كاظم الموسويلا بد أن تكون الصورة واضحة ومازالت وقائع الأحداث التي اوصلت الأوضاع إلى ما هو عليه في الحاضر الراهن، قبل حينها، أو مازالت في طور التسجيل في صفحات التاريخ، التي يتوجب دائما قراءتها وتفحصها والدرس والاعتبار منها، كيلا تتكرر كما هو في القول المعروف عن أمثالها. في بدايتها مأساة وفي ختامها هزل وفكاهة، ولابد من التوقف عند محطات لها مفاعيلها وتداعياتها الخطيرة التي مرت على الأمة العربية وتركت كوارثها مفتوحة في الوطن العربي كله. وليست مستغربة النهايات التي آلت اليها مصائر اصحاب القرار السياسي، لما ارتكبوه فيها من اخطاء وخطايا وكوارث وجرائم وحشية، بوصفها التاريخي وما تركته من تداعيات مستمرة، أو ما فعلته من ارهاصات ما نعيشه اليوم.

اي انها كانت من أسباب وعوامل مهدت أو عجلت أو فرشت البساط أمام النتائج والتداعيات التي نعيشها بكل ما تحمله من اثقال وعواقب ليست يسيرة أو هينة.

أحداث مرت وتركت ما تركت، للتاريخ، وهي بالتتالي الزمني، وتاثيرها العربي الواسع، كانت وصارت بدايات، مقدمات، ارهاصات، ولكل منها عواقبه، والتي تتعلق منها خاصة بالقضية الفلسطينية والقوات المسلحة الوطنية، حيث خُططت لإبعاد هذه القضايا واضعافها وتهميشها وبالتالي تدميرها. واول ذلك قرار الرئيس المصري انور السادات بالذهاب إلى الكنيست وإعلان اعتراف حكومته (1981٠1970) بالكيان الإسرائيلي الإستيطاني (1977) وتوقيعه، معاهدات معه ( 1979) تحت عنوان السلام ولكن اسمها الاستسلام، واضعاف القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني العادلة والمشروعة. وفي ابعاد مصر عن المحيط العربي وعن دفاعها عن فلسطين وتحجيم دور القوات المسلحة ومسعى لتغيير عقيدتها العسكرية كما أرادت السياسات المعادية لقضايا الأمة ووحدتها واستقلالها وحريتها ونهضتها. وصارت الزيارة نكسة أخرى تلت نكسة حزيران/ يونيو 1967 واحدثت ثغرة كبيرة في جدار الصمود والتصدي للعدو ومخططات الهيمنة الاستعمارية، ونجحت في فرقة الدول العربية، وعزل دولة مصر رسميا عن حاضنتها العربية لفترة غير قليلة، وأبعدت دورها الريادي في الوطن والأمة العربية. وافتتحت مسلسل التنازلات العربية وتوالت خلفها حفلات كامب ديفيد واضرابه بكل خسة وهوان ضمير. وفي خضمها عكست تدهورا كبيرا أدى إلى انكشاف الواقع السياسي العربي، فاكمله اشتعال الحرب العراقية الإيرانية (1988 ٠1980) وتلاها غزو دولة الكويت من قبل وحدات من القوات العراقية (1990) واصطناع حرب الخليج الثانية، كما سميت، لتكون صفعة أخرى للعمل العربي المشترك والعلاقات الإقليمية وحسن الجوار والتضامن العربي. فكانت سنوات حرب وانقسام عربي مهين لأهداف الأمة ووحدتها وزاد الطين بلة، استسلام الحكومات العربية لقرارات مجلس الأمن في تشديد الحصار على دولة العراق، وإبعادها هي الآخرى عن القضايا العربية وفلسطين أساسا، فضلا عن تدمير القوات المسلحة وتسعير العداء بين جارين اسلاميين، وجارين عربيين، واستمرار التفتيت العربي وتصعيد العداء وتكريس التضليل الإعلامي والسياسي بدعوات عنصرية ومن ثم طائفية دينية، وجهت الى حرب أهلية، لم تكن واردة في اي ظرف سابق. وانتهت تلك الفترة، بعد كوارث الحرب ومصائب الغزو، الى سنوات الحصار وقرارات التجويع و أهداف الاذلال، بكل معانيها، وصولا الى جرائم الغزو والاحتلال الصهيوامريكي، والمحاكمة والاعدام، لرئيس النظام الذي ارتكب العديد من الممهدات لما آلت إليه الأوضاع في العراق. وانتهت عشرية الثمانينيات في تشويه دور القوات المسلحة العراقية وابعاد القضية الفلسطينية عن اوليات ما بعد الإحتلال واضعفت مكانة العراق إقليميا ودوليا، زادتها انعزالا وارباكا منذ عام 2003  والى ايامنا الحاضرة.

لم يكتف الاستعمار الغربي، القديم منه والجديد، وهو العدو الطبقي والسياسي للأمة من تدمير جناحين مهمين منها، فحرك أصابعه في أطراف اخرى، في اليمن الموحد، لتمزيقه من جديد وتدمير قواته المسلحة وابعاده عن أي دور ممكن له في الدفاع عن فلسطين، وكذلك حصل الأمر في ليبيا وغيرها، وقد أخذت حرب الانفصال التي قادها الرئيس السابق على عبد الله صالح بتحطيم الأحلام الوحدوية (1994-1990) وانهاك قوى الشعب الوطنية، كما افشل صدام حسين الميثاق القومي بين العراق وسوريا،  (1979) . وتوضحت نوازع السلطة والتحكم بمصائر الشعب والمنطقة دخولا في محن الحروب الداخلية لقمع الحراكات الشعبية والاحتجاجات الوطنية وتعريض البلاد إلى اتون الحرب والعدوان وتقديم الأسباب الى دول خارجية للتدخل وتسعير الصراعات والنزاعات الداخلية. وكان الرئيس صالح طيلة فترة حكمه التي دامت أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، يعتمد على أقاربه ومحازبيه على حساب المصلحة الوطنية والقومية، وكان لا يمانع من التطبيع مع الكيان الصهيوني، حسب ما نقل سفيره في الاردن عنه (1990) وتكليفه بمهام السفارة بعد التوقيع.

كما تورطت القيادة الليبية، وزعميمها معمر القذافي في حروب تشاد والقرن الإفريقي وما وراء الصحراء الأفريقية والغرق في مشاريع اغراء وتبذير الثروات الوطنية في ما لا طاءلة منه، كتنصيب القذافي نفسه ملك ملوك افريقيا ومعاداته الفلسطينين وتهجيرهم ورميهم في صحارى الحدود وسيناء والبحر.. الأمر الذي يعني أن هذه المشاغلات الداخلية والرهانات الخارجية وما شاكلتها أسهمت في تدمير القوات المسلحة والقدرات والطاقات الشعبية الداعمة للقضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، فضلا عن مصالح الشعب العربي في بلدانهم ذاتها، ودفعهم اثمان باهضة لممارسات سياسية فردية أدت إلى ارتكاب خطايا تاريخية، في تخريب وحدة البلدان وصراع المكونات وخراب العمران وضياع الثروات والتنمية والقدرات والطاقات الشعبية.

ورغم أن الحراكات الشعبية التي اندلعت في اغلب البلدان العربية، ولا سيما الجمهوريات العربية، (من أواخر 2010) ردا على تدهور الأوضاع العامة فيها، ودفعت الحراكات الى المطالبة بالإصلاح والتغيير والحريات والخبز والكرامة، الا انها لم تستمر أو تنجح بزخمها وسلميتها، وفسحت المجالات واسعة أمام تدخلات العدو الطبقي والسياسي، قوى الإمبريالية، التي لم تتركها تأخذ مدياتها الإصلاحية والتغيير نحو اهدافها، فأطلقت عليها مسميات " الربيع العربي" و"الثورات الملونة" وتدخلت في بناها وحتى شعاراتها وحرفتها عن مسارها واستغلتها بقوة دافعة اتجاهها إلى خلاف انطلاقتها ووظفت قوى سياسية، لا برامج تغيير لديها ولا طاقة عندها لمقاومة المخططات المعادية للمصالح الوطنية والقومية،  فرضخت بسهولة بل وكأنها جاءت معها في إطار خدمة الأعداء لا الشعوب، وحولت الحراكات والمطالب الشعبية الى"خريف غضب" ودمار القوى العسكرية والسياسية الوطنية، معاقبة من جهتها الرؤساء الذين تمسكوا بمناصبهم ومواقعهم المسؤولين عنها دون فهم للمتغيرات والعمل على ايجاد الحلول الملائمة لها، والداعمة للاصلاح والتغيير، فتكررت نهاية السادات معهم باشكال اخرى، أو احدث وربما أسوأ واوحش.

هذه بعض المقدمات التي انتهت إليها الأوضاع العربية، والتي يتوجب الصراحة والموضوعية والنقد البناء لها. فهي بشكل أو آخر استسهلت خداع مخططات الهيمنة الاستعمارية وشاركت في تبذير ونهب الثروات وفسحت السبل لاستخدام الطاقات والقدرات العربية لمصالح الأعداء الطبقيين والسياسيين للامة، ونجحت قوى الاستعمار في توظيف التهديد والوعيد بالضد من المصالح الوطنية والارادات الشعبية والخيارات القومية ولا سيما القضية الفلسطينية، والقوات العسكرية الوطنية. ويضاف لها الخسائر  الجسيمة، البشرية والمادية.

وبعد كل ما حصل وها نحن نعيش نتائجه الكارثية، التي تعمل إلى تفتيت المفتت، وتجزيء المجزء، وتحطيم الاحلام والامنيات، تطل الأسئلة ولابد من جواب واضح ودقيق لها، هل وكيف يتجاوز العرب هذه المقدمات،؟، وهل تكفي المراجعة لما ذكرته وايقاف تمريره عربيا باي شكل، وتاكيد مساءلته بموضوعية وروح ديمقراطية؟. وهل يتطلب العمل الجاد لوضع الاصابع على الجراح التي فتحتها تلك الوقائع والاحداث، واتخاذ الموقف الموضوعي الذي يتصدى للهجمة السافرة للامريالية ومنع اعطاء فرصة اخرى أو وقف اي امتداد لاستمرار القوى الإمبريالية ومتخادميها في حكم المنطقة وديمومة نفوذها في مستقبلها ايضا؟، وكيف يستقيم الأمر في ظل المراوغة والتبرير والهروب من الحقائق والوقائع لأسباب عديدة؟.. وتطول القائمة..  وهنا الوردة فلنرقص معا..!

 

كاظم الموسوي

 

 

عبد الجبار العبيديلماذا تغيرت خارطة العراق اليوم؟ من يتحمل المسئولية التاريخية في مستقبل العراق؟ نداء للناخبين العراقيين؟

أسئلة بالغة الاهمية تدور في أذهان الكثيرين، باحثة، ومستقصية علها تحظى بجواب شافٍ يريح بال السائلين.بعضهم يرى ان الاجنبي هو الذي يتحمل المسئولية في التغيير، وبعضهم يرى ان بعض العراقيين الذين رافقوا التغيير في 2003، وبعضهم يرى ان دول الجوار المنتفعة عدوة الوطن هي التي ساهمت في التغيير والتدمير.

اذن من يتحمل المسئولية هل هم العراقيون الذين يتحملون المسئولية التاريخية لمستقبل بلدهم العراق، وهل هم الذين عليهم يقع الواجب الوطني المقدس لاخراجه من المحنة. أم هم الذين يجب ان ينفضوا أيديهم من الخطأ الذي ارتكب بعد التغيير.. ويعترفوا بالخطأ الوطني الذي أرتكبوه ؟.. والأعتراق بالحقيقة سيد الأعراف..

ان التجاسر على الثوابت الوطنية، واهمال المبادىء القيمية للشعب العراقي في اهدار حقوقه ومكتسباته الوطنية التي حققها خلال ثمانون سنة بعد الاستقلال كان جريمة.. حتى دمروه بهذا التغيير الذي لم يراعى فيه شروط الوطنية ومصلحة الشعب منذ بدايتة في 2003 حتى جعلنا صغاراً في نفوس وعيون الشعوب الاخرى. متناسين ان لاسلطة دائمة لاحد والوطن وطن الجميع.

لا احد يشك ان عودة العراق الى ما كان عليه قبل التغيير في 2003، اصبحت مستحيلة الآن رغم أماني المتأملين، ورغم العوامل العديدة الداخلية والخارجية التي تعمل ليل نهار من أجل استمرار بقائه خارج التاريخ، وتدمير شعبه ومستقبله السياسي والاجتماعي.وتقف العناصر الطامعة والأحزاب المنحرفة عن الخط الوطني بالداخل في مقدمة الركب.. ونعني أحزاب الرئاسات الثلاث ومن يقف معها في خانة السلطة، وتليها بعض دول الجوار التي تعمل ليل نهار من أجل تثبيت مسيرة الخطأ والتدمير.. وأستمرارية حصولها على المكاسب دون وجه حق وتقف ايران المعادية للوطن والشعب تاريخياً في المقدمة، أملا في ان يبقى العراق ضعيفا لاستمرار تحقيق مصالحها الوطنية، وكأن العراق من وجهة نظرها، اصبح بلدا للخائنين . بعد ان اصبح النظام الديمقراطي الحر رغم عثراته يهدد مستقبل دولها وحكامها الذين يحكمون حكما دينيا ثيو قراطيا بلا قانون.

ان بعض الجهات العراقية أصطفت مع هؤلاء منذ البداية مع الأسف - دون قصد أو عن قصر نظرٍ في التقدير- في مشاريع تخريبية، لكن الشعب - بقياداته الوطنية وشعبه الواعي، وافكار رواده ومثقفيه، قد هزمهم مرات ومرات واخرها في ثورة تشرين الباسلة التي قدمت الدماء الزكية فسجلت بها تاريخ العراق الحديث.. وستهزم كل المشاريع الاخرى التي يحيكها الطارئون على الوطن الذين ينوون عرقلة مسيرة البلاد دون وعي من ضمير.

2394 خارجة العراق

ان الجهات التي تلاعبت وعبثت بمقدرات شعب العراق ما قرأت التاريخ البعيد والقريب التي حذرها ويحذرها من اللعب بالنار والتجاوز على الثوابت الوطنية العراقية.وعليهم ان يدركوا ان العراق اليوم غير عراق الامس، فهو عراق الوطنين التشرينيين، فالاجدر بهم ان لا يتركوا ثغرة واحدة يدخل منها كل من في رأسه ثأر قديم.

لقد ظلم الوطن من بعض مواطنيه بحجة المظلومية، ولم يحسبوا حساب الزمن والاهل، فراحوا يعتقدون ان المال الحرام والغنى الفاحش بديلا عن الوطن والمواطنين ورداً لمظلوميتهم لكنهم أخطئوا التقدير. والآن هم يتحسرون على المخلصين، رؤوسهم منكسة في قصورهم وفنادقهم(من امثال أعضاء مجلس الحكم اللا شرعي والخائن لمبادىء التغيير.. وكل رؤوساء الوزارات ومجالس النواب وكل من أرتقى منصبا دون وجه حق تحت ظلال الاحتلال والفاسدين.من خونة التاريخ كما قال محمود المشهداني الذي قال: "نحن جئنا عصابات تفليش لا بناء "، وبقي المخلصون في وطنهم رؤوسهم مرفوعة مع المواطنين.أما جيران العراق المغتصبين هم مثل الاخرين متهمين ومكروهين من التاريخ والعراقيين، وكان الافضل لهم الف مرة قبل ان يقدموا على التجاوز على حرمة الوطن والشعب والمواطنين ان يكونوا غير الذي هم فيه من الخاسرين.. وليتذكروا ما حل بالسابقين من جراء الأعتداء على الأخوة المجاورين.

ولو سألَ كل عراقي مخلص نفسه اليوم سؤالاً محدداً، لماذا تغيرت خارطة العراق؟ومن سمح للمجلس الوطني (اللا منتخب) ان يضعها فوق راسه ومن كتب الدستور الناقص الهجيني، سيجد جوابه عند لجان التفاوض العراقية التي أهدرت الحق العراقي في التفاوض دون مسائلة من ضمير، وكأن الوطن العراقي لم يعد ملكاً للعراقيين. بل أصبح ملكاً للمنتفعين، وسيجد الجواب عند أصحاب نظرية(الحدود المحسومة في رأي وزير خارجية العراق "هوشيار زيباري"الناكر لوطنه العراق.. ولا ندري كيف أجاز لنفسه حسمها لصالح الاخرين؟ ومن اباح له التوقيع على حسمها لهم؟ومن شرع قوانينها؟هل هي جزء من امتيازات ورواتب الوزراء والنواب والمستشارين الباطلة، كما كان يظن ؟حين كتبوها لانفسهم بانفسهم دون حسيب او رقيب ؟فأكلوها سُماً علقما في قلوبهم السوداء.. او الذين عاضدوهم بالمال الرخيص من كذابين الزفة ؟هل سيحقق المجلس القادم الوطني مجلس ثوار تشرين في هذا التقصير؟ بعد ان دمر رؤوساء المجلس منذ التأسيس والى اليوم كل ثوابت الوطن دون وعي من ضمير.. أكيد..

أرى وكمطلع على كل ما جرى، وعلى قرارات الامم المتحدة، ان على نواب العراق الجدد ان يصروا على تقديم شكوى للامم المتحدة ومجلس الامن بحجز اموال كل السارقين، "أهل مكة أدرى بشعابها".. وبدفع تعويضات للدمار الذي لحق بالعراق من جراء الغزو الخارجي الذي انطلقت قواته من ارض المجاورين، وبعلمهم وموافقتهم المسبقة – والقانون الدولي لا يسمح بغزو ألاخرين ان لم تكن الدولة المراد غزوها قد ثبت خروجها على النص.. وبريطانيا وهي الدولة المتحضرة تحقق اليوم في اسباب الحرب وعلى من تقع مسئوليتها المادية والاخلاقية وتلتها هولندا بعد ان ندم بلير رئيس وزراء بريطانيا وأقر بالجرم المشهود .

وذلك طبقاً لقرار هيئة الامم المتحدة والذي صوتوا هم لصالحه في تعريفها للعدوان، والذي مؤداه ان أي دولة ساعدت أي طرف دولي اخر لالحاق الاذى بسيادة دولة اخرى مستقلة يعتبر عملا من اعمال العدوان – (أنظر النشرة الدولية للقانون الدولي)، فهم بموجب القرار أرتكبتوا عدواناً على العراق عليهم ان يدفعوا كامل التعويضات دون تردد).أم دولهم مصانة ودولتنا مهانة لان الحاكمين فيها كانوا من خونة التاريخ ؟.كلام موجه للمسئولين العراقيين الخونة المنتفعين الهاربين منهم والباقين، والقادمين المخلصين، لمعرفة اين حقيقة التقصير؟.

ان ثالوث التدمير الذي مرررَ على من رافق التغيير من القياديين، هي الطائفية والعرقية والمحاصصية الوظيفية القاتلة، فكان بطلها بريمر2003 الجاهل بتركيبة العراق الديموغرافية والمرافقين من الكتلة الساكتة في وطن العراقيين، ومن قبله كوكس البريطاني 1918(فرق تسد)، والذي وقفت بوجهه عشائر الجنوب البطلة صاحبة موقعة الرارنجية والكفل والعارضية حتى اسقطته، واليوم وقفت بجانب بريمر كل عمائم الخيانة والتهريج.. سيسقطهم نواب تشرين القادمين، رغم عصابات مليشيات ايران وكل الخائنين.

لقد ظن البعض –وهم واهمون-ان العراق قد مات ودفن ولم يبقَ منه الا الثروات المنهوبة وحراسها السارقين، لكنهم وهموا فهذا العراق وهذا تاريخه فلن تغلبه المغول ولا الفرس ولا الأتراك ولا كل من تورط فيه من السابقين واللاحقين، عرباً وغرباء من الطامعين.. فليتذكروا حرب السنوات الثمان وكيف جرعهم السُم والآنين.

لقد تغير النظام في العراق بعد 2003، ولكن عقل النظام بقي دون تغيير، لاسيما عندما يحتفظ النظام الجديدبعقلية النظام القديم حين يبقى يتعامل مع الطائفية والنرجسية والمحاصصية الوظيفية الكريهة.. فلا سنةُ ولا شيعة ولا أكراد في العراق.. بل مواطنين عراقيين لان النظام الجديد يحتاج الى أشخاصٍ من المؤهلين لادارة وزارة او سفارة لا كما نرى من غير المؤهلين الذين يعشعشون في مراكز الدولة والسفارات من الخائبين من غير المبالين، فكيف اذا كانوا من الغرباء الفاسدين والمفسدين .وما فضائح الوزارات والمؤسسات والتقاعد اليوم الا مثال لما نقول.. فاضرب يا عراقي بيد من حديد وأكتب لك تاريخ جديد.. ان كنت من الوطنيين.

اليوم نقول لكل من يدعي الاخلاص للوطن من العراقيين- وهم كُثر-، والمؤمل في قيادتها مستقبلاً، عليهم ان يسمعوا ويردوا ان كنا على غير صواب لاننا نحن الشعب وهم الحكام الفعليين، ان يسمعوا ويستجيبوا ان كنا على الحق المبين.ان التجاهل لصوت الحق ليس في مصلحتهم، فليتذكروا تاريخ السابقين.لقد زار الكاظمي واشنطن وكان عليه ان يجتمع بالوطنيين، ونحن نناديه ان يجتمع بالوطنيين، ويترك البهرجة والفنادق الكبرى وتصفيق الكاذبين هؤلاء الذين وضعتهم السفارة كمخبرين شرطة للقادمين لتضليل الرأي لديهم عن الوطنيين.، فان اراد ان يسمع سنسكنه في قلوبنا ليكون مع الوطنيين؟ اقدم يا كاظمي واصنع لك تاريخا.. فلا تمت مثل ابو رغال خائن المكيين.. ولا مثل ابن العلقمي خائن العباسيين..

.راقبوا يا سادة تنفيذ قوانينكم الصادرة بتواقيعكم والتي تتباهون بها في كل مناسبة وفي كل حين، قانون 24 لسنة 2005، وقانون 441 لسنة 2008، فهي تنفذ لبعض المواطنين دون الاخرين،، والجنوب يخرب ويبعثر، وكأن ابناء الجنوب كتب عليهم ان لا يتقدمون؟ فهل عاد ألينا مرة اخرى قوانين النظام السابق حين غُلب الجاهل على العاقل والمتخلف على الكفوء ونحن لا زلنا ممن لحق بهم الضيم دون انصاف حتى من القادمين .انها قوانين الفرصة المنتهزة كما يسميها العابثون الهاربون اليوم والمنزون في ذل المهانة عن الاخرين.. فلا تدعها تمر، لأنها ستحسب عليكم خطئاً غداً امام حساب الشعب وكل المحاسبين؟

نفذوا كلامكم، يا سادة، كلامكم الذي وعدتم به في مؤتمر الكفاءات واعِيدوا حقوق المظلومين، وحققوا في قوانين الفرصة المنتهزة، فالتعليم العالي اذا فسد فهو كالسمكة التي اذا فسد رأسها فسدت كلها.. العلم والحقوق والواجبات كلنا شركاء فيها كالماء والهواء "حقاً وصدقاً" كما قالها الامام علي امير المؤمنين، وألا لماذا حصل التغيير؟.نريد ايمانكم بدولة القانون صادرا من العقل لا من القلب ساعتها سيكون له قدره وأهميته في كلِ حين.

الانتخابات العامة قادمة على الابواب ولن يفوز بها الا من كان من المخلصين فلن تنفعكم التوافقات والبيع والشراء لسرقة اصوات الناخبين، ولا الكتلة الأكبر التي صنعها خائن المحكمةالعليا ليرضي بها من في قلبه مرض الكرسي اللعين.. ,هو أكبر المزورين..، لقد ادرك الشعب اليوم حيل المتلاعبين، فأسقطهم يا شعب في مجالس المحافظات.. وتمسك بالمخلصين الصادقين .

نقول بصدق:

نريد ممن يحكم اليوم.. عدلا وصدقا في تنفيذ القوانين، نريد منه فصلا لسلطات الدولة عن حقوق الناس؟، نريد منه حكما قائماً على المساواة وشعور الناس بحرية الحركة وحرية العمل والقول؟، نريد منكم تحريرا للمظلومين في سجون المحتلين الظالمين، الا من ثبت عليه الجرم اليقين؟، نريد منكم تحقيقاً في المغتصبين والشهداء المقتولين من الاطباء والعلماء والضباط والطيارين ورجال الدين المخلصين والاكاديميين، ؟ نريد منكم تحقيقا عادلاً في المغيبين في جرف الصخر المسلوب من قبل المليشياويين الأيرانيين الذين قتلوا ويقتلون كل العلماء والمخلصين"هشام الهاشمي مثالاً".. أنعاج هم حتى تذهب دماؤهم هدرا دون مسائلين؟.

نريد منكم عودة للمهجرين، ؟نريد منكم بيوتنا التي اغتصبت من المغتصبين؟ نريد منكم كشفا للتحقيق في تسليم الموصل لداعش الاجرام.. ؟نريد منكم قانونا لرفض الطائفية والعرقية والمحاصصة الوظيفية فعلاً لا قولا؟ نريد منكم ألغاءً للمادة الثانية من دستور العراقيين التي قيدت المواطن بالنص الديني المفسر ترادفيا لصالح مؤسسة الدين.. ؟ بعدها نريد تنفذاً لمطالب الشعب.. فالشعب هو الحارس الامين، لا حراسك الكُثر الخائفين، أقدم يا كاظمي ان كنت مخلصاً وأبعد عن التغليس والصمت الرهيب.. فلا يهمك بعدها تقولات الناكثين.

القيادات لا تظهر في قلوب الناس الا أذا هي حققت المستحيل؟، هل ان العراقيين لا يستحقون الا الرصاصة القاتلة وحقد الاخرين، امن اجل هذا حدث التغيير؟ ليبقى الغريب يحكم العراقيين؟ لله درك يا عراق العراقيين، منذ الازل والاعداء تتكالب عليك قتلا وتشريدا، ولم تعرف الرحمة من قلوب الراحمين؟لكن نبوخذ نصر لازال حياً بين العراقيين.. هل سنبقى خائفون وجلون مشردين بلا حقوق من اجل ان يسعد بوطننا كل الفرباء الطارئين من أمثال مسجدي وكل قياطين أحذية العراقيين..، أصحاب الادوية الفاسدة والطعام الفاسد والمخدرات وحقن المورفين لقتل منتوج العراقيين، هل نحن اصبحنا مثل عاد ٍوثمودٍ فما أبقى؟، حتى هؤلاء الذين يتهموننا بشتى صنوف التهم الظالمة، الا انهم هم الساقطون ولكنهم لا يعلمون؟، ام نحن نستحق لعنة السماء وكل حقد الحاقدين.. كما استحقها أبن نوح ولم يُلحق بسفينة الناجين..

عُد يا عراق الحضارات الى ما كنت فيه، فمنك خرج الاصلاح عند آوركاجينا ومنك خرجت شريعة آور نمو، ومنك صدرت قوانين حمورابي المتقدمة في حقوق الانسان.. وعلى أرضك استشهد علي والحسين ولكنهم مع الاسف تحت رعاية اللامخلصين، وفي تربتك الطاهرة لازالوا رابضين..، أمن أجل هذا ارادوا تدمير سجلات تراثك ومتحفك وباعوا في سفاراتك وثائق المدونين وكل ما تملك من رصيد السنين، أنه حقد الحاقدين.

وفيك ظهرت الكتابة، ومن قصبك صنع القلم والورق وبقلمك دونت المدونات القانونية الحضارية، لذا ارادوا حرق مكتباتك ومعاهدك الوثائقية حتى لا يبقوا لها من آثر في قلوب العراقيين، لكنهم نسوا ان تاريخك يا عراق العراقيين سيبقى محفورا في ذاكرة الوطنيين، وسيبقى الى ابد الابدين، عُد ياعراق الحضارات فوالله أنت لن تموت. وهم الى الزوال الاكيد؟

نداء نوجهه من قلوب مخلصة للناخبين العراقيين، ان لا تعطوا غداً صوتاً واحداً الا لمن تتوسموا في الرجولة والمقدرة والكفاءة والاخلاص والوفاء للعراق والعراقيين لينكشف غدا كل الخائنين المارقين.. لن يغير الامر اليوم في العراق الا صندوق الانتخاب، فلا تنخدعوا بمن خدعوكم بالامس حتى نعيد للوطن حقوقه لننتزعها من براثن الناكثين، ليريهم الشعب يوم الحساب الذي هم فيه يوعدون؟

واليوم نقول له: ان الحدود العراقية من جهاتها الأربعة تحددها معاهدات الاستقلال لا معاهدات فرض الامر الواقع وقرارات مجلس الامن الجائرة، فلا تقدم ايها الحاكم على عمل انت لست المسئول عنه.. فحساب الشعب غدا لكبير.كل الشعوب تحافظ على اوطانها، فلماذا نحن العراقيون نبيع الوطن بثمن رخيص ؟تحية للمخلصين.

 

د. عبد الجبار العبيدي

 

 

 

كفاح محموديُرجع الكثير من علماء النفس والاجتماع ظواهر الانتهازية والتدليس، وما يرافقها من كذب واحتيال الى الخوف سواء ما كان منه في السنوات الأولى لحياة الانسان وتكريسه تربويا، او نتيجة منظومة الاستبداد الاجتماعي والتربوي والديني الذي أنتج جملة من العادات والتقاليد التي تقف بالضد من أي محاولة للحداثة ودمقرطة المجتمع والنظم السياسية. ورغم انها أي الانتهازية كسلوك اجتماعي أو سياسي من انتاج الخوف والرعب الذي تولده الانظمة القمعية الدكتاتورية منها وحتى بعض النظم الديمقراطية، وهي في واقع الحال واحدة من اخطر الظواهر التي أفرزتها تلك الأنظمة الى جانب الاستبداد الاجتماعي والتربوي على مستوى الاسرة والمدرسة، صفا بصف مع منتج آخر للخوف وهو الكذب وفقدان الثقة بالنفس وبالآخر، حيث اصبحت الانتهازية والتملق والتزلف بنات شرعيات للكذب السائد في مجتمعات الأنظمة الشمولية والبوليسية التي تحتضنها بين طيات تكوينها القبلي والعشائري أو في مؤسساتها الإدارية وصولا إلى قمة الهرم، وقد دفعت البشرية خسائر فادحة حتى استطاعت مجتمعاتها المتحضرة حل هذه الإشكالية بالتربية الحديثة والديمقراطية الاجتماعية والسياسية واحترام حقوق الإنسان بصرف النظر عن العرق والدين واللون والجنس.

