محمود محمد عليبالأمس تلقيت ببالغ الحزن والأسى نبأ وفاة العالم والمفكر والناقد البارز، وزير الثقافة الأسبق، الدكتور شاكر عبدالحميد، عن عمر يناهز الـ69 عاما، إثر اصابته بفيروس كورونا، وشيع جثمانه بمسجد الشرطة بالشيخ زايد، عقب صلاة الجمعة، ودفن بمقابر العائلة بطريق مصر- الإسماعيلية.

ولا شك أننا جميعا قد فجعنا برحيل أحد الوجوه البارزة على الساحة الثقافية المصرية والعربية، ولكن ما يخفف من وقع الفجيعة على قلوب أصدقاء الفقيد ومحبيه، وتلامذته وعارفي فضله، أنه باق بيننا بسيرته العطرة، خلقا وعلما ونزاهة، في سائر ما تولاه من أعمال وشغله من مناصب، سواء على الصعيد الأكاديمي أو الثقافي.

ويعد شاكر عبد الحميد (رحمه الله) واحداً من كبار علماء النفس الذين يطلق عليهم لقب المثقف الشامل الذي ضرب بسهام وافرة في فروع العلوم الإنسانية والآداب والفنون علي اختلافها: الشعر، والقصة القصيرة، والرواية، والسينما، والفنون التشكيلية، والفلسفة، وعلم النفس، وعوالم التصوف والنقد الأدبي.

وقال عنه الدكتور محمد السيد إسماعيل في مقال نشره عنه بعنوان " شاكر عبد الحميد قارئاً لعفيفي مطر: ثراء المعرفة وفطنة التأويل:" .. لقد تجاوز د. شاكر عبد الحميد ثنائية المناهج الخارجية: التاريخية – الاجتماعية – النفسية والمناهج الداخلية: اللغوية – الأسلوبية –البنائية مقترناً مما يسمي الآن بعلم النص الذي يدرس بنية النص وكل ما يتعلق بها من أفكار المؤلف وتاريخ الكتابة وسياقها الاجتماعي والثقافي وهو نهج يقترب بشموليته مما يعرف بالنقد الثقافي .

غاية  القول أن هناك صعوبة في تصنيف د. شاكر عبد الحميد وإذا شئنا توصيفاً مقارباً نستطيع القول إنه يتبع ما يمكن أن أسميه بالمنهج "المعرفي" التأويلي الذي يؤصل الظاهرة ويعرض تطورها التاريخي ويجعلها مدخلاً لقراءة النص، وبهذا فإنه يتحرك في مساحة  واسعة من النص إلي الواقع، ومن الواقع إلي النص، ومن النص إلي صاحبه، وإلي النصوص المناظرة أو الرافدة في حركة دائبة مستندة علي ثراء معرفي باذخ وفطنة نافذة في التأويل ".

وقال عنه الدكتور رمضان بسطاويسي في مقاله  " المشروع العلمي للدكتور شاكر عبد الحميد (دور الفلسفة في رؤيته): "إن المشروع الفكري والجمالي لشاكر عبد الحميد متعدد الجوانب، فقد قدم عبر مشواره العلمي والإبداعي رؤية الفن والحياة وقدم تطبيقات مختلفة لهذه الرؤية في دراساته النقدية المتنوعة، تتبع النظريات الفلسفية، من زمن أفلاطون وأرسطو،إلي كانط وسارتر، وغيرهم، وصولا إلي الفلاسفة الذين يحيون الآن، مقتديا بتصورهم عن عملية  التذوق للفن.. وشاكر عبدالحميد من مواليد 20 يونيو 1952 بأسيوط بصعيد مصر، عمل أميناً عاماً للمجلس الأعلى للثقافة، وكان سيادته قد حصل على درجة الليسانس تخصص علم النفس من جامعة القاهرة عام 1974م، كما حصل علي درجة الدبلوم تخصص علم النفس التطبيقي تخصص علم النفس الإكلينيكي من جامعة القاهرة عام 1976م، كما حصل على درجة الماجستير تخصص علم نفس الإبداع من جامعة القاهرة عام 1980م، كما حصل علي درجة الدكتوراة تخصص علم نفس الإبداع من جامعة القاهرة عام 1984م، وعقب ذلك أخذ يباشر حياته العلمية والاكاديمية إلي أن تولى منصب وزير الثقافة بوزارة كمال الجنزورى في ديسمبر 2011، وهو أستاذ متخصص في دراسات الإبداع الفني والتذوق الفني لدى الأطفال والكبار وله مساهمات في النقد الأدبي والتشكيلي أيضا، ثم تولى منصب وزير الثقافة بوزارة كمال الجنزوري في ديسمبر 2011.. عمل أستاذا بجامعة الخليج العربي – مملكة البحرين (كلية الدراسات العليا، مديراً لبرنامج تربية الموهوبين).

ومن الجوائز التي حصل عليها: «جائزة شومان للعلماء العرب الشبان في العلوم الإنسانية»، والتي تقدمها «مؤسسة عبد الحميد شومان» بالمملكة الأردنية الهاشمية عام 1990، و«جائزة الدولة للتفوُّق في العلوم الاجتماعية» - مصر 2003.

وقد لا يعلم الكثير أن شاكر عبد الحميد (رحمه الله) دخل قسم الفلسفة في كلية الآداب – جامعة القاهرة، وحين فتحت شعبة علم النفس دخلها، وعين معيدا بالجامعة في بداية حياته، وقد انتبه لدور الفلسفة في التأسيس لأي رؤية فكرية بشكل مبكر في حياته، مما جعل في كل أعماله يهتم بالبعد الفلسفي لتأسيس رؤيته، ونجد هذا واضحاً في جل أعماله  وذلك حسب ما ذكره أخي وصديقي رمضان بسطاويسي.

ومن مؤلفاته نذكر لي سبيل المثال لا الحصر: العملية الإبداعية في التصوير، السهم والشهاب (دراسات في القصة والرواية العربية)، الطفولة والإبداع (سلسلة في خمسة أجزاء)، في علم النفس العام (بالاشتراك مع آخرين)، دراسات نفسية في التذوق الفنى (كتاب يشمل على ستة أبحاث حول تذوق الأدب وتذوق الفنون التشكيلية، إضافة إلى مقدمة نظرية)، الأسس النفسية للإبداع الأدبي في القصة القصيرة خاصة، الآثار السيئة للمخدرات من الناحية العلمية، الأدب والجنون، علم نفس الإبداع، المفردات التشكيلية ـ رموز ودلالات، الاكتشاف وتنمية المواهب، الحلم والرمز والأسطورة، دراسات في حب الاستطلاع والخيال والإبداع بالاشتراك مع أد. عبد اللطيف خليفة، التفضيل الجمالى ـ دراسة في سيكولوجية التذوق الفنى، الفكاهة والضحك، عصر الصورة، الإيجابيات والسلبيات، الفكاهة وآليات النقد الاجتماعى (بالاشتراك)، آليات الإبداع ومعوقاته في العلوم الاجتماعية، الفنون البصرية وعبقرية الإدراك، الخيال من الكهف إلى الواقع الافتراضي، الفن والغرابة. القاهرة، الغرابة المفهوم وتجلياته في الأدب، الفن وتطور الثقافة الإنسانية، التفسير النفسي للتطرف والإرهاب، مدخل إلى الدراسة النفسية للأدب، الحلم والكيمياء والكتابة - في عالم محمد عفيفي مطر.. وهلم جرا.

هذا بالإضافة  إلي الكتابات النقدية، وهي تشتمل علي مجموعة من الكتابات التي قام خلالها بتوظيف علم النفس ودراسات الإبداع في مجالات النقد الأدبي والتشكيلى والسينمائي منها، تمثيلاً لا حصرًا.

علاوة علي أنه قدم ترجمات كثيرة نذكر منها: الأسطورة والمعنى، تأليف: كلود ليفى شتراوس، بدايات علم النفس الحديث، تأليف: و.م.أونيل، العبقرية والإبداع والقيادة دراسات في القياس التاريخي، تأليف: د.ك. سيمونتون، الدراسة النفسية للأدب، النقائص، والاحتمالات والإنجازات، تأليف مارتن لنداور سيكولوجية فنون الأداء، تأليف: جلين ويلسون، قبعة فيرمير، تأليف: ثيموتي بروك، بيولوجيا السلوك الديني: الجذور التطورية للإيمان والدين، تأليف: جي.آر. فيرمان، ثلاث أفكار مغرية، تأليف: جيروم كاجان، الحرية والانضباط في الإبداع، تأليف: فيليب جونسون ليرد، دستويفسكى وجريمة قتل الأب، تأليف:  سيجموند فرويد.. وهلم جرا.

وفي تلك الكتب نود الإشارة إلي أن شاكر عبد الحميد قد بدأت حياته العلمية كما يقول رمضان  بسطاويسي بدراسات في النقد الأدبي حيث أصدر كتابا لافتا هو السهم والشهاب واستكمل بعد  ذلك دراساته في التخصص في مجال علم النفس كان يهتم بالأدب والفن، ولكن  اهتمامه بهما كان من قبيل الهواية وبحكم دراسته للإبداع في القصة القصيرة في مرحلة الماجستير بدأ يهتم بالنقد للقصة القصيرة والرواية، وكان منهجه أن كل عمل يفرض طريقة تناوله، فمثلا في بعض أعمال إدوار الخراط، ومحمد مستجاب، وغبراهيم عبد المجيد، وعفيفي مطر، وعبد المنعم رمضان، ومحمد سليمان، وسعيد الكفراوي، ويوسف أبو رية، كان يستخدم  المنهج الأسطوري الذي يعتمد علي أفكار جاستون  باشلار، ونور ثروب فراي، مع مزجها بأفكار كارل يونج، وفوريد لتفسير الأساطير،  والأحلام، والرموز في هذه الأعمال . وفي أعمال أخري ليوسف إدريس، ويحيي الطاهر عبد الله، وأحمد الشيخ وغيرهم، كانت بعض المفاهيم النفسية، مثل صورة الذات، وصورة الآخر هي المدخل لتفسير هذه الأعمال . وفي أعمال أخري من الممكن استخدام مناهج أخري، مثل إبراهيم أصلان، ومحمود الورداني وغيرهم، وهي أعمال تستحضر فكرة المكان وتجلياته وخصائصه . ففي أعمال محمد البساطي استوقفته فكرة المتاهة، وهو له منهج محدد ولكن هناك تركيز علي الأبعاد السيكولوجية،  ولذلك يعتبر نفسه واحدا من الذين نقلوا المنهج السيكولوجي في دراسة الأدب من مجال الدراسات الأكاديمية المتخصصة التي تتم علي المبدعين كأشخاص إلي مجال الاهتمام بالتفسير النفسي لأعمال هؤلاء المبدعين، ولديه أكثر من ستين دراسة في هذا الاتجاه لم يتم تجميع معظمها في كتب، فالاهتمام بالأدب والفن كان من فائض الطاقة، أو هو التطور الطبيعي للاهتمام بالإبداع كتخصص أكاديمي . وفي دراساته النظرية يقدم نقداً للحياة اليومية فمثلا حين يقدم ثقافة الصورة فقد أصدر كتابا جديدا يعد رائدا في مجاله في اللغة العربية هو "عصر الصورة"، والكتاب صدر في طبعته الأولي عن سلسلة عالم المعرفة بالكويت، ثم صدر مؤخرا عن مشروع مكتبة الأسرة في طبعة شعبية . يتناول الكتاب تطور مهوم الصورة من أرسطو حتي عصرنا هذا، الذي تحولت فيه الصورة عبر التقنيات الحديثة إلي قوة قادرة علي تشكيل ذاكرة العالم وتدشين فلسفة  جديدة تنتمي إلي ما بعد الحداثة تحل فيها الصورة محل الأصل، وتقوم في أحيان كثيرة بدورها .

وشاكر عبد الحميد أحد أبرز النقاد والاكاديميين الدين اجتهدوا في سحب علم النفس إلي مناطق موغلة في الأهمية، وتعد القراءة النفسية للإبداع والجنون من أهم الموضوعات التي تناولتها بحوث شاكر عبد الحميد،فضلا عن  قراءاته النقدية المستندة علي خلفية الدراسات النفسية، وفي كتابه " التفضيل الجمالي، يبين كما يقول بسطاويسي أن الجمال يقوم علي التماثل والانسجام، ويبين  ذلك من خلال بيان أن  فكرة التماثل أو  التناسق أو الانسجام فدرة قديمة تعود إلي أيام فيثاغوس، وأفلاطون، وأرسطو، لكنها فكرة نسبية أيضا. وقد حاول بعض علماء النفس، أمثال عالم النفس " فيختر" أن يخضع هذه المسألة للتجريب،  والبحث،  أو القياس، فكان يسأل بعض رواد المتاحف في ألمانيا عن الأسباب التي تجعلهم يفضلون هذه اللوحة عن  تلك، وقام بهذه المسألة علي أشياء أخري غير اللوحات، مثل أحجام الكتب، وبطاقات البريد،  والتماثيل الفنية وغيرها، وقال بوجود ما يسمي بالقطاع الذهبي،أي نسبة معينة بين ارتفاع التمثال وعرضه، وقال إن هذه النسبة ثابتة، لكن التطور العلمي بعد ذلك أثبت عدم قدرة هذه الأفكار رغم استمراها، أو استمرار وجودها حتي الان في مسابقات اختيار ملكات الجمال وجراحات التجميل وغيرها.

كذلك قدم شاكر عبد الحميد إسهاما حول الجنون والعبقرية، وربط بينهما، وبين أن هناك عدة نقاط في هذا الجانب أن النظرة التي تربط بين الإبداع والجنون، تقوم علي أساس الربط السطحي بينهما في حين أننا لو تعمقنا في المسألة سنجد فروقاً كثيرة بينهما منها تمثيلا لا حصرا: أن الإبداع يقوم علي أساس النظام سواء كان هذا النظام ظاهرا أو خفيا، سواء كان موجودا في تفكير المبدع أو في أعماله، فيما الجنون هو نوع من الفوضي والتفكك الذي يفتقر للنظام . النقطة الثانية أن الإبداع في جوهره نوع من التواصل مع الآخر في حين يفتقر المجنون لهذا الدفاع، أو لهذه القدرة . النقطة الثالثة أن الإيداع به قدر كبير من الاستمرارية والمثابرة والسعي وراء أهداف معينة وهذه أمور ليست موجودة في حالة الجنون  وذلك حسب قول بسطاويسي.

والمتصفح لكتاب التفضيل الجمالي للدكتور شاكر عبد الحميد يجد أنه قد جمع بين العديد من المناهج، وذلك عائد إلي طبيعة لموضوع كما يقال طبيعة الموضوع هي التي تحدد نوعية المنهج . بما أن الموضوع – الجمال – شائك فلا غرابة أن يستعمل في تقصي المفاهيم والمنهج التاريخي لتعقب النظريات الفلسفية لمفهوم الجمال منذ أفلاطون إلي الوقت الحالي، وذلك حسب ما قاله عنه الدكتور أحمد عبد الحليم في مقال له بعنوان " مفهوم الجمال عند شاكر عبدالحميد" .

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي الدكتور شاكر عبد الحميد هذا المثقف الشامل حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب أساتذة لا يعرفون قدر هذا الأستاذ الاكاديمي، فتحية طيبة للدكتور شاكر عبد الحميد الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

رحم الله شاكر عبد الحميد، الذي صدق فيه قول الشاعر:

رحلتَ بجسمِكَ لكنْ ستبقى.... شديدَ الحضورِ بكلِّ البهاءِ

وتبقى ابتسامةَ وجهٍ صَبوحٍ..... وصوتًا لحُرٍّ عديمَ الفناءِ

وتبقى حروفُكَ نورًا ونارًا.. بوهْجِ الشّموسِ بغيرِ انطفاءِ

فنمْ يا صديقي قريرًا فخورًا ... بما قد لقيتَ مِنَ الاحتفاء

وداعًا مفيدُ وليتً المنايا....... تخَطتْكَ حتى يُحَمَّ قضائي

فلو مِتُّ قبلكَ كنتُ سأزهو...... لأنّ المفيدَ يقولُ رثائي.

***

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

قاسم حسين صالحمن سومر.. نحن أخوة!

كنا نسميه (عيد دخول السنه).. فيه نوقد الشموع، نحن أطفال الشطرة، في (الصواني) ونزينها بأوراق الخس واغصان الياس وننثر بينها حلاّل المشاكل (حامض حلو واصابع العروس..).. ونضع في وسطها طاسة حنّاء. وفيه كانت الصبايا ومن تردد مع نفسها (عمر وتعدا الثلاثين.. لا يفلان).. ينذرن للأمام العباس صواني مزينة بالخضرة وملئى بمنّ السما واصابع العروس ان اصبحت عروسا في نوروز القادم، فيما تملأ صواني أخوتنا الكرد بسبع مواد تبدأ بحرف السين هي : سير (ثوم)، سكه (عمله نقدية)، سنجر (فاكهه مجففه)، سبزي (خضره)، سبيكه (قطعة ذهب)، ساهون (حلويات)، سماق، و سركه (خل). وتوضع في مقدّمة المائدة مرآة وعلى جانبيها شمعدانات تحمل شموعًا مضيئة بعدد أولاد العائلة من الذكور والإناث.. ومرآة وقرآن وسمك وفاكهة ومكسرات وماء الورد.. غير ان وجود الحلويات شرط واجب في صواني كل المحتفلين بالنوروز.. في كوردستان وأيران واذربيجان.. وصواني دخول السنه في الشطرة والسماوة وميسان!.

و(نيوروز) تعني باللغة الكوردية (يوم جديد.. (.New day.. تتم فيه الأرض دورتها السنوية حول الشمس، لتبدأ دورة جديدة تدخل فيها شهر الخصب وتجدد الحياة. وفيه تبدأ الافراح استبشاراً بحلول عهد جديد تتحول فيه الطبيعة الى جنة خضراء، يتوجه اليها الناس لمعانقتها وترتدي فيه العائلات الكردية الزي التقليدي المزركش بالألوان الفاتحة والزاهية ، وتصدح فيه ألاهازيج، وتتشابك الأيدي في حلقات رقص ودبكات ومهرجانات غنائية شعبية تستمر حتى ساعات متأخرة من الليل تتخللها مقاطع شعرية تتحدث عن الثورات ضد الطغاة، حيث يعدّ نوروز رمزا للتحرر من الظلم والاضطهاد في كردستان وعدد من دول المنطقة، اذ يزيد عدد المحتفلين بهذا اليوم على 300 مليون معظمهم في آسيا، توحّدهم تقاليد ومعتقدات وعادات مشتركة.فجميعهم يحملون شعلة النار لآعتقادهم بأن النار ترمز الى الحياة والخلود، وتعطي الغذاء والدفء والحياة، وانها تتمتع بقدرات التطهير كما يعتقد شعب اذربيجان. واظن ان شعلة الألعاب الأولمبية التي تطوف من االيونان حول العالم قد استعارت هذا التقليد من النوروز لأنها تهدف الى تحقيق نفس الحاجة السيكولوجية: اشاعة المحبة والتآخي بين الناس على اختلاف دياناتهم واجناسهم.وأن قوة سيكولوجيا هذا التقليد اجبرت الحكّام على ايقاف القتال وتوقيع معاهدات السلام واطلاق سراح الأسرى من السجون في يوم النوروز.فضلا عن ان الطبيعة ذاتها لعبت دورا كبيرا في سيكولوجيا النوروز، اذ يعد (21) آذار عيد اعتدال الربيع وبدء موسم الزراعة ورمز التجدد والنشاط والدفء، وتشغيل مراكز الانفعالات الفسلجية في الدماغ الخاصة بالفرح والسعادة وتنشيط القلب بحثا عن حب يشتهيه!

ومن جميل ما قرأت ان هنالك علاقة بين (نوروز) و (تموز وعشتار). فالمعروف عن حادثة “تموز” أنه في آخر مرة يذهب الى تحت الأرض ثم يأتي الى وجه الأرض كإله، وانه كان يحتفل بموت وحياة “تموز” في وطن سومر، وانه في 21 آذار من كل عام كان السومريون يعقدون احتفالات كبرى في حياة “تموز” ويعرفون هذا اليوم بعيد (زكمك).والحادثة ذاتها ترد في ملحمة الشاعر الكردي الكبير احمدي خان، ( مم وزين) حيث يبدأ الملحمة بيوم نوروز 21/ آذار- مارس، فهنالك شبه كبير بين قصة (تموز وعشتار) وقصة العاشقين (مم و زين).. اذ تمتليء حياة (مم) بالعذاب والفراق بعد معرفته لحبيبته (زين).. وتصبح حياتهما مشابهة للحياة الكارثية لـ(تموز) الذي يذهب الى الاسفل فيما يودع (زين) في السجن الى الموت.

بل هنالك كتّاب كرد وعرب يتفقون على ان 21 آذار الذي يصادف اليوم الأول من العام الكردي الذي يمتد تاريخه الى 700 سنة قبل الميلاد ، كان يوم عيد عند السومريين، وانهم كانوا يحتفلون به تحت مسمى عيد (زكمك)، وأن (كاوا) الكردي هو (تموز) السومري.. ما يعني أننا العرب والكورد شعبان لنا تاريخ مشترك حتى في الطقوس والأساطير والأعياد، وأن نيروز (كاوه) او نوروز (سومر) الذي وحّد العرب والكورد آلآف السنين، سيبقى ينعش مشاعر المحبة والتآخي بين الشعبين.. اليوم وغدا.. لأن سحر رموزه في اللاوعي الجمعي للناس يبقى أبديا!.. وأن كورونا التي اوقفت احتفالات شعبينا في الشوارع والساحات نتحداها بان بيوتنا تستقبل نوروز بالأفراح، وانها لن تستطيع اطفاء شعلة الحياة!

 

أ. د. قاسم حسين صالح

21 آذار 2021

 

يسري عبد الغنيولد الشاعر كامل أمين في طنطا  سنة 1917، ونشأ فيها، وقسى الدهر عليه ففقد أمه، ولم يجد من زوج أبيه نصيباً من العطف والرعاية، وكان والده يملك محلًّا لبيع اللوحات الزيتية، فورث الشاعر حب الفن وتذوقه، وتلقى ثقافته في مدرسة الفرير ثم في مدرسة ثانوية، وبعدها التحق في مدارس الجيش متطوعاً، وأكمل دراسته في كلية الحقوق بجامعة عين شمس، ونضجت تجاربه في الحياة التي يحياها، وخاصة في الحياة العسكرية التي عاشها في الميدان خلال الحرب العالمية الثانية.

جهاده: تطوع الشاعر وخاض حرب فلسطين ومعاركها الدامية، وانتهت حرب فلسطين عام 1947م، وعاد الشاعر من الميدان جريحاً مريضاً عاطلاً لا يملك شيئاً، ولجأ إلى أستاذه الشاعر المرحوم (إبراهيم ناجي)، وطرق باب منزله في مصر الجديدة، ودخل يجر رجليه جرًّا، فدهش ناجي، وكان يظن أن الشاعر المترجم استشهد في الميدان، وهاله نحوله وجراحه ورأسه اشتعلت شيباً على حين فجأة، فأدخله المستشفى الذي كان مديراً له لمعالجته، واستمر شهوراً تحت رحمة الأطباء، ثم خرج ليبحث عن عمل، فالتحق في أحد دواوين الحكومة بوظيفة صغيرة ولا يزال فيه.

أدبه: إن قصة حياة هذا الشاعر الثائر كلها عظة وعبر، وهي قصة لذكرياتها وأشجانها أثر كبير في شعره وشاعريته، وفي ديوانه المسمى (نشيد الخلود) صورة كاملة لهذه الحياة الشقية المعذبة التي يتعرض لمثلها اليوم كثير من الشباب عامة وأدباء الشباب خاصة، وقد بدأت حياة الشاعر الفنية منذ بدء أيامه التي قضاها في التعليم الثانوي، فقد درس آثار الشعراء العرب، واستمد من شعر المتنبي قوة الأسلوب، وتصور شعوره بالعبقرية والموهبة، واعتزاز المترجم بنفسه وأدبه يتجلى ذلك في هذه الأبيات التي صدّر بها ديوانه:

إلى الذين سمائي فوق عالمهم

وفوق كل عظيم فوقهم قدمي

العائشين مع الموتى مناصفة

كالحلم في العين بل كالدود في الرمم

لئن حييت ومد الله في أجلي

لأسفكن دم الكتاب في قلمي

وأصرعن أنوفاً لو صنعت لها

أنفاً من العاج بعد اليوم لم تقم

ممن أخاف وسيف الله في قلمي

ومن أهاب وصوت الحق ملء فمي

وفي شهر تموز سنة 1947م ظهر ديوانه (نشيد الخلود)، وقد لقي الكثير من تقدير الشباب والقراء، وعرف أدباء البلاد العربية صاحبه الشاعر، وأخذوا يولون أدبه نصيباً كبيراً من عنايتهم واهتمامهم، وفي الديوان قصيدته الخالدة وهي (ملحمة ليالي الشتاء)، تلك القصيدة الإنسانية العظيمة التي تعتبر من درر الشعر الحديث، وقد تميز هذا الشاعر البائس بين شعراء الشباب بواقعية مؤثرة، وموهبة شعرية عميقة، يغذيها الألم والدموع وتصهرها ثورة الشباب وطموحه، ويؤجج ضرامها عاطفة متقدة الأحزان والأشجان، وعلى ألفاظ الشاعر وأساليبه مسحة من القوة والجزالة، وفي معانيه كثير من الاستقصاء والبحث والتحليل والتفصيل والتسلسل الفكري، وهو حين ينظم الشعر يذكر حظه العاثر، فيثور ويسخط على الحياة والأحياء، حتى لكأنه ليس في الحياة ولا من الأحياء، وقد استمد شاعريته من ألمه وبؤسه، وفي قصيدته (ليلة العيد) يصور حظه العاثر، فيقول:

عرفت حظي من الدنيا فلا أمل

أن أصلح اللوح أو أمحو الذي كتبا

لسوف أحيا غريباً ما حييت ولن

أموت إلا كما قد عشت مغتربا

من يلمس الموت يشعر بالحياة ومن

يرد حياة يخض من أجلها العطبا

وما اضطررت لها حبًّا ولا أملا

وإنما يركب المضطر ما صعبا

وفي ديوانه الشاعر ملحمتان طويلتان: أولاهما (جحيم الشاعر)، وقد أوضح فيها فلسفته في الحياة، والثانية كملحمة (ذكريات ليالي الشتاء) يصف فيها ذكريات حب مات على كفيه، وله ملحمة ثالثة نظمها بعد طبع ديوانه وسماها (ملحمة السماوات السبع)، وهي ملحمة جديدة ليست وجدانية، ولكنها تطوف في ذكريات الماضي البعيد وواقع الحاضر الأليم، والملحمة الشعرية فكرة قديمة في الشعر العربي، ولكن الملاحم الوجدانية خاصة لم يكن لأحد الفضل فيها إلا للشاعر الكبير المرحوم الدكتور (إبراهيم ناجي)، وكذلك الشاعر المترجم قاسم أمين، وهو من تلاميذ ناجي في بعض صور شعره التي يتوهج فيها نور الفن والذكاء والعبقرية، ومع أن البؤس والشقاء وقد رزح على منكبيه فإن قناته لم تلن، واستمع إلى قوله:

شردت عمري واحتسيت شقائي

وظمئت للدنيا وجدت بمائي

وملأت شعري بالبكاء فلا بكى

أحد علي ولا سلوت بكائي

ما أرحب الدنيا بما يرجو الفتى

فيها وأضيقها بغير رجاء

والناس في وادي الحياة مواهب

جمعت على السراء والضراء

ومنها:

نغمي أخذت من الخلود لحونه

ومواهبي صدرت عن العلياء

ونذكر الشاعر / كامل أمين كان جارنا فى حى الحلمية الجديدة ويصلى معنا الجمعة فى مسجد الرفاعى ومسجد السلطان حسن، كان يكتب معى في مجلة الثقافة ايام الدكتور -عبد العزيز الدسوقى والاديب -ابراهيم سعفان--رحم المولى الجميع-- هذا الشاعر الذي تخصص تقريباً في شعر الملاحم، لذلك كان يحلو له أن نطلق عليه (شاعر الملاحم)، ومن أشهر ملاحمه الشعرية (القادسية) و(عين جالوت)، وإن أخذ عليه الميل إلى الغنائية، والبعد عن الجو الأسطوري المتعارف عليه في الملاحم .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

.............................

* توفي في 22 أغسطس 2003

 

 

محمود محمد عليما زلت أومن بل ربما أكثر من أي وقت مضي بأن الفنان ليس كباقي أفراد المجتمع، فهو ليس مجرّد شخص يرسم، أو يصور، أو ينحت، أو يعزف المقطوعات الموسيقية، وإنما الفنان في نظري، هو مفكّر بالضرورة، وهو أكثر أهمية من أي مفكّر عادي أيضاً، ذلك أنه يرى التاريخ والحاضر والمستقبل من منظورٍ شديد الخصوصية والغرابة في الوقت نفسه، كما أن مساحة الخيال لديه أكبر، لذا فهو يرى أكثر، ويستطيع فهم ما يراه بشكل أفضل.

والفنان المصري يوسف شعبان من هذه النوعين من الفنانين، ولقد حزنت حزنا شديدا عندما تلقيت نبأ وفاته في الأسابيع الماضية، حيث رحل عنا عن عمر ناهز 90 عاما داخل مستشفى العجوزة متأثرًا بفيروس كورونا، الذى أصيب به الأسبوع الماضي، ودخل على إثره أحد مستشفيات المهندسين، وبعدما تدهورت حالته الصحية، تم نقله للعناية المركزة بمستشفى العجوزة.

