علاء اللاميهذه الإلماعة التوثيقية التراثية السريعة موجهة الى البعض من شبابنا المضللين طائفيا قبل غيرهم، فهم الذين أصبحوا ضحية للمحرضين الجهلة من الشيرازيين وأمثالهم في أحزاب الفساد، أولئك الذين حرضوهم بالأمس على الدعوة إلى هدم تمثال أبي جعفر المنصور، وهاهم يحرضونهم اليوم على الإساءة الى الإمام أبي حنيفة النعمان وإبعاد ضريحه عن ضريح الإمام الكاظم، وكان حريا بهم أن يدعوا إلى تطهير ضريح الإمام الكاظم من جيفة أحمد الجلبي المدفون فيه. أدرج أدناه بعض المعلومات عن هذا الإمام النبيل الشجاع:

* ولد الإمام أبو حَنِيفة بالكوفة سنة 80 من الهجرة النبوية، الموافق لسنة 699 من الميلاد لعائلة ميسورة الحال فقد كان أبوه بائعا لقماش الخز، وورث عنه هذه المهنة التي ساعدته كثيرا في الحفاظ على استقلاليته كعالم ومثقف وفقيه حر وشجاع. عاش الإمام أبو حنيفة اثنين وستين عامًا من حياته في العصر الأموي وثماني عشرة عامًا في العصر العباسيّ.

* صلابته ضد ولاة بني أمية: "قالت له امرأة؛ أشرتُ على ابني بالخروج "بالثورة" مع إبراهيم ومحمد ابني عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب حتى قتل، فقال ليتني مكان ابنك. وكان يقول في المنصور وأشياعه: لو أرادوا بناء مسجد وأرادوني على عدّ آجرِّه لما فعلت".

المرجع: ورد في كتاب "الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل " للزمخشري - دار الفكر - ج1/ص309.

* طلب الوالي الأموي على الكوفة ابن هُبَيْرَة من أبي حنيفة أن يكون مسؤولا عن القضاء فأبى وامتنع، فحلف ابن هُبَيْرَة إِن هو لم يفعل ليضربنه بالسياط على رأسه. فقيل لأبي حنيفة ذلك فقالَ: ضربُهُ لي فِي الدُّنْيَا أسهلُ عليّ من مقامع الحديد فِي الْآخِرَة، وَاللهِ لَا فعلتُ وَلَو قتلني، فَحُكِيَ قولُه لابن هُبَيْرَة فقال: بلغ من قدره أن يُعَارض يَمِيني بيمينه، فَدَعَاه، فقال شفاهاً: وحلف له إِن لم يَلِ ليضربنّ على رأسه حتَّى يَمُوت، فَقَالَ لَهُ أَبُو حنيفَة: هِيَ موتةٌ واحدة، فأمَرَ به فضُرِبَ عشرين سوطًا على رَأسه، فقال أبو حنيفَة: اذكر مقامك بَين يَدي الله فإنّه أذلّ من مقَامي بَين يديك، ولا تهدّدني ؛ فأومأ الوالي إلى الجلاد أن أمسِكْ "كفَّ عن ضربه"، وبات أبو حنيفة رضي الله عنه فِي السجن، فأصبح وقد انتفخ وجهه ورأسه من الضَّرْب.

المرجع: أخبار أبي حنيفة وأصحابه للصميريّ، 68. وانظر أيضاً: تاريخ الإسلام للذهبيّ، 9/307.

* رُوِيَ عن عبد الله بن مالكٍ بن سليمان، قال: "أرسل الإمام زيدٌ بن علي بن الحسين إلى الإمام أبي حنيفة يدعوه إلى البيعةِ "قبل ثورته ضد الأمويين"، فقال أبو حنيفة لرسول زيد: لو علمتُ أنّ الناس لا يخذلونه كما خذلوا أباه لجاهدتُ معَهُ، لأنّه إمامٌ حقٌّ، ولكنّي أعينُهُ بمالي، فبعث إليه بعشرةِ آلافِ درهمٍ، وقال للرسول: ابسط عذري عنده".

المرجع: الجواهر المضيّة في طبقات الحنفيّة، للقرشيّ، 1/496.

* "وكان أبو حنيفة رحمه الله يفتي سرا بوجوب نصرة زيد بن علي رضوان الله عليهما، وحمْلُ المال إليه والخروج معه على اللص المتغلب المتسمي بالإمام والخليفة، كالدوانيقي وأشباهه". اقتبسه د. بدر الدين شيخ رشيد في مقالة له بعنوان "موقف أئمة الفقهاء من الحكم الأمويّ والعباسيّ".

المرجع: كتاب "تفسير البحر المحيط" لأبي حيان الأندلسي ج1/ص549/ دار الكتب العلمية، لبنان/ بيروت.

* قال الإمام أبو حنيفة النعمان عن خروج زيد بن علي بن الحسين "لقد ضاهى خروج زيد بن علي بن الحسين خروج رسول الله يوم بدر. فقيل له: لم تخلفت عنه؟ فقال: حبسني عنه ودائع الناس، وقد عرضتها على ابن أبي ليلى فلم يقبل فخفت أن أموت مجهلا".

المرجع: كتاب "الإمام زيد: حياته وفكره وآراؤه وفقهه" تأليف الشيخ محمد أبو زهرة. ص 74/ طبعة دار الفكر العربي 2005. متوفر على الانترنيت.

* وصلابته ضد بني العباس: "عن عبد الله بن الحسن عن بشر بن الوليد، قال: كان أبو جعفر المنصور أشخص أبا حنيفة إليه، وأراده على أن يولّيه القضاء، فأبى، فحلف ليفعلنّ، فحلف أبو حنيفة لا يفعل، فقال الربيع بن يونس الحاجب لأبي حنيفة: ألا ترى أميرَ المؤمنين يحلف؟ فقال أبو حنيفة: أمير المؤمنين أقدرُ مني على كفّارة أَيمانِهِ، فأبى أن يتولى القضاء، فأمر المنصور به إلى السجن، فمات في السجن ودُفن في مقابر الخيزُران رحمةُ الله عليه)

المرجع: الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء، لابن عبد البرّ، 171.

* قال الربيع: "رأيتُ أبا جعفر المنصورَ يُكلّم أبا حنيفة في أمر القضاء، وأبو حنيفة يقول له: اتّق الله ولا تُرعِي في أمانتك إلا من يخافُ الله، والله ما أنا بمأمونِ الرضى، فكيف أكونُ مأمونَ الغضب؟ ولو اتّجَهَ الحكمُ عليّك ثم تهدّدني على أن تُغرِقَني في الفرات أو أُزِيلَ الحُكْمَ لاخترتُ الغرقَ. ولك حاشيةٌ يحتاجون إلى من يُكرمهم لك، ولا أصلحُ لذلك، فقال له المنصور: كذبتَ! أنت تصلح، فقال له أبو حنيفة: قد حكمتَ لي على نفسك، فكيف يحلّ لك أن تُولّيَ القضاء من يكون كاذبًا؟".

المرجع: الجواهر المضيّة في طبقات الحنفيّة، للقرشيّ، 1/504، وانظر: مرآة الجنان وعبرة اليقظان، لليافعيّ، 1/243، ووفيّات الأعيان، لابن خلكان، 5/406 -407.

* وتوفّي أبو حنيفة النعمان ببغداد، وقيل في السجن لأنه رفض أن تَكُونَ قُضَاةُ الْإِسْلَامِ من تحت أمره، والطالبُ له هو المنصور، فامتنع فحبَسَه، وكان يُخرج كلّ يوم فيضرب عشرة أسواط، وينادى عليه في الأسواق، ثمّ ضُرِبَ ضربًا موجِعًا، حتّى سال الدم على عقِبيه، ونودي عليه وهو كذلك، ثمّ ضُيّق عليه تضييقًا شديدًا حتّى في مأكلِهِ ومشرَبِه، فبكى وأكّد الدعاء! فتوفّي بعد خمسة أيّام. وروى جماعةٌ أنّه دُفِعَ إليه قَدَحٌ فيه سمّ فامتنع، وقال: لا أعين على قتل نفسي، فًصُبّ فيه قهرًا، وقيل: إنّ ذلك كان بحضرَةِ المنصور!! وصحّ أنّه لمّا أحسّ بالموت سجَد فمات وهو ساجد. قيل: والسببُ في ذلك أنّ بعضَ أعدائِهِ دسّ إلى المنصورِ أنّه هو الذي أثار إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهم الخارج عليهِ بالبصرَةِ، فطلبَ منه القضاءَ مع علمِهِ بأنّه لا يقبلُهُ؛ ليتوصّل إلى قتلِهِ …)

المرجع: ردّ المحتار على الدرّ المختار، لابن عابدين، الدمشقيّ، الحنفيّ، (ط2، 1412 هـ -1992 م)، دار الفكر، بيروت، 1/166.

* صورة قديمة لجامع الإمام أبي حنيفة النعمان ببغداد. بُني المسجد الجامع عام 375 هـ 985 م بجوار قبر الإمام، ثم في عام 459 هـ/ 1066م بني مشهد وقبة على القبر وكذلك مدرسة كبيرة، وتعتبر مدرسة أبي حنيفة الفقهية من أقدم المدارس وتسمى كلية الإمام الأعظم، وهي واحدة من ثلاث أقدم جامعات على مستوى العالم، حيث سبقتها جامعة القرويين في مدينة فاس بالمغرب وبنيت في عام 859م، والجامع الأزهر في مصر الذي تأسس في عام 972م. أما أول الجامعات الأوروبية فقد بنيت بعد ذلك في عام 1088م، وهي جامعة بولونيا في إيطاليا.

 

علاء اللامي

 

حسن العاصيلطالما حظيت حقوق الإنسان بدعم دولي واسع، على الورق على الأقل. لكنها تواجه أيضاً معارضة متزايدة، ليس فقط على المستوى الملموس في شكل انتهاكات لحقوق الإنسان، ولكن أيضًا على المستوى النظري والفلسفي. بعض الانتقادات التي وجهت ولا تزال موجهة إلى حقوق الإنسان هي:

1- إنها متناقضة، وبالتالي لا يمكن تحقيق كل شيء في نفس الوقت. من الضروري تحديد الأولويات، على سبيل المثال  بين الجيلين الأول والثاني من الحقوق.

2- لقد تمت صياغتها على أساس التقاليد الغربية وبالتالي فهي غير صالحة عالمياً ولجميع الدول والثقافات. وبالتالي فإن الالتزام بهذه الحقوق يشكل شكلاً من أشكال الإمبريالية الثقافية الغربية.

3ـ إنها لا تتوافق مع الأعراف والقيم الدينية لأنها تضع الإنسان وليس الله في المركز ولا تكملها سلسلة من الواجبات.

4-هي تتعارض مع تقاليد ثقافية معينة وبالتالي تنتهك حق مجموعات معينة في تقرير المصير الثقافي.

5- يتم استخدامها كذريعة لانتهاك حق تقرير المصير وسلامة الدول المستقلة، على سبيل المثال في شكل ما يسمى "التدخلات الإنسانية"، مما يؤدي إلى عدم الاستقرار.

كيف يمكن أن تتعارض حقوق الإنسان؟

يعتقد بعض العلماء والمناظرين أن هناك تناقضاً بين الأجيال المختلفة لحقوق الإنسان، وأنه لا يمكن تحقيقها في وقت واحد، لأن الجيل الأول يطالب بأن تكون الدولة محدودة السلطة، بينما يطالب الجيل الثاني والثالث بأن يكون للدول والمؤسسات الأخرى دور كبير.

أي يحق للسلطة ويمكن لها أن تمتلك جميع الموارد المتاحة لهم تقريباً. يقول النقاد إن ذلك سيتطلب التعدي على حرية الفرد، على سبيل المثال حقوق الملكية، وبالتالي ينتهك بعض حقوق الجيل الأول.

من ناحية أخرى، يؤكد آخرون أن الأجيال الثلاثة لحقوق الإنسان متساوية في الأهمية وأنهم يدعمون بعضهم البعض. وترد الحجج ضد الجيل الثاني من الحقوق في موضوع حقوق الإنسان على الموقع الإلكتروني لإدارة حقوق الإنسان وفي كتاب المناقشة "النضال من أجل حقوق الإنسان" صادر باللغة الدنماركية Kampen om menneskerettighederne

كيف يمكن أن تكون حقوق الإنسان تعبيرا عن الإمبريالية الثقافية الغربية؟

وفقًا لبعض النقاد، لا يمكن نشر حقوق الإنسان عالمياً، لأنها تعبير عن طريقة تفكير فردية التوجه، ولا تتوافق مع التقاليد الثقافية السائدة في أجزاء كبيرة من العالم، بما في ذلك آسيا وأفريقيا.

عندما تمت كتابة الإعلان العالمي، لم يكن هناك سوى أربع دول أفريقية أعضاء في الأمم المتحدة، وبالتالي لم تلعب القيم والتقاليد الأفريقية أي دور تقريباً في تشكيل الإعلان.

وهكذا فإن الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان لعام 1986 يتحدث عن الحقوق والواجبات، مثل واجب العمل ودفع الضرائب واحترام الوالدين. شارك في العمل فلاسفة وفقهاء أفريقيون. السياسيين الآسيويين تحدثوا عن وجود القيم الآسيوية كبديل لحقوق الإنسان. تم ذكروا القيم الآسيوية في كتاب "حقوق الإنسان - من منظور تاريخي وفلسفي وديني واجتماعي" حيث يتم تعريفها على أنها "احترام السلطة والأسرة كأساس للضمان الاقتصادي والاجتماعي، تقديس التعليم، الادخار كفضيلة، العمل الجاد كفضيلة، الإيمان بالعمل الجماعي والتماسك، التركيز على إعطاء الناس بعض المصالح في بلدهم من خلال السماح لهم بامتلاك منازلهم، والتزام الحكومة بالحفاظ على بيئة صحية أخلاقياً حيث تكون مناسبة لتربية الأطفال، وأخيراً الصحافة الحرة، لكن الصحافة يجب أن تتصرف بمسؤولية ".

أشار الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (1926-1984) إلى أن حقوق الإنسان في شكلها الحالي هي بناء تاريخي، وبالتالي ذات طابع عالمي. كان فوكو إيجابيًا بشأن حقوق الإنسان، لكنه لم يعتقد أنه يمكن للمرء أن يطالب الآخرين بالانضمام إليها.

كيف يمكن أن تتعارض حقوق الإنسان مع القيم والأعراف الدينية والثقافية؟

تنص المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن "لكل فرد الحق في حرية الفكر والوجدان والدين. يشمل هذا الحق حرية تغيير الدين أو المعتقد والحرية، سواء كانت عامة أو خاصة، للتعبير عن دينه أو معتقده من خلال التعليم والتدريب والعبادة ومراعاة التعاليم الدينية.

وهكذا يحتوي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على حماية للمعتقدات والممارسات الدينية، كما تشير الجماعات الدينية في أجزاء كثيرة من العالم إلى حقوق الإنسان عندما يتعرضون للاضطهاد بسبب عقيدتهم. تعتمد معظم الأديان أيضاً على النصوص والمعتقدات، والتي تتماشى في نواح كثيرة مع حقوق الإنسان.

لكن في الوقت نفسه، قد تتعارض التقاليد والتفسيرات الدينية مع هذا. بعض الأمثلة هي:

أـ يعتقد بعض المسلمين أن ختان بناتهم واجب ديني. لكنه انتهاك لحق الفتيات في الصحة والسلامة وبالتالي انتهاك لحقوق الإنسان.

ب ـ يعد انتهاكاً لحقوق الإنسان عندما تقوم الأنظمة الدينية في المملكة العربية السعودية وأفغانستان وإيران، من بين دول أخرى، بسجن أو إعدام الأشخاص الذين يعتنقون ديناً غير الإسلام.

ج ـ تتميز أديان العالم عادة بالواجب وليس القانون. على سبيل المثال، على اليهودي واجب مساعدة الأضعف في المجتمع، لكن ليس للضعيف الحق في الحصول على المساعدة.

د ـ في التفسيرات التقليدية لكل من اليهودية والإسلام والهندوسية، فإن إمكانيات الفرد في بعض الحالات تتفوق عليها مصالح المجتمع. على سبيل المثال، وفقًا لنظام الطبقات الهندوسية، يُطلب من الأفراد أداء أدواراً معينة مرتبطة بالطبقة الفردية.

هـ ـ وبنفس الطريقة، هناك عناصر في كل من اليهودية والمسيحية والإسلام والهندوسية يتم تفسيرها تقليدياً على أنها تعني أن النساء والرجال لا يتمتعون بفرص متساوية وحقوق متساوية.

إنها تشكل انتهاكاً لإصرار حقوق الإنسان على أن يتمتع جميع الأفراد بحقوق متساوية، بغض النظر عن الجنس.

و ـ يجادل بعض المتدينين أيضًا بأن الفكرة الكاملة القائلة بأنه يمكن للناس تبني مجموعة من القواعد التي تتفوق من حيث المبدأ على إرادة الله هي فكرة لا يمكن الدفاع عنها لاهوتياً. إنهم يعتقدون أن حقوق الإنسان يتم تحويلها إلى "دين جديد". من بين هؤلاء النقاد عالم اللاهوت الدنماركي والسياسي البرلماني السابق "سورين كراروب" Søren Krarup الذي يشرح نقده لتفكير حقوق الإنسان في تأريخ بيرلينجسكي "رقصة حقوق الإنسان" والذي كان أيضًا عنوانًا لأحد كتبه.

ما هي حالة حقوق الإنسان اليوم؟

حقوق الإنسان كمفهوم معروفة في جميع أنحاء العالم، وهناك عموماً التزاماً واسعاً نسبياً بالمبادئ الكامنة وراء اتفاقيات الأمم المتحدة. ومع ذلك، لا يزال هناك طريق طويل لتقطعه الحقوق من النظرية والورقة إلى التطبيق. حيث يتم انتهاك حقوق الإنسان كل يوم - ربما إلى حد أكبر من أي وقت مضى. هذه إحدى الحجج في كتاب المناظرة "النضال من أجل حقوق الإنسان" حيث إنه لم تكن حقوق الإنسان أكثر أهمية مما هي عليه اليوم من قبل. على مدار الخمسين عاماً الماضية، انتقلت حقوق الإنسان من كونها كلمات رائعة على الورق إلى أن يكون لها تأثير ملموس على كل جانب من جوانب حياتنا تقريباً. ولكن مع أهمية أكبر تبع ذلك المزيد من المعارضات. لقد ولت المعتقدات العمياء للماضي في التعاون الدولي والنمو المستمر للحريات والحقوق.

يتعرض مشروع حقوق الإنسان اليوم لانتقادات من عدة جهات. يشير المثاليون إلى أن الكلمات والقرارات الرفيعة لا تترك الكثير من الفرص في السياسة الواقعية المحسوبة بهدوء والتي تسود بين السياسيين ورجال الأعمال ذوي النفوذ. على العكس من ذلك، يعتقد الكثيرون أن التطور قد قطع شوطاً مهماً، وأن المحاكم الدولية على وجه الخصوص تتحدى السيادة الوطنية.

من الدول الأوروبية مثل المجر إلى الدول الآسيوية مثل الصين وحتى مع القوة العظمى للولايات المتحدة، فإن حقوق الإنسان هي شيء موضع تساؤل - وإلى حد أكبر مما كان عليه قبل عقد أو عقدين فقط.

تم تقديم نفس الملاحظة في كتاب "حقوق الإنسان - من منظور تاريخي وفلسفي وديني ومجتمعي" والذي نُشر حتى في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين: "لقد أشارت حكومة الولايات المتحدة بوضوح إلى أن الإرهابيين المشتبه بهم لا يمكنهم توقع الشيء نفسه من حقوق للآخرين، عندما يتعلق الأمر باليقين القانوني. هذا انتهاك أساسي لحقوق الإنسان الأساسية.  في الوقت نفسه، يقدر المؤلفان أن "انتهاكات حقوق الإنسان في الماضي كانت شيئاً مرتبطاً بالصين ودول آسيوية أخرى أو مذابح في إفريقيا.

اليوم، يعد النقاش حول حقوق الإنسان جزءًا أساسياً من المجتمع الغربي. وحقوق الإنسان أصبحت أكثر وضوحا على جدول أعمال المجتمع الدولي على الرغم من النكسات الكبيرة.

يشير كتاب حديث أيضاً إلى أن حقوق الإنسان قد تتعرض لمزيد من التحدي في عالم رقمي متزايد. الكتاب يسمى "حقوق الإنسان في عصر المنصات" باللغة الدنماركية المؤلف "ريكي فرانك يورجنسن" Rikke Frank Jørgensen يؤكد على سبيل المثال، أن الكتاب يطرح تحديات جديدة عندما تكون الشركات الخاصة هي التي يجب أن تعتني بحقوقنا. تحدث أجزاء كبيرة من الحياة العامة على المنصات الرقمية. فالشركات الخاصة هي التي تقف وراءها، مما يخلق مفارقة في المصالح. على المنصات الرقمية يتم تحديد حقوقك وإنفاذها على أساس المعايير التجارية.