لقد انعكست مظاهر الانتهازية والعدوانية على شكل التعامل بين السلطة والأهالي من جهة وشكل البناء الاجتماعي القروي والقبلي والنظام التربوي البدائي من جهة أخرى في التعاطي مع الفعاليات الحياتية بكل أنماطها في السياسة والمجتمع والاقتصاد والتربية والتعليم وحتى على مستوى العلاقات الشخصية بين الأفراد أو المجموعات، حيث تسود مشاعر الأنانية والحذر الشديد والتوجس إلى درجة الخوف من الآخر بل والشعور بالعدوانية تجاهه، ففي معظم مجتمعاتنا الشرقية التي تعاني من أمية أبجدية وحضارية وثقافة قروية وسلوك بدوي ما زال يسكن دواخل الكثير من الذين غيروا أشكالهم وديكوراتهم بإكسسوارات المظاهر دونما الالتفات إلى نوعية السلوك وتقدميته إلا بالقدر الذي يحافظ على مصالحهم الذاتية والمظهرية والتي تنحصر في مجملها بعقلية الربح والخسارة، تسبقها دوما سوء النية في التعامل اليومي والتعاطي مع تفصيلات الحياة اليومية بين البشر، على خلفية البقالة المجردة من المشاعر الخلاقة.

لقد مارست الطبقة الحاكمة سواء كانت فردا أو حزبا أو شريحة اجتماعية، ضغوطا هائلة على المجتمع من خلال المجموعات التابعة والملحقة بها من المستفيدين من عطاياها وسلطنتها الذين يشكلون خطوط حمايتها وأبواق دعايتها وسدنة حكمها ومن ثم مراكز هيمنتها وإداراتها، حيث تولت هذه (الملحقات المعوقة) مسؤوليات إدارية واقتصادية وحتى اجتماعية مهمة في المجتمع والدولة وخير مثال على ذلك تلك المجاميع التي أنتجها النظام الدكتاتوري من خلال مؤسساته القمعية والحزبية من الأميين وأنصافهم منذ بدأ حقبة الانقلابات في كل من العراق وسوريا والجزائر وليبيا واليمن وايران والسودان وبقية الدولة الاخرى المشابهة، وتولي الكثير منهم قيادات مهمة في الجيش وحقائب وزارية وإدارات المحافظات والمدن وحتى في الجامعات وعماداتها، ناهيك عن عشرات الآلاف من صغار ومتوسطي الموظفين في كل مفاصل الدولة.

وبدلا من تكريس الحياة المدنية ونقلها إلى الريف والقرية وإحداث تغييرات اقتصادية واجتماعية ترتقي بها من تلك الأنظمة المغلقة والمحدودة والمقيدة بنظام العبودية للشيخ والأغا وأحيانا كثيرة لرجال الدين القرويين أشباه الأميين إلى مستويات اعلي وأكثر تطورا، بربط تلك المناطق بمنظومة من الطرق والاتصالات والخدمات والمناهج التربوية التي تحدث تغييرات مهمة في بنائها التحتي، عملت كل الانقلابات التي هيمنت على السلطة وادعت تغيير النظام السياسي والاجتماعي وأحيانا كثيرة الاقتصادي السابق لها إلى نظام جمهوري مدني اشتراكي، لا إلى نقل المدينة إلى الريف بل حصل العكس بنقل الريف وتهجيره إلى المدن، مما أضاع فرصة ثمينة لتطوير الريف والمدينة بل عمل على مسخ هوية المدن وإغراقها بأنماط قروية وقبلية في السلوك والتصرف.

وخلال عقود قليلة تحولت تلك الأفواج من القرويين إلى مجموعات منقادة اخترقت كل أنظمة المجتمع والدولة وبخاصة مؤسسات الجيش والشرطة والتعليم الأوسع انتشارا من غيرهم في الهيكل الوظيفي للدولة، هذه المجموعات التي أفرزتها تلك الأنظمة المستبدة سواء ما كان منها على دفة الحكم أو ما كان منها على شكل منظومة عادات وتقاليد اجتماعية استبدادية وهي بالتالي تشكل العمق الاجتماعي للأنظمة السياسية المستبدة حيث بساطة التفكير وسذاجته وعقلية القطيع التي سهلت مهمة الأنظمة في السيطرة على هذه المجموعات التي نقلت معها كل سلوكيات القرية والبداوة إلى مراكز المدن بحثا عن العمل أو الارتزاق خلف أنظمة سياسية استبدادية تستغل سذاجتها لاستخدامها أدوات سلطوية وقمعية في أجهزتها الخاصة كما تفعل معظم أنظمتنا السياسية هنا في الشرق الأوسط في الاعتماد على مجاميع من القرويين والقبليين في حماية النظام ورموزه ومؤسساته العسكرية والأمنية، حتى وصلت إلى مفاصل مهمة في مراكز القرار في الدولة والمجتمع مما تسبب في ظهور عوق اجتماعي كبير هو ما نسميه بالنفاق الاجتماعي والانتهازية المقيتة.

إن الديمقراطية ليست تداولا سلميا للسلطة من خلال صناديق الاقتراع في مجتمعات مشتتة الانتماءات والولاءات، بقدر ما هي عملية إحداث تغييرات اجتماعية تربوية جذرية تشمل كل مناحي الحياة وطبقات المجتمع، وبخاصة ما يتعلق بإزالة هواجس الخوف المنتجة لكثير من مظاهر العوق الاجتماعي في الكذب والتدليس والسلبية في التعاطي مع الآخر، وتحديث أساليب التربية والتعليم والانتقال من التلقين وصناعة القطيع إلى التربية النقدية والمبادرة وحرية التعبير وقبول الآخر المختلف، وإزاء ذلك لا يمكن إتمام أي عملية تحديث مع وجود مد عشائري في ثقافته وسلوكياته وتركيباته وطغيانه على النظم الاجتماعية والسياسية، وستبقى هذه المظاهر من اكبر التحديات والمعوقات الحقيقية في طريق إحداث أي تغيير باتجاه بناء مجتمع مدني ديمقراطي.

 

كفاح محمود كريم

 

 

ابراهيم أبراشالانتخابات في فلسطين ليست مجرد تعبير عن إرادة وطنية لممارسة استحقاق ديمقراطي، بل هناك إرادات أخرى خارجية و توجه دولي إقليمي لتغيير النظام السياسي الفلسطيني من خلال بوابة الانتخابات، وهذا ما نلمسه من خلال الانسجام والتفاهم بين عدة أطراف على إجراء الانتخابات الفلسطينية: قطر وتركيا والإمارات ومصر والاتحاد الاوروبي وأمريكا وحتى إسرائيل إن تم القبول بشروطها، بالرغم مما بين هذه الدول من خصومات واختلاف في مراهناتها وأهدافها.

سواء كانت الانتخابات الفلسطينية بإرادة خارجية أو إرادة شعبية أو بكليهما فإنها أصبحت معضلة، فمع مرور كل يوم تبرز إشكالات وتساؤلات جديدة تزيد من حالة ألا يقين من إجرائها ومن قدرتها على تشكيل رافعة تُخرج النظام السياسي من مأزقه، كما أن كل الحديث الطيب حول المصالحة الذي صدر من حركتي فتح وحماس وبقية الفصائل لا يخفي حقيقة أن الشعب الفلسطيني ذاهب لانتخابات في ظل غياب رؤية واضحة لمرحلة ما بعد الانتخابات وشكل التحالفات القادمة وطبيعة النظام السياسي القادم، بمعنى آخر أن الأمور تسير بدون استراتيجية واضحة، الأمر الذي يجعل الانتخابات مغامرة غير مضمونة النتائج.

غياب التوافق الوطني والاستراتيجية الوطنية، كثرة عدد القوائم الانتخابية، الخلل أو التصدع في بعض فصائل منظمة التحرير وخصوصاً حركة فتح ،عدم اليقين من إجراء الانتخابات في القدس، وغياب أي ضمانات دولية حتى الآن بأن الكيان الصهيوني سيلتزم ويعترف بنتائج الانتخابات وبالحكومة التي ستنتج عنها، كل ذلك زاد المخاوف عند الشعب من العملية الانتخابية وخصوصاً بعد تراجع الخطاب التصالحي الذي نتج عن لقاء الفصائل في بيروت ورام الله في سبتمبر 2020 ولقاءات استنبول والقاهرة واخيراً لقاء القاهرة في مارس الماضي .

الانتخابات أصبحت معضلة ومغامرة سواء للأحزاب منفردة أو على المستوى الوطني. فبالنسبة للأحزاب منفردة فإن الانتخابات ستكشف أوزانها الحقيقية وهشاشتها الداخلية، وعلى المستوى الوطني فإنها معضلة كبيرة بسبب قوة تأثير الأطراف الخارجية عليها وعلى مخرجاتها، كما ستكون خطيرة وخطيئة وطنية إن تمت بدون القدس، كما أن تأجيلها وبقاء الأمور على حالها مغامرة أكثر خطورة، وأن يتم تأجيل الانتخابات دون توافق وطني لن يحل المشكلة.

وفي هذا السياق يمكن التوقف عند القضايا التالية:-

أولا: الأحزاب مُكرهة على المشاركة في الانتخابات

بعيداً عن الخطاب الإعلامي الديماغوجي المُعلن للأحزاب والذي يؤكد الحرص والرغبة في إجراء الانتخابات، نعتقد أنه لو تُرِك أمر الانتخابات للطبقة السياسية الحاكمة وللأحزاب القديمة ما فكرت بالانتخابات حتى لا تنكشف أوزانها الحقيقية وفقدانها لشعبيتها، إلا أن المطالب الشعبية الضاغطة ورغبة الخارج وخصوصاً الأوروبيين في إجرائها جرها جراً للدخول في العملية الانتخابية.

ثانياً: صراع على السلطة وغياب البرامج السياسية

من الملاحظ أن كل الأحزاب وأصحاب القوائم الانتخابية يتجنبون الخوض في القضايا السياسية الكبرى. صحيح أن مرحلة الدعاية الانتخابية لم تبدأ إلا أن الأمر يخفي تهرباً مقصودا لغياب رؤية واضحة عند هذه الأطراف، وعند بدء مرحلة الدعاية الانتخابية – في حالة إجراء الانتخابات- سيكتشف الشعب ضحالة وبؤس البرامج الانتخابية.

ثالثاً:  قوة تأثير المال السياسي والخطاب الديماغوجي

لأن الأحزاب والمُشكلون للقوائم الانتخابية لا يتوفرون على برامج سياسية وإن صاغوا برامج فإنها ستكون باهتة وغير مقنعة للجمهور فإنهم سيعوضون ذلك بالمال السياسي وبمنافقة الشعب،  وهذا بدأ بالفعل منذ صدور قرار الرئيس بالانتخابات، فالكل أكتشف الآن معاناة غزة والفقر في غزة وضرورة تحسين أوضاعها المعيشية والكل يطالب بتصحيح (الخلل) المتعلق بالرواتب، كما أن الأموال تتدفق للضفة وغزة بطرق مشروعة وغير مشروعة، والسلطتان في الضفة وغزة تمنح تسهيلات مادية وغيرها وتحاول تحسين صورتها عند الشعب، وسيظهر بوضوح دور المال السياسي عند بدء الدعاية الانتخابية نهاية هذا الشهر. 

رابعاً: مجلس تشريعي مختلف عن سابقيه

الذهاب للانتخابات في ظل عدم حل الإشكالات المتراكمة منذ سنين واستمرار الانقسام بل وتمدده حتى داخل الأحزاب كما هو الحال في حركة فتح وفصائل أخرى في منظمة التحرير، وفشل اليسار في تشكيل قائمة واحدة وتعدد القوائم – 36 قائمة- كل ذلك سيؤدي لمجلس تشريعي مختلف عن المجلسين السابقين وستكون التحالفات صعبة ومختلفة عما كان سابقاً عندما كانت فتح وحماس تتحكمان في المجلس التشريعي وفي شبكة التحالفات، كما أن هذا الوضع التعددي بدون مرجعيات متوافق عليها سيضع تحديات أمام تشكل حكومة وحدة وطنية وحتى إن تشكلت قد لا تُعَمر طويلاً.

خامساً: تأجيل الانتخابات بين الحسابات الحزبية وحسابات الرئيس

بالرغم من ارتفاع الأصوات المتخوفة من الانتخابات والمطالِبة بتأجيلها وخصوصا داخل حركة فتح التي تخشى من فقدان أغلبية مريحة تؤَمِن لها استمرار ريادتها وقيادتها لمنظمة التحرير وللسلطة وللنظام السياسي إلا أن من الصعب على الرئيس أبو مازن، الذي يملك وحده قرار التأجيل من عدمه، تأجيل الانتخابات لأسباب فتحاوية، فهذا سيؤثر  على مصداقيته أمام شعبه وأمام العالم،  كما أن الرئيس أبو مازن راغب في إجراء الانتخابات حتى وإن كانت حركة فتح تعارض، لأنه يعطي الأولوية لمشروعه السياسي الذي أسس له منذ اوسلو وهو مشروع لا يكتمل إلا بانضواء كل أو أغلب الأحزاب السياسية وخصوصاً حركة حماس في التسوية السياسية والسلطة الوطنية من خلال بوابة المجلس التشريعي، السبب الوحيد الذي قد يدفع الرئيس لتأجيل الانتخابات هو رفض إسرائيل إجراءها في القدس .

سادساً: تأجيل الانتخابات ليس حلاً

مع إدراكنا لتخوفات حركة فتح من نتائج الانتخابات، وتفهمنا أن إجراء الانتخابات بدون القدس سيتم تفسيره بأنه موافقة فلسطينية على أن القدس جزء من إسرائيل وخارج حدود الدولة الفلسطينية الموعودة، إلا تأجيل الانتخابات لن يحل المشكلة حيث سيستمر الانقسام ولن تتغير وضعية القدس، كما أن تأجيل الانتخابات لن يغير من واقع حركة فتح لأن مشاكل فتح الداخلية سابقة للعملية الانتخابية حتى وإن كانت هذه الأخيرة كشفت المستور.

سابعاً: حتى لا يؤدي التأجيل إلى تعميق الخلافات الداخلية

قرار تأجيل الانتخابات بسبب القدس يجب أن يكون بتوافق وطني مع وضع استراتيجية أو خطة وطنية للحفاظ على الحد الأدنى من المصالحة أو التوافق حتى لا يتكرس الانقسام وتفلت الفتنة من عقالها. في حالة إصدار الرئيس قرار تأجيل العملية الانتخابية أو تعليقها ورفضت بعض الأحزاب هذا القرار فعليها التقدم برسالة رسمية للرئيس أبو مازن وللجنة الانتخابات المركزية تعلن فيها أنها مع إجراء الانتخابات بدون القدس، أو تقترح آلية لتجاوز قرار المنع الإسرائيلي بدلاً من تحميل الرئيس وحركة فتح مسؤولية تأجيل الانتخابات. 

ثامناً: إسرائيل هي المسؤولة عن إعاقة الانتخابات

الإصرار على إجراء الانتخابات بالرغم من كل ما ذكرناه من عيوب وثغرات وتحديات رسالة للعالم أن الشعب الفلسطيني يؤمن بالديمقراطية وقادر على دفع استحقاقاتها وأن المشكلة تكمن في الكيان الصهيوني الذي يُعيق العملية الانتخابية من خلال رفض إجرائها في مدينة القدس والتضييق على المرشحين للانتخابات والشروط التي يضعها مسبقاً لاستكمال المسار الانتخابي وللتعامل مع الحكومة التي ستنبثق عن الانتخابات.

تاسعاً: ماذا لو لم تم تأجيل الانتخابات؟

إذا تم تأجيل الانتخابات فهذا معناه عدم إجرائها في المدى القريب على أقل تقدير، وفي هذه الحالة سيتكرس الانقسام وسيتم البحث عن آلية لإدارة الانقسام، أو سيتم الإعلان رسمياً عن فصل قطاع غزة وقد تلجأ حركة حماس ومواليها من الأحزاب إلى إجراء الانتخابات في غزة فقط وتشكيل حكومة أو إدارة لغزة، وفي هذه الحالة لن تكون هناك مقاومة في غزة لا عسكرية ولا سلمية لأنه سيمارس على حكومة غزة ما يتم ممارسته على حكومة السلطة في الضفة، كما سيكون موقف القيادة الفلسطينية أكثر ضعفاً في أية مفاوضات قادمة مع إسرائيل.

 

إبراهيم أبراش

 

 

قاسم حسين صالحأثار صيام رمضان الماضي الذي تزامن مع تفشي فيروس كورونا، جدلا فقهيا على الصعيدين العربي والأسلامي.. ففي تونس أصدر علماء جامع الزيتونة فتوى تبيح الإفطار للمصابين بفيروس كورونا فقط، فيما اصدرالمفتي عثمان بطّيخ، قرار بأن الصوم في زمن الوباء يعود للأطباء الذين يجب أن يجتمعوا لتقييم الوضع، وقبل ذلك لا نستطيع إعطاء أي حكم فهذا يدخل في إطار الشعوذة".

وفي القاهرة أصدرت لجنة البحوث الفقهية التابعة للأزهر في رمضان الماضي، إنه "بناء على عدم وجود الدليل، تبقى أحكام الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بالصوم على ما هي عليه، من وجوب الصوم على كافة المسلمين، إلا من رخص لهم الإفطار شرعا من أصحاب الأعذار.وافادت بأنها اصدرت بيانها هذا بحضور "كبار الأطباء وجهات التخصص الطبي بفروعه المختلفة، وممثلين عن منظمة الصحة العالمية وعدد من علماء الشريعة بالأزهر الشريف.

وفي العراق ،اصدرمكتب السيد علي السيستاني في رمضان الماضي فتوى بان وجوب الصيام في نهار شهر رمضان انما يسقط عمن له عذر شرعي كالمريض ومن يخاف - لنصيحة طبية مثلا- أن يصاب بالمرض ان صام ولم يتيسر له اتخاذ الأجراء الأحتياطي المؤمّن له عن الأصابة، والا لزمه ذلك ولم يجز له ترك الصيام. وأضاف بأن الذين يسعهم ترك العمل في شهر رمضان والبقاء في المنزل بحيث يأمنون الأصابة بالمرض لا يسقط عنهم وجوب الصيام .واما الذين لا يسعهم ترك اعمالهم لأي سبب كان ،فان خافوا من الأصابة بالفيروس مع ترك شرب الماء في فترات متقاربة في النهار ولم يمكنهم اتخاذ اجراء آخر يأمنون معه من الأصابة به لم يجب عليهم الصيام ،وان لم يجز لهم التجاهر بالأفطار في الملأ العام.

وطبيا اعتمدت المنظمات العالمية الموثوقة تغريدة للأمم المتحدة اوضحت فيها أن "الفكرة المتداولة بأن شرب الماء أو المشروبات الساخنة كل 15 دقيقة، كفيل بالقضاء على كورونا، غير صحيحة". مضيفة بأن شرب الماء بكمية تكفي ،(8- 10) اكواب، يمكن تناولها ما بين صلاتي المغرب والفجر.

ما نعوزه عراقيا وعربيا ان غالبيتهم يفهمون الصوم على انه فرض ديني واجب ولا يمتلكون فهما بهذه القضايا السيكولوجية التي نأمل من وسائل الأعلام والبرامج الدينية في الفضائيات التقاط افكارها وأيصالها للصائمين بلغة سهلة، ليتحقق صوم رمضان بدرجاته الثلاث:صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

 

كريم المظفرطرد 18 دبلوماسيا روسيا من البلاد، وإلقاء اللوم على روسيا في التفجيرات والبحث عن "بتروف وبوشيروف"، ومنع شركة Rosatom من المشاركة في استكمال محطة الطاقة النووية، حدث كل هذا في جمهورية التشيك مساء السبت الماضي، والأمر قد لا يقتصر على هذا، وهكذا، انتقل  هذا البلد إلى عدد من المعارضين الخطرين لروسيا، ولا ينبغي أن تستمر مثل هذه الأعمال دون رد شديد القسو ة كما تقول موسكو.

وفي اول ردود فعلها وبعد استدعاء سفير براغ لدى موسكو، فيتيزسلاف بيفونكا، للإعراب عن احتجاج حاسم له على إجراء السلطات التشيكية بحق السفارة الروسية، أعلنت وزارة الخارجية الروسية، الأحد، عن طرد 20 دبلوماسيا تشيكيا باعتبارهم شخصيات غير مرغوب فيها، وعليهم بمغادرة أراضي روسيا حتى انقضاء يوم 19 أبريل، واصفة الخطوات التشيكية بانها "عدائية" وتمثل استمرارا لسلسلة إجراءات معادية لروسيا اتخذتها التشيك خلال السنوات الأخيرة، وشددت على انه  لا يمكن ملاحظة الأثر الأمريكي في هذه الأحداث،  وفي سعيها إلى إرضاء الولايات المتحدة على خلفية فرضها مؤخرا عقوبات جديدة على روسيا، "تخطت السلطات التشيكية حتى أصحابها في الطرف الآخر للمحيط".

واعتبرت موسكو  التصريحات التشيكية الأخيرة المناهضة لروسيا ، بان الغرب كان يحتاج إليها لحجب تدفق معلومات عن محاولة انقلاب في بيلاروس، وفي تصريحاتها المتلفزة، علقت المتحدثة باسم الخارجية ماريا زاخاروفا على تزامن الأنباء عن طرد 18 دبلوماسيا روسيا من جمهورية تشيكيا مع إعلان السلطات البيلاروسية والروسية عن إحباط محاولة انقلاب في بيلاروس، وقالت: "هناك شعور - وتدعمه وقائع - أنه في المجال الإعلامي، وخاصة في جزئه الغربي، كان شركاؤنا الغربيون مهتمين بحجب الطابع الملح وأهمية المعلومات التي تم نشرها من قبل كل من روسيا وجمهورية بيلاروس حول ما لم يكن مجرد مؤامرة، بل خطة لانقلاب على الدستور (في بيلاروس).

وفي عملية خاصة قالت هيئة الأمن الفيدرالية الروسية انها أوقفت شخصين في موسكو كانا يخططان لانقلاب عسكري في بيلاروس وفقا لسيناريو "الثورات الملونة" واغتيال رئيسها ألكسندر لوكاشينكو، وأن الانقلاب المخطط له في التاسع من مايو، كان يستهدف تغيير النظام الدستوري في بيلاروس وإلغاء منصب رئيس الدولة مع تسليم السلطة لـ "هيئة مصالحة وطنية، ووفقا للرئيس لوكاشينكو، فأن التحقيقات الجارية كشفت عن ضلوع الاستخبارات الأمريكية في التخطيط للعملية، معلومات نفاها ممثل رسمي لوزارة الخارجية الامريكية، واصفا إياها " خاطئة تماما " محذرا في الوقت نفسه، حتى من التلميح بها .

المراقبون الروس يشددون على ان حدث طرد 18 دبلوماسيًا روسيًا بتهمة التجسس، مبالغ فيه من قبل السلطات التشيكية، وتجاوزت جمهورية التشيك جميع حلفاء الناتو في هذا الصدد، حتى الولايات المتحدة نفسها التي طردت 10 دبلوماسيين فقط، وبولندا، المعادية لروسيا علانية، ثلاثة فقط، فقد، فقط بريطانيا هي التي أبعدت  المزيد كجزء من "قضية سكريبال"، ولكن حتى ذلك الحين فان الحديث يدور عن دولة ذات حجم أكبر بكثير، لذلك قررت القيادة التشيكية تقويض العلاقات مع روسيا بضربة واحدة.

ويسخر المحللون الروس من الادعاءات التشيكية، ويشيرون بالامر بالنسبة لتشيكيا لن يقف عند هذا الحد، فقد أعلن رئيس الوزراء بابيش أن روسيا مشتبه بها في انفجار في ساحة تدريب فربتيس العسكرية في عام 2014، مما أسفر عن مقتل شخصين،  ويصفون مايحدث " بالكوميديا " كما يقول موقع (EADaily)  وبدأ في وضع "بتروف وبوشيروف" على قائمة المطلوبين، وهما نفس هؤلاء "بتروف وبوشيروف"، الذين يعتبرهم البريطانيون ممن سمموا سكريبال، ويقولون إنهم دخلوا جمهورية التشيك تحت أسماء مولدوفا بوبا وطاجيك تاباروف.

علاوة على ذلك، فكرت سلطات جمهورية التشيك في حرمان شركة Rosatom من حق المشاركة في مناقصة استكمال وحدتين للطاقة في محطة الطاقة النووية في دوكوفاني، ودعا توماس بيتتشيك، الذي حُرم من منصبه كرئيس لوزارة الخارجية في بداية الأسبوع المنتهية ولايته، صراحةً إلى "طرد روساتوم"، مشيرًا إلى وجود تهديد للأمن القومي، ووعد زعيم الحزب المدني الديمقراطي المعارض، بيتر فيالا، بأن تتخذ جمهورية التشيك إجراءات جديدة "للحماية من روسيا".

كما يمكن أيضًا إضافة عمل رابع مناهض لروسيا، فقد كان وزير الخارجية Hamacek بصدد الذهاب إلى موسكو لمناقشة توريد لقاح Sputnik V، لكن رئيس الوزراء بابيس عارض بشدة مثل هذه الرحلة، وبعد إجراءات يوم السبت، يتجه احتمال شراء جمهورية التشيك للقاح نحو الصفر،  وربما لن تبيعها روسيا نفسها، بالنظر إلى سلوك الجانب التشيكي هذا، ومن الواضح أن الموضوع مغلق بغض النظر عن كيفية التعامل مع فيروس كورونا في كل بلد.

وإذا تم اتخاذ كل من الإجراءات على حدة، يمكن أن يتم اتخاذها بهدوء، كدليل على التضامن مع الولايات المتحدة وبريطانيا من جانب دولة صغيرة في الناتو أو كنتيجة "لمساعدة" علماء نوويين من فرنسا في إطار من معاهدة يوراتوم، أو كيف ببساطة عدم الرغبة في الحقن بلقاح "روسي" مشبوه، ولكن، نظرًا لتزامن الإجراءات، فإن الحديث يدور بوضوح عن رغبة القيادة التشيكية في قطع العلاقات فعليًا مع روسيا.

وجمهورية التشيك هي إحدى الدول التي تشكل سياسة الاتحاد الأوروبي في فضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي، ولعب التشيك دورًا نشطًا في الميدان الأوروبي في أوكرانيا، وهم اليوم يعملون بنشاط كبير على تغيير السلطة في بيلاروسيا، وإنهم يساعدون بشكل علني المعارضة الموالية للغرب في روسيا نفسها، ولا يترددون في التدخل في شؤوننا الداخلية، ويدرس في هذا البلد آلاف الطلاب من روسيا وبيلاروسيا وأوكرانيا على نفقة الدولة.

كما ان جمهورية التشيك ليست القوة العسكرية الأخيرة، وإنها، أدنى من روسيا، لكنها تحتل مكانة جيدة في السوق العالمية في عدد من المناصب في الأسلحة الصغيرة وطائرات التدريب والاتصالات والذخيرة، وللتشيك ممثلين بشكل جيد للغاية في كل من سوق الأسلحة الأفريقية والآسيوية، ويكفي التذكير بحالة الصحفي إيفان سافرونوف المشتبه في أنه يعمل لصالح المخابرات العسكرية التشيكية.

ويستخدم شركاء الناتو "الكبار" أيضًا التشيك، فالنسبة لهم، كونهم سلافًا، من الواضح أنه من الأسهل إتقان اللغة الروسية والعمل في الاتجاه الروسي على طول خط الذكاء، ويقع المقر الرئيسي لراديو ليبرتي في جمهورية التشيك (وسائل الإعلام هي وكيل أجنبي في الاتحاد الروسي)،  ومؤسسة Nemtsov، وهي منظمة تهدف علنًا إلى تغيير الحكومة في روسيا، وهي تعمل في جمهورية التشيك، لذلك، فإن التهديدات الصادرة من الاتجاه التشيكي يجب أن تحظى بأكبر قدر من الاهتمام الجدي وعدم إهمالها.

والحال هذه يدور في الاذهان هو: كيف ينبغي لروسيا أن ترد على مثل هذه الأعمال الجريئة؟ الجواب الأول مع "سبوتنيك" يقترح نفسه، إن إقناع جمهورية التشيك بشراء اللقاح بعد ما حدث هو نسيان للشرف، وفي ظل الظروف الحالية، قد يصبح هذا البلد هو البلد الوحيد الذي يجب على روسيا من حيث المبدأ أن ترفض توفير اللقاح، حتى لو لم تؤذي جمهورية التشيك نفسها كثيرا، والجواب الثاني هو بعد طرد الدبلوماسيين، ال 20 ،  وهذا الإجراء في الواقع يفسد تمامًا عمل السفارة التشيكية في موسكو، وبعد هذا الترحيل، يجب إغلاق القنصلية العامة في يكاترينبورغ، كما سيكون عمل القنصلية العامة في سانت بطرسبرغ موضع تساؤل، ومن الممكن تمامًا التفكير في إغلاق القنصليات الروسية العامة في برنو وكارلوفي فاري.

ويؤكد الكثيرون انه يجب أن تكون روسيا مستعدة لحقيقة أن جمهورية التشيك من خلال الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي ستعمل بنفس الطريقة التي تعمل بها بولندا أو دول البلطيق، وستبدأ على الأرجح في معارضة نورد ستريم 2، على الرغم من أنها حتى وقت قريب لم تكن مترددة في المشاركة في هذا الأمر، ويمكنها البحث عن أسلحة إضافية لأوكرانيا، وقد تطالب بفرض عقوبات أشد على روسيا، لذلك  لا يوجد سبب للاعتماد على الفطرة السليمة للسلطات التشيكية الحالية، ويتمتع الرئيس ميلوس زيمان بصلاحيات قليلة جدًا لتصحيح الوضع، وأصبحت جمهورية التشيك عدوًا خطيرًا لروسيا، ويجب تقليص العلاقة معها إلى الصفر حتى الأوقات الأفضل.

 

بقلم الدكتور كريم المظفر

 

 

يحيى علوانأُصبّحُ بالخيرِ على وطنٍ لا يُبارحني، حتى في المنام...

أُصبّحُ بالخير على وطنٍ، يجري تجريفُ أهله وأرضه.. حتى صارَ "سِكراباً" – خُردة - !

أُصبّحُ بالخير على وطنٍ يُنهبُ " شرعاً " لأنَّه " مالٌ لا مالكَ له، يصحُّ إمتلاكه ! "- إقرأ نَهبُه -  فيصبح حلالاً بعد دفع "الخُمس".. كذا !!

أُصبّحُ بالخيرِ على عراقٍ، غدا تَرَفَاً أنْ تكونَ فيه سَويّاً.. تحترمُ العقلَ والعِلمَ والجمال..و..وو

دون أنْ تدفَعَ ثمن ذلكَ غالياً جداً !

أُصبّحُ بالخيرِ على عراقٍ "يَرفِلُ " بخرابٍ يلحقَ خراباً، حتى أتى بعده خرابٌ أشمل، طالَ النفوسَ والدخائل وحتى المعاييرَ الإنسانية...!

أُصبّحُ بالخيرِ على وطنٍ أُصيبَ بالدُّوَارِ، حدَّ الغَثيان، من كَذِبِ الحُكّامِ وشعاراتهم، وشبيبةٍ تُنحرُ

لأنها رَفَعت الصوتَ، لا السلاحَ!، مُطالبةً بإستعادةِ وطنٍ إرتُهنَ لأوباشٍ"ولائيين" ومَنْ حازَبَهم !

أُصبّحُ بالخيرِ على بَلَدِ الخيراتِ، ينبِشُ أطفاله في القُمامَةَ بحثاً عمّا يَردعُ غولَ الجوع.. !