وعقب وفاته تحولت مواقع التواصل الاجتماعي عقب وفاة الفنان يوسف شعبان إلى ما يشبه سرادق عزاء كبير، حيث أجمعوا على أنه كان يتصف إنسانياً بالشهامة والمواقف النبيلة والطيبة، كما امتلك على الصعيد الفني قدرات وموهبة كبيرة ؛ وقد كتب المغردون في وداعه "الله يرحمك ويغفر لك أيها الفنان النبيل يوسف شعبان".

رحل يوسف شعبان عنا بعد رحلة فنية متميزة كماً وكيفاً، ويوسف شعبان من نوعية الفنانين الذين لم تحصرهم ملامحهم في نوعية أدوار معينة، رغم أن بدايته انحصرت في أدوار الفتى الشرير، وكان مضطراً لقبوله كي لا يتوقف عن العمل، ولم يخش من تقديمها رغم خوف زملائه في سبعينات وثمانينات القرن الماضي منها.

رحل يوسف شعبان، وبوداعه ودّعنا كما يقول الدكتور خالد منتصر جيلاً عظيماً منح الفن روحاً جديدة وألقاً متفرداً، جيلاً رحل عنا معظمه بالموت أو بالإهمال وهو على قيد الحياة، كانت صرخة يوسف شعبان قُبيل رحيله وشكواه من نسيان المنتجين والمخرجين لجيله صرخة أوجعت وأدمت القلب والروح، يوسف شعبان ابن دفعة العمالقة الذين تخرجوا فى معهد الفنون المسرحية معاً وخاضوا تجربة الدراما التليفزيونية ومسارح التليفزيون معاً لا واسطة لهم إلا موهبتهم الفياضة التى خرجت كالبركان، صنعوا مجد مسلسلات وتمثيليات ماسبيرو التى ما زلنا نعيش عليها وتفخر بها شاشاتنا حتى اليوم.

وقد بدأ يوسف شعبان عمله بالفن عام 1961، حيث قدم أكثر من 300 فيلم ومسرحية ومسلسل، من بينها نحو 150 مسلسلاً تعد علامات في الدراما العربية، ومنها "عيلة الدوغري"، و"المال والبنون"، و"ليالي الحلمية"، و"رأفت الهجان" و"الوتد" و"العائلة والناس"، و"التوأم"، و"السيرة الهلالية"، و"على باب مصر"، وأكثر من 90 فيلماً، منها "في بيتنا رجل"، و"أنا الهارب"، و"المعجزة"، و"زقاق المدق"، و"بياعة الجرايد"، و"أم العروسة"، و"الراهبة"، و"مراتي مدير عام"، و"معبودة الجماهير"، و"الرجل الذي فقد ظله"، و"ميرامار"، و"المذنبون"، و"دائرة الانتقام"، و"زائر الفجر"، و"آه يا ليل يا زمن"، و"المرأة الحديدية"، و"قضية ‏سميحة بدران"، و"كشف المستور" وغيرها.

علاوة علي أنه تمكن من أن يجسد العديد من الشخصيات البارزة، منها شخصية المتحدث بلسان النبي موسى عليه السلام في مسلسل "محمد رسول الله"، وشخصية آخر ملوك الأندلس "الناصر الحاكم" في مسلسل "فتى الأندلس"، و«حاكم الموصل» في مسلسل "الطريق إلى القدس"، ورسول الإسلام إلى ملك الروم في «الطريق إلى سمرقند»، و"بطليموس الثاني عشر" في مسلسل "كليوباترا".

كما قدم يوسف شعبان مسلسلا غريبا أبدع فيه باختلاف اللهجة المصرية وهو المسلسل الأردني وضحا وابن عجلان والذي اعتبر الأكثر مشاهدة في دول الخليج والأردن وسوريا في حينه، وشاركته البطولة من سوريا سلوى سعيد ومن الأردن نبيل المشيني إلى جانب مجموعة من الممثلين الأردنيين والسوريين الكبار، والمسلسل قصة عشق بدوية هي ذاتها قصة نمر بن عدوان تعتبر نقلة نوعية في مسيرة يوسف شعبان الفنية.

يذكر أن يوسف شعبان المولود في حي شبرا في القاهرة في 16 يوليو 1931، ووالده مصمم إعلانات مشهور في شركة (إيجبشان جازيت)، تلقى تعليمه الأساسي في مدرسة الإسماعيلية والتعليم الثانوي في مدرسة التوفيقية الثانوية، بسبب تفوقه في مادة الرسم قرر الانتساب في كلية الفنون الجميلة ولكن عائلته رفضت بشدة وخيرته بين كلية البوليس (ليلتحق بأبناء أخواله) أو الكلية الحربية (ليلتحق بأبناء أعمامه) أو كلية الحقوق، ونتيجة للضغط الشديد عليه قرر الالتحاق بالكلية الحربية ولكن في اختبار الهيئة أسقط نفسه فرفضوا انضمامه ولكن عائلته علمت بما دبره فأجبرته على الانضمام لكلية الحقوق في جامعة عين شمس، وهناك تعرف على أصدقاء عمره الفنان كرم مطاوع والممثل سعيد عبد الغني والكاتب إبراهيم نافع. وقرر بناء على نصيحة كرم مطاوع الالتحاق بفريق التمثيل في الكلية ثم قدم أوراقه اعتماده في المعهد العالي للفنون المسرحية. وبسبب ضغط الدراسة في الكلية والمعهد قرر التركيز في دراسة المعهد وسحب أوراقه من كلية الحقوق وهو في السنة الثالثة، تخرج من المعهد العالي للفنون المسرحية من سنة 1962.

وهو صاحب تاريخ طويل وأدوار قوية وضعته فى مصاف عمالقة الفن الذين صنعوا أهم الأعمال فى عصرها الذهبى، ابن شبرا حكى فى حوار سابق مع جريدة "اليوم السابع" المصرية عن بداياته فلم يفكر فى احتراف التمثيل وحلم بدخول كلية الطيران لكن والدته خافت ورفضت فقدم فى كلية الشرطة ولم يتم قبوله وترك كلية الحقوق ليتفرغ لمعهد التمثيل فرشح لدور فى فيلم "فى بيتنا رجل" وبعدها توالت أعماله وأبدع فى عشرات الأدوار فى السينما والدراما.

وقد لاقى يوسف شعبان في بداياته السينمائية منافسة شرسة ولكنها شريفة من أبرز نجوم فترة الستينات وهم رشدي أباظة، كمال الشناوي، صلاح ذو الفقار، حسن يوسف، وشكري سرحان، وكان بعضهم يغري المنتجين بتخفيض الأجر الذي يحصل عليه للتأثير عليهم لاختيارهم وعدم اختياره.

في سنة 1997 نجح في انتخابات نقابة الممثلين في منصب رئيس النقابة، واستطاع خلال فترته تسديد جميع الديون المترتبة على النقابة وأنشأ ناديا كبيرا في القاهرة لاجتماع جميع الممثلين وعالج العديد من الفنانين الذين لم يكونوا يستطيعون دفع مصاريف علاجهم، واستطاع أن يستمر في منصبه دورتين متتاليتين قبل أن يخسر في انتخابات 2003 أمام الفنان أشرف زكي.

السؤال ما زال مطروحاً، لكن ما ليس مطروحاً، هو تعويض هذا الجيل بكل هذا الثقل الفنى وحجم الموهبة الجامحة، والأهم عمق الثقافة وعشق الفن.

رحم الله الفنان يوسف شعبان، الذي صدق فيه قول الشاعر:

رحلتَ بجسمِكَ لكنْ ستبقى.... شديدَ الحضورِ بكلِّ البهاءِ

وتبقى ابتسامةَ وجهٍ صَبوحٍ..... وصوتًا لحُرٍّ عديمَ الفناءِ

وتبقى حروفُكَ نورًا ونارًا.. بوهْجِ الشّموسِ بغيرِ انطفاءِ

فنمْ يا صديقي قريرًا فخورًا ... بما قد لقيتَ مِنَ الاحتفاء

وداعًا مفيدُ وليتً المنايا....... تخَطتْكَ حتى يُحَمَّ قضائي

فلو مِتُّ قبلكَ كنتُ سأزهو...... لأنّ المفيدَ يقولُ رثائي.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..............

1- وفاة الفنان المصري يوسف شعبان — تاريخ الاطلاع: 28 فبراير 2021 — الناشر: سكاي نيوز عربية — تاريخ النشر: 28 فبراير 2021

2- حتى النجوم الرجال يغالطون في أعمارهم، جريدة القبس، دخل في 20 فبراير 2013 نسخة محفوظة 6 أكتوبر 2014 على موقع واي باك مشين.

3- نقيب الممثلين يوسف شعبان يكشف لـ (مجلة الجزيرة ) العمل بالفن لم يكن من بين أحلامي، مجلة الجزيرة، دخل في 15 فبراير 2013 نسخة محفوظة 10 نوفمبر 2017 على موقع واي باك مشين.

4- وداعاً «عرّاب» رأفت الهجان.. «كورونا» يغيّب يوسف شعبان.

5- د. خالد منتصر: يوسف شعبان وظاهرة النجم التليفزيونى.. مقال بحريدة الوطن المصرية..

 

 

عبد الحسين شعبانحين تتلاقح الفلسفة بالقانون

غادرنا البروفيسور منذر إبراهيم الشاوي في 24 شباط (فبراير) 2021 عن عمر ناهز الثانية والتسعين، حيث وُلِدَ في العام 1928 في محلة الأعظمية ببغداد، وعاش فتوته في منطقة الصالحية بالكرخ، وقد نعته أوساطاً أكاديمية ومهنية عديدة بينها نقابة المحامين العراقيين.

ويُعدّ الشاوي من أهم فقهاء القانون الدستوري في العراق، إضافة إلى سليمان فيضي وخليل اسماعيل وعبد الحميد القشطيني واسماعيل المرزة ومحمد علي آل ياسين وعبدالله اسماعيل البستاني، كما يعتبر من أبرز فقهاء القانون الدستوري العرب من أمثال مصطفى كامل وثروت بدوي وعبد الحميد بدوي ويحيى الجمل وطعيمة الجرف ومحمود حلمي وعثمان خليل وسعد عصفور ومحمد المجذوب ومنير العجلاني ومصطفى البارودي وكمال غالي، وقد رفد المكتبة العربية بالعديد من الكتب والمؤلفات والدراسات الرصينة، إضافة إلى منجزاته العملية، حيث يعود له الفضل في مبادرة تأسيس المعهد القضائي في العام 1976 والذي صدر قانونه بالقرار رقم 33 والذي يهدف إلى إعداد مؤهلين لتولّي الوظائف القضائية ورفع المستوى القانوني للعاملين في دوائر الدولة الرسمية وغير الرسمية.

وبحكم موقعه ودوره الفعلي كان الأبرز في بلورة فكرة إصلاح النظام القانوني في العراق الذي صدر بقانون رقم 35 لسنة 1977 والذي أقرّ التزام الوزارات وأجهزة الدولة وهيئاتها ومؤسساتها لتحقيق ذلك بالتنسيق والتعاون مع وزارة العدل، كما ساهم في كتابة الدستور العراقي المؤقت لعام 1970 في لجنة مؤلفة من عدد قليل من الأعضاء وكذلك قانون الحكم الذاتي لعام 1974 ومشروع الدستور العراقي الدائم لعام 1990 الذي لم يرَ النور، حيث تم نشره قبل ثلاث أيام من غزو الكويت(2 آب/ أغسطس/ 1990) وطواه النسيان بعد ذلك،

وقد سبق لي أن ناقشتُ تلك المشاريع من موقع النقد باستفاضة في كتابَيَّ الأول - "المحاكمة: المشهد المحذوف من دراما الخايج" 1992 والثاني - "عاصفة على بلاد الشمس" الصادر في العام 1994، وعدتُ أيضاً لمناقشتها بصورة موّسعة في كتابي الموسوم ،"الدستور والدولة من الاحتلال إلى الاحتلال"  في العام 2005 وذلك في نقدي للمشاريع الدستورية التي طُرحت بعد الاحتلال من "قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية" عام 2004 إلى "الدستور الدائم" الذي أستفتيَ عليه في 15 تشرين الأول (اكتوبر) 2005 وأجريت الانتخابات على أساسه في كانون الأول (ديسمبر) من العام ذاته.

وبغضّ النظر عن الاختلاف في التوجه والرؤية وزاوية النظر والخلفيات الفكرية إزاء تلك النصوص الدستورية والقانونية وفلسفتها ومقاصدها والأهداف التي تقف خلفها والجهات التي تخدمها، فقد كان الشاوي جزءًا من مرحلة شديدة الحساسية والتعقيد والواحدية والاطلاقية وكان هامش حرية التعبير محدوداً إن لم معدوماً،  وعلينا أن لا ننسى ذلك عند التوقف عنده أو عندها، وحاول أن يفلسف رؤية السلطة القانونية ضمن سياقات السلطة النافذة وتوجهاتها المعلنة وإيديولوجيتها السائدة في مراحلها المختلفة، حيث عمل وزيراً للعدل من العام 1974 ولغاية العام 1988، وعاد إلى وزارة العدل بعد إعفاء "شبيب المالكي" من العام 2000 إلى العام 2003 كما شغل منصب وزير التعليم العالي من العام 1988 ولغاية العام 1991.

وخلال تلك الفترات عمل مستشاراً لرئاسة الجمهورية من العام 1994 ولغاية العام 2000 وقبلها مستشاراً في مكتب السيد النائب صدام حسين لوضع الخطط والبرامج لتطوير مناهج الدراسات العليا.

وفي جميع المواقع التي شغلها وعمل فيها كان يتمتع بصدقية واستقامة وحرص ومسؤولية وحاول أن يحتفظ لنفسه بهامش من الاجتهاد في حدود الممكن والمسموح به، وكان يُدرك الأرضية التي يقف عليها ويقيس المسافة بدقّة بينه وبين قمة الهرم من خلال ذكائه الحاد وحكمته وبُعد نظره وصبره.

استحقّ منذر الشاوي أن يكون عضواً في المجمع العلمي العراقي لمنجزاته الأكاديمية وذلك منذ العام 1979، وأستطيع القول أنه كان صاحب فلسفة وعلم غزيرين، لا سيّما في القانون وحاول أن يضّخ فلسفته القانونية من خلال "قانون إصلاح النظام القانوني" الذي عبّر عن فلسفة السلطة في مرحلة تأسيسية من مراحلها المهمة، التي استهدفت إعادة طبع الحياة السياسية بما تناسب مع توجهاتها التي صبغت حركة التحرر الوطني في مرحلة من مراحل تطورها تأثّراً بالتجربة الاشتراكية العالمية ومحاولة تقليدها أو استنساخها ضمن ظروف العالم الثالث والأوضاع الخاصة في بعض بلدانه.

كان الشاوي مقبلاً على الحياة و"عيّشاً" كما يقول اللبنانيون، وقد كان لا يريد أن تفلت لحظة من بين أصابعه لأخذ قسطاً من لذائذها وفوائدها، وكان متذوقاً للأدب والفن والموسيقى والجمال، قارئاً منفتحاً وناقداً عارفاً لحيثياتها وله عينٌ بصرية خاصة بالرسم والنحت، وهو من القلائل الذين عرفتهم من الأساتذة الذين يوّلون الجانب الثقافي اهتماماً خاصاً، ولولا استغراقه بالعمل المهني والوظيفي الذي أخذ جُلّ وقته، لكان منذر الشاوي فقيه قانوني أقرب إلى قلم الأديب وحبر الناقد، وقد حاول أن يُطعم كتاباته القانونية بذلك، خصوصاً وقد كان تأثيرات الوجودية في مرحلتها الاولى الستينية قوية عليه، وحاول أن يجد روافداً بين فلسفة القانون والثقافة والفن، وهو ما عكسه في سنواته الأخيرة، خصوصا وأنّ روحه الحرة وانفتاحه وتألق شخصيته كانت في هذا الاتجاه.

العلاقة بين الطالب والأستاذ

2307 الشاوي 1أُعجبتُ والعديد من زملائي بشخصية منذر الشاوي الكارزمية وفكره التنويري ودعوته إلى الحداثة وارتباط ذلك بفلسفة التغيير، بل أنه كان يمثّل لجيلنا نمطاً جديداً من الأساتذة، الأنيق، الوسيم، المستقلّ، غير التقليدي، المنفتح، المشجّع على الحوار، القريب من الحس والشعور بالتجديد، وكانت حصته الدراسية منتدىً للحوار والاثارة ومنها مواضيع يشتبك فيها القانون بالسياسة، وهذه بالفلسفة التي كان يميل إليها، فضلاً عن الأدب والفن والسينما والمسرح، ولم ننسى حياة الناس ومعاناتهم أيضا في أجواء كانت متوفرة إلى حدود معينة في جامعة بغداد في أواسط الستينات. وغالباً ما كنا نلتقي بساحة الكلية بعد انتهاء محاضرته أو كلّما كانت الشمس ساطعة والجو معتدلاً وذلك في أكثر الأيام، وكان دائما ما يتحلّق حوله العديد من الطالبات الجميلات. وبالمناسبة فتلك الفترة حرص فيها الأساتذة على لقاء الطلبة مثلما كان يفعل ابراهيم كبة ومحمد عزيز وخير الدين حسيب وطارق الهاشمي وآخرين.

درسنا على يديه القانون الدستوري (نظرية الدستور) ثم القانون الدستوري (نظرية الدولة)، وأعتقد أنه أدخل فرعاً جديداً أو حاول ذلك بعنوان "نظرية الدولة والقانون" ويعتقد وهو على حق إنّ الفلسفة أمّ العلوم، ولذلك لكل قانون فلسفة، وبالطبع فلكل قانون تاريخ أيضاً وهو ما كنّا نناقش فيه أيضاً من خلفياتنا بشأن المادية التاريخية، وهكذا فالفلسفة والتاريخ ركنان أساسيان لأي علم ولأي موضوع، واذا كان الشاوي أحد الأساتذة الذي أثّروا في توجهي الأكاديمي، فقد كان للدكتور حسن الجلبي الذي درّسنا القانون الدولي، وكان من أكثر الأساتذة تشدّداً، هو الآخر لعب دوراً في اختياراتي القانونية لاحقاً، وهو ما حاولتُ أن أشتغل عليه في دراساتي العليا التي انتقلت من العلوم السياسية والاقتصادية إلى العلوم القانونية الدستورية والدولية.

وحين عُدتُ إلى العراق بعد حصولي على الدكتوراه في العام 1977 نصحني الدكتور صفاء الحافظ الذي كان عضواً في ديوان التدوين القانوني بزيارة منذر الشاوي في وزارة العدل، لاطلاعه على اختصاصاتي، خصوصاً وكان يعرف علاقتي الخاصة به، وقد اتصلتُ بالوزارة فإذا بمدير مكتبه أحد زملائي وصديق عزيز لي وهو إدهام خميس الضاري،  وهو قريب الشيخ حارث الضاري، وكنت كلما ألتقي الشيخ حارث الضاري يرد ذكر إدهام. وفي اليوم التالي، كنتُ في مكتبه وكم كان يُصغي إليَّ باعتزاز وغبطة، إلى أنني درست "نظرية الدولة والقانون" في "معهد الدولة والقانون" التابع لأكاديمية العلوم التشيكوسلوفاكية، وهي أرقى مؤسسة علمية، وكنت حينها الطالب العربي الوحيد الذي تخرّج من المعهد علماً بأنني درستُ في الوقت نفسه "فلسفة القانون" واخترت القانون الدولي كاختصاص، وكاختصاص دقيق "المعاهدات الدولية المتكافئة وغير المتكافئة"، ولا أنسى أنّه أثنى على توجهات بلدان أوروبا الشرقية ومناهجها القانونية ودراساتها الأكاديمية التي اعتمدت فلسفات كلّانية بشأن وحدة القانون باعتباره تعبيراً عن مصالح الطبقات القابضة على السلطة، وهو ما حاول العراق اقتفاءه في تجربته السياسية والقانونية، وللأسف فإنّ التجربتين الأصل والفرع لم تكونا ناجحتين.

وسألني ماذا أنا فاعلٌ بخصوص العمل؟ فقلت له لديّ تعيين مشروط من جامعة بغداد كلية القانون يبدأ بعد إنهاء الخدمة الإلزامية، فقال: لنا حديث آخر بعدها، وأرجو أن تتّصل بي بعد الإنتهاء من إدائها واذا حصل أي تأجيل أو انتداب يمكن أن تعلمني بذلك فشكرته على اهتمامه.

الانتخابات الطلابية

تعمّقت صلتي بمنذر الشاوي عشية الانتخابات الطلابية (ربيع عام 1967) وسألني ماذا أنتم فاعلون؟ قلت له نمدّ أيدينا للتعاون مع الجميع فعسى أن نتمكن من عقد "جهة طلابية" وكان ذلك شعارنا، لكن الأمر لم يتحقق لإشكاليات وعُقدٍ سابقة، فضلا عن محاولة تضخيم الحجوم، وفضّل كل فريق أن ينزل الانتخابات بمفرده، وعلى الرغم من تخوّفنا من احتمالات الصدام إلّا أنّ الأمر تمّ بسلاسةٍ واعتياديةٍ نسبياً باستثناء ما حصل في كليتي الحقوق والتربية الرياضية التي انسحبنا منها بسبب أعمال شقاوة وتهديدات، وفعلنا ذلك احتجاجاً.

ومع ذلك كانت النتائج أن أحرزنا 80% من الأصوات و76 من المقاعد الانتخابية، وهذا ما كان مفاجئاً حتى لنا، بل مفارقة حقيقية، فقد كانت التقديرات التي توّصلنا إليها قبل الانتخابات بأننا يمكن أن نحصل على 20-25 %، وإذا بنا نعبر أكثر الاحتمالات تفاؤلاً، ويعود السبب في ذلك إلى أننا نزلنا بقائمة موّحدة وشعارات مهنية واخترنا أفضل الوجوه الاجتماعية وقد انضمّ إلى قائمتنا مجموعة يسارية يُطلق عليها اسم "المنظمة العمالية" وأصولها من حزب البعث وقد انشقّت عنه في مطلع الستينات وأسسّت كتلةً بإسم "الكادحين العرب" التي كان يقودها قيس السامرائي الذي كان قد درس معنا بعد عودته من انكلترا ليستكمل دراسته في جامعة بغداد، وقد فاز عدد من الذين تمّ ترشيحهم معنا وتحت اسم قائمتنا. أمّا السبب الثاني فإن الآخرين كانوا متفرقين ومنقسمين، وأننا كنا نمثل الطرف الأكثر تماسكاً وتنظيماً وتطلّعاً نحو الحداثة وتوجهاً للتغيير في الشبيبة الطلابية المتطلّعة دائما إليه.

واحترنا في الأمر لا سيّما بعد إلغاء نتائج الانتخابات في اليوم التالي، وكان المبرر أن "القوى الشعوبية" بدأت ترفع رأسها كما كتبت صحيفة عراقية كانت تبرر فعل الحكومة في الغاء نتائج الانتخابات، التي كنا نأمل أن تكون "بروفة" لإنتخابات عامة، كما وعد حينها رئيس الوزراء عبد الرحمن البزاز، لكن جرت الرياح بما لا تشتهي السفن، وكان خير الدين حسيب وهو الآخر أستاذ في كليتنا حينها، قد طلبني ليستفسر كيف حصل ذلك؟ وبصوتٍ عالٍ سألني: هل هو جمهوركم أم تنظيم قويّ لكم؟ وقلت له وهو ما كتبته قبل سنوات في مراجعةٍ للتجربة "مجلة المستقبل العربي" 2013: أنّ مسؤوليتنا ستصبح أكبر وأننا حتى لو حصلنا على 99% فإننا لن نستطيع أن نقود الإتحاد أو البلاد دون تعاون وطني عام وتلك هي قناعتي التي كانت تتعزّز مع مرور الأيام، فالتعددية والتنوّع من طبيعة المجتمع العراقي التي لا بدّ من أخذها في عين الاعتبار.

كان الشاوي حريصاً على التعاون الوطني ونصحنا بتكرار مبادرة اللقاء مع الآخرين، وهو الأمر الذي عدنا إليه بقوة برفع شعاراتٍ جبهوية بعد عدوان حزيران (يونيو) 1967، وخصوصاً كان شعارنا "كل شيء إلى الجبهة"، بل رددّ بعضنا "كل شيء من أجل الجبهة" وهو حوار بمنولوج داخلي لدينا انفجر لاحقاً بانقسام الحزب الشيوعي  إلى كتلتين متنازعتين  "القيادة المركزية" و"اللجنة المركزية"، وكم كان متعاطفاً مع الطلبة في الإضراب العام أواخر العام 1967 وأوائل العام 1968 ، خصوصاً بعد سقوط جرحى في كلية التربية إثر مداهمةٍ بوليسية.

وازدادت لقاءاتنا مع الشاوي وكنا على وشك التخرّج، وأتذكّر أنّه دعانا مرّة في "مطعم عمّو الياس" على الغذاء، وذلك تحضيراً لفكرة تأسيس "الجمعية العراقية للعلوم السياسية" على الرغم من أنّه وضع نفسه خارجها، وكانت الاتصالات الأولى مع القيادي البعثي محمد محجوب وتمّ الأمر في الأسابيع الأخيرة لتخرجنا. وعند قيام انقلاب 17 تموز (يوليو) 1968 كانت الجمعية قيد الانشاء، وأتذكر أنها اختارت جمعية الحقوقيين كمقرّ لها أيضاً.

لقاء مع ليلى خالد

2307 الشاوي 2

من الأماسي التي نظمتها الجمعية حتى قبل انتخاباتها التي جرت في العام 1969 ، هو استضافة ليلى خالد واسمها الحركي"شادية أبو غزالة"، والتي ستُعرف باختطاف الطائرة الأميركية TWA في 29 آب (أغسطس) 1969، وبلغت شهرة واسعة بعد محاولة اختطاف طائرة العال الإسرائيلية المتوجهة من أمستردام إلى نيويورك (6 ايلول / سبتمبر/ 1970) وقد قُتل زميلها النيكاراغوي باتريك أورغويللو على متن الطائرة وتمّ احتجازها في لندن حين هبطت الطائرة اضطراراً، وقد انعقدت صداقة بيني وبينها إضافة إلى صداقتي مع زوجها المناضل والكاتب فايز الرشيد.

وحينها تعرّفت يومها على رفيقها عدنان جاسم البيّاتي المعروف باسم "باسم العراقي" والمسؤول عن مطار الثورة واختطاف الطائرات في عمّان والذي رصدت له الأجهزة الأمنية الأردنية عشرة الآف دينار لمن يُلقي القبض عليه حيّاً أو ميتاً. وعدنان أو "باسم العراقي" كان عضواً في الحزب الشيوعي العراقي، وضابطاً سابقاً برتبة ملازم أول في الجيش العراقي وحُكم عليه لمدة ثلاث سنوات بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963 وبقي في سجن نقرة السلمان. وحين أُطلق سراحه غادر العراق بعد فترة وإلتحق بحركة المقاومة الفلسطينية واشتغل مع الجهة الشعبية لتحرير فلسطين وتنظيم العمليات الخارجية بقيادة وديع حداد. وكنت قد التقيته في العام 1975 في براغ، وقد سألته إلى متى سوف تبقى على هذه الحال من التّرحال؟ فقال لي: أنها مهمّة واحدة وسأستريح.

وبعد عدة أسابيع اعتقلت الأجهزة المصرية عدنان البيّاتي الذي كان قادماً من ايران بجواز سفر سعودي وتمّ كشف المهمة وهي اغتيال شاه ايران (محمد رضا بهلوي) خلال زيارته إلى برلين، وقد أنكر أنّه عراقي، فقامت السلطات المصرية بتسليمه إلى المملكة العربية السعودية التي حكمت عليه لثلاث سنوات قضاها في سجن انفرادي وقد قابلت والدته الرئيس المصري محمد أنور السادات مرتين ووعدها خيراً، وبعد انتهاء محكوميته أُطلق سراحه العام 1978 بتدخل من الحكومة العراقية. وعاد إلى العراق، ثمّ غادر إلى بيروت، ومنها إلى عدن ثم عاد إلى العراق وتوفي هناك.

كانت إدارة الشاوي للندوة التي عقدتها الجمعية العراقية للعلوم السياسية متميّزة كالعادة، وطرح أسئلة شارك فيها عدد من الأساتذة والمعنيين وإن لم يكن العدد يزيد عن 15 مشاركاً، فقد كانت ندوة نخبوية بامتياز عن مركز المقاومة في القانون الدولي، والحق في الدفاع عن النفس وفقاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، إضافة إلى التفريق بين المقاومة والإرهاب، والإرهاب الأسود والإرهاب الأبيض والأحمر، ولم يكن إرهابا أخضراً حينها، وغيرها من مواضيع حركة التحرر الوطني وأساليب الكفاح، ولا سيّما الكفاح المسلّح . وكانت تلك إحدى  مميزات الشاوي غير القابلة للحصر، فهو يفاجئك بآراء ووجهات نظر متقدمة، ويثير أسئلة أقرب إلى الشك والشغب الفكري أحياناً، والهدف هو تفعيل التفكير وتنشيط الحوار وتعميق الجدل بعيداً عن النصيّة أو الإيمانية أو ادعاء امتلاك الحقيقة، وتلك كانت إحدى مواصفاته في الستينات، سواء خلال إلقائه محاضرات أو أثناء الحوار معه.

