفت لمحاكاة الغرب، ومقدما فهما جديدا مستمدا من أصول الدين، يقوم على مساواة الرجال والنساء أمام القانون وفى النظام الاجتماعي، انطلاقا من فكرة تطوير التشريع الإسلامي، واستلهاما أكبر لغرض الدين فى الحياة الحرة الكريمة للنساء والرجال على قدم المساواة، وقد كان أكبر تجسيد لدعوة الأستاذ محمود إلى تطوير وضع المرأة الدينى هو المرأة الجمهورية نفسها، فقد دخلت تلميذات "محمود محمد طه" من الجمهوريات التاريخ كأول طليعة من النساء تخرج للدعوة إلى الدين بصورة جماعية ومنظمة، فى ظاهرة فريدة ظللتها قوة الفكر وسداد السيرة وسمو الخلق (32).

وهكذا نخلص في هذا المقال الثاني بأن مشروع "محمود محمد طه" التنويري، إذن ينطبع بالبحث عن أسس جديدة لإرساء منهج الحوار والتواصل بين الحركات الايديولوجية والسياسية الموجودة في الساحة السودانية، فهو خطاب يجمع بين الإخوة في الوطن (الماركسيون)، والإخوة في الثورة ( القوميون)، والإخوة في الحرية (الليبراليون)، ومن هنا يرسم "محمود محمد طه" برنامجا دينيا- سياسيا- ايديولوجيا محدد المعالم يجعله رسالة ثانية تقوم علي تحقيق مجتمع لا طبقي تسوده العدالة الاجتماعية، والحريات الديمقراطية، وضمان التعبير الحر، والمشاركة السياسية لكل المواطنين، كما يقوم علي تحرير البلدان الإسلامية المستعمرة ومجابهة الاستغلال الاستعماري، واعتماد سياسة وطنية غير منحازة ومستقلة عن مناطق النفوذ وسيطرة القوي الكبرى، وتدعيم ثورة المستضعفين والمضطهدين في كل مكان.... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...........

18- أسماء محمود محمد طه: مقدمة كتاب نحو مشروع مستقبلي للإسلام، ط رؤية، مصر،2012،  ص13-14.

19- د. "إسماعيل صديق عثمان" دراسة نقدية لأفكار "محمود محمد طه" صاحب ومؤسس الفكر الجمهوري، 2013، ص 16.

20- نفس المرجع، ص 14.

21- إيمان عادل: محمود محمد طه.. مفكر أهدر دمه المتأسلمون وأعدمه النظام السودانى.. الإثنين، 20 يناير 2014 08:05 ص

22- أحمد الجدي: محمود محمد طه... المفكر الإسلامي الذي قتلته رؤيته المختلفة للدين، نشر في 20 ديسمبر، 2018.

23-أحمد زكي عثمان: فى ذكرى إعدام محمود محمد طه: البحث عن بديل للتصفية الجسدية للمختلف، الحوار المتمدن-العدد: 1836 - 2007 / 2 / 24 - 12:25,

24- محمود مراد محمد: محمود محمّد طه و"الرسالة الثانية من الإسلام"، مارس 2021، ص 23-25.

25- مصطفي عبادة: تجديد الخطاب الديني السودان.. محمود محمد طه: الإسلام المستقبلى خارج الجماعات، نشر في الأهرام العربي.، يونيو 10, 2016.

26- د. "إسماعيل صديق عثمان" دراسة نقدية لأفكار "محمود محمد طه" صاحب ومؤسس الفكر الجمهوري، ص 17 ؛ وأنظر أيضا باسم المكي: قراءة في المشروع الفكري لمحمود محمّد طه (1909 ـ 1985)، مارس 2015

27- ماهر فرغلى: محمود محمد طه.. الرجل الذى كشف عملية تزوير الإسلام، تشر بالبوابة نبوز المصرية، الخميس 21/يوليه/2016 - 03:20 ص.

28- محمود محمّد طه : "الرسالة الثانية من الإسلام"، أم درمان: الحزب الجمهوري، 1969، ص 10-11.

29- نفس المصدر،  ص 11-12.

30- نفس المصدر، ص ص15-16.

31- محمود محمّد طه : أدب السالك، أم درمان: الحزب الجمهوري، 1969، ص8-9.

32- سامي الذيب: محمود محمد طه: ما للرجل وما عليه، الحوار المتمدن-العدد: 6635 - 2020 / 8 / 3 - 13:47.

 

 

 

رحمة بوسحابةترجمة: د. رحمة بوسحابة

المصدر: صحيفة الأندبندنت البريطانية

الفيلسوفة التي حاربت الصور الساخرة المُقلِّلة من شأن الفلسفة الافريقية في الغرب

صوفي أوليوول Sophie Oluwoleشخصية رائدة في مجال الفلسفة الأفريقية، وهي أول حاصلة على درجة الدكتوراه في هذا المجال في بلدها نيجيريا، وتعتبر أعمالها مثل "الفلسفة والتقاليد الشفهية" (1997 م)، و"الشعوذة والتناسخ والربوبية" (1992م) شاهدا على رسالتها في دحض الادعاءات التي قام عليها نظام التعليم الاستعماري الذي وضعه البريطانيون، والذي تتلمذت على يديه أوليوول نفسها.

ويقوم هذا النظام على فكرة أن "الأفارقة لا يستطيعون التفكير"، وقد صرحت أوليوول لصحيفة "بانش"Punch ": " أنّنا لسنا مفكرين، وأننا بدائيون، هذا ما أشعرني بالتحدي وقررت البحث ما إذا كنا فعلا غير قادرين على التفكير ... كنت أريد أن أثبت أنهم على خطأ".

كانت كلمة "فلسفة" غريبة على أوليوول وهي طفلة، بل وحتى في المدرسة الثانوية، إذ لم يكن هناك ما يسمى بالفلسفة الافريقية في نظر الأسياد المستعمرين.

كما اضطرت أوليوول،التي تُوفِّيت عن عمر يناهز 83 عامًا، إلى محاربة التمييز على أساس الجنس، المتأصِّل مؤسساتيا واجتماعيا في نيجيريا، مُلقية اللَّوم في ذلك على البريطانيين، الذين حصلت نيجيريا على استقلالها منهم عام 1960 بعد أكثر من قرن من التدخًّل والاضطهاد ... "لقد عطَّلوا ثقافتنا" تقول أوليوول.

2352 صوفي أوليوولوُلدت أوليوول"باسم أبوسيدي"أوليوول Abosede Oluwole في إغبارا-أوك Igbara-Oke في ولاية أوندوOndoالنيجيرية عام 1935 م، وهي الطفلة الثامنة لوالدين أنجليكانيين، كانا تاجرين من شعب الإيدز. منحتها مديرة مدرستها اسم صوفيا نتيجة تميُّزها الاستثنائي عندما تمّ تعميدها في سن الثامنة، وقد عدّلت اسمها إلى صوفي لاحقا.

انتسبت صوفي عام 1951 إلى مدرسة البنات الأنجليكانية الحديثة في إيل-إيفIle-Ife – وهي مدينة يوروبا القديمة في جنوب غرب البلاد –لتلتحق بعدها بسنتين بكلية المعلمات فيIleshaإيليشا التي تخرَّجت منها عام 1954م.

في عام 1963م، التحقت أوليوول بزوجها الأول في موسكو أين تحصّل على منحة دراسية، ومن هناك سافرت إلى ألمانيا ثم الولايات المتحدة قبل أن تعود إلى نيجيرياعام 1967 م، حيث تمكنت من الحصول على مقعد في  يونيلاج Unilag/جامعة لاغوس لدراسة الفلسفة. وأثناء ذلك"نصبت خيمتها التي كانت مسرحا للمعركة الفكرية والإيديولوجية الأشد شراسة لروح إفريقيا ما بعد الاستعمارية "، كما وصفها الكاتب تونجي أولوابا Tunji Oloapa

صرّحت أوليوول في العام الماضي للمخرج الهولندي جول فان دير لان Juul van der Laan، بـ"أنّ الواقع يتكوّن مما هو مادي وما هو غير مادي"، مُلقية الضوء على مكمن الصدع قائلة "في الغرب، لا يمكن أن يجتمع الاثنان معا، فهما متناقضان. أما الافريقي فيقول نعم، إن الواقع يشمل المظهرين معا، لكن لا يمكن الفصل بينهما، إذ ليس هناك شيئ مادي مطلقا  ولا غير مادي مطلقا، ففي كل الظواهر في العالم، يوجد الاثنان معا".

واصلت أوليوول دراساتها للحصول على درجة الماستر في يونيلاج Unilag، قبل أن تحصُل على درجة الدكتوراه من جامعة إبادان - Ibadan، لتكون الأولى من نوعها التي يمنحها مركز نيجيري. وقدركّزت أبحاثها على التقاليد الشفهية اليوروبية"إيفا " Ifa، وهي ديانة غرب إفريقيا، ونظام العرافة الذي تمارسه شعوب اليوروبا Yoruba، والايغبوIgbo، والايويEwe.

وعلى الرغم من أن تناقل  الايفاكان يتمّ مشافهة عبر الأجيال، دون أن يكون له أي أساس أدبي مثل الكتاب المقدَّس أو القرآن، إلا أن أوليوول اعتبرت أنَّه كان مدعوما بالفلسفة، مُستدِلَّة في ذلك بأنه لا يمكن أن يوجد أي نظام ديني بدون فلسفة.

وقد وجدت أوليوول أوجه تشابه مذهلة بين سقراط الذي يسمى "أب الفلسفة الغربيّة" والذي لم يخلِّف وراءه أي مؤلَّف مكتوب عن حكمته التي تولّى طلبته كتابتها بعد وفاته، وبين أورونميلا Orunmila، حكيم الإيفا العظيم، الذي ترك وراءه أيضًا شريعة شفهيَّة، ومن هنا –بحسب أوليوول- فإذا كان بالامكان اعتبار سقراط أب الفلسفة الغربية دون أن يترك وراءه أي عمل مكتوب خاص به، فلماذا لا ينبغي اعتبار "أورونميلا"، الذي يُعتقد أنه سبق سقراط، أبالفلسفة إفريقية؟ وهكذا حثَّت أوليوول افريقيا الغربية على استعادة تراثها الفلسفي، مؤكِّدة أن مجموع المعارف التي اكتشفتها في تقاليد اليوروبا غنية ومركبة مثل نظيرتها التي كانت موجودة في الغرب.

كما وجدت أوليوول"في التقاليد الشفهية للايفا أدلة دامغة على معارف قديمة لها علاقة بالحاسوبيات الحديثة وفيزياء الجزيئات، وعند سؤالها عن سبب عدم استغلال مثل هذه المعارف لوضع إفريقيا في مقدمة الدول المتطوّرة علميّا، انتفضت  مُنتقدة النظام التعليمي النيجيري، وخاصة مسألة التعليم باللُّغة الإنجليزية، فقدكانت متحمسة في اعتقادها بأن اللغة كانت جزءًا عظيما من المشكلة قائلة: "إن إفريقيا هي القارة الوحيدة التي تستخدم اللغة الأجنبية وسيلة للتعبير في المؤسسات التعليمية على الرغم من أن دراسات عديدة تؤكد حقيقة أن اللغة الأم هي أفضل وسيلة للتعليم، فهي تُسهِّل استيعاب المعرفة بشكل أفضل".

وأعربت أولوييل عن أسفها لكون النظام التعليمي النيجيري أنجب طلابًا متعلمين تعليماً عالياً، غير أنهم لم يتمكنوا من العثور على عمل بعد التخرج/ كما كانت حازمة بشأن أهمية العمل خارج المنزل للرجال والنساء، رغم تبنيها لفكرة الزواج والولادة المبكِّرين في نفس الوقت. وقد اشتكت مؤخرًا في مقابلة أُجريت معها من أن العديد من أطفالها الستة من زوجيها عاطلون عن العمل.  كما استمرت هي نفسها في العمل حتى نهاية حياتها،إذ عملت مُحاضِرة في قسم الفلسفة بيونيلاج، وأسَّست مركزا للثقافة الافريقية والتنمية .

في عام 2015، نشرت كتابها" سقراط وأورونميلا،آباء الفلسفة الكلاسيكية"، قارنت فيه مباشرة بين الفيلسوفين  اللذين شكّلا أهمّ عمل في حياتها.

 

 

محمود محمد عليإن الإسلام رسالتان؛ رسالة أولي قامت علي فروع القرآن.. ورسالة ثانية تقوم علي أصوله، ولقد وقع التفصيل علي الرسالة الأولي.. ولا تزال الرسالة الثانية تنتظر التفصيل، وسيتفق لها ذلك حين يجيئ رجلها، وحين تجيئ أمتها، وذلك مجيئ ليس منه بد " كان علي ربك حتما مقضيا"..

كلمات ما زلت تتردد لدي كثير من الثوار الذين خرجوا علي الرئيس السوداني " عمر البشير"، ليحيوا من خلالها ذكري الأستاذ الشهيد "محمود محمد طه" (1909-1985)، ذلك المفكر السوداني، والذي يطلق عليه بمجدد العصر، والرجل القومي، والصوفي الزاهد، وصاحب العديد من الكتب التنويرية والتجديدية في مجال العقيدة الإسلامية والفكر المعاصر، وهو صاحب الكثير من المحاضرات والندوات، والكثير من الأنشطة الأخرى في سبيل التربية والتوعية، ونشر الفكرة الجمهورية (1).

عُرف الشهيد "محمود محمد طه"  بين أتباعه ومحبيه وأصدقائه بلقب "الأستاذ" الذي يسبق اسمه دائماً عند الحديث عنه"؛ ويشار إليه أحياناً باسم (غاندي إفريقيا) لرفضه العنف في مختلف صوره؛ من ذلك دعوته الرئيس السوداني "جعفر النميري" سنة 1971 إلى التسامح والعفو عن الشيوعيّين الذين نصبت لهم المشانق إذّاك واتهموا بالكفر. واعترض على قوانين سبتمبر 1983 المسمّاة بـ"قوانين الشريعة الإسلاميّة" (2)؛ كما لقب بالأستاذ "الشهيد" الذي شارك في واحدة من أكثر المحاولات الجديَّة أواخر القرن العشرين للتوفيق بين المعتقدات الإسلامية والتحديات التي تفرضها الحداثة (3).

تميّز الشهيد "محمود محمد طه" بأنه مفكّر فريد، اشتهر بنصاعة الحجة وقوتها، واستقامة الشخصية، والثبات على المبدأ، وكانت له هيبة وسطوة فكرية، وسط خصومه الذين كانوا من ناشطي حركة الإسلام السياسي السودانية؛ كما تميز طه بقدرته الفائقة على الاستدلال بنصوص القرآن، وكان رجلاً موسوعياً في إلمامه بالتراث الإسلامي وبمختلف تيارات الفكر المعاصر؛ وقد أحدث نقلة في النظرة إلى أنسجة العلاقات داخل المجتمع من خلال إعادة النظر في “شريعة الأحوال الشخصية”، الأمر الذي أفضى به إلى  التجديد لفقه الزواج والميراث وعلاقة الذكر بالأنثى، وغيرها من الأفكار التي خرج بها لمواكبة الحاضر ورآها البعض مخالفة للإرث الديني (4).

من أهم ما طرحه "محمود محمد طه" أنّ الفكر الإسلامي على المستوى الكوني "الكوزمولوجي"، كما أنه قد تنبأ بسقوط الشيوعية قبل عقود من حدوثه الداوي، فكان من أطروحاته أن الرأسمالية والشيوعية وجهان لعملة واحدة، وهي الفكرة المادية عن الوجود. وقال كما يذكر البعض بأن:" الإسلام سيخلف النظامين الشيوعي والرأسمالي، وكان يكثر من الاستدلال بالحديث النبوي «بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء. وقالوا: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يُحيون سنّتي بعد اندثارها" (5).

ومن رحم الخرافة والاستبداد في السودان؛ حيث يقتات الناس على بقايا أحلامهم، ويتدثرون بغطاء الأمنيات المستحيلة، ولد "محمود محمد طه"، العام 1909، لأب من منطقة مورة بشمال السودان، وأم من "رفاعة" بوسط السودان، ويعود نسبه إلى "قبيلة الركابية"، فرع البليلاب نسبة إلى الشيخ المتصوف حسن ود بليل وهو من كبار متصوفة السودان. توفيت والدته – فاطمة بنت محمود - وهو لمّا يزل في بواكير طفولته، وذلك في حوالي عام 1915م، فعاش الأستاذ محمود وإخوته الثلاثة: بتول، وكلتوم، ومختار، تحت رعاية والدهم، وعملوا معه بالزراعة، في قرية الهجيليج بالقرب من رفاعة، غير أن والده لمّا يلبث أن التحق بوالدته في حوالي العام 1920م، فانتقل الأستاذ محمود وإخوته للعيش بمنزل عمتهم برفاعة (6).

وتحت وطأة الاحتلال والتبعية، وصراع الهويات، كان التصوف هو الملاذ الأخير لنفوس سحقها جبروت الاستعمار ووطأها الفقر والمرض، على ضفاف النيل، سافر "محمود محمد طه" بعقله، وفي حلقات الذكر التي انتظمت حول مقام الشيخ الصوفي الكبير "حسن ود بليل" صفت نفسه وتطلعت للخلاص الجماعي، وبين تأملاته الصوفية المتجردة، وتطلعاته السياسية التي وضعته زعيماً على رأس الحزب الجمهوري، كان عليه أن يخوض غمار الصراع، وأن يشق بنفسه طريقاً جديداً؛ لمواجهة جمود الفكر الديني وانتهازية واستبداد النظام الحاكم (7).

ولهذا وجدنا "محمود محمد طه" ينتقل بعد ذلك ليدرس الهندسة في كلية غوردون التذكارية Gordon Memorial College، التي أصبحت في ما بعد "جامعة الخرطوم"، وتخرّج منها في العام 1936. لم تقتصر دراسته على العلوم الحديثة، بل أخذ على عاتقه البحث في الأفكار الاجتماعية والسياسية الغربية، وتبلور اهتمامه بالسياسة ليؤسس في العام 1945 الحزب الجمهوري الذي كان أول حزب سياسي في السودان يدعو إلى إنشاء جمهورية وطنية، بالتالي كان حزب تصادم مع الاستعمار البريطاني، وإن كان بطريقة لم تتسم بالعنف، وبنتيجة تلك الصدمات سجن البريطانيون طه مرتين؛ في العام 1946، فقضى في المرة الأولى خمسين يوماً في السجن، وفي المرة الثانية عامين، وسبب سجنه في المرة الثانية احتجاجاته الشعبية ضد محاولات البريطانيين  فرض الحظر على عادة ختان الإناث، التي كان طه نفسه ضد تلك العادة لأنه يراها ظاهرة تقليدية وليست إسلامية، ولكن السبب وراء احتجاجاته ضد البريطانيين كان لمحاولاتهم فرض قوانين على السودانيين (8).

ولعل تكوّن خطى أحد أبرز مفكري السودان لم يكن بالأمر السهل، إذ يشير الكاتب "محجوب عمر باشري" في كتابه "رواد الفكر السوداني" إلى حياته الأولى قائلاً: "نشأ محمود محمد طه" ولم يرتكب فاحشة في حياته وعاهد الله على أن يلتزم بالخلق الإسلامي، ودرس في كلية غوردون وتخصص في الهندسة، وخرج للحياة في الثلاثينيات فالتحق بالسكة الحديدية وعمل بعطبرة، وكان قارئاً نهماً في اللغتين العربية والإنجليزية... ودرس مذاهب الفلسفة وكل أنواع المنطق، حتى المنطق الوصفي والمنطق الجدلي، وله دراسات عن مدرسة الجدليين منذ الفيلسوف الألماني هيغل حتى ما كتبه ماركس، وتفرع منه ما كتبه منظّرو الماركسية، وله دراسات عن المنطق الرياضي واعتراضات على وايتهد وراسل، كما له اعتراضات على مدرسة هيغل"(9).

تخرج محمود محمد طه" في العام 1936م وعمل بعد تخرجه مهندسًا بمصلحة السكك الحديدية، والتي كانت رئاستها بمدينة عطبرة الواقعة عند ملتقى نهر النيل بنهر عطبرة، وعندما عمل الاستاذ محمود بمدينة عطبرة أظهر انحيازًا إلى الطبقة الكادحة من العمال وصغار الموظفين، رغم كونه من كبار الموظفين، كما أثرى الحركة الثقافية والسياسية بالمدينة من خلال نشاط نادى الخريجين، فضاقت السلطات الاستعمارية بنشاطه ذرعًا، وأوعزت إلى مصلحة السكة حديد بنقله، فتم نقله إلى مدينة "كسلا" في شرق السودان في العام 1937م، غير أنّ محمود محمد طه" تقدم باستقالته من العمل في عام 1941، وأختار أن يعمل في قطاع العمل الحر كمهندس ومقاول، بعيدا عن العمل تحت امرة السلطة الاستعمارية. كان محمود محمد طه" في تلك الفترة المحتشدة من تأريخ السودان، وفى شحوب غروب شمس الاستعمار عن أفريقيا، علما بارزا في النضال السياسي والثقافي ضد الاستعمار، من خلال كتاباته في الصحف، ومن خلال جهره بالرأي في منابر الرأى، غير أنّه كان مناضلا من طراز مختلف عن مألوف السياسيين،حيث كان يمتاز بشجاعة لافتة، لا تقيدها تحسبات السياسة وتقلباتها، وقد أدرك الإنجليز منذ وقت مبكر ما يمثله هذا النموذج الجديد من خطورة على سلطتهم الاستعمارية، فظلت عيونهم مفتوحة على مراقبة نشاطه (10).

وقد قاد "محمود محمد طه" وهو رئيساً للحزب الجمهوري، نضالاً كبيراً في مواجهة الاستعمار، فقد تبني خط المصادمة، حيث كان يري بأنه يجب أن يخرج الاستعمار من خلال الصدام لا من خلال المفاوضات الفوقية كما تبناها قادة الحركة الوطنية، وحث هؤلاء القادة بأنه لا بد من مواجهة الاستعمار، ولا بد من إشراك الجماهير (11).