أُصبّحُ بالخيرِ على بَلَدٍ كَفَرَتْ فيه، حتى الآلهةُ، بصلاةِ دَجّالينَ، قَطَعوا أية صلةٍ بالعدالة والرحمة والتقوى !

أُصبّحُ بالخير على وطنٍ يعيشُ منذ إحتلاله على كذبة كبرى إسمها " ديمقراطية "!!

أُصبّحُ بالخيرِ على عراقٍ، قد يصحو ذاتَ يومٍ.. يتسامحُ، ولا ينسى مَنْ خانه، نهبَه وأثخنَ جراحه، بَدَلَ أنْ يُعافيه.. !!

**

بلادٌ تتشظّى وشعبٌ أنهكته الحروب والحصار والإحتلال والقمعُ والخرافة... وما من عود ثقابٍ يلوحُ له في نهاية نفقٍ إستوطنه الظلام..!

الطبولُ تُقرَعُ.. يُساهمُ فيها الكثيرُ من الغَثِّ، وقليلٌ من السَمين ! تمهيداً لإنتخاباتٍ مبكّرةٍ جرى تأجيلها سابقاً، "يُرادُ" لها أنْ تجري في أكتوبر / تشرينَ الأول الآتي، وإنْ كنتُ أشكُّ شخصياً في ذلكَ لإعتباراتٍ، لا يتسع لها المجال حالياً ! إذ أنَّ الإعلانَ عنها سيكونُ بمثابة "تمرينٍ للإحماء"، كما يفعلُ الرياضيونَ قبلَ النزال مع "الآخر" ! وستكونُ فرصةً للإستعداد لـ"الإستحقاق الدستوري"! في العام المقبل . وهكذا سيتوفّرُ وقتٌ كافٍ لـ"ترتيب"الطبخة والقيام بتنازلات متبادلة بين الحاكمين، بما يضمن إعادة تدوير"النفايات" الحالية وإستبدال بعض الوجوه الكالحة، ولكن الإبقاء على جوهر النظام الفاسد والتحاصصي..!!

يتسم المشهد السياسي في العراق اليوم بـ

1)

الإحتقانِ والتشنُّج . فالطُغم الحاكمة، ومشغّلوها وراء الحدود ، يخشون خُسران نفوذهم وبالتالي مصادر"رزقهم!"، الذي دَرَجوا عليه منذ 18 عاماً.. لذلك نراهم، في ضوء الأنتفاضة التشرينية الباسلة وما قدّمته من تضحيات غالية.. يلجأون، وبشكل محموم إلى تجنيد كل ما لديهم من ميليشيات مسلحة ومال سياسي حرام.. وتجييش طائفي وعرقي – إثني قومي، ومذهبي – عشائري.. يساندها في ذلك، إلى جانب ماكنة إعلامية ضخمة، الغيب والخرافة وغياب الوعي الإجتماعي والسياسي...إلخ إذ أنهم يرون فيها معركة وجود ! لن أُطيلَ في توصيف هذا الجانب . فقد أُشبعَ تحليلاً وتقريضاً، حتى لم يعُد ممكناً توصيف الحال دون الإستنجاد بالبذيء مما يتوفّر عليه "قاموس" المفردات الشعبية !! وهو ما ننأى بأنفسنا عنه...

2)

في هذا الوضع، يُرادُ خوض الإنتخابات من أجل إحداث "التغيير المُرتجى "، في حين أنَّ غالبية الناس ممن يحقُّ لهم التصويت، سئمت وعزفت عن المشاركة بإدلاء أصواتها لأنها أُصيبت بالغثيان من كذب الطُغم الحاكمة ونهبها للمال العام في وقت تعيش نسبة كبيرة من الشعب دون خط الفقر في بلد يمتلك من الخيرات ما يؤهله لنهضة في كل مناحي الحياة... وقد تجلّى موقف الناس هذا في إنتخابات 2018 . إذ لم تزد نسبة مشاركة الناخبين عن 20% !! لذلك فأن غالبية الناس لا تثق بأمكانية حدوث تغيير في أجواء موبوءة، وإنفلات السلاح بيد الميليشيات، والإمعان في إذلال الناس وإفقارهم.. وإنعدام الخدمات وخراب البنى التحتية والفساد المستشري، الذي طال كل مرافق الحياة إبتداءً من قمة الهرم حتى قاعدته...إلخ

3)

القوى العلمانية والديمقراطية واليسارية + " التشرينيون " ليسوا على هوىً واحد، وهو أمرٌ، لا شائبة فيه ! كما أنها متباينة الحجم والتأثير، لكنها لم تنضج بعد، رغم تشخيصها للواقع ومآلاته للإتفاق على تشكيلِ كتلة سياسية تلمُّ الناس حولها لمنع وقوع ما هو أسوأ، فنحن على أعتاب

"جهنم ".. ذئاب تملأ الشوارع، ولا " دولةَ " تجرأ على صدّها ! فالدولة غافية بأمرٍ من "حُرّاسها المفترضين؟!! إنْ لم نَقُلْ تتواطأُ معهم ! فلا يجوز الإكتفاء بتصريحات وبيانات الشجب والإستنكار . فهذه القوى والمكونات لم تتوصل حتى الآن إلى صياغة ورقة عمل وآليةٍ، تكون بمثابة منهاج ملزمٍ لكل الأطراف ونبذ الأنانية والتنطُّع بالقيادة . وفي ظني، أنَّ هذا الأمر يستلزم :

أولاً، توحيد موقف واضح وصريح من الإنتخابات، أي مقاطعتها طالما أن الطُغَم الحاكمة لم ولا تريد

الإستجابة لمطلب إستصدار قانون جديد للإنتخابات وقانون أحزاب يوفّر فرصاً متساوية لكل الأحزاب المسجلة رسمياً، ومنع السلاح المنفلت وحصره بيد الدولة فقط ! دونَ الإلتفاف على هذا المطلب بدعوى ضمِّ الميليشيات الولائية وغيرها بأعتبارها " جزءاً من القوات المسلحة !!" لتوفير غطاء قانوني ومالي لبقائها وهي ترتهن الدولة والمجتمع كاملاً ! والكشف عن قَتَلَةِ المتظاهرين وتقديمهم للمحاكمة وتشكيل مفوضية مستقلة حقاً للإنتخابات، وقبلها توفير قضاء مستقل باعادة تشكيل مجلس القضاء الأعلى وبالتالي المحكمة الإتحادية العليا وفق أسس مهنية بعيداً عن المحاصصة والزبائنية...إلخ

ذلك أنَّ الديمقراطية لا يُمكن إختزالها إلى " عملية إنتخابٍ !" تُجرى في ظلِّ إحتلالٍ عمليٍّ (أمريكي/ إيراني)، لا يتمتع فيه الشعب بالسيادة على مقدراته ومقدرات بلاده.. فالديمقراطية تعني، من بين أمور أخرى، إحترام وصيانة حقوق الإنسان والحريات الأساسية، بما فيها حرية العيش الآمن الذي يلبّي الحاجات الأساسية للفرد(عمل، سكن، طبابة، تعليم، والخدمات الأكثر أساسية للعيش الإنساني...)

ثانياً، التحلّي بالشفافية في السلوك السياسي، وإخراج " النقد الذاتي والإعتراف بالخطأ " من خانة المحضورات "التابوهات!" إلى نور الإعتراف، والكفّ عن التحجُّجِ بأنّ هذا الأمر " يخدم القوى المعادية!" ليشتروا صمتنا ! فالأخيرة/ القوى المعادية/ لديها دوماً ما يكفي من الوسائل لمهاجمة خصومها، أولاً! والأمر الثاني ليس أخلاقياً بدعوى " أنَّ الإعترافَ بالخطأ فضيلة " فقط، بل هو أمر ضروري لإستعادة ثقة الناس بالجهة المعنية، شريطة إدراك التفريق بين إلإخفاق / الخطأ وعموم شخصية الفرد / الجماعة والتعلم من الخطأ بعدم تكراره، كي لا نخلُصَ إلى نتيجة أننا "أبرياء " ونُرحّل الأمر إلى "ظروفٍ موضوعية!!" نُكرّرُ فيه الخطاَ ذاته، بعد أنْ نُلبِسَه " حُلَّةً جديدة " مثلما جرى قبل ذلك، أكثرَ من مرّة !!

على أنَّ هذا الأمر يتطلب المبادرة إلى تحمُّل المسؤولية الشخصية بإعفاء المسؤولين، إنْ لم يتحلَّوا بالشجاعة الكافية للإعتراف بما أرتكبوه، يوم أخذوا "الناس" رهينة لتحالفات فاشلة، كان آخرها التحالف البائسٍ مع قوى الخرافة والغيب.. التي سرعان ما إنقلبت عليه وكشفت عن وجهها الكالح ولطَّخت أيديها بدم المتظاهرين السلميين.. نقولُ آن الأوان لمَنْ تسبَّبَ في ذلك أنْ يتنحّى عن المسؤولية ويخلي المجال للآخرين، ولن تَغرقَ السفينة..! فرحمُ الحركة ولاٌّدٌ وليس هناك مَنْ لا يُمكن تعويضه !!

المهم في هذه العملية جانبها التربوي / النفسي . ذلك أنَّ الإعترافَ بالإخفاق أو الخطأ يمكن أنْ يكون إيجابياً وعاملاً للنجاح بالتالي . وفي هذا المجال يحضرني ما جرى لتوماس أديسون قبل أنْ يتوصَّلَ إلى إكتشاف المصباح الكهربائي . فقد قام بحوالي مئة تجربة قبل أنْ يهتدي إلى المصباح الكهربائي، مما أصابَ مساعده بالخيبة والقنوط، فقال لأديسون – أخفقنا وفشلنا ! – فأجابه أديسون: أنا لم أفشل... إذْ تعلَّمتُ أكثر من مئة طريقة لا توصل إلى صناعة المصباح الكهربائي !![ طبعاً التجريب في العمل العلمي يختلف عنه في العمل السياسي !!]

 

يحيى علوان

 

 

صلاح حزامالإنسان الذي فقد السيطرة على مصيره يستحيل

عليه التخطيط لهذا المصير

(مصطفى حجازي)

كلما هممت بتناول موضوع ما، وجدت نفسي انظر إليه كاقتصادي !! ولا ادري إن كانت هذه متلازمة تصيب العاملين والمختصين في ميدان الاقتصاد من بين متلازمات أخرى تصيبهم ، مثل أصابتهم بأمراض القلب !!

ويُعتقد أن ذلك المرض يصيبهم نتيجةً لكون الاقتصادي مجبراً على النظر إلى الصورة كاملة خاصة اذا كان من العاملين في ميادين التخطيط والتنمية إذ انه يتعامل مع مجمل الحالة الاقتصادية بكامل تفاصيلها. وبما أن حالة عامة وشاملة كهذه لا يمكن لها ان تكون نموذجية وخالية من الأخطاء والعيوب،فان الاقتصادي المسكين يشعر بالحسرة ويسقط مريضا بالقلب من الغم والكمد!!

وواضح انه ليس المهندس ولا الطبيب ولا الجيولوجي بمضطر إلى النظر إلى هكذا صورة شاملة بل حسبه الموضوع الذي بين يديه !!

ويشتد عذاب الاقتصادي كلما كان شرفه المهني عاليا وهو يقارن، مجبراً، بين ما هو كائن وبين ما يمكن أن يكون ويحصي مجبرا الفرص الضائعة ويتصور المستقبل مع أو بدون الفرص الضائعة.

هذه المقدمة أردت بها أن ابرر استخدامي لمقاربة اقتصادية وأنا أحاول إيضاح المقصود بغياب المثال لدى قسم مهم من الجمهور العراقي سواء منهم الأفراد العاديين او بعض النخب المثقفة.

أقرأ،بما يسمح به الوقت، واتابع الحوارات والكتابات المختلفة سواء التي تصدر عن أفراد او منظمات أو أحزاب وحركات سياسية تنشط في الساحة السياسية العراقية في وقتنا الحاضر،فأجد أن لامثالَ سياسياً لدينا!!

في الفكر الاقتصادي الرأسمالي، المثال أو كما يسمىparadigm بالإنكليزية:، هو نموذج "المنافسة التامة". وهو نموذج نظري تؤدي فيه آلية السوق الحرة وظائفها على أفضل وجه وتخدم مصالح أطراف العملية الاقتصادية على افضل وجه ممكن.

ويفترض هذا النموذج أن عدد الباعة وعدد المشترين غير محدود في السوق وان حرية الدخول والخروج للسوق مكفولة وان أطراف العملية الاقتصادية من باعة ومشترين على علم تام بأوضاع السوق وماهو متوفر فيه من خيارات لكي يتخذوا أفضل قراراتهم في ضوء ذلك.

صحيح أن هذا النموذج نظري ويفترض لتحققه شروط مثالية، إلا نه يظل "مُلهِماً " لكل الأطراف للعمل باتجاه الوصول إليه وتحسين الظروف وإزالة العقبات التي تحول دون تحققه واعتباره الحالة التي يجب أن تسود ومحاكمة الواقع على ضوء هذا المثال.

يضاف إلى ذلك أن هذا النموذج يعمل أحيانا في أسواق معينة ولأوقات معينة، وكلما طالت فترة توفر شروط عمله طالت فترة عمله.

وبذلك فهو ليس أسطورة بل هو نموذج حقيقي ومنطقي وقابل للتحقق شرط توفر شروط عمله.

الفكر الاقتصادي الاشتراكي لم يكن لديه مثال، بل كان لديه فرضيات فيها من الايديولوجيا أكثر مما فيها من العلم. وظلت النظم الشيوعية لحين سقوطها تسعى لإثبات صحة تلك الفرضيات دون جدوى.

لقد ظلوا حيارى بين حقائق الحياة الملموسة التي تضغط على شعوبهم بشدة وبين الولاء الأيديولوجي لطروحات الزموا أنفسهم بها سابقا. مثل تحريم أدوات السوق والية الأسعار والنشاط الخاص.

لقد حرموا على أنفسهم أداة السوق النافعة التي لاغنى عنها لتحقيق الكفاءة في تخصيص الموارد دون أن يكونوا قادرين على الإتيان ببديل عنها !!

كانت أهدافهم جميلة بلاشك وربما كان معظمهم من المخلصين ولكن ماقيمة ذلك في ظل عدم

وجود المثال؟

المثال هو البوصلة او الهدف النهائي الذي يحدد سلامة وجهة السفينة المُبحِرة. هل يعقل ان يبحر

قبطان دون ان يعرف وجهته التي يقصدها؟!

هنالك نطاق من أشكال الحكم السياسي الممكنة في كل بلد تتراوح بين الحرية التامة لأفراد المجتمع وبين الاستبداد المطلق للحاكم. كذلك يوجد نطاق من حالات الاقتصاد الممكنة في كل بلد تتراوح بين حالة المنافسة التامة وبين الاحتكار المطلق.

وبالتالي فان هناك ديمقراطية سياسية وديمقراطية اقتصادية واستبداد سياسي واستبداد اقتصادي. واعتقد أن ذلك يبرر وجود مثال سياسي كما هو موجود في الاقتصاد.

ولو حاولنا إجراء مقابلة بين نموذج المنافسة التامة الذي سبق إيضاحه وبين نظام الحكم الديمقراطي لوجدنا أنهما وجهان لعملة واحدة.

حيث أن تعدد اللاعبين هو مقابل للتعددية السياسية التي هي شرط قيام الديمقراطية وكذلك حرية الدخول والخروج للسوق هي مقابل لحرية العمل السياسي في ظل النظم الديمقراطية.

وأخيرا فان شرط كون أطراف اللعبة على علم تام بالبدائل التي تتوفر في السوق هو مناظر لشرط معرفة الناس ببرامج الأحزاب والجهات السياسية التي تتنافس لكي يتخذوا أفضل قراراتهم في ضوء ذلك.

ولضمان سريان شروط عمل نموذج المنافسة التامة،فان الدول الرأسمالية قد شرّعت منذ عقود قوانين منع الاحتكار التي تمنع وجود عوامل اعاقة قوانين المنافسة التي هي القاعدة الذهبية للتطور.

في النظم الديمقراطية، الفرد لا يقارن بين مستبدّين أبدا لان مثاله السياسي ليس استبداديا ابدا بل يقارن بين بديلين ديمقراطيين يخدمان نفس المثال الديمقراطي ببرامج مختلفة.

تداول السلطة بين الأحزاب المختلفة في الدول الديمقراطية لا يعتبر "انقلابا" على فترة حكم الحزب السابق بل سعي مستمر من خلال برامج مختلفة للوصول إلى المثال.

التصويت ومنح الثقة هو دائما يستند على البرامج وليس الأشخاص!

الشخصانية تعتبر امراً منكراً وتقديس الأشخاص سلوك متخلف وخارج سياقات الزمن!!! بل ان هنالك إدراكا اجتماعيا عاما لضرورة عدم السماح بنشوء أي تقديس للأشخاص مهما كانت إنجازاتهم.

فالشعب البريطاني اسقط تشرشل في أول انتخابات بعد الحرب العالمية الثاني رغم دوره الأساسي في انتصار بريطانيا على النازية، خشية أن يتحول إلى رمز مقدس.

والرئيس الأمريكي جورج بوش الأب سقط في أول انتخابات رئاسية أمريكية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وكسب الولايات المتحدة للحرب الباردة مع وضوح دوره في ذلك الانتصار خلال حياته السياسية الطويلة وبعد نجاحه في تدمير العراق وإخراجه من الكويت ورد الاعتبار إلى الجيش الأمريكي بعد هزيمة فيتنام حيث كان الانتصار على العراق وتدميره أول حرب تكسبها أمريكا بعد فيتنام.

وهذا مما يثير الأسى في النفس !! اذ شتّان مابين هذا المستوى الراقي والمسؤول من الوعي الاجتماعي وبين ما لدى مجتمعات أخرى من سعي حثيث ودوؤب لإضفاء العظمة والتأليه

والبطولة والقدرات الأسطورية على شخصيات اقل ما يقال عنها أنها متواضعة للغاية !!

في البلاد الديمقراطية فان الأفراد العاديين او المثقفين وصناع القرار، لا تحكمهم نزعة الفعل

ورد الفعل والانفعال والتطرف والتحول الى الأضداد عند أول كبوة.

فاذا اخفق البديل الحاكم، نُزِعت عنه الثقة ديمقراطياً وتحول الناس عنه إلى بديل آخر وهكذا حتى لو اضطروا الى البحث عن بديل كل ستة اشهر كما حصل مرة في ايطاليا.

كذلك فان المثال الديمقراطي لايمكن ان يكون شخصانيا أبداً بل هو عبارة عن نظام وآليات مثله مثل نموذج المنافسة التامة.

طبعا قد يعترض البعض بالقول ان العراق في بداية الطريق وان إنضاج المثال يستلزم وقتا وان الجميع بحاجة إلى ان يتمرن ويتعلم بالممارسة والثقافة والتعلم من الغير!

وهنا أقول ان ذلك إذا كان مقبولا من عموم الناس الى حين، فإنه غير مقبول من النخب التي يفترض ان يكون لديها القدرة على أن تتصور ماهو مطلوب ومناسب!!! وإلاّ فبأي معنى تسمى نخباً ؟؟

أما إذا افتقدت النخب، شأنها شأن عموم الناس، المثال فإن تلك مشكلة حقيقة بالفعل.

وهنا يصبح البلد قاصرا وعاجزا عن إدارة شؤونه ويحتاج إلى وصاية دولية لإدارته لحين بلوغه  مرحلة النضج شأنه شأن الإنسان القاصر او فاقد الأهلية الذي لا يسمح له بإدارة ثروته وشؤونه لحين بلوغه سن الرشد أو استرداده لأهليته!!!

بلد مهم مثل العراق لا يسمح له ولا يجوز له ان يدار بطريقة الفعل ورد الفعل ولا بطريقة القفز المستمر بين البدائل والتجربة والخطأ وذلك ببساطة لان أوضاع العراق تنعكس على الاخرين سواء دول الجوار او المحيط او عموم العالم.

المتوقع من النخب المثقفة أن تتحاور وتتناقش حول صياغة المثال الذي نريد والذي نحتاج اليه فعلا لا ان ترتد على أعقابها مقارنة السيئ بالأسوأ وبالقول ان السيئ أفضل من الأسوأ!! في مقارنة محزنة بين الخسائر وليس بين الأرباح!

انه وضع مأساوي ان يقال ان الناس تترحم وتشعر بالحنين الى مرحلة ماقبل الاحتلال !! الى ماذا يحن هؤلاء ؟؟

إن الشعوب الحية لايمكن ان تكون خياراتها محصورة بين السيئ والأسوأ!!

الحياة السياسية في العراق منذ عام 2003 والى وقتنا الحاضر تلفها العمومية والخطابات السياسية الإنشائية التي تقبل أكثر من تفسير.

ومما يؤلم أكثر انه حتى الكتابات السياسية التي ينشرها بعض الكتاب في المواقع الالكترونية والصحافة التقليدية يتضمن معظمها الكثير من السخرية والاستهزاء والتسخيف وإبراز العيوب والمشاكل والتشفي بالآخرين ومحاولة إضحاك القاريء بأسلوب كوميدي سياسي تافه ومبتذل في الغالب، ولكن القليل جدا منها ذلك الذي يحلل بجدية ومسؤولية ويقدم تصورات وآراء.

الكتابات "الكوميدية السياسية" قراءتها تشبه مشاهدة برنامج عن السيرك!! تتقافز فيه الحيوانات والأشخاص ونشعر بالمتعة أثناء مشاهدته، ولكننا لا نخرج بحصيلة معرفية بعد ذلك!

أما الكتابات الجادة المسئولة فهي تشبه مشاهدة برنامج عن تاريخ الحضارة الرومانية !!نخرج منه ونحن أكثر حكمة ودراية وقد تشكل ركن معرفي في أذهاننا كما لو كنا قد قرأنا كتابا !

هل قام نقاش وطني عام وجاد يشارك فيه المثقفون لتحديد معالم النموذج الذي يحتاج إليه العراق؟؟ قد ينبري البعض للكتابة في قضية من هذا النوع، ولكن لا احد يستجيب لديمومة الحوار والكتابة والنقد والتحليل المستمرين للوصول إلى خلاصات مفيدة ومتفق عليها إلى حد كبير.

ما قيمة الكاتب الذي يقال عنه انه كفوء ولكنه لا يقدم سوى الشتم والاستفزاز وتوجيه الاتهامات إلى كل الجهات ؟؟ بل أن البذاءة أخذت تتفشى كنوع جديد من الأدب ربما يكتب عنه لاحقا في تاريخ الأدب باعتباره "أدب مرحلة الاحتلال" !!!على غرار أدب الفترة المظلمة !!

ماهو الدور الايجابي لهكذا كتابات؟؟

أن تاريخنا السياسي العربي والإسلامي مليء بالشتائم واللعن والتفسيق والسخرية ولكن فيه القليل من التفكير العلمي بالظواهر ودلالاتها وأصولها.

وحتى بعد الزلزال الذي أصاب العراق عام 2003، لم يتبلور اتجاه سياسي براغماتي يتعامل مع الحقائق بما تستحق ويستخدم الادواة الحقيقية للتأثير في سير الأحداث بدل الشتم عن بعد او الأمنيات التافهة.

العصبية والتعصب هي التي تتحكم في المشهد في كلا الاتجاهين!!وتمارس من قبل من هم مع او ضد التغيير.

استمعت إلى احد السياسيين يقول مرة: نريد أن يستتب الوضع الأمني لكي نقول للأمريكيين: شكرا اخرجوا الآن من بلادنا !!!؟؟

هل هذا كلام معقول؟؟وهل الأمريكان هم متعهدو تنظيف جاءوا لتنظيف حديقة هذا السياسي لكي يدفع لهم أجورهم ويطلب منهم المغادرة بعد إنجاز عملية التنظيف ؟؟

ان هذا القول يشبه ما قيل في السحر من انه (التماس الإنسان للنتائج من غير امتلاك أسبابها).

المشهد السياسي العراقي الحالي يبعث على الإحباط حقا. فالعراقيون، وللأسف الشديد، منقسمون بين ساخر وشاتم للعرب والدول العربية وساخر وشاتم للإيرانيين!!

ولا احد يستخدم كفاءته للبحث عن مصالح العراق ولا أحد يقول ان العرب والإيرانيين هم المحيط الذي نعيش فيه سواء أعجبتنا مكوناته أم لا!

شتم إيران لا يزيلها من الخارطة ولا يجردها من وسائل التأثير في الحالة العراقية وكذلك شتم العرب لا يزيلهم ولا يلغي تأثيرهم.

هل يعني هذا انه لا توجد سياسة في العراق الآن بالمعنى العلمي للكلمة؟؟

السياسة هي فن الممكن كما هو معروف، ولكن حديث السياسي الذي أشرت إليه وماشاكله من طروحات يعني ان ما موجود في العراق هو ليس سياسة!!

لم يتفق المجتمع العراقي على مثال سياسي يعرّف بدقة ويحدد خصائص ومواصفات وشروط عمل نظام إدارة الحياة السياسية في العراق.

الدستور الذي يفترض ان يكون خيار المجتمع وليس حزبا أو مجموعة أحزاب وحركات سياسية، هذا الدستور نفسه قيد المراجعة والتعديل بأجمعه وليس فيه ثابت.

وحتى قبل إخضاعه للمراجعة والتغيير فإنه لم يكن موضع اتفاق اجتماعي.

قبل سنوات طويلة قرأت واحدا من بين أفضل الكتب التي قرأتها في حياتي. عنوان الكتاب هو "التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الانسان المقهور". ومؤلفه هو الدكتور مصطفى حجازي. والى الآن يعلق في ذاكرتي الكثير من الروائع التي احتواها الكتاب المذكور. وأردت هنا ان اقتبس بتصرف بعض ماله علاقة بالموضوع الذي أتحدث عنه.

"الذهنية المتخلفة تعجز عن التخطيط الذي هو محاولة الإنسان للسيطرة على مصيره، لأنها تنظر إلى الواقع بشكل تجزيئي زمانياً ومكانيا ويغلب عليها التركيز على الحاضر والانحسار ضمن حدود آنية والأفق المستقبلي لديها ضيق جدا،بينما العالم المتقدم يخطط لعدة عشرات من السنوات.

الإنسان الذي فقد السيطرة على مصيره يستحيل عليه التخطيط لهذا المصير."

السؤال الذي لايمكن تجنبه هو: هل أن الوسط العراقي متخلف إلى الحد لا يستطيع أن يصوغ خطته"مثاله" ؟؟؟

المثال الذي أتمنى وجوده للعراق هو تصور لما يجب أن يكون...انه يشبه صياغة خطة اقتصادية جيدة تتسم بالواقعية والامثلية وإلا تساق والتي هي كلها مواصفات الخطة الجيدة.

وعلى ذكر الخطة فأن الخطة التي اقصد هي ليست خطط القسر التي تعدها النظم الشمولية المستبدة، بل هي أدوات الإدارة الحديثة التي ينتهجها الكثير من المؤسسات العملاقة التي لايمكن لها أن تدير أعمالها الهائلة إلا عن طريق التخطيط العلمي السليم.

***

د. صلاح حزام

 

عبد السلام فاروقالأزمة اليوم باتت تتقلب على صفيح ملتهب..

واللعبة الآن كالتالى: إثيوبيا فى جانبها المتعالى تصم آذانها عن أى اتفاق سلمي وترى فى مصر والسودان خصوماً تنظر لهما بعنجهية العدو وصلفه. وعلى الجانب الآخر تقف مصر ومعها يقف العرب والعالَم مدافعين عن حقها الأزلى فى سر وجودها وشريان حياتها ومجراها النحيل عبر صحرائها الشاسعة يكاد يستصرخ الناس والمنطق والعدل والزمن كى لا يستيقظ العالَم يوماً على مشهد نهر النيل يذوى والأنفاس الخضراء على ضفتيه تختنق ويأكلها التصحر ويهلكها الجفاف!

إثيوبيا تهدد..

بالأمس القريب خرجت علينا الخارجية الإثيوبية ببيان يكاد يكون إعلاناً سافراً للعداء والحرب؛ حيث قالت: (إن العالم الآن يرى قيادة مصر والسودان في وضع الترويج للحرب وتهديد إثيوبيا بأن جميع خياراتهما مطروحة على الطاولة، لكن هناك مقولة عربية تقول الهنجمة نصف القتال "مَثل يراد به أن تتحدث عن نفسك وعن قوتك كثيرا قبل الدخول في معركة" لكن في إثيوبيا لدينا مقولة مختلفة مفادها أنك لا تموت من الخوف بل تموت أثناء القتال، لذا فإن إثيوبيا لديها أيضا جميع خياراتها على الطاولة)!!

إنه تهديد سافر ملئ بالترهات والادعاءات الكاذبة، إذ يستمر البيان فى لهجته البغيضة قائلاً: (أن إثيوبيا تتفاوض مع طرف واحد هو مصر والسودان مجتمعان، لافتة إلى أنه لا فرق بين البلدين في تسييس وإضفاء الطابع الأمني على قضية سد النهضة، وكلاهما عازم على إنكار الحقوق السيادية للإثيوبيين اليوم، وليس هذا فحسب بل وأيضا للجيل القادم، بحيث يتعين على إثيوبيا انتظار إحسان مصر والسودان لتنمية مواردها المائية..وذكرت أنه رغم كل المرونة التي أظهرتها إثيوبيا، لم يكن هناك أي مرونة من مصر والسودان، والواقع أن البلدين أعلنا فشل جولة الرابع من أبريل الجاري بينما كان من المقرر أن تنتهي في اليوم التالي، لأنهما حضرا إلى كينشاسا بقرار مسبق بإجهاض هذه الجولة قبل أن تنتهي.. وتابعت: (لا تزال إثيوبيا تأمل وستظل تأمل في المفاوضات التي يقودها الاتحاد الإفريقي من أجل حل النزاع على سد النهضة فقط على أساس الاستخدام العادل ورفض أي مطالبة بحقوق تاريخية لمصر والسودان)!

إن أقل ما يوصف به مثل هذا البيان أنه تهديد وتضليل وقلب للحقائق ورغبة حقودة لنزع حقوق مصر التاريخية منها عنوة، وهو استفزاز واستعداء واضح لمصر والمصريين.

الخطر يتهدد الجميع..

 الغريب فى الأمر أن إثيوبيا تتصرف كما لو كانت بمنأى عن أى مخاطر من مثل هذا التعنت والإصرار على نسف المسار الدبلوماسي، بينما هى أول المتضررين قبل مصر والسودان؛ واسألوا إن شئتم أهالى إثيوبيا المجاورين للمشروع والذين سيتم إعادة توطينهم وعددهم يربو على 20 ألف شخص، ناهيك عن آلاف المزارعين والصيادين الإثيوبيين الذين يرون فى السد المهول خطراً وتهديداً مباشراً لأرزاقهم التى ضيَّقها السد؛ بسبب التغيير الكبير فى البيئة والمصايد وانحسار الفيضان. هذا بخلاف انتشار الملاريا وترسب الطمى بكميات هائلة.