الصحافة

أتذكر أنه في أحد الدروس سألنا ما هي أهم جريدة في العراق، قال أولّهم اليقظة و آخر البلاد وثالث الزمان ورابع المنار وخامس العرب وسادس الثورة العربية وسابع الجمهورية، وقلت أنا اتحاد الشعب التي لم تعمّر طويلاً كجريدة علنية، وسألني هل هي جريدة سرية الآن؟  قلت له ما يوازيها، ثمّ سألني خارج الصف ماذا تعني؟ فقلت له: اسمها الحالي "طريق الشعب" فقال على الرغم من أنني لم أكن في العراق يوم صدرت (اتحاد الشعب) الّا أنّ الأعداد القليلة والتي لا تتجاوز أصابع اليد التي اطلعتُ عليها، وأنا في فرنسا، كانت تشير إلى مهنيتها ورصانتها وتنوّع موادها وغنى الثقافة فيها بغضّ النظر عن الاختلاف مع توجهاتها، فقد كانت أكثر مدنية وحداثةً وتنويراً. وهو الرأي الذي فاجئنا حينها، في تعليقه داخل الصف وذلك في لحظة وضوح وصراحة. وبعد الانتهاء من المحاضرة، بادرتُ للهمس في أذنه إذا كنت راغباً في ايصال طريق الشعب فيمكنني أن أوفر لك ذلك، وأتذكر أنني زوّدته لأكثر من مرة بها وكلما توفرت الظروف، وما كنت أفعله مع آخرين.

جمعية العلوم السياسية

2307 الشاوي 3ما عزّز علاقتي بمنذر الشاوي هو الحوار معه لإقناعه بترؤوس الجمعية العراقية للعلوم السياسية، وكنت أذهب إلى بيته مساءً مع مسؤول الحركة الاشتراكية العربية "صباح عدّاي" واشترط موافقة البعثيين، وقلنا له بالطبع فذلك أمر لا غنى عنه، ونحن نطمح بائتلاف وطني واسع يشارك فيه الأكراد أيضا، وبالطبع كان زهير يحيى من المتحمسين لرئاسته للجمعية، وهو أحد القيادات البعثية المتنوّرة والمثقفة، وكنت قد جئتُ على ذكر مزاياه أكثر من مرة، وارتبطت به بعلاقة صداقة منذ العام 1966 بعد عودته من لندن ومواصلة الدراسة معنا، وكان عضواً في فرع بغداد، وأصبح في المؤتمر القطري الثامن عضواً في القيادة القطرية لحزب البعث (مرشحاً احتياطيّا)، وهو من الشخصيات التي تستحق الثقة والوفاء، وقد توفي في ظروف غامضة في السبعينات والتقينا الشاوي وأبلغناه دعم البعثيين وحماستهم لرئاسته وهم والحقيقة تُقال، كانوا الأكثر نفوذاً في الجمعية، فاشترط أن يكون الأمين العام (صادق الأسود) وهو أقرب إلى اليسار، فوافق الجميع.

والتقينا عدّة لقاءات حيث مثّل الحركة الاشتراكية سمير العاني وصباح عدّاي وكنت ألتقي هاني إدريس أيضاً للغرض نفسه، امّا حزب البعث فبعد لقاءات عديدة مع زهير يحيى الذي كان مسؤولاً عن تنظيمات وزارة الخارجية وأصبح مسؤولاً عن مدينة الثورة ثمّ نُقل الى الموصل كمسؤول أول فيها أوكل الأمر إلى حامد الجبوري، الذي التقينا به لقاءً واحداً في وزارة الشباب، ثمّ تفرّغ للمهمة الصديق مجبل السامرائي سفيرنا في أوسلو قبل تقاعده (أعيد بعد الاحتلال للعمل الديبلوماسي). ومثّل الأكراد طيّب محمد طيّب وصلاح عقراوي وكانا من مجموعة المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني (ابراهيم أحمد - جلال الطالباني)، والأمر قبل بيان 11 آذار (مارس) 1970، أما الحزب الشيوعي فقد مثّله (كاتب السطور) واتفقنا على أن يكون منذر الشاوي الرئيس وصادق الأسود أميناً عاماً وأحد البعثيين (مجبل السامرائي) وأحد الشيوعيين (كاتب السطور) نواباً للرئيس أو حتى بصفة أعضاء إذا اتفقنا على (الرئيس والأمين العام وأمين الصندوق) ويأتي كل طرف منّا بعضو مستقل (ويكون العدد 9) واتفقنا على ذلك، واستبشر البعثييون بالتحالف الأول الذي حصل على الصعيد المهني.

وقبل الإعلان عن موعد الانتخابات قانونياً، هاتفني الشاوي وطلب حضوري إلى منزله (القريب من منزلي في العطيفية) وكذلك بالقرب من منزل صباح عدّاي وحين قلتُ له هل أبلغ صباح عدّاي؟ قال لي تعال لوحدك في الثامنة وأبلغه بالحضور في التاسعة مساءً. وذهبت إليه وكان يرتدي سترة النوم (الروب) فوق القميص والبنطلون، وجلستُ أمامه وكان يُحدّق عاليا، فقال لي: أنني أعتذر عن الترشيح وفوجئتُ بالخبر، بل وقع عليّ كما هي الصاعقة ، فقد بذلنا محاولات دامت لأكثر من ثلاثة أشهر لترتيب القائمة، وهكذا انسحب الأسود أيضاً وكان التشكيل لاحقاً ضعيفاً، فرشحنا من جانبنا نعمان شعبان واحتياطي أحد الشخصيات على ملاكنا لعدم موافقتهم على ترشيح السيّدة رجاء الزنبوري، وكان الأخير قلقاً وغير مستقرّ، وقد أبلغت الرفيق ماجد عبد الرضا حينها بشأنه، فقلت له أنّه الآن معنا وصديق لنا ويدفع تبرعات مستمرة منذ ثلاث سنوات، لكنه إذا تمّ الضغط علينا قليلاً فسينسحب، وإذا ازداد سينتقل إلى الطرف الآخر، وهو ما حصل بالفعل فقد تسلّق المواقع سريعاً.

ويضحك معي جليل الشيخ راضي، حين قال لي مرة: لقد أمضيت في حزب البعث ما يزيد عن ربع قرن، ولست سوى عضوا، فكيف أصبح "صاحبكم" عضو شعبةً وتلك واحدة من مفارقات الوضع السياسي وربما يوجد مثلها الكثير ما بعد الإحتلال فقسم من الذين عملوا في تنظيمات حزب البعث أو الصف الوطني أصبحوا كوادر متقدمة لدى الأحزاب القائمة وانتقلوا من ضفّة إلى أخرى، بل أنّ بعضهم أصبح الأكثر تطرفاً، ورشّح صباح عدّاي عن القوميين وصلاح عقراوي عن الأكراد وأصبح الرئيس طه الحديثي (ماجيستير علوم سياسية) واختزلت المناصب الأخرى إلى صفة عضو فقط.

قال لي منذر الشاوي في الخلوة بيني وبينه: نحن نريدها جمعية حقوقية فكرية ثقافية ونريد اصدار مجلة حرّة ونريد اثارة مواضيع للنقاش والجدل، والجو العام لا يسمح بذلك، لذلك قررتُ الابتعاد وهذا الأمر بيني وبينك، وما سأقوله لصباح والآخرين أنني متفرغ للكتابة ولدي مشاريع أخرى.

كان ذلك قبل أن يستدعى ليشارك في صياغة الدستور العراقي المؤقت  (تموز/ يوليو/ 1970) ومن ثمّ توكل إليه المهمات الرسمية التي قام بها بجدارة بغضّ النظر عن الرأي فيها، وأظنّه اقتنع في تلك الظروف أن السبيل لكي يكون دوره أكبر وأكثر تأثيراً هو بالانتماء إلى حزب البعث، سواء كان الأمر طوعاً أو اضطراراً وقد تمّ الأمر على مراحل و بالتدرّج، فالظروف العامة كانت تميل بهذا الاتجاه، وعمل في المكتب المهني وكان مسؤوله لفترة شبيب المالكي، علماً بأن المؤسسات والمنظمات المهنية كلها تابعة للمكتب المهني، بما فيها الجمعية العراقية للعلوم السياسية، وكان آخر مسؤول للمكتب المهني عبد الغني عبد الغفور، وبالعودة إلى الجمعية العراقية للعلوم السياسية التي نشط فيها لفترة  وميض عمر نظمي، كما ساهم في تأسيس "الجمعية العربية للعلوم السياسية" في قبرص، وأصبح أميناً عاماً لها، وقد ترأس منذر المطلك عضو المكتب المهني الجمعية العراقية للعلوم السياسية، وكان أن التقيته في مؤتمر ديربن بجنوب أفريقيا 2001 رئيساً للوفد العراقي الذي ضمّ الصديق رياض عبد العزيز النجم والصديق نعمان شاكر نقيب المحامين الذي تعرفتُ عليه لأول مرة وثائره العاملة في الطاقة الذرية التي تعرفتُ عليها ولم ألتقِ بها لاحقاً.

ويومها فاجئني منذر المطلك ملاطفاً ما الذي أتى بك إلى هنا؟ قلت له أنا الذي أسأل ما الذي أتى بك أنتَ إلى هنا؟ فقال صرنا مثلكم " مجتمع مدني" ثمّ سألته بعد ذلك ماذا تقصد؟ فقال: أنني رئيسٌ للجمعية العراقية للعلوم السياسية، وكانت الجمعية قد انضمّت إلى جمعية الحقوقيين العراقيين بعض اعتقال بعض أعضائها بمن فيهم من الهيئة الإدارية وابتعاد الأفراد المحسوبين على المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني بعد بيان 11 آذار (مارس) 1970، لكنها حسبما يبدو عاودت النشاط كمنظمة مهنية مستقلة، فرويتُ له كيف تأسست الجمعية وما هي التحضيرات الأولى واللقاءات التمهيدية ومن ثمّ الحوارات للوصول إلى صيغة مشتركة وتلك حكاية أخرى لا بدّ من التوقف عندها في وقتٍ لاحقٍ، ويهمني أن أنوّه هنا إلى ما سمعته من المطلك والنجم من معاناة إنسانية وشخصية وعامة كانا يعيشانها وتلك تحتاج إلى سردية خاصة كنت قد وضعتها ضمن مشروعي النقدي.

في عمّان

بعد أن تعرّض منذر الشاوي إلى احتجاز في بغداد العام 2005 قال أنّ أحد طلابه من المتطرفين في النظام السابق كان وراءها، وذلك حين تمّ ترشيحه ضمن مجموعة ما يسمّى بالمكوّن السّني حيث أضيف  15 عضواً إلى لجنة صياغة الدستور الذي وضع مسوّداته نوح فيلدمان  وقام بتنقيح بعض أجزائه بيتر غالبرايت، ولاطفته هنا أين سيكون موقع منذر الشاوي؟ قال: تلك غلطةٌ لم أقدّر أبعادها، وبعدها اضطرّ إلى الهجرة إلى عمّان التي عاش فيها منذ العام 2005 ولغاية وفاته، ولعل خطوة قبوله الانضمام إلى تلك اللجنة كانت خطوة خارج السياق وهي تتعارض مع ما عمله طيلة ما يزيد عن ثلاثين عاماً في أعلى المواقع الحكومية والادارية، وفي عمّان عاش حياة بسيطة أقرب إلى التقشف في شقة متواضعة كنت قد زرته فيها أكثر من مرة، بعد أن زارني عدّة مرات في الفندق وأهداني كتبه الجديدة وكنتُ مسروراً مثلما هو باستعادة العلاقة، وكان صاحب دار ورد محمد الشرقاوي هو الذي يقوم بطبع كتبه، مثلما طبع لي أكثر من كتاب وأدوّن هنا اهداء أحدها لي بخطّه الجميل وحروفه الأنيقة "إلى المفكر العربي الأخ الدكتور عبد الحسين شعبان مع فائق الود والاعتزاز منذر الشاوي الأول من حزيران 2008"، وحين تدهورت صحته ولا سيّما بعد وفاة زوجته "أمّ النعمان" كنت أزوره في المنزل بصحبة أحد الأصدقاء وفي أحد المرات بصحبة الدكتور حسن البزاز كما أتذكّر.

في آخر لقاء لي معه في عمّان ومنذ نحو سنتين تقريباً من وفاته، في تموز (يوليو) 2019 كان متعباً وبدا نحيفاً بذاكرة مشوشة، زرناه مجموعة من طلبته اجتمع بعضها عن طريق الصدفة في لقاء فكري وضمّت المجموعة البروفيسور عامر حسن فياض (مدير مكتبه قبل سفره للعمل في ليبيا) والبروفيسور شيزارد النجار والدكتور نجدت عقراوي والدكتورة خانزاد أحمد، وكانت الرغبة الجماعية الاتصال باستاذهم القديم وقد اتصلتُ به وأبلغته بذلك وسألته إذا كان وضعه الصحي يسمح بالزيارة، فرحّب باللقاء وطلب مني الأسماء فذكرتها له.

وبما أنه كان يعيش وحيداً فقد طلب حضور أحد طلبته القدامى وزميله في الوزارة لاحقاً الذي كان يتردد عليه وهو سمير الشيخلي وزير الداخلية الأسبق، الذي كان باستقبالنا وتمتدّ علاقتي بالشيخلي إلى أواسط الستينات، وكان آخر لقاء بيننا في نهاية العام 1969 أو مطلع العام 1970، وكان اللقاء مع الدكتور منذر الشاوي ممتعاً وشيّقاً كالعادة، وحين تقدّمت منه إحدى زميلاتنا لالتقاط صورة تذكارية، قلت لها اقتربي منه، بل والتصقي به فإنه يحبّ الحلوات، فضحك الشاوي من القلب لهذه الأجواء المملّحة الذي ذكّرته بالماضي الجميل، وحلّت تلك الضحكة في ذاكرتنا كلّ ما التقينا نتذكّرها بمودة وشعور الامتنان لاستاذنا.

هشام الشاوي: سجل حافل

ربطتني علاقة شخصية بشقيقه هشام الشاوي خرّيج جامعة أكسفورد، وكان حين يتحدث بالانكليزية لا يمكنك تمييزه عن الانكليز، وهو ما فاجئ به الصحفيون الأجانب في المؤتمر الصحافي الذي عُقدَ في لندن اثر انتقاله للمعارضة في ربيع العام 1993 ، وبعد أن عمل سفيراً في كندا وقد وصل في الفترة ذاتها حامد الجبوري، وبالمناسبة فقد درّسنا هشام الشاوي "الدبلوماسية" في السنة الرابعة من الدراسة العام 1967، وكانت علاقتي قد توطدت في لندن خلال الأشهر القليلة التي مكث فيها قبل اضطراره المغادرة إلى المملكة العربية السعودية، وفيما بعد في الرياض.

كان هشام الشاوي يختلف عن منذر فقد كان قومي الهوى لدرجة المحافظة أحياناً، وقد أسسّ مع المحامي يوسف الخرسان "الرابطة القومية" وعمل معهما لفترة الشاعر عدنان الراوي، الذي سبق أن أُسقطت عنه الجنسية العراقية في العهد الملكي، لكنها ظلّت منظمة على الهامش، وقد استوزر كوزير للتعليم العالي ووزيراً للشؤون الخارجية في السبعينات، وأدخل كقومي إلى الجهة الوطنية مع دكتور نزارالطبقجلي الذي هو الآخر أقرب إلى التيار القومي والذين عملوا تحت هذه المظلة.

ويمتاز هشام الشاوي بمسألتين لا يضاهيه فيهما أحد: الاولى: لغته العربية الصافية، وكان متمكنّا منها وبارعاً في استخدامها، حيث كان يرفض الحديث بالعامية لأي أمر وفي أية قضية، وكان الرفيق عامر عبدالله الذي زامله في الوزارة شديد الإعجاب به وفي الوقت نفسه يحاول مناقشته بشأن اللغة ودورها ووظيفتها كما أخبرني وقد التقاه في لندن أيضا. والثانية: معرفته بتاريخ العشائر فهو من العبيدات ويستطيع بسرعة خاطفة أن يُظهر لك شجرة العائلة وأين يمكن أن تلتقي مع العبيدات؟ وحين سألني عن أصل شعبان، فأجبته أنّه الجد السادس القاضي عبدالله الشعبان رئيس الخدمة في حضرة الإمام علي، والأصل حميري قحطانيٌّ من جبل النبي شُعيب في اليمن، فأكمل لي المشهد وذلك خلال دعوته لي في الرياض بفندق الإنتركونتننتال وفي كل زيارة لي للرياض لم أكن أتردد من اللقاء بأبو الحكم لما في حديثه من علم وفائدة ومتعة. وآخر لقاء لي معه في عمّان في مطعم بالصدفة ثم عرفت أنه توفي بعد بضعة أشهر 2013، وهو أصغر من منذر بسنتين.

منذر الشاوي في سطور

تخرّج الشاوي من كلية الحقوق في بغداد، العام 1951 ونال دبلوم العلوم القانونية في العام 1954 والدكتوراه في العام 1956، وحصل على درجة شرف في دكتوراه الدولة من جامعة تولوز حيث كان الفائز الأول في الاطروحات العام 1961 ، ودرّس في جامعة بغداد ونال درجة الاستاذية في العام 1973 وكان استاذاً في المعهد القضائي 1977- 1988 وقال لي القاضي رزكار أمين الذي كان أول قاضٍ لمحاكمة صدام حسين واستقال احتجاجاً على تدخلات خارجية كما أفاد، أن أكثر أستاذ استفاد منه هو منذر الشاوي، وفرح كثيراً حين عرف علاقتي الطيبة به، كما درّس في جامعة النهرين (صدام سابقاً) من العام 1992 ولغاية العام 2002.

ومن أهم مؤلفاته:

- نظرية الدستور (1964)

- نظرية الدولة (1966)

- القانون الدستوري والمؤسسات الدستورية في العراق

- فلسفة القانون (1994)

- المدخل لدراسة القانون الوضعي 1996

- الدولة الديمقراطية في القضية السياسية والقانونية

- تأملات في الثقافة والقانون

- فلسفة الدولة 2013

- تأملات في فلسفة حكم البشر

- القانون والحياة 2008

***

رحل الشاوي وحيداً ومكسوراً في عمّان وفي ظروف جائحة كورونا التي جعلت من التباعد الاجتماعي قانوناً ينطبق على المجتمع، وهكذا وريَ التراب في عمّان في ظرف استثنائي، ويحتاج منا نحن طلبته وزملاؤه وأصدقاؤه والمعنيين بقضايا الحقوق والقانون والفلسفة والثقافة الاهتمام بتراثه وجمعه، فعسى أن نفيه حقّه وهي دعوة لإقامة احتفالية له عند مرور عام على وفاته.

 

د. عبد الحسين شعبان

 

 

 

محمود محمد علي

في دراسة رائعة لأستاذنا الدكتور محمد عبد الستار، وهي بعنوان "البعد الوظيفي في دراسة الفنون التطبيقية الإسلامية – دراسة حالة لمسرجة متعددة الأغراض والقناديل الزجاجية المملوكية؛ أكد الدكتور عبد الستار بأن دراسات الآثار الإسلامية انطلقت في النصف الأول من القرن الماضي انطلاقة مؤسسـة على دراسة هذه الآثار في إطار بعدها الفني الزخرفي، وإبراز القيم الزخرفية الجماليـة لهـذه الآثار، ولم ينل البعد الوظيفي الاهتمام المطلوب، بالرغم من أنه الأساس في وجود الأثر نفسـه، حيث أن إنتاجه كان لتحقيق غرض نفعي في المقام الأول، وظل هذا التوجه البحثي غالباً فـي معظم الدراسات والبحوث التي ركزت على الجانب الزخرفي باعتبار أهميته كمؤشر أيضاً في تحديد تأريخ الأثر وربما توظيفه أيضاً بالرغم من تطور علم الآثار تطوراً كبيراً، أدى إلى اعتماد مؤشرات كثيرة أخرى تساعد على التأريخ وتحديد الإطار الجغرافي الذي أُنتج فيه هذا الأثر أو ذاك وبالرغم من أن المؤشر الزخرفي نسبي في اعتماده كمؤشر علمي في تحديد التأريخ أو الإطار الجغرافي ومن ثم يحتاج هذا المؤشر إلى مراجعة في عملية التأريخ وتحديد موطن التحفة الأثرية.

وانعكس هذا التوجه البحثي كما يقول الدكتور عبد الستار في دراسة اللقي الأثرية (الفنون التطبيقية الإسلامية) انعكاسا واضحا ومباشرا فنال البعد الزخرفي جل الاهتمام أيضا، وهذا يبدو نتيجة مباشرة لما ينتج من معرفة في إطار التوجه البحثي نحو الزخرفة ولم ينل البعد الوظيفي من الاهتمام سوى الإشارة إلى مسمى اللقية الأثرية، ولوحظ أن كثيرا من البحوث والدراسات في الآونـة الأخيرة لـم تستطع أن تحدد المسمى الصحيح الذي يعكس الوظيفة التي أُنتجت من أجلها اللقيـة الأثرية وتذكر مسمى آخر، بما لا يرتبط وظيفيا باللقية بالمرة، وربما يتماس معها، وهو ما أدى إلى التباس واضح في معرفة الغرض الوظيفي الأساسي الذي تؤديه اللقية الأثرية.

من هذه الدراسات على سبيل المثال كما يؤكد الدكتور عبد الستار ما أشار إلى الخيوان أو المنضدة على أنها "كرسي عشاء" ومنها ما أشار إلى "مسرجة هباب" على أنها "شمعدان" . فقد أشارت الدراسات لخيـوان الناصر محمد بن قلاوون المحفوظ بمتحف الفن الإسلامي علي أنه كرسي عشاء الناصر محمد بن قلاوون ، ولا نعرف سبب أو مصدر هذه التسمية "كرسي"، ولا تحديد وظيفة هذا الكرسـي بأنه للعشاء تحديدا (؟!). ومن الملفت للانتباه أن هذه الدراسات تتضمن أيضا الإشارة إلى عدة وظائف أخرى مفادها أن الأثر عبارة عن منضدة لوضع أشياء عليها قـد يكـون من بينهـا "الصينية" التي يوضع عليها الأكل. ولم يرد في هذا السياق دراسة حقيقيـة لشـكل الخيوان وقياساته، والإطار الثقافي العام الذي يساعد على استخدامه في وظيفة من بين هذه الوظـائف ولذلك لم يتم الربط بين مادة صنعه وهيئته الزخرفية والغرض الوظيفي منه.

وثمة نقطة أخري مهمة وجديرة بالدراسة يؤكد عليها أستاذنا الدكتور عبد الستار، ألا وهي أن البحث في البعد الوظيفي يتطلب عرفة تراكمية مهمة تتصل مباشرة باستخدامات اللقـى الأثرية بموادها المختلفة في عصورها المتتابعة، ولما كان الفخار من أهم المواد الأثرية وأكثرها تواجدها في المواقع الأثرية، ومن أكثر المواد المساعدة على تأريخ المواد في المواقع الأثرية وطبقاتها المتتابعة، فإن اختيار هذه المادة لإلقاء الضوء على استخداماتها يعتبر مثالاً جيداً ومؤشراً واضحاً لبيان أهمية المعرفة التراكمية المرتبطة بالبعد الوظيفي لأي مادة من المواد التي تصنع منها اللقى الأثرية. فالفخار له استخدامات في مجال العمارة حيث تصنع منه أنابيب المياه والبخار في المنشآت المائية كالحمامات، وقناطر المياه، والتوصيلات المائية للفساقي، والمطابخ والمرافق التي تستخدم الماء في الدور وغيرها ، واُستخدم الفخار في صناعة البلاطات المزججة " القيشاني" كأحد أنواع المواد الرئيسية المستخدمة في تكسية الجدران والقباب والمآذن وغيرها، وأُستخدم الفخار أيضاً في صناعة القراميد الفخارية التي تغطي بها السطوح في بعض المنشآت بالبلاد المطيرة، كما صنعت منه بعض أنواع الميازيب التي تخلص سطوح المنشآت من مياه المطر وتصرف إلى الطرقات أو الأرض الخالية المجاورة للدور، وأُستخدم الفخار أيضاً في "البرابخ" في منشآت الري وهي أنابيب قطرها كبير نسبياً تنقل الماء من موضع إلى آخر ويسهل سدها وفتحها، وهناك استخدامات أخرى لا يتسع المجال لسردها في مجال العمارة، وربما يكشف عن استخدامات أخرى للفخـار في هذا المجال.

ثم يؤكد لنا الدكتور عبد الستار أنه من المحاور المهمة في دارسة البعد الوظيفي المحور الذي يربط بين نوعية المواد التي يصنع منها الفخار وبين الغرض الوظيفي للمنتج الفخاري الذي يصنع منها. وعلى سبيل المثال هناك من الأواني ما يحتاج استخدامه إلى صناعته من مواد تكون مساميتها كبيرة كقلل الشرب والأزيار؛ حيث تقوم وظيفتها في الأساس على نضوح الماء على جدرانها الخارجية وتبخـره فيبرد بدن الآنية وبالتالي يبرد الماء بداخلها فيكون مستساغًا للشرب في أيام الحـر . وتختلـف هذه النوعية من الأواني الفخارية بالطبع عن نوعية أخرى تكون الحاجة إلى استخدامها قائمـة على منع تسرب المادة السائلة بداخلها من النضوح والتسرب إلى خارجها، مما يتطلب صناعة فخارها من مواد دقيقة المسام؛ لتمنع مثل هذا التسرب، كما يفضل طلاؤها بطلاءات زجاجيـة تمنعه منعا باتًا من تسرب هذه المواد عبر جدران أبدانها، ومن أمثلة هذه الأواني بعض أواني المائدة التي توضع بها السوائل الساخنة، وبراني السمن وأواني تخـزين الزيـوت ، والمحـابر الخزفية وغيرها. وهناك من الأواني الفخارية ما يوضع على النار فترات طويلة كـأواني الطهي، أو بوتقات صهر المعادن النفيسة كالذهب أو الفضة وهذه تتطلب أن تكون صناعتها من مواد مكونة لفخار يتناسب وهذا الاستخدام. وهناك من الأواني ما يستخدم ويكون معرضا أثناء الاستخدام للكسر ولذلك يفضل أن يكون صناعة هذه الأواني من نوعيات من المواد تؤكد صلابة الآنية، ويمتد تأثير الكسر ليس فقط في اختيار نوعية المواد ولكن إلي طريقة التشغيل ذاتها؛ وفي إطار ما سبق يتضح أن لطبيعة المواد التي تصنع منها اللقى الأثرية ارتباطها ارتباطا مباشرا بوظيفتها، وفي إطار هذه العلاقة يمكن دراسة المواد المكونة للفخار بنوعياتها المختلفة سواء كانت مواد أساسية أو مواد حشو.

وحول دراسة مصادر دراسة البعد الوظيفي ؛ يؤكد الدكتور عبد الستار أن :" دراسة وتحديد الوظيفة التي صنعت من أجلها اللقية الفخارية، قد تبدو سهلة وواضحة في بعض اللقى، وبخاصة التي ما زالت تستخدم حتى اليوم، لكنها قد تبدو صعبة وملغزة في بعض اللقى الفخارية، التي لم تعد وظائفها قائمة بفعل التطور الحضاري، الذي أدى إلى انقراضها واختفائها. ويعكس هذا الأمر إمكانية العثور على لقى فخارية كثيرة لا يمكن بسهولة إدراك وظائفها، ومن ثم يحتاج الأمر إلى إدراك السبل التي يمكن بها الوصول إلى كنه وظائفها ".

وفي نهاية حديثنا عن الأستاذ الدكتور محمد عبد الستار لا أملك إلا أن أقول تحية طيبة لأستاذنا الفاضل الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

 

محمود محمد عليبديهياً المسلمون والعرب بشر، والبشر، يبنون، ويسالمون، ويحاربون، ويزرعون، ويحصدون، وأيضاً يحبون الجمال، والفن، تذوقاً وإبداعاً.. ربما نحتاج للتذكر بهذه البديهيات والمسلمات الواضحات حتي نتذكر من نحن، وماذا يجب علينا أن نفعل، وكيف نري أنفسنا، وكيف علي العالم أن يرانا.. نحن لسنا التزمت، والشك، والسوء، والقتل، والنحر، والحرق، وكره الآخرن وقمع المرأة، والفوضى، وكراهية حكم القانون، والتمرد عليه .. نحن لسنا "داعش"، ولسنا "الظواهري"، ولسنا "البغدادي"، ولسنا أعداءً للفن، والحياة، والمسرح، والموسيقي.. نحن لسنا من نراهم يفسدون بهجة الناس، ويزرعون الشكوك، والإرجاف بينهم بحجة حماية الفضيلة والقيم.

ملاحظة غريبة جُل من يدعي الدفاع عن الهوية الإسلامية، أو الأصالة الدينية، والخصوصية الثقافية الإسلامية، جُلهم من أجهل خلق الله بالتراث نفسه، هم يتعاطون مجرد معلبات كلامية تافهة أو سطحية، هي ما يعتمدون عليه في إيذاء الناس وتقبيح الحياة لهم إلزامهم بفهمها .

نعم هناك فن، وحضارة، وإبداع، وجمال في تراث المسلمين، كل المسلمين بشتي أممهم، وشعوبهم، وأعراقهم، من ذلك فن العمارة والزخرفة الذي بلغ شأناً كبيراً لدي الفنان والمعماري المسلم من أقصي المغرب في مراكش، إلي أقصي المشرق في إيران والهند .. تحف معمارية ظلت شاهدة علي براعة الفنان المسلم وتذوقه للجمال وإتقانه للعمل كالمساجد الجامعة وقصور الخلفاء .