وبالفعل نشأ الحزب الجمهوري على المصادمة المباشرة للاستعمار، دون أن تقعده الرهبة، أو يصرفه اليأس، فحفظ التاريخ للأستاذ " محمود محمد طه" صوراً ناصعة من الإخلاص المتجرد من الخوف والطمع، في مواجهات مكشوفة مع الاستعمار، ومع الطائفية السياسية التي كانت تحرك الشعب لمصلحة قادتها (12).

ورغم أن الحزب الوليد اتخذ من الإسلام مذهبيةً له، غير أنه لم يكن يملك، في تلك الفترة، من تفاصيل المذهبية ما يمكن أن يقدمه للشعب، فانصرف أفراده إلى ملء فراغ الحماس، متخذين من سياسة الاستعمار تجاه الجنوب، وقضايا مزارعي مشروع الجزيرة مواضيع للنضال وتحريك الشعب، فضرب رجال الحزب الجمهوري الأمثال في شجاعة المواجهة، حيث كان الحزب يطبع المنشورات المناهضة للاستعمار، ويحرص أفراده على توقيع أسمائهم عليها، وتوزيعها، في عمل فريد من أعمال المواجهة العلنية، إضافة إلى قيامهم بالخطابة في الأماكن العامة، حتى استشعرت السلطات الاستعمارية الخطر، فاعتقلت "محمود محمد طه"  في يونيو من عام 1946م وقدمته إلى المحاكمة، ووضعته أمام خيارين: السجن لمدة عام، أو إمضاء تعهد بعدم ممارسة العمل السياسي، فاختار السجن دون تردد. وكان بذلك أول سجين سياسي في تاريخ الحركة الوطنية السودانية (13).

واصل "محمود محمد طه" مقاومته للمستعمر بعدم تنفيذ أوامر السجن، في حين واصل رفاقه في الحزب مقاومتهم خارج السجن، فأضطُرت سلطات الاستعمار إلى إطلاق سراحه بعد خمسين يوماً. وقد أدى نبأ إطلاق سراحه، مثلما أدي نبأ سجنه، إلى تجاوب واسع من قطاعات الشعب، أظهرته برقيات التأييد التي انهمرت على الحزب من كافة محافظات السودان (14).

وبعد إتمامه مدة سجنه في العام 1948م خرج "محمود محمد طه"  إلى مدينة رفاعة، حيث اعتكف مدة ثلاث سنوات في خلوة عن الناس، أتم ما كان قد بدأه في سجنه من تهيؤ لدعوته الإسلامية. كانت أيام خلوته واعتكافه عامرة بالإشراقات الروحية، والسمو النفسى، وقد بدا واضحاً أن الأستاذ "محمود طه"  قد أقبل على موضوع كبير وخطير، وكان الحزب الجمهوري قد توقف نشاطه طوال فترة الاعتكاف (15).

خرج الأستاذ "محمود محمد طه" من اعتكافه في أكتوبر 1951م ودعا الحزب الجمهوري إلى اجتماع عام عقد في 30 أكتوبر 1951م . في هذا الاجتماع طرح الأستاذ محمود المذهبية الإسلامية الجديدة، التي تقوم على الحرية الفردية المطلقة، والعدالة الاجتماعية الشاملة، ليتجه الحزب الجمهوري من ملء فراغ الحماس إلى ملء فراغ الفكر (16).

في عام 1952م صدر لـ "محمود محمد طه" كتاب (قل هذه سبيلي)، وبدأت بذلك حركة واسعة لتأليف الكتب التي تتولى شرح فكرة الدعوة الإسلامية الجديدة وتفصيل مذهبيتها؛ وقد دعا الأستاذ "محمود طه"  إلى الإسلام كمذهبية تبشّر بتحقيق إنسانية الإنسان، عن طريق تقديم المنهاج الذي يحقق السلام في كل نفس بشرية، حيث يُقدم الإسلام في مستواه العلمي كدعوة عالمية للسلام. وقد ظلت قضايا الفكر، والحرية، والاستقراء العلمي للحضارة الغربية ولواقع المسلمين قضايا مطروحة بإلحاح منذ أن تناولها "محمود طه"  في المنشور الأول (17)... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...........

1- أبو ذر الغفاري: محمود محمد طه وآراؤه في النسخ في القرآن (عرضا وتحليلا)، البحث العلمي، مقدم إلى كلية أصول الدين مكملا للشروط اللازمة للحصول على درجة بكالوريوس في قسم التفسير والحديث، قسم التفسير والحديث- كلية أصول الدين، ص18.

2- الكيالي، عبد الوهاب، (1985)، موسوعة السياسة، بيروت، المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر، ط2، ج6، ص ص 114-115.

3- عبدالله الجبور: الأستاذ المفكِّر فى زمن الردَّة؛ محمود محمد طه (1908-1985(، 6 يونيو، 2018، التنويري.

4- نجاة إدريس إسماعيل: محمود محمد طه الإسلام في رسالتين، بدايات، العدد ١٣ - شتاء ٢٠١٦,

5- نفس المرجع.

6- أبو ذر الغفاري: نفس المرجع، ص 19.

7-سامح إسماعيل: محمود محمد طه.. ترنيمة أخيرة على صليب الحلاج،12/11/2017.

8- أبو ذر الغفاري: نفس المرجع، ص 20-22.

9-محجوب عمر باشري: رواد الفكر السوداني،  الخرطوم : دار الجيل، بيروت،1991،، ص22-25.

10- عادل الامين: سيرة المفكر السوداني الراحل محمود محمد طه، الحوار المتمدن-العدد: 3279 - 2011 / 2 / 16 - 11:13.

11- سعيد الحاجي: الرسالة الثانية من الإسلام…هكذا تم إعدام المفكر السوداني محمود محمد طه، السبت 16 مايو 2020 - 9:03 م.

12= عبدالله الجبور: نفس المرجع.

13- نفس المرجع.

13- نفس المرجع؛ وأنظر أيضاً: إسماعيل أحمد محمد: الأستاذ محمود محمد طه زمراً للحرية والديمقراطية، سنودانايل، نشر بتاريخ 28 تشرين 1/ أكتوبر 2015.

14- عادل الامين - سيرة المفكر السوداني الراحل محمود محمد طه، نشر بتاريخ 16/2/2016.

15- أسماء محمود محمد طه: مقدمة كتاب نحو مشروع مستقبلي للإسلام، ط رؤية، مصر،2012، ص 9-10.

16- نفس المرجع، ص 12.

17-محمود محمد طه:  قل هذه سبيلي، أم درمان، الحزب الجمهوري، السودان، 1952م، ص56.

 

 

لطفي شفيق سعيدفي البدء لا يسعني سوى أن أشكر زميلي الأستاذ قاسم لإتاحة الفرصة لي للعودة إلى الكتابة المطولة والتي توقفت عنها بسبب ما تحمله الشيخوخة من مصاعب لا تخفى على أخي العزيز ولكن للضرورة أحكام.

سأبدأ من حيث انتهيت في الجزء السابق وهو ما يتعلق بشخصية الشهيد الخالد الزعيم عبد الكريم قاسم ومدى تأثيرها على مجريات الأحداث سلبا وإيجابا وقد تكون السلبيات أكثر تأثيرا عما جرى من أحداث مأساوية في تلك الحقبة لكونها قد طغت على الإيجابيات والإنجازات المهمة والمفيدة والتي كان أهمها تحرير العراق من ربقة المستعمر ومستغلي ثرواته وربطه بأحلاف ومعاهدات جائرة وبناء عراق متطور ومزدهر وكان تأثير السلبيات كبيرا وبالغا في تدهور الأوضاع وحرف مسيرة التقدم وسيطرة عناصر الشر على المراكز المهمة في الدولة وعودة النفوذ الأجنبي واستمرار استحواذه على ثروات البلاد، ورب سائل يسئل وباعتقادي هو سؤال مشروع :لماذا احمل الزعيم جانبا من ذلك السقوط المريع؟ وللزعيم مكانة مرموقة لدى الكثير من أبناء الشعب العراقي وإن ما قام به من خدمات كبيرة شاخصة للآن ما لم يقدمه حاكم قد حكم العراق سابقا ولاحقا وقد يتصور البعض بأنني أمقته أو أحقد عليه وكيف يكون ذلك وإنني أعرف شخصيته حق المعرفة ودرستها عن كثب قبل قيام الثورة وكيف كان يعطف على الصغير والكبير من أفراد لوائه من الجنود والضباط ويمكن أن ابين حادثة قد شهدتها بأم عيني حلال وجودي في مقره فقد استدعى ضابط الاعاشة وكان برتبة رئيس أول وتبدو عليه مظاهر التعب وسأله فيما إذا هو ينوي الذهاب لعائلته خلال إجازة الخميس والجمعة وبين له الضابط المذكور بأنه سوف يبقى في المعسكر لضيق اليد وعدم امتلاكه النقود التي توفر له الذهاب لعائلته عندها استدعى الزعيم ضابط الرواتب وسأله كم من النقود في القاصة تعود اليه والتي بقيت من راتبه فرد عليه ضابط الرواتب إن لديك عشرة دنانير فقال الزعيم اعط لضابط الاعاشة خمسة وابقي لي خمسة ويبدو أن هذا الاجراء لم يقنع ضابط الاعاشة واستشعر الزعيم حالته وطلب من ضابط الرواتب إعطاء ضابط الاعاشة الخمسة الأخرى قائلا إنني سوف أبقى في المعسكر وليذهب ضابط الاعاشة لأهله لأنه صاحب عائلة، إنني حين أروي هذا الموقف ولو أنه لا يشكل حدثا كبيرا فإنه يعكس نفسية ذلك القائد قبل استلامه المهمة الكبرى ولذلك كنا نحبه ونجله ونعرف بأنه هو المنقذ والذي أنتشر صيته بين الناس قبل قيامه بالثورة وهناك تفاصيل مهمة حول هذا الموضوع سأتطرق اليها في أجزاء أخرى.

إن كل ما سأذهب اليه خلال تشخيص الأحداث وموقف الزعيم منها هو أن الزعيم لم يصغ للنصح وللتحذيرات التي كانت تصدر من أقرب الناس اليه وأكثرهم اخلاصا له وللحفاض على الجمهورية والوقوف ضد من يخطط للإطاحة بها في الوقت الذي أصبحوا فيه في الدائرة القريبة منه وحتى في وزارة الدفاع وبالقرب من مكتبه وكل ما كان يتخذه من إجراءات هي في حقيقتها خاطئة وبتصوره أنها كانت تصب في سياق استقرار البلد واحداث توازن بين القوى المتصارعة آنذاك ولكن ذلك التوازن الذي كان يتصوره قد قرب اشد الأعداء اليه وابعد أشجع المخلصين له وللجمهورية ومنهم على سبيل المثال الشهيد فاضل عباس المهداوي الذي نأى بنفسه عنه في الفترة الأخيرة ولكنه اسرع في يوم الانقلاب للالتحاق به في وزارة الدفاع ثم ليستشهد معه وكذلك الشهيد جلال الأوقاتي الذي كان يردد دائما أن الزعيم بطريقته هذه سيقتل نفسه ويقتلنا معه وبالفعل أنه قتل في ساعة الصفر في الانقلاب المشؤوم .

إن السبب المباشر الذي جعل الزعيم عبد الكريم قاسم أن يتصرف ذلك التصرف الخطأ والمدمر هو أنه اقتنع بما كان يروج له المغرضون من دعايات وأخبار ملفقة وصور مفركة على أساس أن الشيوعيين يقومون فيها وبضمنهم الضباط والجنود المقربين اليه ومن تلك الاشاعات التحضير للقيام بانقلاب واستلام السلطة من قبل تلك المجموعة من الضباط الشيوعيين ، إن ذلك الاعتقاد قد ترسخ لدا الزعيم من دون أن يقوم بالتحقيق عن مصدره والغاية من ترويجه وكل ما قام فيه وخلال تكشف خيوط انقلاب 8 شباط هو اعتقال قادة مهمين من حزب البعث وعلى رأسهم علي صالح السعدي وزمرة أخرى معه خلال عقدهم اجتماع في أحدى الدور في منطقة العطيفية الغرض منه التخطيط للانقلاب وذلك في يوم الأثنين أي قبل ثلاثة أيام من الانقلاب كما أحال قسما من الضباط البعثيين والقوميين على التقاعد في نفس ذلك اليوم ولم يعتقلهم أو يحقق معهم مع أن جميع تفاصيل الانقلاب قد سربها له أحد قادة الانقلاب من الضباط الكبار ويمكنني القول إن تلك الإجراءات الباهتة جعلت باقي المتآمرين ان يسرعوا بتنفيذ الانقلاب بعد ثلاثة أيام من اعتقال المذكورين واحالة قسم ضئيل منهم على التقاعد مما حدى بالمتقاعدين ان يرتدوا ملابسهم العسكرية وينفذوا صفحة من الانقلاب بشراسة واندفاع، أما (القشة التي قسمت ظهر البعير) فهي تتمثل بإحالة عدد مهم من قادة الجيش وضباط مخلصين بمختلف الرتب والاختصاص على التقاعد وتنسيب عددا آخر منهم كضباط تجنيد ومن ضمنهم طيارين مهمين مسئولين عن قيادة طائرا ت مقاتلة حديثة دخلوا دورات على استخدامها في الاتحاد السوفيتي ولذلك اعتبروا شيوعيين حسبما روجه المغرضون، إضافة لذلك العدد عدد آخر من مختلف الصنوف الأخرى أبعدوا خارج بغداد وإلى أماكن نائية جدا مثل حلبجة وجمجمال وقضاء الحي وقضاء سوق الشيوخ وغيرها من الأماكن البعيدة وأخطر من ذلك كله فقد جرى اعتقال ضباط مهمين بحجة التخطيط للانقلاب واستلام السلطة منه ويندرج ذلك ضمن حملة الدس والتضليل التي كان تقوم فيها العناصر المعادية للحكم واضرب مثلا على هذا الاجراء الخطر اعتقال العقيد ضابط الدروع سلمان الحصان وكذلك كل من الرئيس فاضل البياتي الذي قتل تحت التعذيب في قصر النهاية والرئيس مهدي حميد الذي ارسل الى سجن نقرة السلمان قبل الانقلاب واعدم بعده وكذلك الرئيس الأول خزعل السعدي وهو من الضباط الاحرار المهمين حيث كانت الاجتماعات تعقد في داره قبل الثورة وقد التحق خلال الانقلاب في صفوف المقاومة في الكاظمية وقاد المقاومة وحوصر في احدى الازقة والقي القبض عليه لعدم امتلاكه السلاح وهو متقاعد وارسل إلى قصر النهاية واستشهد هناك تحت التعذيب ومثله مثل الرئيس الأول جلال أحمد فهمي والرئيس عباس الدجيلي ومن الضباط الكبار الذين تم أحالتهم على التقاعد بسبب تلك الوشاية وفي الخامس من تموز عام 1959 الزعيم إبراهيم الجبوري الملقب بالخال وكان قبل الثورة يترأس تنظيم الجنود والضباط الديمقراطيين الأحرار الذي تم تشكيله عام 1953 في الفرقة الأولى في الديوانية وما حدث للزعيم إبراهيم الخال يعكس مدى الخطأ والخلل الذي ارتكبه الزعيم والذي كان له الأثر البالغ في قيام المتآمرين بالمهمة القاتلة وهو ما تحدث به الينا في أحد جلساتنا معه في القلعة الحجرية لسجن نقرة السلمان المخصصة لسجناء الاحكام الثقيلة قائلا عند استماعي لبيان الانقلابيين ارتديت ملابسي العسكرية ودخلت الى وزارة الدفاع تحت وابل القصف من أجل الالتحاق بالمدافعين وتقديم المساعدة التي يحتاجها الزعيم إلا أنه حال أن رآني صرخ بي قائلا كيف تسنى لك أن ترتدي الملابس العسكرية وأنت محال على التقاعد عليك أن تترك الدفاع وإلا سوف اعتقلك مما اضطرني للرجوع إلى بيتي وعندها اعتقلت وتم الحكم علي بالإعدام بتهمة مقاومة الانقلاب في وزارة الدفاع ثم خفض الحكم الى المؤبد لعدم ثبوت الأدلة ، ومن الإجراءات الخطيرة والتي اعتبرها خطأ قد اقدم عليه الزعيم في سياق إدارة البلد وما يشبه أدارة دفة معركة خلال الحروب هو نقل عد كبير من الضباط من وحدات مهمة داخل بغداد الى خارجها وفي تاريخ بداية النهاية الذي ذكرته سابقا وهو الخامس من تموز عام 1959 أي قبل الذكرى الأولى لقيام الثورة وممن شملهم هذا الأمر نقلي وعدد آخر معي من اللواء التاسع عشر المرابط في معسكر الرشيد الى أمرة الفرقة الأولى وقائدها الزعيم الركن حميد الحصونة والذي كان يجاهر أمام ضباطه قبل هذا التاريخ بأنه كان يجلس مع سكرتير الحزب الشيوعي العراقي فهد على نفس الرحلة في المدرسة التي كانا يدرسان فيها سوية ولكن بعد ذلك التاريخ انقلب مع المنقلبين واستقبلني بالسخرية والاستهزاء بادعائه بأنني ضابط احتياط حسبما جاء في برقية نقلي المزيفة مما جعلني أن اذكر له أنني ضابط حربي ومن ضباط لواء الزعيم قبل الثورة وبعدها وبينت له جانبا مما كلفت به خلالها وعندها نسبت إلى الناصرية وثم إلى قضاء الشطرة ومن هناك كنت انصت إلى الاحتفالات القائمة في بغداد بمناسبة الذكرى الأولى لثورة الرابع عشر من تموز الثورة التي عرفت الكثير عنها قبل ولادتها بسنوات خلال وجودي في ذلك اللواء وشهدت ساعة انبثاقها فجر يوم الإثنين المصادف 14 تموز واستمعت لبيانها الأول في ساعة اذاعته عند الساعة السادسة فجرا عندما انطلق صوته من خلال الجهاز اللاسلكي الرقم 9 المثبت في سيارتي العسكرية اللاندروفر المنطلقة ضمن جحفل اللواء المتجه الى بغداد تحت استغراب من لم لهم دراية بالمهمة الحقيقية لكون ما تلقوه من أوامر كانت عبارة عن تمرين اركاب وانزال وفي حدود معسكر المنصورية بينما ينطلق بهم اللواء أبعد من ذلك حتى وصوله إلى مشارف بغداد ، إن الفرق كبير وشاسع بين ما كنت استمع اليه في صبيحة 14 تموز الاغر وبين استماعي للاحتفال في الذكرى الأولى لقيام الثورة في منفاي في الشطرة حيث كان الفرح ولزهو يملأ نفسي في الحالة الأولى أما في الحالة الثانية فقد كان الألم يعتصر قلبي والأسف والخوف على اعز وازهى حدث جرى خلال حياتي في تلك المرحلة العصيبة من مراحل تاريخ العراق وللمداخلة صلة حيث كان لمقالة اخي الدكتور قاسم أثرا في فتح مغاليق الذاكرة التي تراكمت فوقها أحداث واحداث وإلى جزء آخر من هذه المداخلة.

 

لطفي شفيق سعيد

الأول من نيسان 2021

 

 

يسري عبد الغنيالخطيب الذي سيبعث يوم القيامة أمة وحدها

قس بن ساعدة الإيادي هو خطيب من أكبر حكماء العرب قبل الإسلام. رآه النبي محمد صلى الله عليه وسلم قبيل البعثة يخطب الناس بسوق عكاظ وروى خطبته وعجب من حسنها وأظهر تصويبها ثم قال: «يرحم الله قسا أما إنه سيبعث يوم القيامة أمة وحده».

حياته

هو من بني إياد أحد حكماء العرب، ومن كبار خطبائهم، في الجاهلية كان أسقف نجران، ويقال إنه كان أول عربي خطب متوكئا على سيف أو عصا، وأول من قال في كلامه " أما بعد " وكان يذهب إلى قيصر الروم، زائرا، فيكرمه ويعظمه وهو معدود في المعمرين، طالت حياته وأدركه النبي صلى الله عليه وسلم، قبل الوحى، ورآه في عكاظ .

كان يعرف النبي صلى الله عليه وسلم وينتظر ظهوره ويقول: إن لله دينا خير من الدين الذي أنتم عليه. وكان النبي يترحم عليه ويقول: يحشر يوم القيامة امة واحدة.

وقيل أرثي بيت قالتة العرب كان لقيس

--عليك سلام الله قيس بن عاصم * ورحمته ما شاء أن يترحما

تحية من أوليتهُ منك منة * إذا ذكرت مثلها تملأ الفما

فما كان قيس هلكهُ هلكُ واحد * ولكنه بنيان قوم تهدما

الابيات لبعدة بن الطيب

عند الجاحظ

قال الجاحظ في البيان والتبيين: ومن خطباء إياد قس بن ساعدة، وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "رأيته بسوق عكاظ على جمل أحمر وهو يقول: "أيها الناس اجتمعوا واسمعوا وعوا. من عاش مات، ومن مات فات وكل ما هو آت آت" وهو القائل في هذه:

"آيات محكمات، مطر ونبات، وآباء وأمهات، وذاهب وآت. ضوء وظلام، وبر وآثام، ولباس ومركب، ومطعم ومشرب . ونجوم تمور، وبحور لا تغور، وسقف مرفوع، ومهاد موضوع، وليل داج، وسماء ذات أبراج. مالي أرى الناس يموتون ولا يرجعون. أرضوا فأقاموا أم حبسوا فناموا".

وهو القائل:

"يا معشر إياد، أين ثمود وعاد، وأين الآباء والأجداد. أين المعروف الذي لم يشكر، والظلم الذي لم ينكر، أقسم قس بالله إن لله لدينا أرضى من دينكم هذا".

وأنشدوا له:

فـي الـذاهـبــيــن الأ ولـيـ *** ن من القرون لنا بـصائـر

لـما رأ يـــــت مـــواردا *** للـموت لـيـس لها مصـادر

ورأ يـــت قومي نـحـوها *** يمضي الأصاغر والأكابر

لا يـرجـع الــماضـي ولا *** يـبـقى مـن البـاقـيـن غـابـر

أيـقــنــت أ نـي لا مــحــا *** لة حـيث صار القوم صائر

وقال الجاحظ في موضع آخر من نفس الكتاب:

ولإياد وتميم في الخطب خصلة ليست لأحد من العرب، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي روى كلام قس بن ساعدة وموقفه على جمله بعكاظ وموعظته، وهو الذي رواه لقريش والعرب، وهو الذي عجب من حسنه وأظهر تصويبه، وهذا إسناد تعجز عنه الأماني وتنقطع دونه الآمال. وإنما وفق الله ذلك الكلام لقس بن ساعدة لاحتجاجه للتوحيد ولإظهاره معنى الإخلاص وإيمانه بالبعث. ولذلك كان خطيب العرب قاطبة.