بل ثمة أخطار أخرى أكبر: لعل من أهمها كما تقول دراسة أجراها خبراء من معهد ماساتشوستس الدولى للتكنولوجيا: "وجود فائض غير منطقي من الكهرباء، حيث توجد حاجة ضرورية لإدارة الطاقة الكهرومائية المولدة من السد والتى تتجاوز الطاقة المولدة من سوق إثيوبيا المحلي الحالي للطاقة، وبالتالي ستحتاج إلى بيعها خارج إثيوبيا. وهناك حاجة إلى خطة لمثل هذه المبيعات، ولإنشاء خطوط نقل إلى الأسواق الإقليمية..والحق أن إثيوبيا لا تحتاج من الـ 6 آلاف ميجاوات من الكهرباء التى تأمل أن ينتجها سد النهضة سوى 2000 ميجاوات فحسب! وبالتالى فهى تعوّل كثيراً على تصدير الكمية الباقية، وهو ما يتطلب نفقات هائلة لإقامة شبكات نقل كهرباء بمسافات طويلة تصل إلى 900 كيلو متر لتغذية جيبوتى المتاخمة لحدودها على سبيل المثال، أما تصدير الكهرباء لأوروبا فالأفضل هنا أن يمر عبر مصر وهو ما لن يحدث فى ظل السلوك الإثيوبى العدائى.. بالطبع كان أفضل لإثيوبيا بكثير أن تصدر الكهرباء إلى مصر والسودان بما قيمته 6 مليارات دولار سنويا، وهو ما كانت إثيوبيا تفكر فيه خلال السنوات الأولى لبناء السد حينما كانت مصر آنذاك تعانى نقصا شديدًا فى الكهرباء، لكن مصر اليوم تحوّلت إلى دولة اكتفاء ذاتى وتصدير.

والسؤال الملح الآن: لماذا تصر إثيوبيا على تأزيم الأمور وليس فى صفها أحد؟ لماذا تستعدى الجميع؟ أليس الأَولى لها أن تتحسب لمستقبلها الاقتصادى الذى سيتضرر كثيراً جراء المسار العدائى بينما لن يتحقق له الربح سوى بالمسار الدبلوماسي؟!

روسيا والعرب والعالَم فى صف مصر

بالأمس القريب زار وزير الخارجية الروسي سيرجى لافروف مصر، وقد صرح وزير الخارجية المصري سامح شكرى قبلها: "أن القاهرة تتوقع أن تلعب روسيا دورا إيجابيا في تسوية أزمة سد النهضة مع إثيوبيا".مؤكذاً أنه سيبحث مع لافروف موضوع سد النهضة والدور الذي يمكن لموسكو أن تلعبه من خلال عضويتها في مجلس الأمن الدولي وفي إطار الجهود الدولية المبذولة لحل الأزمة والتوصل إلى اتفاق ملزم بشأن ملء وتشغيل السد. هذا وقد وجَّه الرئيس السيسي رسالة لإثيوبيا فى حضور لافروف، فى إشارة لوقوف روسيا فى صف مصر إزاء الأزمة الحالية للسد الإثيوبي..وخلال زيارة الرئيس التونسي قيس سعيد لمصر أبدى دعمه الكامل لمصر فى الدفاع عن أمنها المائى وحقها التاريخى فى مياه النيل، وهو موقف كافة الدول العربية، بل والمجتمع الدولى الذى يعرف لمصر هذا الحق الذى تحاول إثيوبيا سلبه منها بمجرد بيان رخيص لا يساوى ثمن الحبر الذى كتب به!

اسألوا صاحب نوبل..

منذ يوليو 2020 والتصريحات الإثيوبية المستفزة تنهال على الرؤوس كأنها حجارة تتعمد كسر حالة السلم واستفزاز المنطقة لعداوات وحروب هى فى غنى عنها. ولعل أهمها تصريح وزير الخارجية الإثيوبي على إثر الملء الأول للسد بأن النيل صار بحيرة إثيوبية لا نهراً مشتركاً !

والسؤال الذى ينبغى للعالَم أن يسأله لصاحب جائزة نوبل آبى أحمد رئيس الوزراء الإثيوبى هو: كيف لإثيوبيا التى تتغنى دوماً بما أسمته "سياسة تصفير المشكلات" مع دول الجوار أن تهدد بالحرب وتدعو لها؟ بل وكيف لها أن تنتظر رخاءً اقتصادياً بالدعوة لحرب ستأكل الأخضر واليابس لا فى إثيوبيا وحدها بل وفى سائر المنطقة؟

أخطأ من أعطى الداعين للحرب جائزةً للسلام، ولابد للعالَم أجمع أن يصحح هذا الخطأ بأن يخلع عنهم سرابيل السلام الزائف التى يرتدونها زوراً وبهتاناً.

ماذا لو ..؟

شهور قلائل تفصلنا عن الموعد المعلن للملء الثانى للسد، وكلا الجانبين يمارسان سياسة النفس الطويل فى الاستمساك بالرأى وممارسة الضغوط على الجانب الآخَر. وبينما تتشبث مصر بكلمة الحق وبالدعوة للدبلوماسية والمرونة، فإن إثيوبيا تستمسك بالأوهام والأضاليل وبالدعوة للعداء وتأجيج الأمور وتأزيم القضية!

ودعونا نتساءل عدة تساؤلات جوهرية تشغل الجميع:

ماذا لو أن المجتمع الدولى انبري بجدية وصرامة لا للذود عن مصر فى قضية سد النهضة وإنما لتجنيب المنطقة كلها كوارث محدقة سواءً باستمرار إثيوبيا فى تعنتها أو بدعوتها السافرة للحرب؟ ألن يكون هذا أفضل من ترك الحبل على الغارب لإثيوبيا تفعل الأفاعيل بالمنطقة دون أن يحاسبها المجتمع الدولى أو يردعها؟

ماذا لو تدخلت أمريكا لإجبار إثيوبيا على الرضوخ لدعوة مصر والعالَم لاتفاق يضمن حقوق مصر فى مياهها؟ ألن يجنب هذا المنطقة حرباً لا ضرورة لها؟

والسؤال الأخطر والذى لا يريد أحد أن يسأله: ماذا لو قامت بالفعل حرب المياه بين الدول الثلاث ، فهل سيستفيد أحد من مثل هذا المسار المهلك؟

إنها تساؤلات للعقلاء فى إثيوبيا وإفريقيا والعالَم. ولابد من إجابات تشفى الصدور.

 

عبد السلام فاروق

 

محمد سعد عبداللطيفيشهد العالم اليوم العديد من المناطق التي تعاني من الصراعات باختلاف أسباب الصراع من منطقة إلى أخرى، ففي منطقة الشرق الأوسط تشهد صراع علي أمتلاك النفط والغاز ومن ضمن تلك المناطق التي تعاني من الصراع، منطقةشرق البحر المتوسطفتلك المنطقة تشهد حاليا صراعا محموما بسبب اكتشاف كميات كبيرة من الغاز الطبيعي والنفط، تقدر بحوالي 122تريليون متر مكعب حسب هيئة المسح الجيولوجي في أمريكا عام 2010 وبسبب ذلك نشب خلاف مع دول الحوض . وكاد هذاالخلاف يشعل طبول الحرب في المنطقة .تأثرت العلاقة التي تجمع مصر وتركيا منذ الانقلاب علي حكم الرئيس محمد مرسي الذي جري في مصر خلال عام 2013، والذي أوصل الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى السلطة وأطلق حملة على جماعة الإخوان المسلمين. فكثيرا ما أدانت تركيا السيسي باعتباره ديكتاتورا وأصبحت تركيا ملاذا آمنا للمنفيين المصريين المعارضين للحكومة.

وتعمق الخلاف مع ترسيم الحدود البحرية سبب في تعمق خطوط الصدع الجيوسياسية عبر المتوسط.ظهر علي مسرح الأحداث لاعبيين دوليين من روسيا والأتحاد الأوروبي .و ممكن حصر الخلاف في ثلاث نقاط: صراع أيدولوجي وشخصي وجيوسياسي . فالصراع الأيدولوجي يرتبط بصعود حزب العدالة والتنمية مع توجهات إسلامية (الإسلام السياسي) والبحث عن حليف لهذا في منطقة الشرق الاوسط فكان صعود الأخوان المسلمين علي سدة الحكم في مصر بداية التطلع لنظام جديد تقودة تركيا عبر محور جديد وحلف سني وساعد ذلك إرتياح مع إدارة اوباما وكانت العقبة هي دمشق ومحاولة تركيا الإطاحة بحكم أل الأسد .ومع سقوط حكم الأخوان والتدخل الروسي والإيراني في الحرب في سوريا وفوز ترامب في الأنتخابات الامريكية . تغير الموقف التركي في البحث عن حليف اخر فكانت الحرب الأهلية في ليبيا ارادت تركيا الثأر من النظام المناويء لها في مصر حاولت وجود قدم في الصراع غرب الحدود المصرية بعد فشلها في شمال سوريا شرق نهر الفرات  للآهمية الأستراتيجية لمنطقة شرق المتوسط

أطراف الصراع علي تقسيم المياه الأقتصادية للثروة .علي تقسيم الحدود البحرية .خلافات قديمة بين تركيا واليونان .وحروب انتهت في القرنين التاسع عشر والعشرين انتهت بين عامي 1916 /1922م وظلت مناوشات في بحر أيجة والجزر المتنازع علي الحدود البحرية بينهم وقد دخلت تركيا في صراع أخر مع اليونان عام 1974في الصراع بين القبارصة الأتراك واليونانيين في جزيرة قبرص

رغم تصريحات هنا وهناك عن عودة العلاقات المصرية التركية ؛ هل هناك حقائق تغيرت علي أرض الواقع مثل تقسيم الحدود البحرية التركية مع ليبيا التي تعود لصالح مصر وإعادة حق مصر في المياة الاقتصادية التي تتنازع مصر عليها مع اليونان .هل تركيا هي المركز الاساسي لمشروع جعل مصر المركز الاقليمي للغاز في شرق المتوسط الي اوروبا . وهل أتفاق إسرائيل واليونان وقبرص علي جعل السواحل الإسرائيل هي مركز التجميع ومد خط الي اوروبا .وسحب المشروع من مصر هي طعنه في ظهر مصر .جعل مصر تعيد حساباتها بعد تسريب معلومات الي جهات صحفية عن تقارب جاء بعد لقاء سري في روما بين مسئولي رفيع بين البلدين هناك أجهزة ومراكز معلومات جغرافية مصرية تؤيد النظرية التركية في التقسيم لصالح مصر بالنسبة للقرائن الجعرافية (الجرف القاري )بالنسبة للجزر اليونانية والارخبيل نصحت الرئاسة في مصر، بالتقارب وفتح قنوات دبلوماسية بين البلدين، حتي في عودة العلاقات ستظل مكسورة بسبب تعمق خطوط الصدع الجيوسياسية.

إن الصراع السياسي بين أردوغان والسيسي شخصي

بدأت جذور عداوتهما مع الربيع العربي الذي اندلعت شرارته في 2011. وبعد تولي السيسي السلطة، أصبح أردوغان مستاءا من رفض الغرب إدانة أفعاله. وتعمق هذا العداء بعد أن تحدث القادة السياسيون الغربيون عن دعمهم لاحتجاجات منتزه غيزي في 2013 في تركيا التي تزامنت مع رحيل حكم الاخوان في مصر وبلغ غضب أردوغان من الغرب ابعادا اكبر بعد محاولة الانقلاب في تركيا في 2016 التي قوبلت بإدانة متواضعة، مما أدى إلى تغذية فكرة أن الولايات المتحدة وأوروبا أرادت رؤيته يسقط كما سقط حكم الاخوان ورحيل مرسي قبل ثلاث سنوات من أنقلاب تركيا

كما تدهورت العلاقات الدبلوماسية بين مصر وتركيا أكثر بعد الانقلاب الفاشل. ودعم السيسي خصمي تركيا، السعودية والإمارات، في مقاطعتهما لقطر في 2017 وعارض مطالبات أنقرة البحرية في شرق البحر المتوسط ​​ووقع اتفاقا حدوديا مع اليونان. ويدعم البلدان الطرفين المتصارعين في ليبيا وكادا أن يتورّطا في مواجهة مباشرة الصيف الماضي عندما هدد السيسي بالتدخل عسكريا في حال استمرت حكومة الوفاق الوطني الليبية المدعومة من الجيش التركي في شن هجمات بالقرب من الحدود المصرية.

كما اقتربت مصر من فرنسا واليونان، اللتين عارضتا سياسات أردوغان في ليبيا وشرق البحر المتوسط بشدة. وتعقدت الديناميكيات بين تركيا ومصر والقوى الإقليمية الأخرى وبعد وصول الرئيس" جو بايدن" إلى السلطة. فقد انتقد (بايدن) كل من أردوغان والسيسي لسلوكهما الاستبدادي، ووعدت إدارته بجعل حقوق الإنسان ركيزة مهمة في جدول أعمالها.إن الولايات المتحدة انحازت ضد تركيا في النزاعات الإقليمية في كثير من الأحيان، وإن عداء أنقرة لمصر لن يفيدها في واشنطن. وأن تركيا وضعت نفسها ضد جميع شركاء أميركا وحلفائها في الشرق الأوسط، معتبرا هذه النقطة من أبرز المشاكل التي تواجه العلاقات الأميركية التركية.

كانت اللامبالاة الأميركية تجاه تركيا قائمة خلال عهد ترامب، بالإضافة إلى العلاقات الشخصية الدافئة بين الرئيس الأميركي السابق وأردوغان. كما تودد ترامب إلى السيسي وتبنت الولايات المتحدة سياسات ووجهات نظر تتعارض مع المصالح التركية في المنطقة. على سبيل المثال، رفعت واشنطن العام الماضي حظر توريد الأسلحة إلى قبرص واتهمت تركيا بتقويض الناتو من خلال نزاعاتها الإقليمية مع اليونان.

بالنسبة لتركيا، يرى العض أن صراعاتها السياسية مع مصر والآخرين لا يمكن أن تتجاوزهذا الحد. وانتشرت شائعات منذ أشهر عن اهتمام تركيا بإصلاح العلاقات مع القاهرة. ففي الشهر الماضي، وصف وزير الخارجية" مولود جاويش أوغلو "العلاقات الثنائية بشكل إيجابي. ومع ذلك، لن تكون الكلمات كافية للتغلب على المستويات العميقة من انعدام الثقة بين تركيا ومصر إن التباعد من المرجح أن يستمر أيا كان الرئيس حتى لو قرر السيسي وأردوغان دفن الأحقاد، وحتى لو وصلت حكومات جديدة إلى السلطة، سيكون إنهاء النزاع صعبا".فبسبب اكتشاف الثروات في منطقة شرق المتوسط بكميات هائلة، وبسبب تداخل الحدود البحرية لدول المنطقة وتنازعهم حول تحديد تلك الحدود لتحديد نصيب كل دولة من تلك الثروة إضافة لوجود صراعات أقدم من الصراع على تلك الثروة في منطقة شرق مثل الصراع التركي اليوناني، والصراع العربي الإسرائيلي، والصراع التركي القبرصي، إضافة لوجود بعض الدول لم توقع على قانون البحار مثل تركيا، والبرلمان اللبناني كل ذلك أدى لتزايد حدة الصراع في منطقة شرق المتوسط وأدى لزيادة نطاق الصراع في تلك المنطقة الذي ينذر بعواقب وخيمة إن لم يتم الاتفاق بالطرق السلمية حول تحديد الحدود البحرية بين دول تلك المنطقة وذلك لتحديد ثرواتها بشكل يقبله جميع الأطراف المعنيين بما لا يؤثر على الاستفادة من موارد منطقة شرق المتوسط، والاكتشافات السابق ذكرها في منطقة المتوسط لم تكسب المنطقة أهمية لدى الدول المطلة عليها فقط بل أكسبتها أهمية لأطراف دولية أخرى مثل الاتحاد الأوروبي الذي يعتمد بشكل كبير على روسيا لتزويده بالغاز الطبيعي، فالاتحاد الأوروبي وجد من غاز شرق المتوسط المكتشف حديثا فرصة لتنويع مصادر الغاز الطبيعي التي تأتي إليه من الخارج وهو أمر خطير بالنسبة لروسيا التي تعتبر من أكبر مصدرين الغاز الطبيعي لأوروبا بما يجعلها تستخدم الغاز الطبيعي كورقة ضغط في مواجهة الاتحاد الأوروبي في بعض الملفات وعلى ذلك زادت أهمية منطقة شرق المتوسط بالنسبة لكلا من روسيا والتي تسعى للاستثمار في منطقة شرق المتوسط للاستفادة هي الأخرى من غاز شرق المتوسط، والاتحاد الأوروبي الذي يسعى لتنويع صادراته من الغاز الطبيعي ليتلافى الضغط الروسي ليظهر ملف سد النهضة .من صراع أخر من الصراعات التي تنذر بالحروب القادمة .التي تهدد السلم العالمي ..

 

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري وباحث في الجغرافيا السياسية

 

كريم المظفر(من حبك لاشاك)، ولغير العارفين باللهجة العراقية، نوضح ما يعني هذا المثل، هو (من يحبك بيتحركش فيك، او يتحرش فيك)، ولا ندري لماذا نستذكر هذا المثل الشعبي العراقي المشهور، ونحن نراقب خطوات الرئيس الأمريكي جو بايدن، وعلاقته بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ونحن نستقرأ العلاقة بين الرئيسين، فكل واحد منهما يعرف الاخر، ويفهمون بعضهما البعض حتى بدون الكلام او بمجرد النظر في عيون بعضهما البعض .

واليوم نستذكر ما شهده العالم  الشهر الماضي من تصريحات "فظة" للرئيس الأمريكي، والتي وصف فيها نظيره الروسي (بالقاتل الذي سيدفع الثمن)، وان كان هذا القول وبحسب معظم المراقبين  لا يمت للحقيقة بصلة، وان عبارة (القاتل) لا تستند الى اية وقائع حقيقية، ما دفع  بالرئيس الروسي بمخاطبة نظيره الأمريكي (الله يشفيك)، ولم تمض على هذه الكلمات سويعات حتى سقط الرئيس بايدن من سلم طائرته ثلاث مرات، برر البيت الأبيض هذا السقوط بسبب الرياح القوية التي ضربت المنطقة التي تواجدت فيها طائرة الرئيس، وليس كما قصد به  الرئيس الروسي بدعوته !!.

مرة أخرى يطلب الرئيس الأمريكي الاتصال بنظيره الروسي ويكرر دعوته السابقة لحضور "القمة المناخية" عبر نظام الفيديو كونفيرينس يومي 22 و23 أبريل الجاري، حتى برزت أسئلة كثيرة منها، كيف يتصل بايدن ببوتين مرة أخرى بعد تصريحاته تلك؟، وهل لمثل هذه القمة تسمح بمشاركة (القتلة) وفق المنظور الأمريكي؟، لذلك أحدث الاتصال الثاني تحولا كبيرا في الاحداث بين موسكو وواشنطن، والخبر الرئيسي الذي أعقب المحادثة هو أن بايدن اقترح أن يجتمع مع بوتين في الأشهر المقبلة!! اعتبرها الكثيرون مفارقة كبيرة تحتاج الى تفسير من قبل الرئيس الأمريكي، الذي على ما يبدو يعاني من العلل الذي لا يعرفه سوى الرئيس بوتين، لذلك تمنى له (بان يشفيه الله) .

وعلى الرغم من ان الكرملين اعلن أنه سيدرس اقتراح عقد القمة، والإشارة إلى أنه من السابق لأوانه الحديث عن مكان انعقاد اللقاء أو أي تفاصيل أخرى، الا ان الرئيس الأمريكي  وفي أحدث تصريحاته مصرا على عقد القمة الثنائية مع نظيره الروسي، لوقف حدة التصعيد بينهما، جاء رد وزارة الخارجية الروسية (تعقيبا على العقوبات الجديدة التي اقرها الرئيس الأمريكي في 14 ابريل الجاري ضد روسيا)، ورغم زيادة طابور الدول الراغب في استضافة القمة المثيرة للجدل في ازدياد،  فبعد اعلان يان غاماتشيك، النائب الأول لرئيس الحكومة التشيكية ووزير الخارجية بالنيابة، سفيري التشيك لدى موسكو وواشنطن بعرض عاصمة بلاده مكانا لإجراء قمة بوتين - بايدن المحتملة، أكد مكتب الرئيس الفنلندي ساولي نينيستو، استعداد فنلندا لاستضافة لقاء محتمل بين الرئيسين الروسي والأمريكي، ودخول النمسا أيضا على قائمة هذه الدول، الا ان الخارجية الروسية أعلنت " ان موضوع القمة بات موضع شك " .

المراقبون يؤكدون ان في الاتصال الثاني للرئيس الأمريكي مع نظيره الروسي، وان اختلفت البيانات في البيت الأبيض والكرملين عن المضامين الرئيسية التي تناولها هذا الاتصال بين الرئيسين منذ تولي الرئيس الأمريكي منصبه في يناير من العام الحالي، الا ان السبب الحقيقي هو وقف " الانزلاق " الذي تحذر منه موسكو في تطورات الأوضاع في الجنوب الشرقي في أوكرانيا، والذي سيعتمد على سيناريوهين.

السيناريو الأول، هو ذلك القلق من قبل الولايات المتحدة بشأن الوضع حول أوكرانيا، وخشبته من بدأ حرب روسية أوكرانية، حقيقية، وليس "مزيفة"، وهو الأمر الذي كان المروجون الأوكرانيون يصرخون بشأنه منذ سبع سنوات، وقد يبدو أنه لمنع الحرب، تحتاج واشنطن فقط إلى إصدار أوامر إلى كييف بتهدئة جيشها على خط التماس، بحيث تتوقف المدفعية الأوكرانية عن إطلاق النار على البنى التحتية المدنية، ويتوقف القناصة الأوكرانيون عن مطاردة الناس، لكن ليس كل شيء بهذه البساطة.

وعندما تكون هناك حرب، من وجهة النظر الروسية من المستحيل السيطرة الكاملة على كل وحدة قتالية، ويمكن أن تؤدي طلقة واحدة إلى اندلاع معركة خطيرة، والتي بدورها ستترتب عليها عواقب غير متوقعة، خاصة في حالة تكون فيها أعصاب الجميع على جانبي خط المواجهة في أقصى حدودها، ووفقًا لوزير الدفاع سيرغي شويغو، فان روسيا نشرت جيشين وألوية محمولة جواً على الحدود الغربية، وفي مثل هذه الحالة، يمكن إشعال النار من شرارة صغيرة،  إذا شن الجيش الأوكراني هجومًا واسع النطاق أو قصف أراضي الجمهوريتين (دونباس و لوغانسك) الغير معترف بهما، ما سيسفر عن  مئات المدنيين في وقت قصير، فمن المحتمل أن تتدخل روسيا،  إذا قام الجيش الروسي بضرب القوات المسلحة الأوكرانية بكل قوته، فإن الجنود الأوكرانيين سوف يفرون.

وهنا سيبرز سؤال مهم هل سيكون لدى الولايات المتحدة وحلفائها في الناتو خيار إرسال قواتهم لمساعدة أوكرانيا واتخاذ قرار بشأن الصدام المباشر مع روسيا ؟، أم حصر أنفسهم في الاحتجاجات وفرض عقوبات جديدة ؟،  وعلى الأرجح بالطبع، لن تجرؤ الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي على مواجهة روسيا وجهاً لوجه، فالغرب الرافض لإعطاء كييف حتى لقاحًا لمواجهة فايروس كورونا، فمن المشكوك فيه أن ترسل واشنطن وبروكسل جنودهما للموت من أجل أوكرانيا، وفي هذه الأثناء، وفي حالة حدوث هزيمة عسكرية كبيرة وإثبات أن الغرب قد تخلى عن  نازاليجنويا، فقد ينهار نظام الميدان في أوكرانيا، وهذا ليس في مصلحة واشنطن، فأوكرانيا هي منطقة جيوستراتيجية، تسمح سيطرة الولايات المتحدة عليها للبيت الأبيض بإبقاء روسيا في حالة ترقب.

وطالما أن أوكرانيا لديها أراضي زراعية وغابات، يمكن للشركات الغربية جني أموال جيدة هناك، والأهم من ذلك، إذا وقع نظام الميدان تحت ضربات الجيش الروسي، فسيكون ذلك دليلاً على أن الولايات المتحدة لا تستطيع حماية حلفائها وتوابعها، وهذا يعني أن ممثلي النخب في أوروبا وآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، الذين يركزون على الولايات المتحدة، سوف يفكرون، خاصة إذا تمت محاكمة أحد منظمي انقلاب 2014 في أوكرانيا ومعاقبته، أو سيتم إعطاء الشروط الحقيقية لأولئك السياسيين والعسكريين في أوكرانيا الذين أصدروا أوامر بقتل الناس في دونباس.

كما أن مواقف المناهضين لأمريكا والمتشككين في الاتحاد الأوروبي سوف تتعزز في الاتحاد الأوروبي، وكذلك فان الولايات المتحدة قلقة أكثر من أن سقوط أوكرانيا سيكون إشارة للصين - فقد تشدد إجراءاتها في جنوب شرق آسيا، حيث هناك نقاط ألم،  وهي جزر بحر الصين الجنوبي، تايوان، حيث تعارض الولايات المتحدة جمهورية الصين الشعبية، وأمريكا تخشى أن تعتبرها بكين ضعيفة، وسيحدث هذا حتما إذا انهار مشروع "ميدان أوكرانيا"، وفي ضوء ذلك، يحتاج بايدن إلى الحفاظ على نظام كييف، لكن دون أن يدخل الجيش الأمريكي في مواجهة مفتوحة مع النظام الروسي، ولهذا السبب اتصل بايدن ببوتين.

وشيء آخر هو ما إذا كان الرؤساء سيكونون قادرين على الاتفاق على شيء على الجانب الأوكراني دونباس؟ ومثل هذا السؤال يصعب الإجابة عليه، حيث تعتقد روسيا أن واشنطن يجب أن تحترم المصالح الوطنية للقوى الأخرى، وان وروسيا بحاجة إلى أوكرانيا صديقة أو على الأقل محايدة من أجل أمنها القومي، ويعتقد البيت الأبيض أن الولايات المتحدة فقط هي التي لديها مصالح قومية، ويجب على جميع الدول الأخرى أن تأخذ هذا كأمر مسلم به، وهذا تناقض عميق، لذلك، فإن الحد الأقصى الذي يمكن الاعتماد عليه هو "تجميد" الصراع في دونباس.

ووفقًا للسيناريو الثاني، فان بايدن على ما يبدو يحاول ان يبدأ لعبة دبلوماسية لكسب الوقت، لأنه لا يحتاج إلى لقاء مع الرئيس الروسي، ناهيك عن تحقيق أي اتفاقيات،  وتكتب قنوات  تلغرام  مجهولة الهوية الأوكرانية منذ عدة أسابيع أن الولايات المتحدة ستنشئ ثلاث قواعد عسكرية في أوكرانيا في مناطق خاركوف و دنيبروبيتروفسك وأوديسا، ولهذا، لا تحتاج أوكرانيا إلى الانضمام إلى الناتو، لكن من الضروري تغيير دستور البلاد وتوقيع اتفاقية ثنائية مع الولايات المتحدة، مع الأخذ في الاعتبار العدمية القانونية المتأصلة في الحكومة الأوكرانية، من الناحية النظرية يمكنهم القيام بذلك بسرعة، في انتهاك للإجراءات الرسمية، خاصة إذا كانت الولايات المتحدة ستضغط على النخبة السياسية.

وعندما تظهر القواعد العسكرية لحلف شمال الأطلسي في أوكرانيا، لن تتمكن روسيا بعد الآن من تقديم المساعدة الكاملة إلى دونباس: إذا شنت القوات المسلحة الأوكرانية هجومًا، فسيكون خلفها الجيش الأمريكي، ولن يدخل الاتحاد الروسي بصدام مباشر مع الولايات المتحدة، وعلى العموم، ليس من المستغرب أن نتوقع "لعبة شريرة" من الولايات المتحدة بشكل خاص ومن الغرب بشكل عام، فسبق وان وعد السياسيون الغربيون الرئيس السابق لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية ميخائيل غورباتشوف بعدم توسيع الناتو بعد توحيد جمهورية ألمانيا الديمقراطية وحكومة جمهورية ألمانيا الاتحادية، وقال رئيس الوزراء الروسي الأسبق الراحل يفغيني بريماكوف إن الغرب خدع روسيا في القضية الليبية فيما يتعلق باستخدام قرار الأمم المتحدة للأجواء المغلقة، والذي سمح لفرنسا وإيطاليا، بدعم أمريكي، بالإطاحة بالرئيس معمر القذافي، وخدع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي الرئيس الأوكراني السابق فيكتور يانوكوفيتش في فبراير 2014 بعد توقيع اتفاقية مع المعارضة، حيث عمل الوزراء كضامن، وتمت الإطاحة يانوكوفيتش، وهناك أسطورة في دونباس أنه في سبتمبر 2014، عندما كانت ميليشيات جمهورية دونيتسك الشعبية الديمقراطية على وشك الاستيلاء على ماريوبول، جرت محادثة بين القادة الروس والأمريكيين، تعهد خلالها ممثلو واشنطن بأن أوكرانيا ستقدم تنازلات سياسية فيما يتعلق دونباس،  إذا ظلت ماريوبول تحت سيطرة كييف، ولم يتم الاستيلاء على المدينة، ولم تقدم أوكرانيا أي تنازلات.

من ناحية أخرى، هذه النظرية بها العديد من نقاط الضعف، فالتعديلات على دستور أوكرانيا، وتجهيز القواعد، ونقل القوات الأمريكية إلى إقليم نازاليجنوي  - كل هذا لا يمكن القيام به بشكل غير محسوس، لا سيما بالنظر إلى حدة الصراع السياسي داخل النخبة الأوكرانية نفسها،  بالإضافة إلى ذلك، فإن مثل هذه "اللعبة" من قبل البيت الأبيض قد تدفع روسيا إلى اتخاذ إجراءات أكثر حسماً فيما يتعلق بالاعتراف بجمهوريات دونباس، أو ربما فيما يتعلق بأوكرانيا، لأن ظهور قاعدة عسكرية أمريكية في منطقة خاركوف، بالقرب من حدود الاتحاد الروسي، يشكل تهديدًا مباشرًا لأمن البلاد، ومع ذلك، لا ينبغي استبعاد هذه النظرية، فلدى كل من الأمريكيين ونخبة الميدان الأوكرانية شعور بتفوقهم - فهم يعتبرون أنفسهم أذكى من الآخرين، لذلك لا يمكن استبعاد أن دعوة بايدن هي بداية خطوة متعددة، مهمتها خداع روسيا ومسح دونباس من على وجه الأرض.