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدنمارك

 

جورج كتنيسعى محمد الجولاني قائد هيئة تحرير الشام التي تسيطر على المنطقة الخارجة عن سلطة النظام السوري في محافظة ادلب وريف حلب الغربي لاظهار منظمته الجهادية بانها تختلف عما تتصورها اطراف محلية وخارجية. ف"الهيئة" التي كانت تسمى جبهة النصرة والمصنفة على قائمة الارهاب الدولية، هي انشقاق عن الدولة الاسلامية التي هي بدورها احد فروع منظمة القاعدة. انضم الجولاني لقاعدة العراق في العام 2003 الذي شهد احتلال اميركا وانهاء حكم صدام حسين. عمل تحت قيادة ابو بكر البغدادي في العراق حيث سجن لخمس سنوات ثم ارسله البغدادي مع اموال ورجال لسوريا بعد اندلاع الانتفاضة الشعبية السورية. لكنه انشق عن البغدادي عندما اعلن هذا الغاء اسم كل من جبهة النصرة والدولة الاسلامية في العراق ودمجها في "الدولة الاسلامية في العراق والشام" (داعش). واعتبر الجولاني منظمته في سوريا التي توسعت وضمت الآلاف مبايعة لزعيم تنظيم القاعدة ايمن الظواهري. وعاد مرة اخرى لينشق عن القاعدة لتصبح "الهيئة" سورية بلا ارتباط باية جهة جهادية خارج سوريا.

عمل الجولاني لاظهار انه تغير في تصريحات واجراءات شكلية مثل محي انصاره لشعارات متطرفة من على جدران في ادلب او ارتداء الجولاني لبدلة كخروج عما يعتبره المتطرفون الاسلاميون تقليدا محرما للغرب الكافر. لكنه في حديثه المطول الاخير مع صحفي اميركي ركز اكثر على تميزه عن المنظمات الجهادية وبالدرجة الاولى ان المنطقة التي يسيطر عليها، وتضم 5 ملايين، لا تشكل تهديدا لامن اوروبا واميركا  وللمجتمع الغربي عموما، ليقول ان "الهيئة" لا ولن تنفذ عمليات خارجية وهي ضد قتل المدنيين الابرياء في اي مكان بالعالم، وانه حتى عندما كان في منظمة القاعدة كان يعارض العمليات الخارجية، وان هذا كان موقفه في 11 ايلول عندما هاجمت القاعدة برج التجارة العالمي في نيويورك رغم انه لم يخف "سعادته!" لضرب اميركا التي يعتبر ان سياستها في الوقوف الى جانب الصهاينة ضد المسلمين ومع الانظمة الطاغية ضد شعوبها، سياسة خاطئة ينتقدها دون قبول قتل المدنيين الابرياء كما حدث في "غزوة نيويورك". اراد ان يقنع الغرب باعتدال "الهيئة" لرفعها من قائمة الارهاب العالمية رغم انه دافع عن العمليات الاستشهادية على انها وسيلة وليست غاية بحد ذاتها ولكنه نفى استهدافها للمدنيين!

ورأى الجولاني انه يمكن تطبيع العلاقات مع الغرب والتلاقي حول قاسم مشترك هو وقف تدفق اللاجئين السوريين الى اوروبا ووضع حد للازمة الانسانية في سوريا، فالسوريين في منطقته يحتاجون لكل شيء، الماء والدواء والغذاء والكهرباء، وحتى طالب بالتنسيق مع الامم المتحدة في هذه المجالات. كما اعتبر هيئته جزءا "كبيرا!" من الثورة السورية ضد حكم ظالم  دون ان يوضح ما طبيعة الحكم الذي يحبذه فيما اذا سقط النظام. دافع عن الشريعة الاسلامية التي يتبناها فقط من زاوية انها تقبل بوجود تجمعات من ديانات ومذاهب مختلفة عن الاسلام، وان تطبيق الشريعة لا يعني استبعادهم. واكتفى بمدح الشريعة بالعموميات بانها "عادلة"، دون الخوض في الدفاع عن تمييزها مثلا ضد المرأة، او ضد الطوائف الاخرى التي رغم عدم استبعاد افرادها ليست لهم جميع حقوق المسلمين في مجالات مختلفة، ففي ظل حكم الشريعة هم مواطنون من الدرجة الثانية. كما لم يتعرض لتكفير الشريعة، كما يفسرها عادة الجهاديون، للديمقراطية وتحليلها قتل الذي يغير دينه، المرتد وغير ذلك ...

كما نفى الجولاني تصفية الفصائل المسلحة التابعة للجيش الحر لتأمين هيمنته الكاملة على المنطقة، بل انه صفاها باعتبارها مجرد عصابات  لصوص وقطاع طرق! وهي بالاضافة لتهم التبعية لداعش او العمالة للنظام او لروسيا او التحالف الدولي اوشتم الذات الالهية، تهم يمكن ان توجه لاي معارض ضمن منطقته لتكون حجة لتصفيته. كما نفى تعرض هؤلاء للتعذيب والمعاملة الوحشية في سجونه المتعددة ومنها سجن العقاب في جبل الزاوية وسجن حارم وسجن ادلب المركزي. كما تجاهل الاعدامات دون محاكمات والدفن في مقابر جماعية التي وثقتها "الشبكة السورية لحقوق الانسان" ومنظمة العفو الدولية. حتى انه نفى ان لديه سجون ك"هيئة" !! فهي جسم عسكري بحت فيما السجون تابعة للاذرع المدنية للهيئة "حكومة الانقاذ"، والجسم القضائي كأنها هيئات مستقلة وليس هو الذي عينها كهيئات صورية تتلقى اوامرها من قيادات "الهيئة". ولم يكتفي الجولاني بالهيمنة العسكرية من خلال تصفية من يعارضه او لا يتحالف معه، ولا بالهيمنة السياسية من خلال تعيين حكومة انقاذ تتبع لسلطته، بل طال الامر الهيمنة الاقتصادية حيث وضعت "الهيئة" يدها على جميع الموارد الاقتصادية في المنطقة وطردت االمنافسين، فاحتكرت المحروقات والمطاعم والمنتزهات والمولات ومقالع الحجر والتجارة الخارجية ما جعلها التاجر والصناعي الاول في المنطقة.

هل ستعتبر التصريحات وبعض الاجراءات  بالنسبة للغرب والعالم على انها تغييرا في سلوك "الهيئة"؟ سيكون الجولاني ومن يواليه سذج ان ظنوا انها ستغير من نظرة العالم له او لمنظمته فتشطبه من قائمة الارهاب ويتم الكف عن ملاحقته. ما يجري لن يعتبر اكثر من محاولة تلميع لصورته البشعة ولن تقنع احدا وليست تغييرا في العمق لآراء ومواقف الجماعة الموصومة بالارهاب عن حق وحتى لو لم تقم بعمليات خارجية فيما تستمر في عملياتها الارهابية في المناطق التي تسيطر عليها بقوة السلاح. لا شيء يضمن ان لا يكون هذا موقفا مرحليا الى ان تتمكن الجماعة اكثر، فمقاتلة العالم الكافر جزء من الشريعة الاسلامية التي تدعي هيئة الجولاني انها تطبقها او ستطبقها مستقبلا.

لن يغير كثيرا من صورة "الهيئة" ادعاء انها جزء اساسي من الثورة السورية للاختلاف الكبير بين اهداف الثورة الشعبية التي نادت بالحرية واستبدال النظام الديكتاتوري الاسدي بنظام ديمقراطي علماني يعطي السلطة للشعب من خلال ممثليه المنتخبين بحرية وشفافية . فاذا كان انتماء الجولاني وهيئته للثورة اتى عن طريق العمل لاسقاط الحكم الظالم، فذلك جزء من اهداف الثورة ولا يصل الى اقامة النظام الديمقراطي. فالشريعة التي سيطبقها الجولاني لن تختلف عن النظام الحالي الا بالشكل حيث سيستبدل استبداد يعتمد على حكم الشخص بحكم استبدادي آخر يعتمد على نصوص يعتبرها مقدسة فيما هي غير صالحة للعصر وتتناقض في معظمها مع حقوق الانسان كما ضمنها الاعلان العالمي لحقوق الانسان والعهود الدولية المتممة له.

التغيير الذي يمكن ان يعتبر حقيقيا، وهو على الارجح شبه مستحيل، يبدأ بتبني اقامة نظام ديمقراطي مدني كبديل عن النظام الاستبدادي الاسدي ليبدأ تطبيقه بقدر ما تسمح به ظروف المواجهة العسكرية في منطقة ادلب وغرب حلب، باطلاق سراح جميع معتقلي الرأي في سجون الهيئة والسماح بتشكيل الاحزاب والتكتلات السياسية والنشاط السياسي بحرية ودون قيود في كافة ارجاء المنطقة والكف عن ملاحقة معارضي "الهيئة" وتشكيل مجلس اداري محلي انتقالي يمثل كافة الاطراف السياسية الى ان تسمح الظروف باجراء انتخابات حرة ونزيهة، يمثل مواطني المنطقة في المفاوضات مع الاطراف الاخرى من اجل حل سياسي للحرب الاهلية في سوريا حسب القرارات الدولية.

لتغيير حقيقي، لا بد ايضا لل "الهيئة"، ان تكف عن تطبيق الشريعة فعلا او المطالبة بتطبيقها لكونها غير صالحة للعصر ولتعارضها مع حكم الشعب وممثليه المنتخبين، الذي اصبح من غير الممكن لاي بلد في العالم ان يستغني عنه من اجل تطوره وازدهار مواطنيه. فحاكمية الله التي يروجها الجولاني وامثاله من منظمات الاسلام السياسي نظرية خيالية تعطي السلطة لمن يدعي انه يمثل الله على الارض، ونتيجتها حكم استبدادي لقلة من ما يسمى "علماء" تتستر بنصوص فات اوانها وتقيم استبدادا مماثلا للاستبداد الاسدي وقد يكون اسوأ منه. ومن امثلتها نظام دولة البغدادي الداعشية المنقرض ونظام ملالي ايران الاسلامي الراهن. كما لا بد من انشاء جسم قضائي مستقل من قضاة مدنيين لا "شرعيين" كما هم حاليا يجرون المحاكمات بناء على الاجراءات المتفق عليها في البلدان المتحضرة، لتكن اولى محاكماتها لجميع مرتكبي جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية لاي طرف انتموا.

بدون مثل هذه التغييرات الحقيقية لن تفلح عملية تلميع الجولاني و"هيئته" لصورتهم امام المجتمع الدولي والاقليمي والمحلي. وسيكون الجولاني كمن يضحك على نفسه او يخادعها فيظن انه بمثل هذه المسرحية يمكن ان يزيل اسمه واسم منظمته من قائمة الارهاب وما يتبعها من ملاحقة.

 

جورج كتن

 9 حزيران 2021

 

هَا .. وقد شاءَ عقل البرلمان الأوروبي حِينَ فكَّر ودَبَّر، فَصَوَّتَ وقَرَّرَ. ثم خرج علينا عبر جَاهِلية خطابِ " الغُرُورِ والحَربِ "، كيْ يَعلم العالمون في الأرض والسماء،و يَحِقًّ القَولُ على أن الاستعمارَ الجديدَ عِبارَة عن "سياسة" تعملُ عندَ الاقتضاءِ بإنشاءِ دولٍ مُصْطَنَعَة لاَ حَظَّ لهَا في وُجودٍ ذاتِي، ومن جهةٍ أخرى، تعملُ على تقديمِ مساعداتٍ مصْحوبة بوعودِ تحقيقِ رفاهيةٍ تكونُ قواعدُها في الحقيقةِ خارجَ القارَّة الإفْرِيقِية . مثلما سبق أن حذر منه عريس الشهداء المهدي بنبركة.

فَهَكَذَا .. قد إِرتَدَّت مؤسسات أوروبا المُعاصرة عن قٍيمِ التَّدافع العقلاني والإحترام المتبادل والشراكة المتوازِنَة. وتَكَلَّسَتْ ثَقَافَتُهَا رَافِضَةً تدبيرَ الاختلافِ والخلاف بالمنطق القانوني السليم وحسن الكياسة القويم . فَصَبَأَتْ من ميثاق الشراكة الإستراتيجية السلميَّة، وأعلَنت عن سَفَر الإستعمار الجديد، حتَّى انزلقَت أنامل أوروبا نحو التعبير الأَرعنِ المَحشو بإرادَة شَرعنَة إحتلال سبتة وتمطيط الحدود الأوروبية داخل التضاريس الإفريقية. مع التمهيد لحقبة " الإبتزاز الأكبر " وتحريك وُرَيْقَاتِ المِلِيشيات الإرهابية المُسلَّحَةِ المُستَوْطٍنَة بخَلاء الجزائر، والتي تَخُوض حربًا إِسْتِرْزَاقِيَّة بالوكالة خدمةً لأَجَنْداتٍ إِقْلِيمِية لَئِيمَةٍ هَدَّامَةٍ.

وَهَا .. أَنْتُم - الآنَ- شُهُود عيان، تُتَابعونَ سلسة مَقَالِبِ " العَقلِ الأوروبي المُرتَجِفْ " وإنْزِياحَاتِه المريعة عن جادَة العَلائقِ الديبلوماسية العاقلةِ الرَّزينَة. بلْ .. ونُكُوصِه نحو المَنطق الإستعماري المُستَكْبِر الذي يتطاوَل مُتَجَبِّرًا على حدود القارة الإفريقية، مُحَاوِلاً تأبيدَ مظلمة إحتلال سبتة ومليلية وباقي الجزر المغربية. وذلك عبر  استنفار حَمِيَّة الكُولونْيَالِية، وفذلكة الأحداث وكذا  تَلْفيقِ التُّهَم الباطلة الكيدية ضد المملكة الشريفة.

إِذْ .. هَاكُم أَفْظَعَ طَفْرَاتِ العقل الأوروبي المُتَحَورِ ضِدَّ مُجتمَع التنوع البشري. حتى صار مُناقِضًا لِعَقْلِ الحداثة والديمقراطية. بل مُشاكِسًا مُعاكِسًا لأَهدَافِ مِيثَاقِ الأممِ المُتحدة. من خلال صَفاقَةِ الإبتزاز بالترويج لأَبَاطِيل دُوَيْلةِ العرقِ القَوْمِي الوحيد وسراب الجَبْهَة الطُّوطَالِيطَارية الوحيدة، الحاملة لهُويَّة ثَقافِية عُنْصُرية إرهابية تُحاوِل وأدَ حقوقَ باقي المُكوِّنات العرقية للثقافة الصحراوية المُتَعَدِّدَة الرَّوَافِدِ، وَتَنْفِي حقَّ السُّكانِ المَحَلِّيِّين المُقِيمِين بِالأَرْضِ ذاتِها موضوعَ النِّزاعِ المُفْتَعَل، منْ حَقِّهِم الطَّبيعي في اختيارِ مصيرِهِم ضِمْنَ أَحْضَانِ وَطَنِهِم الأُمُّ.

و بما أنَّ مَبْدَأَ: " الظُّلْم لاَ يُنْتِجُ حَقًّا "، يُجَسِّدُ قاعدةً قانونيةً أساسيةً ضمنَ مبادِئ القانونِ الدولي. فَلاَ يُمْكِنُ السكوت عن الظلم العظيم الذي تَبَعَهُ تحريفُ مسارِ التَّسويَّة الأممي حول قضية الصحراء المغربية. فَهَاكُم صِدْق الوَاقِعِ يُفِيدُ أَنَّ فَيْلَقَ البوليساريو الارْهابِيَّ لَيْسَ إِلاَّ المُمَثِّل الوَحيد لِشَعبٍ هلامي غير مَوْجودٍ عَدَا في مُخَطَّطات خُدَّام الاستعمار الجديد. بل .. إِنَّما المملكة الشريفة في مواجهة ميليشيات دموية مُسلحة تَرْفُضُ معايشة زمن التحول الرقمي الكبير. كما ترفض القيام بالمراجعات الفكرية اللاَّزِمَة، وترفضُ نزعَ سلاحِها الإرهابي، وترفضُ اعتماد آليات ووسائل الواقعية الجديدة. مثلما ترْفُضُ التَّخَلُّص من الإفرازات السلبية لفلول النظام العالمي القديم.

وَ لَيْتَ شِعري .. فَهَل -يا ترى- العقل الأوروبي قادِر على تجاوز أعراض متلازِمة الإنكار الحاد؟!. وهل بإمكانه مُعَالَجَة عُقَدِهَا الكولُونْيَالية اللاَّشعورية التي تَفْزَعُ نُصرةً لِلأَنا الأوروبي المريض في مواجهة الواقع الجغرافي أو الحقائق الظاهرة؟!.

وَ .. أَلاَ يَعلَمُ العقل الأوروبي أَنَّ طبيعَةَ الإسْتعمارِ الذي توزَّعَ علَى الأراضِي المغربيةِ منذ 1912- بِتَعَدُّد عواصِمِ ذلك الإستعمارِ(الفرنسيَّة والإسبانيَّة والدوليَّة بِمِنطقَة طَنْجة). أَنَّها كانَت حمايةً تَمَّت تحتَ سَقْفِ إِتِّفاقيَّةٍ دوليةٍ خاصَّة  بِ "القضيَّة المغربيَّة "، وهي إِتِّفاقية الجزِيرة الخضراء لِسَنة 1906 التِي تمَّت بحُضورِ الدَّولة المَغربيَّة، حَيْثُ ظَلَّ الإعترافُ بِوُجودِهَا وبِنِظَامِها السيّاسي السُّلطاني قائِمًا.

بِالتاَّلِي، فحينَ كانَت المملكة الشريفة تسْتعيدُ أرَاضِيهَا من تلْكَ الإسْتِعْمارَات الأوروبية المُتَعَدِّدَة، فإنَّها كانَت تسْتَعِيدُهَا بِاتِّفاقِيَّاتٍ ثُنَائِيَّةٍ بينَ الدَّولة المَغربيَّةِ – عبرَ نِظامِهَا السيَّاسِي المُمْتَلِكِ للشَّرْعيَّة السياسيَّة والقانونيَّة والتاريخيَّة والشعبيَّة، وبينَ حُكوماتِ الدُّولِ المَعْنِيَّة بِذلكَ الإستعمارِ. وأَنَّ ذَاكَ الذي تَمَّ معَ فرنسا يوم 2 مارس 1956. ثُمَّ مع إسبانيا يوم 7 أبريل من ذات السنة، وكَذَاكَ تَمَّ بمِنطقة طنجة سنَة 1957. ومن بعدِها تمَّ مع إسبانيا لاستعادَة مناطقِ طرفاية وسيدي إفني سَنَتَي 1958 و1969. وكَانَ تسجيلُ تلك الإتِّفاقيَّاتِ بِالأُمَم المُتَّحدة.

و مِنْهُ، فإنَّ استعادَة المَغْرِبِ لإِقْلِيمِ الصَّحراءِ الغَربيَّة منَ الإستعمارِ الإسباني، قد تم ضمنَ نفسِ الصَّيرورَة القانونية التاريخية. إذْ .. ذا الأمرُ الذِي تَمَّ عَمَليًّا يَوم 28 فبراير 1976، بعدَ تنظيمِ المَسيرةِ الخضراء يوم 6 نونبر 1975.

أَو .. إسْأَلوا جَيْلَ الذكاء الإصطناعي إن كنتم لا تعلمون !.

 

عبد المجيد موميروس

 

حميد بن خيبشألهمت الناشطة الحقوقية والبيئية الكينية وانغاري ماثاي نساء إفريقيا بفكرة أن شعلة الأمل في التغيير، وخروج إفريقيا من نفق التبعية والتخلف تنبثق من الداخل، من قدرة الإنسان على تفجير مُمكناته، وتصميمه على العودة إلى جذوره، وقصة أسلافه، وتوقفه عن استجداء الركوب في الحافلة الخطأ.

بعد مسار أكاديمي متميز، خاضت وانغاري تجربة العمل في مجال حماية البيئة والدفاع عن حقوق النساء. وفي عام 1977 أسست حركة الحزام الأخضر التي بلورت من خلالها فكرة غرس الأشجار لحماية البيئة، والتصدي لمشكلة الجفاف واجتثاث الغابات التي تعاني منها كينيا. وبسواعد النساء نجحت الحركة في غرس أزيد من أربعين مليون شجرة، قبل أن تتوسع ابتداء من سنة 1986 لتشمل خمس عشرة دولة إفريقية.

تتويجا لجهودها في تحقيق سبل عيش آمن ومستدام بالقارة السمراء، ودفاعها عن قضايا المرأة ومبدأ الشفافية في التسيير، نالت وانغاري جائزة نوبل للسلام سنة2004. وفي كتابها "إفريقيا والتحدي" عرضت وانغاري خلاصة ثلاثين عاما من الأمل، والجهد الدؤوب لكسر الجدار الذي يفصل شعوب إفريقيا عن العدالة والثراء والسلام. وقدمت خبرات وحلولا للأفارقة كي يفكروا ويعملوا لأنفسهم، ويتعلموا من أخطاء الاعتماد على الغير.

في قارة يعتمد أغلب سكانها على الأرض للوفاء باحتياجاتهم الأساسية، تواجه إفريقيا تحديات مرتبطة بالتغير المناخي، وتراجع الموارد الطبيعية التي شكلت مطمعا لقوى الكبرى، إضافة إلى غياب الحكم الرشيد نتيجة عقود من الاستبداد والصراعات العرقية المستمرة.

ومن التدابير التي تقترحها ماثاي لمواجهة تلك التحديات: الانخراط في الديموقراطية على مستوى القاعدة الشعبية، وتعزيز المجتمع المدني، وغرس الحِس الخدَمي لدى القادة الأفارقة لتشكيل هوية خاصة، تقوم على جعل الثقافة وثيقة الصلة بالاحتياجات اليومية. كما يجب أيضا أن تكون البيئة في صميم كل القرارات، حتى لا تظل إفريقيا مجرد قاعدة موارد للتصنيع والتنمية في البلدان الواقعة خارج حدودها.