وقال الجاحظ أيضا:

وفي الخطباء من يكون شاعرا ويكون إذا تحدث أووصف أواحتج بليغا مفوها بينا، وربما كان خطيبا فقط، وبين اللسان فقط.

فمن الخطباء الشعراء الأبيناء الحكماء: قس بن ساعدة الإيادي، والخطباء كثير والشعراء أكثر منهم ومن يجمع الشعر والخطابة قليل.

وقال الجاحظ في موضع آخر:

"وقال أبو عمرو بن علاء: كان الشاعر في الجاهلية يقدم على الخطيب لفرط حاجتهم إلى الشعر الذي كان يقيد عليهم مآثرهم، ويفخم شأنهم، ويهول على عدوهم ومن غزاهم، ويهيب من فرسانهم ويخوف من كثرة عددهم، ويهابهم شاعر غيرهم فيراقب شاعرهم. فلما كثر الشعر والشعراء، واتخدوا الشعر مكسبة، ورحلوا إلى السوقة، وتسرعوا إلى أعراض الناس، صار الخطيب عندهم فوق الشاعر. ولذلك قال الأول :"الشعر أدنى مروءة السري وأسرى مروءة الدني."

قال: "ولقد وضع الشعر من قدر النابغة الذبياني ولو كان في الدهر الأول ما زاده ذلك إلا رفعة". (انتهى كلام الجاحظ).

في البداية والنهاية

وجاء ذكر قس بن ساعدة في كتاب البداية والنهاية لابن كثير في عدة روايات، يذكر في إحداها أنه لما جاء وفد إياد إلى النبي صلى الله عليه وسلم سر بقدومهم وسألهم عن قس بن ساعدة، فقالوا هلك يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مهما نسيت فلن أنساه بسوق عكاظ واقفا على جمل أحمر يخطب الناس، وهو يقول... "، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم خطبته المعروفة وقال: "يرحم الله قسا، أما إنه سيبعث يوم القيامة أمة وحده (أو أمة واحدة). وذكروا كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم سألهم عن قس هل ترك وصية ؟ قيل: وجدوا عند رأسه صحيفة فيها من إنشاء قس بن ساعدة:

يا ناعي الموت والملحود في جدث *** عـلـيـهـم مـن بـقـايا قـولهـم خرق

دعـهم فإن لهـم يـوما يـصاح بـهـم *** فهم إذا انتبهـوا من نومهـم أرقوا

حتى يعودوا بـحـال غـيـر حالـهـم *** خـلقـا جـديـدا كما من قـبله خلقوا

منهـم عـراة ومـنهـم فـي ثـيابـهـم *** منها الجـديـد ومنها المنهج الخلق

ونسبوا إلى قس بن ساعدة قوله: "كلا بل هو إله واحد، ليس بمولود ولا والد، أعاد وأبدى، وإليه المآب غدا". وقوله: "كلا بل هو الله الواحد المعبود، ليس بوالد ولا مولود". وهذا مطابق لسورة الإخلاص لفظا ومعنا.

وجاء في كتاب "النصوص الأدبية" (مكتبة الرشاد) ذكر قس بن ساعدة. يقول المؤلفون: "وقد نزل القرآن مصدقا لقوله، مقرا طريقة قس في الإستدلال بعجائب المخلوقات على وجود الخالق" ورووا له هذه الخطبة:

أيها الناس، اسمعوا وعوا، وإذا سمعتم شيئا فانتفعوا، إنه من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت. إن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا. ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج. ما لي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون؟ أرضوا بالمقام فأقاموا أم تركوا هناك فناموا؟ تبا لأرباب الغفلة والأمم الخالية والقرون الماضية.

يا معشر إياد، أين الآباء والأجداد؟ وأين المريض والعواد؟ وأين الفراعنة الشداد؟ أين من بنى وشيد، وزخرف ونجد؟ أين من بغى وطغى، وجمع فأوعى، وقال أنا ربكم الأعلى؟ ألم يكونوا أكثر منكم أموالا، وأطول منكم آجالا؟ طحنهم الثرى بكلكله، ومزقهم الدهر بطوله، فتلك عظامهم بالية، وبيوتهم خاوية، عمرتها الذئاب العاوية. كلا بل هو الله الواحد المعبود، ليس بوالد ولا مولود". وذكروا له الأبيات المعروفة: "في الذاهبين الأولين ... "

من حكمه

وينسب الرواة إلى قس بن ساعدة حكما كثيرة منها: "إذا خاصمت فاعدل، وإذا قلت فاصدق، ولا تستودعن سرك أحدا، فإنك إن فعلت لم تزل وجلا، وكان بالخيار، إن جنى عليك كنت أهلا لذلك، و إن وفى لك كان الممدوح دونك. وكن عف العيلة مشترك الغنى تسد قومك". ومنها: " من عيرك شيئا ففيه مثله، ومن ظلمك وجد من يظلمه، وإذا نهيت عن الشيء فابدأ بنفسك. ولا تشاور مشغولا وإن كان حازما، ولا جائعا وإن كان فهما، ولا مذعورا وإن كان ناصحا". وقالوا انه هو أول من قال: "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر"، وأول من قال: "أما بعد".

**

وحدثنا أبو بكر قال حدّثنا السكن بن سيعد عن العباس بن هشام عن أبيه قال: كان قسّ بن ساعدة يفد على قيصر ويزوره فقال له قيصر يوماً: ما أفضل العقل؟ قال: معرفة المرء بنفسه، قال: فما أفضل العلم؟ قال: وقوف المرء عند علمه، قال: فما أفضل المروءة؟ قال: استبقاء الرجل ماء وجهه، قال: فما أفضل المال؟ قال: ما قضي به الحقوق.

المصدر كتاب الامالي للقالي ج2 ص 43

ذكره في الشعر الجاهلي

والمثير للإنتباه أن كثيرا من الآيات القرآنية جاءت على منوال هذه الخطبة معنى و لفظا، ولهذا فإن كثيرا من الناس يعتبرون قسا من الأنبياء، وآخرون يعتبرون أقواله من علامات النبوة وإرهاصاتها.

وذكر الدكتور جواد علي قسا بن ساعدة مرارا في كتابه: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام. قال: ولدى الرواة أبيات ينسبونها إلى بعض الشعراء الجاهليين، هم الأعشى، والحطيئه، ولبيد، ذكر فيها إسم قس، وقد أشيد فيها بفصاحته وبلاغته وحكمته،  وقد ضرب المثل بشخصيات جاهلية تركت أثرا في أيامها، فضرب بها المثل، مثل "أبلغ من قس" ويراد به قس بن ساعدة الخطيب الشهير.

وجاء في كتاب الإصابة: "قس بن حذافة بن زفر بن إياد بن نزار الإيادي البليغ الخطيب المشهور. ... وكانت العرب تعظمه وضربت به شعراؤها الأمثال. يقول الأعشى في قصيدة له:

وأحلم من قـس وأجرى من الـذي *** بذي الغيل من خفان أصبح حادرا

وقال الحطيئة:

وأقول من قس وأمضى كما مضى *** من الرمح إن مس النفوس نكالها

وقال لبيد:

وأخـلـف قـسـا لـيـتـنـي ولـعـلـنـي *** وأعـيا على لـقـمان حـكـم التـدبـر

وأشار بذالك إلى قول قس بن ساعدة:

وما قد تولى فـهـو قـد فـات ذاهـبا *** فـهـل يـنـفـعـني لـيـتـني ولعـلني

كان قارئا كاتبا

ويقول أهل الأخبار ان قسا كان قارئا كاتبا مطلعا على كتب أهل الكتاب، ولكنه لم يكن يهوديا ولا نصرانيا، بل كان حنيفا يدين بالتوحيد. وقالوا انه كان متصلا بقيصر الروم وفد اليه فاكرمه وعظمه وانه توفي قبيل البعثة سنة 600 م.

 فإذا شئت الإطلاع على المزيد من أخباره فانظر مثلا: البداية والنهاية، لابن كثير؛ دلائل النبوة، للبيهقي؛ المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، للدكتور جواد علي؛ تاريخ الأدب العربي، لأحمد حسن الزيات، وغير ذلك من المراجع.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

لطفي شفيق سعيدإن أهم ما ورد في تلك المقالة وخاصة في الجزء الأول منها هو السؤال الذي كثيرا ما طرح سابقا واستمر طرحه لزمن تعدى نصف قرن وهو (لماذا لم يستلم الحزب الشيوعي العراقي السلطة) وبالتحديد خلال عام 1959 وبعد محاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم؟) وأضيف اليه بعد أن وصل عدد أعضاءه من العسكرين ضباطا ومراتب إلى خمسة آلاف عضو حتى لم يصل اليه الجيش السوفياتي  في حينه وهو ما بينه ذلك عضو المكتب العسكري للحزب الشيوعي العراقي المرحوم ثابت حبيب العاني (أبو حسان) في مذكراته، أن الإجابة على هذا السؤال يتطلب شرحا مفصلا ووافيا لا يسع المجال لتحقيقه وإنني قدر الإمكان سألخص بعض ما عايشته واطلعت عليه وواكبت أحداث تلك المرحلة منذ تخرجي من الكلية العسكرية عام 1956 والتحاقي في اللواء التاسع عشر والذي كان بإمرة الزعيم عبد الكريم قاسم ولغاية ابعادي من اللواء في الذكرى الأولى للثورة وهذا الأمر يندرج ضمن الإجابة عن السؤال والذي سترد  تفاصيلها لاحقا، أما ما حدث بعد هذا التاريخ أي بعد الذكرى الأولى للثورة فقد تداعت الأحداث حتى وصلت إلى زمن القسوة والعذاب والمهانة وارتكاب خطأ جسيم  قوض كيان الثورة وقضى عليها وقد تحمل وزر تلك الأخطاء الشعب العراقي وما آل اليه من تردي ومصائب ودمار لا زال يئن من ثقلها وقسوتها لحد الآن.

إن ذلك الخطأ الجسيم لا فائدة من القاء اللوم أو التهم على مرتكبيه حيث لا فائدة منها إن لم تكن تحت طائلة القانون ويلقى مسببها جزاء ما اقترفت يداه من ذنب عظيم بحق الوطن والشعب ومثل ما يقوله المثل العامي (بعد ما وكع الفاس  بالراس) وإن اجترار أحداث تلك المرحلة لا يقدم شيئا ولا يؤخر ولا  يمكن أعادة عجلة الزمن إلى وراء وبالأخص لمن رحل منهم أو من الباقين من هم مثلي على اعتاب التسعين حيث بت اردد  بيت الشعر الذي يذكرني بأصحابي الأوفياء الذين ضحوا بأرواحهم ورحلوا بصمت:

(عرم الزمان على الذين شهدتم       بك قاطنين وللزمان عرام).

ولغرض العودة إلى السؤال المطروح الذي أثار طرحه المواجع وبعد أن وجدت بأن من طرحه قد وضع أصبعا واحدة على الجرح في وقت يتطلب استخدام الكفين لإزاحة الرماد عن الهشيم الذي خلفته تلك الحرائق عن واقع قل ما يوصف بأنه رهيب وفظيع، لقد ورد في سياق المقالة تلك النص التالي:

(في تلك الغرفة الضيقة وعيني على العقيد عبد النبي الدهان كانت بداية تساؤلي : لماذا لم يستلم الحزب الشيوعي السلطة؟ إن ما رواه العقيد محمد عمران عضو القيادة القومية لحزب البعث السوري كطرفة عام 1964 إذ قال: طلب من أحد ضباط الجيش العراقي إعدام إثني عشر ولكنه أعلن أمام عدد كبير من الحاضرين أنه لن يتحرك إلا لإعدام خمسمائة شيوعيا ولن يزعج نفسه من أجل إثني عشر فقط (انتهى نص الفقرة) ولغرض إيضاح تلك الحادثة وحقيقتها فهي جرت كالتالي:

إن الضابط المذكور هو العقيد الركن عبد الغني الراوي وهو عضو في جماعة الاخوان المسلمين وقد كان له دورا بارزا في انقلاب شباط 1963 وإن الخمسمائة شيوعي هم ضباط فقط تم نقلهم من السجن الرقم واحد الى سجن نقرة السلمان بفطار الموت بعد فشل انتفاضة البطل نائب العريف حسن سريع وقد اجتمعت قيادة حزب البعث بشقيها العسكري والمدني وتباحثوا عن كيفية التخلص من ذلك العدد بعد أن نجوا  من موت محقق بأعجوبة خلال نقلهم  بقطار الموت فاقترح اعضاء  القسم العسكري  الذي كان يمثله كل من أحمد حسن البكر وطاهر يحيى وصالح مهدي عماش وعبد الغني الراوي وعبد السلام عارف أن يذهب عبد الغني مع ثلة من الجنود إلى سجن نقرة السلمان ويقوم باعدام ذلك العدد من الضباط  وحصل آنذاك خلاف بين القيادة المدنية والقيادة العسكرية حول العدد واقترحت القيادة المدنية أن ينتقى اثني عشر مهم منهم يتم اعدامهم واعترض كل من عبد السلام وغني الراوي على الاقتراح وأكدا بأن لديهما فتوى من مرجع ديني شيعي يحلل قتلهم باعتبارهم كفرة وملحدين وأنهما يحتفظان بورقة  تلك الفتوى ويقال إن ذلك كان ادعاء لم يثبت صحته أما الاعتراض المشار اليه في النص الوارد بالمقالة فقد ورد القول على لسان عبد الغني نفسه.

إن ما سأتطرق اليه والاجابة عن السؤال المهم الذي ورد في المقالة فإنني سأتطرق إلى الجانب العسكري فقط والذي يهمني ويخصني ويشمل العدد الكبير من أعضاء الحزب الشيوعي العراقي العسكريين من ضباط ومراتب في مختلف الوحدات وقادة خمسة في فرق عسكرية كان معظمهم في بغداد أو بالقرب منها وسوف لن اتطرق الى موقف الحزب الشيوعي العراقي وما دار حول سياسته في تلك المرحلة فقد سبقني الكثيرون للتعرض لها وإن ما يهمني أن أبين سبب انهيار تلك الكتلة الحديدية من العسكريين وعدم التصدي للانقلابيين في 8 شباط وأعدم منهم من أعدم وسيق المئات منهم أذلاء للسجون لا حول لهم ولا قوة بعد لاقوا صنوف العذاب والتنكيل والإهانات وضياع المستقبل.

إن أول أمر يمكن أن اعتبره كان سببا في تلك النهاية المدوية والصادمة هو شخصية الزعيم قائد الثورة والمرحلة عبد الكريم قاسم وتحولها من شخصية ثورية قل نظيرها وفريدة من نوعها ويحمل صفات الفرسان الأسطوريين مثل الذين ورد ذكرهم في الأساطير والروايات أمثال روبن هود والفرسان الثلاثة وغيرهم إلا أن تلك الشخصية سرعان ما فقدت بريقها وعنفوانها  وتقديرها الصائب للمصاعب والمصائب والاكتفاء  بالإرث النفسي الذى حققه له نجاح الثورة والخطة المحكمة التي وضعها لتنفيذها مبتعدا عن من شاركه وساهم معه في إنجاح الثورة مدافعا عنها ببسالة خلال تعرضها في بداياتها والانك والادهى من ذلك فقد قرب اليه المحيطين به من اشد الحاقدين عليه وممن كانوا يخططون للقضاء عليه بل للقضاء على الثورة ومنجزاتها وتفاصيل ذلك قد تم ذكرها في العديد من المناسبات.

إنني حينما أبين جوانب من شخصية الزعيم عبد الكريم لا أعني بذلك المساس به وبكل ما أعرفه وتعلمت منه وعملت معه خلال وجودي في معيته ضمن لوائه التاسع عشر ولمدة ثلاثة سنوات اثنتان منها قبل الثورة وواحدة بعدها ولتبيان ذلك أود أن أطرح تصورا على أخي الدكتور قاسم لبيان ما قصدته حول شخصية عبد الكريم قاسم وبداياتها ونهاياتها فلو كنت أخي موجودا مثلما كنت أنا موجود في ذلك اليوم التاريخي يوم الثالث عشر من تموز عام 1958 وفي معسكر المنصورية لرأيت كيف كان يبدو وضع ذلك الضابط الذي يحمل رتبة زعيم ركن ولم يتعد عمره الرابعة والأربعين أي في شرخ الشباب والذي ينم مظهره بأنه أكبر من هذا العمر بكثير ولا غرابة على الذي يحمل تلك المهمة والمسؤولية الصعبة والخطرة فقد كان آنذاك يتحرك كالأسد الهصور متنقلا من مكان لآخر من أجل التأكد بأن كل شيء على ما يرام وبكل سرية تامة ومنها أن ذهب في صباح ذلك اليوم إلى جلولاء للقاء الشخص الثاني المكلف بتنفيذ صفحات الثورة العقيد الركن عبد السلام محمد عارف ويسلمه البيان الأول الذي كتبه بحط يده ولا يتطلب ذلك إلى نقاش أو تأكيد فقد ورد ذلك في مذكرات المحامي حسين جميل بأن عبد الكريم قد عرض عليه صيغة البيان الأول الذي كتبه بيده وطلب اليه أن يبدي رأيه فيه من الناحية القانونية وتأثيره على الواقع الدولي والمحلي،

إن تفاصيل ذلك اليوم والأحداث المهمة التي جرت فيه من تحضيرات متعلقة بخطة الثورة وكيفية  تأمين متطلباتها كتهيئة العجلات وأملاء خزاناتها بالوقود وتوفير الكمية اللازمة من عتاد الأسلحة الخفيفة والمتوسطة وإصدار أمر الحركة الذي يجب أن يتم دون علم مديرية حركات الجيش أو معرفة الهدف الحقيقي من قبل أمراء الأفواج الثلاثة الذين لم يكونوا من تنظيمات الضباط الأحرار في تنظيم المنصورية لذلك فقد عقد الزعيم عبد الكريم قاسم مؤتمرا للعقداء الثلاثة في الساعة العاشرة من صباح يوم الثالث عشر من تموز 58 ليبين لهم بأنه يروم بتنفيذ خطة اركاب وإنزال لقطعات اللواء على أن يتحرك فجر اليوم التالي أي في يوم الرابع عشر وعليه يجب إبقاء كافة العجلات والجنود بكامل تجهيزاتهم السفرية في ساحة العرض مساء يوم الثالث عشر وأن يبقى جميع الضباط في المعسكر ولا يغادرونه لأي سبب كان أما فيما يتعلق بكيفية تأمين العتاد اللازم فقد جرى ذلك عن طريق أحد ضباط التنظيم الذي كانت المخازن بعهدته وتم تأمين طواقم الرشاشات والهاونات بأشراف ضباط من التنظيم أيضا وكذلك فيما يتعلق بأجهزة الاتصال اللاسلكي ،إن تلك المهمة قد جرت على اتم وجه وكان خلالها الزعيم رابط الجأش ولم تبدو على تصرفاته القلق أو الارتباك وهو يعلم علم اليقين جسامة مهمته وأن روحة وأرواح من هم بمعيته على أكفهم وأن فشل المهمة يعني الإعدام ولا غير ذلك.

لغرض التعرف على مزيد من تفاصيل عن ذلك اليوم يمكن الرجوع إلى الحلقات التي نشرتها في صحيفة 14 تموز تحت عنوان (يوم الثالث عشر من تموز أطول يوم قي عام 1958) وفيها تفاصيل وافية عن الحدث.

انتهى الجز الأول وإلى الجزء الثاني من المداخلة.

 

لطفي شفيق سعيد

31 آذار 2021

 

 

محمود محمد عليهو محمد بن الحسين بن حميد، المعروف بابن الآدمي، لم نجد له ترجمة كاملة سوي إشارة في كل من عمر رضا كحالة في كتابه (معجم المؤلفين – المجلد التاسع)، وصاعد ابن احمد الاندلسي في كتابه (طبقات الأمم)، وجمال الدين القفطي في كتابه (تاريخ الحكماء) وغيرهم.

وحسب هؤلاء فقد كان ابن الآدمي من علماء الفلك المرموقين في الحضارة العربية والإسلامية، فكان له صولة وجولة في هذا الميدان، وخاصة في ما يتعلق في الرصد وتصنيف الازياج، فقد استفاد فائدة عظيمة من اعمال محمد بن موسى الخوارزمي (164-235هـ) في مجال علم الفلك؛ والحقيقة أن ابن الآدمي اعتمد اعتمادا كلياً على نتاج الأستاذ الجليل محمد بن موسى الخوارزمي، في تأليف كتابه (نظم العقد) الذي صار من أهم المصادر في ميدان علم الفلك النظري.

ويذكر كارل ألفونسو نللينو في كتابه (علم الفلك-تاريخه عند العرب في القرون الوسطى) أنه في أيام المأمون وضع محمد بن موسى الخوارزمي زيجه المسمى بـ (السند هند الصغير) وعلى قول ابن الآدمي (عول فيه أوساط السند هند وخالفه في التعاديل والميل فجعل تعاديله على مذهب الفرس، ميل الشمس فيه على مذهب بطليموس، فاستحسنه أهل ذلك الزمان من أصحاب (السند هند) وطاروا به في الآفاق، وما زال نافعا عند أهل العناية بالتعديل الى زماننا هذا).

وقد مات ابن الآدمي قبل اكمال زيجه الكبير الذي جمع فيه جميع نتائج الأرصاد، التي عرفها عن العلماء الأوائل في علم الفلك، ولكن لحسن الحظ أن تلميذه اللبيب القاسم بن محمد بن هشام المدائني، المشهور باسم العلوي، أكمله في سنة 308هـ، واختار له اسم (زيج نظم العقد)، وفي هذا يقول صاعد الاندلسي في كتابه (طبقات الأمم) (كتاب نظم العقد (الزيج الكبير) جامع لصناعة التعديل مشتمل على أصول هيئة الافلاك، وحساب حركات النجوم على مذهب (السند هند) وذكر فيه من حركة إقبال الفلك وادباره، ما لم يذكره أحد قبله، وكنا نسمع عن هذه الحركة ما لا يعقل ولا ينضم الى قانون، حتى وقع هذا الكتاب، وفهم صورة هذه الحركة وكان ذلك سبب التفرس).