لقد أصبحت المكالمة الهاتفية التي كانت بمبادرة من الولايات المتحدة، هي الحدث الذي استعرضت روسيا قبضتها  العسكرية الخطيرة لدرجة أنها جعلت بايدن يتصل بالكرملين، وواقعة أن هذا الاتصال يشير إلى أن موسكو نجحت في تحقيق أهدافها، فمن خلال نقل قواتها إلى الحدود الغربية، استعرضت روسيا قبضة عسكرية خطيرة لا يمكن تجاهلها، ولو جرى استخدامها، لكانت قد أدت إلى سحق القوات المسلحة الأوكرانية، ولما كان لدى أحد الوقت لمساعدتها، لذلك فان الرئيس الأمريكي  فضل (ملاشاة) نظيره الروسي، وهنا (الملاشاة او الحركشة) لا تدخل في اطار الحب او الود الذي يكنه بايدن لنظيره الروسي، بل انها  تدخل في مفهوم ان الرئيس بوتين يفهم أمريكا جيدا وانها لا تفهم بالتصريحات الدبلوماسية، وإنما باستعراض القوة .. أذن فواقعة الاتصالات الهاتفية هي محاولة لإزالة التوتر الرمزي المرتبط بتصريحات بايدن الفظة او بقراراته تجاه روسيا، ويمكن تأويل الاتصال كشكل من أشكال الاعتذار من الولايات المتحدة، ولكن من المستبعد أن يحلو لكييف الرسمية مثل هذا الاتصال، ومع ذلك، في لعبة العمالقة الجيوسياسيين، لا مكان للقيادة الأوكرانية في أي قرار.

 

بقلم: د. كريم المظفر

 

 

عبد الحسين شعبانهل يُعتبر الحشد العسكري الروسي على الحدود الأوكرانية استعراضاً للقوة أمام إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن أم محاولة لتكرار السيناريو الجورجي؟ سؤال ما زالت الدبلوماسية الدولية تبحث عن جواب له لدى الولايات المتحدة والإتّحاد الأوروبي، وهو يأتي في ظلّ استمرار نظام العقوبات ضدّ روسيا بسبب سياساتها في دول الجوار، ولا سيّما بيلاروسيا (روسيا البيضاء) وأوكرانيا، ناهيك عن التعامل مع المعارض الروسي أليكسي نافالني، أو على الصعيد الدولي في ما يتعلّق بـ الجبهة السورية تحديداً، وفي جبهة ليبيا أيضاً، وزاد الطين بلّة تجميع قوات عسكرية في مدينة فورونيغ على الحدود الأوكرانية، الأمر الذي أثار قلقاً كبيراً لدى الأوكرانيين وتساؤلات أمريكية وأوروبية مريبة عن الأهداف التي تسعى إليها موسكو من هذا التحشيد غير المسبوق.

و ذكرت جين ساكي المتحدّثة بإسم البيت الأبيض أنّ عدد القوات الروسية على الحدود مع أوكرانيا هو أكبر من أي وقت مضى، بما فيها في العام 2014، في إشارة إلى ضمّ روسيا شبه جزيرة القرم إليها، وهي غالبية سكانّها من الروس في استفتاء نظمّته بعد السيطرة عليها، بدعوى تاريخية أنّ خروشوف (الأمين العام للحزب الشيوعي السوفياتي حينها)، هو من قام بإهدائها إلى أوكرانيا لتعزيز الوحدة الروسية - الأوكرانية، علماً بأن شبه جزيرة القرم منطقة استراتيجية بين البحر الأسود وبحر آزوف، وتنافست عليها في أواسط القرن التاسع عشر دولاً مثل بريطانيا وفرنسا للحدّ من طموحات روسيا في بلاد البلقان، واندلعت فيها حرب القرم، مثلما دارت فيها معارك طاحنة في الحرب العالمية الثانية ، ولا سيّما في مدينة سواستابول، ضدّ الغزاة الألمان، وكان الشاعر الجواهري قد نظم قصيدة يُمجّد بسالتها في العام 1943.

ومع أجواء التوتّر هذه، أعلنت تركيا أنّ واشنطن أرسلت سفينتين حربيتين إلى البحر الأسود عبر البوسفور، وهذا يعني أنّ الأمور تُنذر بما هو أشدّ وأسوأ، لا سيّما وأنّ كييف تتّهم المجموعات الموالية لـ موسكو بخرق وقف إطلاق النار واتفاق السلام بينها وبين هذه المجموعات، والتي تمّ التوقيع عليها في العام 2015.

وكان الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي قد دعا حلف الناتو إلى وضع خطّة لإنضمام أوكرانيا إليه، وهو ما تعارضه موسكو بشدّة وتعتبره عملاً عدائياً موّجهاً ضدّها، وقام عقب ذلك بيومين (8 نيسان/أبريل الجاري)، بزيارة شرق البلاد لتفقّد قوات الجيش على الجبهة  وقالت موسكو على لسان المتحدّث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، أنّ الوضع مضطرب وغير مسبوق في إقليم دونباس، وإنّها ستتّخذ خطوات لحماية المدنيّين في حالة نشوب أي قتال شرقي أوكرانيا. وإذا ما اندلعت المواجهة، فهذا يعني إنفجار الأزمة بين موسكو من جهة وواشنطن وحلف الناتو من جهة أخرى، وسيكون الأمر امتحاناً جديداً لمستقبل علاقة روسيا بالغرب.

إنّ التحركات الروسية الأخيرة هي رسالة شديدة اللهجة إلى كييف، والتاريخ قد يُعيد نفسه، ففي العام 2008 في إقليم أوسيتيا الجنوبية في جورجيا، كان السيناريو ذاته كما تقول روسيا بأنّها اكتشفت استعدادات جورجية لإجتياح أوسيتيا الجنوبية، حيث تتمركز قوات حفظ السلام الروسية، والتبرير ذاته أنّ الرئيس الجورجي حينها ميخائيل ساكاشفيلي لقي وعوداً من واشنطن بدعمه، وهو الأمر ذاته الذي يتكرّر اليوم بشأن دعم الناتو وواشنطن لأوكرانيا، وحيث تحتفظ القوات الروسية بحشد على الحدود في إطار مناورات عسكرية، فإنّها يُمكن استخدامها بصورة عاجلة في حالة حدوث أي اختلال في المستوى الميداني، في سيناريو مشابه للسيناريو الروسي في جورجيا.

فهل تستمرّ كرة الثلج بالتدحرج مرّة أخرى في أوكرانيا مثلما تدحرجت في جورجيا؟ وما يلفت النظر أنّ العقيد بريتاني ستيورات كان على رأس وفد أمريكي في زيارة لإقليم دونباس، وكان يرتدي بدلة عليها شارة تتضمّن صورة جمجمة وعبارة "أوكرانيا أو الموت"، وهي لأحد ألوية الجيش الأوكراني، الأمر الذي يحمل رسائل عديدة إلى موسكو، فهل ستكون أوكرانيا بؤرة توتّر لحرب كونيّة بين واشنطن وموسكو؟

إنّ اقتراب كييف من الناتو، كان أحد الأسباب المباشرة لوضع روسيا يدها على شبه جزيرة القرم في العام 2014 ، والتي تعتبرها جزءًا من مجالها الحيوي على الرغم من كونها "دولة مستقلّة" منذ العام 1919، لكنّ موسكو بعد تأسيس الإتحاد السوفياتي في العام 1922، اعتبرت الدول التي انضمّت إليها "محدودة السيادة"، وهي اليوم تعارض إقامة علاقات مع خصومها كي لا تكون خنجراً في خاصرتها.

فهل ستزيد بروكسل عقوباتها على موسكو أكثر من العام 2014، والتي لم تنفع معها إعادة القديم إلى قدمه في أوكرانيا؟ وقبل ذلك في العام 2008 في السيناريو الجورجي؟ وحتى لو أكّد وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن على دعم الولايات المتحدّة الثّابت لسيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها؟ ولكن ماذا ستفعل على الأرض عملياً وكيف سيتمّ ترجمة ذلك في ظلّ الترسانة النووية الروسية؟ هل بإرسال مساعدات وأسلحة لدفع أوكرانيا إلى الحرب؟ أم ستكون النتيجة تكرار السيناريو الجورجي في أوكرانيا؟

 

عبد الحسين شعبان

 

 

عامر صالحفي العراق وما بعد عام 2003 أي بعد سقوط الدكتاتورية بآلية الاحتلال الأمريكي حيث أسس نظاما سياسيا قائم على المحاصصة السياسية العرقية أخل بأنتاج نظام سياسي قائم على اساس الحكم والمعارضة ورفع شعار " الجميع يحكم " ويتقاسم كعكة المحاصصة أو العراق الغنيمة، وهكذا نشأ نظام سياسي شاذ عن اصول اللعبة الديمقراطية يتقاسم مغانم السلطة ويعيد انتاج نفسه عبر انتخابات برلمانية طال الشك بمصداقيتها في كل الدورات الانتخابية وتوجتها سوءا وعدم شرعية الانتخابات البرلمانية الأخيرة من ضعف المشاركة في الانتخابات الى التزوير وحرق صناديق الاقتراع.

جميع القوى السياسية العراقية وخاصة الطائفية منها غير المؤمنة بالديمقراطية اصلا والتي وجدت في تلك البيئة السياسية المريضة ملاذا لاعادة انتاج نفسها عبر الترهيب والترغيب والتحايل، هذه القوى مجتمعة وجدت نفسها في سلة الحكم والمغريات السلطوية وتقاسم النفوذ، اما معارضتها المفتعلة فهي جزء من اساليبها لامتصاص نقمة الشارع الغاضب وغير المتسامح مع الفساد مستندة تلك القوى الى جمهور قطيعي غير معارض بالمعنى السياسي وممتثل لأوامر مرجعيته، فتراه مرة ممتعض منتفض وتارة أخرى خانع مستكن ينتظر نتائج الصفقات الطائفية والأثنية لكي يتلقى الأشارة بالهدوء المؤقت بأنتطار الحصول على المزيد من الغنائم وليست الحقوق المشروعة.

في التاسع من نيسان/ أبريل عام 2003 ، أطاح جنود ألأمريكان بتمثال رأس النظام السابق في بغداد. وبعد مرور ثمانية عشر عاماً، تبين أن الحرب، التي كلفت مئات الآف الضحايا، وأوقعت الشرق الأوسط في حالة من الفوضى "بنيت على أكاذيب أمتلاك النظام السابق لأسلحة الدمار الشامل". لم يستغرق الأمر أكثر من ثلاثة أسابيع على بدء الغزو الأمريكي للعراق، ليظهر مشهد الإطاحة بتمثال صدام حسين في بغداد عبر ملايين الشاشات حول العالم. ودخلت هذه الصورة في الـتاسع من نيسان /أبريل من عام 2003 الى الذاكرة الجماعية. لكن حتى بعد مرور ثمانية عشر عاما عليها، لا تزال هناك العديد من الأسئلة المفتوحة. أولها هو السؤال عن عدد ضحايا حرب العراق عام 2003 والفوضى العارمة التي تلت ذلك بين السكان المحليين. إذ تتحدث معظم التقديرات عن عدد ضحايا يتراوح بين 150 ألف ونصف مليون قتيل. حتى أن بعض الأبحاث الجادة تحدثت عن أرقام أعلى بكثير من هذه الأرقام، إذ سجلت المجلة الطبية الأقدم والأشهر في العالم "لانسيت" في عام 2006 عدد وفيات إضافية تجاوز الـ 650 ألف حالة وفاة. وذلك بالإضافة إلى ضحايا العنف، تم الأخذ بعين الاعتبار أيضاً ضحايا عواقب البنية التحتية المدمرة ونظام الرعاية الصحي المتهالك في البلاد.

ومن الطبيعي أن تكون حصيلة تلك الظروف والتحد يات تعثر في مسارات التنمية بعد أن شهد المجتمع العراقي التدهو والشلل التام في جميع المستويات: الفرد، المؤسسات والمجتمع. فعلى مستوى الفرد أدت إلى شيوع حالة من التوتر والصراع الداخلي، و الى الأحساس بالأحباط وعدم الرضا، وفي إقامة علاقات ذات مضامين نفعية ضيقة، والفشل في أداء الدور على النحو المرسوم اجتماعيا. أما على المستوى المجتمعي، فأدت إلى ظهور مشكلات اجتماعية وسلوكية معقدة، في مقد متها توقف عملية التنمية، وانهيار المؤسسات الأجتماعية، وضيق فرص العمل، وتدهور أوضاع الأسرة، وتراجع النظام التعليمي والصحي والخدماتي بصورة عامة، وضعف وسائل الضبط الأجتماعي الرسمية وغير الرسمية، مما فسح المجال واسعا لشتى أشكال العنف والأرهاب والجريمة، وتعاظم أعداد العاطلين والمشردين والمهجرين وأطفال الشوارع، والمتسولين والمرضى والمعوقين، وغير ذلك من الفئات المهمشة ذات القدرات المتدنية التي غالبا ما تفشل في مواجهة تيارات الحياة فتضطر للبقاء في قاع المجتمع خارج الشعور بالأنتماء والمواطنة، كما أدت هذه الاوضاع الى استشراء فئات من المضاربين والسماسرة والمحتالين والطفيلين" من داخل السلطة السياسية ومن خارجها أو بتواطئ منها " الى جانب الصور المتعددة للجريمة المنظمة، من تعاطي المخدرات، والعنف والارهاب، والفساد الاداري والمالي والسياسي والهدر العلمي والمعرفي وغيرها.

لم يكن سقوط النظام الدكتاتوري نتاج لتفاعلات داخلية ذاتية في مؤسسة النظام، رغم أن النظام كان يمر بأزمة اقتصادية وسياسية واجتماعية خانقة تؤهله للسقوط وعدم البقاء، ولكن القمع والأضطهاد السياسي أضعف القدرات الموضوعية المتمثلة بالقوى المعارضة له مما جعلها غير قادرة أن تتصدر عملية اسقاطه، وجعلها لاحقا متخلفة عن احتواء الفراغ السياسي الذي نتج بعد اسقاطه من خلال القوى العالمية العسكرية بقيادة أمريكا. وكان الفراغ السياسي بعد سقوط النظام ذو شقين، أولهما جماهيري سياسي حيث لا تمتلك القوى السياسية قاعدة شعبية منظمة كافية ومعبئة لكي يؤهلها لقيادة التغير، والشق الآخر هو فكري ايديولجي حيث ان اغلب القوى السياسية التي شغلت الفراغ بعد سقوط النظام لا تمتلك مشروعا وطنيا واضحا ينقذ العراق ويشكل بديلا صالحا عن النظام السابق المنهار، فحل البديل السياسي المحصصاتي الطائفي والأثني المدعي للمظلومية التاريخية والقائم على ردود الأفعال والبعيد عن سنة الصراع الاجتماعي وقوانينه، وقد لقي هذا البديل الدعم الكامل من قوى الاحتلال الامريكي ومتناغما مع اجندته في أضعاف العراق كقدرات ذاتية.

أن تجربة ثمانية عشر عاما من الزمن في الاخفاق المزمن للمطاليب العادلة لشعبنا تعكس بشكل واضح انها ازمة نظام متآكل وليست أزمة تلبية خدمات عامة كان يفترض على النظام تلبيتها في السنوات الأولى من الحكم، أنها أزمة فساد نظام الحكم المتهرئ الذي لا يمتلك أي شرعية للبقاء، وأن شعارات اهلنا في المحافظات المنتفضة في الاستجابة الى المطالب الاساسية ما هي إلا مدخل للمطالبة بتغير النظام المحصصاتي، واهلنا هناك يعرفون تماما فلا كهرباء تأتي ولا ماء صافي سيشرب في ظل نظام معوق وكسيح لا يستطيع تقديم الحد الادنى من مسلمات الحاجات الانسانية، في ظل نظام فاسد لا يتورع عن سرقة لقمة العيش.

أن ما تعرضه منظمة هيومن رايتس ووتش والمعنية بحقوق الأنسان يجسد جزء من مأساة الشعب العراقي خلال ما يقارب اكثرمن عقد والنصف عاما الماضية، والتي من خلالها على الأقل لايمكن القبول بالعملية السياسية وبأحزابها الفاسدة التي اسهمت بتبديد الثروات الطبيعيةة منها والبشرية، وتؤكد المنظمة: أن هناك ثلاثة ملايين وأربعمائة ألف مهجر موزعون على أربع وستين دولة. أربعة ملايين ومائة ألف نازح داخل العراق. مليون وسبعمائة ألف يعيشون في مخيمات مختلفة. خمسة ملايين وستمائة ألف يتيم" تتراوح اعمارهم ما بين شهر و17 عام ". مليونا أرملة" اعمارهن ما بين 15 و25 عاما". ستة ملايين عراقي لا يجيدون القراءة والكتابة" تتصدرهم البصرة وبغداد والنجف وواسط والأنبار ".بلغت نسبة البطالة 31%" الأنبار والمثنى وديالى وبابل في الصدارة تليها بغداد وكربلاء ونينوى". 35% من العراقيين تحت خط الفقر" اقل من خمسة دولارات". 6% معدل تعاطي الحشيش والمواد المخدرة" بغداد في الصدارة تليها البصرة والنجف وديالى وبابل وواسط". 9% نسبة عمالة الأطفال دون 15 عاما. انتشار 39 مرضا ووباء، أبرزها الكوليرا وشلل الأطفال والكبد الفيروسي وارتفاع نسبة الأصابة بالسرطان والتشوهات الخلقية. توقف 13 ألف و328 معملا ومصنعا ومؤسسة انتاجية. تراجع مساحة الأراضي المزروعة من 48 مليون دونم الى 12 مليون دونم. استيراد. استيراد 75% من المواد الغذائية و 91% من المواد الأخرى. التعليم الأساسي في أسوأ حالاته: 14 ألف و658 مدرسة، تسعة آلاف منها متضررة، و800 طينية، والحاجة الى 11 ألف مدرسة جديدة. الديون العراقية 124 مليار دولار من 29 دولة. واردات النفط للفترة 2003ـ2017 بلغت ألف واربعمائة مليار دولار، لم تسهم هذه الاموال الطائلة في حل مشكلات الحياة الاساسية، بل ذهب معظمها في عمليات الفساد ونهب المال العام.

 

وقد قدم شعبنا في  الاحتجاجات التي اندلعت في اكتوبر عام 2019 ما لا يمكن توقعه في حراك سلمي مشروع بعرف القيم الانسانية او كما يرد في دستور العراق الذي يكفل حق التظاهر والاحتجاج والتعبير عن الرأي، وقد بلغ شهداء الأحتجاجات اكثر من 750 شهيدا وما يقارب من 30 ألف جريح، من بينهم اكثر من 700 اعاقة منتهية، وكذلك اكثر من 2000 معتقل. وقد استندت السلطات الحاكمة الى اعتمادها القمع الدموي الى افتعال " نظرية المؤامرة " التي تستهدف العراق كما ترويه السلطة الحاكمة، وهي تعرف تماما ان سيادة العراق منتهكة من دول الأقليم وأمريكا، وقد مارست السلطة في سلوكها اسقاطا سيكولوجيا لاحدود له في تحميل المحتجين عيوب النظام وامراضه المزمنة، فتوغلت في القتل والتصفيات الجسدية وممارسة شتى صنوف العنف واساليبه اللأانسانية.

لقد تأكد للجميع أن نظام المحاصصة الطائفية والعرقية خلال 18 عاما وما أنتجه من تعصب أعمى، ومنذ ولادته بعد 2003 لحد اليوم كان عائقا ومعطلا للعملية السياسية، حيث حلت في الممارسة العملية الانتماءات الضيقة محل " علم السياسة " لإدارة شؤون البلاد، مما جعل من أحزاب الطوائف والأعراق أمكنة للحشود البشرية وليست أمكنة لانتقاء وتدريب النخب السياسية لقيادة البلاد، وكأنها تعمل على قاعدة أن الحزب يساوي كل أبناء الطائفة أو العرق بما فيها من خيرين وأشرار، وتحولت إلى أمكنة للاحتماء بدلا من الاحتماء بالدولة والقضاء كمقومات للدولة العصرية، مما فوت الفرصة على الانتقاء والفرز على أساس الكفاءة السياسية والنزاهة، وليست لاعتبارات لا صلة لها ببناء دولة المواطنة، أنه سلوك يؤسس لمختلف الاختراقات السياسية والأمنية وشتى ألوان الاندساس.

كما أن نظام المحاصصة عرقل ويعرقل جهود أي تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة تقوم على منجزات العلوم الاقتصادية والاجتماعية ومنجزات التقدم التقني والتكنولوجي، وذلك من خلال إسناد المواقع الحساسة والمفصلية في الاقتصاد والدولة إلى رموز تنتمي طائفيا أو عرقيا ولا تنتمي إلى الكفاءات الوطنية أو التكنوقراط ولا تستند إلى انتقاء المواهب والقابليات الخاصة لإدارة الاقتصاد، بل حصرها بأفراد الطائفة أو إلى توافق من هذا النوع بين هذه الطائفة أو تلك، أن هذه السياسة لا تؤسس إلى تنمية شاملة، بل تؤسس إلى " إفساد للتنمية "، وقد عززت هذه السياسات من استفحال الفساد بمختلف مظاهره من سرقات وهدر للمال العام ومحسوبية ومنسوبيه وحتى الفساد الأخلاقي بواجهات دينية مزيفة لا صلة لها بالدين الحنيف، والأسوأ من ذلك حصر الامتيازات في دعاة كبار رجال الطائفة أو الحزب أو العرق وترك السواد الأعظم في فقر مدقع، أن أدعاء الطائفية والعرقية لتحقيق العدالة الاجتماعية هو ادعاء باطل، وان الفقر وعدم الاستقرار والقلق على المستقبل يلف الجميع باختلاف دينه ومذهبه وطائفته وعرقه.

لقد أخلت سياسة المحاصصة بالسلم الاجتماعي وأضعفت الشعور بالوحدة الوطنية والتكافل الاجتماعي من خلال خلق التكتلات والشللية السياسية والاجتماعية على أسس طائفية وعنصرية مما يعزز بمرور الوقت حالات الاحتقان والفتنة الاجتماعية، فيتحول الصراع السياسي وغير السياسي إلى صراعات طائفية وعرقية لا حصر لها، أنها عملية استنفار للاشعور الجمعي لأفراد الطوائف والأعراق، وحتى لأتفه الأسباب، وهناك فرق جوهري بين حقك المشروع في الانتماء إلى دين أو طائفة أو عرق أو قومية ما وبين أن تبني دولة تضم مختلف الأديان والأعراق .

اليوم نحن في العراق أمام واقع استطاع فيه الاسلام السياسي والقوى االسياسية الأثنية ان تنخر العملية السياسية وتشيع الفساد الاداري والمالي في كل مستوياته وتسعى جاهدة لتعزيز الخراب في ما تم تخريبه وتتشبث في البقاء، وقد استفادت من لحظات انفعالات شعببنا بعد سقوط الدكتاتورية لكي يستثمر انفعالات شعبنا في وجهة اضطرابية مرضية صوب التعبئة الانفعالية الحشدية من خلال تحويلها الى قطعان في كل المناسبات الانتخابية منها وغير الانتخابية.

اليوم شعبنا امام مسؤولية تاريخية لأنتاج قوى سياسية قادرة على انتشال ما تبقى من العراق من امكانيات وقدرات ذاتية لأعادة بنائه على اسس من الديمقراطية الحق والتداول السلمي للسلطة، وبالتأكيد انها مهمة ليست سهلة في ظل ظروف سائدة مخيفة تهدد مستقبل العراق حيث فوضى السلاح والمليشيات المنفلتة وقطاعي الطرق، وقتلة المتظاهرين لازالوا احرار طلقاء، وضعف تطبيق القانون واستشراس قوى الدولة العميقة وفي مقدمتها قوى الأحزاب المسلحة التي تستنفر قواها للأستحواذ مجددا على البرلمان عبر اعادة انتاج حجمها اضعافا في الانتخابات القادمة، انها مهمة عسيرة لشعبنا في الخلاص من قوى المحاصصة، ولكن التنظيم ورص الصفوف ووحدة الخطاب قد تمهد لملامح تغير قادم ولعل ذلك يشكل بداية لأزالة اثار الاحتلال وتداعياته ويشكل مدخلا للعراق في بناء علاقات متوازنة وكفوءة مع العالم الخارجي بعيدا عن الضغوطات الأقليمية، الى جانب اعادة انتاج الخطاب الوطني الجامع لوحدة العراقيين.

 

د.عامر صالح

 

عزام محمد مكي خمسة لقاحات والعدد في تزايد*

بقلم: هيلين يافي**

ترجمة: عزام محمد مكي


 في 23 مارس 2021، قال رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون لمجموعة من النواب المحافظين الغير قياديين: "ان نجاحنا في انجاز اللقاح ايها الاصدقاء، يعود لسببين: هما الرأسمالية، والجشع . ''  كان جونسون يوضح العقيدة القائلة بأن السعي وراء الربح الخاص من خلال الأسواق الرأسمالية الحرة يؤدي إلى نتائج فعالة. لكن في الواقع، فإن إنجازات بريطانيا في تطوير لقاح أكسفورد أسترا زينيكا وفي إطلاق التطعيم الوطني لها علاقة بالاستثمارات الحكومية أكثر من آلية السوق.  لقد دعمت الأموال الحكومية تطوير اللقاح في جامعة أكسفورد، وان الخدمة الصحية الوطنية (NHS) والتي تمولها الدولة هي التي نفذت برنامج التطعيم.  ولكن جونسن لم يعترف، بإنه وبسبب الرأسمالية والجشع، اصبحت بريطانيا الآن خامس أسوأ معدل وفيات لـ (Covid-19) في العالم مع أكثر من 126500 حالة وفاة (حوالي1,857 لكل مليون شخص من السكان).

رفضت الحكومة البريطانية، مثل معظم الأنظمة الليبرالية الجديدة، اتخاذ التدابير اللازمة لإبطاء ووقف انتقال العدوى في المجتمع، وفشلت في وقت مبكر في تزويد العاملين في  الرعاية الصحية و في مجال الرعاية الاجتماعية بمعدات الوقاية الشخصية الكافية والموارد الأخرى التي كان من الممكن أن تنقذ حياة المئات من العاملين في الخطوط الامامية من الذين فقدوا حياتهم كنتيجة لذلك.  لقد تعاقدت الحكومة مع شركات خاصة لتنفيذ أنشطة أساسية، مع خبرة قليلة أو معدومة في معظمها، على سبيل المثال، بدلاً من تجهيز نظام الممارس العام (طبيب العائلة) االقائم على المجتمع المحلي والتابع  للخدمة الصحية الوطنية (NHS) لتولي مسؤولية نظام " التتبع والتعقب ''، خصصت الحكومة 37 مليار جنيهًا إسترلينيًا لشركة (Serco) لإدارة جزء من هذا النظام.  لقد كانت كارثية من منظور الصحة العامة؛ ولكن بالقياس إلى معايير بوريس جونسون الشهيرة للرأسمالية والجشع، تم اعتبارها متميزة بالفعل.  وكانت الشركات الخاصة هي من أكبر المستفيدين من استجابة بريطانيا للوباء، محققة أرباحًا ضخمة.  ان الاجور التي يحصل عليها حوالي 2500 مستشارًا من شركات (Accenture) و ( Deloitte) و (McKinsey) هي بمتوسط يومي يبلغ 1000 جنيه إسترليني، وبعضهم يحصل على 6624 جنيهًا إسترلينيًا في اليوم.

لقد وضع جونسون الآن خارطة طريق لإعادة فتح الاقتصاد.  نتيجة لذلك، يتوقع حتى السيناريو الأكثر تفاؤلاً موجة ثالثة بين سبتمبر 2021 ويناير 2022 تؤدي إلى ما لا يقل عن 30 ألف حالة وفاة إضافية في بريطانيا. هذه الوفيات يمكن منعها. ولكن، وتحديدا كون إن الحكومة البريطانية مدفوعة بالرأسمالية والجشع، فإنها تصر على أنه يتعين علينا أن نتعلم "التعايش مع الفيروس" حتى يتسنى استمرار الأعمال التجارية.

على عكس ادعاءات جونسون،  تم التأكد من خلال هذا الوباء، أن احتياجات الرعاية الصحية العامة لا يمكن تلبيتها بشكل كافٍ في ظل نظام قائم على الربح.  في الواقع، فإن غياب دافع الربح الرأسمالي هو الذي يكمن وراء الاستجابة المحلية والدولية البارزة لـ Covid-19 من قبل كوبا الاشتراكية، التي لديها الآن خمسة لقاحات في التجارب السريرية ومن المقرر أن تكون من بين الدول الأولى التي تطعم سكانها بالكامل.

من خلال الاستجابة السريعة والحاسمة، من خلال حشد نظام الرعاية الصحية العامة وقطاع التكنولوجيا الحيوية الرائد عالميًا، حافظت كوبا على معدلات العدوى والوفيات منخفضة.  في عام 2020، أكدت كوبا ما مجموعه 12225 حالة إصابة بفيروس كورونا و 146 حالة وفاة في عدد سكان يبلغ 11.2 مليون نسمة، مما يجعلها من بين أدنى المعدلات في نصف الكرة الغربي.  في نوفمبر 2020، تم افتتاح المطارات، مما أدى إلى زيادة عدد الإصابات في يناير 2021 مقارنة بالعام السابق بأكمله.  بحلول 24 مارس 2021، سجلت كوبا أقل من 70000 حالة إصابة و 408 حالة وفاة.  كان معدل الوفيات 35 لكل مليون وكان معدل الوفيات 0.59 ٪ فقط (2.2 ٪ في جميع أنحاء العالم ؛ 2.9 ٪ في بريطانيا).  في غضون عام واحد، عالج 57 لواءًا من الأخصائيين الطبيين من وحدة (هنري ريف الكوبية الدولية) 1.26 مليون مريض بفيروس كوفيد -19 في 40 دولة؛ انضموا إلى 28000 متخصص كوبي في مجال الرعاية الصحية يعملون بالفعل في 66 دولة.  تعد إنجازات كوبا أكثر استثنائية بالنظر إلى أنه اعتبارًا من عام 2017 فصاعدًا، أطلقت إدارة ترامب بشكل عقابي 240 من العقوبات والإجراءات والتدابير الجديدة لتشديد الحصار المفروض على كوبا منذ 60 عامًا، بما في ذلك ما يقرب من 50 تدبيراً إضافياً خلال الوباء الذي كلف القطاع الصحي وحده أكثر من 200 مليون دولار. .

شنت كوبا هجومًا على Covid-19، وحشدت نظام الرعاية الصحية العامة المجتمعي المبني على الوقاية، لإجراء زيارات منزلية يومية لاكتشاف الحالات وعلاجها بنشاط وتوجيه قطاع العلوم الطبية للتكيف وإنتاج علاجات جديدة للمرضى ولقاح خاص ضد (Covid – 19)ً. هذا التقدم يجلب الأمل ليس فقط لكوبا، ولكن للعالم كله.