لقد عانت إفريقيا خلال فترة الإدارة الاستعمارية من انتهاكات عديدة. وبعد قرابة قرن من الاستقلال، لا تزال نموذجا للفشل والفقر، وسوء الأداء الوظيفي. وهي عوامل لا يمكن ربطها دائما بالاستعمار، وإنما بغياب القيادة الصالحة، ومواصلة تدمير الإرث الثقافي والروحي.

في ثنايا الكتاب تشرح وانغاري فلسفتها الخاصة باستعادة الروح الإفريقية، من خلال استحضارها للكرسي الإفريقي ثلاثي الأرجل؛ حيث تمثل الرجل الأولى الحيز الديموقراطي ممثلا في احترام حقوق الإنسان والمرأة والطفل والبيئة. وترمز الرجل الثانية للإدارة المستدامة للموارد الطبيعية بشكل يضمن عدالة التوزيع لمن يعيشون اليوم ولمن في المستقبل. بينما ترمز الرجل الثالثة لما تسميه المؤلفة" ثقافات السلام" التي تتخذ شكل النزاهة والاحترام، والتعويض والصفح. إن الأمة التي بإمكانها أن تطور هذه الأعمدة الثلاثة، ستحقق الاستقرار وتحرر شعوبها من مظاهر البؤس الإنساني.

التحدي الثاني الذي ترفعه وانغاري هو التخلص من متلازمة التبعية، وقيود المساعدات وأموال المانحين، لكونها تعمق الشعور الداخلي لدى الأفارقة بدونيتهم، وتلحق ضررا بالغا بقدرة الشعوب على تدبير حلول خاصة لمشكلاتها. فصورة إفريقيا لدى المنتظم الدولي أصبحت قرينة للاحتياجات والمساعدات، رغم أنها تشهد صعودا في حالة التنمية خلال السنوات الأخيرة. وهذا النهج يفضي في النهاية إلى السيطرة على قادة إفريقيا لمصلحة العالم الصناعي.

يتطلب الأمر بداية تجاوز النماذج الكلاسيكية للقيادة، و التخفيف من الاعتماد المفرط على أحد الموارد الطبيعية، ثم إنشاء بيئة مشجعة على الإبداع والابتكار، والاستفادة من المساعدة الفنية التي يتيحها أصدقاء إفريقيا في مجالات العلوم والتكنولوجيا.

إن بعض الاقتصادات الإفريقية تقدم اليوم علامات مشجعة على تجاوز المساعدات نحو الاعتماد على الذات. لكن يظل الهاجس المرعب الذي يهدد كل تلك الجهود هو إرث الصراعات الداخلية الذي يفتح الأبواب لمستعمر جديد قادم من الشرق.

في التحدي الثالث تجدد ماثاي تأكيدها على عائق العجز القيادي، وضرورة إنتاج قادة متحررين من أمراض السلطة، وغير خاضعين لضغوط العرقية والمصالح الشخصية. فاستعراض القوة الذي تحرص عليه النخب السياسية اليوم مؤشر على انعدام الأمن، وازدياد الحاجة إلى جيل من الفهود الصيادة بتعبير المؤلفة، أي نخبة تقدم نوعا جديدا من القيادة، وتتجاوب مع مطالب الدمقرطة و المسؤولية، والإدارة المُحسّنة.

ومادامت متلازمة التبعية تشكل عنق زجاجة حقيقي للتنمية، فإن إفريقيا بحاجة لإدارة الآلة الاجتماعية، ومنح الفقراء أدوارا للمشاركة في الحكم وصنع القرار، بدل الاكتفاء بدور المراقب السلبي لما يجري حوله. فتوفير مِنَح كاملة للطلبة، وإحداث مشاريع للري وصناديق لتنمية الدوائر الانتخابية، هي مبادرات من شأنها أن تقطع مع الثقافة القديمة للتخلف والفساد، وأساليب القيادة عديمة الكفاءة.

ولا يقل التحدي الثقافي أهمية لقارة تعرض تراثها لأشكال من المحو والإبادة والتغريب. فالثقافة هي الوسيلة التي يعبر بها الناس عن أنفسهم. وإحدى أهم تجلياتها في القارة السمراء هي الثقافة الزراعية، أي مجمل الطرق التي يتعامل بها الإفريقي مع البذور والمحاصيل، والحصاد و المعالجة. إنها السجل الثقافي المنقول من جيل لآخر، والذي يرسم الأبعاد الكاملة للارتباط الثقافي بالبيئة. ومن المؤسف أن الثقافات الأصلية تعرضت في فترة الاستعمار للشيطنة، وترويج نعوت السحر والشعوذة والبدائية لطرق المعيشة التقليدية. لذا، ومن خلال الحلقات الدراسية التي عقدتها حركة الحزام الأخضر لسنوات، حدد المشاركون من القاعدة الشعبية فقدان الثقافة التراثية كسبب للمشكلات اتي يواجهونها، ورغبتهم لاستبطان شعور بالعمل، يتجاوز المصلحة الشخصية، والإشباع الفوري لاحتياجاتهم.

إن استعادة الروح الإفريقية رهين كذلك باستيعاب العلاقة المركبة بين الهوية العرقية والدولة الإقليمية. فالأفارقة مرتبطون بما تسميه المؤلفة" دولا مجهرية"، أي المجتمعات العرقية التي تختلف حدودها الطبيعية والنفسية عن الدولة القومية التي أنشأتها القوى الاستعمارية. بموجب هذا الانتماء يتمكن القادة من التفريق بين مواطنيهم، والسيطرة عليهم، والاحتفاظ بالبلد في قبضة الفساد. وللخروج من هذا المأزق تحتاج إفريقيا إلى خلق ثقافة وطنية شاملة، تغرس الشعور بالمسؤولية الجماعية بين المواطنين، وتدافع عن التنوع والتعدد في مقابل الإقصاء.

أما التحدي الأخير فمرتبط بمحورية البيئة في خطط التنمية، وحل الإشكالات المتعلقة بالقطاع الزراعي ومنظومة الطاقة والاستغلال الغابوي. وفي هذا السياق تعرض المؤلفة تجربة حركة الحزام الأخضر التي انبنت مشروعاتها على تحقيق معادلة التنمية في إطار بيئة مستدامة، تتصدى للاحترار العالمي.

إفريقيا تناقُض، تقول المؤلفة، فهي واحدة من أغنى القارات، لكن معظم أهلها فقراء. وهنا يبرز تحد آخر قلما اهتم به الباحثون؛ فبخلاف الموارد الطبيعية لم يحظ الإفريقي نفسه بالتقدير. ويؤدي عدم تمكين الأشخاص العاديين إلى بروز مشكلات خطيرة. لذا تظل كل التحديات السابقة قائمة مالم يُوجِد القادة الظروف التي تستطيع شعوبهم في ظلها أن تكتسب الثقة، والكرامة، والإحساس بالذات.

إنه رهان تؤمن المؤلفة بقدرته على أن يُسمعَ صوتَ إفريقيا الطَموح، بعد عقود لم يسمع العالم خلالها سوى صدى إيقاعاتها الموسيقية. تقول ماثاي: " دعونا نمارس روحانيتنا ونرقص رقصاتنا، ونُحيي رموزنا، ونعيد اكتشاف شخصيتنا المشتركة. ومن دون أعمال التجديد الثقافية هذه، نكون مجرد ضحايا الموضة.. في عالم مجرد من العمق أو المعنى، ونكون ضعفاء أمام أي شخص يريد استغلالنا". 

 

 حميد بن خيبش

 

ابراهيم أبراشلمواجهة محاولات تجزئة القضية الوطنية وتعدد مسارات التفاوض مع إسرائيل تمهيداً لضرب وحدانية التمثيل الفلسطيني وتصفية القضية كقضية جامعة للكل الفلسطيني يجب سرعة التوافق على استراتيجية وطنية للحفاظ على ما تحقق من انتصارات وانجازات وللحفاظ على وحدة الشعب والهوية.

 وسط الحديث عن الانتصار وحتى لا يتم تجيير كل ما جرى لتكريس الانقسام او لخدمة مشاريع غير وطنية نؤكد على أن النصر الحقيقي هو تتويج لمراكمة إنجازات سياسية وعسكرية تؤدي لتحقيق الأهداف الوطنية الاستراتيجية وليس تسجيل نقاط لصالح هذا الحزب أو ذاك وأن ما حققته المقاومة في غزة والانتفاضة الشاملة في كل ربوع فلسطين هو انجاز أو انتصار جزئي في حرب ممتدة، لكل ذلك نتمنى أت يتم التركيز والعمل الجاد على مسارين:

الأول: مسار الوحدة الوطنية بعد أن تحققت الوحدة الشعبية باجلي صورها وأكد الشعب أنه يمكنه ان يغير في الواقع ويفرض معادلات جديدة، كما تبدو مؤشرات أن حركة حماس دخلت على خط الوطنية وأصبحت أقرب للمشروع الوطني الجامع من أية انتماءات أخرى، أو هكذا يدل خطابها مؤخرا .

الثاني: مسار التحرك الدولي واستعادة القضية لحضورها وزخمها الدوليين، وهذا يتطلب استعادة المبادرة السياسية بمشروع سلام فلسطيني ينبني على انجازات الشعب والمقاومة وعلى الفلسطينيين الاستعداد للمعركة السياسية والدبلوماسية القادمة والتي لا تقل أهمية وخطورة عن المعارك الحربية، نقول ذلك ليس من منطلق التقليل من شأن فعل الانتفاضة الشعبية والمقاومة المسلحة في غزة بل لحصاد ما تزرعه الانتفاضة والمقاومة، لأن المقاومة بكل مسمياتها وأشكالها مجرد أداة وليست هدفاً بحد ذاته كما أن المقاومة لا تتعارض مع السعي للسلام.

إن ما يدفعنا للتأكيد على الفعل الفلسطيني وضرورة السرعة في أخذ زمام المبادرة أن المتغيرات الإيجابية التي جرت مؤخراً يجب أن لا تغَيِّيب أموراً أخرى مثيرة للقلق وتحتاج للتوقف عندها واهمها:

1- خلال الانتفاضة أو الثورة الفلسطينية المعاصرة وحتى الآن لم يتم سحب سفير أية دولة من الدول العربية والإسلامية المطَبِعة مع إسرائيل أو قطع علاقاتها معها. وهذا يؤكد أن الانتفاضة الجديدة وإن حركت المشاعر الجياشة للشعوب واستنهض الوعي القومي العربي إلا أنها بعيدة أن تكون قضية الأنظمة العربية والإسلامية الأولى.

2- التحول الكبير في الرأي العام العالمي لصالح فلسطين وخروج مظاهرات غير مسبوقة في اعدادها نصرة لفلسطين في كثير من مدن أوروبا والأميركتين ووجود جيل أمريكي وأوروبي جديد متحرر من عقد الماضي واسطورة الهولوكست وينظر للقضية الفلسطينية بواقعية كما هي اليوم ... إلا أن كل ذلك لم يغير كثيراً في موقف الحكومات ولا في موقف الأمم المتحدة حيث عجز مجلس الأمن عن إصدار مجرد بيان لوقف إطلاق النار.

3- استمر ت العلاقة الرسمية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل حيث لم يتم الإعلان رسميا عن وقف التنسيق الأمني أو التهديد بسحب الاعتراف بإسرائيل كما كان يجري في حوادث سابقة أقل خطورة، وهذا يؤكد أن منظمة التحرير ما زالت متمسكة بخيار التسوية السياسية وبالاتفاقات الموقعة.

4- لم يحدث أي لقاء مصالحة أو حوار بين الفصائل الفلسطينية، حتى دعوة الرئيس أبو مازن لتشكيل حكومة وحدة وطنية والإعداد للانتخابات لم تجد تجاوبا من حركتي حماس والجهاد الإسلامي كما فشلت محاولة القاهرة لعقد اجتماع جيدي للمصالحة، والأخطر أن نذر فتنة تبدو في الأفق .

5- التحركات الدولية والعربية وبالرغم من أنها تواصلت أكثر مع الرئيس أبو مازن إلا أن واقع الحال يقول إنه يتم تجزئة القضية وفتح مسارات متعددة للتفاوض مع إسرائيل مباشرة او غير مباشرة وهذا يضرب وحدانية التمثيل الفلسطيني، ويمكن الحديث عن ثلاثة عناوين وخطوط اتصال أو تفاوض: الأول مع الرئيس أبو مازن كعنوان رسمي للسلطة والمنظمة، والثاني مع حركة حماس كعنوان لقطاع غزة ولـ (مشروع المقاومة)، والثالث مع الأردن فيما يتعلق بالقدس وربما لدور فيما تبقى من الضفة، بالإضافة إلى عودة مصر ليكون لها دور في مستقبل الأوضاع في قطاع غزة وهو دور يتجاوز كثيراً موضوع إعادة الإعمار.

6- دون تجاهل ما حققته الفصائل المسلحة في غزة إلا أن القضية الفلسطينية لن تُحل أو تُحسم من خلال الحرب والمواجهات العسكرية فقط بل من خلال المفاوضات والتسوية السياسية.

7- ما يجري من اتصالات وترتيبات لقطاع غزة تحت مسمى إعادة الإعمار يتجاوز بكثير قضية الإعمار والاعتبارات الإنسانية وقد تؤول الأمور لتمرير مخطط الفصل النهائي لقطاع غزة.

لكل ذلك، وفي سياق التفكير العقلاني والواقعي والاستراتيجي، فإن المطلوب وبسرعة ما يلي:

1- وحدة وطنية عاجلة على المستوى القيادي الأعلى ومركز اتخاذ القرارات الاستراتيجية، منظمة التحرير الفلسطينية، بحيث تكون كل فصائل المقاومة في غزة جزءا أصيلاً فيها وليس مجرد المشاركة في حكومة قد لا تدوم إلا لأشهر.

2- ضرورة التمسك بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعياُ ووحيدا للشعب وبيت جامع للكل الفلسطيني والحذر من وجود أية جهة اخرى تدعي تمثيل الفلسطينيين كلاً أو جزءا، كتمثيل غزة مثلاً.

3- عندما نتحدث عن أهمية وضرورة إعادة بناء المنظمة بحيث ينضوي فيها الجميع فهذا يعني ان تأتي حركة حماس والجهاد وكل من هم خارج المنظمة إلى منظمة التحرير وليس الهيمنة على المنظمة وتغيير طبيعتها الوطنية الجامعة، أو تحويلها لمشروع إسلامي إخواني كما يتخوف البعض .

4- تصويب مسار المصالحة وإنهاء الانقسام بالبدء بمنظمة التحرير ثم الانتخابات التشريعية والرئاسية أو تكون متزامنة، وكلما تأخرت المصالحة والوحدة الوطنية كلما تحولت انتصارات غزة إلى تكريس الانقسام كما انه بدون اندماج حماس والجهاد في البيت الوطني الجامع ،منظمة التحرير الفلسطينية، سيستمر الانقسام حتى لو جرت انتخابات وتم تشكيل حكومة وحدة وطنية.

5- لفض الخلاف بين ما تطرحه حركة فتح وما تطرحه حركة حماس حول أيهما له الأولوية الحكومة أم منظمة التحرير؟ نقترح أن تكون المهمة الرئيسة للحكومة المقترحة الإعداد لانتخابات عامة تبدأ بالمجلس الوطني أو تكون متزامنة ويتم تحديد موعد الانتخابات بعد 6 أشهر مثلاً.

6- حتى لا تحرف غزة الأنظار عن جوهر الصراع يجب الحفاظ على حالة المقاومة الشعبية في كل مكان حسب خصوصيات كل منطقة فلسطينية وهذا يتطلب قيادة شعبية ميدانية تضمن عدم حرف المقاومة السلمية عن مسارها وكشف كل من يحاول ذلك.

7- ضرورة إعادة تشكيل لجنة المفاوضات أو الفريق الذي سيتفاوض في أية تسوية سياسية قادمة وعدم ترك الأمر لنفس الفريق السابق الذي فقد كبيره – صائب عريقات والذي كان مقتصرا على حركة فتح، وهذا يتطلب ان تكون كل الفصائل مشاركة في لجنة أو دائرة شؤون المفاوضات-.

8- التوافق على مشروع سلام فلسطيني يتجاوز المشاريع السابقة ويأخذ بعين الاعتبار التحولات والمتغيرات المستجدة وطنياً وعربياً ودولياً، لأن لا حرب أو مقاومة دون برنامج سلام، والمرحلة القادمة ستشهد مبادرات دولية لإحياء المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية أو مؤتمر دولي للسلام.

9- نتمنى التفكير بما سبق وأن طرحناه سابقا وهو أن تكون دولة فلسطين دولة اتحادية –فيدرالية- للتعامل مع خصوصية الحالة في غزة، وهذا يسمح بحكومة أو إدارة منتخبة في قطاع غزة وأخرى في الضفة تخضعان للقانون الأساسي أو الدستور الفلسطيني ولرئيس واحد منتخب وأن يكون المجلس الوطني الجديد لمنظمة التحرير بمثابة البرلمان المشترك.

واخيرا، نعلم أن هذا المطلوب وطنياً سيواجه عقبات وتحديات ليس فقط من إسرائيل بل أيضاً من بقايا أصحاب الأجندة الخارجية وممن استمرأوا المناصب والمواقع المريحة. نأمل أن يتم تذليل كل العقبات لأن الفلسطينيين الجُدد لن يسمحوا بالعودة للانقسام أو تذهب دماؤهم هدراً وتستمر غزة حقل تجارب سياسية وحربية، وإن لم يتم الاستثمار السريع والجاد للتحولات الجارية فإننا ذاهبون لا محالة إلى الفصل النهائي لقطاع غزة وعودة الوصاية العربية مجددا على القضية الفلسطينية .

 

ا. د. إبراهيم أبراش

 

 

محمود محمد عليأعلن القائد العام للقوات الجوية الإثيوبية أن القوات تعزز وحداتها وتقوم بحراسة دقيقة لسد النهضة، ومن جاني أكد مستشار وزير المياه والري الإثيوبي أن بناء سد النهضة يشارف علي نهايته، حيث بلغت الأعمال الكلية نحو 80 %، وبحسب المسؤول الإثيوبي فإنه سيكون محميا ذاتيا كونه يخزن نحو 18 مليار متر مكعب من المياه .

رئيس الوزراء الإثيوبي "آبي أحمد" قال أن بلاده ستبني أكثر من 100 سد صغير ومتوسط في السنة المالية الجديدة في مناطق مختلفة من البلاد.

تصريحات " آبي أحمد" أثارت غضب القاهرة إذ ردت الخارجية المصرية بقوة عليه واعتبرت أن إعلانه يكشف مجدداً عن سوء نية إثيوبيا وتعاملها مع نهر النيل .

كما صرح وزير الخارجية المصري السابق " نبيل فهمي" عبر برنامج تلفزيوني أن مجريات الأمور تشير إلي أن الصدام قد يكون حتمياً .. إذن ما هو الأفق التي توفره الجهود الدبلوماسية الراهنة ؟.. ولماذا تخشي أديس أبابا من تدويل الأزمة؟.. وهل يستطيع الاتحاد الإفريقي أن يتوصل إلي تسوية تضمن أن حصتي مصر والسودان من مياه النيل؟

وهنا نقول:  إثيوبيا ما تزال تتمسك برفض التوصل لاتفاق ملزم بشأن مل سد النهضة .. ومصر والسودان ما يزالان يتمسكان بالأمل للوصول إلي حل سياسي بوساطة الاتحاد الإفريقي والولايات المتحدة الأمريكية أمر ممكن .

الجهود علي هذا السبيل لم تنقطع وبرغم التحذير المصري علي لسان وزير الري "محمد عبد العاطي"  بقوله أن مل السد دون التوصل لاتفاق عادل مع دول المصب فعل مرفوض، إلا أنه أكد الحرص علي استمرار مصر في المفاوضات للتوصل لاتفاق عادل وملزم .

وزيرة الخارجية السودانية " مريم الصادق المهدي" حذرت علي الغرار نفسه من تعنت إثيوبيا ما قد يجر المنطقة إلي مزالق لا تحمد عواقبها، لأنها أكدت أن السودان يسعي لحل الخلافات بشأن السد في الملء عبر وساطة الاتحاد الإفريقي.

عضو الوفد الإثيوبي في مفاوضات سد النهضة اعترف بأن إثيوبيا تمر بمرحلة عصيبة في المفاوضات، لكنه قال أيضا بأنه لا توجد قوة يمكنها تغيير مواقف أديس أبابا .

والسؤال هنا : بماذا نفسر التعنت الإثيوبي نحو عدم الالتزام بموقف قانوني تجاه الملء الثاني لسد النهضة؟

في الحقيقة المشكل بين إثيوبيا من جهة ومصر والسودان من  جهة أخري، حيث إن ما أفهمه أن الصراع ليس بسبب  سد النهضة ؛ فسد النهضة ما  هو إلا جزئية صغيرة في المشكل الحقيقي، ولذلك فإن المشكل الحقيقي هو مفهوم إثيوبيا لملكية مياه نهر النيل، فإثيوبيا تعتبر أن هذه المياه ملك خالص لها وهذا ما أفهمه من النية في دعوة آبي أحمد نحو بناء 100 سد، وهذه مشكلة حقيقية، وهذا يعني أنه حتي ولو تم التوصل لإتفاق ملزم بشأن سد النهضة ، سيبقي هناك مشكل، وذلك لكون أن المشكل الحقيقي يتمثل في إثيوبيا تعتبر هذه المياه ملك لها، ومن ثم فإنها تضرب بعرض الحائط الاتفاقيات الدولية التي تعتبر أن نهر النيل هو نهر دولي، ويجب إقامة المشاريع بشكل منصف وعادل، وبدون الإضرار بالدول الأخرى .