ولقد تميز ابن الآدمي في العمل الفني بجانب تفوقه في الأعمال النظرية، مما قاده إلى عمل ساعة دقيقة جدا، استخدمها في رصد حركة الكواكب، لذا يعد ابن الآدمي من علماء الفلك التطبيقي، وذلك لاهتمامه الملحوظ بالجانب العملي مع عدم إغفاله للجانب النظري.

وقد بقيت الساعة التي صنعها ابن الآدمي ردحا من الزمن، يعتمد عليها علماء العرب والمسلمين المتخصصين في علم الفلك والرصد، لأنها كانت تمتاز بالدقة المتناهية، كما أن علماء أوروبا ورثوا آلات الرصد عن علماء العرب والمسلمين، ومنها الأجهزة التي كان ستعملها ابن الآدمي.

نعم لقد كتب عن ابن الآدمي اكثر من غيره من علماء العرب والمسلمين في علم الفلك، على الرغم من أن انتاجه في هذا الحقل محدود للغاية، وتعليل ذلك يرجع لكتابه (نظم العقد) الذي استخدمه علماء أوربا مقررا في جامعاتهم مدة طويلة من الزمن، لما يحتوي عليه من معلومات ضرورية ونافعة، من هذا المنطلق حصل ابن الآدمي على سمعة جيدة بين علماء الغرب.

وخلاصة القول أن ابن الآدمي قليل النتاج في مجال اهتمامه علم الفلك، إذا ما قورن بأحد علماء العرب والمسلمين في هذا المجال، ولكن كتابه (نظم العقد) يعتبر فريدا من نوعه، لما يحتويه من معلومات أصيلة ودقيقة في حقل علم الفلك. نوه كل من صاعد الأندلسي وجمال الدين القفطي وكارل ونللينو وغيرهم، عن مكانة ابن الآدمي في علم الفلك، فهو بدون شك من كبار المفكرين العرب في هذا الميدان الحيوي.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

محمد الشاويرحم الله شيخ القصيدة الزجلية المغربية المعاصرة؛ الأديب والفنان المبدع والمتفرد الحاج سِيدي عبد الرحمن الجباري، وأحسن إليه بقدر عشقه لمدح الرسول صلى الله عليه وسلم، وحرصه على التمسك بمحجته البيضاء.

هو ابن العلاّمة العدل سِيدي إدريس الجباري مفخرة العرائش، الذي عمل على تلقينه أسس التربية الدينية المنفتحة وغير الخشنة، سيرا على على نهج التنشئة الأسرية لآل الجباري العالِمة. فكان حفظ القرآن الكريم مرتكزا لهذه التربية، والأحاديث، وعلم التجويد، والنحو، وفقه اللغة، وفن الخط، والخطابة...

ومن إهداءاته لي، التي أعتز بها أيما اعتزاز، ديوانه الزجلي: "عَرُّوشَة" نسبة إلى مسقط رأسه مدينة العرائش، وكما أراد هو أن يُدلِّعها بهذا الاسم  الدال على ظرافة مسمياته، وعذوبة مفرداته. "عرُّوشة" وليست "عرُّوش"، فهي الأنثى الجميلة والفاتنة  "المْسْرَارَة"، التي ينبغي على الرجال مغازلتها، والتودد لها بالتَنَعُّم "فْ مْحَاسْنْهَا نْظْرة". يقول عن عرّوشته:

بيني وبينك لعرايش يـــــاقوثــة

خـضرة عينـك تْطِـــيبها تـُوتـــة

ف شجرة تسايْنك كاشي كتْكُوتة

تـصونْ مـحايـنـك بـزغْـــروتـة

وتْهـدي لـزيـْنـْك ألــفْ حــوتَـة

بيني وبينك لعرايــش جُوهَــرة

تـبْــرد جْــفْــنْــكْ مـع الـبْحَّـارة

بيـني وبـينـك لــعرايش جْــنَــة

تـشهى مْلايْنــك وشْوية مْحْنَّــة

وينضاف إلى ديوانه الزجلي الأول: "عرّوشة" ديوانه الثاني، وهو: "رزة القاضي". لقد عهدتُ في سيدي عبد رحمن منذ نعومة أظافري؛ وخلال المناسبات العائلية حسن الإلقاء، ومبادرة الخطابة الاحتفالية. فعندما تعود بي ذاكرتي، أستبصر ملاحظة حية، عشتُها ذات مرة، وأنا طفل صغير منبهر بطريقة إلقاءه لحكاياته اللطيفة، والمؤنسة أثناء المناسبات، والأفراح، والاحتفالات العائلية... وهو يقرأ على مسمع الحاضرين، قصائده الزجلية التي تصل إلى القلب قبل الأذن. يُحبُّ تنشيط الحضور بقوافيه الرنانة، والآخذة بعبق نغمات موغلة في تطبيقات الحياة اليومية للمواطن العرائشي. تلك القصائد التي تنهل من جينيالوجيا الحكم، والأمثال المغربية الآتية من الشمال.

تلك القصائد الزجلية التي تَمْتَحُ من الفكر الاجتماعي، ومن مفهومات القصيدة العامية المعاصرة، على غير منوال. قصائده كما يقول الأستاذ والكاتب المترجم محمد بنعبود: "تفوق 300 مقطوعة منظومة في شتى المواضيع جلها في مدح العرائش بخشيشها وريشها، ومن أشهرها: كتامة، التاكرة، عرُّشة، جنان بلا رباع، رزة القاضي، وأخرى قامت بنشرها للقراء بعض الجرائد الوطنية، جهوية ومحلية وأكثرهم جريدة الشمال بطنجة".".

2340 Jeberiإن أدب سيدي عبد الرحمن، هو أدب شعبي عالِم يصدر عن الشعب، يعبِّر عن وجدانه. حيث يعكس همومه، وانشغالاته لكي يميط اللثام عن المستوى الإبداعي، والفكري والحضاري الذي يزخر به الفاعلون الثقافيون الذين يوظِّفون العامية في خطاباتهم، وذلك باعتبارها لغة لهذا الأدب. وقد تبدى هذا الأدب تاريخيا في مجموعة من الفنون المتنوعة والمتعددة، وتسمى أجناسا، وهي: الأهازيج، أغاني المناسبات، الزجليات، المحكيات، والأمثال، الأسطورة، السير، الحكاية الخرافية... تلكم السرديات والمرويات التي تتشكل منها الأمم والحضارات، فتحيلنا تارة إلى عهود موغلة في الفكر الاجتماعي الساذج والبسيط، وتارة أخرى إلى دليل تقدم ورقي  الأمم. وإن كان مصطلح الأدب الشعبي أو المكتوب بالعامية تم تبييؤه مع الثقافة العربية، لكونه فولكلورا في أصله، حيث استعاره باحثون عرب خلال الخمسينيات من القرن العشرين، ومنهم: أحمد رشدي صالح، فاروق خورشد، حسين نصار... ويمثل هذا الأدب بالمغرب العلاّمة عباس الجيراري.

فكانت المادة السردية الزجلية المكتوبة لدَى أديبنا سيدي عبد الرحمن، تعكس وبحق عالم الشخوص، والأحداث الواقعية، والمتخية  لمدينة العرائش. وهي مادة سردية تتكئ على بناء ونظم يتسما بالسلاسة التعبيرية وبجمالية الانزياحات والاستعارات البلاغية للعامية المغربية العريقة. كما أن اختياره للغة العامية  لم يكن عن ضعف في الملكة اللغوية، بل إنه  يعكس وبحق مدى ارتباطه بلغته الأم وببيئته الاجتماعية. فهو ضليع في اللغة العربية، وله كتابات ومرويات ومخطوطات أدبية رفيعة المستوى، وأخرى فقهية، عدلية، وإجتهادية... ورثها عن والده العلامة العدل سيدي إدريس الجباري.

عُرف أيضا سيدي عبد الرحمن بتأطيره للعديد من الأنشطة التربوية، والثقافية، وللأوراش الشعرية الزجلية، والابداعية... لفائدة نزلاء المؤسسات الإصلاحية والتربوية، بواد لو-تطوان، والعرائش، خلال مساره المهني والتربوي بإدارة السجون. وهو أيضا خطّاط ماهر،  أجاد فن الرسم والكتابة الذي ورثه عن والده، حيث حافظ على أسلوبه المتسم بتصويرية الحرف، وبتنوع المنظور الجمالي للخط المغربي.

فضلا عن ذلك، لسيدي عبد الرحمن الجباري العديد من المحكيات والقصص الطريفة، فهو حكواتي خبير بالسرديات الشعبية، تارة يحكي لك عن العنصرة دجبالا، قصص الأولياء، حكاية سوكسو بزبيدة وْلْفْتْ، بوجلود، حكوزة، سلطان طُلبة، عن يومياته في العمل مع زملائه، عن الأزلية، ألف ليلة وليلة، حكاية رزة القاضي، المنازل، للا منانة المصباحية، اللا زْوَايْنَة، سلطان شمهاروش، سيدي مدوح، الطاهر النقي، شيخ جبالة، بولولو....وعن دعاباته وقفاشاته مع صديقه الكاتب المسرحي الرائد والدبلوماسي المغربي عبد الصمد الكنفاوي.

وقال في رثائه:

كُنـْتي بــْفْنْكْ ضَاوي    وبـيــك زْهاتْ لـعْـرَايـشْ

حين مُوتي اَلْكْنـْفَاوي   تْدفــنـت معــــك لْهْوايـشْ

كُونْتِي تْعالجْ وتْـدَاوي    وْعـلـينَا ديـــــمَا طَايــشْ

تْحرك لْـكْبـادْ والكْلاوي  وتــْحييها بـْضَوْ لْفْتَايـشْ

ترضي الخَشبة والهَاوي  وانت ف زنادك عايـش

تْرْكُدْ لْمواج والرْغاوي   ومعهم لفنَار والرشايش

وبخيْطْ غُنْبَاجْ تْسَــاوي  مدلـول لْـــحْفَافْرْ والنــمايــش

تْــلاَّها زْمـــانْ سـْفـْسَاوي  دْرَّا لــفْــوَاسْ والـنقــايـــش

وسكنت لحجار والـكْدَاوي  قـبسة من طــوب وحنايــش

وجات الموت جمعت المطاوي  وتْكبْ الحزن عالعرايش

كما تحضر قفاشاته في هذا الصدد، عن جبالا ومدى حبهم للسفر من أعال الجبال إلى مدينة العرائش، للذهاب إلى دور السينما،  ولأكل المثلجات (بولو، ومانتيكا) في فترة الصيف، ولركوب قوارب (فلوكا) رأس الرمل للاصطياف... 

أتذكر إحدى محكياته الغنائية التي كان يحكيها لنا ونحن أطفالا صغارا، محكية: "العَيْلاَ دْجْبْلْ  والسُولَيْمَا"، والتي يقول فيها: "أَوْ تَشَاقْشَاقْ مَاهُو تَشَاقْشَاقْ؟ جَاتْ العَيْلاَ دْجْبْلْ. قَاتْلِي يَالاَهْ مْعَايَا. قُتْلاَ مَاهُو فَايْنْ؟ نْمْشِيوْ نْ لْمُودَيْنَة، نْتْفَرْجُو فْسُولَيْمة..".

عبد الرحمن الجباري مؤسِّسٌ رائد للمسرح الشعري الزجلي بالعرائش. وهو النسَّابة الضليع في علم الأنساب Généalogie بشمال المغرب، والحافظ للقصائد، الدواوين، المنظومات، المتون الشعرية للنوبات الإحدى عشرة للطرب الأندلسي، الحايك، وعددا من المتون الشعرية لعديد من الصنائع، البردة، الهمزية، الدعوة الناصيرية، والأوراد...

وهوالشيخ المادح الذي تفنن في مدح الرسول الكريم، بالطريقة المديحية العالمِة، لفن المديح والسماع الصوفي بالمغرب. لقد عهدتُ فيه أيضا ضبط الإيقاع السماعي الصوفي خلال مشاركاته الوازنة برحاب الزاوية البدوية بالقصر الكبير، وللا عائشة الخضراء، وللافاطمة بنت أحمد... فهو من كبار مشاييخ الذين يضبطون الأوزان والنغمات السماعية على منوال صنعة قدماء الرواد، وجهابدة فن المديح والسماع الصوفي أمثال: الشيخ  الجعفري، والروسي، والكشوري، واليعقوبي، والغربي...

رحم الله الأديب والفنان المتعدد سيدي  عبد الرحمن الجباري، وأحسن مثواه.

إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربنا وإنا بفراقك يا عبد الرحمن لمحزونون.

 

بقلم: أ.د. محمد الشاوي

 

 

 

بتاريخ السادس من آذار عام 1980، اعتقلت للمرة الثانية من قبل الأجهزة الأمنية في طهران. الاعتقال الأول كان في حزيران عام 1964، وقد أمضيت سبع سنوات في السجون الإيرانية إلى أن اطلق سراحي وجرى تحويلي في المركز الحدودي في المنذرية إلى الأجهزة الأمنية العراقية في أيار عام 1971. بعد الثورةالإيرانية لجأت من جديد إلى إيران بعد الهجمة الشرسة التي تعرض لها الحزب الشيوعي العراقي من قبل الأجهزة الأمنية العراقية في عام 1978، وكان من نصيبي أن ألتجأ من جديد إلى الأراضي الإيرانية بناء على قرار قيادة الحزب الشيوعي العراقي. وحسب الأصول جرى التحقيق وساهم في التحقيق نفس رجال الأمن الذين حققوا معي في عام 1964، وكأن ثورة لم تحدث في إيران عام 1979. بعد سلسلة من الإجراءات، استقر بي الحال في سجن "إيفين" المشهور في ضواحي العاصمة الإيرانية وفي القاطع الثالث من السجن. وقد شاركت في السجن مجموعة من السجناء من مختلف التيارات السياسية يسارية ووطنية وحتى دينية بعد أن جرى احتكار النشاط السياسي التيار الديني المتطرف والهيمنة على جميع مرافق الدولة. كنا نفتقر في السجن إلى الكتب وحتى الجرائد الرسمية، وكان علينا أن نستمع بإستمرار إلى الأدعية التي تنقلها مكبرات الصوت إلى المعتقلين، إضافة إلى قيام بعض طلبة الحوزات الدينية بإلقاء محاضرات على المعتقلين، وهي محاضرات تفتقر حتى إلى محتوى المضامين الموجودة في الكتب الدينية. فعلى سبيل المثال، جاء أحد المحاضرين وشرع بإلقاء محاضرة حول الكفر والكفار، وعرج على المسيحيين واليهود، واعتبرهم فصيلاً من الكفار الواجب إزهاق أرواحهم. بعد إنتهاء المحاضرة، بدأت الأسئلة تنهار على المحاضر، وطرحت أنا على المحاضر سؤالاً يتعلق بكفر المسيحيين واليهود الذين يعتبرون في النص القرآني من أهل الكتاب، وهناك آيات قرآنية تتناول المسيحيين بشكل إيجابي مثل سورة مريم وسورة آل عمران وغيرها من السور القراآنية التي تتناول الدين اليهودي، فكيف تنعتهم بالكفار خلافاً لما جاء في القرآن وهو المرجع الديني لك وللمسلمين. جن جنون المحاضر، وشرع بتوجيه السباب والشتائم إلى الشيوعيين الكفار، بعد أن عرف إنني شيوعي عراقي، ثم جمع أغراضه وغادر المكان على عجل وسط سخرية المعتقلين.

في السجن كان لدينا المزيد من أوقات الفراغ، كنا نجتمع أحياناً لإلقاء محاضرات حول مادة الفلسفة والتاريخ وتاريخ اليسار والحركات العمالية. ولكن يبقى لدينا الكثير من الوقت لنمارس أحياناً لعبة الشطرنج على سبيل المثال أو ألعاباً أخرى رائجة في إيران. ولكن كانت تواجهنا الكثير من العوائق والمحرمات لممارسة لعبة الشطرنج، لأنها كانت من الممنوعات في قوانين السجن الإيراني السارية بعد تولي الحكم من قبل رجال الدين في إيران. وهكذا كنا نسعى إلى صناعة بيادق الشطرج من خمير الخبز ونلعب بها بعد تنشيفها. كما سعينا إلى قيام بعض السجناء بالتناوب إلى تولي الحراسة خشية دخول الحرس وكشف جريمتنا بلعب الشطرنج خلافاً للأوامر الصدرة من إدارة سجن إيفين. في أحد المرات، حيث كنت أمارس لعبة الشطرنج مع أحد الرفاق الإيرانيين، وكان هناك سجين يتولى المراقبة خشية هجوم الحرس على غرفتنا. ولكن من سوء الحظ أن هذا السجين ترك مهمته من أجل قضاء حاجته في دورة المياه. وشاءت الصدف أن دخل الحرس وعثروا علينا متلبسين "بجريمة" ممارسة لعبة الشطرنج. وعلى الفور صدرت الأوامر الصارمة بإصطحابنا إلى إدارة السجن، حيث جاء حاكم الشرع، أظن أسمه كيلاني، وهو منصب قضائي لرجال الدين ساد بعد الثورة إثر إزالة المحاكم المدنية في إيران، وبعد قراءة نص الإتهام على طريقة حكم قراقوش، حكم حاكم الشرع علينا بعقوبة 20 فلقة جراء ارتكاب "جريمتنا". تحملنا إذى الفلقات بعد أن تورمت أرجلنا، وطلب منا الحراس الوقوف والرجوع إلى القاطع. أبديت عدم قدرتي على السير، وطلبت من الحرس لقاء حاكم الشرع. وبعد إصراري، جاء حاكم الشرع وقلت لها لدي سؤال واحد لا غير، وهو لماذا تعتبر لعية الشطرنج جريمة، وهي لعبة تشحن الذهن والفكر، وليست كالقمار الذي يهدر أموال خلق الله. وأجابني على الفور....فقهنا يحرم الشطرنج لأنه عندما جيء برأس الحسين إلى دمشق في بلاط يزيد، كان يزيد يلعب الشطرنج، ولذا فهذه اللعبة محرمة عندنا. وسألته على الفور، لنفترض أن يزيد كان يتناول الوجبة الإيرانية اللذيذة "چلو كباب"، فهل ستحرمون هذه الوجبة على عباد الله؟ ولم تمضي سوى ثوان معدودات حتى إنهال علي بالشتائم وأسوء العبارات، وشُحطت إلى غرفتنا في القاطع.

 

عادل حبه

 

 

محمود محمد علييعد محمد أحمد السيد أحد الأسماء الهامة واللامعة في سماء تخصص المنطق وفلسفة العلوم في مصر والعالم العربي؛ حيث أسهم بقسط وافر في بناء هذا الصرح، وتعد لبناته الفكرية والأدبية التي وضعها بالجهد والعرق بمثابة الأساس الذي بني عليه الكثيرون من تلامذته مشاريعهم الفكرية، ورؤاهم الفلسفي.

والدكتور محمد أحمد السيد هو أستاذ المنطق وفلسفة العلوم وعميد كلية الآداب جامعة المنيا بجمهورية مصر العربية، وهو أستاذ بقسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة المنيا والذي عمل معارا من قبل بجامعة الامارات العربية وجامعة الكويت، وقد حصل علي درجة الماجستير في الآداب عام 1982، ثم علي درجة الدكتوراه في الآداب (فلسفة) جامعة بوسطن، وله مؤلفات كثيرة نذكر منها: بول فيرابند: ثلاث محاورات في المعرفة وهو ترجمة وتعليق، والعلم والنسبوية تأليف لاري لودان ترجمة محمد السيد ونجيب الحصادي، ودراسة بعنوان العلم ليس غرضه اليقين وصد صدر في الكويت 2014، ودراسة بعنوان ما هي النسبوية – الكويت 2015، ودراسة عن الربيع العربي والتحول إلي الديمقراطية – الكويت -2015، وكتاب طرح السؤال المناسب: مرشد للتفكير الناقد بالمشاركة مع د. نجيب الحصادي، ودراسة بعنوان ما تبقي من الفكر المزدهر إلي أين انتهي الفلاسفة الفرنسيون العظام، الكويت 2016، وكتاب التميز بين العلم واللاعلم، وكتاب المشكلة الحقيقية ( الوعي، وكتاب نقد الصورة المبكرة للنموذج الإرشادي، ودراسة بعنوان هل نحن بمفردنا في هذا الكون، ودراسة بعنوان وقود المستقبل، ودراسة بعنوان عندما يصل العلم إلي أقصي مدي، ودراسة بعنوان وبحث منشور عن أزمة الفكر الفلسفي المعاصر، وبحث منشور عن علم النفس بين التشرذم والوحدة، وبحث بعنوان نسبية المعرفة عند بول فييرابند سنة 1997 وهي مشورة ضمن كتابه الذي ترجمه عن فييرابند بعنوان ثلاث محاورات في المعرفة، وبحث منشور الأسس المنطقية والعرفية للتكنولوجيا، وبحث هل العلوم الاجتماعية أدني مرتبة ؟، وبحث عن أخلاقيات الاستنساخ البشري، وبحث عن اللاقياسية واللاعقلانية في فلسفة العلم عند توماس كون، وبح عن دفاع عن العلم : نظرية لاكاتوش بين فلسفة العلم وفلسفة الرياضيات، وبحث النصوص الفلسفية المترجمة بين الأمانة والخيانة " لودفيج فتجنشتين وتوماس كون نموذجا"، وبحث بعنوان لودفيج فتجنشتين : رسالة منطقية فلسفية، قراءة في ترجمة دورية لوجوس، وبحث عن فرنسيس بيكون مجرب العلم والحياة، وبحث بعنوان من فلسفة العلم إلي تاريخ العلم، وبحث بعنوان التفكير الناقد والمغالطات المنطقية : دراسة في المنطق المعاصر، والأسس المنطقية للتفكير الناقد، وبحث بعنوان أنا أتمرد إذن أنا موجود.