ما الذي يميز لقاحات كوبا؟

يتم تطوير حوالي 200 لقاح لمرض(Covid) في جميع أنحاء العالم ؛ بحلول 25 مارس 2021، تم ترشيح 23 لقاح إلى المرحلة الثالثة من التجارب السريرية. اثنان من هؤلاء من الكوبيين (Soberana 2 و Abdala). لم تقم أي دولة أخرى في أمريكا اللاتينية بتطوير لقاح خاص بها في هذه المرحلة.  يوجد في كوبا ثلاثة لقاحات أخرى مرشحة في تجارب المرحلة المبكرة (Soberana 1 و Soberana Plus) ولقاح داخل الأنف وخالي من الإبر يسمى(Mambisa). كيف نفسر هذا الإنجاز؟  قطاع التكنولوجيا الحيوية في كوبا فريد من نوعه.  ممول ومملوك بالكامل من قبل الدولة، وخالي من المصالح الخاصة، ولا يتم السعي وراء الأرباح محليًا، ويتم توجيه الابتكار لتلبية احتياجات الصحة العامة.  تتعاون العشرات من مؤسسات البحث والتطوير، وتتبادل الموارد والمعرفة، بدلاً من التنافس، مما يسهل سرعة الطريق من البحث والابتكار إلى التجارب والتطبيق.  تمتلك كوبا القدرة على إنتاج 60-70٪ من الأدوية التي تستهلكها محليًا، وهو أمر ضروري بسبب الحصار الأمريكي وتكلفة الأدوية في السوق الدولية. هناك أيضًا انسيابية بين الجامعات ومراكز الأبحاث ونظام الصحة العامة.  لقد أثبتت هذه العناصر أنها حيوية في تطوير لقاحات Covid-19 في كوبا.

هناك خمسة أنواع من لقاحات Covid-19 يتم تطويرها عالميًا:

- لقاحات النواقل الفيروسية، التي تحقن فيروسًا غير ضار غير ذي صلة بفيروس كوفيد2، تم تعديله لإيصال مادة وراثية لـ( SARS-CoV-2): (Oxford AstraZeneca و Gamaleya و SputnikV) ؛

-  لقاحات جينية تحتوي على جزء من مادة وراثية لفيروس SARS-CoV-2 (فايزر، موديرنا) ؛

- لقاحات مُعطلة تحتوي على فيروس SARS-CoV-2 المعطل (Sinovac، / Butantan، SinoPharm، Bharat Biotec) ؛

- اللقاحات المضعفة التي تحتوي على فيروس SARS-CoV-2 المضعف (Codagenix) ؛

- لقاحات بروتينية تحتوي على بروتينات من الفيروس تؤدي إلى استجابة مناعية (Novavax، Sanofi / GSK).

اللقاحات الكوبية الخمسة قيد التجارب السريرية كلها لقاحات بروتينية ؛ أنها تحمل جزء من بروتين اشواك (تاج) الفيروس الذي يرتبط بالخلايا البشرية؛ مما يسبب توليد أجسامًا مضادة مُحيِدة تمنع عملية ارتباط الفيروس بالخلايا.  وعن هذه اللقاحات توضح الدكتورة مارلين راميريز غونزاليس على أنها "لقاحات للوحدات الفرعية (اجزاء من بروتين الفيروس)، وهي واحدة من أكثر الأساليب اقتصادا، وهوالنوع الذي تتمتع به كوبا بأكبر قدر من المعرفة والبنية التحتية اللازمة.  من البروتين S – وهو المستضد (antigen) أو جزء من فيروس SARS-CoV2 الذي تستهدفه جميع لقاحات Covid، لأنه يحفز أقوى استجابة مناعية لدى البشر - تعتمد اللقاحات الكوبية المرشحة، فقط على الجزء الضالع في الاتصال بالمستقبل  على الخلية: RBD ( جزيء  رابط-المستقبلات) وهو أيضًا الجزء الذي يحفز أكبر قدر من الأجسام المضادة المُحيٍدة.  هذه الاستراتيجية ليست حصرية للقاحات الكوبية.  لكن (Soberana 02) تميز نفسها عن بقية اللقاحات المرشحة في العالم على أنها "اللقاح المتقارن" الوحيد (اللقاح المتقارن هو نوع من اللقاح يجمع بين مستضد(antigen) ضعيف ومستضد قوي كحامل، لذلك يكون للجهاز المناعي استجابة أقوى للمستضد الضعيف).  وهوحاليًا في المرحلة الثالثة من التجارب السريرية، يجمع بين RBD مع لقاح الكزاز، مما يعزز الاستجابة المناعية ... وقد طورت كوبا بالفعل لقاحًا آخر وفقًا لهذا المبدأ.  إنه اللقاح المضاد للنزلة النزفية من نوع ب(Quimi-Hib)، "الأول من نوعه الذي تمت الموافقة عليه في أمريكا اللاتينية والثاني في العالم"، ضد (النزلة النزفية) من النوع ب، والعصيات المسؤولة عن أمراض مثل التهاب السحايا والالتهاب الرئوي والتهاب لسان المزمار".[1]

تشير Idania Caballero، عالمة الأدوية في BioCubaFarma، إلى أن اللقاحات تعتمد على عقود من العلوم الطبية وتعمل على الأمراض المعدية.  "إن معدل الوفيات في كوبا بسبب الأمراض المعدية، حتى في أوقات كوفيد، أقل من 1٪. تقوم كوبا اليوم بالتحصين ضد 13 مرضا من خلال 11 لقاحا، ثمانية منها منتجة في كوبا. تم القضاء على ستة أمراض نتيجة لجداول التطعيم.  اللقاحات التي تم إنتاجها بهذه التقنيات تم إعطاؤها حتى للأطفال في الأشهر الأولى من حياتهم.[2]

يتم إنتاج لقاحات سوبيرانا من قبل معهد Finlay بالشراكة مع مركز المناعة الجزيئية (CIM) ومركز Biopreparados. ان كلمة (Soberana) تعني "السيادة"، مما يعكس أهميتها الاقتصادية والسياسية؛  بدون منتج محلي، ستكافح كوبا للحصول على لقاحات أجنبية اما بسبب الحصار الأمريكي أو بسبب التكلفة.  تُدخل لقاحات سوبيرانا المعلومات الجينية في خلايا الثدييات العليا.  ان Soberana Plus هو أول لقاح في العالم لمرضى نقاهة Covid-19،  يستطيع الوصول إلى التجارب السريرية.

اللقاحان الآخران، (Abdala and Mambisa)، هما الاسمان اللذان يشيدان أيضًا بنضال كوبا من أجل الاستقلال، من إنتاج مركز الهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية (CIGB).  تُدخل هذه اللقاحات المعلومات الجينية في كائن حي أقل تطورًا، وهو كائن حي دقيق وحيد الخلية (خميرة Pichia Pastoris). إنهم يبنون على السجل الاستثنائي لـ CIGB، بما في ذلك لقاحات التهاب الكبد B المستخدمة في كوبا لمدة 25 عامًا.

من خلال تطوير منصات لقاحات مختلفة، فإن تلك المؤسسات ستتجنب التنافس على الموارد.  يوضح كاباليرو أن: "كوبا لديها القدرة على إنتاج سلسلتي لقاح مستقلتين، بأكثر من 90 مليون لقاح سنويًا، مع الحفاظ على الإنتاج المطلوب من المنتجات الأخرى للسوق المحلي وللتصدير. " اللقاحات الكوبية تتطلب ثلاث جرعات، ولأنها مستقرة عند درجات حرارة تتراوح بين 2 و 8 درجات، فانها لا تتطلب معدات تبريد خاصة مكلفة.

تجارب المرحلة الثالثة و "الدراسات التدخلية"

بحلول أواخر مارس، كانت تجارب المرحلة الثالثة جارية لـلقاحي (Soberana 2 و Abdala)، تضم كل منها أكثر من 44000 متطوع تزيد أعمارهم عن 19 عامًا في المناطق التي ترتفع فيها نسبة الإصابة بفيروس Covid-19.  تدار Soberana 2 في هافانا و ( Abdala)،  في سانتياغو دي كوبا وغوانتانامو.  سيستمر التحليل والمتابعة لمرضى المرحلة الثالثة من التجارب حتى كانون الثاني (يناير) 2022 للتحقق مما إذا كانوا يمنعون ايقاف الانتشار، ومن مدة استمرار المناعة، والأسئلة الأخرى التي لا يستطيع أي منتج لقاح الإجابة عليها حتى الآن.  ومع ذلك، يتلقى 150,000 عامل رعاية صحية إضافي في هافانا جرعات Soberana 2، كجزء من "دراسة تداخلية"، وهي شكل من أشكال التجارب السريرية التي يمكن السماح بها بعد إثبات سلامة الأدوية في المرحلة الثانية. لا تتضمن دراسات التداخل اختبار التعمية المزدوجة أو الأدوية الوهمية (placebo).  وسيتم اعطاء 120 ألف عامل رعاية صحية آخرين في غرب كوبا لقاح( Abdala)في الأسابيع القليلة المقبلة.  وسترى دراسات تداخلية أخرى في العاصمة أن 1.7 مليون شخص في هافانا، معظم السكان البالغين، قد تم تطعيمهم بحلول نهاية مايو 2021، مما يعني أن مليوني كوبي سيتم تطعيمهم بالكامل.

بافتراض نتائج مرضية، ستبدأ حملة التطعيم الوطنية الحقيقية في شهر حزيران/يونيو، مع إعطاء الأولوية للمجموعات وفقًا لعوامل الخطر، بدءًا من الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 60 عامًا. بحلول نهاية أغسطس 2021، سيتم تغطية ستة ملايين كوبي، أي أكثر من نصف السكان، وبحلول نهاية العام، ستكون كوبا من بين أولى دول العالم التي قامت بتلقيح سكانها بالكامل.

علماء الطب الكوبيون واثقون من أن لديهم القدرة والخبرة لتكييف تركيبات اللقاحات والتقنيات وبروتوكولات العمل للتعامل مع المتغيرات الجديدة.  الخطوات التالية هي لـ( Soberana 1) و (Soberana Plus) للدخول في تجارب المرحلة الثانية وسيتم إطلاق دراسة جديدة تشمل من 5 إلى 18 عامًا.

كوبا والصين تتعاونان بشأن Pan-Corona

تعاونت CIGB الكوبية مع زملائها في الصين للعمل على لقاح جديد يسمى Pan-Corona، مصمم ليكون فعالًا في سلالات مختلفة من فيروس كورونا.  سيستخدم أجزاء من الفيروس محفوظة، ليست معرضة للمتغيرات، لتكوين أجسام مضادة، جنبًا إلى جنب مع أجزاء موجهة للاستجابات الخلوية. يساهم الكوبيون بالخبرة والأفراد، بينما يقدم الصينيون المعدات والموارد.  سيتم إجراء البحث في مركز يونغتشو المشترك للابتكار في مجال التكنولوجيا الحيوية، في مقاطعة هونان الصينية، والذي تم إنشاؤه العام الماضي بمعدات ومختبرات صممها متخصصون كوبيون. وقال جيراردو جيلين، مدير العلوم الطبية الحيوية في CIGB، إن المنهج المتبع: "يمكن أن يحمي من حالات الطوارئ الوبائية لسلالات جديدة من فيروس كورونا التي قد توجد في المستقبل".  يعتمد المشروع على ما يقرب من عقدين من التعاون في مجال العلوم الطبية بين كوبا والصين، بما في ذلك خمسة مشاريع مشتركة في قطاع التكنولوجيا الحيوية.

لقاح لجنوب الكرة الأرضية

على مدار 26 عامًا، حصل المهنيون الكوبيون على عشر ميداليات ذهبية من المنظمة العالمية للمُلكية الفكرية (WIPO)؛ قبل حدوث هذه الجائحة، تم تصدير منتجات التكنولوجيا الحيوية الخاصة بهم إلى 49 دولة، بما في ذلك اللقاحات المستخدمة في برامج تحصين الأطفال في أمريكا اللاتينية.  واعلنت كوبا بأنه سيتم تصدير لقاحات Covid-19 إلى دول أخرى.  وهذا يجلب الأمل إلى الدول منخفضة ومتوسطة الدخل التي لا تستطيع ببساطة تحمُّل تلقيح سكانها بأسعار مرتفعة (تتراوح بين 10 دولارات و 30 دولارًا للجرعة) التي تطلبها شركات الأدوية الكبرى.  في شباط/فبراير 2021، أفاد مكتب الصحافة الاستقصائية أن شركة Pfizer الأمريكية كانت "تتنمر" على دول أمريكا اللاتينية لطرح أصول سيادية، مثل مباني السفارات والقواعد العسكرية، كضمانات ضد تكلفة أي قضايا قانونية مستقبلية متعلقة بلقاحاتهم الخاصة بمرض Covid-19.[3]

من خلال اتفاقية مع معهد باستير الإيراني، سيشارك 100 ألف إيراني في المرحلة الثالثة من التجارب السريرية للقاح (سوبيرانا 2)، وسيشارك 60 ألف شخص آخر في فنزويلا. و أبدت دول أخرى، بما في ذلك المكسيك وجامايكا وفيتنام وباكستان والهند، اهتمامهم بتلقي اللقاحات الكوبية، كما فعل الاتحاد الأفريقي، الذي يمثل جميع الدول الخمس والخمسين في إفريقيا. من المحتمل أن تطبق كوبا مقياسًا متدرجًا على صادراتها من لقاحات Covid-19، كما تفعل مع تصدير المهنيين الطبيين، لذا فإن الرسوم التي تفرضها تعكس قدرة البلدان على الدفع.

إن ما حققته كوبا رائع، ولكن كما يقول كاباليرو: "بدون الحصار الأمريكي الجائر، كان يمكن لكوبا أن تحقق نتائج أفضل". أصبحت كوبا رائدة عالميًا في مجال التكنولوجيا الحيوية لأن لديها دولة اشتراكية ذات اقتصاد مخطط مركزيًا، استثمرت في العلوم والتكنولوجيا وتضع رفاهية الإنسان على الربح؛ أي مع غياب الرأسمالية والجشع الذي يحتفل به رئيس الوزراء البريطاني جونسون.

 

........................

الملاحظات

[1] ‘Rapid response’ letter in The BMJ, 1 March 2021,

[2] Email correspondence, 9 March 2021.

[3] ‘“Held to ransom”: Pfizer demands governments gamble with state assets to secure vaccine deal’, Bureau of Investigative Journalism, 23 February 2021.

*https://www.counterpunch.org/2021/03/30/cuba-libre-to-be-covid-libre-five-vaccines-and-counting/.

**هيلين يافي (Helen Yaffe) محاضرة في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي بجامعة جلاسكو، متخصصة في التنمية الكوبية وأمريكا اللاتينية. لديها الكتب التالية:

-   We Are Cuba! How a Revolutionary People have survived in a Post-Soviet World

-   Che Guevara: The Economics of Revolution

-   مساهمة في تأليف كتابYouth Activism and Solidarity: the Non-Stop Picket against Apartheid, Rouledge, 2017.

نُشرت نسخة من هذا المقال في مجلة مكافحة العنصرية! حاربوا الإمبريالية! العدد 280، أبريل / مايو 2021.( Fight Racism! Fight Imperialism! No. 280, April/May 2021

 

كريم المظفرمن باب الأمانة الفكرية، استميح العذر لأحدى الصحف الروسية كوني قد اخترت ذات العنوان لمقالنا، الذي تناول تصريحات الرئيس التركي طيب رجب أردوغان ، خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع نظيره الاوكراني فلاديمير زيلينسكي، والذي كان فيه رئيس تركيا هو العازف المنفرد، بتصريحات فاجأت الأوساط السياسية والبرلمانية والمحللين السياسيين الروس، وكذلك الصحفيين الذين حضروا هذا المؤتمر الصحفي، والتي وصفوها بانها تصريحات صممت خصيصًا لجذب انتباه الصحفيين.

المراقبون الروس يرون ان الرئيس التركي، الذي وصف الرئيس الأوكراني بأنه صديق (كما يسمي الرئيس بوتين)، أعرب عن الموقف المبدئي لبلاده، بان أنقرة الرسمية غير مهتمة بتزايد التوتر في المنطقة، وهو ما يمكن تفسيره على أنه إدانة لروسيا، التي تتواجد قواتها العسكرية داخل أراضيها في المناطق المحاذية لأوكرانيا، وقال الرئيس التركي: "نعتقد أنه يمكن حل الأزمة الحالية بالوسائل الدبلوماسية السلمية على أساس مبادئ وحدة أراضي أوكرانيا والقانون الدولي" "وإنهاء احتلال جمهورية القرم المتمتعة بالحكم الذاتي ومدينة سيفاستوبول، وكذلك الأراضي في منطقتي دونيتسك و لوغانسك".

وأدلى الرئيس أردوغان، خلال محادثات بين قادة أوكرانيا وتركيا، بعدد من التصريحات المتضاربة، من وجهة النظر الروسية، فانه من ناحية، دعا إلى تنفيذ اتفاقيات مينسك التي اعتبرها بانها الأساس لتحقيق السلام في المنطقة ودعا إلى السلام في البحر الأسود، ومن ناحية أخرى، رفض أردوغان مرة أخرى الاعتراف بشبه جزيرة القرم على أنها روسية، وأيد فكرة عضوية أوكرانيا في الناتو، تلقته الأوساط الروسية ومنهم رئيس اللجنة البرلمانية في القرم للدبلوماسية الشعبية والعلاقات بين الأعراق، يوري غمبل الذي اكد بالقول "أردوغان، إذا كان سياسيًا حكيمًا وشجاعًا حقًا، يمكنه القدوم إلى شبه جزيرة القرم "، باعتبار ان شبه جزيرة القرم منفتحة، وان روسيا تسعى الى إجراء حوار مفتوح مع جميع الدول، وبناء علاقات حسن الجوار، لكن، بحسب غمبل " لسوء الحظ، من جانب أردوغان حتى الآن لا نسمع سوى تصريحات قصيرة النظر ومهينة لشعب القرم ".

لقد ذكر الرئيس أردوغان عبارة "تتار القرم" عدة مرات في خطابه، وان تركيا مستعدة للمشاركة في مشاريع بناء المساكن لممثلي هذه المجموعة العرقية الذين انتقلوا إلى الأراضي الأوكرانية، في وقت كان رئيس أوكرانيا في الآونة الأخيرة حذرا للغاية بشأن تتار القرم كحلفاء في عودة شبه الجزيرة، ولم يرد ذكر لأي استقلال ذاتي لهم حتى في استراتيجية إنهاء احتلال شبه جزيرة القرم، التي اعتمدها مجلس الأمن القومي والدفاع الأوكراني في مارس / آذار، بعدها تدارك الامر أردوغان، واعرب على الفور عن دعمه لتطلعات كييف الأوروبية الأطلسية، ووعد أيضًا بتعزيز التنسيق بين البلدين على غرار وزارتي الخارجية والدفاع، وتأكيد دعمه لـ "منصة القرم"، (التي اقترحها الرئيس الاوكراني والمخصصة لتوحيد أراضي أوكرانيا، وأعلنت الولايات المتحدة فقط عن استعدادها للمشاركة فيها، على الرغم من ان الدول المطالبة بعودة القرم تشمل بريطانيا وكندا وفرنسا وعدد من الدول الأخرى )، وتمنى أن تصبح هذه المنصة حلاً لتتار القرم وأوكرانيا، مع التشديد على أن التعاون العسكري الأوكراني التركي الذي يتطور بشكل نشط وطويل الأمد ليس موجها "ضد دول ثالثة"، ولا يمكن أن تكون هذه الفقرة مضللة: فالتعهد بالضغط من أجل قبول أوكرانيا في الناتو لن يستقبله الكرملين بشكل جيد بالتأكيد.

ولم تمر تصريحات الرئيس التركي بالنسبة لروسيا مرور الكرام، فقد طالب نائب دوما الدولة الروسي ميخائيل شيريميت، الرئيس أردوغان، بتخفيف حماسه وعدم النظر إلى الأراضي الروسية، وشدد على انه بالنظر إلى خطاب أردوغان العدواني، " أعتقد أننا يجب أن نفكر في حث مواطنينا على الامتناع عن السفر إلى تركيا، حيث لا يمكن لأحد أن يضمن سلامتهم هناك"، وكانت الاستجابة الروسية سريعة لمثل هكذا مطلب واتخذت موسكو خطوة فورية بتقليص عدد الرحلات الجوية النظامية و المستأجرة إلى تركيا ( التشارتر) اعتبارا من 15 ابريل الجاري، وأن الرحلات بين البلدين ستقتصر على رحلتين عاديتين أسبوعيا بين موسكو واسطنبول على أساس متبادل، وان أكد الكريملين ان هذا الاجراء مرتبط بالوضع الوبائي الصعب في تركيا ، ويأتي لمنع استيراد طفرات جديدة من فيروس كورونا من هذا البلد، الا ان هذه التصريحات أعطت أسبابًا للعديد من وسائل الإعلام لبدء موجة جديدة من التصريحات حول طعنة في الظهر من حليف مفترض، وحساب خيارات الانتقام - من إغلاق الطرق السياحية إلى رفض التدفق التركي .

كما ان السناتور أليكسي بوشكوف، أكد انه في الظروف التي يمكن فيها لأوكرانيا استخدام الطائرات بدون طيار التركية في اتجاه واحد فقط - ضد جمهورية دونباس ولوغانسك، والتي في حالة العدوان الأوكراني ستحميها روسيا، فإن البيان بأن توريد الأسلحة التركية "ليس موجهًا ضد دول ثالثة" تبدو كاذبة وساخرة، وانه لا يمكن احتساب هذه "الانتقادات" تجاه أنقرة - كلمات جوفاء، فالتعاون العسكري مع أوكرانيا مع أي بلد موجه حتما وحتميا ضد روسيا، وهذا واضح سواء مع "المنحنيات" أو بدونها.

تصرفات الرئيس أردوغان بأنها "سياسة شرقية كلاسيكية"، كما وصفها بدوره عالم السياسة في كييف ميخائيل بوغريبنسكي، وانه لا تناقض في تصريحاته، لأنه يحاول المناورة بين لاعبين خارجيين كبار، على سبيل المثال، إذا كان من المهم لأردوغان الحفاظ على علاقة مقبولة مع بوتين، فإنه يتحدث عن دعم اتفاقيات مينسك، وقال بوغريبنسكي: "إذا كان من المهم بالنسبة له الحفاظ على تصدير الطائرات بدون طيار، فيمكنه أن يقول شيئًا ممتعًا لزيلينسكي"، أما فيما يتعلق بالدعم المزعوم لعضوية أوكرانيا في الناتو، فإن هذه الإشارة لا توجه إلى روسيا بقدر ما توجه إلى ألمانيا وفرنسا.

وترى بعض وسائل الاعلام بان هذا فهم خاطئ للمصالح الوطنية للدول في السياسة الخارجية، وهو ما يميز ثرثرة المطبخ أكثر من فهم السياسة الحقيقية، ولا ينبغي لأنابيب الغاز من روسيا، والطرق السياحية، وحتى إمدادات إس -400 أن تزرع الأوهام حول إمكانية دمج تركيا في قناة أهداف السياسة الخارجية لروسيا، فتركيا، في فلك الولايات المتحدة، أما بالنسبة لروسيا، فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، فإن المطالبة بذلك من تركيا أمر أكثر غباءً، ويرون بان أردوغان ليس صديقًا ولا حليفًا، ولم يقل هذا أحد من قبل، وان تركيا وروسيا تسعيان إلى تحقيق أهدافهما الجيوسياسية في الساحة الخارجية، وهنا لا أحد يطلب شيئًا من الآخر ولا يفرض شيئًا ولا سيما بالقوة او التهديد، فلا ضرر من تصريحات أردوغان لروسيا، إذا باع أي شيء لأوكرانيا، فإن " الشقيق" لوكاشينكا سيبيعها أكثر، رسميا، كلهم مستقلون وذو سيادة، لكن أردوغان لا يتجاوز الأعلام، وهذا هو الشيء الرئيسي بالنسبة لروسيا.

وبصفتها عضوًا في الناتو، لا يمكن لتركيا أن تتخذ فجأة موقفًا مؤيدًا تمامًا لروسيا، علاوة على ذلك، تتصرف مثل قمرها الصناعي أو حتى تابع لها، ومع ذلك، تمتنع تركيا عن المواجهة المنهجية مع روسيا، وان تضارب المصالح يتم تسويتها في إطار إجراءات التفاوض، وبالنسبة لروسيا فإن هذا يصب في المصلحة الوطنية، وفي شبه جزيرة القرم، لا يتسلق أردوغان حقًا - ولن يتسلق، طالما أن روسيا قوية وتتحكم في كل شيء، وإذا ضعفت، فسيصعد الجميع هنا، وليس تركيا فقط تعتبر إمدادات الغاز عبر تركيا مهمة حقًا لروسيا، ليس للإمدادات التركية، ولكن كطريق التفافي إلى أوروبا بدلاً من أوكرانيا، وقد حققت روسيا هذا الهدف.

كما أثار الإعلان المشترك الذي أعقب المحادثات بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي، والذي بموجبه دعم الزعيم التركي فكرة انضمام أوكرانيا إلى الناتو، غضبًا بين مستخدمي الإنترنت الروس، فمنهم من يرى ان الرئيس التركي مرة أخرى قد اشهر بسيفه من خلف ظهره، ويبدو هذه المرة أنه لن يتناسب مع الجزء الخلفي من روسيا، ولكن في مكان ما تحت الظهر، بحسب احد المدونين، في حين ذكّر عدد من المعلقين الزعيم التركي بأن روسيا هي التي مدته يد العون عندما قرر خصوم أردوغان السياسيون القيام بانقلاب، وكتب ديمتري ك " أردوغان، السلطان الفاشل، يلعب "برشاقة"، لقد نسي كيف أخرجته روسيا من مؤخرته أثناء الانقلاب " ، وكان هناك أيضًا من طالبوا القيادة الروسية بالتوقف عن الأمل في إقامة علاقات جيدة مع جارتها التركية، وأن تدرك أخيرًا أن أنقرة تشكل تهديدًا خطيرًا لروسيا الاتحادية، وإن السلطات الروسية بحاجة ماسة إلى إنهاء أي علاقات مع الأتراك، فهم خونة بحسب تدويناتهم، وإنهم لا يقدرون روسيا الصديقة، بل يتصرفون مثل البرابرة ، " كلما حاولنا بناء علاقات معهم، كلما قاموا بإلصاق سكينهم بظهرنا! "، كتب إيغور ك.

الدعوات لتحطيم الأواني ومعاقبة تركيا لن تؤدي إلى النتيجة المرجوة، من وجهة نظر العديد من المحللين الروس، والتي برايهم قد تضر بالمهام الجيوسياسية الروسية، وهذه المهام أكثر طموحًا من العلاقات مع تركيا، وان عدم القدرة على ملاحظة هذا إما يتحدث عن سوء فهم للسياسة، أو يخون محرض، وبعد كل شيء، فان دفع روسيا إلى صراع مع تركيا ممكن فقط من أجل تفاقم الاصطفاف قبل الانتخابات لصالح الغرب، ومن أجل التأثير على موقف تركيا، وان روسيا تمتلك أوراق رابحة وخطيرة للغاية، وما عليها سوى تطبيقها في الوقت المحدد وبجرعات مناسبة.

 

د. كريم المظفر

 

جاسم الصفارفي حوار بث على الهواء مباشرة، ذكر السياسي الروسي المخضرم فلاديمير جيرينوفسكي أن الحضارات التي سادت في التاريخ، أفلت لأسباب عديدة دون أن يتسنى لها النهوض مرة أخرى، وأضاف مازحا ان ما تركته الحضارة الرومانية للعصور المتقدمة ليس أكثر من "معكرونة" أما ما بقى من الحضارة ألألمانية فهو " سيارة المرسيدس" وهكذا استرسل في ضرب أمثلة عن هزالة ما تبقى من حضارات أوربية أفلت بعد أن كان اشعاعها يملأ الدنيا. وبغض النظر عن أهمية ما صرح به جيرينوفسكي في القناة الروسية الاولى، الا أن دراسة عناصر ديمومة الحضارات وقدرتها على الصمود بوجه عوامل انهيارها وتبدد آثارها، لن تفقد أهميتها بالتأكيد على مر العصور.

لا ريب في أن الانسان، منذ بزوغ فجر الحضارات، كان العنصر ألأبرز في نظام ديمومة الحضارات ونهوضها وكبوتها ثم انبعاثها. والحديث هنا عن الحضارات العالمية الاصيلة التي تركت أثرها في التركيبة النفسية للإنسان وقيمه الأخلاقية. فالحضارات الاصيلة هي وحدها القادرة على صياغة ورصف نوتات الموسيقى الداخلية للإنسان والارتفاع به فوق الحيوان على مر العصور (على هذا النحو كتب بوريس باسترناك في الدكتور زيفاكو).

في الإتحاد السوفيتي السابق، رغم المناخ الأيديولوجي والحزبي السائد آنذاك، كانت هنالك قيم أخلاقية سامية تجلت في الاعمال ألأدبية والسينما والمسرح. من تلك الاعمال فلما سينمائيا تم عرضه في سبعينات القرن الماضي في صالات العرض في موسكو ومسرح أحداثه روسيا السوفيتية فترة الحرب الاهلية بعد استيلاء البلاشفة على السلطة، والتي كان محوراها الرئيسيان هما الجيش الاحمر البلشفي المدافع عن ثورة اكتوبر والجيش الابيض المدافع عن النظام القيصري. وتجدر الإشارة الى أن ضباط الجيش الأبيض، في جلهم، تميزوا بتقاليدهم العسكرية القيصرية الارستقراطية مع مستوى لا بأس به من الثقافة.

يروي الفلم احداث معركة بين كتيبتين من الجيشين في منطقة ريفية نائية، يقع فيها أحد ضباط الجيش الابيض اسيرا بيد الكتيبة الحمراء. بعدها تنتقل احداث الفلم الى الخطوط الخلفية للجبهة حيث يبدأ التحقيق مع الضابط الاسير. والذي تنشأ اثنائه علاقة ود وثقة متبادلة بين الضابط المحقق والاسير الذي كان يرد بهدوء وادب على اسئلته. والتحقيق في الجبهة، حينها، كان اجراء روتيني يدون فيه المحقق افادة الأسير قبل ارساله الى أقرب مدينة يسيطر عليها البلاشفة ليعاد التحقيق معه والحكم عليه، وهو غالبا حكما قاسيا.

بعد انتهاء التحقيق الاولي وتنظيم اوراق الارسال، قرر الضابط البلشفي، وهو من اسرة تحسب على الانتليجينسيا الروسية، التريث في قرار ارسال الضابط الابيض الى المحكمة. فيستدعيه مجددا للإجابة على سؤال واحد، هذه المرة، وهو ان لو أطلق سراحه، هل سيعود لقتال البلاشفة من جديد. تأمل الاسير في وجه المحقق، غير مصدق إمكانية حصول ذلك، واجابه بعد تردد لم يطل كثيرا، انه مستعد للقسم بعدم عودته لقتال البلاشفة من جديد وانه سيعتزل العمل في الجيش القيصري ليعود الى اسرته التي تحتاج اليه في تلك الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد. وإثر سماعه لإجابة الضابط الابيض، امر المحقق بإطلاق سراح الاسير على مسؤوليته الخاصة وبضمانة شخصية منه اقنعت زملائه في الكتيبة، على مضض.

تمر بعد هذه الحادثة اسابيع اخرى من القتال الضاري بين الطرفين، تنتصر في نهايتها الكتيبة الحمراء على الكتيبة البيضاء ويفر قائدها مع بعض من ضباطه من ارض المعركة الى نهر الفولغا القريب من الجبهة، ليقلون زورقا صغيرا كان متروكا على الشاطئ منحدرين به مع المجرى. ولكن المطاردين لهم من الكتيبة الحمراء استبقوهم الى موقع ضيق من مجرى النهر يوصل بين ضفتيه جسر. فكمنوا للضباط الفارين فوق سطح الجسر. وعند اقتراب الزورق من الجسر، رفع أحد الضباط البيض ناظوره لمراقبة الموقف على الجسر، فشاهد وجه الضابط الاحمر الذي حقق معه في الاسر والذي وعده بعدم العودة للقتال ضد البلاشفة.