والذي يدفعني لهذا القول هو المواقف الغامضة التي تلجأ إليها إثيوبيا .. فماذا يعني أن تُقيم إثيوبيا 100 سد إن كان صغير أو كبير!.. هو لا نعرف إن إن كان علي النيل الأزرق تحديداً، أم علي أنهار أخرى ! .. لكن 100 سد بلا شك سينال النيل الأزرق جزء كبير منها، لكن في النهاية ما نفهمه من ذلك ماذا يعني بناء السد؟!

إن بناء السد أن تأتي عند مجري نهر وتقيم جدار في المنتصف لتقول : ما بعد أنا سأتحكم فيه سواء من كمية المياه التي تخرج، ومتي تخرج، وأحدد الشروط التي ستخرج بها .. أي أن أتصرف مع هذه المياه علي أنها ملكي ..

ولكن كما قلت هو أن نهر النيل هو نهر دولي من المفترض أن يخضع لاتفاقيات دولية تحدد طريقة الاستفادة .. هذا هو الفعل، وكنا قد سمعنا كلمات أنه بعد الملء الأول للسد أن  نهر النيل قد تحول إلي بحيرة وعاد إلي إثيوبيا، ومن هنا نفهم كيف تكون فكرة الملكية التي تدشنها إثيوبيا بين الفينة والفينة .

وبالمناسبة أن مصر تعرف أن هذه هي حقيقة المشكلة، ومن ثم فإنها عندما تطالب إثيوبيا بإيجاد حل لاتفاق قانوني وملزم بطريقة الملء وتشغيل السد، هي عملياً تقول : لا نريد أن نخسر في حصة المياه التي تصل إلينا .

إذن المشكلة الحقيقية هي حصص المياه .. إثيوبيا لا تعترف بما تقوله مصر من أن حصتها في المياه تصل إلي 55.5 مليار متر مكعب، والسودان لها 18.5 مليار متر مكعب كحصة من المياه، وتريد أن تقول لها إثيوبيا :" هذا النيل هو ملكي .. وأنا سأتصرف فيه كما أشاء ".. ومن هنا نفهم أن المشكلة ستستمر، حتي وإن وجُد حل لسد النهضة .

والسؤال المطروح هنا في هذا المقال : أي خيارات قانونية متبقية أو متاحة لكل من مصر والسودان ؟

إذا كان أصل المشكلة هو الاتفاق علي الحصص، ففي النهاية بأنه حقيقة ما تراه إثيوبيا هو أن موقف مصر والسودان القانوني موقف ضعيف .. لماذا؟!

فإذا نظرنا للاتفاقيات التي تحدد حصص مصر والسودان من مياه أنهار النيل، ونبدأ باتفاقية عام 1929م وهذه الاتفاقية كما يزعم الإثيوبيون وقُعت بين مصر من جهة وبريطانيا من جهة أخري، وبريطانيا وقعتا نيابة عن تنزانيا، وكينيا، وأوغندا.. أين إثيوبيا ؟ .. غير موجودة، وهنا تقول إثيوبيا بأنها لم تكن جزء من هذه الاتفاقية، ومن ثم فإنها تري أنها غير ملزمة بهذه الاتفاقية، وهذه الاتفاقية هي التي حددت حصة مصر بـ 48 مليار متر مكعب من المياه، وللسودان 4 مليارات  متر مكعب من المياه ..

ثم زادت حصة مصر بعد ذلك إلي 55.5  مليار متر مكعب من المياه، وللسودان 18.5 مليارات  متر مكعب من المياه، وقد  تم ذلك في الاتفاقية التي وٌُقعت بين مصر والسودان عام 1959م، وهنا تقول إثيوبيا بأنها لم تكن جزء من هذه الاتفاقية، ومن ثم فإنها تري أنها غير ملزمة بهذه الاتفاقية لكونها تري أنها لم تكن طرف، ومن ثم فهي تري أنها غير ملزمة .

بيد أن الاتفاقية الوحيدة التي وقعت عليها إثيوبيا كانت اتفاقية 1902م، وهذه الاتفاقية كان إمبراطور إثيوبيا قد وقعها مع بريطانيا، (وهي كما تزعم إثيوبيا) لا تتحدث عن الحصص كما تقول إثيوبيا، وإنما يلتزم فيها الإمبراطور بعدم القيام أو السماح للقيام بأي مشاريع علي نهر النيل الأزرق تعيق وصول المياه إلي مصر والسودان، إلا بعد موافقة الحكومة البريطانية والسودانية .

وفي عام 2015 م تقول إثيوبيا بإن مصر والسودان ذهبتا إلي إثيوبيا ووقعتا علي إعلان المبادئ، وفيه موافقة من مصر والسودان علي إنشاء سد النهضة .. إذن إثيوبيا أصلا ترفض الاعتراف باتفاقية 1902 علي أساس أنها كما تزعم اتفاقية من العهد الاستعماري .

علاوة علي أن إثيوبيا يمكن أن تقول لمصر والسودان حسنا، أنتم وافقتم في عام 2015 علي مبدأ إنشاء سد النهضة، ومن ثم فإم موقف مصر والسودان ضعيف .. ويبقي أن مصر والسودان يمكن أن تلجأن إلي اتفاقية المجاري المائية الدولية التي وٌُقعت عام 1997م وهي تحدد ما هو النهر الدولي مثل نهر النيل الذي يربط عدة دول وتشترط أن القيام بأي عمل علي هذه الأنهار لا بد أن يكون بشكل منصف وعادل ولا يضر بالدول المطلة علي هذا النهر ..

لكن أن تلجأ مصر والسودان إلي هذه الاتفاقية فإن هذا له معنيان في نظر إثيوبيا : المعني الأول وهو في غاية الأهمية أن مصر والسودان يقولان حسنا ..

نحن نوافق أن ننسي الحصص القديمة ونريد أن نتفق علي حصص جديدة .. فهل ستوافق مصر والسودان ؟... ومع ذلك أشك !..

والأهم أن إثيوبيا التي تريد أن يظهر من هذا السلوك، هو أن يصبح هذا النهر ملكا لها، قد لا توافق علي الإطلاق علي أن تجلس لتمنح مصر والسودان هذه الحصص إلا بشروط معينة، وقد سمعنا بهذه الأفكار التي تحدثت عن البيع الزائد والفائض من مياه نهر النيل إلي دول أخري .. إذن هذا مشكوك فيه ..

حدث الخلاف بعد ذلك من خلال دعوة مصر والسودان إلي اللجوء إلي التحكيم الدولي .. وهذا في حد ذاته يمثل مشكلة وذلك لأن التحكيم الدولي في نظر إثيوبيا ينص علي أنه لا بد أن يكون هناك مبدأ الموافقة من طرف إثيوبيا علي أن تلجأ إلي التحكيم الدولي .. فهل إثيوبيا الآن توافق الآن علي هذا المبدأ ؟

لا ... حتي شروط الوساطة فلإثيوبيا تفرض شروط معينة في الوساطة، حيث لا يمكن أن يُفرض علي إثيوبيا بأن تذهب إلي التحكيم الدولي إلا في حالة واحدة أن يكون سبق ووقعت إثيوبيا اتفاقية قديمة بين مصر والسودان أنه في حال الخلاف نلجأ إلي التحكيم الدولي، ولكن في ظل إعلان اتفاق المبادئ 2015  لم يتم ذكر اللجوء إلي التحكيم الدولي مطلقا ولكن تم اللجوء إلي فكرة الوساطة فقط، ولم يذكر مبدأ التحكيم الدولي في نص إعلان المبادئ، وبالتالي لم يبقي من الناحية القانونية الكثير لكن تبقي هناك خيارات أخري عسكرية وهذا هو الحل الوحيد لمصر والسودان .

 

أ. د. محمود محمد علي

 

 

صالح الفهديفي عام 1987 قررت شركة الخطوط الأميركية «أميريكان إيرلانز» خصم حبة زيتون من كل طبق للسَّلِطةِ يُقدَّمُ لركاب الدرجة الأولى على متنِ أُسطولها، فاكتشفت أنها وفّرت مبلغ 40 ألف دولار سنويَّاً بسبب تلك الحبةِ من الزيتون..!

حبَّةَ زيتونٍ واحدةٍ لم يشعر بها ركَّابُ الدرجةِ الأُولى، لكن شعرت - بما توفَّر منها من مبلغٍ- خزانةُ الشركة!، وأظنُّ بأنَّ من اقترحها في البدايةِ قد لاقى من التهكُّمِ والسُّخريةِ ما لاقاه قبل أن تجرِّبَ الشركةَ الفكرةَ فترى أَثرها..!

ولو نظرنا نحن – دولةً وأفراداً – إلى صغائرَ ما ننفقُ عليه أَموالنا حتى لا نكادُ نشعرُ به لهَالنا الأمر، فهناكَ مما لا يُعدُّ ولا يحصى مما نعتبرهُ (حبَّةَ زيتون) لا توفِّرُ لنا شيئاً إن نحنُ أستغنينا عنها، غير أننا لو دقَّقنا في الأمرِ لوجدنا في ذلك أمراً عجباً؛ فالسَّيلُ لا يسقطُ دفعةً واحدةً، ولا تهبطُ الوديان بعدَ دفقٍ واحدٍ من السُّحب وإنَّما تبدأُ بقطرةٍ واحدةٍ، تتكاثرُ حتى تسيل ودياناً جارفة.

لا يلتفتُ غالبيتنا إلى توفير (حبة الزيتون) التي لن نشعرَ بها لو أننا قررنا الاستغناء عنها في كلِّ مصادرِ صرفنا، وأقصدُ بحبَّةِ الزيتونِ هي أقلُّ الأمورِ صرفاً إلى درجة عدم الشعور بها، أو الإستهانة والاستخفاف بها، وقد تكونُ في استهلاكِ الطاقةِ في بيوتنا، وفي مؤونتنا، وفي موائدِ سفرتنا، وفي غير ذلك من الأُمور أمثلة لما يساوي (حبة زيتون).

ولا يجبُ أن ينظر المرءُ هنا إلى الأمر وكأنه وضعُ اليدِ مغلولةً إلى العنقِ أي التقتير والبخل، وإنَّما إلى الموضوعيةِ والواقعية في تدبير الأمور، وتصريف الموارد والإعتدال فيه فالحق سبحانه وتعالى يقول:" وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا ((الإسراء/29).

الحكومةُ كذلك إن هي نظرت إلى ما يُقارب في صغرهِ (حبة الزيتون) لضبطت مواردها فيما لا ينفعها بشيء، ووجهتها إلى الوجهة الصحيحة، فإن هي وفَّرتْ ما يساوي (حبَّة الزيتون) هنا، ووضعتْ أدق الضوابط لذلك فإنَّها ستضبطُ بلا شك أوجه الصرف الكبيرةِ فيها، . 

إن الدرس هنا هو أنه لا يمكنُ ضبط أوجه الصرف المالية الكبيرةِ قبل ضبط أوجه الصرف المالية الصغيرة بل الدقيقة التي لا يكادُ يُستشعرُ بها في حياةِ الأفرادِ والمؤسسات، حتى وإن زادت الثروات، وارتفع مستوى الرَّفاه، فالإنسانُ الأريب، والدولة الحكيمة لا يعملانِ من أجلِ يومهما وإنَّما من أجلِ الإستدامة المالية، وهذه أبسط قواعدها؛ أن تُحكم إدارة الأمور الصغيرةِ قبل الكبيرة، وأن تدقِّقَ في وجوه الصرف القليلةِ قبل الكثيرة.

لقد ضرب الله لنا مثلاً بإدارةِ مورد المعيشة الأساسي بالكيفيةِ التي أدارَ بها سيدنا يوسف عليه السلام أمور الدولةِ في مصر حين ولِّي أميناً على خزانتها، ومسؤولاً عن اقتصادها، وذلك بتوفير الحبوب في مخازنَ طوال سنواتٍ الخصبِ حتى انقلب الحال فجاءت سنوات الجفاف كالحةَ الوجه، لكن الإدارة الصحيحة هي التي أنقذت سكَّان المنطقةِ من مجاعةٍ عظيمة.

إنَّ الأزمات المتكررة تعلمنا دروساً بأنَّ عقلياتنا يجب أن تتغير، وأننا يجبُ أن ننظرَ بجديَّةٍ أكثرَ نحو القادمَ من الأحوال التي لا يُعلمُ عنها شيء، فالالتزامات المالية تحتِّمُ علينا أن نميِّز بين حاجةٍ أساسيَّةٍ ورغبةٍ عارضة، وأن نتبنَّى مفاهيم مختلفة، وأخصُّ بذلك الجيل الناشيء من أبنائنا الذين عليهم أن يعووا جيداً معنى إدارة المال، وكيفية إدارة شؤونهم المالية، وما هو الاعتدالُ في الصرف، وكيفية التمييز بين الحاجة والرغبة أي أن عليهم فهم أُسس الاقتصاد.

لقد شاهدتُ بيوتاً فخمةً تُبنى دون الحاجةِ لها، حتى يصعبُ على أصحابها تكملتها، أو توفير الأثاث لها لاحقا، أو وفاء ديونها، أو القيام بصيانتها، ولو أنها كانت بسيطةً على قدرِ حجمِ الأُسرةِ لسهلَ أمرها، لكن غلبت (الوجاهة) و(المظهريات) على القدرة المالية..!

وفي المقابل تشاهدُ صروحاً ضخمةً لمؤسسات حكوميةٍ لا تحتاجُ لها لأنها في تغيُّر مستمر، وهي بحاجةٍ إلى أموالٍ ضخمةٍ لصيانتها لاحقاً، في حين أن التكنولوجيا تتجه بالحكومات إلى تصغيرِ أحجام مبانيها، وتقليل أعداد موظفيها.

وشاهدتُ مساجدَ ضخمة تُبنى دون وجودٍ موازنةٍ مسبقةٍ لها، ودون حاجةٍ لأن تكون بهذه الضخامة ولا يكاد يملأ مصليها ربع قاعتها، بل تشاهدُ جوامع قريبة من بعضها البعض، وكل ذلك يستنزفُ طاقات كبيرةٍ ، ويستلزمُ صرفاً عظيماً من الأموال.

تناسى الجميع ما جاءَ في ديننا من وصايا، وما اشتهر في ثقافتنا الشعبية من أمثال تحثُّ كلها على حسن التدبير، والتوفير، ومراعاة الأوضاع المادية، وعدم القفز فوق المقدرات المالية، لأن السقوط هو النتيجة الحتمية لهكذا أسلوب في المعيشة. 

إن اللهَ وهو ربُّ الكونِ قد ضربَ لنا أروع الأمثال في إحكام السيطرةِ عليه وعلى مقاديره فقال تعالى:" وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (الفرقان/2)، وقال سبحانه:" وكل شيء عنده بمقدار(الرعد/8).، وقال عزَّ وجل:" وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (الأنعام/59)، أفلا نتعلم بعد ذلك كيف ندبِّرُ أمورنا، ونحكم تصريف أموالنا، ونحسنُ إدارة شؤوننا؟!

 

د. صالح الفهدي

 

 

عبد الحسين شعبانما تزال مجتمعاتنا تعاني من آفات خطيرة مثل التخلّف والجهل والأمّيّة والفقر والمرض. وهذه تحتاج لمواجهتها إلى المعرفة والعلم والتكنولوجيا والقيم الإنسانية، ولا سيّما قيم الحرية والسلام والتسامح والمساواة والعدالة والمشاركة والشراكة، إذْ لا يمكن بناء المجتمعات وإنجاز مشاريع التنمية بزعم أفضليات هذا الدين أو ذاك، أو أحقّية هذه الطائفة أو تلك، فلن يتحقّق التقدّم المطلوب بالإقصاء أو التهميش الأيديولوجي، سواءً باسم الدين أو القومية أو مصالح الكادحين، خصوصاً بإدعاء امتلاك الحقيقة، بل والحق في احتكارها،  ولعل كلّ جهة أو جماعةٍ أو طائفةٍ تصوّر نفسها، وكأنها الفرقة الناجية "المبشّرة بالجنّة" حسب تعبير المؤمنين، أو الطليعة المقدامة حسب الأيديولوجيا السياسية اليسارية.

لقد صرفت مجتمعاتنا سنوات طويلة، ولا سيّما بعد إحرازها على الاستقلالات في معارك داخلية محتدِمة، تارةً باسم حقوق "الأغلبية" السائدة، وأخرى باسم "الأقلية" المهضومة، وثالثة بدعوى "الأيديولوجيا"، ورابعة تحت عنوان اختيار "طريق التنمية". واحتربت القوى والتيارات السياسية فيما بينها، مرّة بين "الملكيين" و"الجمهوريين"، وأخرى بين القوميين والشيوعيين وثالثة بين الدينيين والعلمانيين. كما شهد العالم العربي صراعاً دينياً وطائفياً، مرّة لإقصاء المسيحيين أو تهميشهم، وشمل الأمر بقية المجموعات الثقافية التي تسمّى مجازاً بـ "الأقليّات"، ومرّة ثانية بين "الشيعة" و"السنّة"، ومرّة ثالثة بين مجموعات إثنية أو لغوية أو سلالية، وجميعها تتعلق بهدر الحقوق وعدم تحقيق المواطنة المتساوية من دون تمييز أو استعلاء.

وفي المجتمعات المتعددة الثقافات، دينياً وقومياً وإثنياً، ولغوياً، ومنها بلداننا العربية وبعض البلدان الإسلامية، أكّدت التجربة أنه لا يمكن تحقيق التنمية المنشودة والنهوض بهذه المجتمعات والبلدان من واقع التخلّف إلى واقع التقدم، إلا بالتعاون بين مختلف التكوينات. فالأوطان تُبنى بالسلام والاستقرار والتعايش. وكان دستور اليونسكو قد أكّد: "لما كانت الحروب تتولّد في عقول البشر، ففي عقولهم يجب أن تُبنى حصون السلام"، والأمر يحتاج إلى حوار وتفاهم لحل المشكلات الوطنية والاجتماعية، وتوافق وطني في ظل سيادة القانون.

ولعلّ بلداً صغيراً نسبياً ومتخلّفاً مثل ماليزيا تمكّن وخلال ثلاثة عقود من الزمان، التحوّل إلى دولة صناعية قادرة على المنافسة في السوق العالمية، بفعل قيم التسامح والسلام والعيش المشترك بين المجموعات الثقافية المختلفة المسلمة والبوذية والمسيحية والهندوسية وأتباع ديانات قديمة أخرى.

لم يكن وصول بلد مثل ماليزيا إلى النجاح المطلوب عبر فتاوى تكفّر هذه المجموعة الدينية على حساب تلك أو تعلّي هذه الطائفة على حساب طائفة أخرى، بل كان بالتوجه - وعلى نحو صارم - لوضع مسافة واحدة من الجميع، ولم يكن ذلك من دون عناء أو أخطاء أو حتى شبهات فساد، لكن المشروعية القانونية كانت هي الضامن للنجاح وللشرعية السياسية.

كما لم تكن لدولة كبرى مثل الصين أن تحقّق القفزة النوعية الهائلة في التقدّم بالكتاب الأحمر لـ ماوتسي تونغ ووصاياه، بل كان الانصراف إلى العلم والتكنولوجيا وتعديل شروط الإنتاج وعلاقاته بالقوى المنتجة، هو الذي ساهم في تحقيق التراكم المطلوب، فضلاً عن نظام إدارة سليم، وإرادة سياسية فاعلة.

وهكذا فإن التساوق مع منجزات العلم والتكنولوجيا وتوظيفها بشكل صحيح وعلمي هو الذي حقق المنجز التنموي.

لقد أكّدت التجارب التنموية أن إحراز التقدّم يتطلب علماء في الفيزياء والكيمياء والهندسة والطب، وليس تكديس أعداد من خريجي المدارس الدينية هم أقرب إلى العاطلين عن العمل منهم إلى منتجين، كما ليست حاجة المجتمع إلى كوادر تتخرّج من المدارس الحزبية لا عمل لها سوى الأوامرية البيروقراطية، وهؤلاء وأولئك دائماً ما يميلون إلى التعصّب ووليدِه التطرّف. والأخير يصبح عنفاً إذا صار سلوكاً وانتقل من التفكير إلى التنفيذ. فما بالك حين تتبنّاه الدولة، سواء باسم "الثورة الثقافية" أو الإيمانية المُؤدلجة، باسم "التكفير والهجرة" أو "ولاية الفقيه" أو "العودة إلى السلف الصالح" حسب داعش وأخواتها، فإن تأثيراته السلبية تكون كبيرة على المجتمع، لا سيّما إذا تم ضخّه عبر التربية والتعليم والإعلام والثقافة السائدة، ناهيك عن القوانين الناظمة للاجتماع السياسي.

يقول مهاتير محمد عن تجربة ماليزيا: "لقد قررنا أن نعبر المستقبل بمباركة كل المكوّنات العرقية والدينية والثقافية من دون الالتفات إلى عذابات ومعارك الماضي، فنحن أبناء اليوم... ومن حقّنا أن نتمتّع بخيرات هذا الوطن".