وفي الأيام الماضية قام الدكتور محمد السيد بترجمة مقال لبرتراند رسل Bertrand Russell  وهو بعنوان كابوس جوزيف ستالين Josef Stalin's Nightmare، وبناء علي طلبي استأذنته في نشر المقال لقراء المثقف الزاهرة، ويقول المترجم ترجمت كابوس آخر من الكوابيس التي كتبها برتراند رسل. هذه المرة عن جوزيف ستالين الذي سيطر بقبضته الحديدية على الإتحاد السوفييتي السابق لعدة عقود. (كتب رسل المقال قبل وفاة ستالين عام 1953.

وفي هذا المقال يقول برتراندرسل : بعد أن تناول العديد من أقداح مشروب الڤودكا الممزوجة بالفلفل الأحمر، داعب النوم جفون جوزيف ستالين فغص في النوم بينما هو جالس على أريكته. بإشارة من الأصابع فوق الشفاه، حذر مولوتوف ومالينكوف وبيريا، خدم المنزل من المتطفلين الذين قد يقلقون راحة الرجل العظيم. وبينما هو غارق في نومه، والحرس يحيطون به إحاطة السوار بالمعصم، جال بخاطره الحلم التالي:

لقد خاض غمار الحرب العالمية الثالثة وخسرها، وهاهو قد وقع أسيرًا في أيدي الحلفاء الغربيين، لكنهم، بعد أن لاحظوا أن محاكمات نورمبرج أسفرت عن كثير من التعاطف مع النازيين، قرروا هذه المرة تبني خطة مُغايرة: لقد سلموا ستالين إلى لجنة رفيعة القدر من جماعة الكويكرز الدينية، الذين ظنوا أن قوة الحب يمكنها أن تُفضي حتى بستالين إلى التوبة النصوح وإلى العودة إلى حياة المواطن المهذب الوقور.

قرر الأعضاء ضرورة غلق نوافذ غرفته حتى ينتهوا من مهمتهم الروحية خشية أن يرتكب عملًا متهورًا، كما قرروا عدم السماح له بالوصول إلى أي آلة حادة مخافة أن يستخدمها، أثناء نوبة من نوبات الغضب، في إلحاق الأذى بأولئك المنخرطين في تقييم إعوجاجه. أسكنوه في منزل ريفي قديم مكون من غرفتين مريحتين، لكنهم أوصدوا في وجهه الأبواب، ما خلا ساعة واحدة من كل يوم كان يصطحبه خلالها أربعة من أعضاء الكويكرز الأشداء مفتولي العضلات في نزهة سريعة يحثونه خلالها على الاستمتاع بجمال الطبيعة وبزقزقة العصافير. سمحوا له خلال بقية اليوم بالقراءة والكتابة، لكنهم منعوا عنه أي مؤلفات وقر في أذهانهم أنها تحريضية. هكذا زودوه بنسخة من الكتاب المقدس، والقصة الرمزية المعروفة ’رحلة الحاج‘، ورواية ’كوخ العم توم‘. وكنوع من أنواع الترويح والعلاج سمحوا له بروايات شارلوت إم يونج، غير أنهم منعوا عنه التدخين واحتساء الخمر وتناول الفلفل الأحمر.

كان بوسعه أن يتناول مشروب الكاكاو في أي ساعة من النهار أوالليل، ويرجع السبب في ذلك إلى أن قادة الحرس كانوا من متعهدي جلب هذا المشروب الذي لا يسبب ضررًا، كما سمحوا له بتناول الشاي والقهوة ولكن باعتدال، وبالقدر الذي لا يحرمه من نوم هادىء مريح.

كان الرجال الأشداء المتجهمين المشرفين على رعايته يقضون معه ساعة كل صباح وأخرى كل مساء، يفسرون له خلالها مبادئ السعادة والمحبة المسيحية التي من شأنها أن تغمره لو فقط أقر بحكمتهم. أما مهمة الحوار العقلاني معه فقد عُهد بها إلى ثلاثة ممن وثقوا أنهم الأكثر حكمة من بين أولئك الذين كانوا يحدوهم الأمل في هدايته والأخذ بيده إلى جادة الصواب، وهم السادة طوبياس توجود وصموئيل سويت وويلابراهام ويلدون.

كان ستالين قد سبق وأن تعرف على هؤلاء الرجال أيام مجده الآفل قبل وقت قصير من اندلاع الحرب العالمية الثالثة حين سافروا إلى موسكو سعيًا لإقناعه بخطأ مخططاته وبالتوسل إليه ليعدل عنها. أخذوا يحدثونه عن البِر والإحسان والمحبة المسيحية، وطفقوا يتحدثون إليه بعبارات تأخذ بمجامع القلوب عن النشوه والبهجة التي يجلبها التسامح، كما حاولوا إقناعه بأن السعادة الحقيقية إنما تكمن في أن تكون محبوبًا لا أن تكون مُنفِرًا مكروه الجانب. مأخوذًا بالدهشة التي انتابته، أنصت إليهم بصبر لفترة وجيزة، لكنه سرعان ما انفجر في وجوههم وهو يصيح "ماذا تعرفون أيها السادة عن مباهج الحياة؟" ثم أضاف في غضب "يا لضآلة فهمكم لقيمة النشوة الناجمة عن السيطرة على أمة بأكملها عن طريق نشر الخوف والهلع، خاصة حين تتيقن بأن الجميع تقريبًا يرغبون في موتك لكن لا أحد يجرؤ على الجهر بذلك، مع علمك بأن أعدائك في أرجاء الأرض قاطبة منخرطون في محاولات عقيمة لسبر أغوار أفكارك الخفية، ومعرفتك بأن سلطانك سيدوم حتى بعد القضاء على أعدائك وحلفائك أيضًا. كلا، أيها السادة، إن طريقتكم في الإقناع لا تجدي معي فتيلا. عودوا إلى سعيكم الوضيع الذي تخفونه وراء قناع من الورع والزهد، لجلب المنافع، لكن دعوني وشأني لنهج حياتي الأكثر بطولة وشجاعة".

عند هذا الحد ألجمت المفاجأة أعضاء الكويكرز، وقفلوا عائدين بعد أن باء مسعاهم بالفشل انتظارًا لفرصة مواتية. بعد أن أضحى ستالين تحت قبضتهم، كان يحدوهم الأمل في أن يخضع وينصاع لمطالبهم. والأمر الذي يدعو للدهشة والعجب أنه بقي على عناده وصَلفه. لقد تراكمت لديهم الخبرة والحنكة من تكرار التعامل مع الأحداث الجانحين، حيث نجحوا في الكشف عن عقدهم النفسية وقادوهم عن طريق الإقناع والكياسة إلى الإيمان بأن الصدق هو الملاذ وخير الأساليب.

قال طوبياس توجود: "سيد ستالين، نأمل أن تكون قد أدركت الآن عدم جدوى طريقتك التي كنت تنتهجها في الحياة، ناهيك بما جلبته تلك الطريقه على العالم من خراب، أخبرني، هل هذا ما يجعلك رابط الجأش. عليك فقط أن تنظر إلى ما جلبته على نفسك، لقد هويت من قمة المجد إلى هاوية الذل والهوان، وعليك ألا تنسى أن ما تنعم به من سكينة وبحبوحة هنا مرده أن سجانيك لا يؤمنون بترهاتك. لقد ولت أيام البهجة الشبقية المجنونة التي كنت تتحدث بها معنا عندما زرناك أيام مجدك الغابر. ومع كل هذا فإذا تمكنت من كسر حاجز الكبرياء، وقبلت بالتوبة والندم على ما بدر منك، وإذا تسنى لك أن تعرف أن السعادة إنما تكمن في سعادة الآخرين، هنا فقط قد يصبح لك هدف وبعض السلوى والعزاء فيما تبقى لك من أيام على سطح هذه البسيطة".

عند هذا الحد هب ستالين صارخًا: "إذهب إلى الجحيم أيها الأحمق المنافق. لا أفقه شيئًا مما تقول سوى أنكم على القمة وأنا تحت رحمتكم في القاع، وأنكم ابتدعتم طريقة لازدراء حظي العاثر أكثر إذلالًا وإيذاءًا من أي مصائب اخترعتها خلال عمليات التطهير".

قال السيد سويتي: "مهلًا، كيف تبدو يا سيد ستالين بهذا التحامل والقسوة إلى هذا الحد؟ ألا ترى أننا لا نكن لك إلا كل خير؟ ألا تدرك أننا فقط نرغب في خلاص نفسك من خطاياها، وأن ما يحز في نفوسنا هو كم العنف والبغضاء التي غرستها في نفوس أعدائك وأصدقائك على السواء؟ نحن لا نرغب في إذلالك، ولو تسنى لك فقط أن تقدر القيمة الحقيقية للعظمة والسمو الكائن على الأرض، ستدرك حينها أن ما ندعوك له إن هو إلا الخلاص من الذل والمهانة"

صاح ستالين: "هذا أكثر من قدرتي على الاحتمال. عندما كنت صبيًا يافعًا، كنت أستطيع تحمل مثل هذه الأقاويل في مدرسة القديس جورج، أما الآن فلا يطيق أي رجل عاقل الانصات إليها. ليتني آمنت بوجود الجحيم، حيث كنت عندها سأتطلع إلى رقتكم الزائفة تتلظى بلهيب جهنم".

قال السيد ويلدون "خسئت، وبئس ما تقول يا عزيزي ستالين! أتضرع إلى الله ألا يستثيرك الغضب، إذ بالسكينة فحسب ستدرك حكمة ما نحاول أن نبينه لك".

قبل أن يتمكن ستالين من الرد، تدخل السيد توجود مرة أخرى بالقول: "أنا على يقين يا سيد ستالين بأن من يتمتع بذكائك الخارق لا يمكن أن يظل أعمى عن الحقيقة إلى الأبد، بيد أنك الآن بادي الاجهاد، وأرى أن تحتسي قدحًا من الكاكاو المُهدئ عوضًا عن الشاي المنبه الذي كنت تشربه".

لم يعد ستالين عند هذا الحد قادرًا على السيطرة على مشاعره. تناول إبريق الشاي وأطاح به تجاه رأس السيد توجود. انسكب السائل الملتهب على وجهه، ومع ذلك أضاف "رويدًا، على رسلك يا سيد ستالين، هذه ليست طريقة للحِجاج."

استيقظ ستالين وسط نوبة عاتية من الغضب، وهنا صب جام غضبه على مولوتوف ومالينكوف وبيريا، الذين ارتعدت فرائصهم وامتقعت وجوههم. غير أنه بعد أن أفاق من بقايا السُبات العميق، تبدد غضبه، وانغمس في ملذة تناول رشفة كبيرة من الفودكا الممزوجة بالفلفل الأحمر.

وفي النهاية نشكر سعادة الدكتور محمد احمد السيد علي ترجمته لهذا المقال، ودام لنا قلمه الرصين...

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

عبد الحسين شعبانظلّت طنجة الحلم الذي يُداعب عيونه

في تموز (يوليو) 2019 لبّيتُ دعوة كريمة من "مؤسسة المهرجان المتوسطي للثقافة الأمازيغيّة بطنجة" المعروف بـ"مهرجان ثويزا" للمشاركة في مجموعة محاضرات عن "كارل ماركس... اليوم" مع نخبة من مفكّرين ومثقّفين مغاربة وعرب، بينهم عبدالإله بلقزيز وفوّاز طرابلسي ونور الدين العوفي. وما أثار انتباهي في تلك المدينة التي أطلق عليها الشاعر الكبير الجواهري "مدينة الغنج والدلال" والتي أزورها على نحو مستمر منذ ربع قرن من الزمان هو الاحتفاء الكبير بماركس وتفاعل الجمهور المتطلّع إلى رؤية استشرافية نقدية جديدة له ولأعماله أيضًا وللتجربة السالفة بما لها وما عليها من محاولة تلمّس طريق جديدة وأساليب جديدة.

عودة ماركس

وكنتُ قد بدأت محاضرتي الموسومة "عودة ماركس" بالحديث عن الشاعر محمد مهدي الجواهري، وقصيدته عن طنجة التي "ينطلق الليل من جفنيها وينفرج الصبح عن نهديها" وقد وعدت القارئ العودة إلى حكاية الجواهري مع المغرب المثيرة والملتبسة خلال زيارته اليتيمة  تلك العام 1974، والتي حرّكت بعض الأوساط لتوجيه انتقادات شديدة للجواهري، تارة لاتّهامه بأنّه مدّاح الملوك وأخرى ليساريّته، مثلما استهدف بعضها دقّ إسفين بينه وبين السلطة في بغداد التي دعته للعودة من غربته التي دامت 7 سنوات عجاف على حدِّ تعبيره، وكرّمته ومنَحته راتبًا شهريًّا يرقى إلى راتب وزير في تلك الأيام، ولأنّ ذلك أغاض بعض الأوساط داخل السلطة وخارجها، فانبرى قسمٌ من الأدباء والمثقّفين العرب، بتحريض وتأليب مباشر أو غير مباشر لشنّ حملة عليه، وهو ما سنأتي للحديث عنه.

أمّا قصيدته عن طنجة فيقول فيها:

للهِ دَرّكِ "طَنْجُ" مِن وطنٍ               وقفَ الدلالُ عليهِ والغنجُ

الليل عن جفنيك منطلق                  والصبح عن نهديك منفرجُ

تتخالف الألوان في شفق                 ويلمّـها غـسق فـتـنـمزجُ

قلتُ مقتفياً أثر الجواهري في تلك الأصبوحية التمّوزيّة أنّ طنجة التي تحتفي اليوم بعودة ماركس، وإن تخالفت الألوان في شفقها، لكنها تعود وتلتئم في غسقها بامتزاج عجيب، وهكذا هي الرؤى حول ماركس، الذي يبقى الحلقة الذهبية الأولى في "التمركس" وبين "الماركسية" من بعده، أي "المادية الجدلية" وصنوها "الماديّة التاريخيّة"، خصوصًا بالبراكسيس والتجربة العمليّة وما أفرزته، بما ينسجم ويتناسق مع تطورات عصرنا وعلومه، علماً بأنّ العالم يدخل اليوم الطور الخامس من الثورة الصناعيّة في ظلّ العولمة، بتكنولوجيا الإعلام والمعلومات وثورة الاتصالات والمواصلات والقفزة الرقميّة "الديجيتيل" والتحوّل في "منظومة القيم في العصر الرّقمي"، وهو عنوان آخر لقراءة ماركس... اليوم.

محمد شكري

لا يمكن ذكر طنجة دون استحضار الروائي المغربي محمد شكري "الشحرور الأبيض" وغوايته، وخصوصًا روايته الذائعة الصيت "الخبز الحافي" التي اشتهرت مثل حياته المثيرة، فضلًا عن "مطعم اللونغوستينو" الذي كان مستقرًّا له، خصوصًا في آخر أيّامه لقربه من شقّته والذي أصبح لاحقًا "مطعم الخبز الحافي" وهو أقرب إلى متحف يضم آثار محمد شكري ويؤرّخ لحياته لما فيه من وثائق ورسائل وصداقات وقصاصات، وفي كل زيارة لي إلى طنجة لا بدّ أن أحتسي كأساً من النبيذ فيه؛ وبالمناسبة فقد كان المهرجان المتوسطي قد أعدّ حلقة أكاديميّة لنقد أعمال محمد شكري، وقد تسنّى لي حضورها كاملة والاستماع إلى المناقشات الراقية التي تخلّلتها.

لم يكن الجواهري وحده المعجب بطنجة والراغب للإقامة فيها، فقد سبقه فرانسيس بيكون الفيلسوف ورجل الدولة الإنكليزي (1561 - 1626) وتينيسي ويليامس الكاتب المسرحي الأمريكي (1911 – 1983) وترومان كابوتيه الروائي الأمريكي (1924 - 1984) وصموئيل بيكيت الكاتب الأيرلندي (1906 - 1989) وجان جنيه الشاعر والروائي والكاتب المسرحي الفرنسي (1910 - 1986) ورولان بارت الفيلسوف الفرنسي (1915 - 1980) وويليام بوروز الكاتب الأمريكي (1914 - 1997) وباول بولز المؤلف والمترجم الأمريكي (1910 - 1999).

عروسة المغرب

في طنجة يتعاشق البحران حيث يلتقي البحر المتوسط مع المحيط الأطلسي(باب العبور إلى القارتين) وبالقرب من مالاباطا (رأس المنارة) و"مغارة هرقل"، وفوق التلال المتعرّجة، يواجهك فضاء لا حدود له فحتّى الشمس، ولا سيّما وقت الغروب، تتحول إلى كرة برتقالية متوهجة مائلة إلى الاحمرار، أمّا الغيوم فلونها فضّي مطعّم باللازورد، ويبقى سوق طنجة الداخلي مقصد السيّاح حيث رائحة السمك تفوح من جانبيه، مثلما يكتظّ الباعة بشتّى الأنواع من البضائع والسلع والعطور والبهارات والأقمشة والمصنوعات الشعبية والثياب الجميلة.

مقهيان

مقهيان لا يمكن زيارة طنجة دون الجلوس فيهما، وقد يطول هذا الجلوس ويتكرّر، أحدهما وسط المدينة "كافّيه دي باريس" قبالة القنصليّة الفرنسية، وفيه واجهة خارجيّة مطلّة على الساحة وعلى شارعين متّصلين بها، مثلما لها أماكن جلوس داخليّة، وقد علمت أنّها  مسجّلة في قائمة اليونسكو ضمن الأماكن التراثية المطلوب الحفاظ عليها، وقد كان الجواهري الكبير معجباً بها وقارنها حينها بمقهى سلوفانسكي دوم التاريخي أو مقهى أوبزني دوم في براغ، على الرغم من أنها ذات نكهة أخرى.

وهناك مقهى "الحافة" الذي يطالع مضيق جبل طارق والذي كتب محمد شكري روايته "الخبز الحافي" فيه، وكان العديد من الأدباء قد زاروا هذا المقهى التاريخي الشهير ومن هؤلاء ألبرتو مورافيا ولوركا وجاك كروال وجان جنيه وشون كونري وبول بولز والطاهر بن جلون وأدونيس وسعدي يوسف وبلند الحيدري ومحمود درويش ومارسيل خليفة وآخرون، كما ارتاده الجواهري متطلّعًا إلى أُفق لا حدود له باتجاه الأندلس التاريخيّة وشاعرها ابن زيدون الأندلسي، حيث كان يرى من هناك إسبانيا بأضوائها التي لا تبعد أكثر من 20 كلم.

استذكار

استعدّت مع الشاعرة والمستشارة الثقافية المغربية وفاء العمراني زيارة الجواهري إلى المغرب، وما تركته من أجواء إيجابية،  وسألتني عن بعض الملابسات التي سمعتها، وبالضبط ماذا حصل وكيف ولماذا؟ وذلك في جلسة بحضور الشاعرة والإعلامية السورية نوال الحوار، التي هي الأخرى مغرمة مثلي بالمغرب عموماً وبطنجة وأصيلة خصوصاً، حيث يختلط الأدب بالفكر والبحر والجمال بالحرية والفن، وكان جوابي لهما أن تلك الزيارة والحفاوة الكريمة من المملكة المغربية أثارت ردود فعل معاكسة لدى بعض الأوساط العراقية والعربية، التي حاولت النيل من الجواهري همساً أو جهارا،ً وبالنميمة تارةً وأخرى بالتأليب حسداً، مثلما تركت ندوبًا غير قليلة على الجواهري ومزاجه، وظل مهجوسًا بردّة الفعل التي تسبّبت بها تلك الحملة، لا سيّما محاولات الإساءة الرخيصة والاستهداف المقصود.

أصل الزيارة - أصل الحكاية

الحكاية كما رويتها في كتابي "الجواهري جدل الشعر والحياة" وأحتفظ بتفاصيل أخرى أنّ موسى أسد الكريم "أبو عمران" أخبر الجواهري، بأن الدكتور بهاء الدين الوردي، وهو من عائلة الورد الكاظمية المعروفة، يريد التعرّف عليه واللقاء به، ولأن هناك كثرة كاثرة كانت تكدّر على الجواهري خلوته وتقطع عليه تأملاته وتداهمه أحياناً في المقهى ودون موعد وحتى دون أن يعرف مَن هم، فقد اعتذر، وحين كرّر موسى أسد المحاولة، غضب الجواهري جدًّا وأقفل السمّاعة بوجه الكريم، قائلًا له: لست فِرجة ليأتي الناس ويلقون النظر عليَّ، وكنت حينها في منزل الكريم القريب من منزل الجواهري في منطقة بتشيني – براغ (6)، لكنّ ذلك لم يثني الكريم من محاولة الاتصال بالجواهري مرّة أخرى، وحاول أن يشرح له علاقة الضيف بعالم الاجتماع عليّ الوردي، الأمر الذي استشاط الجواهري غضبًا أكثر وانفعالًا أشّد، علمًا بأنّني حذّرته من ردّة فعل الجواهري وانفعالاته، لكنّه حاول للمرّة الثالثة انطلاقًا من معرفته بالجواهري و"ميانته" معه، وثقته بنفسه وقدرته على إقناعه، وبالفعل نجح بذلك، فقد طلب من الجواهري الاستماع إليه إلى النهاية قائلًا له: إنّ بهاء الدين الوردي أديب أيضاً وقد عاش في فرنسا ودرس فيها وتخرّج منها وهو يحمل الجنسيّة المغربية ومقيمٌ في المغرب منذ تخرّجه في العام 1955 ومتزوج من فرنسية، إضافة إلى كونه طبيباً للعائلة المالكة واختصاصه بالأمراض النسائيّة، وهو في زيارة إلى براغ ويدعوك لزيارته في المغرب.

مطعم كوزموز

وبعد تردّد وانتظار حزم الجواهري أمره فبادر هذه المرّة هو إلى دعوة الضّيف وزوجته ومعهما أبا عمران إلى مطعم "كوزموز" القريب من منزله على العشاء، وقد استلطف الجواهري تلك الجلسة الحميمة وكرّر الوردي دعوته المفتوحة للجواهري لزيارة المغرب. وبعد عدّة أسابيع سأل الجواهري أبا عمران عن الدعوة، وبادر الأخير للاتصال بالسفير العراقي نعمة النعمة الذي أصبح وكيلاً لوزير الخارجية بعد ذلك سائلًا إيّاه بطريقته المملّحة: "هل تذهب الطائرة العراقية من براغ إلى كازابلانكا؟"، وهنا فهِمَ السفير اللمّاح، القصد وأوضح له أبا عمران أنّ الجواهري يروم زيارة المغرب، فقال له بالحرف الواحد: إذا قرّر الجواهري زيارة المغرب، فالطائرة العراقية ستصل بالطّبع إلى هناك بكل ممنونية وبعد أيّام أرسل تذكرة بدرجة رجال الأعمال للجواهري من براغ إلى الدار البيضاء ومنها العودة إلى براغ، وبالطبع ليس على الطائرة العراقية.