تنحى الضابط الابيض نحو طرف الزورق، والقى بناظوره الى الماء دون ان يخبر زملائه بالموقف، واخرج مسدسه ليطلق النار على رأسه منتحرا وعيونه شاخصة نحو نفس المكان الذي شاهد فيه ضابط التحقيق، ليسقط أثرها في النهر جثة هامدة.

هذه كانت حكاية ضابط روسي اعطى كلمة شرف لعدوه ولم يلتزم بها فانتحر لكيلا يعذبه شعوره بالدونية إذا ما وقعت عليه عينا المحقق، وربما ايضا لكيلا يتعرض الضابط البلشفي، الذي أطلق سراحه، للمساءلة بسببه. بهذه الصورة وفي أعمال أدبية عديدة كان ألكَتاب السوفييت يعبرون عن التركيبة النفسية والقيم ألأخلاقية لإنسان ساهمت النخبة العلمية والثقافية في زرعها داخله على مدى قرون منذ الإمبراطورية الروسية.

هناك حقيقة تاريخية معبرة، جرى الكتابة عنها مؤخرا في روسيا، وهي أن المقاومة الروسية لجيش الاحتلال الألماني لم تأخذ مسارا جديا الا في عام 1942، قبلها كانت الدولة السوفيتية منكسرة تماما، فمنذ بداية الحرب خسر الاتحاد السوفيتي مساحات واسعة من أراضيه وهرب من الخدمة العسكرية، خلال تلك الفترة، الاف المجندين واستسلم للجيش الألماني حوالي نصف مليون محارب سوفيتي. فبسبب التجربة القاسية لنظام حكم ستالين والبيروقراطية الحزبية المفرطة في الجيش السوفيتي، لم يظهر الروس (كانوا يشكلون 75% من الجيش السوفيتي) أي تفاني في مواجهتهم للغزاة الالمان في بداية الحرب. أما حين وصلت الحرب، بعد سلسلة من الهزائم الكبيرة، الى مرحلة تتقرر فيها مكانة شعب روسيا ومستقبل قيمه الحضارية، تغير مسار الحرب وتنوعت سبلها.

وبالمناسبة، فان ستالين كان قد أدرك أهمية ودور التراث الحضاري العلمي والثقافي لدى الشعب الروسي في بعث قيم الكبرياء والاباء الوطني، لذا خاطب الشعب الروسي، تحديدا، من على منصة الساحة الحمراء في موسكو نهاية عام 1941 مذكرا إياه بعظمة تراثه الحضاري فقال: "دع السيرة الشجاعة لأسلافنا العظماء - ألكسندر نيفسكي، وديمتري دونسكوي، وكوزما مينين، وديمتري بوزارسكي، وألكسندر سوفوروف، وميخائيل كوتوزوف - تلهمك في هذه الحرب!"

بعد تعثر الهجوم النازي على الاتحاد السوفيتي نتيجة للمقاومة الباسلة التي ابداها الجيش السوفيتي وانخرط فيها فدائيون شعبيون تمترسوا في الغابات حول القرى التي دخلها الالمان. قررت القيادة الالمانية انشاء جيش من المعارضين للنظام السوفيتي من بين المتعاونين مع المحتل الالماني في الاراضي السوفيتية اضافة للمهاجرين الذين غادروا الاتحاد السوفيتي بعد انتصار ثورة اكتوبر البلشفية في روسيا، ووقع اختيارهم على نائب القائد العام للجيش القيصري وقائد قوات الجنوب لما كان يعرف بالجيش الابيض انتون دينيكن.

كان دينيكين فترة الحرب العالمية الثانية مهاجرا الى فرنسا وعند احتلال المانيا النازية لفرنسا تم اعتقاله مع اسرته ثم أطلق سراحه ليكون تحت الاقامة الجبرية في ظل الاحتلال النازي. وقد استدعي الى قيادة الجيش الالماني والغستابو في فرنسا عارضين عليه قيادة قوات روسية معادية للنظام البلشفي في روسيا ولكن انتون دينيكين الذي قاتل البلاشفة في الحرب الاهلية دفاعا عن روسيا القيصرية اجاب دون تردد "أن الوطن ليس مجال للمقايضة وانا لن اتاجر بوطني". وهذا مثال اخر من أمثلة كثيرة تشير الى أن الانتماء للوطن وللشعب يعززه الشعور الداخلي بالانتماء الى حضارة عظيمة وقيم إنسانية عميقة الجذور

وأخيرا أعود الى جيرينوفسكي مستعيرا منه أسلوبه الساخر في تأبين الحضارات، وأفترض أنه تطرق لحضارة وادي الرافدين لينبهنا الى أن مصدر اعتزازنا وكبريائنا لم يبقى منها سوى "ألمشحوف" و"المسكوف"، أما ما خلا ذلك فلم يجد له مكانا حتى على رفوف محلات البيع والشراء التي يديرها قادة العراق من تجار السياسة والدين في اسواقهم الممتدة بين الأرض والسماء.

 

د. جاسم الصفار

 

عبد الجبار العبيدينحن نكتب اليوم كما كتب من قبلنا الفيلسوف الفرنسي جارودي في تاريخ الفكر السياسي الاسلامي الذي يكمن في جعل الدين أداة للسياسة بأضفاء القداسة عن طريق قراءة حرفية وانتقائية للنص المقدس، وهنا تكمن نكبة المسلمين في حكم الدولة .

مؤسس الدعوة الاسلامية بغض النظر عن كونه رسولاً، لكنه كان يدرك بثاقب بصرة حالة ونفسية العرب في الصراع على السلطة لذ ما كان يريد ان يكون الصراع بأسم الدين أزلياً.. وهو يعلم كيف قتل هابيل اخاه قابيل من اجلها.. واستمرت الحالة عبر الزمن كما روته لنا القصص القرآنية.. لذا قاتل في جبهتين: هما الدعوة الآلهية والتضحية في نجاحها من جهة، وكيفية حمايتها وحماية وحدة المسلمين المستقبلية من جهة اخرى. فكان جهاده (ص) منصباً بالوعظ والارشاد، وبالتكافل بين مؤيدها.. وبتحقيق العدل و المساواة ومسئولية الامن بين معتقديها في الحقوق والواجبات والحفاظ عليها . لذا جاءت الوثيقة المكتوبة تمثل القانون الحقيقي في التطبيق.. ومع الاسف فقد أخفيت الوثيقة من بعده والى اليوم.. من هنا كانت بداية النكبة في حكم المسلمين .

لكن واقع التطبيق للسلطة من بعده، كانوا من المؤمنين بالدعوة قدر ايمانهم بمكاسبها المستقبلية فالطبيعة العربية سلطوية.. كما هم اليوم من كانوا يدعون بالعدل والوطن وحقوق الأنسان قبل 2003 فصدقهم الناس أملا بالتغيير.. لكن الثابت ان غالبيتهم لا يؤمنون بما كانوا به يدعون.. وحين تمكنوا منها تمردوا على الدعوة والحقوق والأنسان فالعِرق دساس.. ولو كان اصحاب الدعوة المحمدية يؤمنون به وبدعوته حقاً لما تنصلوا عنه وعن مبادئه وعقيدته.. بمجرد وفاته فقلبوا له ظهر المَجن وتركوه مسجى وهم يتخاصمون على السلطة قبل ان يجف دمه.. فنادوا "منا امير ومنكم أمير" حتى تم نقل الخلافة من قضية فروع الى قضية عقيدة.. بمؤامرة لادينية بين المهاجرين والأنصار " فبات نظام الحكم عند المسلمين منذ ذلك الوقت يعالج كعقيدة لاكمنهج سياسي خلافا لمبادىء محمد(ص) وأمته التي اراد لها العدل اولا.. .

وكما هم اليوم ما ان استولوا على السلطة قلبوا ظهر المَجن للشعب وأنفردوا في مكاسبها دون الناس فنسوا الله والقسم وحقوق الوطن والناس فسرقوا اموالها وقتلوا علمائها ومفكريها وباعوها للأخرين بأسم المذهبية والطائفية التي حاربها الأسلام.. وأستمر هذا النهج الخاطىء حتى سقوط دولة الخلافة عام 656 للهجرة على يد المغول وبتأمر منهم (أبن العلقمي وزير المستعصم العباسي مثالاً) والى اليوم.. ولا أعتقد سيتغير الأمر في ظل قيادات الدين الساكتة عن الحق التي ترى نفسها فوق الناس حين خانوا الوطن مع المحتل الاجنبي بغض النظر عن دكتاتورية السلطة لحكم المتعنتين.. هذه هي طبيعة القيادات التي اتخذت من الدين وسيلة للوصول الى السلطة.

من هنا بدأت أشكالية الحكم في الاسلام فتوقف التقدم الحضاري عند العرب، لا بل زادت الخلافات حتى مزقت جسد الوحدة بينهم.. وانا اعتقد لو بقي العرب على حالهم قبل الاسلام يحكمهم مجلس الملأ القبلي بقوانينه الصارمة والمخلص لوحدتهم القبلية والفكرية لتقدموا عبر الزمن مثل الامم الاخرى. ولبقي معالم المشروع الاسلامي الذي جاءهم فيما بعد قابل للفعل في ظروف العصر.. لان مفهوم الدعوة الآلهية لا يعتبر مفهوما في النظر او العمل فحسب.. بل فيهما معاً لتحديد المسار للدعوة في المنطلقات والتوجات والتطبيق، وهي مكونات التشريع ... ولأصبح الوعي والايمان بها وبمفرداتها وعياً تاريخيا مستوعبا لها وبشموليتها أملاً في التحقيق.. وهذا لم يتحقق منذ البداية.

لكن حين تغلبت المصلحة الشخصية والقبلية على المصلحة العامة عاد التأسيس القرآني لنفس مواصفات ما قبل الاسلام ولم يعد للمتغير الاجتماعي من اهمية وفق جدلية التاريخ الجديدة، ووفقا لقوانينها المحددة الملتزمة بالنص الديني المقدس، فعادوا يحكمون بنظرية عقيدة السلطة لا كمنهج سياسي رباني جديد.. وانما منهج سلطة ورياسة ولا غير.. وما دروا ان العودة عبر الزمن مستحيلة.. خاصة في متطلبات دعوة ربانية جاءت لتحقيق المساواة والحقوق بين البشر في مجتمع لا يعرفها من قبل ابدا في التطبيق.

من هنا كانت أهمية التجديد.. على مستوى الرؤية التاريخية ومن هنا أيضاً ان يكون مشروع الدولة الجديدة قابلاً للفعل في ظروف العصر.. وأوضاع العصرالجديد المستمر باعتبارها دعوة دينية سماوية دائمة الحضور مقبولة التنفيذ.. . لا تُخرق.

 في ظل السلطة والفقهاء الجدد وتفسير النص المقدس حسب أراءهم وأجتهاداتهم القديمة والمختلفة والمتخالفة التي تتحكم فيها طبيعة السلطة البدوية.. واللغة عندهم لم تستكمل تجريداتها اللغوية بعد وفق معايير الاسلام.. أخترع التفسير للنص الذي ليس له من أصل في القرآن بل كان التاويل "وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم، آل عمران آية 7 ".. مما أفرز ظهور الخلاف في الرأي والمعنى الذي استغلهما العهد الاموي لينقل السلطةالى مُلك عضوض.. ومن بعدهم العباسيون ليحولوه الى نظرية حكم الهي يمثلون الله في التطبيق يقول المنصور العباسي :" انما اناسلطان الله في أرضه أسوسكم بتوفيقة.. أطيعوني ما أطعت الله". حتى جاءت القرون التالية ليؤسس الفرس والاتراك في عهد الدولتين البويهية "334-447 للهجرة". السلجوقية "447-547 للهجرة" وفقهائهما حكم الكائفة والمذهب خلافاً لمبادىء الدعوة.. .وانعكست تلك الأراء فيما بعدعلى أسس التدريس، الذي غذى عقول الطلبة بالطائفية والخطأ المقصود الذي شق المعتقدين بالدعوة من امة واحدة " ان هذه امتكم أمة واحدة وانا ربكم فأعبدون، الانبياء 92"الى أمم متخاصمة فيما بينها.. فلم يعد بالأمكان نزع الفكر الخاطىء من معتقدية.. نظرية صعبة لا يمكن مقاومتها في ظل الفكرالسياسي والديني المتقاطع اليوم..

أما كان الأصلح لهم ان يكونوا على دين واحد بدلاً من ان يكونوا متخاصمين على مذاهب دينية مخترعة ليس لها في الدين من أصل.. أم انهم أستغلوا الدين لأثبات العنصرية..؟ أم استغلوه لصالح أنفسهم في حكم السلطة ؟ كما في نظريات الفقهاء من امثال الكليني (ت447 للهجرة) والماوردي (ت364 للهجرة) كما في قول قول المعمم الصافي ممثل السستاني في كربلاء حين يقول:" ليس المهم ان تكون متمكنا في الدنيا، المهم ان تكون عابداً لتكون غنيا في الأخرة.. فكر متخلف ومتحجر قتلوا به التقدم والتحضر والحقوق.. أما هم فلهم حق سرقة اموال المواطنين والرفاه الاجتماعي.. والأديان؟

فكراسلامي جديد مخترع من الفقهاء البارحة و اليوم يقاوم التقدم ويلغى نظريات الحرية في الاختيار، والصدق وصفاء النية والبعد عن الخداع وقتل النفس الأنسانية بلا ضمير كما هو سائد في قوانين منظماتهم اللانسانية، ومذاهبهم الباطلة، التي بها قتلوا كل العلماء والمفكرين ومن له رأي صحيح، وكل من يُشم منه رائحة الاخلاص لوطنه ودينه وأنسانية الأنسان، دون تحديد كما في فكر حزب الله ومليشيات الغدر والتنفيذ.. عوضاً عن فكرٍ أنساني موحد يحمي الحدود من الغاصبين المخربين للوطن والانسان بلا حدود كما في فكر المصلحين.. بعد ان جسد الفكر الديني المذهبي المتزمت المعتمد على النص الثابت دون الأصول.. فهل لنا من محاولة جادة في العصر الحديث لتحويل عصر النصوص الى الأصول لأرتباطه بتطور الفكر الفقهي ونمو الاستنباط، نظرية قالها.. محمد باقر الصدر في كتابه"المعالم الجديدة ص54" حين رأى فيها، انها حاجة تاريخية للأبتعاد عن عصر النصوص التي جعلت السلطة او الخلافة عقيدة مذهبية تجنبهم معارضة الأخرين، التي استمسك بها الحاكمون الى اليوم.. ويقف قادة حزب الدعوة الجدد.. والحزب الاسلامي.. والاخوان المسلمين.. في المقدمة.. ؟

هكذا كان الاحساس عند اهل الشورى الحقيقية منذ البداية خوفا من ان يتحول المرض الى نظرية جبرية حتمية لاشفاء منها ابداً، وهذا ما حدث، وهكذا قالها الصحابي سعد بن عبادة وأنسحب من الخلافة فقُتل فقالوا عنه "قتلهُ الجن" "عمر والتشيع، ص169"، كما قتلوا المفكر هشام الهاشمي فقلوا قتله مجهول.. منذ ذلك الوقت هي نفس التبريرات لمن يريدون قتله سياسياً..، وهذا ما نواجهه اليوم دون أمل في الاصلاح ممن أمسكوا بسلطة الدولة والدين النصي المغاير للصيرورة الزمنية معاً.ورغم ان الفقه أوسع نطاقاً من القانون في التشريعات المعاصرة، لكن هذا الفقه الأصولي قد تمت أزاحته من التعامل.. حين حل محله فقه السلطة في التطبيق حتى استطاعوا ابعاد نظريات التطور لتحل محلها نظرية الخليفة القيصرأو ولي الفقيه ليحولوه الى نصوص دينية يصعب التعامل معها في ظل التطور الفكري والتكنولوجي اليوم.. فادخلوا في الدساتير نصا يطالب بتطبيق الشريعة في حكم الناس كما في الدستور العراقي الهجيني بعد التغيير في 2003 الذي ولد الفرقة بين المواطنين.. "المادة الثانية منه".. فكان لهم ما أرادوا.. لكنهم ما دروا انهم قتلوا العقيدة والوطن وأنفسهم.. والدين.. معاً.

ان نقل الرئاسة من قضية فروع الى قضية عقيدة كانت الضربة القاضية التي حلت بالاسلام السياسي فمات من زمن.. من هنا فقدت الأمة بوصلة التقدم. وخاصة بعد الغاء الشورى كنظرية استقامة وحقوق ما جعل النظام الاستبدادي بؤرة الازمة السياسية عند المسلمين والى اليوم.. فحل السيف محل العقل في التطبيق.. لدرجة ان حتى اعلامهم الرسمية اليوم رُسمَ عليها السيف أشارة للعنف والظلم.... وهذا ما ورثوه من الفتوحات الأسلامية الخائبة الظالمة للشعوب الاخرى التي نهى عنها الدين الاسلامي وعن اسلمتها بالقوة "لكم دينكم ولي دين".. .رغم ان النص لم يطبق منذ البداية حين حلت الغزوات والقتل والتهجيرلمن خالفهم في الرأي والحواروهو خير شاهد على ما اقول.... فخلقوا لنا القاعدة وداعش والاخوان المسلمين .

ان تحول هذا الخطأ الذي يكمن في الرئاسة الفردية الى نظرية مطبقة في حكم المسلمين، انهى حكم القيادة الجماعية في ظل الشورى (الديمقراطية) الملزمة فتحول الامر الى الملك العضوض الذي بقيت السلطة فيه مقدسة لا يجرؤ احد ان يمسها بسوء فظلت الدولة تسبح في بحور الظلم والظلام وتخلف الامة طيلة كل هذه القرون الطويلة رغم ظهور بوادر للأصلاح كما في عهد الخليفة الأموي عمر بن عبدالعزيز (99-101 للهجرة) والخليفة المآمون العباسي (ت198 للهجرة) الذي أحتضن فكر المعتزلة الراقي في التطور والتغيير.. لكن الفقهاء الذين وقفوا ضده استطاعوا من افشاله.. والابتعاد عن عصر التطور والحضارة معتقدين انها هي عقيدة الدين فحسب، بينما هي في ذاتها قواعد سياسية، فالدين معناه منهج الحياة المتكامل عقيدة وشريعة وأسلوب حياة. وليس أحتكارا فكريا وتمايزا بين الناس محتجين بأهل البيت والصحابة البعيدين عن مغانم السلطة.. فأضافوا اليها العصمة والشورى والمهدي المنتظر وولي الفقيه في التفضيل.. وكلها ليس لها من أصل في نظرية الدين الجديد "ان أكرمكم عند الله أتقاكم، الحجرات 13".. فجرت محاولات أخرى جادة لانهاء هذا التيار الخاطىء في حكم الدولة تزعم التيار مجددون منهم رشيد رضا وجمال الدين الأفغاني وغيرهم كثير.. .الذين نادوا بالقيادة الجماعية والغاء فلسفة القيادة الفردية فذهبت جهودهم هباءً.

بعد هذا الزمن الطويل على ممارسة نظريات الخطأ في قدسية الخلافة وولاية الفقيه وما افرزته الحركة الفقهية وخاصة فقهاء الفارسية ابتداءً بالكليني (ت329 للهجرة) وكتابه الكافي مرورا بالشيخ المفيد (ـ431 للهجرة ) وكتابه الأرشاد، واستمراراً بالطوسي (ت460 للهجرة) وكتابيه الاستبصار وتهذيب الأحكام ومن جاء من بعدهم، الذين دمروا نظام الامة بالكامل حتى اقنعوا الناس بالاحاديث النبوية الوهمية كما جاء في بحار الانوار للمجلسي واحاديث مسلم والبخاري المخترعة منهم.. وتفسير الايات القرانية تفسيرا ترادفيا اقنعوا البعض بانهم ظل الله في الارض مقدسين لا يجوز انتقادهم كما في نظرية (قدس الله سره الشريف) حين بلشفوا حتى اعدائهم الذين اصبحوا هم ضحاياهم.

وحين دخلوا مرحلة التحدي علميا وفكريا للمذهب والمقالة والمدرسة في ظل البويهيين المناصرين للمذهب الوهمي على حساب الفكر الاسلامي الموحد الرصين.. حتى اصبح الحكم الفردي دينا يمارس، وطقوسا تؤدى، "البكاء واللطم والزنجيل" ولا ندري على من يلطمون.. ؟ على فقيه مات قبل 1400 سنه وهم اول من ابتعدوا عن مبادئه واهدافه الانسانية.. وكأنه هو الدين.,فأقنعوا المجتمع المغفل بصدق اقوالهم ولا زالوا الى اليوم يستغله المترفون.. هذا التوجه الذي حاولوا به ان ينتقلون من مؤسسة فكرية لقيادة جماعية تحكم بديمقراطية الشورى الى مؤسسة معادية تماما للشورى لضمان مصالحهم دون مصالح المسلمين الأخرين.. فضربوا بحد السيف كل من خالفهم ولا يزالون لاحلال فكرة المذهبية الاحادية كما في مطاردة الزيدية والحركات الباطنية والاسماعلية سابقاً.. وموقف المرجع كاظم االيزدي في النجف حين وقف مع الانكليز ضد ما يطلبه الشعب العراقي في التحريروكل من له فكرمستقل رصين.. تتزعمه اليوم قيادة ولي الفقيه..

مما حدى بصاحب حزب الدعوة السيد محمد باقر الصدر (أعدم سنة 1980) ان يعلن بأرائه الجريئة في قول الحقيقة.. الى مهاجمة فكرة عصر النصوص والعودة لعصر الاصول.. ان استشهاده حال دون اصلاح الخطأ الكبيرفأنتقل حزب الدعوة الى عدو للفكر الاسلامي الأصيل كما مثلته اليوم القيادات الدينية الباطلة المرافقة للأحتلال الامريكي الباطل الجديد من وجهة نظر عقيدة الدين.. و حين ورث الوارثون من حزب الدعوة قيادته في غفلة الزمن اليوم حولوا كل ما جاء به وفي كتابيه فلسفتنا وأقتصادنا.. الى فكر ديني بحت مخالف لما طرحه من فكر جدلي صحيح.. وهكذا استبدوا في المال والانسان والحقوق والسلطة معاً.. . ولم يعودوا الا ناكري دين.. وقادة حزب الدعوة اليوم مثالاً..

فكيف نفهم طبيعة العلاقة بين النهضة الفكرية الحقيقية وبين من يدعون بها اليوم.. ؟نفهما ان همهم الوحيد هو أهتمامهم الفقهي المنغلق المباشر بمسألة شرعية السلطة دون الشورى او ديمقراطية الاسلام الصحيح.

وحين جاء دور فقهاءالسلاجقة من امثال الماوردي (ت450 للهجرة) والغزالي (ت505 للهجرة) وأبن تيميه (ـ 728 للهجرة) نظريته في فصل لدين عن الدولة يعني الفوضى والوهابية المنغلقة على افكار المجددين . على مجاراة الحال بغية استخدام الرصيد المعنوي والذي ملكته مؤسسة الخلافة في الوعي الجماعي لما سمي بأهل السُنة.. فالماوردي مثلا (ت 450 للهجرة) حاول التوفيق بين الرأي المذهبي ومؤسسة الخلافة. والطرح الذي قدمه الغزالي لتكوين علاقة قوية بين الفقيه والسلطان وهو صاحب النظرية الميكافيلية "الضرورات تبيح المحظورات.. لذا بقيت العلاقة بينهما قوية لكنها معقدة افرزت بمرور الزمن بما لايتفق ونظرية الاسلام السياسي في وحدة المسلمين.. ومثلت التجربة الصفوية والتجربة العثمانية في القرن الثاني عشر الميلادي وما بعده مثالاً سيئاً لما حدث حين لم تمنعهم تطبيقاتهم الفكرية من الانحراف والظلم بحق انفسهم والأخرين.. واليوم يحاولون التكرار في مجتمعات مزقتها المذهبية والولائية الباطلة .

ان المشكلة الاساس بين علم الكلام واراء الفقهاء.. أصبحت مشكلة مستعصية.. هذا العلم الذي ظل حبيسا في رأي الفقهاء لذا لم يتمكن من ان يرى النور ليكون تيارا قويا لمنهج مدرسي تتداوله الامة مما افقده افكاره الرائعة التي كان من الممكن ان يفرز نظاما سياسيا مقبولا مثل الديانات الاخرى.. فظلت الشورى لفظا لا تطبيق، وبقيت الفردية هي السائدة اليوم تغذيها الجماعات المناوئه للاسلام والعرب مذهبيا معاً..

يقول باحث اخر في التاريخ الاسلامي: "ان ما يحيرني هو ان الاسلام جاء لتغيير حال العرب بعد ان تدخل في كل التفاصيل، فكيف اهمل المؤرخون الآوَل دراسة هذه الفجوة وتشخيصها التي تتعلق بمصير الاسلام وتركته طعمة للعواصف بعد ان تفرقوا الى 73 فرقة متناحرة كل منها تدعي انها صاحبة الراي والحق الصحيح.. حتى استهلكت اجيال ولازالت المشكلة شاخصة بينهم دون حل.. والى متى؟ واليوم ترفع ايران راية المقاومة الاسلامية التي زادت من شرذمة المسلمين حتى حولت المستقبل الى أظلم بعد ان ساهمت في الفرقة وافتقار الشعوب وتوظيف الاقتصاد لصالح الحرب والتدمير بمقاومة كل فكر نير جديد.. فكيف الخروج من النفق المظلم.. الجديد؟

يقول المرجع الحيدري في النجف الاشرف اليوم: لا يوجد عالم او مرجع جعفري أثنا عشري الا وقال: دون استثناء بتكفير.. المسلم الأخر ودون دليل سوى خزعبلات فقهاؤهم من المتعصبين. "أنظرالشيخ البحراني صاحب كتاب الحدائق الناظرة " فكيف تتفق هذه الاراء ووحدة المسلمين.

بينما نلاحظ ان نهضة الفكر العلمي هي القوة التي حركة المجتمعات غير الاسلامية الى حركة التاريخ والحضارة ودفعتها الى السير في طريق مستقيم يتجه الى الامام بدلا من الدوران في الدائرة المفرغة العقيمة. بعد ان نبهتهم الحركات الفكرية التي وضعت الدساتير والقوانين الى حفظ حقوق الناس والوطن فأحترموها طواعية حتى ساد الامن على النفس والمال، فتحقق لشعوبها ما أرادت.. فأصبحت النظريات العقلية الواعية للتطور الزمني المبتكرة من علماء الفكر هي الاساس في سعادة البشر وتقدم الشعوب.. فمتى نلحق بهم..؟ هذا مستحيل في ظل فلسفة مؤسسة.. الدين الحالية التي لا تؤمن بتطور الفكر الجديد..

أما يستحق التاريخ منا اليوم اعادة نظر فيما كتب فيه.. لتفحص الثوابت في مواجهة ما كتب.. حين خالط تدوينها ما لم تفطن اليه.. حتى طمست حقائق.. واخترعت حقائق.. ومشى الناس تحت سيف السلطة على أخذ ما وجدوا، فأذا بالحقائق تدفن وبالآكاذيب تدون ويضاف اليها ما ليس لها.. كفاية ضحكاً علينا يا مرجعيات الدين..

لن تقوم للامة من قائمة الا بفصل الدين عن السياسة وتشريع القوانين التي تضمن استقلال القوانين عن التشريع .ومنهج دراسي جديد قائم على علمية التدريس..

ولنا لقاء أخر..

 

د.عبد الجبار العبيدي

 

 

جواد العطارلا شك ان المتابع للعملية السياسية في العراق منذ انطلاقها عام ٢٠٠٣ والى يومنا هذا، يجدها لم تشهد استقرارا طيلة الفترة الماضية بل كان ديدنها توالد الأزمات والعبور عليها دون ايجاد الحلول المناسبة لها حتى كادت في تشرين من عام ٢٠١٩ ان تؤدي الى انفجار شعبي يطيح بالأخضر واليابس.. لكن لماذا هذه الأزمات المتلاحقة؟ وما هي اسبابها؟ وكيف نتجنبها؟ او نجد الحلول المناسبة لها؟ وكيف لم ينتبه الساسة او صناع القرار ان العبور فوق الأزمات دون حلها هو خطأ ستراتيجي يضر بالجميع!!!.

لا اختلاف ان الأزمات المتوالية التي عصفت بالبلاد كانت مضرة بشكل كبير، ومنها:

- الازمات السياسية: وطابعها الصراع والخلاف داخل البرلمان واروقة الحكومة وبين قادة الاحزاب على المصالح والمكاسب واقتسام النفوذ، وكان هذا النوع باكورة انطلاق الأزمات واخطرها لان لاعبيه كانوا وما زالوا يشكلون قمة الهرم السياسي الحاكم في العراق.

- الازمة الاجتماعية: وهذه الازمة دخيلة على المجتمع المتعايش والمتنوع في العراق منذ الاف السنين، لكنها دخلت مع المحتل الامريكي الذي طبقها على قاعدة "فرق تسد" حتى يتمكن من السيطرة على البلاد واستعباد سكانها بزرع الفتنة بين صفوفهم، وللأسف استمرت هذه الازمة الطائفية والمذهبية طيلة فترة وجود المحتل ولم تنتهي بخروجه بل تجذرت بعده دون علاج الى خلافات مناطقية ونزاعات عشائرية اغمضت الدولة عينها عنها ولا يستبعد تدخل ايادي خارجية معادية للعراق في تأجيجها.

- ازمة الهوية: وهذه الازمة هي الأخطر على مر تأريخ العراق المعاصر، حينما حاول المتربصون به مسخ الهوية الوطنية بإدخال تنظيم القاعدة ومن ثم داعش فكرا مشوها وتنظيما ارهابيا تكفيريا ووجودا على الارض، ورغم تجاوز هذه الازمة - المحنة بتضحيات الأبطال ودماء الشهداء، الا اننا لم نستطع ان نرمم الهوية الوطنية للفرد والولاء والانتماء للعراق لحد الان بما الحقه النظام البائد والارهاب من أضرار جسيمة لحقت بها.

- ازمة القيم: وهي الازمة التي يتنازل الفرد فيها عن قيمه الأخلاقية والدينية او يكيفها دون ضوابط وفق مصالحه واهواءه، وهذه الازمة نخرت جسد الدولة الوليدة بتحليل نهب المال العام واستشراء الفساد والسرقات في السر والعلن.