أما الصينيون فبعد وفاة الزعيم ماوتسي تونغ 1976، وانتهاء "الثورة الثقافية"، ذات البعد الأيديولوجي الدموي، فإنهم توجّهوا إلى بناء القدرات بإرادة قوية وطموح كبير، وخلال أربعة عقود من الزمان نافست الصين الولايات المتحدة القوة الأكبر والأكثر تقدماً في العالم.

وفي الحالتين الماليزية والصينية، لم يكن الاعتبار سوى للعلم والتكنولوجيا وهما ما نحتاج إليه في بلداننا العربية والبلدان الإسلامية، خارج دوائر التزمت والتشدّد والغلو الديني والطائفي، الذي ضرب فايروسه بلادنا بالصميم أكثر من فايروس كورونا، وأحدث تمزّقاً وتفتّتاً في بنية مجتمعاتنا، ونحن لما نكن قد شفينا بعد، من فايروس الأيديولوجيا الذي هيمن علينا وتوغّل فينا لسنوات طويلة.

 

د. عبد الحسين شعبان

 

 

احمد عزت سليمرغم مماراسات الهيمنة المركبة والمعقدة والمتلاحقة التى تمارسها كافة الأنظمة والسلطة الاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية والرأسمالية ووصولا إلى درجة الممارسات القمعية والاحتكارية والمتعالية، استطاعت العقلية المصرية أن تبقى الوجود الإنسانى المصرى فى مواجهة هذا الممارسات والتغلب على هيمنة أطر التقليد والانغلاق بكافة تنوعاتها، وتمييزت العقلية المصرية بسلوكياتها العميقة والممتدة فى اللاوعى الاجتماعى والجمعى أن تحافظ من خلال قدرتها الإبداعية فى مواجهة القمع والقهر والتسلط ولم تكن الأمثلة الشعبية إلا نوعا من إبداع هذه الممارسة الاجتماعية الشعبية والجماعية والفردية وروحها النقدية والمقاومة والمبدعة ومنها على سبيل المثال لا الحصر: عين الحر ميزان،ان طال الليل على قد ما طال لابد من طلوع الفجر، الليى يسرق البيضة يسرق الجمل، لا تأمن الأمير إذا غشك لوزير، من أكل مرقة السلطان احترقت شفتاه ولو بعد حين، يبنى قصرا ويهدم مصرا، الحر حر لو مسه الضر، غراب قال: الله حق .. قال بقى نباش الخرا واعظ، على عينك يا تاجر، دار الظالم خراب ولو بعد حين، مجنون وأعطى دستور، ديار مصر خيرها لغريبها، سوق الفسوق قايم، كلام لين وظلم بين، اهتك ستور الشك بالسؤال، يا والى لا تجور ..الولاية لا تدوم،اللى عاجبه من الكحل يتكحل واللى مش عاجبه من البلد يرحل، اللى ما يشوف من الغربال يبقى أعمى، اللى محتاجه بيتك محرم على الجامع، قال ادخل الزربية نقى لك كلب قال كلهم كلاب ولاد كلاب، الليى يسرق البيضة يسرق الجمل، الجعان يقطع الحبل والعطشان يكسر الحوض، الرجم بالطوب ولا الهروب، شعب تجمعه ندهه وتفرقه عصاية، كل شنب وله مقص، شغته ولحمه وما غرب إلا احنا، لو كان القاضى ينصف الشاكى ما كان الشاكى رجع باكى، المال السايب يعلم السرقة، يا ما فى السجن مظاليم، يخلق من ضهر العالم فاسد، البندقية فيها شيطان ويا فرعون، إيش فرعنك؟ قال: ملقيتش حد يقف يصدني وحاميها حراميها وقالوا للحرامي أحلف، قال جالك الفرج وسلموا القط مفتاح الكرار ونوم الظالم عبادة وبعد نومه مع الجديان بقى له مطل على الجيران، واعتبر الباحثين كثيرا من الأمثلة الشعبية تعبيرا فقط عن الشخصية المصرية الانهزامية والمنسحقة والأنانية المفرطة والقهر والإذلال والمذلة والخضوع للمحتل الجنبى، إلا أنها كانت تعبيرا شديدا وساخرا وانتقادا للذات والآنا وللآخر وللواقع المصرى سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وعلى سبيل المثال:ــ إن كان ليك حاجة عند الكلب، قوله يا سيدي،و الميه متطلعش في العالي، اللي انكتب على الجبين لازم تشوفه العين، والمصري حلنجي وفهلوي وياكلها ولعة ، وجت الحزينة تفرح ملقتلهاش مطرح والمتعوس متعوس حتى لو علقوا في رقبته فانوس ويا قلبي يا كتاكت يا ما أنت شايل وساكت والقرعة تتباهى بشعر بنت أختها وزي القرع، يمد لبرة والإيد البطالة نجسة واللي يحسب الحسابات في الهنا يبات والعشرة متهونش إلا على ولاد الحرام وجنة من غير ناس تنداس والجار قبل الدار وإن شفت الفقير بيجري اعرف أنه بيقضي حاجة للغني وإيه اللي رماك على المر قال اللي أمر منه، ولتنطلق هذه الأمثال من حالتها سواء فردية ذاتية أو جماعية ومع تطوراتها وتعديلاتها عبر العصور والأيام والأحداث والمواقف والتحولات لتجسد الرؤية المجتمعية فى مواجهة الحياة . وشكلت إبداعية الممارسة الاجتماعية المصرية ومهما كانت قوى القهر،نوعا من الإبداع ليس فحسب بالتعبير ولكن بالمقدرة الابتكارية المواجهة لتصاعد فاعليات السلطة واستلابها لمقدراته عبر العصور المقدرة على التواصل والمواصلة واستمرارية الوجود والبقاء والحياة وليس أدل على ذلك على سبيل المثال لا الحصر، إلا الأكلات الشعبية التى استطاع بها أن يواجه بها الفقر والجوع والقهر الاقتصادى، ومثل أكلات "البسيسة" والــ"أبورى" المتعددة والمتنوعة والمتكونة من الخبز المنزلى أو غبر المنزلى، والسكر والسمن أو الحوادق وبعملية إعداد بسيطة غير معقدة  وكذلك الجبنة القديمة المعروفة بــ "المش " وتنوع طبخ الصنف الواحد بأكثر من طريقة إعداد وبما يغيير من طعمه مثل الفول ومع طرق التخزين الشعبية، وحيث واجه بهذا التنوع الحرمان بسبب إحادية الصنف والندرة والحرمان من المخبوزات المكلفة ومخبوزات الطبقات الغنية والمعقدة، وبما يحقق له الرضى والسعادة والمقدرة على تحقيق الذات ومقاومة الحرمان وتحدى الفقر والحاجة والتهديد بالمحاصرة والمنع والحصار ويحقق له الأمان والتأمين ، ورغم تطورات الواقع الاجتماعى وتأثير التطورات على أساليب وأنماط الحياة الاجتماعية إلا أن المجتمع المصرى حافظ بقوة وفى إطار ديناميات التطور على امتلاكه لسلطة الممارسة الإبداعية الاجتماعية كماهية تدعم وجوده وحياته وشخصيته فى مواجهة سلطات القهر والسيطرة والعزلة والتغييب والماضوية النمطية وتعقيداتها ولنرى الإنسان المصرى الشعبى ــ على سبيل المثال ــ يفترش شواطىء البحر والنهر والترعة والغيط والقرى والعزب والمدن والحدائق العامة والشوارع الكبرى والحوارى والأرصفة، شمالا وجنوبا وشرقا وغربا ووسطا وليلا ونهارا وفى مناسباته العامة وفى غير أوقات هذه المناسبات وبشكل يومي وبكل مماراساته المتنوعة والمتعددة لإعلان وجود الأمة المصرية  التى تتمثل فى ممارسات حياته وصحيانه ووجوده ومقاومته وتحديه لنفى إندثاره وذوابانه وذوابان خصوصيته المقاومة والإبداعية وموته الذى غالبا ما يعلنه العديد من النخب الحاكمة والمثقفة بأنه لم يعد هناك وجودا إلا وجودهم واعتبار ان هذه المارسات الشعبية نوعا من التردى والتخلف الاجتماعى  والماورائية الاجتماعية والثقافية والقيمية المتخلفة .

 

بقلم: أحمد عزت سليم

عضو إتحاد كتاب مصر

 

 

قاسم حسين صالحتوطئة: يعني البرلمان او مجلس النواب او مجلس الشعب: هيئة تشريعيه تمثل السلطة الأعلى في الدولة،المخول بموجب دستورها باصدار تشريعات وقوانين تعبر عن ارادة الشعب واولياته، وتمثيل الشعب امام حكومة نيابية يراقب أداءها بتأيدها ان اصابت ومحاسبتها ان اخطات. ويتكون افراده من اشخاص يشترط فيهم حسن السيرة والسمعة، يأتون عن طريق الاقتراع العام باساليب ديمقراطية تضمن سرّيتها ونزاهتها.

 البرلمان العراقي

 بعد التصويت على الدستور العراقي الدائم في 2005 تم في السنة ذاتها اختيار 275 عضوا في البرلمان العراقي ليقوموا بتشكيل حكومة تتولى السلطة لمدة اربع سنوات بنسبة مشاركة 79% ..فيما اصبح عدد نواب البرلمان الحالي 329 عضوا جاءوا في انتخابات 2018 بأدنى نسبة مشاركة بعد 2003 بحسب مفوضية الأنتخابات.

اعضاء البرلمان العراقي.. لم ينتخبهم الشعب

 يحدد النص الدستوري العراقي ان يكون لكل مئة الف مواطن نائب واحد ليكون البرلمان ممثلا للشعب، ويشير واقع حال البرلمان العراقي انه لم يحقق هذا النص. ففي انتخابات 2010 حصل 15 نائبا فقط على القاسم الانتخابي والعتبة الانتخابية،ما يعني ان (310) نائبا لم ينتخبهم الشعب بل فازوا بما تصدقت عليهم اصوات كياناتهم ، بينهم من حصل على (78) صوتا!. وبموجب هذه الحقائق الواقعية والدستورية التي كشفت عن ان ثقة الناخبين العراقيين استقطبت فقط (15) شخصية من بين اكثر من ستة آلاف مرشحا ،فان البرلمان العراقي الحالي وسابقيه لم ينتخبه الشعب.

وخلل آخر ،أن الكوتا النسائية كشفت عن ان 60 عضوة من اصل 81 لسن بمستوى كفاية وفاعلية مرشحين سلبن حقهم (وبينهن حالات مخجلة لا يعرفن حكم الجار والمجرور!). واذا كانت الكوتا حالة مقبولة اجتماعيا وسياسيا عام 2005 ، يوم نظّم قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية نظام الكوتا النسائية في الجمعية الوطنية بالمادة (30 الفقرة ج) ونصها: (تنتخب الجمعية الوطنية نسبة تمثيل للنساء لا تقل عن الربع من اعضاء الجمعية الوطنية)، فانها تعدّ في 2021 حالة معيبة اعتباريا وسياسيا ونفسيا بعد ان حصلت مرشحات في انتخابات 2014 على اصوات اعلى من اصوات مرشحين رجال، بينهن مرشحة من ذي قار حصلت على 14 الف صوتا، ما يعني ان المراة الجديرة بان تكون عضوا في البرلمان ما عادت بها حاجة الى ان يتصدق عليها القانون الانتخابي بكوتا بينهن من اخذن العضوية فيه (سرقفليه!).

ولأن الكوتا ألحقت ضررا بالغا بالعملية الأنتخابية،ولأن المرأة صارت ندّا للرجل في العملية السياسية،فأن الغاءها يسهم في مجيء مرشحين يمثلون الشعب.

رواتب وامتيازات

 تتعدد (الروايات) في مقادير رواتب اعضاء البرلمان العراقي.فوفقا للنائب السابق مشعان الجبوري فان راتب عضو البرلمان يصل الى 45 مليون دينارا في الشهر، فيما رد البرلمان بقوله ان الراتب الاسمي للنائب هو اربعة ملايين دينارا مع مليوني دينارا مخصصات منصب  ومخصصات شهادة تتراوح بين 100 بالمئة لحملة شهادة الدكتوراه من الراتب الاسمي وصولا الى 25 بالمئة للحاصل على شهادة الاعدادية الذي يعادل راتبه رواتب عشرين موظفا يحمل شهادة البكالريوس.

والحقيقة المؤكدة ان رواتب نواب البرلمان العراقي تفوق رواتب اقرانهم في كثير من بلدان العلم بمن فيها الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا ودول اوربية.فوفقا لجريدة الصباح الرسمية فان مجموع راتب عضو البرلمان هو 32 مليون دينارا بين راتب اسمي ومخصصات الحماية والسكن وغيرها، فضلا عن سلفة تبلغ 90 مليون دينارا لا ترد.

وباعتبار عضو مجلس النواب بدرجة وزير فانه يتقاضى ايضا 600 دولارا في اليوم في حالة السفر..ما يعني انك اذا جمعت عدد السفرات خلال السنة الواحدة فانها تشكل عاملا اضافيا لزيادة العبء على موازنة الدولة، فضلا عن زيادة عدد اعضائه الى 329 عضوا، كلفت الدولة اكثر من ملياري دولارا بحسب خبراء اقتصاديين.

تقاعد ..غير مسبوق!

منح قانون مجلس النواب (13 لسنة 2018) حقوقا خارج المنطق القانوني بأن جعل خدمة عضو مجلس النواب خمس عشرة سنة ليمنحه تقاعدا يخالف الدستور بشكل سافر الذي ينص في المادة (14) منه بأن العراقيين متساوون أمام القانون دون تمييز، حيث أن قانون التقاعد الموحد يحدد الحد الأدنى للخدمة بـ ( 15 سنة )، ولا تضاف خدمة لمن كانت خدمته تقل عن هذه المدة،فيما منح النائب حق التقاعد حتى لو كانت خدمته تقل عن اربع سنوات!

ويتفق قانونيون وبرلمانيون ان ما يتقاضاه عضو مجلس النواب هو مكافاة وليس راتبا، ومن الناحية القانونية فانه لا يستحق تقاعدا، وهي حالة ما حصلت في البرلمانات العالمية ويصفها برلمانيون بانها غير معقولة وخيالية.

مبررات الغاء الأمتيازات

 ان الغاء امتيازات اعضاء مجلس النواب سيحقق نتائج ايجابية في جميع مناحي الحياة:سياسية،اقتصادية،اخلاقية ،اجتماعية،ثقافية، ومعنوية.

- فعلى الصعيد السياسي، سيسهم الغاؤها في مجيء مرشحين يهدفون الى خدمة الشعب ويحد من مجيء اشخاص طامعين بالثروة والمنصب.

- واقتصاديا، سيحقق الغاؤها اكتفاءا ماديا بتوفيره مليارات الدولارات لتستثمر في الخدمات العامة وبناء الوطن.

- واخلاقيا،سيسهم الغاؤها في اعادة المنظومة القيمية للناس واحياء الضمير الأخلاقي الذي ضعف او تهرأ عند كثيرين.

- واجتماعيا، سيعمل الغاؤها على احياء الطبقة المتوسطة، وتقليص الهوة التي احدثتها بين خلقها طبقة سياسية مرفهة استفردت بالثروة وبين 13 مليون فقير تحت مستوى خط الفقر باعتراف وزارة التخطيط ، وبه ستقضي على الغبن الفاحش الذي الحقته بالناس.

- وثقافيا،ستسهم في اشاعة الثقافة التي تقول الحقيقة، وتشيع حرية الصحافة التي احتل فيها العراق مرتبة متأخرة عالميا.

- ومعنويا، سيعيد الغاؤها (رد الأعتبار) للعراق الذي اعتبر واحدا من افسد ثلاث دول في العالم.

اننا بوصفنا أصحاب رأي من مفكرين وأكاديميين ومثقفين وفنانيين..نكون بطلبنا هذا قد ادينا واجبنا نحو شعبنا الذي ندعوه الى الضغط على اصحاب الِشأن لأتخاذ القرار بالغاء امتيازات اعضاء مجلس النواب العراقي..وبدونها ستكون الأيام حبلى بما لا يسر حتى الطامعين ببقائها.

- ستنشر هذه الحملة في الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الألكترونية العراقية،للتوقيع عليها،وستوحد اسماء الموقعين وترسل الى مكاتب الرئاسات الثلاث وممثلية الأمم المتحدة والاتحاد الأوربي.

الموقعون

الأسم  -  الصفة  - البلد

***

 أ.د. قاسم حسين صالح

 

 

 

صلاح حزامالنظام الديمقراطي في العراق ابتدأ منذ العام ٢٠٠٣، ولقد جلب معه تغييرات جوهرية تضمنت خسائر وارباح . سوف أحاول جرد تلك المكاسب والخسائر باختصار .

اولاً: المكاسب:

- حرية التعبير، حيث اصبح عدد القنوات والصحف والمجلات اكثر من أن تُحصى لكنها في الغالب بلامعنى وتنطق بأسم اصحابها حتى لو كانوا يبيعون العصير في الشارع او يتاجرون في النفايات.

- حرية ارتداء الأزياء الحديثة، بحيث اصبحت اشكال بعض الناس مضحكة ويشبهون مهرجي السيرك . بناطيل ممزقة والوان فاقعة وقبعات الخ..

- اتباع الموضة في الحلاقة، بحيث اصبح تعويض قصر القامة ممكناً عن طريق رفع التسريحة ثلاثين سنتمتراً مع حلاقة الجوانب واستخدام المواد اللازمة لتثبيت ذلك الصرح المعماري.

او حلاقة الرأس كاملاً لكي تضيع الصلعة ويبدو الشخص كما لو انه حلق رأسه للتخلص من كثافة الشعر المزعجة.

- فنون جميلة في قص وتهذيب اللحى او اطالتها بحيث تضيف ١٥ سنتمتراً الى طول الوجه الذي يصبح طوله الاجمالي غير معقول ..

- رسم الوشم على الجسم لاسيما الذراعين وبالوان زاهية مع ارتداء الاكمام القصيرة التي تجعل هذا الفن ظاهراً للعيان لاسيما اذا كان الذراع ابيضاً وممتلئاً ...ووشم الصدر والرقبة مع ارتداء ماهو مناسب من الثياب لجعله ظاهراً.

- احذية في الغالب رياضية ملونة يرتديها نساء ورجال مع انهم لايمارسون الرياضة، ومن يمارسها في الشارع (كالركض) يصبح اضحوكة.

- ممارسة متعة شتم الحكومة والمسؤولين وقادة الاحزاب بالحق والباطل !! الشتم في حد ذاته متعة بعد تحريمه على مدى التاريخ...فشكراً لله على هذه النعمة.

- اصبح الكل يتحدث في السياسة والتحليل وتقديم المقترحات حتى لو كان بائع خضار او عامل نظافة ...

- تمتعنا بالتعددية الحزبية وصار لدينا اكبر عدد من الاحزاب في العالم... بحيث يتنافس مئات الكيانات في الانتخابات والى الحد الذي جعل المنافسة بلا معنى ..

ثانياً : الخسائر:

- فقدان كامل لنظافة المدن واللامركزية في رمي الأزبال اين مايشاء الناس. زرت بغداد نهاية عام ٢٠٢٠ واكتشفت انها اصبحت بمثابة مكب نفايات عظيم !!

- حرية البناء في اي مكان وبأي شكل دون موافقات بلدية وتحويل الشوارع السكنية الى تجارية

- امكانية الاستحواذ على المال العام كالاراضي والدور وغيرها

- تراجع الاخلاق والقيم

- تراجع وغياب هيبة الدولة

- غياب النظام المروري

- بروز قانون شريعة الغاب

- هيمنة العشائر على المشهد وتراجع دور المؤسسات المدنية

- انتشار المخدرات

- تفشي الانحلال الاخلاقي

- تحوّل الرشوة والفساد الى ممارسة شائعة ومقبولة نسبياً وتعميم ممارستها. صارت تعتبر شطارة!!

- تراجع هيبة ومكانة الدين ورجال الدين بعد ان اصبحت السرقة والرشوة تُمارس بأسم الدين وبشكل سافر.

- انتشار الالحاد والمجاهرة به

- غياب التقديم المنتظم للخدمات الحكومية لاسيما الماء والكهرباء

- تفشي الامراض الفتاكة

- انتشار سوء التغذية

- تفشي العشوائيات (احدى المنظمات تقول ان ١٥٪؜ من سكان العراق يعيشون في العشوائيات)

- انتشار ظاهرة قتل الاطفال

- تفشي البطالة

- شيوع ظاهرة البحث عن وظيفة حكومية مهما كانت بدلاً عن العمل المنتج.

- ازدياد اعدادالسيارات دون ضوابط تُراعي طاقة الطرق.

الآن اترك لكم الحكم على جدوى ١٨ سنة من الديمقراطية !!

فقط قارنوا الارباح والخسائر ...

ما اسميته أنا ب: مكاسب او ارباح هو في الحقيقة قد يكون خسائر من نوع آخر، لكني جاريتُ بهجة وسعادة البعض بحرّية ممارسة تلك الاشياء واستعداده لتحمل كل الخسائر مقابل ذلك ...

ارسل لي صديق فيديو يظهر فيه ساحل بحيرة الحبانية وهو يغص بالسابحين وكذلك يغص بالازبال من قناني فارغة واوراق وغيرها، كان هذا الفلم القصير معبّراً جداً وهو يقول : نحن كمجتمع لسنا جاهزين لبناء بلد ديمقراطي!