وعندما استقرت الخلافة الأموية في دمشق وُضع نظاماً لاستيراد المواد الخام للبناء لاستقدام الأيدي الماهرة والعاملة الممتازة من كافة أنحاء الدولة الأموية الكبرى .. كان المعلمون من المصريين، والشوام، والفرس، والروم، يعملون جنباً إلي جنب، يتعاونون في تحقيق حركة البناء النشطة التي كانت تتزايد مع الأيام .

كانت رسالة للحياة وتمسكاً بها واستشعاراً لروعتها، ولقد سطر هذا الجمال عبر التاريخ سطوراً من ذهب، وأصبح ملهماً للأجيال كل الأجيال .. هي رسالة مشرقة من الماضي مازالت تنير واقعنا المعتم والمظلم في كثير من جوانبه.. هناك أيضاً مدارس وطرز مختلفة لإبداع العمارة الإسلامية من أموي، وعباسي، وعثماني، وفارسي، وهندي، ومصري، وأندلسي، ومغربي .. ظلت كل هذه الأصناف نبعا يسقي كل المعماريين في كل العالم .. حياة من الفنون في الحضارة الإسلامية تُشع بالبهجة وتذوق الجمال.. فهل نسيناها خلفنا بين مخلفات القتل والموت التي للأسف أصبحت سمة لحاضرنا؟!

وقد نشأت العمارة الإسلامية كحرفة من حرف البناء في أبسط أشكاله، ثم تطورت حتي تفرعت عنها مجموعة من الفنون المعمارية المختلفة، هذه العمارة، وهي أحد أهم مظاهر الحضارة الإسلامية التي ميزت التاريخ الإسلامي، صفوة كبيرة اليوم تعمل علي تجديد الوعي بأصول هذه العمارة، وتدريس المبادئ الأساسية للتصميم الإسلامي، وإثبات أن هذا الفن التقليدي قابل للتجديد.

ومن هؤلاء نذكر الأستاذ الدكتور "محمد عبد الستار عثمان"-أستاذ الآثار الإسلامية المتفرغ  بكلية الآثار - جامعة سوهاج، ذلك المفكر الأثاري المرموق الذى قطع رحلة طويلة ‏عبر آفاق العمارة الإسلامية‎ ‎وفروعها المختلفة، واستطاع ‏باجتهاده أن يصل إلى تصور شامل لنظرية العمارة الإسلامية، ‏فلسفة‎ ‎وفكراً، وأحد الأساتذة الجامعيين الذين يقومون بتدريس العمارة الإسلامية من وجهة نظر إسلامية خالصة، بعد أن كانت تًدرس من خلال الدرس الاستشراقي الذي ربط العمارة الإسلامية بالتراث اليوناني، والفارسي والبينزنطي، وأهم من نادوا بالبحث عن أوجه الأصالة والابتكار في العمارة الإسلامية، وهو بالإضافة إلي ذلك نموذج للأستاذ الجامعي كما ينبغي أن يكون سواء في التزامه بأداء واجباته الوظيفية الاكاديمية علي أحسن ما يكون الأداء، أو في ارتباطه بطلابه في علاقة انسانية رفيعة المستوي في هدي من التقاليد الجامعية التي يحرص عليها كل الحرص، إذ هي دستوره في كل معاملاته مع كل من هو في الوسط الجامعي .

يشهد علي ذلك زملاؤه بكلية الآداب بسوهاج - جامعة أسيوط (سابقاً) التي شهدت مولده الوظيفي في ثمانينيات القرن الماضي، بل ويشهد علي ذلك زملاؤه وطلابه في كل الجامعات المصرية والعربية التي عمل بها استاذا ومحاضراً لسنوات عديدة . وما زال أمد الله في عمره يواصل العطاء في تفانِ وإخلاص نادر لطلابه في كل جامعات مصر والعالم العربي من مشرقه إلي مغربه.

ومحمد عبد الستار (مع حفظ الألقاب) ولد في السابع والعشرين من شهر سبتمبر لعام 1951م ، وقد حصل علي ليسانس، يوليو 1973 بتقدير جيد جداً، تخصص عام آثار، تخصص دقيق آثار إسلامية، جامعة القاهرة، كلية الآداب، قسم آثار إسلامية، ثم حصل علي الماجستير عن رسالة بعنوان "الأعمال المعمارية للسلطان الأشرف برسباي بمدينة القاهرة"، فبراير 1977م، ثم بعد ذلك حصل علي الدكتوراه عن رسالة بعنوان "نظرية الوظيفية في العمائر الدينية المملوكية بمدينة القاهرة"، يناير 1980 م بمرتبة الشرف الأولى وتوصية بطبع الرسالة وتبادلها بين الجامعات الأخرى، تخصص عام: آثار، تخصص دقيق: الآثار الإسلامية.

لم يكتف بذلك أخذ يمارس حياته الأكاديمية داخل الجامعة، ففي الفترة من عام 1990 - 1995حصل علي درجة أستاذ مساعد، وخلال أواخر عام 1995 نال درجة الأستاذية، وبعد ذلك صار عميد كلية الآداب بقنا، ورئيس قسم الآثار الإسلامية بآداب سوهاج كلية الآداب بقنا- جامعة جنوب الوادي - أبريل 1999 نوفمبر 2002، ثم عميد كلية الآداب ورئيس قسم الآثار الإسلامية كلية الآداب بسوهاج - جامعة جنوب الوادي سبتمبر 2004 نوفمبر 2006، ثم نائب رئيس جامعة سوهاج سبتمبر 2006 سبتمبر 2010، وهو الآن أستاذ متفرغ بكلية الآثار – جامعة سوهاج.

والدكتور محمد عبد الستار أحد أبرز النقاد والأكاديميين الذين اجتهدوا في سحب الآثار الإسلامية إلي مناطق موغلة في الأهمية، وتعد القراءة المعمارية للجمال والفنن  في الإسلام من أهم الموضوعات التي تناولتها كتابات عبد الستار، فضلا عن قراءاته النقدية المستندة علي خلفية الدراسات الآثارية الإسلامية ؛ وفي كتابه " المدينة الإسلامية " يبين أن الجمال الإسلامي يقوم علي التماثل والانسجام، ويبين ذلك من خلال بيان أن فكرة التماثل أو التناسق أو الانسجام فكرة قديمة تعود إلي أيام فيثاغوس وأفلاطون وأرسطو لكنها فكرة نسبية أيضاً.

علاوة  علي أن لمحمد عبد الستار كتابات وأبحاث  كثيرة غير كتاب المدينة الإسلامية  نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر: كتاب الجامع الأقمر: دراسات آثارية معمارية، وكتاب دراسات في العمارة التقليدية في المنطقة العربية، 2011م، وكتاب دراسات فى العمارة التقليدية فى المنطقة العربية 2012، وكتاب "طراز دراهم العنزة والمحراب (رؤية جديدة تنسبه للخليفة عبد الله بن الزبير)"، وكتاب "الضوابط الفقهية لتوسعة المساجد: دراسة تطبيقية على الجامع الأزهر"، وكتاب (فى صناعة الخط وفنه فى العصر المملوكي )، وسلسلة (دراسات فى فقه العمران الأباضي)، وكتاب فقه العمران الإسلامي وأهميته للدراسات الآثارية العمرانية والمعمارية دراسة تطبيقية على كتابه القسمة وأصول الأرضين للفرسطائي والإعلام بأحكام البنيان لابن الرامى.. وهلم جرا..

علاوة علي مشاركته علي مؤتمرات محلية ودولية؛ نذكر منها مثلاً مشاركته "المؤتمر الدولى الأول لمعهد الدراسات العليا للبردى والنقوش وفنون الترميم - جامعة عين شمس " الذى انعقد فى الفترة من 28 إلى 30 مارس بدار الضيافة بجامعة عين شمس تحت رعاية الدكتور عبد الوهاب عزت رئيس الجامعة والمشرف العام على المؤتمر، وكما ألقى سيادته بحثًا تحت عنوان " الضوابط الفقهية لتوسعة المساجد: دراسة تطبيقية على الجامع الأزهر".

وفي تلك الكتب والبحوث فقد تميّزت أعماله الآثارية البنائية والمعمارية الوظيفية بالكثرة والقوة والمتانة والضخامة المصحوبة أيضا بمظاهر من الجمال والرّوعة، وخاصة في دراسة المدن الإسلامية، ودراسة وتحليل الوثائق المرتبطة بالآثار المعمارية بأنماطها المختلفة؛ وبخاصة فى العصرين المملوكي والعثماني فى مصر، وفقه العمران والعمارة الإسلامية وتأثير الأحكام الفقهية على صياغتها فى العصور المختلفة والمذاهب الدينية الإسلامية (المالكي- الأباضي- الشيعي)، والنقوش والكتابات الاسلامية على الآثار؛ وبخاصة العربية منها في العصور المتتابعة من بداية القرن الأول الهجري حتى القرن الثالث عشر، والمسكوكات والصنج الزجاجية الاسلامية فى العصر الإسلامي المبكر، مع التركيز الرائع والمبدع بدراسة الآثار الاسلامية من حيث البعد الوظيفي وليس البعد الشكلي فقظ فى إطار نطاق عصرها.. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل

 

قحطان الفرج الله"الغرب أحسن تجاوز عالم الوعظ بالعلم والمعرفة، وأحسن تجاوز عالم الغيب بعالم الشهادة، ومازال العرب خير سفراء للقرون الوسطى!!!"

د. سليمان العطار

مر عام على رحيل المفكر المصري سليمان العطار، ولازال السؤال يدور في اذهان الكثيرين من الذين جالسوه أو حضروا دروسه، من هو العطار الذي أسر بحبّة الجميع وحزن لرحيله؟ من هو ذلك العبقري الذي آثر أن يكون بعيدًا عن الأضواء والشهرة رغم ما يملك من عقلية علمية وإنسانية جبارة؟ قد يكون من طريف القول إن العطار هو من يجيب على ذلك، ففي حوار خاص اجراه الصحفي الصديق عبد الكريم الحجراوي، حين سأل الراحل، من الأكثر تأثيرًا في حياة الدكتور سليمان العطار؟ اجابه: "عبد العزيز الاهواني رحمه الله، لأنه كان مبدعًا، فهو من أدخل الدراسات الأندلسية في مصر والعالم العربي، وإن كانت قد بدأت منذ القرن التاسع عشر لكن هو من طورها وأعطاها دفعة، وهو السبب في دراسة الأدب الشعبي مع الدكتور عبد الحميد يونس، فهو مثل أرسطو لم يؤلف كتبًا كثيرة وكان يقول تلاميذي هم كتبي".

باختصار سليمان العطار كتاب عظيم يصلح للقراءة مرات ومرات فقد جسد بحق سلوك المثقف العضوي الذي يمارس الثقافة كسلوك يومي ولا يرفع شعارًا دون حراك. فهو يؤمن أن الوعي منطقة شعور لا منطقة عقل فقط.  ووظيفة المثقف فيه إشاعة مفاهيم الثقافة، وفي طليعتها الحفاظ على قيم الإنسانية المطلقة، ولابد له من أن يمتلك رؤية للعالم والكون، وأن يساهم في بناء المشاريع الحضارية الكبرى، وعليه التصدي لتيارات العنف، واستبدال ذلك بالحوار وقبول المختلف، ونبذ التخلف والجهل والرأي الواحد، ويشجع روح الإبداع والابتكار، يتمرد على روح التنميط الثقافي والجمود والتحجر أمام النصوص وتقديسها كأفكار لا تقبل النقاش، ويعمل على تشغيل آلة الزمن ليسافر نحو المستقبل، لا ليعود إلى الماضي لاعنـــًا الحاضر دون المساهمة في تغيره أو السعي إلى ذلك من خلال البدء بالنفس.

جسد المفكر سليمان العطار ذلك من خلال كتاباته وترجماته، وسلوكه بشكل دقيق جدًا، ففي كتابه الذي توقع هو شخصيــًا أن يثير جدلا في الاوساط الاكاديمية والثقافية (مقدمة في تاريخ الأدب العربي دراسة في بنية العقل العربي) غاص العطار نحو الجذور التي حولت (تاريخ دين) إلى بديل غير منصف لتاريخ شعوب عربية بأكملها مما تحمله من تنوع ثقافي واجتماعي، أثر ذلك بشكل كبير في قضية التشرذم والتشتت العربي المأساوي، فاصبح العرب بعد ذلك يبحثون عن وشم  لتاريخهم المفقود في خضم النهضة الكبيرة التي اجتاحت العالم الغربي وصُدم العرب ازاءها عندما قرر محمد علي باشا ارسال بعثات إلى ذلك العالم المجهول.

 إن ذلك التاريخ الذي شُطب من الذاكرة بفعل فاعل ووصم بالجهالة؟! حاول محمد علي باشا بث الروح فيه من مرة أخرى سعيـًا نحو عالم جديد وافق مغاير لتحويل مصر إلى امبراطورية حديثة، ولكنه وقع هو ورجاله أمام مشاكل عويصة اسمها (التراث)، فكان امام خياريين لا ثالث لهما الأول: أن يسلم بمنطق التحديث الغربي دون قيد أو شرط وهذا ما لم يحصل، والثاني: العودة إلى التراث بما يمثل من ماضوية وبذلك ينقاد لسلفية العقل التراثي الذي أنتج كل شيء حتى قيام الساعة! بعملية إيقاف لمنظمة العقل بشكل مخيف.

 حول هذا النمط من التفكير العقل العربي الموسوم بالصحراوية إلى عقل تابع أو بحسب العطار، إلى عقل (الرجال الأطفال) الذين يستهلكون منتوجات الاخر- الفكرية والمادية- دون وعي بالكيفية التي انتجت فيها والظروف الثقافية والاجتماعية التي رافقتها.

طرح العطار فكرة الرؤية الشمولية للتراث ونبذ التجزئة، واستلهام ما في التراث من طروحات بهدف تحديث الحاضر، وفقا لمتطلبات الحاضر نفسه لا ظروف الماضي الذي انتجته، نظر إلى محاولات الشيخ محمد عبدة وجمال الدين الافغاني بنها محولات رغم أهميتها البلغة لا تتعدى ردة الفعل على حركات محمد علي باشا والغزو الفرنسي، تنبه لمدرسة الشيخ أمين الخولي، والصدمة الهائلة التي صنعها الدكتور طه حسين وعدها من أول المحولات الجادة في رمي حج لتحريك المياه الراكدة.

يرى العطار أن التراث يشكل أهم عناصر الهوية، ولكن هذه الهوية أصيبت بالتكلس والجمود وتوقف الزمن في منظومتها الحركية، فهذه الهوية "تتآكل ويعظم هذا التآكل بتقديس التراث دون الإضافة إليه والتعمق في معرفته ودراسته وحسن توظيفه للانطلاق به نحو مستقبل يعتز بماضيه الذي يعطيه طاقة تجاوزه"

سلط الضوء على موضوع غاية في الخطورة والاهمية، ذلك الصراع الذي برز من خلال ازدواج المفاهيم دون توافقها، فهنالك صرع بين عقلين وثقافتين، فثقافة أحدها شرقي قدس التراث وتوقف عنده وأصبح كلّ ما قد يأتيه منه لا يقبل الشك والنقاش فهو مسلم به، وثقافة غربية أخرى احسنت تجاوز ماضيها من خلال مخاضات وحروب صعبة. آمنت بأن الحياة تراكم مستمر تخضع لقانون الحاضر والمستقبل فأبدعت وابتكرت وتطورت وسيطرت، فطرح السؤال المحوري سؤال العقل: الذي يحاول التماهي مع المستقبل، والاخر (العقل التراثي) الذي لا يريد أن يغادر القرون الوسطى، وبذلك وقع جمهور من المثقفين في باب التلفيق والخلط بين ثقافتين تكاد تكون احدهما عكس الأخرى في منظوماتها الحركية، لعل هذا السؤال يحيلني إلى بداية هذه السطور فالاهواني الذي صنع من تلامذته كتبــًا بهذه العظمة طرح في أحد أهم كتبه عنوانــًا طريفــًا وخطيرًا وغاية في الدقة والموضوعية، عندما أرد دراسة شعر ابن سناء الملك وهو شاعر من العصر الايوبي، اسماه (ابن سناء الملك ومشكلة: العقم والابتكار في الشعر)وظف مصطلح العقم: وهو مصلح ينتمي إلى علم الفسيولوجيا علم وظائف الجسم، فهناك زواج بين (ذكر وأنثى) وعملية تلقيح، ولكن لا توجد عملية (انجاب) كمعادل موضوعي (للعقم) وبذلك سلط الضوء على جانب مهم ودافع خطير في هذا العقم الابتكاري الشنيع وهو عقدة الأصول الثقافية (المانعة) التي هيمنت على الشاعر ابن سناء الملك ولعله أول من تنبه إلى موضوع الانساق المضمرة حيث يقول الاهواني إن الأهم هو البحث في " الأصول الثقافية التي استخرج منها ابن سناء الملك مادته، والمناهل التي استقى منه اختراعه وابتكاره – المزعوم- ونحن واجدون ذلك في التراث الشعري والعربي الذي عكف ابن سناء الملك على مطالعته وحفظه عكوفــًا طويلًا جعله لا يفارق خياله وهو ينظم، فقد كان يقتبس من ذلك التراث فيسطو عليه ثم يتحداه في الوقت نفسه وينافس أصحابه"!

هكذا يفكر الاهواني وكهذا صنع من عقول تلاميذه، وانا أفتش عن الأصول الثقافية التي دفعت استاذي الدكتور سليمان العطار لدراسة ابن عربي ونظرية الخيال عنده تحديدًا لاحظت إن همه كان في تحريك منظمة الابتكار، فالعطار يرى إن الخيال أداة خلق معرفية، وهذه نظرة جديدة للخلق الفني والابداعي، حتى وصف الراحل نصر حامد أبو زيد هذه الرؤية بانها "قراءة خاصة جدا". أما اختيارات العطار المترجمة فكانت تستهدف الانجاب والابتكار أيضًا، وصورة الابداع كيف تكون. فاختار ببراعة ترجمته لمائة عام من العزلة قبل حصول ماركيز على جائزة نوبل وكان يقول عن ترجمتها: " بدأت أتحمس،وبدأت أفقد الإحساس بالجهد الكبير الذي أبذله، بل بدأت أحس أنني أترجم رواية (على مزاجي) لتصوير أحوال بلدي، لا أنني أقوم بترجمة رواية عن مكان بعيد." لماذا شعر العطار إن الرواية على مزاجه؟ ببساطة لأنه تخلص من عقدة النظرة الجزئية للمعرفة، متجها نحو افق النظرة الشمولية لتراث الإنسان على هذا الكوكب، وبعبارة اخرى نظر إلى رواية مائة عام من العزلة على انها (موتيف) الهدم من اجل البناء والبناء من اجل الهدم ومن ثم البناء في حلقة مفرغة تشبه حقلة التراث الذي هيمن على الفكر العربي واوقف آلة الزمن وتقدمه، فالرواية تحكي قصة سبعة أجيال من عائلة بوينديا التي تعيش في بلدة ماكوندو. غادر البطريرك المؤسس لماكوندو، خوسيه أركاديوبوينديا، وزوجته (ابنة خاله) أورسولا إجواران، ريوهاتشا، كولومبيا، بعد أن قتل خوسيه أركاديو بروديينسيو أغيلار بعد مصارعة ديوك بسبب تلميحه أن خوسيه أركاديو كان عاجزًا جنسيًا.

من يطلع على الرواية بقراءة متعمقة قليلاً يلحظ حضور عدة موتيفات بشكل لافت تتشكل من ثنائيات متصلة (السلام، الحرب) (الحبّ، الكره) (الولادة، الموت) (الحضور، الغياب) وكذلك ظهور ثيمات عدة من أهمها حرفة هذه العائلة التي تظهر وتختفي بين جيل وجيل من تلك الأجيال السبع وهي (صناعة الأسماك اليدوية) الحرفة التي امتهنتها العائلة منذ أول ظهورها، فالسمكة متحجرة لأنها مصنوعة من المعدن كأنها تشير إلى معادل موضوعي للتراث، وهي بطبيعة الحل(سمكة) اذا خرجت من الماء ماتت، فنحن لا نستطيع مغادرة بحر التراث إلى عوالم أخرى ربما هكذا كان يشعر العطار وهو يسقط قراءته الشمولية على هذه الرواية الفريدة.

أما بخصوص ترجمته لرائعة ثربانتس (الشريف العبقري دون كيخوتي دي لامانشا) فهي تصل الجذور التي تحدثنا عنها من فكرة الرواية وبطلها النبيلة الذي يريد محاربة الشر منطلقا من اكوام الكتب التي كان يقرأها مبتدئا هو وخادمه (سانشو) في نكته كبيرة بمحاربتهم طواحين الهواء... قد لا يتسع المجال لقراءة صفحات من كتاب عظيم اسم سليمان العطار للمؤلف عبقري اسمه عبد العزيز الاهواني في هذه العجالة ولكني سأكرس الكثير من الجهد والوقت لقراءة هذا الكتاب الفذ الذي وصف نفسه ومؤلفه: الاهواني كان دون كيشوتيًا "وأنا دون كيشوت.. هكذا أشعر، وأبي دون كيشوت.. وأخي دون كيشوت أبي مات في هرولة منى أثناء حجه، ولا تعرف كيف كان يتفانى في خدمة قريتنا وما حولها لفترة طويلة.. لأنه كان المتعلم الوحيد في القرية،أخي الشهيد في حرب أكتوبر كان دون كيشوت أيضًا، وله قصص بديعة أتمنى أن أكتبها... باختصار أري أنه في مصر حوالي مليون دون كيشوت على الأقل، أولئك الذين يبحثون عن تحقيق القيم النبيلة". رحم الله العطار في عامه الأول في العالم الاخر فقد كان نعم الجليس في هذه الزمان.

 

قحطان الفرج الله

 

 

سهيل الزهاويباللغة الكردية

لا شك أن كتابة المذكرات بحاجة الى الدقة والتمحيص، خاصة عندما تتناول مرحلة تاريخية. وهذه المذكرات لا یمكن الاعتماد في كتابتها على الذاكرة فقط او ما تتردد على ألسنة الآخرين، لأن ذلك يجعل مصداقية المذكرات على المحك لذلك يتطلب الاعتماد على الوثائق.

كتب أحمد حامد في كتابه المعنون مذكراتي في الصفحة 349 – 350 التي طبعت باللغة الكردية تحت عنوان رسالة خاصة: (1)

(یقول بعد أن سمعت من هنا وهناك وجود خطة لضرب قواعد الحزب في قندیل، وبدأت اتابع الاخبار بدقة بعد أن توصلت إلى یقین ان هناك خطة لضرب الحزب. كتبت رسالة باللغة العربية الى الحزب حول الاخبار والخطة المرسومة اتذكر بشكل قاطع أن الرسالة ارسلتها قبل أحداث بشتاشان ب 19 یوم لم اعرف ماذا حدث لتلك الرسالة) حسب ما يدعي أي قبل شهر أيار من عام1983 ، (في ذلك الحین كنت أسمع بأن كمال الزهاوي هو المسؤول الأول في الحزب في السليمانية!! وبعد ذلك وقعت الأحداث في بشت ئاشان وأرسلت رسالة ثانية الى الحزب انتقدت الحزب كنت اعتقد ان الحزب أهمل رسالتي الأولى ولم یجر الاهتمام بها وتبین فیما بعد أن رسالتي الثانیة ایضا له نفس المصير.) ولم یشرْ الى المصدر حول معرفته عن أن الرسالة الثانية لقت نفس المصير.

ويسترسل في مذكراته (بعد الانتفاضة عندما فتح المقر في عقاري أخبرني أحدهم بأن كمال الزهاوي كان يحتفظ برسائلك ولم يبعثها إلى الحزب.)

قبل الدخول في تفاصيل علاقتي بأحمد حامد اود ان اشير في عام 1983 وقبل أحداث بشت ئاشان لم تكن لدي أية علاقة بتنظيم السليمانية لا من قريب ولا من بعيد، بل كنت مسؤول سياسي لبتالیون التاسع في قریة باراو . في شارباژير وبعد وقوع الأحداث في ایار 1983 توجه قواتنا نحو قرداغ ومن ثم إلى شهرزور وتسلمنا برقیة من الحزب بأن قيادة قاطع السليمانية وكركوك تمت إعادة تشكيلها من الرفاق احمد باني خيلاني (ابو سرباز) مسؤولاً للقاطع، إبراهيم صوفي محمود (ابو تارا) مسؤول عسكرياً، وابو لینا مسؤولاً سیاسیا وابو ناصر عضو في قيادة القاطع وسهيل الزهاوي (كمال الزهاوي) مسؤول اداري للقاطع. وبقيت في قيادة القاطع في منطقة كرجال إلى عام 1984.

في 27 كانون الثاني 1984 توجهت إلى داخل مدينة السليمانية، استلمت التنظيم، لم تكن لأحمد حامد أية علاقة بالتنظيم يذكر في تلك الفترة عندما كنت مسؤولا.

بعد سفر الرفيق ابو سرباز في عام 1987 الى خارج العراق لغرض العلاج أرسل لي رسالة یشیر فیها: انه أخبر المحطة التي يرسل منها احمد حامد رسائله الى الحزب أن يسلمها لي بغية الاطلاع علیها من قبلي، لكي استفاد من المعلومات الواردة فيها قبل ارساله الى الحزب، وعلمت منه ان أحمد حامد على علاقة بمسؤول مكافحة الشيوعية في مدیریة أمن السليمانية اسمه أحمد لا اتذكر لقبه وفعلا اطلعت على أول رسالة من أحمد حامد یشیر فیها ان مسؤول مكافحة الشيوعية طلب منه أن يساعده في كتابة تاريخ الحركة الشيوعية في كردستان.

ولم تكن هناك قنوات اتصال مباشرة مع أحمد حامد ولم يكن هو على علم بمكان تواجدي في داخل المدینة ولا المحطات التي كنت أستلم منها البرید الحزبي، وبالأحرى لم يكن على اتصال مباشر معي توخيا للحذر.

بعد تصدع الجبهة مع حزب البعث وانسحاب الحزب منها ورفع شعار إسقاط النظام وإعلان العمل المسلح، حينذاك كان أحمد حامد أمين عام في المجلس التنفيذي لمنطقة كردستان للحكم الذاتي . لم يلتحق بالحزب كباقي الرفاق الذين عملو معه وبقي داخل المدينة.

بعد الانتفاضة المجید في 7 آذار 1991 طلب مني عمر الاخ الاصغر لأحمد حامد ان اتصل بأخيه وقال لي انه يخجل أن يأتي إلى المقر فتوجهت إلى داره مع أخيه ودعوته الى المقر. وبقي معنا الى يوم 31 آذار من نفس السنة.

عندما اقتحمت الجماهير المنتفضة مديرية أمن السليمانية في عقاري كان المدعو أحمد رئيس قسم مكافحة الشيوعية في إجازة، لم ينل العقاب .

عندما بدأنا بالانسحاب من السليمانية في 31 آذار من نفس العام بعد تقدم جيش النظام نحو المدينة، طلب مني احمد حامد أن أسمح له بالبقاء في المدينة خوفا من أن یعود الموما اليه الى مديرية الامن مرة اخرى وان يسأل عنه وفعلا بقى في المدينة.

بعد أن استولى الرفاق على وثائق الأمن وكان بضمنها وثيقة تتعلق بأحمد حامد وقد حاول بعض الرفاق طرحه على كونفرس السليمانية في عام 1993 ولم نسمح لهم على طرحه باعتبار أنه أخبر الحزب على شكل ارتباطه بالأجهزة الأمنية وفي هذا الكونفرس كاتب هذه السطور أصبح سكرتير محلیة السليمانية وكان أحمد حامد لم يطرح أي تساؤل حول الرسائل الآنف الذِّكر

لیس من الصعب أن يلاحظ قارئ مقالي ومذكرات احمد حامد فیما یتعلق فقرة المتعلقة برسالته الخاصة نبرة التوتر وتشويه الحقائق وعدم الموضوعية في طرحه يحاول من خلالها أن يضعني في دائرة الشكوك والتخلص من الوضع النفسي الذي هو يعاني منه.

لماذا لم يسألني عن هذه الرسالة التي وجهها إلى الحزب آنذاك رغم لقاءاتنا المتكررة؟ ألا كان الحَرِيِّ به أن يسألني في جلساتنا و لقاءاتنا عن تلك الرسائل إن كان حقاً صادقاً؟ وتذكر ذلك بعد مضي كل هذه السنين.

أليس كان من الأجدر به أن يحقق في الموضوع بدلاً من ان يعتمد على هذا أو ذاك ويسجلها في مذكراته.

مقتطف من مذكرات الرفيق الفقيد احمد باني خيلاني (ابو سرباز) عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي ومسؤول قاطع السليمانية وكركوك السابق.

(كان كمال الزهاوي مسؤولا اداريا للقاطع و كثيراً ما كان يبدي استعداده ورغبته للعمل الحزبي داخل المدينة، فأرسلت الخبر الى المنظمة الحزبية في المدينة كي يشرف على عمل المنظمة على ان يتواجد هناك بشكل دائم مما يتطلب اعداد وتهيئة مكان ملائم له . وجاء رد المنظمة سريعاً بالايجاب وبعثت الينا رفيقاً من المدينة ليرافق الرفيق واخبرت الرفيق كمال بتهيئة نفسه ايضا حيث نقله الرفيق الى داخل المدينة بأمان، وكان الرفيق كمال قد عاش بمدينة السليمانية ردحاً من الزمن عندما كان طالباً بجامعة السليمانية وسكرتير (اتحاد الطلبة العام في كوردستان العراق) ومارس فيها العمل الحزبي وكان دقيقاً في عمله، وبقى على ارتباط بي الى العام 1987 لحين سفري الى خارط العراق لغرض العلاج، وقد استمر تواجده في الداخل لغاية انتفاضة آذار 1991 مؤديا مهامه الحزبية بنجاح (2)

 

سهيل الزهاوي

.......................