- ازمة الوعي: وهذه الازمة تجمع كل الأزمات في بوتقة واحدة فلو كان هناك وعي سياسي لما اختلف الساسة على المصالح وفضلوا مصالهم الخاصة على مصلحة المجموع، ولو كان هناك وعي اجتماعي لعرف الجميع بان هذا البلد بعمقه الحضاري الممتد الى الاف السنين لن تهزه رياح التطرف والعنف بل يجب ان تسوده اجواء الوئام الاجتماعي والتعايش ولو بعد حين، ولو كان هناك وعي قيمي لحكم الفرد في تصرفاته ضوابط الدين ولاستقاها من مصادرها الصحيحة ولأبعد هوى النفس عن المال الحرام ولصان الدولة ومؤسساتها مثلما يصون الاب بيته لأنها الإطار المعنوي الذي نعيش داخله ويجمعنا تحت ظلاله.

ان ازمات العراق بعد ٢٠٠٣ ليست تركة النظام السابق الثقيلة ولا الاحتلال البغيض والارهاب اللعين ولا الفساد والخلافات السياسية والاجتماعية فحسب ولا الازمة الاقتصادية والصحية وغيرها وتنازل المثقفين عن دورهم في كل المجالات، بل ان ازمته الحقيقية والاساسية تتمثل في ازمة الوعي وغيابه عند الضرورة ووقت الحل على كل المستويات اعلاه ... لذلك فان قمة ما نحتاجه اليوم هو الوعي بكل شيء وتحصين الفرد من الوقوع في حبائل الفساد او الارهاب او هوى النفس او مجاميع المخربين، وهذه مسؤولية يتحملها الجميع بدءا من المدرسة والمنبر والجامعة ونحتاج الى سنوات طويلة قادمة لإصلاح ما خلفته الأزمات المتراكمة على العراق من أضرار في كافة المجالات.

 

جواد العطار

 

 

ابراهيم أبراشبعد جهد ومعاناة تمكن من الحصول على فيزا وتوفير نفقات رحلة سفر كانت ضرورية حتى يتواصل مع أسرته المشتتة في أكثر من بلد، حاله كحال غالبية الفلسطينيين ثم لاحقاً العرب الذين ضربهم زلزال ما يسمى الربيع العربي فتشتت عائلاتهم وأصبح مفهوم الوطن عندهم ملتبساً ما بين مسقط الرأس المثَبَت في جواز السفر الذي يحمله  ومكان الإقامة ومصدر الرزق في أرض الغربة؟.

صعد درجات سلم الطائرة متثاقلاً بعمر يُقارب السبعين، ومثقلاً بحقائب يدوية وأكياس بلاستيك تحوي ما يزيد عن الوزن المسموح به، وأثناء مروره من مقدمة الطائرة حيث يجلس ركاب الدرجة الأولى التقت نظراته للحظات بنظرات أحد ركاب هذه الدرجة وهو يحدق به وكانه يريد أن يتأكد مما يرى، وارتجفت أهداب كلا الطرفين للحظات من لقاء غير متوقع، عرف أنه  معين زميل الدراسة في الجامعة قبل نصف قرن تقريباً. واصل سيره إلى المقعد المخصص له في وسط الطائرة حيث ساعدته المُضيفة على وضع أغراضه في المكان المخصص للحقائب، جلس وربط حزام الأمان، وأقلعت الطائرة، حاول أن يغفو إلا أن رؤيته لزميل الدراسة معين جفا النوم من عينيه ورجع بذاكرته إلى زمان لم يَعُد متأكداً الآن إن كان زمناً جميلاً .

في ذاك الزمان كان العالم العربي وغالبية دول العالم منقسمين إلى معسكر اشتراكي ومعسكر رأسمالي امبريالي، وفي حَرَم الجامعة كان طارق معروفاً كيساري تقدمي اشتراكي يشارك في كل المظاهرات الطلابية والأنشطة السياسية، وكان مؤمناً ومنبهراً بالشعارات الكبرى المعادية للاستعمار والصهيونية والأنظمة الرجعية العميلة ورفض التبعية للغربـ، ...، كيف لا يكون ذلك والقوى اليسارية والتقدمية والشيوعية كانت شديدة التفاؤل بقرب انهيار المعسكر الإمبريالي بسبب التناقضات في داخله ولأنه نمر من ورق كما تقول النظرية الشيوعية ومع انهياره ستنهار الأنظمة الرجعية العميلة التابعة له وستنتهي دولة الكيان الصهيوني.

كان الخطاب الثوري اليساري التقدمي آنذاك  لا يتوقف عند المطالبة بتحرير فلسطين بل يتجاوز ذلك مطالباً بتحرير لواء الاسكندرونه السوري من الاحتلال التركي وتحرير مدينتي سبتة ومليلية المغربيتين من الاحتلال الإسباني وتحرير الجزر الإماراتية الثلاثة طُمب الكبرى وطُمب الصغرى وأبو موسى من الاحتلال الإيراني. بالإضافة إلى اسقاط الأنظمة الرجعية العميلة حيث حملت جماعات ثورية السلاح لإسقاط هذه الأنظمة، من عُمان في الخليج العربي إلى المملكة المغربية على شواطئ الاطلسي مرورا بالعراق والسودان ، وآنذاك كان كل مواطن له صلة بنظام الحكم أو يشتغل في الأجهزة الأمنية يُعتَبر عميلاً ومشبوهاً.  

واصل شريط الذكريات يحُّول بينه وبين أخذ غفوة ولو قصيرة، فاستعادت ذاكرته كيف كان الاعتراف بإسرائيل أو التواصل مع الإسرائيليين، حتى وإن لم يكونوا صهاينة، من المحرمات وخيانة كبرى، وقد قُتِل مثقفون ومناضلون وسياسيون على يد (ثوريين) و(مجاهدين) لأنهم تواصلوا مع إسرائيليين، وتَذَكر طارق الفرحة التي غمرته عندما تم اغتيال الدكتور الفلسطيني المتميز عصام السرطاوي وبعده سعيد حمامي وغيرهم بتهمة الجلوس مع إسرائيليين غير صهاينة، كما تذكر فرحة التقدميين واليساريين العرب عندما تم اغتيال الرئيس المصري محمد أنور  السادات لاحقاً لأنه وقع اتفاقية صلح مع إسرائيل، مع أن القاتل كان من الجماعات الدينية المتطرفةّ المناهضة لليسار والشيوعية وكان السادات قائد حرب اكتوبر المجيدة .

فيما هو يستعرض شريط الذكريات  قفزت صورة زميله راكب الدرجة الأولى لتملأ مشهد الذاكرة، هذا الزميل كان في نظره يمثل الرجعية واليمين والبرجوازية المتعفنة كما كان يُطلق على كل من يخالف الثوريين والتقدميين الرأي.  لم يكن بينهما توافق أو وفاق وكثيراً ما كان يحدث تصادم بينهما يصل لدرجة تبادل الشتائم والاتهامات. كان معين طالباً مجتهداً في الدراسة ومتأنقاً في ملبسه ومتميزاً في صداقاته ومتحفظاً في أفكاره، صحيح أنه لم يكن متعمقاً في الثقافة والسياسة خارج حدود متطلبات الجامعة، لكنه كان يكره كل ما له صلة باليسار والثورية والشيوعية وحتى الإسلام السياسي، ربما بسبب أصوله الاجتماعية والطبقية أو بسبب خوفه من المغامرات، والفكر الثوري والتقدمي والجهادي فكر مغامر بلا حدود، كما كان معين مُعجباً بالثقافة الغربية وما أنجزه الغرب من تقدم، ومعجباً بالأنظمة العربية المحافظة لواقعيتها كما كان يقول .

 فيما هو غارق في أفكاره وقبل أن يواصل شريط أفكاره الدوران والنحت في ذاكرة تعود لنصف قرن طلب الربان من الركاب ربط الأحزمة استعداداً للهبوط في محطة ترانزيت قبل مواصلة السفر للمحطة النهائية.

 

في محطة الترانزيت تجول لبعض الوقت في الأسواق الحرة والمعارض وفَكَر في شراء بعض الهدايا لأفراد أسرته، مع أنه سأل أبناءه  قبل السفر إن كانوا يريدون شيئاً وردوا جميعاً نريد سلامتك ولا تتعب حالك لأنهم يعرفون وضعه المالي، ومع ذلك قال في نفسه لا بأس أن أعود لهم بالسلامة مشفوعة ببعض الهدايا، وهذا ما كان حيث اشترى بعض الهدايا زهيدة الثمن. 

وإذ هو جالس في قاعة الترانزيت يتأمل الطائرات الرابضة في المطار في انتظار استكمال الرحلة وقف أمامه مباشرة رجل حال بينه وبين استمتاعه بالمنظر الخارجي، فرفع عينيه وإذا به معين زميل الدراسة. وقف مرتبكاً ومد يده بالسلام معرفاً بنفسه، إلا أن معين جذبه محتضناً إياه ومُقبِلاً وجنتيه ومرحبا بكلمات لا تخلو من صدق المشاعر. سحب طارق كرسياً وطلب من معين الجلوس، وبسرعة استحضرا بعض الطرائف الخفيفة من أيام الدراسة مع سؤال عن فلان وفلان من الزملاء، متذكرين بعضهم ومتابعين أماكن عملهم ووضعهم العائلي، وناسين آخرين أو لا يعرفون مصيرهم، ومترحمين على من وصلهم (وصلتهم) أخبار وفاتهم.

لأن أخبار وأحوال معين كانت تصل لطارق عبر الأصدقاء ومما تتناقله وسائط التواصل الاجتماعي أحياناً لأن معين أصبح رجل سياسة وتبوأ مركزاً مرموقاً في السلطة الفلسطينية فليس من المنطقي أن يسأله عن حاله لأن ذلك سيعتبر إما جهلاً من طارق بأحداث الوطن، أو تجهيلاً لمعين واعتباره وكأنه نكرة لا يعرفه أحد، ولذا بادر معين بسؤال طارق عن أحواله وعمله ومحل إقامته، فعامة الشعب لا يعرفهم إلا أقرب المقربين منهم على عكس الطبقة السياسية حيث تصبح معرفتهم مفروضة على الجميع، سواء كانت معرفة حب أو كراهية.

بسرعة لخص طارق مسيرته الحياتية، فبعد أن أنهى التعليم الجامعي سافر لدولة عربية للعمل في التدريس وتزوج هناك وأصبح له أبناء وأحفاد، وحمد الله على كل حال، وكأن بقايا أو جذوة الثورية ما زالت متقدة داخله استطرد قائلاً: المهم حافظت على مبادئي ونقائي ورفضت كل المغريات حتى العمل في السلطة الفلسطينية التي جلبت العار والهوان وفرطت بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني مُلمحاً إلى فساد أبو فلان وأبو علان من المسؤولين في السلطة وإلى ما وصل إليه حال القضية بعد توقيع اتفاقية أوسلو وقيام السلطة، واخذته الحماسة ليتحدث عن الفساد في السلطة وفي منظمة التحرير وعن التنسيق الأمني وعجز السلطة عن وقف الاستيطان والتهويد وكيف حوَّلت المواطنين إلى أسرى لها من خلال الرواتب والتهديد بقطعها عن كل مَن يخالفها وتحدث عما سماها المجزرة التي قامت بها السلطة ضد كل جيل الثورة والنضال بإحالتهم إلى التقاعد المبكر، وكيف تتحمل السلطة ورئيسها المسؤولية عن الانقسام وحصار غزة وقطع رواتب أبناء القطاع أو تخفيضها...، ولم يتوقف إلا لأخذ النفس ورشفة قهوة وجرعة ماء ليبلل ريقه الذي جف من كثرة الكلام وحدة نبرة الصوت .

استمع معين لطارق مبتسماً دون أن يقاطعه بالرغم من أن في كلام طارق غمزا ولمزا من معين ذاته، وكيف لا ومعين ابن السلطة وأحد رجالاتها ومن المدافعين عنها حتى وإن لم يكن في الصف الأول. بعد أن توقف طارق وارتشف من فنجانه رشفة أخرى هدأت من توتره منتظراً رداً غاضباُ من معين كما كانت عادته أيام الدراسة، قال معين بهدوء: أتفهمك جيداً وأتفهم غيرتك على الوطن وتمسكك بمبادئك حتى وإن كنت أشك بثباتك على مواقفك الأولى بعد كل الانهيارات التي حدثت في المعسكر الاشتراكي وفي منظومة اليسار والتقدمية عبر العالم بما في ذلك عالمنا العربي وفلسطين في قلبه، ولا أريد أن أدافع عن اتفاقية أوسلو والسلطة ولكن أقول لك إنهما كانا ممراً إجبارياً ،وعليك أن تفكر ما سيكون عليه حال الثورة والمقاتلين الموزعين في الدول العربية التي ضربتها فوضى الربيع العربي لو لم يدخل المقاتلون والسياسيون إلى فلسطين، وما هو مستقبل الثورة ومنظمة التحرير لو لم تشارك المنظمة في مؤتمر مدريد 1991 الذي حضرته كل الدول العربية باستثناء من لم يتم دعوتهم – ليبيا والعراق- وهو مؤتمر كان هدفه تسوية الصراع سلمياً وتجاوز منظمة التحرير، وانظر  يا صديقي إلى حال اليسار الفلسطيني والعربي ولا تقل لي إن معسكر اليمين العربي والفلسطيني المتواطئ مع الغرب الاستعماري كما تقولون هُم المسؤولون عن تراجع اليسار والفكر الثوري والتقدمي والقومي، وحتى إن كان لهم مسؤولية فهي محدودة.

الكل يا صديقي أخطأ بل وأجرم في حق الوطن، ولتَقُل لي بصراحة، إذا كنا رجعيين ومستسلمين ،كما تسمينا، فرطنا في الوطن فماذا فعل الثوريون والتقدميون ومعهم الجهاديون؟ ولا تقل لي إننا السبب في الحيلولة بينهم وبين تحرير فلسطين أو توحيد الأمة العربية، أيضا لماذا تتجاهل أخطاءكم وفشل تجاربكم اليسارية والشيوعية والثورية، هذا لا يعني أن الحركات والأنظمة الرجعية واليمينية العربية كانت على صواب أو أن الوضع ما بعد انهيار الفكر والمشروع القومي والتحرري والتقدمي أصبح أفضل حالاً، أو أن حالنا بعد أوسلو واعد بنصر قريب.

يا صديقي، العالم يتغير والأيديولوجيات التي كنا أسرى لها تراجعت والشعارات الكبيرة لم تعد اليوم تحرك ساكناً ليس لأنها كانت خاطئة، بل لأنها كانت رومانسية وسابقة لعصرها ولا تتوفر على أدوات تنفيذية لتحويلها لواقع، كما أن معسكر اليسار والتقدمية والقومية نفسه كان متصارعاً مع بعضه البعض وأنت يا صديقي تتذكر الخلافات والصراعات بين القوميين والشيوعيين وبين تيارات اليسار والشيوعية نفسها، وحتى داخل الحزب الواحد كما هو الحال في الصراع بين جناحي حزب البعث العربي في  سوريا والعراق، وتفكُك حركة القوميين العرب وتفكك من انفكك عنها، هزيمة عبد الناصر والناصرية في حرب حزيران 1967 الخ .

يا صديقي يجب أن نعترف إن لم يكن بأخطائنا جميعاً فعلى الأقل نعترف بأن الأمور والناس لم يعودوا ملك يميننا وخاضعين لرغباتنا وخصوصا بالنسبة لنا كفلسطينيين، قل لي بربك يا صديقي من هو اليميني الرجعي والعميل ومن هو اليساري والتقدمي والثوري في المشهد السياسي العربي والفلسطيني الراهن؟ هل يمكن إصدار أحكام مطلقة بأن من يحملون السلاح ويحاربون النظام ويثيرون الفوضى في سوريا وليبيا واليمن وقبلها في الجزائر وتونس الخ ثوار وتقدميون، والأنظمة المستَهدَفة رجعية ويمينية؟ ولماذا نذهب بعيداً ولنتحدث عن فلسطين ولتقل لي بصراحة أين موقع قوى اليسار والقوى التقدمية في المشهد السياسي الفلسطيني وما هو دورهم النضالي؟ ولا تحاججني بأنهم ما زالوا متمسكين بالمبادئ والثوابت الوطنية، فالجميع يقول بذلك والمسألة ليس التمسك بالثوابت والمبادئ لأن هذه شعارات بل المطلوب تحويلها إلى واقع وممارسة تؤدي إلى إنهاء الاحتلال، وإن حاججتني بما تسمى قوى المقاومة في فلسطين فهذه أنجزت هدنة مع العدو وأصبحت تتحدث عن مقاومة شعبية سلمية وحتى على هذا المستوى لا تتوفر ولم تتوافق على استراتيجية وطنية لهذه المقاومة السلمية، وأصبحت السلطة والوصول لها هدفاً بحد ذاته.

 لم يقطع حديثهم أو جدلهم الذي ينكأ الجراح إلا صوت الإعلان عن موعد الإقلاع والاستعداد لركوب الطائرة.

عاد طارق إلى مقعده في الطائرة وكان المقعد المجاور له خالياً، جلس ورأسه كاد ينفجر لأنه منذ فترة طويلة لم يدخل في مثل هكذا جدال مع شخص من المعسكر الآخر المخالف لرأيه ومعتقداته، كما استفزه حديث سمير الواثق من نفسه والذي تحدث وكأن السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير حررتا فلسطين أو أوشكتا على ذلك ،أو أن رجالات السلطة ومنظمة التحرير عقلاء وملائكة وغيرهم جهلة وشياطين، وما آلمه أكثر أن كثيراً مما ذكره صديقه القديم كان منطقياً إذا حاكمناه أو وضعناه في سياق ما آلت إليه الأمور أو بمنطق السياسة الواقعية.

وفيما هو يحاول استجماع شتات أفكاره واستعادة هدوئه دهمه معين بالجلوس بجانبه تاركاً مقعدة في الدرجة الأولى بعد أن استأذن من المضيفة التي أكدت له أن المقعد شاغر. ابتسم طارق وكأن مجيء معين أسعده وربما فسره بأنه محاولة من معين لإزالة الحواجز النفسية والطبقية بينهما أو للاعتذار  له وتبديد ما قد يكون نقاشهم  تركه من غضب عنده.

واصل معين ما انقطع من حديث قبل ركوب الطائرة قائلاً يا صديقي لا تظن أنني سعيد نفسياً في موقعي في السلطة بل أقول لك بصراحة أنه وبالرغم من وجود كثير من الفاسدين والانتهازيين وغير الوطنيين في مراكز متقدمة في السلطة إلا أنه في المقابل يوجد آخرون ممن أعرفهم غير راضين عما آلت إليه أمور السلطة وحال الشعب ويناضلون من أجل الوطن ومن أجل تغيير وظيفة ودور السلطة، يا صديقي كلنا كفلسطينيين حالنا كحال ركاب هذه الطائرة، فبالرغم من المخاطر التي تهدد حياة الركاب بسبب الظروف الجوية واحتمالات وجود خلل في الطائرة وبالرغم مما بين الركاب من تباين في الجنسيات والأديان إلا أن عليهم التعايش سوياً خلال الرحلة والالتزام بتعاليم الربان وإجراءات السلامة حتى تصل الطائرة إلى بر الأمان، ونحن كفلسطينيين علينا أن نقوم بما هو مطلوب منا ونتعايش سوياً ونثَّبِت وجودنا في أرضنا ونستمر بالحفاظ على هويتنا الوطنية حتى نتمكن من مواجهة المخاطر الخارجية التي تهدد وجودنا جميعا ولا تميز بين يساري ويمني أو بين وطني وإسلامي أو مَن يؤيد السلطة أو يعارضها، وعلينا الاعتراف أن القوى الخارجية إسرائيل وواشنطن والجهات المانحة والدول العربية والإسلامية ذات الأجندة الخاصة بها سيستمر تأثيرها أكبر وأقوى من تأثير القوى والأحزاب الفلسطينية وطنية كانت أو إسلامية ما دمنا في حالة انقسام وتشتت.

قطع طارق استرسال معين بلهجة هادئة هذه المرة وسأله، إن كنا كثوريين وتقدميين ومعارضين لنهج السلطة حالمين ونتقمص زماناً غير زماننا، وإن كنا غير واقعيين وغير عقلانيين فماذا أنجزتم أنتم العقلانيون والواقعيون؟ وإن كنا ...    وتوقف أحمد عن الاستطراد عندما طلب الربان من الركاب ربط الأحزمة استعداداً للهبوط ، فاتفقا على لقاء قريب ولو عبر الهاتف لمواصلة الحديث في سياق حوار وليس جدالا ومجادلة عسى ولعل أن نُقرِب من وجهات نظرنا ......

 

إبراهيم أبراش

 

عبد الحسين صالح الطائيقرن على تأسيس الدولة العراقية (6)

أطلق العراقيون على المستشارة البريطانية في الإدارة المدنية وعالمة الآثار "غيرترود بيل" (Gertrude Bell)، لقب "الخاتون"، بمعنى السيدة عالية المقام. تخرجت من اوكسفورد، كانت معربة اللسان، لها معرفة وإطلاع بالواقع العراقي. عملت مع المندوب السامي البريطاني "بيرسي كوكس" في عشرينيات القرن الماضي. امرأة استثنائية بنفوذها وتأثيرها وبما تميزت به من عقلية متفتحة مقرونة بمواهب ومهارات متعددة. يكمن سر نجاحها في قدرتها على تحمل المشاق ومواجهة الصعاب وتفهمها لظروف الناس.

تجلى نشاطها في العراق منذُ 1909، حينما باشرت بعملية مسح وتنقيب للآثار في مناطق العراق الشمالية والجنوبية. اطلعت على الأماكن الأثرية في كل المناطق التي جالت بها. جالست الأهالي ودونت المعلومات. تجولت ببعض دول الشرق الأوسط، وعادت إلى العراق في 1914. عُينت في إدارة المخابرات السرية في القاهرة خريف 1915، بصفة مترجمة وخبيرة. أرسلها المكتب العربي في القاهرة إلى العراق في سنة 1916. بعد إحتلال بغداد عام 1917، اشتهرت بلقب الخاتون.

عندما قررت بريطانيا، بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، تغيير سياستها في العراق، وتأسيس حكومة ذات واجهة عربية، تدار حسب قول المس بيل، بأيادي عراقية وأدمغة بريطانية. إعتمدت عليها المخابرات البريطانية، فأجادت مهمتها السياسية بإمتياز في هندسة خارطة العراق الحديث الذي تأسس من "ثلاث ولايات بغداد البصرة الموصل". صاغت مستقبله السياسي في إطار الخارطة الكبرى للشرق الأوسط. رسمت خريطته على الورق في ربيع 1918، لكنها لم تستقر في الواقع إلا عقب نجاحها في تنصيب فيصل ملكاً على العراق عام 1921، حسب ما جاء في مذكراتها بتاريخ 4/12/1921.

لجأ البريطانيون إلى سياسة إرضاء الثوار من خلال التشاور معهم وتنفيذ بعض مطاليبهم بعد أحداث ثورة العشرين، منها إلغاء الإدارة المدنية وإنشاء وزارة مؤقتة تشرف على إنشاء مجلس تاسيسي مهمته انتخاب ملك للعراق وصياغة الدستور والشروع بإنشاء بعض المؤسسات الهامة. أعدت الخاتون تقريرها "استعراض الإدارة الملكية في ما بين النهرين"، الذي اقرته الإدارة البريطانية وطبعته في كانون الاول 1920، عُرف حسب مذكراتها، بـالكتاب الأبيض. 

الخاتون من الشخصيات المهمة التي  حضرت مؤتمر القاهرة عام 1921، بحضور وزير المستعمرات البريطاني "وينستون تشرتشل" للتشاور حول مخطط تقسيم الشرق الأوسط ورسم حدود الدول القومية في المنطقة بعد إنهيار الإمبراطورية العثمانية.  كانت الخاتون من المندفعين بقوة بتأييد فكرة إعطاء الاستقلال للعراق، بعدما تداولت مع زميلها "لورنس العرب"، وتوصلت إلى قناعة بضرورة قيام مجلس تأسيسي للدولة العراقية، بعدما كانت تؤيد الإنتداب البريطاني، ولا تقيم أي حساب لأي كيان وطني يصبوا إليه العراق. 

مارست نفوذاً واسعاً في تأسيس الإدارة الجديدة، شاركت في نشاطات الحياة السياسية، دخلت رحاب المجتمع الرجالي وخالطت الشخصيات السياسية البارزة من العراقيين والبريطانيين. إهتمت بسلالات القبائل وزعاماتها، زارت بعض شيوخ العشائر من العرب والأكراد، وتعرفت على رجال الدين السنة والشيعة، والوجوه البارزة في المجتمع من الموالين والمعارضين لسلطة الإحتلال. فتمكنت من تجاوز الكثير من التحديات التي وقفت بالضد من تنصيب الملك فيصل ملكاً على عرش العراق.

ظهرت قوتها وبرزت شخصيتها وتمكنت من إسقاط المرشحين المنافسين للملك فيصل. لجأت إلى شيوخ العشائر، ورجال الدين، واستعانت بزعماء المدن والأحياء من أجل توسيع حملتها الداعية لتنصيب فيصل ملكاً. لجأت إلى أساليب متعددة في إقناع الخصوم بالإنسحاب، أمثال: عبد الرحمن النقيب نقيب أشراف بغداد الذي كان له نصيباً وافراً لإعتلاء العرش. ولجأت إلى اسلوب القوة والمراوغة في إبعاد طالب النقيب، أبرز زعماء البصرة، لأنه شكل خطورة كبيرة على ترشيح فيصل. وبعد تجاوزها للإشكاليات المتعلقة بعدم  إمتلاك فيصل الأول جذور قبلية تعطيه بعضاً من الشرعية، قالت كلمتها: "لقد قمنا بتنصيب ملكنا". ورتبت إجراءات حفل التتويج في 23/08/1921.

درست الواقع الإجتماعي وتعرفت على طباع الناس، تجولت في أسواق بغداد وشوارعها وأزقتها، فحظيت باهتمامهم وإعجابهم. كان لها حضوراً متميزاً بمناسبات الأفراح والأحزان. أقامت الولائم وحفلات الشاي، فتعرفت على الكثير من الشخصيات العراقية، تبادلت معهم الزيارات. كانت تتباهى بعلاقاتها الإجتماعية مع أفراد العشائر والبيوتات البغدادية، وتعتبر تلك العلاقات دليلاً على حصولها لقب "خاتون".

اعتقدت بأنها على صواب فيما تكتب وترسم وتخطط، وهي في ذروة تألقها السياسي، مارست عملها المهني الأكاديمي الآثاري وأبدعت فيه. تتوج عملها بإنشاء نواة لمتحف عراقي ظل حافظاً لأهم الآثار التي وجدتها والآثار العراقية البابلية القديمة والمخطوطات والتحف التي حفظت الذاكرة العراقية المتخمة برموز الحضارات القديمة. سمي المتحف لاحقاً بالمتحف الوطني العراقي بعدما كان يعرف بــمتحف بغداد للآثار، تولت الرئاسة الفخرية لدائرة الآثار. وكانت على رأس لجنة مكتبة السلام التي تحولت فيما بعد إلى المكتبة الوطنية.  

حياتها مليئة بالأحداث المثيرة على الصعيدين السياسي والإجتماعي، شاءت أن تسجلها على شكل مذكرات للفترة 1917-1926، إلى أبيها السير "هيو بيل"، وزوجة أبيها "فلونس". ورغم إحتواء بعض رسائلها على آراء ونظرات غير سديدة، إلا أن الدكتورعلى الوردي اعتمدها وفضلها على الوثائق البريطانية، لأنها نادرة ومليئة بالحيوية عكست الصورة النفسية والإجتماعية بمصداقية عالية. تعتبر في مضامينها أحد المصادر الأساسية لتاريخ العراق السياسي الحديث، لتفردها بتسجيل ما لم يسجله مصدر آخر، كانت شاهد عيان في مواجهة الواقع السياسي الذي ساد العراق قبل ثورة العشرين وخلالها وبعدها.

الملاحظ في رسائلها إنها لم تستقر على رأي، فهي تمدح في وقت معين، وتشتم في وقت آخر. لم يسلم من شتمها الكثير من السياسين وشيوخ العشائر الموالين وغير الموالين لسلطة الإحتلال، ورؤساء تحرير الصحف الوطنية. فمن المثالب الواضحة في رسائلها التشكيك بقدرة العراقيين على حكم أنفسهم تبريراً للوجود البريطاني. أكدت في موضع آخر بانه "لابد من اسكات القوى الوطنية من قوى سياسية وعسكرية وعشائرية التي تقود الرأي العام العراقي التواق للتحرر والمناهض للهيمنة البريطانية". اتبعت أساليب عديدة في زرع الخلافات الطائفية بين السنة والشيعة ضماناً للمصالح البريطانية. ولكنها في 1920، نقضت رأيها بالقول: ليست لنا مصلحة في أن نحول دون رغبة العراقيين في إختيار أميرهم.

مجمل ما كتبته "الخاتون" عن العراق، يُعد من المرتكزات الأساسية للسياسة البريطانية، فهي كانت تشير في جميع ممارساتها ووثائقها على وجود إختلاف بارز بين السنة والشيعة في العراق. وظل هذا الخطاب قيد الاهتمام لدى السلطات البريطانية حتى بعد إحتلال العراق 2003.

المهتمون بشأنها قسموا مراحل حياتها في العراق إلى ثلاث مراحل، الأولى 1917-1918، مرحلة جمع المعلومات التي اعتمدت عليها سلطة الإحتلال. والفترة الثانية 1918-1923، إمتازت بفعالياتها السياسية وتأسيس الحكم الوطني. والفترة الثالثة 1924-1926، حالة التدهور الصحي وإنعزالها عن الناس.

شخصية الخاتون ومآثرها الكثيرة، مثيرة للجدل، أثارت الروائي عبد الرحمن منيف، فاستلهمها في صورة بطلة من أبطال ثلاثيته "أرض السواد".

أحبت "الخاتون" بغداد وأهلها وأعلنت في مذكراتها بأن جذورها تأصلت في بغداد وأصبح العراق موطنها الثاني. امتدت حياتها في العراق حتى يوم وفاتها بتاريخ 12/7/1926، في بيتها البغدادي عن (58) سنة، ودفنت في المقبرة القريبة من ساحة الطيران ببغداد بناء على وصيتها.

 

د. عبدالحسين الطائي

أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا

..................

المراجع:

- العراق في رسائل المس بيل 1917-1926، ترجمة جعفر الخياط، تقديم المؤرخ عبدالحميد العلوجي، الدار العربية للموسوعات، ط1، بيروت 2003.

- د. علي الوردي: لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ج5، دار كوفان للنشر، لندن 1992.

- سيف صلاح الهيتي، مس بيل صانعة الملوك ومهندسة خارطة العراق الحديث، موقع الجزيرة.

- صحيفة القدس العربي، الخاتون: مس بيل في العراق، بتاريخ 19/01/2006.

- د. نعيم جاسم محمد: الاحتلال البريطاني للعراق وطبيعة الادارة البريطانية 1914-1920.

رابط المقالة الأولى:

- https://www.almothaqaf.com/a/opinions/953410

رابط المقالة الثانية:

- https://www.almothaqaf.com/a/opinions/953571

 رابط المقالة الثالثة:

- https://www.almothaqaf.com/a/opinions/953761

- رابط المقالة الرابعة:

https://www.almothaqaf.com/a/opinions/953922

- المقالة الخامسة:

- https://www.almothaqaf.com/a/opinions/954251