والّا هل ان الاحزاب الفاسدة والمليشيات هي التي رمت النفايات؟؟

من رماها جمهور عديم الوطنية وعديم الاحساس وغير مستعد لتحمل المسؤولية،، وهو جالس بانتظار قدوم الطاغية العسكري الذي سوف يقصم ظهره اذا رمى النفايات في الماء..

من قام بتصوير الفلم كان يعلّق قائلاً:

انهم يسكرون ويتبولون في الماء ثم يسبحون فيه !!!ويرمون قذاراتهم ايضاً...

هل هذا جمهور يستطيع بناء ديمقراطية؟

 

د. صلاح حزام

 

 

علاء اللاميحقيقة العلاقة بين المنصور والصادق كما رصدها المؤرخ الشيعي اليعقوبي

اليعقوبي هو أقدم وأشهر مؤرخ مسلم شيعي رصين سلط الضوء قبل أكثر من ألف عام على علاقة المنصور بالإمام الصادق وسفَّه دون أن يقصد ذلك رواية المتطرفين الشيعة الشيرازيين المعاصرين حول تسميم الخليفة للإمام؛ فمن هو اليعقوبي: إنه المؤرخ والجغرافي والرحالة أحمد بن إسحق بن جعفر بن وهب بن واضح اليعقوبي. ولد في بغداد، وسنة ولادته غير معروفة، وسنة وفاته على أرجح الروايات في حدود سنة 292 هـ، أي 905 م. وهو معدود في أعيان وأعلام الشيعة. وممن أكدوا تشيعه السيد محسن الأمين في كتابه "أعيان الشيعة - ج 3 - الصفحة 202". أما محمد جميل حمود العاملي فقد اعتبره من المتشددين الشيعة كجده في مقالة له على موقع "مركز العترة الطاهرة للدراسات والبحوث"، ولكن حجج العاملي ضعيفة، وخصوصا حجته بكون أجداد اليعقوبي من الشيعة الفرس شديدي الولاء لآل البيت كما يقول، وهذا غير صحيح، لأن التشيع في بلاد فارس لم يكن له وجود واسع في تلك البلاد في القرن الثالث الهجري، وهناك من نفى عنه التشيع من علماء المسلمين السنة الذين أخذوا عنه العلم واعتبروه أستاذا لهم لحياده في التأليف وندرة تطرقه للخلافات بين الطوائف والمذاهب وعدم مجاهرته بانحيازه المذهبي للتشيع، والراجح أن اليعقوبي شيعي معتدل، بحكم شخصيته العلمية ونزوعه للحياد والموضوعية في رواية التاريخ وبحكم ما روي وعرف عنه، وقد أحدث اليعقوبي ثورة حقيقية في ميدان الرواية التاريخية العربية الإسلامية حين حررها من الإسناد والعنعنة والتكرار الذي استمر لعدة قرون قبله. يقول الباحث شحادة بشير في مقالة له إن اليعقوبي "كان معلماً جغرافياً للمسلمين وكان الكثير من علماء الجغرافيا التالين لعصره؛ كابن الفقيه، وابن رُسْتَه، والمسعودي، والإِصْطَخْرِيِّ، وابن حَوْقَل، والمقدسي، وغيرهم، يعتبرونه أستاذاً لهم. وكان على مستوى عقلي رفيع واطلاع متنوع وثقافة علمية واسعة، الأمر الذي مكنه من اتحافنا بإنتاج علمي غني، وضع الأساس الذي بنيت فوقه عقول الأجيال اللاحقة إنتاجها العلمي). وفي التأليف التاريخي "استخدم اليعقوبي منهج النقد العلمي القائم على التحليل والمقارنة والاستنتاج، وعدم الانسياق في تصديق الأخبار دون تحليلها، فقد رفض الاقتناع بالأساطير الفارسية التي تسربت للتراث العربي الإسلامي/ اليعقوبي ... المؤرخ والجغرافي صاحب الأسفار / صحيفة "تاريخ" عدد 24/11/2020 ".

ومعلوم أن ثمة رواية وردت في مصادر شيعية متأخرة تتهم المنصور العباسي باغتيال جعفر الصادق بالسم، وهذه الرواية تقوم على مقولة أو حديث "ما مات منا - نحن آل البيت - إلا مسموم أو مقتول"، وليست هناك رواية موثقة أخرى تتضمن تفاصيل عملية اغتيال الصادق ورواتها، بل أن هذه المقولة ذاتها مضطربة ومشوشة ولم يرد لها ذكر في المصادر الشيعية المعتبرة الأقدم ككتب الشيخ المفيد (336 هـ - 413 هـ/947 م - 1022 م) ومنها كتاب "الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد"، ولكنها وردت في كتب المتأخرين عنه بأكثر من قرنين ونصف كابن طاووس الحلي (ت 1266) وقد نُسِبَ هذا الحديث  إلى عدة متحدثين به ، فنسب الى الإمام الرضا وإلى الإمام الحسين وإلى الإمام الحسن نقلا عن الرسول محمد وإلى الطبرسي متحدثا عن وفاة الإمام العسكري ...إلخ.

يروي لنا اليعقوبي في كتابه الأشهر "التاريخ/ ج3/ ص117 - طبعة النجف سنة 1936م" رواية مهمة وكفيلة بتفنيد وتسفيه كل الروايات والأقاويل التي نسجت بعد قرون حول اغتيال المنصور للإمام الصادق بالسم، دون أن يعني ذلك تبرئة المنصور من قمع وتقل خصومة والثائرين عليه بالسلاح، فقد نقل اليعقوبي عن إسماعيل بن علي بن الصحابي عبد الله بن عباس (دخلت على أبي جعفر المنصور يوما وقد اخضلت لحيته بالدموع، وقال لي ما علمت ما حل بأهلك؟ فقلت: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال فإنَّ سيدهم وعالِمهم وبقية الأخيار منهم قد توفي. فقلت: من هو يا أمير المؤمنين؟ فقال: جعفر بن محمد - الصادق -، فقلت أعظم الله أجر أمير المؤمنين وأطال لنا بقاءه. فقال لي إن جعفرا كان ممن قال الله فيه (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) وكان ممن اصطفى الله ومن السابقين بالخيرات". 

ولكن، ما الذي يجعلنا نطمئن لرواية اليعقوبي هذه، ولا نشك في أنها قد تكون محابية للمنصور؟ هناك عدة أسباب لعدم الشك فيها ومن ذلك هاتان الحادثتان: 

إن اليعقوبي لم يتردد عن ذكر عمليات القتل والقمع الدموي التي ارتكبها المنصور لمن ثار ورفع السلاح ضده وضد دولته من العلويين. فقد أورد اليعقوبي مشاجرة بين المنصور وبين عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب حين اعتقله المنصور وطالبه بإحضار ابنه محمد الذي ثار ضد المنصور وأفلت من مطارديه العباسيين. وحين رفض عبد الله تسليم ابنه شتمه المنصور فرد عليه عبد الله، فأخذه معه أسيرا مقيدا بالحديد إلى العراق وحبسه هو وأهله في الحيرة في بيت بناه لهم حتى ماتوا فيه. وفي هذا الصدد لم يكتف اليعقوبي برواية هذا الخبر بل زاد عليه رواية تدخل في باب ما يشاع فكتب "وقد قيل" إن آل عبد الله العلوي وجدوا مقتولين ومسمرين في الحيطان /ج3 ص106. فهل كان اليعقوبي سيتردد عن ذكر التفاصيل أو حتى الشائعات لو صحت مؤامرة المنصور لاغتيال جعفر الصادق بالسم، وهو الذي لم يترك حتى الشائعات عن قتله لهؤلاء العلويين في الحيرة فدونها في تاريخيه؟

وأستدرك هنا، أن أبا الفرج الأصفهاني، هو مؤرخ شيعي أيضا، أورد رواية مختلفة في التفاصيل في كتابه "مقاتل الطالبيين" لوفاة عبد الله بن الحسن مقتولا ومن معه من أهله في محبسه في مدينة "الهاشمية" وليس في الحيرة كما روى.

الحادثة الثانية التي تؤكد أن العلاقات بين الإمام الصادق والخليفة المنصور لم تكن عدائية دائما بل كان طبيعية وعادية في أحيان كثيرة، ولكنها لم تخلُ من تعرض الإمام لمضايقات الخليفة التي كان يهدف من خلالها الى الابتزاز والتحذير والتأكد من انعدام أية نوايا للثورة والخروج لدى الإمام ضد الخليفة والدولة، والدليل على طبيعية العلاقات بين الرجلين هو إيراد اليعقوبي لحادثة توسعة الحرم المكي في زمن المنصور، وكيف رفض الناس الساكنين حول الحرم أن يبيعوا بيوتهم ليتم هدمها وتوسعة المسجد كما أمر المنصور، وهنا أسقط بيد الوالي العباسي على مكة زياد بن عبيد الله الحارثي فلجأ لطلب مساعدة الإمام جعفر، فتدخل الإمام وقال للوالي سَلِّ الناس أهم نزلوا على البيت أم البيت نزل عليهم. بمعنى سل هؤلاء الناس، هل كانوا سابقين لبناء البيت الحرام أم البيت الحرام كان سابقا لهم، وهم بنوا بيوتهم لاحقا حوله؟ فقالوا إنهم نزلوا على البيت ولم ينزل عليهم، فقال لهم: فإن للبيت فناء! أي بما إنكم نزلتم على البيت الحرام فإن له فناء فأخذتموه مساكن لكم فأرحلوا عنه، فأفحمهم، فرحلوا وقبلوا ببيع مساكنهم، وحلَّ الإمام هذه المشكلة سلماً لمصلحة الوالي وخليفته المنصور!

ثمة سبب تأريخي مهم آخر، يجعلنا نميل الى تصديق رواية اليعقوبي وتكذيب الروايات السلفية الشيرازية المتأخرة، ومفاده أن الفرع الحسني وليس الحسيني من العلويين هم من تولوا - بعد مأساة كربلاء واستشهاد الإمام الحسين بن علي وصحبه - القيام بالثورات والتمردات المسلحة ضد دولتي بني أمية وبني العباس، وحتى الثائرين من الحسينيين كالإسماعيليين والزيديين لا يعتبرون ضمن الشيعة الاثني عشرية، أما الإمام الصادق وأبوه محمد الباقر لم يكن لهما أي علاقة بثورات العلويين من الحسنيين ولم يشكلوا أي خطر حقيقي أو محتمل على الخلافة العباسية بل انصرفوا الى التثقيف والتأليف الفقهي حتى آخر إمام من أئمتهم الاثني عشر، ولهذا تنتفي أية أسباب لأي اضطهاد محتمل يلحقه بهم العباسيون وقد لا تنفي بعض المضايقات لهم لهذا السبب السياسي أو ذاك!

إن هذه الفتن الطائفية الموسمية التي يؤججها التيار السلفي الشيعي الشيرازي المتطرف خطرة تصب الزيت على نار الاستقطاب الطائفي والعرقي القائمة بفعل وجود نظام حكم المحاصصة الطائفية والعرقية وتشرذم الدولة وانقسامها فعليا على الأرض وإن الحكم أضعف من أن يقف بوجه هذه الفتن والأخطار ثم أنه يستفيد منها في جوانب كثيرة منها التحشيد والشحن الطائفي لأحزابه ومليشياته وخصوصا في مواسم الانتخابات وتشكيل الحكومات ولهذا بالضبط يمكن توجيه الاتهام لنظام الحكم بأنه يتخادم "يتبادل الخدمات" مع هذه التيارات الطائفية المتطرفة الساعية لتدمير ما تبقى من الدولة التابعة والمجتمع معا.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

 

عبد الخالق حسينبعد نشر مقالي الأخير الموسوم: (أسلم طريق في مواجهة المليشيات المنفلتة)(*)، وكالعادة استلمت العديد من التعليقات بين مؤيد ومعارض. والملاحظ أن أغلب المعارضين هم من مؤيدي إيران بشدة، ويعتبرون أي نقد لها وللمليشيات الولائية يعني عمالة لإمريكا والصهيونية. والغريب أن معظم هؤلاء يعيشون في الدول الغربية التي وفرت لهم الأمن والكرامة، ويشتمونها ليل نهار. والأغرب أن معظم هؤلاء رغم أنهم يدعون أنهم كانوا مضطهدين من قبل حكم البعث الصدامي، ولكنهم يكيلون الشتائم ليل نهار ضد أمريكا التي أسقطت لهم أسوأ نظام جائر في التاريخ، ويباركون إيران ونظام ولاية الفقيه والمليشيات العراقية الموالية لها، رغم أن إيران شأنها شأن السعودية والدول العربية الأخرى، وقفت ضد إسقاط النظام الجائر لإبقاء العراق ضعيفاً وشعبه يعاني من الحصار الاقتصادي وثرواته النفطية معطلة....

فهل سأل هؤلاء أنفسهم، لماذا أكثر من 67 مليشيا بدلاً من أن تتوحد بتنظيم واحد، وبقيادة واحدة رغم أنها موالية لإيران؟

السبب في رأيي لأن إيران تريدهم متفرقين لكي يسهل عليها ضرب بعضها ببعض فيما لو شقت أية منها عصا الطاعة على الولي الفقيه، يعني أن تضرب واحدة بالأخرى عند الحاجة.

والسؤال الآخر هو: هل وجد هؤلاء الذين يرون سلامة العراق ببقاء هذه المليشيات التي أطلقوا عليها (الحشد الشعبي المقدس)، هل رأوا أية دولة تفشت فيها المليشيات استطاعت أن تحقق الأمن والإستقرار والإزدهار الاقتصادي لشعبها؟ خذوا سوريا ولبنان و اليمن "السعيد" كمثال.

السبب الوحيد الذي يتمسك به هؤلاء كتبرير لبقاء "المليشيات الولائية" هو كإجراء احترازي ضد عودة الإرهاب الداعشي كما حصل في حزيران/يونيو عام 2014.

أؤكد لهؤلاء أن العراق اليوم هو ليس عراق عام 2014 عندما سلَّمت الحكومات المحلية في المحافظات الغربية مناطقها للدواعش دون إطلاق رصاصة واحدة، رغم وجود نحو 60 ألف من عناصر القوات الأمنية التي لم تحرك ساكناً إزاء هذه المهزلة بسبب خيانة ضباط قياديين من تلك المناطق نكاية برئيس الحكومة المركزية نوري المالكي لأنه شيعي؟ والعديد من هؤلاء الضباط التحقوا بداعش. واليوم صارت هذه المليشيات تهدد أمن وسلامة الدولة العراقية لا تقل خطورة عن داعش، خاصة وأن ولاءها لإيران وليس للعراق، لذلك فهذه المليشيات صارت مشكلة وليست حل.

فالعراق اليوم يمتلك قوات مسلحة منضبطة، عدد أفرادها يفوق المليون، مجهزة بأحدث الأسلحة، وملتزمة بالانضباط العسكري الصارم ، بإمكانها سحق (داعش)، أو أية عصابة تتمرد على الدولة بما فيها المليشيات الولائية. ولكن الحكومة لم تقم بمواجهة المليشيات المتمردة، وتتحمل إهاناتها لأنها تريد حل المشكلة بدون إراقة دماء، وعسى ولعل أن يعود قادة هذه المليشيات إلى رشدهم. فكما أكدنا مراراً أن المليشيات التي يدافعون عنها هي ليست من الحشد الشعبي الذي تأسس استجابة لفتوى السيد السيستاني. فعصائب أهل الحق، وكتائب حزب الله، وربع الله، و(جيش المهدي) الذي غير اسمه إلى (سرايا السلام)، وعشرات غيرها، كانت موجودة قبل فتوى الجهاد الكفائي، وبعضها تأسست حديثاً. وهؤلاء أصلا ضد السيد السيستاني، وحتى ضد (الحشد الشعبي)، الذي تم دمجه مع الجيش بقانون.

وكنتُ قد ناشدتُ في مقالي الأخير(*)، سماحة المرجع الأعلى بإصدار فتوى ثانية لحل هذه المليشيات الولائية لأنها راحت تهدد أمن وسلامة الدولة. فوصلني تعليق جاء فيه: "لا أتفق أن اصدار الفتوى سيحل هذه المعضلة الكبيرة. فالسيستاني سبق وأن عبر عن توجيهه بهذا الشأن وهو حصر السلاح بيد الدولة أكثر من مرة، لكن دون فائدة. هذا مخطط كبير للجارة إيران ولن يتخلوا عنه بسهولة." انتهى.

ولكن يبدو أن هناك سوء فهم من قبل غالبية الناس بمن فيهم كاتب السطور، لمضمون فتوى السيد السيستاني الأولى. فقد جاء ذلك في تعليقين للسيد ثائر عبدالكريم مشكوراً، على مقالي في (صحيفة المثقف الإلكترونية)*، وهو متابع جيد، ومطلع على الأمور، اجتزئ منه ما يلي:

((ما ورد في خطبة الجمعة لممثل المرجعية الدينية العليا في كربلاء المقدسة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في (14/ شعبان /1435هـ) الموافق (13/6/2014م )، ادون الجزء الذي يدعو فيه ممثل المرجعية للتطوع و الانخراط في "القوات الامنية" و ليس لتأسيس "جيش موازي للجيش العراقي" وخارج عن التغطية. وهذا هو نص كلام السيد الكربلائي:

" ومن هنا فان المواطنين الذين يتمكنون من حمل السلاح ومقاتلة الارهابيين دفاعاً عن بلدهم وشعبهم ومقدساتهم عليهم التطوع للانخراط في القوات الأمنية". ويضيف الأخ ثائر عبدالكريم: "الفتوى واضحة وضوح الشمس من انها تدعو الى تطوع العراقيين للدفاع عن وطنهم، وذلك بالانضمام الى "القوات الامنية" فقط – اي وزارتي الدفاع والداخلية- وليس لتأسيس جيش آخر موازي للجيش العراقي والقوات الامنية الاخرى، ولكن يأخذ أوامره من وراء الحدود." انتهى الاقتباس.

ونفهم من كل ذلك أن المرجع الديني الإمام السيستاني لم يدعو إلى تشكيل مليشيات مسلحة مستقلة عن الدولة، وتحت أي مسمى، أو تأتمر بأوامر دولة أخرى باسم الدين والمذهب، بل دعى إلى التطوع في القوات المسلحة التابعة للدولة. وكما جاء في تعليق قارئ آخر أشرنا إليه أعلاه، أن المرجع قال مراراً: "أن السلاح يجب أن يكون بيد الدولة فقط".

ومن كل ما تقدم، نعرف أننا ربما لا نحتاج إلى فتوى ثانية لحل هذه المليشيات المنفلتة، وإذا أصدر السيد الفتوى الثانية فهي خير على خير لإبطال حجج قادة المليشيات. فكل ما نحتاج إليه هو أن القائد العام للقوات المسلحة أن يستفيد من الفتوى الأولى ويعيد نشرها على الشعب، ويوضح لهم أن الفتوى لم تدعو إلى تشكيل مليشيات، بل دعت إلى التطوع والانخراط في القوات الأمنية. وهذا يعطي المبرر للحكومة أن تحل المليشيات الولائية وغير الولائية التي تريد جر العراق إلى مواجهة انتحارية مع أمريكا وحلفائها.

فهذه المليشيات وبأوامر الولي الفقيه، تريد عزل العراق عن العالم، وتحويله إلى محافظة تابعة لحكم ولاية الفقيه، وأغلب العراقيين يرفضون ذلك. أما تبرير وجودها عن طريق إثارة الخوف من عودة (داعش)، وأن السنة سيبيدون الشيعة بدعم خليجي، فهذه المخاوف وهمية لاتخاذها ذريعة لإبقاء هذه المليشيات تستنزف الطاقات الوطنية، وتواصل قتل العراقيين، و تدمير الدولة العراقية وجعلها مستعمرة إيرانية وسوقاً لبضائعها، وتعطيل المعامل العراقية، وترك الغاز الطبيعي العراقي يحترق، ويستورد العراق الغاز والكهرباء من إيران.

كذلك هناك حملة تعتيم خبيثة على دور القوات الأمنية الحكومية المسلحة (الجيش والشرطة) واستخباراتها، وحتى السخرية منها، تقابلها حملة تضخيم دور المليشيات الولائية التي أطلقوا عليها (الحشد الشعبي المقدس)، في محاربة عصابات (داعش)، وإلحاق الهزيمة بها، والقصد من كل ذلك هو تدمير معنويات الجيش العراقي الذي تكبد عشرات الألوف من الشهداء والجرحى، كتمهيد لمنح الأولوية للجيش الرديف أي (المليشيات الولائية)، وتحويل الدول العراقية إلى الدولة العميقة يحكمها الولي الفقيه الإيراني من خلال هذه المليشيات المنفلتة.

لذلك أرجو أن يعيد المغرر بهم من العراقيين أنصار إيران النظر في مواقفهم من هذا المخطط الإيراني الخطير بعد قراءة المشهد قراءة متأنية بعيدة عن أية نزعات طائفية وعاطفية. فالولاء يجب أن يكون للوطن العراقي، وليس تدميره بذريعة الخوف على أبناء الطائفة من الطائفة الأخرى.