(1)- احمد حامد قادر، مذكراتي باللغة الكردية، 65 عاماً من عمري في مسيرة النضال، طبع في السليمانية في 1 / 10/ 2013 ص. 349 - 350

(2)- احمد باني خيلاني، مذكراتي باللغة العربية، دار الرواد المزدهرة للطباعة والنشر والاعلان، رقم الايداع في دار الكتب والوثائق في بغداد 824 لسنة 2009

 

 

مصدق الحبيب(1899 – 1992) Friedrich von Hayek

هو الاقتصادي والفيلسوف النمساوي- الانگليزي الذي عُرف بكونه احد اقطاب المدرسة النمساوية في الاقتصاد وعلماً من اعلام الليبرالية الكلاسيكية. كما عُرف بكونه متحمساً لاقتصاد السوق الحر ورافضاً للمنهج الاشتراكي والتخطيط المركزي ومعارضاً عنيداً لأي تدخل حكومي في شؤون الاقتصاد. وهو الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1974، مناصفة مع الاقتصادي السويدي گنر ميردال عن بحوثهما الرائدة والمتزامنة في نظرية النقود والتقلبات الاقتصادية وتداخل الاقتصاد مع الحقول الاخرى، الاجتماعية والسياسية، والتي اجرياها على انفصال.

ولد فريدرش في فيينا عام 1899 ، وكان والده طبيبا يعمل في دوائر الصحة المحلية ويحاضر في جامعة فيينا. أما والدته فكانت إمرأة ثرية منحدرة من عائلة اقطاعية تملك اراض واسعة. وهو الابن الاكبر بين ثلاثة اولاد. حين قامت الحرب العالمية الاولى، انخرط الشاب ذو السادسة عشرة في الخدمة العسكرية والتحق بفرقة الاستطلاع الجوي للجيش النمسهنگاري. وكان قد فقد السمع باحدى اذنيه نتيجة للانفجارات المروعة التي يواجهها كل يوم، مما ادى الى حصوله على نوط الشجاعة، وانقلاب موقفه المبدأي ليكون ضد الحروب وليكرس ما تبقى من حياته لخدمة الانسانية من اجل السلام والخير للجميع. بعد تسريحه من الجيش مباشرة دخل جامعة فيينا لدراسة الفلسفة والقانون والاقتصاد وقرر ان يواصل دراسته العليا فحصل على الدكتوراه في القانون بسن مبكر عام 1921 وتبعها بدكتوراه ثانية في العلوم السياسية عام 1923. ثم واصل دراسته للاقتصاد على يد فريدرش فون وايزر Wieser فتهيأت له فرصة الذهاب الى امريكا للعمل كباحث مساعد للبروفسور جرماية جنكس في جامعة نيويورك، حيث انكب فيها على دراسة وتحليل احصاءات الاقتصاد الكلي الامريكي، خاصة في جانب النقود وعمل البنك الاحتياطي الفيدرالي. وعند عودته للنمسا عمل في دوائر الحكومة حيث التقى بـ لدفك فون مايسز Mises المختص بشؤون النقود والمعارض المعروف للتوجهات الاشتراكية والذي ينظم حلقات نقاش نصف شهرية يحضرها جمع مختار من الاقتصاديين والسياسيين. كان هايك متحمسا لحضور هذه الحلقات للدرس والنقاش، والتي اكتسب منها ولاءً كبيرا لمايسز وتأثر بافكاره تأثيرا بالغا. ومن خلال علاقته بمايسز اصبح هايك مديرا للمركز النمساوي لبحوث الدورة الاقتصادية، كما بدأ يحاضر في جامعة فيينا وألف أول كتاب له بعنوان "النظرية النقدية والدورة الاقتصادية" عام 1929.

2297 هايكفي عام 1931 دُعي الى لندن لالقاء سلسلة محاضرات في اقتصاد النقود ومن خلالها تلقى عرضا للعمل كاستاذ في مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية LSE فقبل العرض وطاب له البقاء هناك فحصل على الجنسية البريطانية عام 1938 واستمر عمله المثمر في مدرسة لندن لغاية 1950 فكانت تلك التسعة عشر عاما من اخصب فترات حياته الاكاديمية.

أثناء اقامته في لندن، بدأ اختلافه الفكري مع كينز الذي كانت سمعته العلمية طاغية والذي اصدر كتابا بعنوان "رسالة في النقود" عام 1930،فرأى هايك فرصته ان يعلن اختلافه الفكري مع كينز خاصة فيما يتعلق برفضه لطروحات كينز في اهمية الانفاق الحكومي ودوره في انعاش الاقتصاد حيث رأى هايك ان الاستثمارات الخاصة في المشاريع العامة تكون اكثر فعالية وتدر منافع اكثر للمجتمع. كما قام بنشر نقدا طويلا لكتاب كينز المذكور اعلاه ، مما دعا كينز ان يكتب ردا مضادا ويفند فيه ماجاء في كتاب هايك "الاسعار والانتاج" المنشور عام 1931، ووصفه بأنه عبارة عن "تشويش ذهني مخيف"! واستمر الاثنان يتنافسان ويتخالفان في الرأي الى ان اصدر كينز كتابه الشهير "النظرية العامة للاستخدام والفائدة والنقود" عام 1936. كان هايك قد تأخر في الرد على ماجاء في هذا الكتاب لمدة خمس سنوات حيث استطاع ان يضّمن افكاره المضادة لكينز في كتاب اصدره عام 1941 بعنوان " النظرية الصرفة لرأس المال". لكن هايك لم يستطع ان يواجه الموجة العارمة التي احدثها كتاب كينز والتي اكتسحت الفكر الاقتصادي السائد آنذاك.

مع تصاعد شعبية كينز وشيوع افكاره وتطبيقها عالميا بعد الحرب العالمية الثانية، بدأ هايك اهتمامه بحقول اخرى غير الاقتصاد وعوامل اخرى غير اقتصادية تفرض آثارها على النظام الاقتصادي ، فركز بشكل خاص على علم النفس وسلوك الافراد وطرق البحث العلمي والنظم السياسية والحرية الاقتصادية والفرق بين التخطيط المركزي ونظام السوق. فی عام 1944 نشر هایك کتابه الشهير الذي اصبح مقترنا به لما تبقى من حیاته والموسوم “The Road to Serfdom” والذي ترجم الى اكثر من 20 لغة وبيعت منه مليونان ونصف المليون نسخة. وقد جاء اختياره لهذا العنوان تماهيا مع كتاب الفيلسوف الفرنسي ألكسز دو توكوفل Alexis de Tocqueville – The Road to Servitude. 

ركز هايك في هذا الكتاب على التحذير من مخاطر الطغيان والتسلط والسيطرة على السياسات الاقتصادية من قبل جهات مركزية والوقوع في مطب اتخاذ القرارات الحساسة والمهمة في حياة المجتمعات بعيدا عن علم الاقتصاد وفي ظل غياب الحرية الاقتصادية. جاء هذا الكتاب خلال سنوات الحرب العالمية الثانية وفي عز تصاعد سمعة هايك في مدرسة لندن كمنظر طليعي تأثر به العديد من طلابه وزملائه كجون هكس وآبا ليرنر. وهو الذي صرح بان الكتاب يمثل رأيه الشخصي وواجبه لتحذير الدوائر الاكاديمية والمجتمع البريطاني من مغبة ماكان شائعا من افكار آنذاك تفيد بأن صعود الفاشية ماهو الا ردة الفعل الرأسمالية لبزوغ الاشتراكية. ولذا فقد انصب اهتمامه في هذا الكتاب على ضرورة التمسك بالفردانية واتخاذ الليبرالية الكلاسيكية كطريق لتقدم المجتمع السليم.

في عام 1947 نظم هايك اجتماعا فكريا في منطقة مونت پلرن Mont Pelerin على بحيرة جنيفا السويسرية فحضره 39 اكاديميا واختصاصيا في شؤون الاقتصاد والسياسة من عشرة بلدان كان من بينهم لدفك مايسز وملتن فريدمن وجورج ستگلر وفرانك نايت. وكان الهدف الرئيسي هو تنمية الفكر الاقتصادي الحر ودعم المجتمعات الحرة الخالية من افكار التعصب والقسر ومصادرة الفكر المختلف. وكذلك مقاومة التدخلات الحكومية والسلطوية سواء تلك الميالة للماركسية والاشتراكية او تلك التي تتبع افكار كينز الصاعدة آنذاك. وهذا هو الاجتماع الذي انبثقت منه ماسمي بجمعية پلرن Pelerin Society التي اقترنت بالليبرالية الكلاسيكية.

في عام 1949 التحق هايك بجامعة أركنسا الامريكية كأستاذ زائر لمدة سنة واحدة ذهب بعدها مباشرة عام 1950 الى جامعة شيكاگو التي عقد فيها صداقات وتحالفات عديدة مع الاقتصاديين البارزين اضافة الى بقاءه وثيق الصلة بزملائه هناك ممن كانوا اعضاء في جمعية بلرن. بقي هايك في شيكاگو لغاية 1962، ولأنه لم ينسب الى قسم الاقتصاد فيها، لم يكن نشاطه في التدريس والبحث في الاقتصاد انما تركز على موضوعات اخرى منها سلوك الانسان وتصرفاته ازاء السلع الاقتصادية وطرق البحث في العلوم الاجتماعية التي انتقدها بشدة كونها تحاكي دون وجه حق طرق البحث السائدة في العلوم الطبيعية حيث صاغ ما اسماه بالـ     Scientism أي النزعة الى المبالغة في اتباع الاجراءات التكنيكية العلمية في البحث الاجتماعي باعتبارها الطريقة الوحيدة والصحيحة للحصول على النتائج السليمة. ففي عام 1952 نشر كتابين هما "النظام الحسي" و "الثورة المضادة للعلم". أما في النظرية السياسية فكان تأثير كارل منگر ولدفك مايس واضحا عليه وعلى اهتمامه الاستثنائي بدور الحكومة في السياسة الاقتصادية. ففي عام 1960 نشر كتاب "دستور الحرية" الذي انتقد فيه السیاسة الضريبية معترضا على الضريبة التصاعدية بوصفها تلغي مبدأ المساواة امام القانون. وكان قد دافع عن نفسه ازاء من وصفوه بأنه يروج لافكار المحافظين واصفا نفسه ليبراليا كلاسيكيا وليس محافظا ذلك انه لايميل الى التعويل على الدين والاخلاق ولا يقدم النزعة القومية على الدولية كما هو شأن المحافظين.

في عام 1962 طوى هايك عمله الاكاديمي في امريكا وحزم حقائبه عائدا كاستاذ في جامعة فرايبرگ في المانيا الغربية ، ثم الى جامعة سالزبرگ فی النمسا عام 1968 التي بقي فيها لحين تقاعده من العمل الجامعي عام 1977. في عام 1974 فاز بجائزة نوبل في الاقتصاد مشاركة مع گنر ميردال الذي اعترض قائلا: مالذي يجمعني مع هذا الرجل العقائدي؟؟ أما ملتن فريدمن فقد علق قائلا: أنا من أشد المعجبين بهايك ، ولكن ليس لما كتب في الاقتصاد، انما لكتابه العظيم "الطريق الى سرفدوم". بعد تقاعده رسميا، عاد هايك كأستاذ متمرس الى جامعة فرايبرگ من أجل اكمال كتابه "القانون والتشريع والحرية" بثلاثة اجزاء اكمل نشرها جميعا عام1979 . ومما جاء في هذا الكتاب انتقاده لجهود توزيع الدخل . ولعله قد وصفها ساخرا بانها " طرق توزيع الدخل من اجل العدالة الاجتماعية" ! وفي الثمانينات لم يتغير رأيه بالمنهج الاشتراكي ولم ينثن عن انتقاده اللاذع للاشتراكية والاشتراكيين فنشر عام 1988 وهو بعمر 89 عاما كتابه المعنون "الوهم القاتل" الذي قدم فيه محاولة للاسباب التي يندفع فيها بعض المفكرين والمثقفين الى اعتناق المذهب الاشتراكي.

بلغ هايك شهرة واسعة لدى اوساط المحافظين في السياسة والاقتصاد رغم نكران انتمائه للفكر المحافظ. فقد كان من المقربين للسياسة الحكومية في عهدي مارگريت ثاچر في بريطانيا ورونالد ريگن في امريكا. وكانت ثاچر قد اتخذته مستشارا ومنظرا للسياسة البريطانية وأوصت به أن يكون ضيف الشرف للملكة أليزابيث في حفلة عيد ميلادها عام 1984، وهو العام الذي حصل فيه على جائزة هانز مارتن شلاير. كما ذاع صيته لدى الجمهوريين الامريكيين كريگن وبوش وگولدواتر وكمب. وقد منحه الرئيس جورج بوش الاب وسام الحرية الرئاسي عام 1991. وفي نفس العام اعتبرت مقالته المعنونة "استخدام المعرفة لخدمة المجتمع" من بين اهم 20 مقالة نشرتها الجورنال الاقتصادية الاولى AER خلال 100 عام من عمرها. من مواقفه التي خدمت الحكومة البريطانية والتي كانت مدارا لجدل واسع بين الاقتصاديين الاكاديميين هو تأييده لسياسة ثاچر ضد المهاجرين وشنها لحرب جزر الفوكلاند. وفي الولايات المتحدة كان موقفه في قضية الرهائن الامريكان لدى طهران ومفاده ان على الحكومة الامريكية ان ترسل تحذيرا شديد اللهجة الى طهران ، وان لم تنصاع فالقنابل هي الحل! وعلى نفس النحو كان هايك مدافعا ومشجعا لسياسة ريگن في زيادة الانفاق العسكري لانها في اعتقاده ضرورية لضمان حفظ السلام العالمي جنبا الى جنب مع ضرورئ وقف السوفيت عند حدهم !

يمكن تلخيص مساهمات هايك الاساسية في النظرية الاقتصادية بموضوعين: الاول هو الدورة الاقتصادية وعلاقتها بسعر الفائدة وراس المال والنقود والسياسة النقدية. والثاني هو الحرية الاقتصادية ونظام السوق ودور الدولة في الاقتصاد. خلال العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، وتأثرا بافكار مايسز وفكسل وبوم باورك، صاغ هايك نظريته في الدورة الاقتصادية والتي اصبحت تمثل فيما بعد النظرية الرسمية للمدرسة النمساوية في هذا المجال. وكان قد اوضح هذه النظرية في كتابه "النظرية النقدية والدورة الاقتصادية 1929، 1933 وكتابه "الاسعار والانتاج" 1931. يعتقد هايك ان الدورة الاقتصادية تنشأ نتيجة لتوسع البنوك المركزية في اعتماداتها التضخمية التي تؤدي مع الوقت الى سوء في توزيع رأس المال ونشوء اسعار فائدة مصطنعة ومنخفضة. والبنك المركزي في نظر هايك ليس الا سلطة حكومية احتكارية ليس لها المعلومات الكافية ولا القدرة على السيطرة على قوى طلب وعرض النقود في الاقتصاد. وفي معرض ما جاء به كينز بان البطالة والركود الاقتصادي ينتجان عن قصور الطلب الفعال، يعتقد هايك انهما ينتجان بسبب سعر الفائدة المنخفض الذي يسمح بسهولة الاقراض وهو الامر الذي تتعذر ادامته او استمراره المرة تلو الاخرى. لقد جلب هذا الاختلاف بين هايك وكينز عشرات النقاشات من قبل الاقتصاديين الاكاديميين سواء اولئك الذين وقفوا بجانب كينز او اولئك الذين ساندوا هايك ومنهم هكس ونايت وميردال وصرافة وكالدور. إلا ان صعود نجم كينز المتسارع غطى على ما يقوله هايك بحيث ان كتابيه اللاحقين "الارباح والفائدة والاستثمار" عام 1939 و "النظرية الصرفة لرأس المال" عام 1941 واجها تجاهلا واضحا من قبل الوسط الاقتصادي الاكاديمي.

أما عن الدور الجوهري للاسعار فقد التصق هايك بالفكرة الكلاسيكية لآدم سمث القائلة بأن نظام السوق وميكانيكية نشوء الاسعار جراء توازن العرض والطلب لها قدرة تنظيمية تلقائية فعالة في وضع كل شئ في الميزان. وبذلك سيكون السعر هو العامل الذي يلخص احوال السوق ويتيح الفرصة لمعرفة مايجري ضمنا بين المنتجين والمستهلكين. أي ان مجرد معرفة السعر في سوق ما ولسلعة معينة تبوح بمعلومات ثرة من الصعب معرفتها بدونه. وقد اعتمد هايك على هذه الفكرة لدحض اي محاولة لتخطيط الاسعار او صنعها بقرار سياسي، وقد اتخذ هذا التبرير لمهاجمة منهج التخطيط المركزي. على ان هايك لاينكر ان نظام الاسعار واقتصاد السوق والتوازن التلقائي ليس خال من الزلل وافضل مثال هو حصول البطالة. يقول هايك اننا لو تحرينا بدقة عن الاسباب الحقيقية لذلك لوجدنا ان من اهم الاسباب هو زيادة عرض النقود التي تؤول الى انخفاض سعر الفائدة وايهام الشركات بانخفاض كلفة الاقراض التي تشكل العامل الاقوى لاندفاعهم الى الاستثمار الذي سيكون على الاغلب استثمارا مفتعلا بسبب الطبيعة غير المتجانسة للاستثمار في رؤوس الاموال. عدم التجانس هذا يتمثل بقسم من الاستثمارات الحساسة للتغييرات في سعر الفائدة كالاستثمار طويل الامد مثل سندات الاقراض العام Bonds ، وقسم آخر اقل حساسية لتغيرات سعر الفائدة كالاستثمارات قصيرة الامد مثل اوراق نقد الخزانة Treasury Bills . ان عدم التجانس هذا هو الذي يربك التوازن نتيجة لتفوق الاستثمارات طويلة الامد التي تعكس وهم اتساع دائرة الاستثمار والنمو الاقتصادي، وهذا الوهم هو غالبا ما يكون متبوعا بانفجار الازمة الاقتصادية. ولذا يؤكد هايك بأن تجنب الوقوع في الازمات الاقتصادية الكبيرة يستلزم تجنب ذلك النمو الاقتصادي الكاذب، مما يتطلب تعديل السياسة النقدية التي تنتهجها البنوك المركزية. لقد ظل هايك متمسكا بهذا الرأي نحو ستين عاما، منذ نشر كتابه "الاسعار والانتاج " في مطلع الثلاثينات لحين وفاته في مطلع التسعينات. وهو أحد الآراء الرئيسية التي اختلف بها مع كينز. ويشير الادب الاقتصادي المعاصر الى ان اغلب الاقتصاديين الاكاديميين اليوم يتبنون رأي هايك في هذا الخصوص.

خلال الثلاثينات والاربعينات اهتم هايك بنقد المنهج الاشتراكي فانصب تركيزه على معارضة التدخل الحكومي والتخطيط المركزي. تأثرا بكتابات مايسز وماكس وبر واستنادا الى الفكرة الكلاسيكية لنظام السوق والاسعار الآنفة الذكر بنى هايك اسس معارضته للتخطيط الاقتصادي المركزي بحجة ان لا احد، فردا كان ام لجنة ام وزارة تستطيع النجاح في توزيع الموارد الاقتصادية في المجتمع بكفاءة عالية كالكفاءة التي يوفرها نظام السوق مجانا. والسبب هو عدم توفر المعلومات الكافية التي يحسمها نظام الاسعار دون عناء. وطبيعي ان يثير هذا الرأي الكثير من النقاشات في وسط الاقتصاديين الذين انبرى قسم منهم كأوسكار لانگة وهنري دكنسن لتفنيد رأي هايك ، حيث اوضحوا جهل هايك بطبيعة التخطيط المركزي الذي لايتخلى عن كفاءة ميكانيكية السعر في السوق كما يتصور هايك، ذلك ان المخططين الاقتصاديين يتبعون نظرية التوازن الاقتصادي العام من اجل الوصول الى سعر أولي يعمل كنقطة انطلاق لتعديلات لاحقة صعودا ونزولا تبعا لما يجري فعلیا في السوق والتكيف بما يحافظ على التوازن العام. وقد رد هايك على ذلك في كتابه "الاقتصاد والمعرفة" المنشور عام 1937 وكذلك كتابه "استعمال المعرفة في المجتمع" المنشور عام 1945. یتلخص رد هايك بان نظرية التوازن العام تفترض توفر المعلومات الكاملة التي لايمكن الحصول عليها من قبل المخطط الاقتصادي مهما بلغ من دراية وخبرة. وکان الكثير من الاقتصاديين ، سابقا وحاليا، يوافقون هايك في موضوع تعذر الاحاطة بالمعلومات الكاملة لاحوال السوق. يقول الاقتصادي جفري ساكس الاستاذ في جامعة كولومبيا : لو تسأل اي اقتصادي اسئلة مثل "اي المجالات الاستثمارية اكثر ربحا؟" أو " أي الصناعات ستنمو اكثر؟" أو "اين ستكون تخصصات العمل؟" سوف لن تجد اجوبة شافية ، ذلك ان الاقتصادي لاتتوفر لديه المعلومات الميدانية التي يعرفها رجل الاعمال.

 

ا. د. مصدق الحبيب

 

 

عبد الجبار نوريإن صانعي القرن العشرين (كثيرون) منهم هتلر ستالين بيكاسو أنشتاين أنور السادات نجيب محفوظ وأم كلثوم وإلى "جورج أورويل" ولكن قلّة هم من عبروا عن ضمير القرن العشرين وعلى رأسهم الروائي والكاتب والمفكر "جورج أورويل" مقتبس من كتاب شخصيات لها تأريخ للكاتب السوري جلال أمين .

فعلا فتح لنا هذا الكتاب مقاربات تأريخية ببصمات قامات سياسية وأدبية وثقافية وفنية في السفر العربي والعالمي وبخط وأنفاس كاتب ومؤلف يحمل من الوطنية وعشق الأنسنة والحرية والكلمة الحرّة.

من أقوال المفكر المتنبي "جورج أورويل": السياسيون في العالم كالقرود في الغابة، إذا تشاجروا أفسدوا الزرع وإذا تصالحوا أكلواالمحصول، عامة الشعب مخلوقات هشّة جبانة لا تتحمل الحرية أو مواجهة الحقيقة، لابد من حكمها وخداعها بشكل منهجي عن طريق آخرين يكونون أكثر قوّة، لم يكن البقاء على قيد الحياة هدفا للمرء بل البقاء أنساناً، الشعب الذي ينتخب الفاسدين والأنتهازيين والمحتالين والناهبين والخونة لا يعتبر ضحيّة، بل شريكاً في الجريمة، إن أختيار البشر محصور بين السعادة والحرية، ومعظم الناس يختارون السعادة، لغة السياسة تمّ تصميمها لتجعل الكذب يبدو صادقاً والقتل مباحاً، أسوء أعدائك جهازك العصبي .

تحية أعجاب لجورج أوريل (متنبي الغرب) وعاشق الحرية وعدو الأستعباد .

جورج أورويل Georg Orwell 1903 – 1950 صحفي وروائي ومفكربريطاني، تتميّز كتاباتهُ بخفة الدم والذكاء والوضوح، كان م الحديث عن التحذير من غياب العدالة الأجتماعية، ومعارضة الحكم الشمولي، وكتب في النقد الأدبي والشعر والخيال والصحافة الجدلية، وأنهُ يتعاطف مع الكادحين، ويدافع عن المظلومين، والأنحياز إللى الفقراء ويؤمن بالمساواة، ويكره ألغاء الآخر، ويمقت الكراهية والعنصرية، ويحبذ أنتشار الديمقراطية واللبرالية في كل مكان سواءاً كانت في الديمقراطية الغربية أو ديمقراطيات الأشتراكيين السوفيت مع شيء من التحفظ (حسب نتاجاته الأدبية ) .

وسوف أبدأ بأستعراض أفكاره الأنسانية كمفكر يساري أولاً وثمّ كروائي لاحقا من خلال كتابيه المشهورين:

- تحية لكاتالونيا 1938 والذي يحكي أشتراكه الفعلي في الحرب الأهلية الأسبانية ومعايشة خنادقها كمراسل حربي موفد من قبل حزب العمال الماركسي البريطاني اليساري كمتطوع وهو القائل جئت إلى هنا لأقاتل الفاشية الفرانكوية، وهو عبارة عن بحث ضخم في السياسة والأدب واللغة والثقافة، ونقد الفقروالنظام الطبقي الأنكليزي، والأشتراكية التقليدية، حيث وضعته صحيفة التايمز البريطانية في قائمة أعظم 50 كتاب بريطاني منذ عام 1945 يصف فيه ممارسات الحكم الأستبدادي والشمولي والتي أنتشرت تأثيراتها الثقافية الحداثوية في الثقافة البريطانية والعالمية مثل الحرب الباردة، وجريمة الفكر، وشرطة الفكر، وهذه الأصطلاحات السياسية كلها من أبتكاراته (ويحكي الكتاب حياة كاتب بريطاني يرتدي جلباب التقدمية والدفاع عن آدمية البشر في تجليات التطوّع الشخصي لمحاربة الفاشية ألا هو "جوج أورويل" المتواجد في كاتالونيا تلك البقعة الساخنة ليصرح بوضوح الحرف {أني جئتُ لأحارب فرانكو وأعوانه}، وأنظم "أورويل" لاحقاً ألى ثكنة لينين الأكثر سخونة في برشلونه وأخترقت رصاصة قناص عنقه وحينها أفقدت صوته، وعولج في مشفى الأحزاب الشيوعية في جبهة (أراغون)، وكانت لهُ صلات وعلاقات ودية لتلك المشتركات والمقاربات الفكرية اليسارية الثورية في محاربة الفاشية ودحر التعصب الأثني،وشهدت له خنادق سرسقطة ولوس مناجروس بمنطقة أراجون، شمال شرق أسبانيا من عام 1936 .

- وخلدتهُ روايته" 1984 " التي شخصنت هويته وعنوانه لأنه وضع فيها سيناريو مرعب عن تغلغل الأنظمة الدكتاتورية على حياة وواقع الأنسان، ووصلت شهرته في تبني قضايا الأنسنة وحقوقها أن يصبح مصطلح (الأورويلية) تنسب لهُ، وهي بدت تعني النضال والكفاح ضد العنف والأستبداد والشوفينية والعنصرية بكافة أشكالها .

في سنة 1946 ألف روايتهُ الأخيرة " 1984 " التي أحدثت دوياً قويا لا بل شديداً عند صدورها على كافة المستويات الأدبية والفكرية والسياسية لأنها مرافعة قوية ضد الطغيان وأحتجاج صارخ ضد أهدار كرامة الأنسان وسلب حرياته، وأثبت " أورويل " أنه ليس فقط روائي وكاتب بل "مفكر" سياسي يؤكد بعد 38 سنة مستقبلية قادمة يتنبأ بنبوءة زمكنية متكاملة مذهلة لما سوف تؤول أليه الحياة بسوسيولجية جمعية سوداوية ظلامية مشؤومة بحكومات الطغيان والأستبداد، محتقرة للعقد الأجتماعي لروسو، والحيثيات القانونية للمجتمع الدولي، وفعلا عاش العراقيون جمهرية الخوف ومحارق الحروب القسرية العبثية، والمقابر الجماعية وأحواض التيزاب ,الحكم البعثي الشمولي، ولم تكن البلاد العربية أحسن حالا بل عانت المزيد من الظلامية وكم الأفواه، وأحسن من وصف هذا العهر السياسي العربي هو شاعر الياسمين والسكين "نزار قباني"

مواطنون --- دونما وطن

مطاردون كالعصافير على خرائط الزمن

مقتلعون نحنُ كالأشجار من مكاننا

عيوننا تخافُ من أصواتنا

مسافرون في سفينة الأحزان

وشيخنا قرصان

مسافرون خارج الزمان --- والمكان

وخبزنا مبلل بالخوف والدموع

معتقلون داخل النص الذي يكتبه حكامنا

معتقلون داخل الدين كما فسره أمامنا

مراقبون نحن في المقهى --- وفي البيت

وفي أرحام أمهاتنا

يا وطني كل العصافير التي تحترف الحرية

فهي تموت خارج الأوطان

***

عبد الجبار نوري

أديب وباحث عراقي مقيم في السويد

في آذار2021

 

المفخرة العربية، رائدة الطب والانسانية

اليوم العالمي للمراة، يوما رمزيا تفتخر به كل نساء العالم، هذا العيد هو رد اعتبار لكل امراة ايا كان مركزها ومكانتها الاسرية والطبقة الاجتماعية التي تنتمي اليها... والمحيط الذي تعيش فيه...كل الدول لها رائدات تفخر بهن...ونحن في تونس كبقية الدول لنا رائدة نفخر بها كثيرا، إنها المرحومة توحيدة بن الشيخ المرأة الافريقية العربية رائدة الطب والانسانية، اول طبيبة تونسية، وفي المغرب العربي، افريقية عربية ولدت في  2 جانفي  سنة 1909وبعد مرور مائة وواحد (101) سنة توفيت رحمها الله بتونس العاصمة وذلك يوم 6 ديسمبرمن سنة 2010 ، هذه الطبيبة العتية، الفذة المفعمة بالحيوية، والنشاط ، والانسانية،... وبحب الوطن، وبخدمة الصحة العامة للصالح العام دون تمييز بين فقير وغني رغم ثرائها فمن المحزن والمخزي أنها ظلت طي النسيان حتى بعد وفاتها ولم يقع تكريمها  البتة لا من طرف وسائل الاعلام السمعية البصرية ولا من طرف رئيس جمهورية ولا ريس حكومة. شاء لها القدر ان تكون من عائلة  ميسورة الحال، وهي أصيلة ولاية بنزرت الساحلية التي كافحت كبقية ولايات الجمهورية ضد الاستعمار... وارتوت ارضها بدماء الشهداء وضمت رفات عديد الشهداء... ربما المحيط المعيشي الذي عاشت فيه في ذاك الزمن كان له الدافع، مع انتماءها العائلي حيث كان والدها ميسورا، مالكا عقاريا أصيل بلدة رأس الجبل احدى المدن التابعة لولاية بنزرت أما أمها فهي من عائلة عريقة الا وهي عالة بن عمار إحدى العائلات العريقة والثرية جدا بتونس العاصمة ربما هذا الانتماء العائلي والظروف الحياتية حفزتها وساعدتها على مواصلة تلقي العلم في زمن كانت فيه المرأة التونسية والافريقية والعربية مكبلة بقيود الجهل والاستبداد الذكوري رغم أنها كانت يتيمة الاب، لقد توفي والدها وهي لا زالت غضة طفلة صغيرة وهذا قد يكون حافز آخر لجعلها تدرس الطب وتمتهن هذه المهنة الانسانية السامية، فعاشت صحبة أخويها في كنف والدتها التي حرصت شديد الحرص على تعليمهم. هذا مما اتاح لها مزاولة الطبيبة توحيدة بن الشيخ تعليمها بمدرسة نهج الباشا، حيث حصلت على الشهادة الابتدائية وذلك سنة 1922 وواصلت دراستها الثانوية بمعهد أرمان فاليار (Lycée Armand Fallières)  إلى أن أحرزت على شهادة الباكالوريا بامتياز وذلك سنة  1928، وهكذا كانت أول فتاة تونسية مسلمة ، وتلميذة تحصل على مثل هذه الشهادة من معهد فرنسي تونسي وتتجه إلى فرنسا رفقة ليديا بورني، زوجة الدكتور بورني (Dr. Burnet) الطبيب والباحث الفرنسي بمعهد باستور بتونس. وسجلت آنذاك بغاية الحصول على دبلوم الفيزياء والكيمياء  والبيولوجيا(P.C.B).  وهكذا كانت الدكتورة رحمها الله أول امراة عربية وافريقية تحصل على هذه الشهادة، مما سمح لها باللحاق بكلية الطب بباريس، وبعد الاقامة ثلاث سنوات بالسكن في الحي الدولي للطالبات انتقلت لتسكن مع عائلة بورني ممّا مكنها من التعرف على الأوساط الثقافية والعلمية الفرنسية والاختلاط بها. وفي سنة 1936 تخرجت كطبيبة، وفي السنة الموالية ناقشت رسالتها للدكتوراه  فكانت أول طبيبة أطفال تونسية وافريقية وعربية. أما الطبيبة الثانية فهي حسيبة غيلب التي درست خلال الخمسينات.