حين تحدّد موعد السفر أعطى الجواهري خبرًا للوردي عبر موسى أسد الكريم بموعد وصوله، والأخير بحكم علاقاته الوثيقة وصداقاته المتنوّعة ومكانته في المغرب تواصل مع الصحافة، لدرجة أنّ الجواهري فوجئ باستقبال مهيب وغير متوقع في المطار، واعتبرته وزارة الدولة للشؤون الثقافية والدينية ضيفًا عليها، في حين كان هو يرغب بزيارة شخصية. وتلك أصل الحكاية، وقد قوبل الجواهري بحفاوة بالغة واهتمام غير عادي، بما في ذلك من جانب البلاط، وقد أقام له الأديب الحاج امحمد أبا حنيني حفل عشاء بمنزله في 17 حزيران (يونيو) 1974 المصادف 27 جمادى الأولى 1394هـ، دعا إليه نخبة متميّزة من رجال الفكر والثقافة والأدب احتفاءً بالشاعر، كما حضر بعض الوزراء وعدد من سفراء الدول العربية.

طوق الكفاية الفكرية

وباسم جلالة الملك الحسن الثاني وشّح الوزير أبا حنيني الجواهري بوسام "طوق الكفاية الفكرية" وألقى كلمة عبّر فيها عن الأثر البالغ الذي خلّفته زيارة الجواهري للمغرب، وبادله الجواهري بكلمة جوابية عبّر فيها عن شكره لجلالة الملك على هذه الالتفاتة الكريمة، وألقى قصيدة بهذه المناسبة، كما تلقى تهاني الحاضرين، وكان قد شرع حينها بنظم قصيدة جديدة.

وجاء في كلمة "أبا حنيني":

حضرة الشاعر الأعزّ الأكرم، شاعر المجد وشاعر اللّفظ وربّ المعاني الدقاق محمد مهدي الجواهري؛ كلّفني صاحب الجلالة الحسن الثاني أطال الله عمره وأبقى الخافقين ذكره أن أُنيط بعنقك"طَوق الكفاية الفكرية" تقديرًا منه لآثارك وكفايتك، وهو العاهل الأديب العالم بأسرار الإبداع أيّة ما كانت مرابعه ومغانيه وأزياؤه ومبارحه... فما أعظم سعادتي بهذا التكليف وهذا التشريف؟

ويواصل أبا حنيني كلمته بالقول: ... لأنّك أغنيت لغة آبائك وعشيرتك وأعليت مكانها بين اللغات ورفعت مقامها إلى ذروة الاعتزاز وقمّة الابتهاء وأنت تجلو وترسم المشاعر وتبث الحقائق والخواطر وتنشر الأفكار والألحان وتنظم اللئالي والجواهر، كما يعبّر عن لقاء المغرب بالعراق مخاطبًا الجواهري بالقول "في شخصك الباسط جناحيه على بلاد العروبة من أقصاها إلى أقصاها، وفي أشخاص محبّيك وأخوتك من هذا الوطن الذي ظلَّ عبر القرون وسيظلّ بعون الله على مدى العصور معقلًا حصينًا من معاقل العروبة ومركزًا مرموقًا من مراكز إشعاع الفكر والثقافة".

واختتم كلمته البليغة بقوله: "سيطول ذكرك بيننا أيّها الأخ الأعزّ الأكرم وسيمتدّ بامتداد الأجيال والأزمان وما أجدر هذه البلاد التي أصفت لك المودّة وأخلصت لك الإعجاب أن تذكرها فيما تذكر من أقطار ويحدوك الحنين إلى العودة والمآب...".

وردّ الجواهري بكلمة مؤثّرة وبليغة جاء فيها:

"سيّدي ممثل جلالة الملك المعظّم.. يا معالي الأستاذ الجليل الوزير الأديب العالم أبا حنيني، إنّ لساني لقاصر عاجز عن التعبير عمّا تجيش نفسي به من أحاسيس ومشاعر وعواطف يزدحم بعضها البعض ويطفئ الواحد منها على الآخر، وأنّ مثل هذا الموقف الكريم النبيل الذي تقفونه منّي ممثّلين به تكرّم صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني العظيم عليَّ فيما يشرّفني به من هذا الوسام الرفيع "وسام الكفاءة الفكرية" وسام من ملكٍ جليل، هو بحدِّ ذاته شرَفٌ عميم، فكيف به وهو يحمل معه شرفًا ما أعظمه وما أجلّه، شرف أنّ حامله المتشرّف به ذو كفاءة فكرية، وأنّ الذي يشهد عليها هو أعلى مقام في هذا الوطن المغربي العظيم الزاخر بكل الكفاءات الخيّرة النيّرة وفي كل مجالات الفكر...".

وبعد أن أعرب عن قبوله تسلّم هذا الوسام الرفيع، شكرَ صاحب الدعوة أبا حنيني على الحفاوة وقال: إنّ هذه المناسبة الكريمة والتي حسبتها كرَمًا وحسبي تكريمًا أن تكون على يدكم وفي هذه الدار العامرة مع التماسة برفع ما لمستموه بأنفسكم من انفعالات معبّرة بما لا يعبّر عنه اللسان ولا القلم إلى مقام صاحب الجلالة.

ثمَّ أنشد الجواهري:

يا سيّدي... صاحب التاج الذي اعتمرت

به الخلائق من فهر ومن مضرِ

ويـا وديـعـة اقـبـال مـحـمّـدة

بـهـا تنزل " آيا" مُحكم السّور

ويا حفـيـظ حـضـارات مـورقة

ما زلت تطلع منها أطيب الثمرِ

تبقى... وتبقى مدى الآمـاد نافـحـة

بما نفحت بها من ذكرك العطرِ

قلّدتني من نجوم الفـكـر أروعـهـا

فليجزينّك عـنه أروع الفـكـرِ

وما عسى أن يقول الشـعـر في ملـك

غنى به شعراء البدو والحضـر

*****

يـا أيـّهـا الحـسـن الثاني... يئلنها

ولاة عهدكَ من أخلاقك الغـرَرِ

عهدتني قبل أن ألـقـاك مبـتـكـرًا

أما لديك فإنّي غير مبـتـَكـَرِ

لم ألِف صورة حسن اسـتـجـاش بها

إلّا وعندك منها أحسن الصـور

ما عاقني غير لطف مـنك قـيّـدنـي

إني لفَرطِ ابتهاج منه لـم أطـرِ

سلـمتَ ذُخـر تـراث أنت رونـقـه

يا خير مـدّخرٍ... عن خير مدّخرِ

هنا.. هنا.. يا رسول الشِّعر في خـضل

من الجنائن مدح ملهم... نـضـِرِ

في ظل ملك يعيد الشِّـعر مـزدهـرًا

وظل شعب لهديٍ منه مـزدهـرِ

"أرح ركابك من أين.. ومن عـثـر

كفاك جيلان محمولًا على خطـر"ِ

وقد اقتبس البيت الأخير من قصيدته الرّائيّة الشهيرة التي ألقاها في الاحتفال الذي أقيم له في كازينو "صدر القناة" في 3 كانون الثاني (يناير) 1969 بعد عودته من منفاه وكان قد حظي باهتمام رسمي وشعبي منقطع النظير.

ويبدو أن قصيدته "المغربية" أثارت حفيظة، بل غيض بعض المتربّصين ضدّه وكان الجواهري حينها قد قرّر الإقامة لبضعة أشهر في المغرب على الرغم من الحملة التي حرّكتها أيادٍ خفيّة لكنها كانت معروفة، فقد كتب غالي شكري مقالة مدوّية بعنوان "سقوط آخر العمالقة"، وكتب آخرون بأسماءٍ مستعارة مثل "حمدان القرمطي"، وإن ندم بعضهم كما عرفت، وكانت الأجواء السياسية السائدة مشجّعة على تلك الحملة، خصوصًا وقد أزعجها اهتمام الحكومة المغربية من أعلى مقاماتها إلى شتى الهيئات الثقافية والاجتماعية والشعبية بالجواهري، الذي لم ينظم قصيدة بهذا المستوى بأركان الحكومة العراقية، الأمر الذي كانت هناك مقارنات مستترة تجري داخل الوسط الرسمي السياسي والثقافي، ناهيك عن العداء الخفي والمعلن بين بغداد والرباط بحكم توجّهات البلدين في تلك الفترة، وقد وصلت أصداءه إلى الجواهري وهو في المغرب فنظّم قصيدة ألقاها في 20 أيلول (سبتمبر) 1974 بعنوان "تحية: ونفثة غاضبة" في مسرح محمد الخامس بالرباط، وكأنّه يستبق الردّ فيها على المستغلّين والنهازيّين كما كان يسمّيهم:

سماحًا إن شكا قلمي كلالا               وإن لم يُحسنِ الشعرُ المقالا

وإن راحت تُعاصيني القوافـي                   بحيثُ الفضلُ يُرْتَجَلُ ارتجالا

أتبغونَ الفُتوةَ عند هِمّ                     على السبعينَ يتّكلُ اتكالا

فما شمسُ الظهيرة وهي تَغلي          كمثل الشّمس قاربت الزّوالا

وقلتُ لحاقدينَ عليّ غيظًا                لأني لا أُحبّ الاحتيالا

هَبُوا كلّ القوافِلِ فـي حِماكُمْ             فلا تَهْزَوا بمن يَحْدُو الجِمالا

ولا تَدَعُوا الخصامَ يجوزُ حدًّا          بحيثُ يعودُ رُخْصًا وابتِذالا

وما أنا طالبٌ مالًا لأني                  هنالِكَ تاركٌ مالًا وآلا

ولا جاهًا، فعندي منه إرثٌ              تليدٌ لا كجاهِهِمُ انتِحالا

وبعد عودته إلى براغ وصادف أن جمعَتنا ضهيرة في سلوفافسكي دوم بحضور موسى أسد الكريم، وكان الجواهري شديد الغضب وحاد الانفعال، وبعد إلقاء التحية عليه والجلوس أخرج من جيبه رسالة شديدة اللهجة ضمنها تعريضًا بهؤلاء "المنافقين" كما أسماهم وبمن أوعز لهم عملية التجديف والتحريف كما أطلق عليها؛ وحين سألناه ما الذي حصل بالضبط؟ أجاب إنه قابل المعروف والإحسان والتكريم بالشكر والامتنان، وهذه إذا صدرت عن لسان شاعر تأخذ شكل قصيدة وإن خرجت من أفواهكما أو أقلامكما تأتي على شكل رسالة شكر وعرفان بالجميل، وسألنا أليس كذلك؟ وكان جوابنا نعم بالتأكيد. وبعد عدّة سنوات أعدتُ السؤال عليه بخصوص قصيدته عن محمد بن الرئيس البكر، فأوضح موقفه بالكامل بقوله: كما تعرف أنّ (الجماعة) كرّموني في حينها وعوملت بشكل خاص "استثنائي"، وقد كتبت بدافع "الوحدة الوطنيّة" والتئام الشّمل، بل إنّ ظروف المرحلة والواقع السياسي كانت تفرض بعض التوجّهات. وسبق أن أجابني على سؤالٍ سابق بذات القصد بقوله: لم أكن حينها خارج مزاجي وطموحي إلاّ مرة واحدة وهي التي قال عنها في حوارٍ نشرته قبل نحو ربع قرن: لم أغتصب ضميري سوى مرة واحدة والمقصود بذلك قصيدة التتويج التي كتبها يوم اعتلاء الملك فيصل الثاني عرش العراق العام 1953 والتي يقول في مطلعها:

ته يا ربيع بزهرك العطر الندي

وبصنوك الثاني ربيع المولد

ولكنَّه كتب بعدها قصيدة رائعة بعنوان "كفارة وندم" العام 1953 وقد نشرت في جريدة الرأي العام في 20 حزيران (يونيو) 1954 التي يقدِّم فيها نقداً ذاتياً جريئًا حيث يقول في مطلعها:

سيبقى-ويفنى نيزكٌ وشِهاب-

عروقٌ أبياتُ الدماءِ غِضابُ

إلى أن يقول في كشف حساب وتعنيف للنفس ومحاسبة لها في قصيدة "غاشية الخنوع" التي نظمها في العام 1956 في حفل تأبين شهيد الجيش السوري عدنان المالكي ومطلعها:

 

خلفتُ غاشية الخنوع ورائي

وأتيت أقبس جمرة الشهداءِ

إلى أن يقول في النقد الذاتي:

 

حاسبت نفسي والأناة تردُّها

في معرض التصريح للإيماء

بيني لعنت فلست منك وقد مشى

فيك الخمول ولست من خلطائي

ماذا يميزك والسكوت قسيمة

عن خانع ومهادن ومُرائي

أبأضعف الإيمان يخدع نفسَهُ

من سنَّ حُبَ الموت للضعفاء؟

 

ما أنت إذ لا تصدعين فواحشا

إلا كراضيةٍ عن الفحشاء

وعاد ليحدثني بموضوع الشاب محمد نجل الرئيس البكر فقال الجواهري: لقد قُتل بحادث سيّارة مؤسف وقد ربطتني به علاقة خاصة ولم أقل كلمة يُشمّ منها رائحة التملّق، وقد كتبت رثائيّة له عام 1978، فما العيب في ذلك؟ وأنتم كنتم في جبهتكم الغالية فرحون. وكان الجواهري على حقّ تماماً، ولكن للأسف لم يدافع أحد من موقع اليسار حينها عن الجواهري يوم شُنت الحملة عليه وفضّلت أوساطنا السياسية والثقافية الصمت وكأنها غير معنية بالأمر. جدير بالذكر أنّ مطلع القصيدة المذكورة (الخاصة بمحمد البكر) كان مؤثّرًا وهو الذي يقول فيه:

تعجـّلَ بـِشرَ طلعتـِكَ الاُفولُ             وغالَ شبابـَك الموعود غولُ

أمّا بشأن مقالته للردِّ على المتخرصين ومن يقف وراءهم كما أسماهم، فقد حاول موسى أسد الكريم ثنيه من نشرها ونجح بالفعل، إلّا أجواء غضبة الجواهري ظلّت مسيطرة عليه حتى بعد انقضاء فترة من الزمن، وظل يستعيدها بشكل مباشر أحياناً وبأشكال غير مباشرة في الغالب، وعبرّ عنها في مذكراته الموسومة "ذكرياتي" (جزءان، دار الرافدين، دمشق، 1988).

جدير بالذكر أنه في العام 1975 نشر قصيدته الرائيّة والموسومة "آليت" والتي يعود فيها إلى الحملة التي استهدفته، حيث يقول:

آليتُ أُبرِدُ حَـرّ جمري          وأديلُ من أمر بخمرِ

آليتُ أمتحنُ الرّجولةَ            يوم مَلْحَمةٍ وعُسر

ومُساومين على الحروف      كأنها تنزيلُ ذِكر

مَدّوا لعُريانِ الضميــرِ          يدًا بزعمِهِمُ تُعرّي

مـــاذا تُعرّي إنّـهـا               شِيَةُ الحُجول على الأغر

ومخنّثٍ لـم يُحتَسَـبْ             في ثيّبٍ خُطبتْ وبِكر

أقعى.. وقاءَ ضميرَه             ملآن من رِجسٍ وعُهرِ

كذُنابِ "عقربةٍ" لهـا سُمّ       على العَذَبات يجري

غالٍ كأرخصِ ما تكونُ         أجورُ غيرِ ذواتِ طُهر

لم يُعلِ قدريَ مدحُه              وبذمّهِ لم يُدنِ قدري

ثم يقول:

ومبارزينَ سلاحهم

أن لست ندَّ ذوات ظفرِ

أمنوا بعصمة صافح

عن كاشفي السوءات نكرِ

مثل "الفواحش" يحتميـ

ــــن بفحشهن، بأي سترِ

مستعبدين توارثوا

حقب التملك، والتسرّي

ومُسخرين فهم لدي

ــــك وهم عليك! لقاء أجر

وفي غمرة تلك الأجواء نظم الجواهري قصيدته الاقتحامية الأخرى: "أزح عن صدرك الزبدا"، التي نشرتها مجلة الرابطة الأدبية في النجف (تشرين الثاني/نوفمبر 1975)، انتقد العصر المليء بالزّيف والخداع وتحدّث عن سموّ النفس والكبرياء والشعر، وهو يعتبرها من أعزّ قصائده

أزح عن صدرك الزبدا                  ودعه يبث ما وَجدا ...

ولا تكبت فمن حقب             ذممتَ الصبر والجلدا

ويصل في القصيدة إلى ذروة الكبرياء والشموخ:

أأنت تخاف من أحدٍ             أأنت مصانعٌ أحدا

أتخشى الناس، أشجعهم      يخافك مغضبًا حردا

ولا يعلوك خيرهم               ولست بخيرهم أبدا

ولكن كاشف نفسًا                تقيم بنفسها الأودا ...

تركت وراءك الدنيا             وزخرفها وما وعدا

ورحت وأنت ذو سعة          تجيع الآهل والولدا…

وأعتقد أن قصيدته الموسومة "رسالة إلى محمد علي كلاي" نظمت في تلك الأجواء الانفعالية في براغ العام 1976 وكان أبا عمران يردّدها بصوته الرخيم ويطلب شمران الياسري "أبو كاطع" إعادتها أو إعادة بعض أبياتها، حتى أن "الدكتور" عمران نجل موسى أسد الكريم وكان حينها فتىً وهو لا يُتقن العربية، لكنه ظل يردّد بعض مفردات قصيدة محمد علي كلاي لكثرة تكرارها من قبلنا مثل "زندٌ بزند" و"فداءُ زندك" وهو يعتقد أن المقصود هو صديقنا عصام الحافظ الزند، وكثيراً ما كنّا نتبادل بعض كلمات هذه القصيدة من باب السخرية الحزينة، ففي مقدّمتها يقول الشاعر "تلاكم وخصمه فهزمه وأدماه ... فحاز على إعجاب العالم وملايينه" والتي جاء فيها:

يا مُطْعِمَ الدنيا وَقَدْ هُزِلَتْ

لحمًا بشـحمٍ منـه مقطوبِ

شِسْعٌ لنعلِكَ كلّ مَوْهِبةٍ

وفداءُ "زندِك" كلّ موهوبِ

وصدى لُهاثِكَ كلّ مُبتَكَرٍ

من كلّ مسموعٍ ومكتوب

***

يا سـالـبًا بجِمـاع راحتِـهِ

أغنى الغنى، وأعزّ مسلوبِ

ما الشعرُ؟.. ما الآدابُ؟.. ما بِدَعٌ

للفكر؟.. ما وَمَضاتُ أُسلوب؟

شِسْعٌ لنعلِكَ كلّ قـافيـة

دوّتْ بتشـريـق وتـغـريـب

* * *

يا سيّدَ " اللّكَماتِ" شـامخـةً

تهـزا بمنسـوبٍ ومحسـوب

***

يا سيّدَ "اللّكَماتِ" يَسْحَرُها

ذهبًا، بِذِهْنٍ منهُ مَشبوبِ

نحنُ الرعيةُ.. عِشْتَ من مَلِكٍ

بِمفـاخِـرِ "العَضَلاتِ" معصوب

زَنْدٌ بزندٍ.. والورى تَبَعٌ

لكما، وَ عُـرْقُوبٌ بعُرقوب

مَرّغْهُ.. مَزّقْ ثوبَ سَحْنَتِهِ

رَقّعْهُ من دَمِهِ بِشُؤبوبِ

لَدّغْـــه بـالنّـغَـزاتِ لاذعـةً

ما لـم يُـلدّغْ سُـمّ يعسوبِ

سَلِمَتْ يداك.. أأنت صُغْتَهما

أمْ صوغُ ربّ عنك محجوبِ

* * *

شسْعٌ لنعلِكَ كلّ موْهبةٍ

وَفِداءُ زندِكَ كلّ موهوبِ

وفي حوار لي معه في الثمانينات (منشور جزء منه في كتابي عن الجواهري - جدل الشعر والحياة) يقول الجواهري: لقد كشفت عن نفسي وبنفسي بسبعة مجلّدات دون تضخيم للذات، بل كنت كما أنا، أحب وأتحدى وأردّ الجميل وأذكر المعروف، حتى وإن اختلفت أو اختصمت أو أخطأت أو تطرّفت، وأشدّد مرّة أخرى لو كان هناك الناقد النظيف والأديب النزيه والكفوء بالمعيار الأخلاقي الذي تحدّثت عنه، لكان قد أعفاني من كتابة المذكّرات وكل شيء فيها موجودة في المجلّدات السّبعة.

وخاطبني الجواهري:

أريدك أن تتذكر شيئاً مشابهاً لما قلته عن المتنبي العظيم، فقد انتقد نفسه وكشفها وعنَّفها في موارد الغضب. ربمّا يكون ذلك غير معروف كثيراً أو لا يتردد على أفواه الناس، حيث ابتلى المتنبي بكافور مثلما ابتلينا أنا وأنت وغيرنا بمن ابتُلي بهم بما يضطرنا الواقع أو مجتمعاتنا بأن نبتلى بهذا الموقف أو بهذا الشخص أو بهذه المرحلة "وأن نقول فيه ما لا يستحق وأن نندم على ذلك وأن نكفّر عنه" فالمتنبي العظيم له غضبات نادرة، فحين ترك سيف الدولة وقصد كافور وكيف كان ذاك وكيف كان هذا، ثم كيف ندم على ذلك بالقول: 

وغادرتُ خير الناس طراً بشرِّهم

فعاقبني المخصيُ بالغدر جزيةً

وأصدقهم طرّاً بأكذبهم طرا

لأن رحيلي كان عن حلبٍ غدرا

ويمضي الجواهري بالقول: أستطيع في هذا الميدان أن أعدِّد لك الكثير من الشواهد والنقدات والغضبات وأنا فخور بها أيَّما فخر لأنني واجهت الأمور بشجاعة، عندما كتبت قصيدة "كفارة وندم" في عام 1953، وكلّ ما كتبته وما قلته كان ناجمًا عن قناعةٍ، سواء كنتُ مصيباً أم مخطئاً باستثناء تلك الحادثة،(يقصد قصيدة التتويج) وأكرّر أنها كانت مجرد قناعات رغم ما لحق بي من تشويهات أو تأويلات لهذه القطعة أو تلك القصيدة أو لهذا البيت أو ذاك، فهناك الكثير من الأشياء لا تزال قائمة عندي فيما يعدّه الآخرون مدخلاً للانتقاد والتعريض والشك، لكنني حتى هذه الساعة مازلت مؤمناً بها.