فالعراق بوضعه الحالي، والتكالب عليه من كل حدب وصوب، ليس من مصلحته رفض الدعم الدولي بقيادة أمريكا. وهل استطاعت الحكومة العراقية برئاسة حيدر العبادي إلحاق الهزيمة بداعش بدون المساعدة من التحالف الدولي بقيادة أمريكا؟ فلماذا نحن العراقيين دائماً نضرب على اليد التي تمتد لمساعدتنا؟

لذلك يجب على أنصار إيران من العراقيين الكف عن العزف النشاز باتهام كل من يرفض التدخل الإيراني أنه صهيوني وعميل أمريكي. فهل ملايين المتظاهرين في العراق وخارجه هم عملاء أمريكا وإسرائيل لا لشيء إلا لأنهم ضد التدخلات الخارجية في الشأن العراقي سواءً كانت من إيران أو غيرها؟

هؤلاء يرددون أن أمريكا هي التي خلقت (داعش) وقبلها (القاعدة) وغيرهما. قد يكون ذلك صحيحاً، ثم انقلب السحر على الساحر، ولكن ألا يدل هذا على أنه إذا ما ناصب العراق العداء ضد الغرب بما فيها أمريكا فسيعاد سيناريو داعش عام 2014 ؟ ولماذا لا نكسب أمريكا وحلفائها إلى جانبنا ولصالح العراق بدلاً من جعلها عدوة تلحق بنا الأضرار كما حال إيران البائسة؟

هذا ليس دعوة للخنوع والخضوع كما يتصور البعض من أدعياء الشرف والشجاعة والكرامة كذباً وزيفاً، بل لعلمي الأكيد أن معاداة الغرب عمل ناتج عن قصر نظر، وهو من أهم أسباب عدم استقرار العراق خلال المائة سنة الأخيرة، أي منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 وإلى الآن. فإلى متى يساهم العراقيون في تدمير وطنهم، ويلقون اللوم على الغرب وإسرائيل ويبرئون أنفسهم؟

تفيد الحكمة أن خير الأمور أوسطها، وعلى سبيل المثال، هناك الجبن والتهور، وكلاهما رذيلة،  فالجبان يدعو إلى الاستسلام، والمتهور إلى الإقدام بدون تعقل، ومهما كانت العواقب كارثية. يعني على طريقة المجرم المتهور صدام حسين حينما زج البلاد والعباد في حروب عبثية، وكان المنافقون يهتفون: (صدام اسمك هز أمريكا!). والنتيجة صدام ينتقل من حفرة إلى حفرة ذليلاً خائراً. والفضيلة هي الشجاعة التي تأتي بين الجبن والتهور. فالشجاع هو الذي يقدم على عمل جريء في صالح الوطن بعد أن يحسب كل احتمالات الربح والخسارة، ولا يزج البلاد والعباد في معارك دونكيشوتية خاسرة لا تبقي ولا تذر.

خلاصة القول:

أولاً، إن فتوى الجهاد الكفائي من السيد السيستاني في عام 2014 لم تنص على تشكيل مليشيات مسلحة رديفة للجيش العراقي، بل دعت القادرين على حمل السلاح للتطوع في القوات الأمنية الحكومية التي هي بقيادة القائد العام للقوات المسلحة، أي رئيس الوزراء حسب الدستور.

ثانياً، أكد السيد السيستاني مراراً، وعلى لسان ممثله الشيخ عبد المهدي الكربلائي، على حصر السلاح بيد الدولة فقط،

ثالثاً، ينص الدستور في المادة (9) فقرة (ب): "يحظر تكوين ميليشيات عسكرية خارج اطار القوات المسلحة".

ومن كل ما سبق، فالواجب الوطني والدستوري، يفرض على القائد العام للقوات المسلحة مطالبة جميع المليشيات بتسليم اسلحتها سلمياً، وحلها و تحويلها إلى مؤسسات مدنية خدمية. وإذا رفضت قادة هذه المليشيات فالقوات العراقية اليوم متمكنة من فرض إرادة الدولة عليها إذا اقتضت القوة.

خصم الكلام، إذا لم يتم الخلاص من هذه المليشيات باتخاذ الاجراءات الحكيمة الضرورية الرادعة، فالعراق مقدم على انهيار تام كما هو حاصل في اليمن وسوريا ولبنان.

ألا هل بلغت؟ اللهم إشهد!

 

د. عبد الخالق حسين

............................

روابط ذات صلة

*- عبد الخالق حسين: أسلم طريق في مواجهة المليشيات المنفلتة (وفيه تعليقات موثقة حول فتوى الجهاد الكفائي، جدير بالإطلاع)

https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=955939&catid=325&Itemid=1236

 

 

كاظم الموسويبعد نكسة حزيران/ يونيو 1967 واحتلال الكيان الإسرائيلي كامل التراب الفلسطيني وأراضي عربية، تصاعد التضامن الاممي مع الشعب الفلسطيني، لا سيما في الغرب الرأسمالي، أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، وتأسست او أعيد تأسيس جمعيات ولقاءات تحمل عنوان التضامن مع فلسطين. ظهر ذلك في اغلب المدن والعواصم الاوروبية والأمريكية وحفلت بالنشاطات الواسعة، في التظاهر والتجمع والوقوف امام مقار السفارات الامريكية او الاسرائيلية او حتى الاحتجاج أمام اجتماعات ومؤتمرات تنعقد فيها ويحضرها ممثلون من الكيان الإسرائيلي.

وكانت اغلب هذه المنظمات تدعم القضية الفلسطينية بشتى الوسائل والطرق، المعنوية والمادية، فاضافة الى الفعاليات السياسية، تجمع التبرعات المالية مثلا وترسلها الى منظمة التحرير او الى الفصائل الفلسطينية مباشرة. وهذا بالتأكيد انعكاس لوعي فعال في اثار النكسة التي حلت بالشعب الفلسطيني وفي الظلم والعدوان والخراب الذي مارسه العدو عليه. ولعب هذا الوعي الجديد دوره في التضامن وإعادة صورة التحرر الوطني للشعوب المضطهدة والمحتلة وضرورة التفاعل مع قضاياها العادلة. ولا شك أن تأثير هذا الوعي في الرأي العام العالمي ينعكس في حملات التضامن والتفاعل والدعم والموقف الإنساني عموما، ويؤثر تطوره عليها أيضا. وبالتالي أو بالأعمال إعادة القضية وفلسطين الى واجهة المشهد السياسي.

هبط هذا النشاط والفعاليات بعد اتفاقيات اوسلو 1993 وما تلاها من اتفاقات منفردة بين الكيان ومصر والاردن وما تناسل بعدهما. وتراجعت هذه الجمعيات وحملات التضامن بشكل كبير، ولكل اسبابه طبعا، وشكل التراجع هذا خسارة للقضية الفلسطينية وفرصة لتمادي العدو الصهيوني في التمدد داخل هذه البلدان وخارجها والتوسع في بناء علاقات وجسور متنوعة على حساب مصالح ألشعب الفلسطيني والامة العربية والاسلامية.

بعد انتفاضة رمضان هذا العام، في المسجد الأقصى وحي الشيخ جراح ومع عدوان الاحد عشر يوما على غزة وصمودها وردها الرادع لخطط العدوان وجرائم الحرب التي ارتكبها العدو الصهيوني ودعم الحكومات الغربية له، اندلعت التظاهرات الكبيرة في اغلب المدن والعواصم العالمية تضامنا مع نضال الشعب الفلسطيني وادانة لجرائم الحرب والعدوان، مطالبة بوقف العدوان والتضامن مع الشعب العربي الفلسطيني. ولاول مرة تمتد التظاهرات لايام وباكبر الاعداد من المواطنين في اغلب المدن الامريكية والاوروبية، مما لفت الانظار لحجم الغضب الشعبي وتطور الوعي لدى الرأي العام العالمي ازاء حقوق الشعب الفلسطيني ورفض العدوان الصهيوني والانتهاكات السافرة لحقوق الانسان وعدالة القضية. وانتقلت صورها في العالم حيث لاول مرة تشاهد بهذه الكتل البشرية التي تجاوزت ارقام المئات من الآلاف، متجاوزة كل وسائل التضليل والتشويه وغسل الادمغة والاعلان الصهيوني المتنفذ في الغرب خصوصا.

وكالعادة نشط أكاديميون في جامعات أمريكية وأوروبية ودبلوماسيون وسياسيون ايرلنديون وسكوتلانديون وامريكيون في حملات تضامن ملموسة بالبيانات والاحتجاج العلني على انتهاكات حقوق الإنسان ووحشية العدوان. وكان متميزا أن تفرد صحف أمريكية، كنيويورك تايمز صفحتها الأولى لصور الاطفال الفلسطينيين الذين استشهدوا من القصف الإسرائيلي الوحشي وتهديم البيوت والابراج السكنية. كما نشرت صحف أوروبية أخرى مقالات رأي تدين العدوان وتوصف عملياته الإجرامية بواقعية وضمير انساني مع صور الدمار ومجازر الشهداء الفلسطينيين، من كل الأعمار والجنسين.

كما شاركت نقابات عمالية في ابطاليا وجنوب افريقيا وحتى في الولايات المتحدة الأمريكية، في حملة التضامن ورفضت تقديم أية خدمات عملية للكيان. وما لفت الانتباه العالمي أيضا وقوف نجوم عالميين من فنانين ورياضيين في التغريد ورفع العلم الفلسطيني في مناسبات جماهيرية منقولة في الفضائيات العالمية، وفي توقيع بيانات إدانة للعدوان موقعة من مئات من الفنانيين الموسيقيين، وغيرهم من المثقفين العالميين.

رفع اعلام فلسطين وشعارات ابرزها: الحرية لفلسطين ، فلسطين حرة، لا سلام بلا عدالة، قضية الفلسطينيين مهمة، وامثالها، وبمختلف اللغات، مهمة ومعبرة وجديرة بوقوف الرافعين لها طيلة ساعات التظاهر والتجمع والاحتجاج. وفي كل الظروف الأمنية والمناخية وتحدياتها.

حاول العدو اختراق التظاهرات كعادته وديدنه برفع شعارات ساخرة ولا اخلاقية لتشويه الصورة ومنظر التظاهر، وللاسف تباهى بها حملتها بصلف وبدون وعي في الاغلب اذا لم يكن انخراطا في المهمة، واحيانا يقدم متحمسون على تقديم مثل هذا التخادم مجانا ودون تقدير لأهمية الموقف والقضية في هذه اللحظات المصيرية والحساسة.

ورغم كل وسائل العدو الإعلامية وغيرها لم يستطع تغطية الجرائم واساليب الفاشية التي مارسها في العدوان، فكل صورة للواقع وكل تقرير اعلامي مصور يفضح العدوان والاجرام والوحشية والعنصرية، ولاول مرة تتقدم وسائل الإعلام الفضائية والتواصل الاجتماعي من كشف العدوان كما هو دون تغطيات أو رتوش رقابة عسكرية أو هيمنة استعمارية على التقنية الالكترونية والتطورات التكنولوجية بفضل اتساع مصادرها.

ليس آخر حملات التضامن، اعلاميا وسياسيا، اعتبار المفوضة السامية لحقوق الانسان في الأمم المتحدة، ميشيل باشليه،يوم ( 27 ايار/ مايو 2021) "الضربات الإسرائيلية على قطاع غزة قد تشكل جرائم حرب". جاء ذلك خلال اجتماع طارئ لمجلس حقوق الإنسان للبحث في تشكيل لجنة تحقيق دولية حول ما تسميه المفوضية التجاوزات التي رافقت العدوان الأخير. وأعربت باشليه، وفق ما نشرته وكالات الأنباء، في افتتاح الاجتماع الطارئ، عن قلقها البالغ إزاء "العدد الكبير من القتلى والجرحى في صفوف المدنيين" جراء الهجمات على غزة. وتابعت باشليه "في حال تبين أن هذه الهجمات استهدفت بطريقة عشوائية وغير متناسبة مدنيين وأهدافا مدنية (...) فإنها قد تشكل جرائم حرب". وقالت المفوضة السامية "رغم مزاعم إسرائيل بأن العديد من تلك المباني آوت جماعات مسلحة أو استخدمت لأغراض عسكرية، لم نرَ أي دليل في هذا الصدد". واعترفت المسؤولة الأممية بأن العدوان على غزة، خلف"العديد من القتلى والجرحى من المدنيين، وألحق دمارا وأضرارا واسعة النطاق بالممتلكات المدنية".

كل هذه الاشكال من التضامن والاحتجاج الإنساني يخدم تطورات القضية الفلسطينية ولا بدّ من الاستفادة منها بتطويرها وتعزيز التحالفات السياسية وتقديم شهادات وأدلة تكشف زيف السياسات الصهيونية وروايتها الاستعمارية الاستيطانية التي لا تتفق مع حقائق الواقع والتاريخ.

 

كاظم الموسوي

 

 

عامر صالحفي كل بقاع العالم وأنظمته المختلفة تجري حركات احتجاجية للمطالبة بتحسين ظروف الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وقد تختلف مظاهر التعبير عن تلك المطالب استنادا الى طبيعة النظم السياسية التي تجري في ظلها الاحتجاجات، وهي تتراوح بين الكبت والترقب واللجوء الى وسائل التعبير الرمزية او الخفية في ظل نظم القمع والدكتاتورية، الى مظاهر التعبير المباشر في ظل نظم الانفتاح والتعبير عن حرية الرأي والمطالبة في تحسين ظروف العيش في ظل نظم تحمي حق التظاهر بأعتباره حق انساني ودستوري، وهنا تعتبر حماية حياة المتظاهر من التنكيل والقتل مسلمة تعلو فوق كل الاعتبارات، باعتبار ان الانسان والمتظاهر وحياته خطوط حمراء لا يمكن المساس بها مهما اختلفنا او اجتهدنا حول صلاحية وجدوى وسائل التعبير عن المطالب، فالانسان هو الهدف الاسمى والغاية العليا من وراء الاصلاح وتحسين ظروف الحياة، وبالتالي فأن التعرض لحياته وتهديده وقتله وأخفائه قسرا وتغيبه يعتبر مسلمة اساسية في سقوط سمعة النظام السياسي وعدم جدوى بقائه باعتباره حاضنة للقتل والارهاب والتجويع ويجسد اشد الحالات اغترابا بين المواطن والحاكم، ومن هنا فأن ازاحته عن المشهد السياسي تعتبر ضمن اولويات حركات الاحتجاج المطلبية والتي تسعى في حقها المشروع لحماية نفسها وتعزيز السلم المجتمعي القائم على سنة الحوار والتنوع في الانتمائات بعيدا عن لغة السلاح.

في العراق كان بالامكان ورغم ظروف وملابسات الاحتلال الامريكي البغيض ان ينهض البلد من ركام حروب النظام السابق وتداعياته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في وضع اللبنات الاولى لتأسيس ديمقراطية ناشئة والتأسيس لأجادة اللعبة الديمقراطية  في اساسها الضروري وهو التداول السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع، بشرط توفر القناعة السياسية ان  نتائج ما تفرزه صناديق الاقتراع هو ممهدات لأعادة انتاج العقد الاجتماعي بين المجتمع والدولة ومؤسساتها واضفاء شرعية على الحكومة المنتخبة وتسهيل مهمة ادوارها في الحفاظ على السلم المجنمعي ورعاية مصالح المجتمع وتحسين أداء مؤسساته.

اصتدم العراق وشعبه بمنظومة سياسية لا تؤمن بالديمقراطية السياسية ولا بالتدوال السلمي للسلطة، وهذا ليست اشكاليات فردية او عقم في القيادات السياسية بل هو تعبير عن قناعات ايديولوجية راسخة ان الديمقراطية السياسية هي بدعة غربية وبالتالي فأن محاربتها والعبث في الاستقرار المجنمعي هو واجب شرعي تستدعيه اجندة ما ورائية ويحمل قدسية مزيفة من نوع خاص، وعبر مسيرة 18 عاما ما بعد سقوظ الدكتاتورية في 2003 جرى التحايل والعبث والتخريب لكل مفاهيم الديمقراطية او فهم المكونات المجتمعية المتنوعة للمجتمع العراقي فهما متحايلا يصب في خانة تكريس نظام المحاصصة الطائفية والاثنية واعادة انتاجه قسرا لأبقاء الاوضاع كما هي في مستنقع التحاصص والتغانم للدولة ومؤسساتها، فقد جرى العبث بكل المفاهيم عبر تسويقها في لحظات الاستفادة القصوى من التداعيات الانفعالية او الشحن العاطفي، فمن شعارات المحاصصة الطائفية سيئة السمعة والصيت الى مفهوم الشراكة الوطني الى كتلة وطنية عابرة للطوائف او الاغلبية السياسية وجميعها تخفي ورائها نتن الطائفية والمحاصصة الاثنية عندما تسوق من قبل امراء الطوائف السياسية والاثنية.

ما يجري في العراق هو شيطنة سياسية بين سلوكيات قوى سياسية ليست لها صلة بالديمقراطية لا فكرا ولا ممارسة، بل ان ثقافة الغنيمة هي من يتحكم بمفاصل الدولة ومؤسساتها، وبالتالي الحديث عن الديمقراطية في العراق هو صراع بين مجموعة ثعالب سياسية لا يوجد بينهم أسد حريص على العراق، بل انهم متسولين في السياسة وكل اجماعاتهم المؤقتة هي جزء من دهاء سلوكيات الثعلب الذي يريد الخلاص بجلده والابقاء على مصالحه، ولعل المثل الاقرب هو حين اتفقوا على مجيئ الكاظمي كرئيسا للوزراء ثم تركوه لوحده، وكيف لرئيس وزراء يشتغل دون كتلة نيابية داعمة له، هذا يجري فقط في "العراق الديمقراطي" ان تأتي برئيس وزراء ثم تقول له دبر راسك أو "يطبك مرض".

السياسيون في العراق يجسدهم بشكل واضح الثالوث السيكولوجي المظلم او ما يقال عنه مثلث برمودا والمتكون من السيكوباتيا، والنرجسية والميكافيلية، نجد السياسين العراقيين في سايكبوتيتهم من قسوة وعدم الندم والتعاطف مع الاخرين ويتلذذ بألحاق الاذى بالاخرين وانهم اصحاب تاريخ اسود عند التحري عن سيرتهم الشخصية وهم متهورون ومعتدين بأنفسهم.

ثم صفة النرجسية المفرطة فهم لا يتقبلون النقد بل ويقابلوه بالسلاح والكواتم ويظنون انهم الافضل والاحسن دوما ولا يعجبون بالرضا عن اي شيئ من الآخر وقد يفسر ذلك لجوئهم للسلاح والاغتيالات وهم لا يستسيغوا غير المديح النفرط، ويفتعلوا السحر والجاذبية عبر خطاباتهم المموهة بالكذب والمبالغة والخداع وهم لا يعجبون بشيء على الاطلاق ولذلك يلجئون الى لغة السلاح.

اما الخاصية الميكافيلية فالسياسين العراقيين يجيدون المكر والخداع والازدواجية ولديهم اولوية المال والسلطة والسلاح، وهم يقترفوا ويرتكبوا اشد الجرائم للحفاظ على البقاء في الحكم ولديهم كل الوسائل والدنيئة في مقدمتها انها مشروعة ويجب استخدامها للبقاء والحفاظ على المحاصصة الطائفية والاثنية.

بالتأكيد ان فسحة الأمل لازالت قيد الاختبار في العراق للتغير واحداث نقلة نوعية في موازين القوى السياسية استنادا الى قدرات القوى الحاكمة في التشبث في السلطة بوسائل الترهيب والترغيب، ولكن الأمل معقود على قوى الاحتجاجات السلمية التي دكت قلاع نظام المحاصصة واضعفته بل ووضعته في خيارات محدودة تقوض من بنيته المتهالكة الفاسدة، ومن هنا ومن موقع المسؤولية ان على قوى الحراك ان تنظم نفسها بما يستجيب لحجم مهماتها الصعبة في اختراق نظام المحاصصة واعادة تشكيل القوى السياسية على اساس من خيارات الشعب وارادته الحرة، وعلى الحراك التحالف مع القوى السياسية ذات الارث المشرف في النضال ضد الدكتاتورية وفي مقدمتها قوى اليسار العراقي والقوى المدنية التقدمية، فأن الخلاص لا يأتي عبر بعثرة وتشتت الجهود المناهظة لنطام المحاصصة بل عبر توحيد كل القوى الفاعلة من اجل عراق افضل.

الحل الجذري في العراق ليست سهلا ولا يحل بتعويذة او دعاء ولكن هناك خطوات يعرفها العراقيون قبل غيرهم وهي:  أولاً يجب أن يكون القضاء قوياً وقادراً على فرض القانون في البلاد.. ثانياً، أن تستعد المحكمة الاتحادية لاتخاذ إجراءات صارمة ضد مَن يخطئ ويقصر. واتخاذ هذه الإجراءات يحتاج إلى محاكمات عادلة خالية من الفساد الإداري والسياسي الذي يحول دون المساس بأي شخص مدعوم من جهة سياسية أو ميليشياوية نافذة. وذلك يدل على أهمية الإجراء الثالث المقترح، وهو تغيير النظام السياسي القائم في البلاد، إذ هناك حاجة ملحة لإعادة النظر في النظام السياسي المبني على المحاصصة، وتفتيت موارد ومقدرات البلاد وتوزيعها على أطراف سياسية مختلفة بدلاً من نظام سياسي يعمل على بناء مؤسسات الدولة.

أما العامل الرابع، فهو يعتمد على تأهيل الكوادر في الوزارات والدوائر الحكومية ووضع منهاج عمل واضح لها بعد أن تراجعت خلال السنوات الماضية. ويجب أن تشمل عمليات التأهيل هذه الصيانة الإلزامية لكل مرافق الدولة ومشاريعها. ففي الوقت الراهن، توقع غالبية العقود من دون إدراج بنود صيانة واضحة، إذ مَن يشرف على العقد عادة ما يكون حصوله على عمولة عالية فوق أي اعتبار آخر.