2283 حورية

توحيدة بن الشيخ بعد أن عادت الى تونس فتحت عيادتها بمدينة تونس العاصمة وذلك بشارع باب منارة عدد (42)  وفي الفترة الفاصلة بين 1955 و1964 عينت على رأس قسم الولادة بمستشفى شارل نيكول بمدينة تونس، ثم انتقلت بنفس الخطة إلى مستشفى عزيزة عثمانة وظلت في نفس المنصب إلى أن أحيلت على التقاعد في سنة 1977 .

هذه المرأة الفذة والطبيبة الرائعة لم تركن الى الراحة بل كانت شديدة النشاط فساهمت في الأثناء في تركيز سياسة التنظيم العائلي الذي حدث لاول مرة في تونس...و في العالم العربي والافريقي.

بعد الاستقلال انخرطت الدكتورة توحيدة بن الشيخ في مشروع بناء الدولة التونسية وتولت عديد المناصب منها إدارة قسم التوليد وطب الرضيع في مستشفى شارل نيكول بالعاصمة من سنة 1955 إلى سنة 1964(رئيسة القسم). كما أنشأت في نفس المستشفى قسما خاصا بالتنظيم العائلي سنة 1963. الذي استمر الى تارخ يومنا هذا...بعدها تولت منصب رئيسة قسم التوليد وطب الرضيع بمستشفى عزيزة عثمانة بتونس العاصمة. وقد تم تعيينها سنة 1970 في منصب مديرة الديوان الوطني للتنظيم العائلي (ديوان الأسرة والعمران البشري) الذي لا زال قائما. كما ساهمت في الحياة الفكرية من خلال كتاباتها وإشرافها على أول مجلة تونسية نسائية ناطقة بالفرنسية تحت عنوان "ليلى" التي صدرت من 1936 إلى سنة 1941. لقد نشطت توحيدة بن الشيخ في عدد من الجمعيات سواء بفرنسا أو بعد عودتها إلى تونس. ومن تلك الجمعيات جمعية طلبة شمال أفريقيا المسلمين بفرنسا، كما دعيت لتلقي كلمة في مؤتمر اتحاد النساء الفرنسيات الملتئم في شهر ماي 1931 . وقد تعرضت آنذاك إلى أوضاع المرأة المسلمة في المستعمرات الفرنسية. أما في تونس فقد نشطت في الاتحاد النسائي الإسلامي التونسي.

وهو أول منظمة نسائية تونسية عربية وافريقية تأسست سنة  1936، وتقدمت للحصول على تأشيرة العمل القانوني سنة  1938، ولكن لم تحصل عليها إلا سنة 1951. ولم يمنعها ذلك من النشاط على الساحة الوطنية منذ تأسيسها إلى سنة  1956، لتحل محلها منظمة نسائية أخرى هي الاتحاد القومي النسائي التونسي. الذي لا زال ثابتا الى يومنا هذا...بالمناسبة توالت على قيادة الاتحاد النسائي الإسلامي التونسي عدد من نساء الأرستقراطية التونسية، ومن بينهن خاصة بشيرة بن مراد التي ترأست هذه المنظمة منذ نشأتها إلى أن وقع حلها، إلى جانب التي تولت الكتابة العامة الى جانب اختيها، ثلاثتهن بنات شيخ الإسلام محمد الصالح بن مراد، إلى جانب سارة بن الخوجة ابنة الشيخ الزيتوني الحاج علي بن الخوجة، والسيدة نبيهة بن ميلاد زوجة الدكتور أحمد بن ميلاد، وتوحيدة بن الشيخ، أول طبيبة تونسية، وبدرة بن مصطفى، ونعيمة بن صالح، وجليلة بن حميدة مزالي، ومنجية بن عز الدين... كما أسندت الرئاسة الشرفية لهذا الاتحاد للأميرة عائشة.

كما أسست الطبيبة توحيدة بن الشيخ غداة الحرب العالمية الثانية جمعية الإسعاف الاجتماعي وتولت رئاستها. لقد كانت هذه الجمعية وراء مشروع إقامة دار الأيتام (1950) التي ظلت الى الآن الا ان اسمها أصبح " قرية أطفال بورقيبة " SOS" ودار المرأة. وفي سنة 1950 أسست جمعية القماطة التونسية للعناية بالرضع من أبناء العائلات المعوزة. كما ساهمت في تأسيس لجنة الإسعاف الوطني. وفي سنة 1958 أصبحت عضوا في عمادة الأطباء التونسيين. احتفت النخبة التونسية بالسيدة توحيدة بن الشيخ تقديرا لإسهاماتها الطبية والفكرية وتم تناول مسيرتها في شريط وثائقي بعنوان " نضال حكيمة" كما أصدر البريد التونسي طوابع بريدية تحمل اسمها وصورتها وأسس عدد من الأطباء جمعية طبية تحمل اسمها " جمعية توحيدة بن الشيخ للسند الطبي" اعترافا بمكانتها وإسهاماتها التي تواصلت إلى تاريخ وفاتها سنة 2010. كما ساهمت توحيدة بن الشيخ في الصحافة إذ كتبت وهي طالبة في النشرة السنوية لجمعية طلبة شمال إفريقيا المسلمين كما ساهمت سنة 1936 بالكتابة في مجلة ليلى الأسبوعية الناطقة بالفرنسية والتي تعتبر أول مجلة نسائية تونسية.

من المؤسف والمحزن ان مثل هذه القامة النسائية ذات الوزن الثقيل في الميدان الصحي لم يقع تكريمها حضوريا في وسائل الاعلام السمعية البصرية ولا لثانية في حياتها حتى تكون للمشاهد التونسي والعربي قدوة مثلى، وسيدة يحتذا بها ولكن كما يقول المثل الشعبي السائد "كان حي شاهي تمرة كيف مات علقولوا عرجون من التمر " نعم وقع تكريمها حديثا بعد وفاتها بعشر سنوات بعد ان طرح البنك المركزي التونسي للتداول، ابتداء من يوم الجمعة 27 مارس 2020 ورقة نقدية جديدة من فئة 10 دنانير واختيرت الدكتورة توحيدة بن الشيخ كشخصية رئيسية لهذه الورقة النقدية الجديدة.

بحث بقلم الاديبة والكاتبة المسرحية والناقدة والشاعرة فوزية بن حورية

 

بحث بقلم الكتابة: فوزية بن حورية

.....................

المراجع:

"سيمنار الذاكرة الوطنية: شهادة الحكيمة توحيدة بن الشيخ"، في دور المرأة المغاربية في حركة التحرير وبناء الدولة الوطنية، منشورات مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات، تونس 2007، ص 237-246

عادل بن يوسف، "توحيدة بن الشيخ: مسيرة أول طبيبة تونسية"، في دور المرأة المغاربية... ، نفس المرجع،، ص 73-90.

محمد ضيف الله، "معالم الحركة النسائية في تونس (1936-1956): مساهمة في التأريخ للحياة الجمعياتية"، روافد، ع 1، تونس 1995، ص 108-138

1- المكتبة الوطنيَّة الفرنسيَّة (BnF) — باسم: Tawhida Ben Cheikh — المؤلف: المكتبة الوطنية الفرنسية — العنوان : اوپن ڈی-;-ٹا پلی-;-ٹ فارم — الرخصة: رخصة حرة

- المحرر: Emmanuel K. Akyeampong وهنري لويس غيتس — العنوان : Dictionary on African Biography — الناشر: دار نشر جامعة أكسفورد — ISBN 978-0-19-538207-5

 

2- موقع مجلة الأحوال الشخصية نسخة محفوظة 11 جانفي 2020 على موقع واي باك مشين.

3- توحيدة بن الشيخ: أول طبيبة تونسية وعربية, جريدة الجمهوريّة, الثلاثاء 20 أوت 2013 نسخة محفوظة 16 يناير 2014 على موقع واي باك مشين.

4- "La Banque Centrale de Tunisie".  (باللغة الفرنسية). مؤرشف من الأصل في 27 مارس 2020. اطلع عليه بتاريخ 27 مارس 2020.

5- "تكريم أول طبيبة تونسية بطبع صورها على العملة النقدية". مؤرشف من الأصل في 24 أفريل 2020. اطلع عليه بتاريخ 24 أفريل 2020.

 

مصدق الحبيبمن ابشع طرق قتل الانسان كانت طريقة اعدام المدانين قانونيا باستخدام المقصلة الفرنسية Guillotin.  وكما يعرف اغلبنا، فالمقصلة عبارة عن هيكل خشبي يتم فيه اسقاط شفرة كبيرة حادة ومحملة بالاثقال من ارتفاع عال على رقبة المدان. ويكون المدان قد استلقى على بطنه وتم ربط جسده على لوح خشبي بحيث تنحصر رقبته في ثقب لتكون مباشرة في مسار الشفرة التي تسقط بقوة عند تحريرها بفعل الثقل والجاذبية فتقطع الرقبة في الحال.

لم تكن المقصلة ابتكارا فرنسيا، فقد اُستعملت اشكالا مختلفة منها خلال العصور الوسطى في بلدان اوربية اخرى مثل انكلترا والمانيا وايطاليا، إلا انها ارتبطت بفرنسا نتيجة استخدامها بكثرة خلال الثورة الفرنسية حيث اعدم عشرات الالوف من الفرنسيين خلال الثورة وبعدها. فخلال ماسمي بعهد الرعب، تم اعدام 16000 مواطن في سنة واحدة بين 1793 و1794 من بينهم الملك لويس السادس عشر والملكة ماري انطوانيت. كما ان النازيون استخدموها في اعدام 16549 فرنسي اثناء احتلالهم لباريس.

ولعل من المدهش والمثير ان استخدام المقصلة في فرنسا جاء للرأفة بالمدانين وقتلهم بطريقة سريعة جدا لايحسون فيها بأي ألم، وذلك استنادا لرأي من اقترحها وأقرها. وهي بذلك تكون مخالفة للطرق الاخرى التي يعاني ويتعذب فيها المعدوم قبل ان يلفظ انفاسه الاخيرة. ففي عام 1789 تقدم ثلاثة اشخاص متنفذون بطلب الى الملك لاستخدام المقصلة في الاعدامات الرسمية، وهم جوزيف گولتين (وبإسمه سميت المقصلة) وهو طبيب، وانطوان لوي وهو جراح البلاط، وتوبايا شمدت المهندس الالماني الذي اشرف على التصميم.  وكان أول استخدام فعلي لهذه الاداة الجديدة في عام 1792 حيث اعدم نكلس جاك بيليتيه الذي ادين بالسرقة. ومنذ ذلك التاريخ اصبحت المقصلة هي الاداة الرسمية للاعدام الذي يتم امام الناس في الساحات العامة. ومنها اصبح الاعدام مناسبة شعبية وطنية للحضور والاحتفال. كما اصبح خلال الثورة الفرنسية متناغما مع مبادئ الثورة باعتباره تجسيدا للشعور بالعدالة والانصاف والمساواة. حيث اعتقد الثوار ان المساواة ينبغي ان تكون في الحياة والموت على حد سواء، خاصة بعد ان عاش الشعب تاريخا طويلا من التمييز العلني المقرف بين اعدام الفقراء بعد تعذيبهم واهانتهم وسحلهم في الشوارع واعدام الارستقراطيين والاغنياء، ان حصل، بالرصاص او الشنق السريع. ومن الطرق الوحشية لاعدام العامة كانت تلك التي تنطوي على مرحلة اخرى بعد الاهانة والتعذيب والشنق والسحل وهي ربط الاطراف الاربعة للمعدوم باربعة عربات تساق بالاتجاهات المختلفة فتسفر عن فصل الجسد الى اربعة اجزاء، ومن ذلك جاءت تسميتها بالتربيع    Quartering .

2285 مقصلة 1

في اول اعدام بالمقصلة خرج الناس باعداد غفيرة وكأنهم ذاهبون لعرض مسرحي ممتع، لكنهم اصيبوا بالخيبة حين تم قطع رأس المدان بلحظة واحدة لينتهي العرض. ولهذا ثارت ثائرتهم وبدأ قسم منهم بالصراخ والصفير واطلاق الشتائم على الجلادين بسبب هذه الطريقة السريعة التي لا تساوي تجشمهم عناء الحضور.

ومنذ تلك المرة، اصبحت مناسبات الاعدام بالمقصلة وكأنها احتفالات،  يخرج الناس فيها قبل الموعد ليحجزون اماكنهم  في اقرب ما يمكن من منصة المقصلة ويأخذون افرشتهم ومأكولاتهم ومشروباتهم ويصطحبون اطفالهم وقد يشترون مايحتاجونه من عربات الحلوى والمرطبات التي تنتشر هناك. ومن الغريب ان لُعبا مختلفة تمثل المقصلة كانت تباع للاطفال. فضلا عن تصنيع اشياء اخرى كحلي للنساء، قلائد واقراط وملابس مطبوعة ونشرات وبوسترات وكاردات للذكرى.  كما ان الاغرب من ذلك هو تدافع الناس من اجل ان يطمسوا اشيائهم بدم المعدوم المنهدر على الارض للاحتفاظ به كشاهد على المناسبة.  وقد جرت العادة ان يرفع احد الجلادين رأس المعدوم ويعرضه على الناس فيما تتعالى الطلبات الغريبة كصفع خد المعدوم او سحب اذنه للتأكد فيما كانت فيه حياة ام لا. ولأن بعض الرؤوس اظهرت بعض الحركات الانعكاسية الطفيفة كتحريك الحاجب او زاوية الفم، جرى الاعتقاد بأن الرأس يبقى يحتفظ بالحياة بعد قطعه.

2285 مقصلة 2

في الخمسينات من القرن الماضي اصدر الباحثان الطبيان بيدلفيه وفورينييه تقريرا في هذا الشأن مفاده ان الدماغ في الرأس المقطوع يبقى يحتفظ بنشاطه لمدة قليلة قد تكون عدة ثوان. وفي تجاربهما على الفئران وجدا ان هذه المدة لم تتجاوز الثمان ثواني.

بقيت المقصلة قيد الاستعمال في فرنسا الى 1981 حيث الغيت عقوبة الاعدام، وبذلك اصبح آخر من اعدم فيها هو التونسي حميدة جندوبي عام 1977 جراء ادانته باختطاف وتعذيب وقتل فتاة عمرها 22 عاما اسمها اليزابيث بوسكيه. على ان الاعدام امام الجماهير انتهى عام 1939 فيما استمر استخدام المقصلة  داخل السجون بين 1939 و1977. وماتزال احدى مقصلات الثورة الفرنسية معروضة الى اليوم في متحف شرطة باريس.

 

ا. د. مصدق الحبيب

 

يسري عبد الغنيوُلِدَ العَالِمُ اللُّغَويُّ الدكتور رمضان عبد التواب فِي قريةِ قليوب بمحافظة القليوبية بمصر صباح يوم الجمعة في الثالث والعشرين من رمضان 1348هـ الموافق للواحِدِ والعشرِينَ من فبراير شُباط 1930م، وسُمِّي باسمِ الشَّهرِ الفَضِيلِ تَيمُّنًا بِهِ، وأَملاً فِي النَّيلِ مِن بَركتِهِ.

تلقَّى تعليمَهُ فِي المدرسةِ الأوليَّة، وكانَ تقديرُهُ فِي السَّنةِ الأُولَى 98%، وتَرتيبُهُ الأوَّلَ، وَمُنذُ ذلِكَ الوَقتِ عَرَفَ قِيمةَ التَّعليمِ، فكانَ يقرأُ كلَّ شيء، وأتمَّ حفظَ القُرآنِ الكريمِ استعداداً لدخُولِ المَعهدِ الدِّينيِّ، فقد وهبَهُ والِدُه للتَّعليمِ الدِّينِيِّ، ولم يَكُنْ يَكتَفِي بِحِفظِ القُرآنِ الكَريمِ، وإنَّما كانَ يَسأَلُ عن مَعانِي كلِّ شَيءٍ، حتَّى إنَّ شَيخَهُ الَّذِي كانَ يُحَفِّظُّهُ لقُرآنَ كانَ يَحارُ مَعَهُ فِي تَفسيرِ بَعضِ الآياتِ، فما كانَ مِنهُ إلَّا أنْ دَلَّهُ علَى تَفسيرِ الجَلالَيْنِ، فَاشتَراهُ وكانَ سَعيدًا بِهِ كلَّ السَّعادةِ، وأتمَّ حفظَ القُرآنِ الكَريمِ فِي سَنَةٍ وَنِصفٍ، وكانَتْ سِنُّهُ فِي ذلِكَ الوقتِ لا تَتَجاوَزُ عَشرَ سَنواتٍ.

دَخَلَ المعهدَ الدينيَّ بعد اجتيازِ امتحانٍ في القرآنِ الكريمِ والحسابِ والإملاءِ، ووقتها وجد نفسه أمام الكتب الصفراء في الفقه والنحو والصرف وعلوم العربية المختلفة، وحفظ ألفية ابن مالك وهو في السنة الأولى بالمعهد الديني، وكان مبرزا بين زملائه، وكانَ دائماً ترتيبُهُ الأوَّل إلى أن أنهى المرحلة الثانوية، ليتأهل بعدها لدخول كلية دار العلوم.

 كان دخول كلية دار العلوم يتم بعد امتحان على ثلاث مراحل: تحريريا ثم شفويا ثم شخصيا، وما كانت هناك كتب معينة يمتحنون فيها سوى الفقه من كتاب "جوهرة التوحيد"، وكانوا يُمتحنون في النحو كله، والبلاغة العربية كلها، والأدب وتاريخه، وكذلك التاريخ الإسلامي، والصرف والعروض، ثم بعد ذلك يُمتحنون شفويا في القرآن الكريم، ثم بعد ذلك الامتحان الشخصي، وكان يُسأل فيه أسئلة تربوية، ويُنظر إلى شخصيته وهندامه، ويُقيّم من جميع الجوانب الشخصية، وتقدم هو وزملاؤه للامتحان الأول، وكان عددهم 1500 طالب، نجح منهم في الامتحانات الثلاثة 200 طالب فقط ورسب الباقون، وكان الذين يدرسّون في كلية دار العلوم وقتها أساتِذةٌ يُدرِّسونَ فَلسفَةَ العِلم، يقف فيهم إبراهيم أنيس بنظرياته، وعباس حسن بغوصه فِي بُطونِ كُتُبِ النَّحو.

 نشأ عنده حب القراءة، فكان يعكف في إجازات الصيف على قراءة كثير من الكتب الأدبية، فقرأ لكبار الكتاب مثل: الرافعي، والعقاد، وطه حسين، وغيرهم، وكان يتفق مع موزع الصحف أن يأتيه بكل الصحف التي كانت تصدر آنذاك، ويتقاضى منه نصف ثمنها بشرط أن يستردها سليمة معافاة قبل منتصف النهار، وكان يتردد على مكتبة دار الكتب منذ أن كان طالبا بالمرحلة الثانوية، وكان ترتيبه الأول بكلية دار العلوم في كل السنوات، وكان يحفظ كثيرا من الشعر العربي في كل العصور.

حينما كان يؤدي امتحان الليسانس الشفهي كانت اللجنة مكونة من الأستاذ عباس حسن والشاعر علي الجندي، وجاء امتحان النصوص فقال له علي الجندي: قل لي شيئا من النصوص التي تحفظها، فقال له: في أي عصر؟ ففتح عينيه متعجبا، وقال: أتحفظ كل العصور؟ فقال: نعم، قال: هات من العصر الجاهلي، فقال له: لمن؟ قال: وهناك اختيار أيضا في العصر الجاهلي؟ فقال: نعم يا سيدي، قال: هات شيئا لامرئ القيس، فقال: أي قصيدة لامرئ القيس: المعلقة أم البائية أم الدالية؟ قال: أتحفظ كل هذا لامرئ القيس؟ قل ما تشاء، ثم انتقل من امرئ القيس إلى علقمة، إلى طرفة، ثم قال في النهاية له الشاعر علي الجندي: فتح الله عليك يا بني، أنا لا أُري الدرجة لصاحبها على الإطلاق، ولكني سأريك إياها، وأعطاه الدرجة النهائية، وقال: ليت عندنا منك عشرا إذن لاستقام الأمر.

 تخرَّج في كلية دار العلوم سنة 1956م، وكان ترتيبه الأول بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى، وحصل على 92.5%، وكان الثاني في الترتيب الدكتور عبد الصبور شاهين، وحصل على 89.5%، والدكتور عبد الصبور شاهين لم يكن في فرقته أصلا، بل كان يسبقه بعام، وكان أول دفعته أيضا، ولكنه اُعتقل في السنة الرابعة لمشاركته السياسية فأصبح في دفعة الدكتور رمضان رغماً عنه.

 لم ينتظر الدكتور رمضان طَلبَ الكليَّة تَعيينَ مُعيدينَ، ولكنَّه سجل في السنةِ التمهيديَّة للماجستير، وفي السنة نفسِها دَرَسَ الدبلومة العامة في التربية بتربيةِ عين شمس، وفي الوقتِ نفسِهِ عُيِّنَ مدرِّساً بمدرسةِ النقراشي الإعدادية النموذجيَّة، وذات يوم كان يطَّلعُ على الصحف اليومية فوجد إعلاناً من كلية الآداب جامعة عين شمس عن بعثة إلى ألمانيا مدَّتها خَمسُ سنواتٍ، التخصص " فقه اللغة العربية " بشرط أن يكوَن الطالبُ حاصِلاً على ليسانس في اللغة العربية، فتقدَّم ومعه ثَلاثةَ عشَرَ طالبا من أبناء الكليَّةِ المُعلِنة، غير أنَّه كانَ المرشَّح الوحِيدَ الذي حَصَلَ على تقدير ممتاز مع مرتبة الشرف، وممتاز في مادة التخصص (فقه اللغة)، وفي نفس الوقت أعلنت كلية دار العلوم عن طلب معيدٍ واحد، واستقرَّ رأي الدكتور إبراهيم أنيس علَيهِ، ولكنَّه فُوجِئ بأنَّه يعد للسفر لبعثة، وهنا وقع في مأزق فهو يخشى أن يعينه فيترك الوظيفة ويسافر إلى ألمانيا ويضيعها على غيره، ويخشى أن يعين غيره فلا يسافر لأي سبب من الأسباب فيكون قد أضاع عليه الفرصة، فأخذ يُسوّف ويُرجئ في الإعلان إلى أن اتصل به الدكتور رمضان هاتفيا، وقال له: سأسافر غداً، وفي الاجتماع التالي تقرَّر تعيينُ الدكتور عبد الصبور شاهين معيداً، وقال الدكتور أنيس في قرار التعيين: يستحق هذِهِ الدرجةَ رمضان عبد التواب غير أنَّه بالبحث والتحري وُجِدَ أنَّه سافرَ في بعثةٍ بكليَّة الآداب جامعة عين شمس إلى ألمانيا، وعلى ذلِكَ يُؤخَذُ الذي يليهِ في الترتيبِ وهو عبد الصبور شاهين.

 تَعلَّم في ألمانيا على أيدي أساتذةٍ مُتخصِّصينَ مَهرةٍ فِي الدراسات اللغويَّة، وأتقن اللغات الألمانية والسريانية والحبشية والأكادية والفارسية والتركية والفرنسية واللاتينية والعبرية والسبئية والمعينية، والتقى مع أساتذة عُظماءَ– في الدراسات اللغوية- أمثال: يوهان فك وهانزفير وأوتوشبيس وريتر وزلهايم، ودارَتْ بينَهُ وبينَ بعضٍ مِنهُم مُناقشاتٌ ومُحاوراتٌ ومُجادلاتٌ عن الإسلامِ؛ إذ كانَ بَعضُهُم مُتحامِلا علَى الإسلامِ، ولكنَّ هذا لم يَمنعْهُ من أنْ يُحَصِّلَ ممَّا لديهم من علم، ثُمَّ عادَ مِن البَعثةِ بعد أنْ أمضَى فيها 5 سنواتٍ حَصَلَ في أثنائِها علَى الماجستير والدكتوراه في اللُّغاتِ السَّامِيَّةِ من جامعة ميونخ بألمانيا بتقدير مرتبة الشرف الأولى سنة 1963م، وبعدَها تَسَلَّمَ عَمَلَهُ مُدرِّسًا بِكلية الآداب جامعة عين شمس.

المؤلفات

1- التذكير والتأنيث في اللغة- دراسة مقارنة في اللغات السامية- القاهرة 1976م.

2- لحن العامة والتطور اللغوي- القاهرة 1967م.

3- فصول في فقه العربية- القاهرة 1973م "ط أولى"، القاهرة 80- 1982م "ط ثانية"، القاهرة 1987م "ط ثالثة".

4- اللغة العبرية- قواعد ونصوص ومقارنات باللغة السامية- القاهرة 1977م.

5- نصوص من اللغات السامية، مع الشرح والتحليل والمقارنات- القاهرة 1979م.

6- في قواعد الساميات- العبرية والسريانية والحبشية، مع النصوص والمقارنات- القاهرة 1981م "ط أولى"، 1983م "ط ثانية"، 1988م "ط ثالثة".

7- المدخل إلى علم اللغة ومناهج البحث اللغوي- القاهرة 1982- 1985م.

8- التطور اللغوي- مظاهره وعلله وقوانينه- القاهرة 1981- 1983م، 1990م "ط ثالثة مزيدة".

9- بحوث ومقالات في اللغة- القاهرة 1982- 1988م.

10- مناهج تحقيق التراث بين القدامى والمحدثين- القاهرة 1986م.

11- مشكلة الهمزة العربية- بحث في تاريخ الخط العربي وتيسير الإملاء والتطور اللغوي للعربية الفصحى- القاهرة 1994م.

12- دراسات وتعليقات في اللغة- القاهرة 1994م.

13- العربية الفصحى والقرآن الكريم أمام العلمانية والاستشراق- القاهرة 1998م.

الكتب المترجمة

1- اللغات السامية- لتيودور نولدكه- القاهرة 1963م.

2- الأمثال العربية القديمة، لرودلف زلهايم- بيروت 1971- 1984م.

3- تاريخ الأدب العربي، لكارل بروكلمان (جـ 4 و5) القاهرة 1975م.

4- فقه اللغات السامية، لكارل بروكلمان- الرياض 1977م.

5- العربية- دراسة في اللغة واللهجات والأساليب، ليوهان فك- القاهرة 1980م.

كتبه المحققة

1- لحن العوام، لأبي بكر الزبيدي– القاهرة 1964م.

2- البلاغة، لأبي العباس المبرد– القاهرة 1965م "ط أولى"- 1985م "ط ثانية".

3- قواعد الشعر، لأبي العباس ثعلب- القاهرة 1966م "ط أولى"- 1995م "ط ثانية".