قلت للجواهري في الحوار المنشور يا أبا فرات: النقد الذاتي قوة وشجاعة، ولا يهم بعد ذلك أن يكون في الجبل الشامخ ثمة مغارات أو كهوف أو انحناءات أو انكسارات، لكنه يبقى مع ذلك جبلاً شامخاً واضحاً للعيان، يراه المرء من بعيد بعلوِّه وكبريائه.

وبالطبع فالمريدون والمحبّون لا يريدون أن يروا الأخطاء والنواقص، حتى وإن كانت بسيطة وطبيعية، ويحاولون تنزيه من يحبّون ويميلون له، أمّا الناقمون والكارهون فلا يرون بمن يكرهونه ويحقدون عليه سوى تلك الثغرات والمثالب ، حتى وإن كان صاحبها عبقرياً وأخطاءه صميمية تتعلق بقناعة أو اجتهاد، فالبشر خطاؤون حسب فولتير وعليهم أن يأخذوا بعضهم البعض بالتسامح، لأن التعصب والتطرف يبعدان المرء عن العقلانية والموضوعية ، وتلك المسألة تتعلّق بالسلوك الإنساني والانحياز العاطفي بالحب أو بالكراهية، وحين ينتقل هذا السلوك إلى دائرة السياسة أو الثقافة أو الإبداع سيكون أكثر حدّة من المجالات الأخرى، والظاهرة الجواهرية بما امتلكت من عبقرية ليست بعيدة عن تلك التجاذبات.

وأستطيع القول أنه لا يوجد مثل هذا الاندغام بين شاعر عظيم وحالة شعرية متجسّدة في إنسان من لحم ودم، وأكثر من عبّر عنها هو الجواهري نفسه في قصيدته عن الزعيم المصري الكبير جمال عبد الناصر الذي جمع المجد والأخطاء بقوله:

أكبرتُ يومكَ أن يكون رثـاء

الخالدونَ عهدتهم أحيــاء

لا يعصمُ المجدَ الرجال وإنمـا

كان العظيمُ المجد والأخطاء

تُحصى عليه العاثرات وحسبهُ

ما كان من وثباته الاحصاء 

لعل الجواهري يعبّر عن نفسه في هذه القصيدة، التي كان يتمناها لو قيلت بحقه، إذا لم يكن هو قائلها بحق عبد الناصر، وكنت قد سألته لو لم تقل هذه القصيدة بحق جمال عبد الناصر بحق من ستقولها، قال كنت أريد أن يقولها أحد بحقي فقد جمعت المتناقضات. وبتقديري أن كلّ تلك المتناقضات هي التي صنعت إسم الجواهري بما فيه من ألق وعنفوان وهو الإسم الذي صار يعرف به فيما بعد كأحد أعظم المبدعين العالميين في القرن العشرين.

لقد ظلت طنجة مثل الحلم الذي يداعب عيون الجواهري ويأتيه بين الفينة والأخرى وكم كان يُمنّي النفس بالعودة إليها، وحين وصلته دعوة للمشاركة في احتفالية مئوية الشاعر الأندلسي ابن زيدون هتف قلبه إنها طنجة مرة أخرى على الرغم من هواجسه المعروفة والتي تمت الإشارة إليها وبين التردد بالموافقة أو الاعتذار من المشاركة جاءه خبر تأجيل الاحتفال فحمد الله على ذلك، لكن طنجة ظلت عالقة بذهنه حتى أيامه الأخيرة، وكما يقول الشاعر سعدي يوسف:

لست أنا من يوقظ طنجة

من قال الحلم ينام؟

***

عبد الحسين شعبان

أكاديمي وأديب عراقي

 

 

 

عامر هشام الصفارنعى المجتمع الطبي العراقي أستاذ الجراحة المعروف الدكتور وليد شوكت الخيّال والذي وافاه الأجل يوم 23 آذار 2021 بعد معاناة من مضاعفات فايروس الكورونا.

وقد أصدر الراحل الخيّال قبل 12 عاما كتابه المعنون ذكريات العمر-السيرة الذاتية ..عن دار الضياء في عمّان وهو كتاب ب 240 صفحة من الحجم الكبير، راجع فيه الخيّال سيرة حياته منذ طفولته ومرافقته لوالده العسكري العقيد الخيّال خلال خدمته العسكرية، حيث يروي في كتاب مذكراته نشأته الأولى في الأعظمية ببغداد ودراسته في كلية الطب (على نفقة وزارة الدفاع) وتخرجه منها عام 1955. كما يصف د. وليد الخيّال في كتابه دوره في الجيش العراقي وخدماته الطبية ووصوله لرتبة لواء طبيب حتى أصبح مديرا للخدمات الطبية في وزارة الدفاع العراقية قبل ان يحال على التقاعد فجأة عام 1976. وقد أختص الجرّاح الخيّال في بريطانيا ومارس أختصاصه في مستشفيات العراق، حيث أجرى أول عملية زرع كلى لمريض عجز كلوي عام 1973 وذلك في مستشفى الرشيد العسكري. وقد أستمر الدكتور الخيّال بأختصاصه في جراحة الكلى والمجاري البولية حيث أسّس مستشفاه الخاص والذي عرف ببغداد بمستشفى الخيّال (تأسست عام 1967) وعالج فيه الآلاف من مرضى الكلى من العراقيين والعرب.

وفي لقاء تلفزيوني قبل عدة سنوات ذكر الدكتور وليد الخيّال أنه كان يحب التمثيل في المسرح، فساهم عندما كان طالب ثانوية ببغداد بنشاطات طلابية بهذا المجال. كما مثّل في مسرحية عطيل لشكسبير عندما كان طالبا في كلية الطب، كما كان الفنان العراقي المعروف يوسف العاني واحدا من أصدقائه المقربين.

ومن المعروف أن الدكتور الخيّال وبعد تخرجه من كلية الطب كان المرافق الطبي لآخر ملك في العراق؛ الملك الشاب فيصل الثاني، والذي كان مصابا بالربو القصبي، فيحرص على أن يكون الطبيب الخيّال معه في رحلات الصيد على أطراف بغداد. وتأتي هذه العلاقة بعد تقدير الملك لموقف شوكت الخيال الوالد العسكري وهو يساهم في حماية العائلة المالكة بعد حركة رشيد عالي الكيلاني عام 1941.

ويذكر الدكتور وليد الخيال أن الملك فيصل الثاني الشاب كان ينتقد خاله الوصي الأمير عبد الآله قائلا للخيال طبيبه، أن خاله سيخلق لنا مشكلة مع بريطانيا، كونه يتقرب أكثر وأكثر من أميركا، فهلا تجد لنا رئيس وزراء يستطيع الوقوف أمام خالي..؟! يسأل الملك... 

وقد أشرف الدكتور وليد الخيّال في بداية الستينيات على صحة الرؤساء العراقيين الذين توالوا على حكم العراق، فكان مشرفا على علاج القولون المتهيج للزعيم عبد الكريم قاسم، كما كان مقرّبا من الرئيس عبد السلام عارف بعد أن ساعده طبيا في فترة سجنه. وقد طلب عارف من الخيّال أن يعمل على تطوير المستشفى العسكري ببغداد. وفي عام 1964 فتحت الأيفادات العسكرية للولايات المتحدة الأميركية فاذا بالرئيس عارف يوفد الجرّاح الخيّال لأميركا حينذاك حيث أتم تدريبه الجراحي.

وقد كان الخيّال طبيبا للرئاسة العراقية لمدة 30 عاما في فترة السبعينيات وما بعدها.. كما نصح الرئيس المصري جمال عبد الناصر الذي كان يعاني من الذبحة الصدرية غير المستقرة.. فطلب ناصر من الخيّال أن يعالجه.. فنصحه بأن يزور مستشفيات لندن أو أميركا فرفض ناصر الفكرة، ولكنه بعد أيام زار موسكو للعلاج. وقد عالج الخيّال عام 1959 في أنكلترا المطرب العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ والذي كان يعاني من مضاعفات مرض البلهارزيا، حيث أجرى الخيّال عملية له للتخلص من الدوالي في المريء.

ومن المعروف أن مستشفى الخيّال ببغداد كانت واحدة من أهم المراكز لزراعة الكلى في العراق والوطن العربي، كما أعتبرته ألمانيا مركزا عالميا لزرع الكلى ومعالجة مرضى العجز الكلوي.

 

عامر هشام الصفّار

 

 

محمود محمد عليتوفيت الكاتبة المصرية نوال السعداوي الأحد الماضي، الموافق الثاني والعشرين من شهر مارس 2021، عن عمر يناهز تسعين عاما، بعد صراع مع المرض، وشكلت وفاتها صدمة للكثيرين من النساء اللواتي تحررن من ظلم أزواجهن، وآبائهن بفضل كتاباتها وتنويرها لهن، وقد نشرت صحيفة "الأهرام" المصرية على موقعها الالكتروني: "رحلت الدكتورة نوال السعداوي منذ قليل بعد صراع مع المرض".

وتعد نوال السعداوي من المؤسسين الأوائل للحركة النسوية بالعالم العربي، فمن خلال عملها كطبيبة نفسية منذ الستينات، شاهدت عن كثب معاناة النساء الريفيات، وانخرطت مبكرًا في الدفاع عن حريات المرأة وحقوقهن ضاربة ثقافة مجتمعها المحافظ عرض الحائط، وألفت في ذلك كتبًا تدين فيها تسلط الرجل الشرقي على المرأة العربية، وتظل الكثير من أفكار نوال السعداوي ذات أهمية كبيرة تتحقق من حيث كونها محاولة تثوير فكري للمجتمع، في اتجاه العقلانية، من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية بشكل عام، ذلك لأنها تؤمن بأن " قضية تحرير المرأة قضية سياسية بالدرجة الأولى لأنها لا تمس حياة نصف المجتمع فحسب، ولكنها تمس حياة المجتمع كله، إن تخلف المرأة وتكبيلها لا يؤخر النساء فحسب، ولكنه ينعكس على الرجال وعلى الأطفال، ومن ثم يقود إلى تخلف المجتمع كله (1).

ولدت الكاتبة نوال السعداوي في 27 تشرين الأول/ أكتوبر 1931م بمحافظة القليوبية وتخرجت من كلية الطب بجامعة القاهرة. بدأت رحلتها مع الكتابة في مرحلة الشباب وأصدرت عشرات الكتب التي تُرجم بعضها للغات أجنبية، كما تم منع بعض مؤلفاتها من التداول في مصر وبعض الدول العربية.

شغلت "نوال السعداوي" العديد من المناصب، مثل منصب المدير العام لإدارة التثقيف الصحي في وزارة الصحة بالقاهرة، والأمين العام لنقابة الأطباء بالقاهرة، غير عملها كطبيبة في المستشفى الجامعي؛ كما نالت عضوية المجلس الأعلى للفنون والعلوم الاجتماعية بالقاهرة. وأسست جمعية التربية الصحية وجمعية الكاتبات المصريات. وعملت فترة كرئيس تحرير مجلة الصحة بالقاهرة، ومحرره في مجلة الجمعية الطبية.

وأثارت مواقف "نوال السعداوي"، وهي طبيبة أمراض صدرية ونفسية، جدلا كبيرا خصوصا بسبب مجاهرتها في تحدي المحظورات المتصلة بثلاثية الدين والجنس والسياسة. فقد كافحت خلال مسيرتها ضد الحجاب وتعدد الزوجات وعدم المساواة بين حقوق الرجل والمرأة في الميراث. كما نالت شهرة كبيرة لانتقادها الصريح لظاهرة ختان الإناث الذي تعرضت له حين كان عمرها ست سنوات فقط.

وعلي مدي نصف قرن ونيف، لم تتوقف "نوال السعداوي" عن إثارة الجدل، ما بين قلة تناصر مواقفها، وأكثرية تري أن ما تدعو إليه هو محض جنون، وفساد وإفساد للمجتمع، مفكرة من طراز نادر، حياتها سلسلة متصلة من المعارك، كتبت في الصحف، ألفت الكتب، حاضرت في جامعات العالم، وأثارت الصخب في مختلف المؤتمرات والندوات التي مرت بها .. تعرضت للسجن، للنفي، أُهدر مها، اتهمت أمام المحكمة بازدراء الأديان، ورفع عليها أحد الإسلاميين قضية الحسبة للتفريق بينها وربين زوجها، كل الأسلحة الدينية، والاجتماعية، والسياسية، أُشهرت بوجهها، لكنها لم تستسلم ولم تنهزم حتي الآن، ولم ينفذ الحبر من قلمها رغم تجاوزها سن الثمانين (2) .

إلا أن "نوال السعداوي"، علي شهرتها التي شرقت وغربت، قد ظلت عند كثير من الناس مجهولة أو كالمجهولة، لا يعرفون عنها إلا النزر اليسير، إما استصغاراً لأمرها، وإما ترفعاً عما تخوض فيه من ضروب القول، أو لأسباب أخري ليس هذا بيان مجال بيانها (في هذا المقال) علي كل حال .

وهي إلي ذلك لم تفز من عناية الدراسين إلا بخط ضئيل يفيئ من القول، أو نصيب من الدرس مختلفون في شأنها اختلافاً كبيراً، فمنهم من ذهب في التحامل مذهباً بعيداً، فعرض بشخصها، وقبح رأيها، وشهر بدعوتها شر تشهير، ومنهم من مال إلي خلاف ذلك، فنوه بفضلها، وبارك عملها، وانتصر لدعوتها. أما الذين حرصوا علي الجد فيما يقولون وسلكوا سبيل التأني والموضوعية فيما يعلنون من آراء، فهم قليل من قليل، ولكنهم إلي ذلك لم يسلموا من التقصير، لأنهم اعتمدوا علي أثر واحد، أو طائفة محدودة من آثار السعداوي، فظلت نظرتهم جزئية (3).

تركت "نوال السعداوي" إرثاً كبيراً خلفها من كتب وأعمال ما تزال إلى اليوم تمتلك صدى واسع، وحملت في كتاباتها قضايا مهمة، وأهمها وضع المرأة فى الإسلام، وكانت تشتهر بمحاربتها لختان الإناث في مصر؛ وقد صدر لها "أربعون" كتابا، وأعيد نشر وترجمة كتاباتها لأكثر من "عشرين" لغة، وتدور الفكرة الأساسية لكتابات نوال السعداوي حول الربط بين تحرير المرأة والإنسان من ناحية، وتحرير الوطن من ناحية أخرى في نواحي ثقافية واجتماعية وسياسية ؛ وكانت نوال السعداوي قد بدأت الكتابة مبكرا، فكان أول أعمالها عبارة عن قصص قصيرة بعنوان "تعلمت الحب" في عام 1957، وأول رواياتها "مذكرات طبيبة" عام 1958. ويعتبر كتاب "مذكرات في سجن النساء" (1986) من أشهر أعمالها. ومن إصداراتها الشهيرة كتابا "المرأة والجنس" و"امرأة عند نقطة الصفر" اللذان أثارا ضجة كبيرة بسبب حساسية الموضوعات المطروحة فيهما.

وهي في كل هذه الأعمال تعكس موقفاً خاصاً من المجتمع وقضايا المرأة بشكل عام، وترسم صورة للرجل تعبر من خلالها، بوجه خاص، عن وجهة النظر المتطرفة لحركة التحرر النسائي العربية التي تستمد معظم أهدافها من حركة التحرر النسائي العالمي التي تقوم علي أساس الاعتقاد بإمكان تغيير العادات والتقاليد الموروثة، والوصول إلي نوع من التقريب والالتقاء بين الرجل والمرأة، أو حتي قلب الأوضاع السائدة، والدعوة إلي استخدام العلم الحديث لإيجاد جنس ثالث من المرأة والرجل، وذلك باستخدام علم الوراثة وما أحدثه من تقدم (4).

ومنذ نهاية تسعينيات القرن الماضي، كنت قد شرفت بقراءة روايات "نوال السعداوي"، حيث رضعت حرارة كلماتها، وحماسة حروفها علي الورق، وصدق مشاعرها، وشبابها المبكر في روايتي "تعلمت الحب" و " مذكرات طبيبة"، صورها القلمية للنساء المقهورات والثائرات علي حد سواء، ذلك المزيج الواقع والخيال، والحلم والحقيقة، والشقاء والمتعة، لحظات الضعف، حتي اليأس والموت، ولحظات الأمل والانطلاق إلي حياة أكثر جمالاً وعدلاً .

بيد أن أكثر الذين عرفوا نوال السعداوي، أو كتبوا عنها شيئاً، لا يذكرون إلا كتابها المشهور " المرأة والجنس"، وما جاء بعده من دراسات علمية، في قضية الجنس والمرأة، وفيها تقول السعداوي:" إن نظرتي للجنس نظرة علمية مخالفة تماما لقصص الجنس المبتذلة، والأفلام التجارية التي تعتمد الإثارة واستغلال جسم المرأة" (5) ؛ وهذه الدراسات هي علي التوالي: الاثني في الأصل (1974م) والرجل والجنس (1975م)، والوجه العاري للمرأة العربية ( 1977م) .

ونوال السعداوي من كاتبات اللغة العربية القليلات اللاتي يجمعن بين الفن والعلم، أو بين الأدب والطب، حيث تقول عنها الأديبة (مني حلمي):" حينما أقرأ روايتها " امرأة تحت الصفر "، أو امرأتان في امرأة، أو سقوط الأمام، أو براءة إبليس أو الأغنية الدائرية، فإنني أحس كأنما أصعد فوق جبل من الأحاسيس، هذه الكاتبة الحرة مثل الجبل الوعر، من الصعب صعوده، كلما زادت حرية المرأة ارتفعت قامتها وقمتها، هذا العقل القادر علي تجاوز الخيال المبتور الأنثوي والذكوري علي حد سواء، أي أن العقل والجسد لدي " نوال السعداوي" مادة واحدة للإبداع الأدبي، ومنهج يخضع للتحليل العلمي، إنها محاولة مفتوحة علي الأفق للكشف عن المخبوء وراء المكبوت، هذه الكتابة غير القابلة للكتابة باللغة المألوفة، أو بالحجاب المسدل علي العقل والجسد (6).

ومن هذ المنطلق وقفت "نوال السعداوي" مع كل الضعفاء والمستضعفين، ودافعت عن حقوقهم، وهذا منطلق يصعب علي أي إنسان منصف، متديناً، أو ملحداً، أو متشككاً، - أن يرفضه، فالمهمش، والمستبعد، يستحق مقومات حياة كريمة، وتركيز نوال السعداوي في نظر كثير من الباحثين يركز علي أن " نوال السعداوي " نابعة من خبرتها – كطبيبة وباحثة – بالمعاناة المركبة بالمرأة الفقيرة، فهي تعاني لأنها من عالم ثالث مستغل، وتعاني من كونها تنتمي إلي طبقة مستغلة، وأخيرا لنجس مستغل، فهي ضحية استغلال مضاعف (7).

لم تفضل "نوال السعداوي" بين قضية المرأة وقضية المجتمع، بل رأت فيهما تلازماً، ولم تعاد الرجل، وإنما أرادته زميلاً، ورفيقاً، لا سيداً وأميراً للمرأة .. وهي تتذكر فضل أمها عليها، كما تذكر فضل أبيها، فمن غير المعقول أن نتهمها بأنها ضد العائلة كوحدة اجتماعية (8).

ومن الكلام المرسل عن "نوال السعداوي" أنها متغربنة تأخذ بما يقوله التيار النسوي في الغرب، وهذا غير صحيح علي الإطلاق، فنوال السعداوي تفكر أولاًً وأخيراً بالعربية، ومن منطلق وطني ؛ فلا أنس أن هناك موقف مشرفاً من حرب تدمير العراق وحضارته، حيث كتب العديد من المقالات بالعربية والإنجليزية، ومنه مقالة باللغة الإنجليزية، بعنوان " أصر حرب الخليج علي النساء والأطفال"، نشرت في كتاب أعده وأشرف عليه وزير العدل الأمريكي السابق المناهض لسياسة الولايات المتحدة " رامزي كلارك" في كتاب بعنوان " تقرير عن جرائم الحرب الأمريكية ضد العراق "، وقد نشر هذا الكتاب في عام 1992م .

وفي نهاية هذا المقال لا أملك إلا أن أقول:" نوال السعداوي شكلت دوراً كبيراً في ثقافتنا الأدبية المعاصرة بعملها المتواصل والدؤوب في حقل المرأة .. لقد أوجدت نوال السعداوي فضاءً أصبحت فيه حقوق المرأة أمراً مسلماً به، وأصبحت قضية المرأة أمراً مطروحاً يقترب منه الجميع أفراداً ومؤسسات، حكومة وشعباً، ومن عباءة "نوال السعداوي" خرجت تيارات متعددة، وروافد مختلفة .. لقد فتحت نوال السعداوي باب حقل معرفي علي مصراعيه بهمتها، ودأبها، وتفانيها، وجعلت من هذا الحقل المعرفي قضية متناغمة مع تحرير الوطن وداخله في نسيج بنيانه .

تحية للدكتورة "نوال السعداوي" والتي أضحت الآن في دار الحق؛ وأقول .. فأنت يا سيدتي كمثل المرجان الذي لا يخفي بداخله إلا اللآلئ الصافية النقية .. فقد انجبتي (رحمكي الله) روائع جميعنا نعتز بها .. مرموقة تحمل الرقي بكل معناه .. متميزة بروحك وإخلاصك..... فذكراكي ومن تركتهم يحملون رائحتك كفيل بأن يبين للعالم بأسره أن ذكراكي لن تدفن معكي تحت الرمال.. فمن أنجبت مثلكي لم تمت.. رحمكي الله يا سيدي وأرقدي بسلام .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

.......................