4- ما يذكر ويؤنث من الإنسان واللباس، لأبي موسى الحامض- القاهرة 1976م.

5- الحروف، للخليل بن أحمد الفراهيدي- القاهرة 1969م.

6- المذكر والمؤنث، لابن فارس اللغوي- القاهرة 1969م.

7- الحروف التي يُتكلم بها في غير موضعها، لابن السكيت- القاهرة 1969م.

8- المذكر والمؤنث، لأبي العباس المبرد- القاهرة 1970م.

9- كتاب الثلاثة، لابن فارس اللغوي- القاهرة 1970م.

10- البلغة في الفرق بين المذكر والمؤنث، لأبي البركات بن الأنباري- القاهرة 1970م.

11- كتاب البئر، لأبي عبد الله بن الأعرابي- القاهرة 1970م- بيروت 1983م.

12- كتاب الأمثال، لأبي فيد مؤرج السدوسي- القاهرة 1971م- بيروت 1983م.

13- زينة الفضلاء في الفرق بين الضاد والظاء، لأبي البركات بن الأنباري- بيروت 1971- 1987م.

14- القوافي وما اشتقت ألقابها منه، لأبي العباس المبرد- القاهرة 1972م.

15- مختصر المذكر والمؤنث، للمفضل بن سلمة- القاهرة 1972م.

16- كتاب الأمثال، لأبي عكرمة الضبي- دمشق 1974م.

17- المذكر والمؤنث، لأبي زكريا الفراء- القاهرة 1975م "ط أولى"- 1990م "ط ثانية".

18- الممدود والمقصور، لأبي الطيب الوشاء- القاهرة 1979م.

19- الوافي بالوفيات، للصفدي (الجزء الثاني عشر)، فيسبادن 1979م.

20- ذم الخطأ في الشعر، لابن فارس اللغوي- القاهرة 1980م.

21- اشتقاق الأسماء، للأصمعي- القاهرة 1980م.

22- ثلاثة كتب في الحروف، للخليل بن أحمد وابن السكيت والرازي- القاهرة 1982م.

23- الفرق، لابن فارس اللغوي- القاهرة 1982م.

24- ما يجوز للشاعر من الضرورة، للقزاز القيرواني- القاهرة 1982م.

25- التطور النحوي للغة العربية، لبرجشتراسر، القاهرة 1982م.

26- ما تلحن فيه العامة، للكسائي- القاهرة 1982م.

27- عمدة الأدباء في معرفة ما يُكتب بالألف والياء، لأبي البركات بن الأنباري- القاهرة 1982م.

28- ضرورة الشعر، لأبي سعيد السيرافي- بيروت 1985م.

29- شرح كتاب سيبويه، لأبي سعيد السيرافي (الجزء الأول)- الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة 1990م.

30- الخطب والمواعظ، لأبي عبيد القاسم بن سلام- القاهرة 1986م.

31- الغريب المصنف، لأبي عبيد القاسم بن سلام (الجزء الأول)- القاهرة 1989م.

32- نجدة السؤَّال في علم السؤال، لأبي البركات بن الأنباري- عمان 1989م.

33- شرح كتاب سيبويه، لأبي سعيد السيرافي (الجزء الثاني)- الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة 1990م.

34- لوح الضبط في علم حساب القبط، لابن المغربي– تحقيق ودراسة– مجلة معهد المخطوطات العربية 1968.

 إنَّ الدكتور رمضان عبد التواب (رحمه الله) صاحب مدرسة علمية في تحقيق التراث نُسبت إليه، عُرفت بـ"المدرسة الرمضانية"، تمتاز بالمنهج الصارم في تحقيق النصوص التراثية، أرسى قواعدها والتزم بها طلابه. وكان يستقبل طلابه من جميع أنحاء الوطن العربي والإسلامي في بيته ومكتبته العامرة، وكان يعد لهم الطعام بنفسه ولا بد أن يأكل الجميع من الـ(يخني الرمضاني)، فكان حاتمياً في الكرم، وكان متواضعاً أشد التواضع، وكان - رحمه الله- تقياً ورعاً يخاف الله عز وجل، محافظاً على الصلاة ويحث طلابه على المحافظة عليها، عالماً غزير العلم

 إنَّ الجيلَ الذي تعهده برعايته وأحاطه بكف عنايته، ووجهه نحو الطريق الصَّحيح الذي رسمه له من خلال توجيهاته النافعة وآرائه السديدة وملاحظاته القيمة وحنانه الأبوي المتدفق كالشلال، إن هذا الجيل ما يزال يذكر له تلك الأيادي البيضاء، ولن ينسى ما بقي في أفراده نفس يتردد، وقلب ينبض، إنَّه أنموذج صحيح وقدوة حسنة لهم، ويكفيه فخراً وعزة ومكانة أن أبناءه المحبين له يدعون له كل يوم بأن يرحمه ويسكنه الفردوس الأعلى في الجنة.

 رأيناه يرعى الغريب قبل القريب، ويفتح أبواب بيته للسائل ليل نهار، لم يرد طالبا، ولم يبخل على أحد بمشورة أو نصيحة، عهدناه يقضي جل وقته بين أبنائه الطلاب، يشرح لهم ويفسر، يهدي ويرشد، يدل ويوجه، ينبه ويحفز، والابتسامة لا تفارق شفتيه، والكلمات الرقيقة ينثرها هنا وهناك، والدعابة ترفرف على أجواء المكان.

وفِي الثَّامِنِ من جمادى الآخرة عام 1422هـ ، الموافق لـ  للسابعِ والعِشرِينَ من آب  أغسطس سنة 2001م ترجَّلَ فارسُ العربيَّةِ المِعوانُ الِمضيافُ عن عُمرٍ يُناهِزُ الواحِدَ والسَّبعِينَ عاماً، كلُّها علمٌ وبركةٌ وخيرٌ، وإنْ كانَ قد غابَ عن عالَمِنا بِجسدِهِ فإنَّه لم يغبْ عنَّا بفكرِهِ وعلمِهِ وقِيمهِ التي غَرَسَها فِي نُفُوسِ طُلَّابِ مَدرسَتِهِ، وشيَّعه كَوكَبةٌ من العُلماءِ والباحِثينَ فِي مِصرَ والوَطنِ العربِيِّ مِن طُلَّابِهِ وَمُحبيهِ، وكلُّهم يَشهَدُونَ له بِالتَّقوى والصَّلاحِ والزُّهدِ والعَفافِ والتَّواضِعِ والكرمِ وَطِيبِ النَّفسِ، فقد جنَّدَ حياتَهُ لخدمةِ لغةِ القرآنِ الكريمِ، يُعلِّم ويُربِّي، ويُدافِعُ عنها ويَصُدُّ المُغرضِينَ، ولم يبتغِ الأجرَ علَى ذلِكَ إلَّا مِن ربِّ العَالمينَ، رَحِمَ الله الدكتور رمضان عبد التواب وأسكنَهُ الفِردوسَ الأَعلَى فِي الجنَّةِ.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

محمود محمد عليلن أمل من الحديث عندما أقول بأن أخميم هي المكان الذي انتميت إليه، والذي مهما ابتعدت عنه يبقي دائم الحنين للرجوع إليه، وهو الذي استفدت من خيرات أراضيها سواء من مياه وثروات طبيعية وغيرها الكثير، أخميم فضلها عظيم وخيرها وفير.. كيف لا !، وهي التي عرفت منها كرامة العيش، وأدركت معني الاستقرار والطمأنينة والدفئ .. إن حب أخميم فطرة موجودة في قلبي، فلا أقوي علي مغادرتها، ولا أنسي ما قدمته لي دوماً، لذلك رأيت أنه من واجبي أن أكتب عنها .

وهنا في مقالي الثاني عن أخميم أستأنف الحديث عن عظمة أثار أخميم؛ فأقول: ومن الآثار الإسلامية بمدينة أخميم جامع الأمير حسن وأنشأه الأمير حسن بن الأمير محمد عام 1117 هجرية الموافق عام 1705م، واستغرق البناء 4 سنوات وألحق به ضريح ملاصق له فى الجهة الشرقية حيث لما توفي الأمير تم دفنه في هذا الضريح وتبلغ مساحة المسجد 648 متر مربع؛ كما يوجد بأخميم أيضاً من الآثار الإسلامية جامع الأمير محمد والذى يرجع إلى العصر العثماني ويسمي أيضا جامع السوق ويقع على الجانب الغربي لشارع القيسارية بأخميم وقد بناه الأمير محمد والد الأمير حسن وتشير العناصر المعمارية للمسجد والمئذنة وبعض العناصر الزخرفية الي أن بناءه كان معاصرا لبناء مسجد الأمير حسن والمسجد يطل على شارع القيسارية.

ومن الآثار القبطية بمدينة أخميم نجد كنيسة الشهيدة دميانة والقديسة دميانة ولدت من أبوين مسيحيين في أواخر القرن الثالث الميلادى وكان أبوها مرقس يدين بالمسيحية ولما بلغت العام الأول من عمرها تعمدت وأقام والدها مأدبة فاخرة للفقراء والمحتاجين لمدة ثلاثة أيام,, وتوجد أيضا بمدينة أخميم من الآثار القبطية كنيسة أبو سيفين والتي تنسب إلي القديس أبو السيفين وكان ضابطاً بالجيش الروماني وإستشهد سنة 362م وترسم صورته بلباس الجند ممتطياً جواداً شاهراً سيفين فوق رأسه والسيف الثاني رمز الجهاد في سبيل الدين وهي تقع وسط مدينة أخميم وقد أقيمت على تل يسمي تل تل نسطور.

كذلك توجد بمدينة أخميم مقابر الحواويش، ومقابر السلاموني .. أما مقابر الحواويش فتقع في مصر القديمة بالجبل الشرقي بقرية الحواويش، والتي تبعد عن سوهاج بنحو 10 كم ومن أخميم 7 كم، وتضمن ذلك التل 3 أديرة قبطية تعرف بالدير البحري والدير الأوسط والدير القبلي، واستخدم ذلك التل منذ بداية عصر ما قبل التاريخ ومرورا بالعصر الفرعوني ثم اليوناني والروماني والقبطي...أما مقابر السلاموني فيقع في الصحراء الشرقية لجبل السلاموني، والذي يحتوي على جبانة مرتفعة بعض مقابرها ترجع لعصر الدولة القديمة وغالبية المقابر للعصر المتأخر اليوناني الروماني، وبعض هذه المقابر لا تزال تحتفظ برسومها الجدارية الملونة، والتي تعتبر خليط بين الحضارة المصرية والهلينية المتضمنة آلهة مصرية ومناظر البروج وأشخاص في نمط روماني، وفي قمة الجبل معبد صخري صغير شيده الملك "آي" التالي مباشرة للملك "توت عنخ آمون"؛ لأجل إله الخصب والنماء الإله "مين" رب أخميم ولأجل الإله "حورس – مين" هذا الإله الذي كان مزيجًا بين الإثنين، والذي ظهر فيه أدب الدولة الوسطى.

وبالإضافة إلي ما سبق توجد أيضاً بمدينة أخميم آثار مدينة بانوبوليس الإغريقية القديمة كما إشتهرت مدينة أخميم في العصر المسيحي بأديرتها الكثيرة وكانت في العصر العربي الأول عاصمة منطقة منفصلة عرفت منذ الفتح العربي بكور أخميم أي المدينة الرئيسية التي يتبعها أخريات وكان يحدها شمالا كور طهطا وجنوبا كور قوص.

وقد أطلق علي مدينة أخميم اسم " مدينة الشهداء " لكثرة عدد الشهداء فيها، فعندما أحصي أهل أخميم عدد شهدائهم بعد المذبحة المروعة التي قام بها " إريانوس" والي أنصنا كان العدد حسب ما جاء في محطوط الشهيدين لـ" ديسكوريدس " و" وإسكلابيوس" .. 8140. شهيد . هذا بخلاف أجساد الشهداء التي كانت متناثرة في امكن متفرقة وفي مكان يدعي " المعسكر" شرق أخميم ويقع علي الشمال من دير الشهداء ؛ حيث كان يتمركز فيه جنود إريانوس علي ما يبدو كان هذا المكان يحتوي علي معتقل المسيحين الذين رفضوا العبادة الوثنية والرضوخ لرسوم " دقلديانوس"، وكانت هذه المذبحة في ثلاثة أيام 92، 30 كيهك و 1 طوبة من سنة 302 ميلادية تقريبا.

وعن أهم المكتشفات التي وجدت في أخميم مدينة الأساطير قديما، قال المؤرخ "فرنسيس أمين" إنها لاتعد ولا تحصي، مؤكداً أنه وجدت بها برديات رياضية تثبت أن علم الرياضيات بدأ من مصر، مثلما وجدت بها لوحات الكتابة وبرديات أعظم الحكماء في مصر "عنخ شاشنجي" حكيم عين شمس في القرن الخامس قبل الميلاد.

كذلك تحتوي أخميم على بقايا معبد أبيو المشهور، إضافة لمقابر بالجانب الشمالي الشرقي بها، وتعود أهميتها لوجود مدينة أثرية كاملة تحت المدينة الحديثة، واحتمالية احتوائها على معبد فرعوني يوازي أهمية معبد الكرنك بالأقصر، وتزايدت أهمية أخميم، عقب الكشف الأثري عن تمثال الملك رمسيس الثاني أحد ملوك الأسرة الـ19، وفي عام 1982م عُثر على بقايا معبد لرمسيس الثاني وتمثال ضخم لميريت آمون ابنته، وبقايا مهشمة لتماثيل رمسيس الثاني، وقطع أثرية من العصر اليوناني والروماني.

ويقول الدكتور "زاهي حواس" وزير الآثار الأسبق خلال إحدى زيارته لاخميم إن مقابر اخميم تعوم على معبد كامل يعادل في أهميته التاريخية والأثرية معبد الأقصر والمشروع يحتاج إلى تكاتف جميع أجهزة الدولة وتوجيه نداء إلى المنظمات العالمية ومنظمة اليونسكو للمساهمة في الكشف عن أثار اخميم ودعم المشروع ماليا ومن ثم وضع سوهاج على خريطة العالم السياحية وخلق آلاف من فرص العمل للشباب سواء فرص مباشرة أو غير مباشرة وسيكون لدينا معبد فرعوني جديد سيدهش العالم كله  في حال الكشف عنه.

عُرفت أخميم قديمًا عند المؤرخين  بـ"مانشستر ما قبل التاريخ"، حيث تُعد من أهم مراكز صناعة النسيج في صعيد مصر قاطبة، إذ قال عنها المؤرخ اليوناني الشهير "هيرودوت:" إن نسائها كن يقضين جميع ما يلزم للمنازل ورجالها كانوا يقومون على صناعة النسيج"، ففي في العصر الفرعوني كانت أخميم أهم مراكز المنسوجات، حيث كان نسيج أخميم قاصرًا على القصور الملكية، وظلت كذلك في العصرين البطلمي والقبطي، وجاءت في مقدمة المدن في هذا المجال، خاصة تلك المدن التي تمسكت بالتقاليد الزخرفية القديمة.

وقد عثر فيها على مجموعة كبيرة من الأقمشة تنوعت أساليب نسجها وموضوعات زخرفتها وألوانها، ودراسة هذه القطع تكشف عن أهمية مدينة أخميم كمركز من مراكز النسيج في العصر القبطي، فمن بين ما تم العثور عليه قطع منسوجة بطريقة النسيج المبطن من اللحمة وأخرى بطريقة القباطي، وقد انعكست الموضوعات المسيحية في المنسوجات القبطية مثل قطعة نسيج عثر عليها تمثلت فيها "البشارة" وهي محفوظة في متحف فيكتوريا وألبرت وأخرى تمثل فقط "الميلاد" بنفس المتحف.

فى العصر الروماني اشتهرت "أخميم" بالمنسوجات الحريرية، وبلغت في ذلك شأنًا كبيرًا، حتى إنها كانت تصدر خارج البلاد، وقد توافر للمدينة مواد الصباغة مما ساعد على تفوقها في المنسوجات، حيث كان ينمو بمنطقة وادي الملوك قرب دير السبع جبال نبات يسمى "الملوك" له عصارة حمراء داكنة تستعمل في الصباغة، خاصة الحرير القرمزي الذي اقتصر لبسه على الملوك والأباطرة في العصر الروماني، وظلت أخميم على شهرتها في صناعة المنسوجات في العصر الإسلامي، وكان إنتاجها يصدر إلى بيزنطة وروما.

واستمرت التأثيرات القبطية في بعض المنسوجات الإسلامية، حيث إن الدولة الإسلامية تركت للدولة والمناطق التي خضعت لها مطلق الحرية في أن تظل هذه المجالات على ما كانت عليه قبل الفتح الإسلامي، حرصًا على سياسة التسامح التي سار عليها العرب، وقد قال ابن الكندي عنها: "يعمل بها طراز الصوف الشفاف والمطارف وغيرها من أنواع النسيج التي تحمل إلى سائر الآفاق".

وقد عُثر في "أخميم" على قطع من النسيج المبطن من اللحمة من العصر الإسلامي، ونُسجت جميعها من لحمة وسداه من الحرير، وكانت الأنوال منتشرة بدرجة كبيرة بها، حيث قيل إنه كان يوجد نول في كل منزل؛ وهنا يقول المفكر زكي مبارك في كتابه "الخطط التوفيقية": "أهلها يفوقون غيرهم في الصنائع لاسيما نسيج أقمشة الكتان".

وفي نهاية مقالي أقول بأن أخميم برغم كونها تمثل مساحة صغيرة جداً من مصر الحبيبة، إلا أنها تمثل لي وسع الكون، فهي الحضن الكبير الذي احتضني وأعطاني كل ما فيه من خيراتٍ، ففضل أخميم لا تتسع بضعة سطورٍ لذكره، ولا تكفي الكلمات لوصفه، فأخميم أكبر من أن تحتويها الكلمات، وارتباطي بها كما قلت من ذي قبل، هو ارتباطٌ نابعٌ من الأعماق، لكونه يمثل ارتباطٌ فطري، يُخلق معي، ويكبر يومًا بعد يوم، فأخميم هو التي أعطتني الهوية، والكيان، والانتماء، وهو التي تضمي حياً وميتاً ؛ وكما قال "عبد الحميد الرافعي ": وطني عليك تحيتي وسلامي.. وقف بحلّي غربتي ومقامي.. وطني اليك أحن في سفري وفي حضري.. وطني وأدعو في ظلام الليل أن لا يبتليك الله بالظلام.. وطني وأرجو أن يدوم لك الهنا أبداً بظل عدالة الحكّام.. وطني بروحي افتديك إذا التوت عنك الرّعاة وطاشَ سهم الحامي.. وطني إذا ما شاك مجدك شائك فكأنما هو ناخر بعظامي.. وطني العزيز وفيك كل صبابتي وتدلّهي وتولّهي وهيامي.. وطني العزيز وعنك خلت محدّثي انحى على سمعي ببنت الجام.. وطني العزيز وإن ألّم بك الأسى قامت بقلبي سائر الآلام..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

 

محمود محمد عليأخميم هي البيت الكبير، هي أول حلمي، هي أول خطواتي باتجاه الكون، أخميم هي التاريخ، هي الانتماء والهوية، أخميم هي الأم التي من ثراها خُلقت، وإلى ثراها سأغُط في يوم ما في سباتٍ طويل، أخميم هي الحبل السري الذي يمدني بأسباب الحياة الذي أحمله في أعماقي أينما توجهت وطالت بي سنين الإغتراب لتشدني من جديدٍ وتعيدني إلى أحضانها، أخميم هي الشمس التي لا تغرب، هي الجنة التي سلمت من أيدي الغزاة، وهي الجحيم الذي يفتك بي إن سقطت أو تأوهت، أو أصابتني أعاصير الحياة .. أخميم هي اللبنة الأولى التي أضعها لتأسيس حياتي، وهي الحلم الذي يسير بي نحو تحقيق ذاتي لأقى بها نحو الأمان والسلام والحضارة بعلمي وعملي وجهدي، أخميم هي الروح والوريد والقلب الخافق، لا حياة لي بدونها، أخميم هي المأوى لي في الحياة والممات، فهي التراب الذي تختلط به ذرات أجزائي بعد الفناء.

ليغفر لي عزيزي القارئ في هذا المقال أني قد بالغت في  التغني بأخميم، فهي موطني، نعم موطني الذي قال عنه "ابراهيم طوقان" :" الجلال والجمال والسناء والبهاء في رباكِ .. والحياة والنجاة والهناء والرجاء في هواكِ.. هل أراك سالماً منعماً وغانماً مكرماً ؟ هل أراك في علاك تبلغ السماك ؟ موطني موطني .

وأخميم إحدى المدن الهامة بمحافظة سوهاج تقع في الضفة الشرقية لنهر النيل يحدها من الشمال مركز ساقلته ومن الجنوب مركز دار السلام، ومن الشرق المنطقة الجبلية ومن الغرب مدينة سوهاج، وتضرب أخميم بجذورها عبر التاريخ المصري القديم تعتبر من الأماكن الأثرية الهامة في الصعيد فهي عاصمة الإقليم التاسع من أقاليم الصعيد والذي يبدأ من الجنوب إلي الشمال، مع جريان نهر النيل، وهي المدينة التي تضم أكبر المعابد الفرعونية الموجودة في باطن الأرض ولم يتم الكشف عنه كليا وهو معبد الملك رمسيس الثاني.

ومدينة "أخميم" تسمي في اللغة المصرية القديمة (الهيروغليفية)  بـ" خنت-مين " (نسبة إلى الإله مين)، والتي عرفت في النصوص الفرعونية باسم (خنتي مين) ويعني (مقر من)؛ وفي العصر القبطي عرفت باسمين (شمين) و(خمين)، وفي اللغة اليونانية أو الإغريقية تدعي" خيميس" و"بانوبوليس"، بينما في العربية باسم أخميم وهو إسمها العربي ؛ وهنا نستشهد بما ذكره جوتييه في قاموسه ؛ حيث قال :" أخميم لها عدة أسماء منها الأسماء المقدسة وهي: Khen Min أو Khenme Mik أو Khenti Min  أو per Min اوMin، وكلها تنسب إلى الإله (من) وهو إله الفلاحة عندهم. واسمها المدني Apou  والرومي أخميم، بانوبوليس نسبة إلى الإله Pan وهو إله الفلاحة عند الرومان، ومن اسم Khen Min  المصري تكونت أسماء رومية أخرى وهي : Khemmou Khenim واسمها القبطي   Chemin  أو  Khmin ومنه اشتق اسمها العربي أخميم. وكانت قاعدة القسم التاسع بالوجه القبلي الذي يسمى Taqah khmin... وذكرها أميلينو في جغرافيته فقال: إنها وردت في كتب القبط باسم Schmin ,Schmim, Eschmi  وقد حرفت الشين إلى خاء، وهو تغيير مألوف، فصار أخميم وهو اسمها العربي؛ ثم قال: إن اسمها الرومي Panoplies ويقال لها Tpanyos ..

وقد ووردت أخميم في كتاب المسالك لابن خرداذبة، وفي كتاب البلدان لليعقوبي من كور مصر بالصعيد، وذكرها المقدسي في كتاب أحسن التقاسيم فقال: أخميم مدينة كثيرة النخيل ذات كروم ومزارع، ثم ذكرها الإدريسي في نزهة المشتاق فقال: مدينة أخميم في شرق النيل وبها البناء المسمى بريا، وهي الآن باقية ثابتة (أي في القرن الخامس الهجري قبل أن تهدم). ووردت في معجم البلدان، أخميم من قرى صعيد مصر، وفي قوانين ابن مماتي وفي تحفة الإرشاد من أعمال الأخميمية، ووردت في الانتصار فقال: أخميم بلدة قديمة واقعة في شرق النيل وبها آثار مبان قديمة، وهي مدينة الإقليم، وكان بها مقام الوالي، لأنها كانت مفردة بالولاية والآن يسكنها نائب الوجه القبلي وبها قاض وجامع قديم وعدة مدارس وبها أسواق وقياسر وفنادق وغير ذلك. ووردت في تربيع سنة 933 هــ باسم أخميم، وفي تاريخ سنة 1231هـ باسمها الحالي القديم.

في العصر الفرعوني كانت أخمبم عاصمة "فسم خمينو " وفى العصر الرومانى كانت عاصمة قسم "بانوس"؛ وفى العصر المسيحى اشتهرت بـ اديرتها الكثيرة؛ وفى بداية العصر الإسلامي بقت عاصمة كورة الإخيميه واستمرت كذلك حتي نهاية العصر المملوكى.. بعد الغزو العثماني ألغيت "الإخيميه" وانضمت لولاية جرجا، وبقت أخميم تابعه لمركز ومحافظة سوهاج.. فى سنة 1903 صدر قرار من الداخلية بفصل البلاد التي توجد على شرق النيل عن مركز سوهاج، وتحويلها لمركز باسم "إخميم".، وتشتهر أخميم بنوع معين من المنسوجات الصوفية.

ويقال أنه كان في أخميم جماعة من "بنى قرة"، من فصيلة من بنى هلال بن عامر بن صعصعة، ينتهى نسبهم إلى "معد بن عدنان جد النبى - صلى الله عليه وسلم، وكان بأخميم "بربا" – أي محل للعبادة (عند القبط) مشهورة، ونفى إليها " نسطور" رئيس الفرقة المسيحية المسماة النسطورية. وفيها آثار قديمة ذات قيمة عالية عند المؤرخين، ومن أشهر أعلامها ذو النون المصري، وكان من أعظم علماء عصره أدبًا وعلمًا، وتُوفِّى سنة 248هـ ؛ حيث تزوج منها، وخلف ابنته "عزيزة"، و" عزيزة" ماتت ودفنت ووضع لها ضريح بجانب بيتي الذي ولدت فيه وأقطن فيه حتي الآن.

ووردت أخميم أيضاً في كتاب "المسالك" لإبن خرداذبة وفى كتاب البلدان لليعقوبى من كور مصر بالصعيد، وذكرها "المقدسي" في كتاب "أحسن التقاسيم"، :" فقال أخميم مدينة كثيرة النخيل ذات كروم ومزارع"؛ ثم ذكرها "الإدريسى" في "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" فقال :" مدينة أخميم في شرق النيل وبها البناء المسمى بريا، وهى الآن باقية ثابتة يقصد في القرن الخامس الهجري قبل أن تتهدم"؛ ووردت في "معجم البلدان" للبلاذري :" أخميم من قرى صعيد مصر وفى قوانين إبن مماتى وفى تحفة الإرشاد من أعمال الأخميمية"؛ ووردت في الانتصار:" فقال إن أخميم بلدة قديمة واقعة في شرق نهر النيل بمصر وبها آثار مبانى قديمة وهى مدينة الإقليم وكان بها مقام الوالى لأنها كانت مفردة بالولاية والآن يسكنها نائب الوجه القبلى وبها قاض وجامع قديم وعدة مدارس وبها أسواق وقياسر ووكالات وفنادق وغير ذلك ووردت في تربيع سنة 933 هجرية الموافق عام 1526م باسم أخميم"، وهو الاسم الذى تعرف به في وقتنا الحاضر .. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

يسري عبد الغنيمن أطباء المسلمين المشهورين ابن النفيس، واسمه: علاء الدين أبو الحسن علي بن أبي الحزم، القرشي، المعروف بالمصري، والذي ولد بالقرب من مدينة دمشق السورية سنة 607 هـ = 1210 م، وكانت دمشق في تلك الآونة قد بلغت ذروة مجدها، وأصبحت مركزاً مهماً للعلوم والفنون والآداب، كما كانت بها مكتبة ضخمة أنشأها نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي، والذي أنشأ البيمارستان (المستشفى) النوري الكبير، الذي عمل فيه أمهر أطباء العصر، حيث جعله مفتوحاً في كل الأوقات لعلاج المرضى الفقراء، سواء أكانوا من المسلمين أو من غيرهم.

 وكان علاء الدين ابن النفيس، محيطاً بكل العلوم في عصره، ومن أعلم الناس في عهده بالفلسفة وعلم النحو وعلوم الشرع والفقه، في نفس الوقت الذي ألم فيه بكل ما كتب في علوم الطب من قبله، ولعل هذا مما جعل بعض معاصريه يعدونه مساوياً للشيخ الرئيس / ابن سينا في مجال الطب، وكانت وفاة ابن النفيس سنة 687 هـ = 1288 م، عن عمر يناهز الثمانين عاما .

مؤلفاته:

 من مؤلفات ابن النفيس المهمة كتابه في الطب أو (الكتاب الشامل في الطب)، وهو موسوعة طبية كان ينوي إتمامها في (300 جزء)، إلا أنه لم يكتب منها إلا ثمانين جزءاً، وبكل أسف فإن هذه الموسوعة لم يرد إلينا منها إلا بعض النتف والفقرات موجودة حالياً في المكتبة البودالية في أكسفورد البريطانية .

وله كتاب (المهذب في الكحول)، وواضح أنه في طب العيون، وهو موجود في مكتبة الفاتيكان .

كما ألف كتاب (المختار في الأغذية)، وكتاب (شرح فصول أبقراط)، وكتاب (تقديمات المعارف) وهو تعليق على تكهنات أبقراط الطبية .

وله كتاب (شرح مسائل حنين بن اسحق)، وكتاب (تعليق على كتاب الأوبئة لأبقراط) .

أما الكتاب الذي نال شهرة كبيرة فهو كتاب (موجز القانون)، وهو موجز عملي لكتاب القانون لأبن سينا، كتبه ابن النفيس من أجل أطباء عصره، ويقع في أربعة أجزاء كاملة لا في خمسة أجزاء كما هي الحال في قانون ابن سينا، إذ أنه ضم الكتاب أو الجزء المتعلق بالأدوية إلى الجزء الثاني بعد باب المفردات .

وتوجد منه نسخ في مكتبات كل من: باريس الفرنسية، وأكسفورد البريطانية، وفلورنسا الإيطالية، وميونخ الألمانية، والأسكوريال الأسبانية.

ومما يدل على انتشار هذا المؤلف كثرة التعليقات التي خصصت له، وأول هذه التعليقات نجدها من معاصري ابن النفيس، وبعد ذلك ترجم قانون ابن النفيس إلى التركية والعبرية، وعنوانه في العبرية (صفر جا موجز)، كما طبع بالإنجليزية في مدينة كلكتا الهندية سنة 1828 م تحت عنوان (الشرح المغني أو المغني في شرح الموجز)، كما أعيد طبعه في مدينة لوكناو الهندية مرة أخرى وضم إليه معجم بأسماء المفردات والعناصر الواردة فيه مفسرة باللغة الإيرانية (الفارسية) .

وما زال هذا المؤلف الكبير يدرس إلى يومنا هذا في المعاهد العلمية والطبية في الهند، وقد أخبرني أحد الأخوة من الهنود أن هذا الكتاب لأبن النفيس يلعب دوره الكبير في تعليم الطب لديهم .

ولكن الذي يجب أن نشير إليه هنا هو السبب في اعتبارنا ابن النفيس فخراً للمسلمين في كل مكان، هذا السبب يرجع إلى أن الرجل تمكن من أن يتخلص من القيود التقليدية في البحث والدرس والممارسة، وبمعنى آخر تمكن من أن يتخلص من سيطرة جالينوس، وسيطرة ابن سينا، معلناً في جرأة وشجاعة منقطعة النظير في صفحات كتابه (شرح تشريح القانون): ما لم تره العين، فمن المحال أن يصدقه العقل !! (وبالطبع هذا يكون في مجال العلم والفكر).

جهد مشكور، وأمل مرجو:

وكتاب (شرح تشريح القانون) توجد منه نسخ مخطوطة في مكتبات باريس الفرنسية، والأسكوريال الأسبانية، وأكسفورد البريطانية، إلا أنه ظل حبيس المكتبات سبعة قرون كاملة، إلى أن عثر عليه الدكتور / محي الدين التطاوي سنة 1924 م، أثناء دراسته في برلين الألمانية، فقام بدراسته دراسة علمية متقنة، وتقدم به للحصول على درجة الدكتوراه من جامعة فريبورج بألمانية، وهذه الرسالة ـ وفقاً لمعلوماتي ـ لم يتم طبعها حتى الآن، ولا توجد منها سوى نسخة مكتوبة على الألة الكاتبة القديمة في مكتبة جامعة فريبورج الألمانية والذي أعرفه أن مكتبة جامعة فريبورج تحتفظ بثلاث نسخ في حالة جيدة جداً من رسالة الدكتور التطاوي .

وبالطبع يحدونا الأمل في أن يبعث الله تعالى من يخرج هذه الرسالة من مرقدها، فيعرف الناس بجهد ابن النفيس في مجال الطب، وفي نفس الوقت يعرفهم بجهد الدكتور / التطاوي في دراسة وتحقيق وبحث تراثنا العلمي في تلك الفترة الباكرة .

لقد رأى ابن النفيس أن يعتمد في تعرف صور الأعضاء الباطنية على مشاهداته الخاصة / الشخصية، لا على ما قاله الأسبقون، حتى لو لم مشاهداته رأيهم، وكان من نتيجة ذلك أن أنكر وجود المسام التي زعم جالينوس وجودها بين البطينين الأيمن والأيسر من القلب .

كذلك أنكر ابن النفيس نظرية دورة الدم من البطين الأيمن للقلب إلى الرئة عن طريق الشريان الرئوي، ثم من الرئة إلى البطين الأيسر للقلب عن طريق الوريد .

ويعتبر ابن النفيس سابقاً بحق لكل من (سيزالبتيو) و(هارفي) في اكتشافهما الدورة الدموية بثلاثة قرون كاملة، كما أنه فرض منافذ محسوسة بين الشريان والوريد الرئويين، وبذلك سبق (مالبيجي) في هذا الكشف، بالرغم من عدم وجود المجاهر المتقدمة التي استعملها (مالبيجي) في بحثه العلمي .

ولم يوافق ابن النفيس أستاذه ابن سينا أيضاً في عدد تجاويف القلب، حيث قال ابن سينا: إن فيه بطون ثلاث، وقال ابن النفيس: إن فيه بطنين .

وهذا يدلنا على أن الرجل مارس وباشر التشريح بالفعل، إلا أنه حرص على ألا يتهمه أحد بممارسته، فأنكر في مقدمة كتابه (شرح تشريح القانون) أن يكون قد فعل ذلك .

كما أكد في نفس الكتاب أن غذاء القلب هو من الدم المار فيه من العروق المارة في جُرمه، وهذه العبارة تجعله أول من فطن إلى وجود أوعية دموية داخل عضلة القلب تغذيها، وهو ما نسميها الآن الشرايين التاجية أو الإكليلية .

 هذا، وقد ظلت نظرية دورة الدم في الرئة مجهولة، حتى أول عهد النهضة الأوربية حيث وصف الدورة الدموية: (سرفتيوس)، و(كولمبو)، و(هارفي)، على التوالي، وقد قيل: إن هؤلاء لم يعلموا شيئاً عن نظرية ابن النفيس !!، إلا أن هناك ما يدلل على أن بعض أهل الغرب من البحاثة والعلماء، اطلعوا على مؤلفات ابن النفيس، وترجموها إلى اللغة اللاتينية إبان القرن السادس عشر الميلادي، وقد نشرت هذه الترجمة في مدينة البندقية الإيطالية، عام 1547 م .

 وفي رأي الباحث أن كتاب ابن النفيس المهم (شرح تشريح القانون)، وكتب ابن النفيس الأخرى في الطب، كان لها أكبر الأثر في تنبيه علماء النهضة الأوربية إلى الدورة الدموية، وقد اعترف بذلك اهل الاستشراق من المنصفين .

ابن النفيس في مرآة المستشرقين:

 اهتم المستشرقون بابن النفيس اهتماماً كبيراً، تجلى هذا الاهتمام في العديد من الدراسات التي قاموا بكتابتها، ومن هذه الدراسات:ـ

1 ـ الدراسة التي كتبها / ماكس ماير هوف، وكان عنوانها: (ابن النفيس: عالم من القرن الثالث عشر الميلادي، ونظريته في الدورة الدموية)، ونشر هذه الدراسة في مجلة (إيسيس) سنة 1935 م، من صفحة 100 إلى صفحة 120 .

2 ـ كما كتب يوسف شخت دراسة عنوانها: (ابن النفيس وسرفتيوس وكولمبو)، تم نشرها في مجلة الأندلس، المجلد الخاص بسنة 1957 م، من صفحة 317 إلى 331، وفي هذه الدراسة نجد بياناً بالمؤلفات التي كتبت في موضوع الدورة الدموية على مر تاريخ الطب، كما نجد مختارات من كتابات سرفتيوس، وفالفردي، وكولمبو، وذلك لأظهار إمكانية انتقال آراء ابن النفيس إلى أوربا .

3 ـ كتب تشارلز. د . أوملي، بحثاً عنوانه: (ترجمة لاتينية لابن النفيس)، وفيها يتحدث عن مشكلة الدورة الدموية، والجهد الذي بذله ابن النفيس في اكتشافها، وتم نشر هذا البحث في المجلد الثاني من أعمال المؤتمر الثامن الدولي لتاريخ العلوم، والذي عقد بين: فيرنتسه ـ وميلانو، في الفترة ما بين 3 ـ 9 سبتمبر، سنة 1956 م، وهذا البحث تم نشره في باريس بواسطة (هيرمانا) سنة 1958 م .

 وختاماً: فإننا إن كنا تحدثنا عن ابن الفيس في هذه السطور، فإن أي باحث لا يستطيع بأي حال من الأحوال أن ينكر دور كل من: علي ابن ربن الطبيب الشامل، والمجوسي الطبيب المبدع، وابن عيسى الذي نهض بطب العيون وألف للكحالين، وأبو بكر الرازي طبيب الدولة الإسلامية الأول، والشيخ الرئيس ابن سينا الذي فلسف الطب وقعده، والزهراوي الجراح الذي ألف لمن عجز عن التأليف والتصريف، وابن أبي إصيبعة المؤرخ الأول للطب الإسلامي، وحنين بن اسحق ومسائله في العين ومقالاته في الطب، وابن قرة صاحب الزخيرة في الطب، وابن جلجل صاحب طبقات الأطباء، وابن سيده صاحب كتاب المخصص، وغيرهم وغيرهم مما لا يتسع المجال لذكرهم ..

 واضعين في الاعتبار الدراسات والأبحاث التي قام بها أهل الاستشراق للتعريف بجهد المسلمين وابتكاراتهم وابداعاتهم في مجال الطب، معترفين في كل ما كتبوه بهذا الدور الكبير للأطباء المسلمين، هذا الدور الذي عرفه الغرب جيداً وترجمه إلى لغاته، واستفاد منه أعظم استفادة مع بدايات عصر النهضة الأوربية.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

صادق السامرائيمما يميز الدولة العباسية، ذلك القلق الذي عصف بمؤسسيها من الخلفاء، والذي جعلهم يبحثون عن عاصمة يستشعرون فيها بالأمان.

والعديد من الخلفاء بعدهم  كانوا في حالة من الوسوسة بخصوص العاصمة، وبناء المدن التي يأمَنون فيها على حياتهم، ويضمنون تجسيد تطلعاتهم، وتأكيد منطلقاتهم في الحكم.

وهذا مختصر مكثف للعواصم التي إتخذوها أو كادوا أن يعلنوها، ويمكن للمتخصصين بالتأريخ أن يوضحوا لنا الأمور الغامضة بهذا الشأن.

أولا: الكوفة

عندما أعطيت البيعة لابي العباس السفاح في أواخر أيام الدولة الأموية، إتخذ الكوفة عاصمة للخلافة الجديدة وإستمرت (132 - 134) هجرية.

ثانيا: هاشمية الأنبار

بناها أبو العباس السفاح كعاصمة ومات فيها  (134 - 136) هجرية، ولا يذكر كثيرا عنها، ولا توجد قصور فيها، وربما القبر الموجود فيها يعود لأبي العباس السفاح.

ثالثا: الكوفة

أين كان أبو جعفر المنصور قبل بناء بغداد، لا يوجد جواب واضح وقاطع، لكن أكثر المصادر تشير إلى أنه قد  إتخذ مكانا قرب الكوفة قبل بناء بغداد  (136 - 149) هجرية،  ولم توضح حقيقة ذلك المكان، ولا توجد قصور للخلافة تؤكد ذلك، ويُذكر أن له قصر فيه،  وقد وصلت الإضطرابات ذات يوم إلى باحته.

ويبدو أن أبا جعفر المصور كان مولعا بالبناء باللبن والطين، مما سهل إندثار ما شيّده بسبب الأمطار والفيضانات.

رابعا: بغداد

بناها أبو جعفر المنصور المؤسس الحقيقي للدولة العباسية (140 - 149) هجرية، إستمر بناء المدينة تسعة سنوات، وكانت دائرية الشكل، وذات موقع ستراتيجي وسطي، حول نهري دجلة والفرات، محصنة ذات أربعة أبواب.

وبقيت عاصمة منذ بنائها حتى الإنتقال إلى سامراء (149 - 222) هجرية، من ثم عادت عاصمة حتى سقوط الدولة العباسية (279 - 659) هجرية .

خامسا: الرقة

حاول هارون الرشيد أن يتخذها عاصمة، ولديه محاولات أخرى لنقل العاصمة من بغداد، وهو الذي كان يبحث عن مكان لعاصمته قرب سامراء، وقد شيد قصورا فيها، وكذلك من بعده المأمون الذي جعل من مناطق محيطة بسامراء منتجعا له وميادين صيد.

ويروى أن زبيد زوجة الرشيد قالت لمنصور النميري: قل شعرا تحبب فيه بغداد لأمير المؤمنبن فقد إختار عليها الرقة فقال: " ماذا ببغداد من طيب الأفانين...ومن منارة للدنيا وللدين، تحي الرياح بها المرضى إذا نسمت...وجوشت بين أغضان الرياحين"

سادسا: سامراء

بناها المعتصم مدينة تسر الناظرين (سر من رأى)، ولتنافس جمال مدن الأندلس التي شيّدها الأمويون. وأصبحت عاصمة للدولة العباسية (222 - 279) هجرية.

سابعا: دمشق

وفي سنة (243) هجرية، كاد المتوكل أن يتخذها عاصمة للإبتعاد عن الأتراك، وبنى فيها قصرا بداريا وعزم على سكناها،  لكن قادته أثنوه عن الأمر، ورجع بعد شهرين أو ثلاثة

وفي هذا قال يزيد بن محمد المهلبي:

"أظن الشام تشمت بالعراق...إذا عزم الإمام على انطلاق، فإن تدع العراق وساكنيه...فقد تبلى المليحة بالطلاق".

ومن الصعب تفسير هذا السلوك لدى الخلفاء العباسيين، فكأنهم في حالة من القلق وعدم الشعور بالأمان، وفي محاولات للهرب من المحيطين بهم والذين يضمرون لهم الشرور والغدر.

فالدولة العباسية أسِسَت بالقوة وبسفك دماء مروعة، فكان السيف سلطان، والأعداء كثر وإرادة السلطة لا ترحم أحدا، مما جعل القلق يعصف بالخلفاء الأقوياء، ويدفعهم للبحث عن مكان يستشعرون فيه الأمان، وهذا من أهم الأسباب التي جعلت الدولة العباسية تعتمد على الموالي أكثر من العرب، لأن العباسيين قتلوا من العرب والمسلمين أعدادا غفيرة، وإرتكبوا إبادات جماعية بحق الأمويين والعلويين، لتثبيت أركان دولتهم، فهم ربما يحسبون العرب أعداءً لوجودهم، ولهذا كان للموالي بأنواعهم سلطتهم وسطوتهم، كالبرامكة والأتراك وغيرهم.

 

د. صادق السامرائي

 

 

محمود محمد عليما زلت أومن بل ربما أكثر من ذي قبل بأن من أجل المهن وأعظمها مهنة الطب، والتي تستوجب أن يكون الطبيبُ إنساناً، يحمل مشاعره الإنسانية في كفة ليغلب عليها الجرأة والقوة للتعامل مع أبشع الحالات التي يتطلب منه معالجتها، وجراحات القلب والصدر من أصعب الجراحات الطبية التي تختص بالعلاج الجراحي للأمراض التي تؤثر على الأعضاء داخل القفص الصدري، أي علاج أمراض القلب والرئتين جراحياً، كما أن جراحة القلب (التي تشمل القلب والأوعية الدموية الكبرى) وجراحة الصدر (التي تشمل الرئتين وأي أعضاء أخرى داخل القفص الصدري) هي تخصصات جراحية مستقلة، ما عدا في الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وأستراليا ونيوزيلندا حيث يتم دمجهم معا في تخصص واحد، وهذا يجعل الجراح المتدرب في تخصص جراحة القلب والصدر يمتلك خبرة أوسع في المجالين قبل أن يتخصص في إحداهما.

ولقد أصبحت جراحة القلب ممكنة في أواسط القرن العشرين، وكانت أهم مساهمة علمية تقنية هي اختراع آلة القلب والرئة، ويمكن بواسطتها تحويل الدورة الدموية عن القلب، مما يتيح للجراح أن يواصل جراحته على القلب وهو في حالة سكون وفراغ من الدم، وتريح الآلة القلب والرئتين من عبئ ضخ الدم وإشباعه بالأكسجين، بالإضافة إلى تطور الأدوية المثبطة للمناعة ورفض الأجسام الغريبة، وإمكانية هبط الحرارة أثناء العملية. وتجرى حالياً على القلب عمليات كثيرة؛ كتبديل الصمامات، وحتى تبديل القلب وزرع قلب من إنسان آخر، أو زرع قلب اصطناعي بالإضافة إلى جراحة الشرايين الكبيرة كالأبهر، واعتلالات القلب المكتسبة التي تؤدي إلى تضيق في الصمامات، أو الأوعية الدموية.

وجراحة القلب هي الجراحة التي يجريها جراحو القلب على عضلة القلب أو الأوعية الكبيرة أو الغشاء التامورى المحيط بالقلب وتعتبر جراحة القلب جزء من جراحات الصدر وتنقسم عادة إلى قسمين كبيرين هما جراحة القلب المغلق وجراحة القلب المفتوح ويستند الفرق في التصنيف بين هذين القسمين إلى عدم الحاجة أو الحاجة إلى استخدام ماكينة القلب والرئة الصناعي في العملية على الترتيب.

وقد فقدت مصر خلال الأيام الماضية إنسناً لا يصدق، طبيب الفقراء الدكتور خالد حسن عبد الباري، (أستاذ جراحة القلب والصدر بكلية الطب- جامعة الزقازيق )، كرس حياته لعلاج المصريين من الخلفية الفقيرة مقابل القليل من المال، مات الرجل الذي لطالما كان السبب في رسم الابتسامة علي وجوه الآلاف من الفقراء الذين عالجهم مجاناً، وهو ذاته اليوم كان سبب في بكاؤهم عند سماعهم لخبر رحيله عن الحياة عن عمر تجاوز الستون عاماً (على أثر إصابته بفيروس كورونا)، سخر فيه علمه وقدراته لجراحات القلب والصدر لخدمة الفقراء .

وحين توفي الدكتور خالد عبد الباري كتبت عنه أغلب الصحف المصرية تنعاه، فقالت في حقه:" وداعا الدكتور خالد حسن عبد الباري ؛ حيث فقدنا، الجراح الكبير، والمعلم القدير، ليس من بين أساتذة جراحات القلب والصدر من يضاهيه في سعة الأفق، أو القدرة على الاندهاش والإدهاش (في العمليات الجراحية)، أو الحضور الطاغي (في المؤتمرات الدولية والمحلية)، أو خفة الظل (في العمل الإداري). سوف نفتقده كثيرا، كما سوف يفتقده الكثيرون ممن عرفوه (من تلاميذه ومريديه)، عن قرب أو بعد، وهمُ كثر. وداعا أيها الصرح الطبي والجراح الشامخ".

كما نعته جامعة الزقازيق بجمهورية مصر العربية فذكرت علي صفحتها علي الإنترنت  :" بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، تنعي جامعة الزقازيق برئاسة الدكتور عثمان شعلان، الدكتور خالد حسن عبدالباري، الأستاذ المتفرغ بقسم جراحة القلب والصدر بكلية الطب البشري، والرئيس الأكاديمي لجامعة هيرتفورد شاير الإنجليزية بالعاصمة الإدارية، ورئيس جامعة الزقازيق السابق. وتقدم رئيس الجامعة، والنواب وعمداء الكليات، وأعضاء هيئة التدريس، وجميع العاملين والطلاب بالجامعة، بخالص العزاء والمواساة لأسرة المغفور له، داعين المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته وأن يجزيه خير الجزاء على ما قدم في خدمة وطنه وجامعته ورسالته الإنسانية، وما أفنى حياته فيه من خدمة الناس، وأن يلهم أهله وزملاءه ومحبيه وتلاميذه في كل مكان الصبر والسلوان.. وأشار البيان، إلى أن الدكتور خالد عبدالباري خدم وطنه وجامعته، وكان صاحب رسالة إنسانية أفنى حياته في خدمة الناس".

والدكتور خالد عبد الباري من مواليد قرية اكوة التابع لمركز ديرب نجم بمحافظة الشرقية، ولديه ثلاثة أبناء "محمد" طبيب أسنان و"مصطفى" مهندس و" أية" طبية، وكان سيادته (رحمة الله عليه) قد سبق وشغل عدة مناصب منها وكيل كلية الطب البشرى، ورئيس مجلس إدارة مستشفيات جامعة الزقازيق، وأمينا للجنة العليا للمستشفيات الجامعية بالمجلس الأعلى للجامعات، ونائبا لرئيس الجامعة لشئون الدراسات العليا والبحوث، ومستشارا لوزير التعليم العالى لشئون المستشفيات الجامعية، ثم رئيساً لجامعة الزقازيق لمدة أربع سنوات، أنشأ خلالها ما يقرب من 11 كلية جديدة، فضلاً عن تطوير مستشفى الجامعة والبدء في إنشاء جامعة الزقازيق الأهلية بالعاشر من رمضان، وعندما بلغ شن المعاش أعلنت مؤسسة جلوبال للتعليم ومقرها العاصمة الإدارية الجديدة، تعيينه رئيس جامعة رئيسا أكاديميا لفرع جامعة هيرتفوردشاير الإنجليزية؛ وقبل وفاته بأيام أكد الدكتور عبد البارى، أن فرع جامعة "هيرتفوردشاير" الإنجليزية، بالعاصمة الإدارية يمنح الدرجات العلمية في بكالوريوس العلوم الصيدلية، وبكالوريوس الصيدلة "m pharm"، وبكالوريوس المحاسبة والتمويل، وبكالوريوس إدارة تكنولوجيا المعلومات للأعمال، وبكالوريوس إدارة الأعمال، وبكالوريوس التسويق باستخدام التواصل الرقمى.. وأضاف الدكتور خالد عبد البارى، أن الجامعة تمنح أيضا بكالوريوس في علوم الحاسب "ذكاء اصطناعي"، بكالوريوس الهندسة في الهندسة المدنية، بكالوريوس الهندسة في الهندسة الميكانيكية والميكاترونكس”، بكالوريوس الإعلام، بكالوريوس في علوم العلاج الطبيعي، بكالوريوس التصميم الرقمى للإعلام، بكالوريوس العمارة الداخلية والتصميم.

والدكتور خالد عبد الباري حصل علي بكالوريوس فى الطب والجراحه, -جامعة الزقازيق [1982]، ثم حصل علي ماجستير فى جراحه القلب والصدر, -جامعة الزقازيق [1986]، ثم درجة الدكتوراه فى جراحه القلب والصدر، -جامعة الزقازيق [1990].

وللدكتور خالد عبد الباري أبحاث كثيرة في مجال جراحات القلب والصدر نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر:

1- Surgical outcome of pulmonary aspergilloma (2008).

2- Off-pump versus on-pump for multivessel coronary artery bypass grafting: Comparative study of operative and short-term outcomes (2008).

3- Early and short-term results of chest wall resection and reconstruction: A review of 22 cases (2008).

4- Primary bony chest wall tumors. Experience in one center (2013).

5- Short and mid term results of mitral valve repair using artificial chordate (2013).

ولم يكن الدكتور خالد عبد الباري ممن يحرصون علي غزارة الإنتاج، بل كان في عمله العلمي يغلب عليه الكيف علي الكم، وكان في ذلك متسقاً مع نفسه تمام الاتساق، ولكن لعل السبب الأهم في عزوفه عن الإنتاج الغزير، برغم قدرته عليه، هو أنه كان من ذلك النوع النادر من الأساتذة، الذين يلمعون ويمارسون أعظم تأثير لهم من خلال اللقاء المباشر بينهم وبين تلاميذهم، لا من خلال اللقاء غير المباشر عبر الكتب والبحوث.

ورغم ذلك اتسم إنتاج الدكتور خالد عبد الباري بعمق الفكر، ووضوح اللغة وبساطتها؛ فمؤلفاته تجعل جراحات القلب والصدر قريبة إلي أذهان ومشاعر طلابه وباحثيه، وقد وجمع أسلوبه في الكتابة الطبية بين الأسلوب المباشر والعميق في ذات الوقت، وهو ما يمكن تسميته بالسهل الممتنع في الكتابة الطبية.

علاوة علي أنه أسهم بعضويته في كثير من المؤسسات الطبية العلمية، ومراكز جراحات القلب والصدر العالمية، وألقي العديد من البحوث في مؤتمرات، وندوات محلية، ودولية، منها أبحاث في متخصصة نشرت في دول عربية وأوربية وأمريكية،، وكان عضواً باللجنة العلمية الدائمة للترقيات بالمجلس الأعلى للجامعات.

تحيةً للدكتور خالد عبد الباري، ذلك الرجل الذي يمثل بالفعل قيمة طبية ووطنية وشخصية موسوعية في جراحات القلب والصدر، ما جعل زملاءه وتلاميذه من الأطباء والأساتذة الجامعيين يعترفون له بريادته في جراحات القلب والصدر.

رحم الله الدكتور خالد عبد الباري، الذي صدق فيه قول الشاعر: رحلتَ بجسمِكَ لكنْ ستبقى.. شديدَ الحضورِ بكلِّ البهاءِ.. وتبقى ابتسامةَ وجهٍ صَبوحٍ.. وصوتًا لحُرٍّ عديمَ الفناءِ.. وتبقى حروفُكَ نورًا ونارًا.. بوهْجِ الشّموسِ بغيرِ انطفاءِ.. فنمْ يا صديقي قريرًا فخورًا .. بما قد لقيتَ مِنَ الاحتفاء.. وداعًا مفيدُ وليتً المنايا.. تخَطتْكَ حتى يُحَمَّ قضائي.. فلو مِتُّ قبلكَ كنتُ سأزهو.. لأنّ المفيدَ يقولُ رثائي.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

 

الحمُد للهِ الذَي فَضلَ العلَم وشرفَ العُلماء وَجعَلهم ورثة الأنبياء وفضلهم على الكثير منَ العباد ورفع درجاتهم إلى أعلى الدرجات في الدنيا والاخرة واحمد الله جل وعلا ان اكون ممن تَشرفوا بالانتساب الى العلم طلباً، وتتبعاً للعُلماء حباً وتقدير واعتزاز، وجعلني حافظ للعشرة الودية مع من احببتهم اساتذتي الذين احاطوني بعطفهم الأبوي وبعلمهم الغزير ومن هذه الاطلالة رغبت نفسي ان اكتب عن احد اساتذتي الأجلاء الكبار من العلماء الكرام الذي كان لي الشرف ان يكون احد اساتذتي في الماجستير والدكتوراه وعشت معه فترة طويلة من الزمن والى الان، فكان صاحب فضل عليَّ بعد الله، الا وهو الاب المربي الكبير العلامة الاستاذ الدكتور محمد جاسم حمادي المشهداني الامين العام لاتحاد المؤرخين العرب، وعميد معهد التاريخ العربي والتراث العلمي للدراسات العليا، ورئيس الهيئة العربية لكتابة تاريخ الانساب.

الذي استحضر في عقلي وقلبي ووجداني الشيء الكثير، سيما وانه يعد علماً من أعلام الوطن العربي الزاخر بعلمائه ومفكريه ورجاله الذين احيوا تراث الامة وحضارتها، فهو شخصية وطنية في العراق،وشيخ المؤرخين وقدوة للباحثين والمفكرين، إنه سليل الدوحة المحمدية من اشراف ال بيت الرسول عليهم السلام فقد نال شرف النسب والعلم وجدة السيد الزاهد حمادي عباس الحسيني المشهداني من كبار علماء اهل التصوف في بغداد، فيعد العلامة الاستاذ الدكتور محمد جاسم المشهداني حفظة الله مدرسة تاريخية وأدبية وفكرية متميزة أسهمت في إثراء الحركة العلمية في العراق وسائر أقطار الوطن العربي، ساهم بشكل كبير من خلال مؤلفاته التي بلغت 80 مؤلف ويجاوز 270 بحث، 350 مقالاً ونيف، كما اشرف على اكثر من 450 رسالة ماجستير ودكتوراه، الامر الذي يدعوني ان اقف لهذا العالم وفقه اجلال وتقدير فهو رمز وطني في بلدنا العراق فيعد قامة كبيرة عرفه العراق في العصر الحديث والوطن العربي، بل من عمالقة التاريخ والفكر والأدب في العالم العربي، قضى جل عمره في البحث العلمي والتأليفِ وخدمة وطنة وتراث الامة الاسلامية لإنتاجه العلمي الكبير ومؤلفاته في أفادة المكتبة الاسلامية وستظل تفيد أجيالاً من الدارسين والمثقفين وطلاب العلم، فعلا عالما جليلا أغنى المكتبة العربية بنفائس إبداعاته في التاريخ الاسلامي وعلم الانساب والمنهج العلمي والنقدي الامر الذي يجعله رائداً ومؤسسا لمدرسة فكرية قائمة بذاتها عرفت باسمه فنجد العديد من الكتب التي الفت وتقارن في المنهج النقدي وخاصة في مجال الموارد كان المشهداني حاضر فيها ولمنهجه تبع الأغلبية، وترك اثراً في نفوس سامعيه من خلال حضوره الفاعل في البحوث والمحاضرات في المحافل العلمية والمؤتمرات والندوات وورش العمل فكان العقل والنفس تصغي قبل الاذن، فكان من اساتذة الجامعة المستنصرية في بغداد لحين تقاعده استاذاً معطاء، لم يكن المشهداني مؤرخاً فحسب بل كان شاهدا على تاريخ العراق وحضارته فواكب احداث عصره وصبر في صعاب المواقف التي مرت على بلده وتفاعل معها بمواقفه المشرفة فرفض ان يترك بلدة ويستلم جامعات ومؤسسات يديرها في بلدان عربية وافنى عمرة وصحته في التأليف والبحث العلمي فأحب وطنة قولاً وفعلاً فكان حاضر دائما في عقله وقلبه وقلمه ومؤلفاته ومحافله الدولية، فعلا هو جوهرة فريدة ورمز كبير شيخ المؤرخين وقدوة الباحثين، ووفق أبناءه وتلاميذه ومحبيه للاقتداء به والسير على طريقه المستقيم .

 

بقلم الاستاذ المساعد الدكتور

علي ياسين خضير