الهوامش

1- ريمة لعواس: انعكاسات النظرية النسوية الغربية في كتابات " نوال السعداوي " أنموذجاً، دراسات معاصرة، المركز الجامعي الونشريسي تيسمسيلت - مخبر الدراسات النقدية والأدبية المعاصرة، مجلد 4، عدد خاص، 2020م، ص 138.

2- نفس المرجع، ص 138.

3- فرح بن رمضان: قد قرأت روايات نوال السعداوي، رسالة ماجستير غير منشورة، الجامعة التونسية، 1982، ص12.

4- صلاح منصور خاطر: صورة الرجل في الأعمال القصصية لنوال السعداوي، فكر وإبداع، رابطة الأدب الحديث، المجلد 50، 2009م، ص 118.

5- مني حلمي: نوال السعداوي كما أراها، أدب ونقد، حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، المجلد 17، العدد 192، 2001م، ص 26.

6- نوال السعداوي: المرأة والجنس، دار الشعب، القاهرة، 1973، ص 9.

7- فريال غزول: نوال السعداوى: الحب، الابداع، التمرد، أدب ونقد، حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، المجلد 17، العدد 192، 2001م، ص 14..

8- نفس المرجع، ص 14-15.

 

 

بهجت عباسقصّة وقصيدة*

هل يُمكن التخلّص من سرطان البروستات؟


 

نعم ولا. وكيف؟ فذلك يعتمد على المرحلة التي وصل إليها والتعامل معها. ذلك إنّه يبدأ من خلية عادية يُصيب جيناتها خلل/تشوّه لأسباب عدّة فتتحول إلى خلية سرطانية تنقسم بسرعة لامتناهية ومن دون سيطرة  فيتكوّن ورم أو أورام داخلها (البروستات). وقد يخترق هذا الورم البروستات فيستقرّ على سطحها الخارجي. وهنا إنْ انفصلت بعض خلاياه وانحدرت إلى الحويصلات المنوية Seminal vesicles المجاورة ومن ثّمَّ إلى الجهاز اللمفاوي ومجرى الدم، فتكون الطّامّة الكبرى، حيث تجري في الدم إلى أعضاء الجسم الأخرى، أيّا كانت، كالعظام والكبد والرئتين فيكون الانتشار metastasis ومع هذا فإنّه  ليس نهاية الحياة في بعض الأحوال، فقد يمكن التعامل معه (انظرالهامش في نهاية المقال*). أمّا إذا بقي الورم محصوراً داخلها أو إذا كان بطيء النموّ/التكاثر فقد يستمر طيلة حياة الرجل وليس ثمّة خطر منه.

وقبل أن أدخل بتفاصيل قصّتي عن هذا السّرطان الغامض المضلِّل أحبّ أن أذكر بعض الشيء عن البروستات التي هي غدّةَ جهاز التنـاسل في الذكر، تشبه الكستناء أو الجوزة شكلاً وحجماً وتقع مباشرةً تحت المثانة وأمام الشرج محيطةً بالجزء الأول من الإحليل (مجرى البو ل). أما تركيبها، فيتكون من 30% أنسجة عضلية و 70% أنسجة غُـدِّية بمنطـقـتين رئيستـين، داخلية (تفرز سوائلَ لترطيب البطانة الداخلية لمجرى البول) وخارجية (تنتج إفرازاتٍ مَـنَويّـة). السوائل التي تفرزها هذه الغدة ضرورية للحيامن (خلايا الذكر الجنسية)، فهي (السوائل) تغـذّي هذه الحيامن وتنشِّـطها، كما أنَّ الحيامن تمـرّ ُمن خلال قناة البروستات  إلى مجرى البول، ومن ثَـمَّ  تُطرح خارجَ الجسم. وتمـرّ قنوات القذف من الحويصلات (الأكياس) المنوية بالبروستات  لتدخلَ مجرى البول. تزن البروستات بضعة غرامات عند الولادة وتتضاعف عند البلوغ نتيجة الهورمونات الذكرية (أندروجينات) وتستمر بالنمو ليصل وزنها 20 غراماً عند سن العشرين وتتضاعف عند سنِّ الخامسة والعشرين مستمرة بالنمو حتى منتصف الأربعين، فيتوقف النمو مؤقتاً، ويستمر بعدئذ حتى نهاية عمر الفرد.

البروتين Prostate specific antigen (PSA)

بعتبر هذا البروتين الذي تفرزه خلايا البروستات فقط قياساً لتضخّم البروستات. ولكنّه عادة يفرز إلى المنيّ ليساعد عملية الإخصاب (حيث يمنع تخثّر المنيّ). وعندما تكون قناة البروستات التي عادة تفرز هذا البروتين إلى مجرى البول مسدودة أو ضيقة الفتحة نتيجة ورم خبيث، تنضح كمية كبيرة منه خارج البروستات إلى الدم، فيرتفع مستواه في الدم. إن ارتفاع هذا المستوى لا يعود إلى ورم خبيث فحسب بل إلى أسباب أخرى. ولكن بعض الأدوية والأعشاب تزيد من مستواه أيضاً مما يعطي نتائج كاذبة. لذا يمكن القول إنَّ مستوى هذا البروتين العالي في الدم يرتبط بسرطان البروستات وليس دائماً. أمّا مستوى تركيزه الطبيعي في الدم فهو بين 0-4 نانوغرام لكل مليلتر من الدم (نانوغرام = 1 من البليون- تسعة أصفار).

أمّا قصّتي فتبدأ في السنة الأخيرة من القرن العشرين حينما أخذ البروتين PSA يتصاعد شيئاً فشيئاً كلّ سنة عند الفحص المختبري. كان طبيب العائلة صديقي منذ أنْ كنت أعمل في الصيدلية وله خبرة في ممارسة الطبّ. فعندما فحص البروستات قال: إنّها صغيرة كبروستات طفل. صدّقته وفرحت إذ لمْ تكنْ لي خيرة بعد في هذا المضمار حينذاك. ولكنّ قلقي أخذ يظهر حينما قارب الـ PSA 4 نانوغرام/ مليلتر وأخذ يزداد كلّ عام. ففي عام 2004 قارب 5  نانوغرام،  فكان لزاماً أنْ تُجرى عملية أخْذِ نسيجٍ حيّ Biopsy وفحصه، وهذا ما جرى، وعند التحليل شخّصه الطبيب المختص بالمجاري البولية والذي هو بروفيسور في جامعة تورنتو على أنَّ ثمّة (بثرة) صغيرة في البروستات لا تستوجب القلق بالرغم من وجود بعض التضخّم الذي قد يكون التهاباً وكان العلاجُ  تناولَ مضادّ الحياة، فإن لم ينفع فقد يكون سرطاناً. أخذت العلاح ولكنّه لم ينفع.  وبعد فترة أُجريت عملية الـ  Biopsy مرّة أخرى فكانت النتيجة ذاتها، وجود (بُثر) صغيرة، وفي أواخر 2005 بلغ الـ PSA (5.5) والبروفيسور المختص لم يُبدِ اهتماماً أو قلقاً بل قال علينا أنْ ننتظر ونراقب! ولكنّ عام 2006 لم يأتِ بشيء حسن، بل أخذ هذا البروتين اللعين يزداد فكان الفحص بآلة التموجات فوق الصوتية Ultrasound التي أجراها إختصاصي قدير في مستشفى مختص بالسرطانيات والنتيجة هي وجود (حبيبات) سرطانية منتشرة في البروستات (لم يُخبرني أنّها أخذت تخترق البروستات لتظهر على سطحها) ولكنْ اقترح إجراء عمليّة جراحيّة ولا زرع حبيبات مشعّة للقضاء عليها. راجعت صاحبي البروفيسور الذي قال إنّها (بثر) غير سرطانية فوافق على إجراء العملية الجراحية. كان موعدي معه في منتصف شباط من عام 2007 لتحديد موعد العمليّة فلم يكنْ موجوداً ذلك اليوم بل مساعده والذي هو أستاذ مساعد في جامعة تورنتو وجرّاح أيضاً. قال لي بعد أن قرأ التقرير إنّ لديّ سرطاناً! كانت مفاجأة صادمة حقّاً، إذ أنني وحتّى قبل موعد الفحص بدقيقة كنتُ أعتقد أنْ لا سرطان لديّ! لذا اقترح أن يقوم بإجراء العملية بنفسه فقال إنّه سيقوم بها بواسطة الناظور Laparoscopy وستسغرق مدّة ثلاث أو أربع ساعات وإنْ لم تنجح فستكون العملية بفتح البطن وهذه ستستغرق مدة خمس ساعات أخر! يعني أنني سأبقى تحت مشرطه الغبيّ ثماني ساعات أو أكثر! واقترح موعد العملية بعد بضعة أشهر. صمّمتُ ألاّ أضع حياتي تحت مشرط هذا (الجرّاح) عديم الخبرة وهذا الموعد البعيد غير المحدّد! لذا كان عليّ البحث في الانترنت عن جراح ماهر في أميركا، فهناك أطبّاء يُمكن الاعتماد عليهم. بدأت أبحث في الشبكة العنكبوتية بعد أن قال لي طبيب العائلة إن ّ بعض المستشفيات في أميركا تجري عملية البروستات بالـ(كمبيوتر!) لم يطُل البحث كثيراً فقد وجدتُ ضالّتي في (خبير) في هذا المجال في مدينة ديترويت وفي مستشفى هنري فورد وكان  الدكتور ماني مَنَن. إتّصلت بالدكتور مَنن تلفونياً فأخذ المعلومات الضرورية في هذا الشأن، ولمّا لم يكنْ لديّ ضمان  صحّي Health insurance حيث الحكومة الكندية سوف لا تدفع لي أيَّ سنت، وأنني سأدفع التكاليف من جيبي، حصلت على تخفيض 35% وثبّتنا موعد العمليّة في 15 آذار 2007. أجرِيَت العمليّة التي دامت ساعتين ونصف السّاعة صباحاً وبذل الدكتور ماني مَنَنْ كل جهده حيث التقط كل خلية سرطانية، كما قال، وأصبح الموضع نظيفاً! وفي المساء أخذت أتمشّى في ردهة المستشفى وبعد أسبوع غادرتُ ديترويت إلى تورنتو.

استعمال الروبوت في عملية استئصال البروستات

يجلس الجراح أمام الكمبيوتر والكيبورد بينما المريض الذي تُجرى له العملية ممدّد على طاولة تبعد متريْن أو ثلاثة أمتار تقريباً عن الجراح، يشرف عليها مساعدون يُدخِلون آلات جراحية دقيقة جداً لا تتجاوز السنتيمتر الواحد حجماً مع كاميرا صغيرة جداً في جوف المريض خلال فتحات صغيرة في بدنه . تبدأ العملية بتحريك الطبيب هذه الآلات بواسطة الكمبيوتر والكيبورد فيبدأ المشرط باستئصال الشحوم والأنسجة الزائدة ليصل إلى موطن العضو المصاب، يساعده الملقط الذي يُمسك بها بينما (المساعد) يلتقطها ويمتص الفضلات ويطرحها خارج الجسم ويغسل الجرح الداخلي ثم تستمر عملية الاستئصال أو الجراحة مع (خياطة) الجرح الداخلي بواسطة هذه الأدوات الدقيقة، فتتم العملية بدقة تامة دون أن تلمس يد الجراح جسم المريض. فالرؤية المكبَّـرة ذات الأبعاد الثلاثة، وليس البعديْـن، تُمكِّن الجراح من إجراء عملية مضبوطة معقَّدة خلال فتحات صغيرة . هذه الأجهزة لا تتحرك تلقائيّـاً بل بأوامر الجراح . فعندما يحرّك الجراح المقود مثلاً نحو اليمين، تتحرك يد الروبوت حَدْساً / بدهيّاً نحو اليمين . والنقطة الهامّة في هذا الأمر هو أن يدَ أحسنِ الجراحين قد ترتعش أو ترتجف أحياناً، وهذا ما يؤثـِّـر على نتيجة العملية كثيراً أو قليلاً، ولكنَّ يدَ الروبوت ثابتة تماماً ممّـا تعطي نتائج مضبوطة . وهذا يعتمد طبعاً على مهارة الجراح في تحريك المقود والذي تكون عيناه ملتصقتين بجهاز الرصد الذي يُريه الصورة المُلتَقطةَ بالكاميرا مكبّرة المشهد. ليس من الضرورة أن يكون هذا الجهاز أسرع من العمليات التقليدية، ولكنّ الشفاء باستعمال الروبوت أسرع وأوفر حظّاً. وبعد عام تماماً، أيْ في شباط 2008 تتّصل سكرتيرة الجرّاح في تورنتو بالبيت، ولم أكنْ موجوداً حينذاك، لتحدد موعد إجراء العمليّة! فأخبرتها زوجتي بأنّ العملية أُجريت قبل عام وفي مستشفى هنري فورد فهنأتها السكرتيرة وقالت حسناً ما فعل!.

الآن وبعد مرور أربعة عشر عاماً، وليس خمسة أعوام للبقاء على قيد الحياة بعد العمليّة، كما خمّن الجراح البائس مساعد البروفيسور، لا تزال الحياة تجري، وليس ثمّة  علائم رجوع السرطان إلى صباه حتّى اليوم على أكثر الاحتمال والأعمار بيد الله. وهنا لعب الحظّ دوره، فلو كان البروفيسور هو، وليس مساعده، من قرر إجراء العملية وأعطاني موعداً قريباً لوافقت وستكون الكارثة، لأنها ستكون بأيد غير مكترثة وبطريقة تقليدية (فتح البطن) التي لنْ تكون بدقّة كما الروبوت، ولولا طبيب العائلة لم يُعلمْني ويُخبرْني بعمليّة استعمال الروبوت (التي سمّاها الكمبيوتر) لما بحثتُ ووجدت الدكتور مَنن، الخبير العالمي بإجراء هذه العملية والذي تدرّب على يديه كثير من الجراحين في إنكلترا وألمانيا وسنغافورة وغيرها، وقد أجرى حتّى ذلك الحين (2007) أكثر من ألف عملية استئصال بروستات بواسطة الروبوت. م

2332 بهجتبعد العملية مع الدكتور ماني منن ومساعده (ديتروت آذار 2007)

وعدت الدكتور ماني منن وأنا على سرير المرض (بعد العملية) أنْ أنظم قصيدة في حقّه فكانت (النطاسيّ والروبوت - بلغتين) فسرّ الدكتور ماني مَنَنْ بها وقال إنّها أحسن هدية تسلمها.

بطعام معتدل وممارسة تمارين بدنية بصورة منتظمة واتّخاذ تدابير صحيّة سارت الأمور في طريقها المطلوب. وفي كل سنة أقيس تركيز الـ PSA في الدم مرة أو مرتين يكون أقل من 0.02 نانوغرام أو بالآحرى لا يمكن رؤينه أو قياسه وهو رقم تقديري. وآخر مرة كانت في الثامن من آذار 2021 والنتيجة ذاتها لم تتغيّر.

وللتفاصيل عن البروستات وعملية الروبوت يُرجى النقر على الرابط التالي: (المثقف شباط 2011)

https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=44146&catid=183&Itemid=200

* ملحق: يقول بعض الباحثين إنّ الخلايا السّرطانية تكون في سبات بين فترة وأخرى فلا تتكاثر، ولكنّها تستيقظ من سباتها فتنقسم وتتكاثر والمصاب هو مَنْ يسبّب إيقاظها أو إطالة نومها من دون أن يدري، وكيف؟ بالغذاء والنشاط البدني يطول سباتها. وإيقاظها يكون بتناول اللحوم الحمراء والدهون والسكّريات  وتلوّث البيئة (المحيط) من هواء ردئ مليء بغازات سامة من أكاسيد الكاربون والنتروجين والكبريت وغيرها والخمول الجسدي والنوم الكثير. أمّأ (قتلها) فيكون بواسطة الأوكسجين (الهواء الطلق) بصورة خاصة والمواد الكيميائية ضدّ التأكسد الموجودة في بعض الأغذية التي تقتلها أو تُطيل سباتها (نومها) وأهمها تلك التي تحويها التوابل بصورة خاصّة مثل: الكركم والفلفل الأسود والزنجبيل (جنجر) والشاي الأخضر والموجودة في الخضروات كالقرنابيط واللهانة والبصل والطماطم والفجل الأبيض والفلفل بكل ألوانه وفي الحبوب كالذرة والرز الأسمر والماش والفاصولياء الحمراء. وقد وُجد أخيراً أنّ الذرة الصفراء أو الدخْن، الذي كنّا نستعمله كطعام للدجاج والطيور،غنّي بالألياف الذائبة وغير الذائبة، ويعمل ضدّ السّرطان كما أنّه أنفع من الرز للمصاب من مرض السكّر، حيث يكون هضمه بطيئاً مما يُبطئُ (تحرّر) السكّر منه في الأمعاء ومن ثّمَّ امتصاصه تدريجيّاً. وهذا لا يعني أن يحرم المصاب بالسرطان أو السكّر نفسه من التلذّذ بقطعة حلوى أو شريحة لحم أو أيّ غذاء آخر بين حين وحين، فالاعتدال جميلّ.

 

د. بهجت عباس

.....................

يمكنكم الاطلاع على القصيدة عبر الرابط أدناه مع الاحترام

بهجت عباس: النـّطاسيّ والروبوت

 

 

سعد جاسمهذا قطافي الشعري

خلال اكثر من ثلاثة عقود  من الاحلام والاوهام والاكتشاف والتجريب والحب والمغامرة والامل والألم والسفر والجنون والخسارات الثقيلة والجميلة وحروب الطغاة والديكتاتوريات الفنطازية والدموية والدراماتيكية والكارتونية والكاريكتيرية .

وكذلك معارك وحروب أَشباه أَصدقاء وأَعدقاء وأَدعياء وطارئين وحساد وحاقدين وحمقى ومعتوهين؛ وآخرين كانوا ولازالوا وسيبقون اكثر قسوة ورعباً ودسائس ومؤامرات وخيانات واساءات وتقوّلات وشتائم سوقية ومخجلة ومبتذلة من قبل هذا {البعض} و{الهوءلاء} والصعاليك لا النبلاء ولا الفرسان والأُميين المتشاعرين والمتثاقفين الكاذبين والباحثين المُزَيفين والمُزِيفين للحقائق الثقافية والادبية والفنية والفكرية والمعرفية والتاريخية والدينية والميثيولوجية والاسطورية بكل ابعادها ورؤاها وافكارها واسرارها ؛ ولاانسى كُتّاب التقارير الكاذبة والقذرة والسافلة والقاتلة؛ والتي لاأُخفي ولاأَكتم الآنبعد أَن استطعت إختطاف؛ شعلة حريتي الحقيقيية وغير المشروطة.

 نعم ... لقد اختطفتها بكل قوّة وحكمة وإجتهاد ومثابرة .

2327 سعد جاسم 1

ويمكنني أَن اقول: بكل صدق وشجاعة ووضوح: أَن بعض التقارير والدسائس والمؤمرات والتهديدات الخفيّة والعلنية قد أدّى بي بعضها الى  الاستدعاءات النهارية والليلية المُفاجئة والمخيفة من قبل رجال وأزلام شرطة وأمن ومخابرات مرعبين؛ وهُم من ذوي بدلات الزيتوني والشوارب الطويلة والمعقوفة المرعبة والمثضحكة في آن واحد ... وكذلك ادّت تلك التقارير بي لتوقيفات مؤقتة وتحقيقات إتهامية ومباشرة في سجون وزنازين ومكاتب حزبية ومؤسسات على اساس إنها ثقافية ولكنّها في الحقيقة ليست لها أَيّة علاقة بالثقافة بأَي شكل من الاشكال: وهي: (اللجان الاولمبيات والتجمّعات اللاثقافية والفروع والشعبات والفرق البعثفاشيات والحارثيات والحلّيات والديوانيات والعمونيات والكنديات والاوربيات والامريكيات والكنديات ... الخ ... الخ

2327 سعد جاسم 2

وأحب ان أَهمس في آذانكن وآذانكم صديقاتي وأصدقائي الأحبة:

أَنني والحمد لله على كل شيء (لقد إستطعتُ أَن أَنجو بإسطورة وإعجوبة وحكمة وبسالة من القتلة والسفلة والذئاب والثعالب والافاعي والابالسة والشياطين).

وإذا اردتن وأردتم الحقيقة؛ فإنني كنت قد نجوتُ بقدرة ربانية وطاقة روحية وإلهية ونورانية خلّاقة وعظيمة .

وأَنا نجوتُ أَيضاً من جحيمات الحروب والحزب الواحد وقسوة رجالات وأزلام وجنرالات {الاخ الكبير والطاغية العرّاب والقائد الضرورة} ..

ونجوتُ من كتّاب التقارير والمُخبرين الرسميين والمُتطوعيين والمتثاقفين والمثقفين القتلة والسفلة والاوغاد وأبناء الحرام .

2327 سعد جاسم 3

... نعم: لقد نجوتُ حقاً

والقادم أَروع وأجمل مادمتُ أَتنفّس وأُحب وأَقرأ وأكتب وأتأمّل وأَحلم وووووو إلخ ... إلخ ...

  وبعدَ الذي بعدهُ بعد:

كل الايام والاعوام وأنتم والشعر: بخير وحب وعافية وسلام وألق وإبداع

وسلاماً للشعر ولكم: اصدقائي وصديقاتي وإخوتي وأخواتي وزملائي

2327 سعد جاسم 4

وزميلاتي وقرائي ومتلقي نتاجي الشعري الذي هو وأنا: 

طفلان بارعان ومشاكسان

وعاشقان وناصعان

لايكبران ولايشيخان ابداً ... أَبداً

2327 سعد جاسم 5

 وأَبهى تحياتي ومحبّاتي لكم جميعاً: أَحبائي وأصدقائي وأَعدقائي الأقوياء والنبلاء والمبدعين؛ وليس الضعفاء والمنطفئين وصفر الوجوه ومرضى القلوب وأشباه الرجال والمُقنّعين بكمامات الاختفاء والغياب والهروب والاوبئة التي تشبههم لأنها: فاتكة وملعونة ومعتوهة وجبانة وقذرة وشيطانية .

 

سعد جاسم