وهذه القضايا كلها في النهاية تحتاج إلى العامل الخامس والأهم، وهو مكافحة آفة الفساد في البلاد؛ إذ لا يمكن لنجاح أي دولة وهي تعاني من الفساد من أبسط الأمور إلى أكثرها تعقيداً، إلا أن يكون قطع رأس الفساد هو العامل الأهم لديها. وإن لم يتم تبني هذه الإجراءات في العراق، فمن المحتم أن نعلن الحداد فيه وعليه مجددا، فقد اهدر 1400 مليار دولار للفترة ما بعد 2003 وغابت في العراق التنمية الشاملة وتنوع القطاعات الاقتصادية، حتى بات العراق يبيع نفطا ليأكل.

هذه الاراءً يضعها كتاب عراقيون وعرب وليست مني فقط لأحساسهم المرهف بحال العراق وتمنياتهم بأصلاح حاله ولكن الأمر مرهون كله بتغير المنظومة السياسية الحاكمة كي تسنح الفرصة للبدء في عمليات التغير الجذري، فأن موزاين القوى هو من يسمح بأصلاح المنظومة السياسية الفاسدة اما عدا ذلك فأن العراق يسير الى حيث لا تشتهية سفن ابنائه !!!.

 

د.عامر صالح

 

 

حسين علي المنصوريمن تقييد الطلبة الى نصب تذكاري لزعيم مليشية خارجية داخل الحرم الجامعي

لم يحظ اي حزاب ديني في العراق طيلة تاريخه السياسي بفرصة للظهور على المشهد السياسي بقوة، لكن بعد الاحتلال الأميركي والفوضى وعاطفية الشعب، أتيح لهذه الاحزاب ان تتصدر في عراق، وبانت ملامح الإسلام السياسي على ملامح المشهد السياسي من خلال حضور وتحكم المؤسسات أو الأحزاب أو المرجعيات الدينية في السلطة والثروة، "ساعد على ذلك عدة عوامل لعل أهمها التنسيق المبكر وتحالف الكثير من هذه القوى مع إدارة الاحتلال في محطات ما قبل الاحتلال من جهة، وكذلك تراجع وانحسار وشيخوخة معظم الأحزاب الأيدولوجية التقليدية القومية أو اليسارية وعجزها عن تقديم حلول عملية وواقعية لتناقضات المجتمع العراقي من جهة أخرى".

هتف الملايين من العراقيين (المسلمين) بعد الاحتلال مطالبين بان يكون الحكم اسلامي، في بداية الأمر على أمل أنه نمط جديد قد يجلب لهم العدالة والازدهار والاستقرار الذي طالما افتقدوه، متناسين أن التنوع الطائفي والمذهبي والديني في العراق أمر غاية في التعقيد مقارنة بالمجتمعات الأخرى، وإن هذا التعقيد انسجم تماما مع الفلسفة السياسية الجديدة لنظام الحكم والقائمة على أساس المحاصّة الطائفية والعنصرية.

قد أدى التدمير الممنهج لمؤسسات الدولة العراقية على يد القوات الأميركي، إضافة إلى الوهن في عناصر الوحدة الوطنية وعدم تبلور هوية وطنية موحدة، "أدى كل ذلك إلى تداعيات كانت أولى نتائجها ذلك البركان الهائل الذي أعقب الاحتلال والذي اتخذ من العباءة الدينية غطاء له وفرخ مئات الأحزاب والمنظمات والمليشيات الدينية، معززا بعشرات الفضائيات ذات التمويل الخارجي لترسيخ صورة عهد جديد أرخى ظلاله على العراق فأنتج مزيجا وخليطا عجيبا بين أحزاب دينية موغلة في القدم والغيبية مؤطرة مبرقعة بادعاءات وشعارات غربية ليبرالية"(1).

مما لاشك ان الجامعات احد المؤسسات التي تأثرت بهذا التغيير، وخصوصا ان معظم الاساتذة قد هجروا او قتلوا، مما ادى الى دخول اساتذة ذا أيدولوجية اسلامية الى سلك التدريس، وبسط التهديد المسلح والعشائري على بقية المؤثرين في التعليم العالي، مما اتاح فرصة اكبر لهم للسيطرة تحت عنوان "نشر الاسلام داخل الجامعة"، ونرى ذلك واضحاً في السنوات الأخيرة التي شهدت تراجع المستوى العلمي لهذه المؤسسة وتحول الكثير منها إلى ما يشبه الأندية الترفيهية والدينية، التي تتناقل أخبارها وصورها مواقع التواصل الاجتماعي.

كنت اسمع عن هيمنة الاحزاب الاسلامية على رؤساء الجامعة او الوزارة، لكن بعد حين رأيت ذلك بعيني بعدة مواقف، ذات يوم كنت في بيت رجل دين طلبني لألقي محاضرة، وفي هذه الاثناء رن هاتفه واجرى اتصال، قال لي لاحقا ان هذا الشخص (المتصل) طلب مني ان ارشح شخص من معارفي لمنصب عميد كلية !!، او معاونا لرئيس جامعة وهو يسخر من وضع البلد، هذه المواقف تأكد لي الهيمنة الكاملة للأحزاب الاسلامية على الجامعات من خلال مليشياتها.

عندما كنت طالبا في كلية الفنون الجميلة بجامعة البصرة تلك الكلية المسماة عروس الكليات المؤمل منها ان تبث الروح والحياة والجمال للمجتمع، لكنها انقلبت تماما ما ان تسلم ادارتها شخص تابع لحزب اسلامي، ذات يوم ونحن ندخل الى الكلية كنت شاهدا على موقف محزن، عند دخول احد الطالبات اوقفها ذلك المدير المتحزب وقال لها ما هذا الزي اذهبي والبسي "عباية او جبة" نحن في بلد اسلامي!!، الغريب انهم متناسين ان هذا البلد نص على احترام حقوق الاخرين ومعتقداتهم ودياناتهم في بنود الدستور الذي لم يقرؤ منه شيء، فيما تمادا بعض الاساتذة الى منع الطلبة من نحت الوجوه والاجسام تحت عنوان ان الاسلام حرم النحت وهذه اصنام!!، مما يدل على إن أسلمة الجامعات معناه القضاء على التعددية والاختلاف والانتصار للصوت.

ان دور الجامعة مهم جدا في بناء البلد وتطوره، لذلك يعسى الكثير لهدم هذه المؤسسة الفعالة من خلال بث هذه المواضيع وشغل الطلبة بأمور جانبية، ان مركز الجامعة يجب ان يكون في دور القيادة الاكاديمية للدولة لا ان تكون مقودة تحت سلطة الاحزاب والمليشيات الاسلامية والخارجية، في هذا السياق كسرت جامعة البصرة كل القوانين الجامعية وافصحت عن حبها لزعماء مليشيات خارجية(2)، ونصبت لهم تمثالاً تذكاريا داخل الحرم الجامعي، متناسية ان احكام الفقرة (2) من المادة (37) والفقرة (2) من المادة (47) من قانون وزارة التعليم العالي والبحث العلمي رقم (40) لسنة 1988 ينص على: حادي عشر: تجنب الدعاية لأي حزب او تنظيم سياسي او مجموعة عرقية او قومية او طائفية سواء كان ذلك في تعليق الصور واللافتات والملصقات او اقامة الندوات ، ثاني عشر: عدم دعوة شخصيات حزبية لألقاء محاضرات او اقامة ندوات حزبية او دينية دعائية داخل الحرم الجامعي حفاظا على الوحدة الوطنية، تاركين كل هذه الانظمة والقوانين خلفهم، بوسط صمت من الوزارة والطلبة والشعب.

ختاما في يوم 14 مارس من السنة الجارية تم اقتحام جامعة البصرة من قبل مليشيات مسلحة (3)، في وضح النهار واطلاق النار على مدير المتابعة في الجامعة واستمرا الاصطدام لساعات داخل الحرم الجامعي دون تدخل القوات الامنية ولا يوجد اي تصريح لتبيان ملابسات الحادثة، وصلني لاحقا فديو محذوف من احد المواقع الاعلامية، فلننظر الى هذه المواقف البسيطة من الواقع المرير الذي نعيشه كيف ننتج كفاءات علمية واكاديمية في ظل هذه الظروف ؟

 

الباحث حسين علي المنصوري

................

1- خالد المعيني، الإسلام السياسي في العراق، مقال منشور في  شبكة الجزيرة الاعلامية، 2011.

الجنرال الايراني قاسم سليماني، وزعيم حركة حزب الله ابو مهدي المهندس.

3-  كتائب الامام علي التابعة لهيئة الحشد الشعبي كما اوضح المعنيون ذلك.

 

علجية عيشهل ستكون 2021  سنة "دمقرطة" الانتخابات في الجزائر؟

(837 قائمة مستقلة على المستوى الوطني تنافس الأحزاب السياسية)

لأول مرة في تاريخ الجزائر ومنذ انطلاق أول انتخابات، خاصة بعد مرحلة سميت بالتصحيح الثوري يخوض مترشحون معترك الإنتخابات في قوائم حرة، بعضهم غير متحزب أراد أن يجرب حضه وبعضهم الآخر انشقوا عن أحزابهم فيما اختارت فئة محسوبة على الحزب العتيد عدم الترشح باسم حزبها والترشح بقائمة حرة لغاية في نفس يعقوب، أما الحراكيون أو "الديمقراطيون الجدد"  كما يصح تسميتهم فقد دخلوا بأزيد من 830 قائمة حرة على المستوى الوطني لخوض معركة الإنتخابات التشريعية وهم بذلك حطموا الرقم القياسي في تاريخ الإنتخابات في الجزائر

و علق مراقبون أن عزوف الأحزاب السياسية في الجزائر عن المشاركة في الإنتخابات التشريعية لموسم 2021  نابع عن قناعة، لأن الحراك للشعبي كان له اثر بليغ في نفوس المواطنين  والناخبين وأن الأحزاب مستهدفة من أجل إفراغ محتواها ووعائها النضالي، وبالخصوص أحزاب الموالاة، كونها تمثل جزءًا كبيرا من السلطة ووجب  رحيلها، وهي إشارة موجهة لحزب جيهة التحرير الوطني الذي نادى خصومه بوضعه في المتحف، بحجة الإصلاح والتجديد السياسي، الهدف منه إجهاض الثورة كمشروع شامل جاء به بيان أول نوفمبر 1954 وتبخر وحدة الجزائريين، ويزيد إصرارهم على وضعها في المتحف بعدما انحرف قياديوها عن السكة منذ الإطارح بالأمين العام الأسبق عبد الحميد مهري، واكتشف  بعض من وثق فيهم أنهم ضمن العصابة وهم جماعة يمثلون التيار البوتفليقي الذي ما فتئ الحراك الشعبي أن يطالب برحيلهم ومحاسبتهم أمام العدالة،  فقد كان الحراك الشعبي في الجزائر بداية تجسيد الديمقراطية في الجزائر  التي كان مطلبه الأول وإعطائها وجهها الصحيح، ثم إعادة الإعتبار للمواطن الجزائري الذي ظل مواطنا بدون مواطنة، ووضع حد للصراع الذي تفجر في مختلف المجالات بين الشعب والنظام .

فهذه الإنتخابات هي في الواقع صورة طبق الأصل لإنتخابات 1976 التي مورست بطريقة شمولية لتحقيق الديمقراطية التشاركية، تسربت إليها  فكرة الشفافية و"الغلاسنوست" فعرفت المرحلة بمرحلة شباب المجتمع الجزائري، هي نفس المرحلة التي عاشها الحراك الشعبي منذ انطلاقه في 22 فيفري 2019 الذي أطلق عليه اسم "شباب الحراك الجزائري"، ولعل البعض يقول أن جيل 1976 عاد  كالعنقاء في ثوب الحراك، حيث اتسمت مرحلة 2019  بالديمقراطية البراقة على كل المستويات، لأنه لأول مرة يغض النظام بصره عن الشعب ويترك الجماهير تخرج في مسيرات سلمية وتطالب برحيله، ابتداء بإسقاط العهدة الخامسة ومحاسبة العصابة، هكذا بدت المرحلة الأولى من الحراك  قبل أن يغير النظام نظرته للحراك الذي انقلبت عليه الأمور فوجد نفسه معتقلا ويزج به في السجون بدون تهمة أو محاكمة من قبل النظام الذي مارس ضده سياسة اتعسف ليفرض عليه سيادة التنين  le leviathan  أي مبدأ منطق القوة، وبالرغم من ذلك يُصِرُّ الحراكيون  على عدم التراجع والمضي قدما عن طريق المشاركة في الإنتخابات التشريعية من أجل إعادة الإعتبار للبلاد  ولمؤسسات الدولة وفي مقدمتها المجلس الشعبي الوطني الذي عرف هو الآخر هزّات بين الأحزاب الموالية للسلطة والأحزاب المعارضة، وصعدت من تحت قبة البرلمان أصوات تنديد وتهديد  تميزت بانسحاب نواب من دورات المجلس وبالإستقالات الجماعية، ويؤكد أن انتخابات 2021 لن تكون مثل الإنتخابات السابقة الي عبرت عن الروح الفوضوية التي بثت في المجتمع.

لقد استطاع الحراك الشعبي في الجزائر أن يتحمس لفكرة الخسارة والربح،  من أجل تطهير النظام من الفساد، وبناء دولة العدل والقانون، حيث تمكن من أن يوصل صوته إلى الرأي العام الدولي وينقل مطالبه ويكشف عن الوضع الحقيقي في الجزائر، ويؤكد  أن هذه اللعبة هي لعبة الديمقراطية الحقيقية وهي تختلف عن اللعبة التي لعبها النظلم السابق، لأنها تعبر عن إرادة الشعب الذي خرج إلى الشارع،  فكان  صوته  مدويا في ساحة الثورة وفي ساحة حرية الصحافة، مدشنا ميلاد جديد للمجتمع الجزائري، بعدما كسر كل القيود ورفع كل الطابوهات لبناء الديمقراطية الحقيقية،  مؤكدين أن الجزائر لم تكن خلاء من الناس أو خلوا من التاريخ أو شاغرة من الحضارة، فعلا تختلف المسيرات الشعبية السلمية التي خاضها الحراك الشعبي في الجزائر عن المسيرات التي نظمت إبان العشرية الحمراء وما سجلته من تجاوزات، ضرب فيها الطرفان المتحاربان (النظام والجماعات الإسلامية) عرض الحائط الرغبات الشعبية المخلصة.

فجيل الحراك اليوم أصبح  يعي ما حدث وما يدور حوله كونه اكتسب التجربة وأخذ الدروس من قادة العشرية الحمراء، ولأنه طبق شعار أو الحكمة المتوارثة  التي قالت على لسان عمر بن الخطاب: " لستُ بالخَبِّ ولا الخبُّ يخدعني"، هي رسالة وجهها الحراكيون إلى السلطة والقيادة العليا في البلاد وللديمقراطيون المزيفون الذين جعلوا من الديمقراطية وسيلة للوصول إلى الحكم وقالوا له ما قاله أبراهام لنكولن ذات يوم: " يمكنك أن تغر بشعب مرة أو مرتين، لكن لا يمكنك أن تغر به أبد الدهر"، فهل يحق أن نقول أن انتخابات 2021 هي انتخابات الحراكيين أو الديمقراطيون الجدد كما يصح تسميتهم، لكن الحقيقة لا يمكن أن نقول أن كل المترشحين في القوائم الحرة ديمقراطيون.

رغم أن جلهم لهم طموحات وأطماع ولهم مصالح وتكتلات، فقد خامرت أذهان البعض فكرة التخلي أو التخلص من الحزبية أو التحزّب خاصة وأن البعض منهم أو أغلبهم إن صح القول يمثلون المجتمع المدني أو يتكلمون باسمه من أجل الوصول إلى قبة البرلمان كلٌّ حسب منطلقاته وأهدافه، حيث قدم البعض نفسه باسم ناشط جمعوي  من أجل مغازلة الطبقة الشعبية وكسب ودها يوم الاقتراع، أما الأحزاب فهي كما يبدو للبعض مجرد ديكور يزين به اليوم الذي يعبر فيه الناخبون عن أصواتهم بحرية وديمقراطية شفافة أمام الصندوق، وحسب الأجواء فقد تكون سنة 2021 سنة دمقرطة  الانتخابات في الجزائر، اللهم إذا كان "التزوير" هو سيد الموقف كالعادة، ما يمكن قوله هو أن استمرارية الصراع لا يخدم مسيرة تطور المجتمع وقد يؤدي هذا الصراع إلى الإقتتال من جديد مثلما حدث في العشرية السوداء وبدون خلفيات.

 

علجية عيش

 

احمد ابو قدوموصف المشكلة لا يعني معرفة الحل، ومعرفة الحل لا تعني معرفة كيفية تنفيذه، فتشخيص المرض مرحلة والتوصل للعلاج المناسب مرحلة وكيفية إعطاء العلاج مرحلة.

فالمقاومة فيها الآلاف من الشباب، كل واحد منهم بحاجة إلى راتب ومصروف تدريبات، بالإضافة لحاجتهم إلى السلاح، وهذا يعني أنهم بحاجة إلى عدة ملايين من الدولارات شهريا، وهذا لا يمكن تأمينه من التبرعات مهما بلغت، لوجود القيود أولا ولعدم توفر هذه المبالغ مع الأفراد مهما بلغوا من الغنى ثانيا، وهنا تبرز الكثير من التساؤلات وهي بحاجة إلى إجابات واضحة بعيدا عن التحليلات والتنظيرات ولا يكفي القول أن المقاومة خائنة وعميلة....

من هذه التساؤلات:

1-  إذا امتنع أهلنا المقاومين في فلسطين عن أخذ المال من العملاء والدول كي لا يكونوا رهن إشاراتهم وإشارات مخابراتهم، فإن هذا يعني بالضرورة إنتهاء المقاومة، فهل يجوز للمقاومين عدم المقاومة والقبول بالأمر الواقع وتسليم أسلحتهم والجلوس في بيوتهم والتعامل مع العدو كما يتعامل بسلام كثير من المحللين في القدس والمنطقة الخضراء والضفة وغزة ويعتلون المنابر ليخطبوا لنا عن الحيض والتباعد وعن النفاس والتداوي وعن أن الحل هو باستنصار عسكر بني شيبان وهم تحت حماية حراب يهود ؟؟؟!!! لأنه لا يجوز أخذ المال من العملاء والدول؟؟!!!! 

2-  وإذا كان الحل باستنصار الغير سواء أكانوا موظفين في الجيوش كجنود وضباط وقادة أو كانوا موظفين في الأجهزة الأمنية كعناصر، أو كانوا موظفين في وزارات ودوائر الدولة المختلفة كمدراء ورؤساء أقسام ومستخدمين، فكيف سيكون الاستنصار؟

3- ولنفترض جدلا صحة هذا الحل! فما هي آلية تنفيذه؟ إذ المسألة ليست في تشخيص المشكلة فقط أو في معرفة الحل فقط، بل في كيفية تنفيذ الحل ووضعه موضع التطبيق.

فلا يكفي أن نقول أن العلاج الوحيد للأوبئة والجوائح هي المطاعيم، بل لا بد من معرفة كيفية ايجادها وتصنيعها، ومباشرة إجراء التجارب على إنتاجها بعد توفير المختبرات والمال الكافي للعلماء... وكذلك لا يكفي أن نقول الحل هو في استنصار جيوش بني عامر بن صعصعة وبني شيبان بل لا بد من وضع آلية لكيفية استنصارها!!

4- فهل سيكون بمخاطبتها عبر منشور على صفحات الفيسبوك مخصص للأصدقاء، أو من خلال نشره في مجموعة مغلقة مخصصة للأعضاء، كما هي صفحات المنظرين لهذه الفكرة ومجموعاتهم، ولا يقبلون في صفحاتهم ومجموعاتهم إلا من يرقص ويطبل معهم ويحظرون كل من يخالف فكرهم؟

أم هل يكون بالذهاب للدوائر الحكومية العسكرية منها والمدنية ومطالبة موظفي هذه المؤسسات بالانتصار للأهل في فلسطين؟

أم يكون من خلال مغادرة أهل القدس وغزة والضفة لبلادهم وخاصة المنظرين منهم والداعين لهذا الحل والذهاب لمؤسسات الدول لاستنصار الموظفين فيها؟

وعلى فرض استجاب لهم عشر قادة من قادة التشكيلات الصغيرة (سرية وبطارية وفصيل وحظيرة) من بين ألف قائد وحدة، وثلاث قادة للتشكيلات المتوسطة (كتيبة) من بين مائتي قائد، وقائد لتشكيل كبير (لواء، فرقة، سلاح، جيش) من بين ثمانين قائد، وألف ضابط من بين عشرين ألف ضابط وعشرة آلاف عسكري من مائة ألف عسكري، في دولة صغيرة كتونس، فهل سيواجهون ١٨ ألف قائد وضابط كبير وضابط و7٠ ألف عسكري؟ وكيف سيخرجون وحداتهم الصغيرة من المعسكرات الكبيرة؟ وكيف سيزحفون بها نحو العاصمة بدون أوامر حركة من القيادة العامة وبدون معرفة الاستخبارات والأمن العسكري بهذا التحرك؟ وكيف سيذخرونها؟

مع العلم أن الاستجابة سابقا لم تحصل إلا من قبل أربعة أو خمسة ضباط لا يستطيعون تحريك دراجة هوائية (بسكليت)، واعتقلوا من وسط وحداتهم العسكرية، دون أن يحركوا ساكنا؟

وما حصل في تركيا في عام 2016 خير دليل عى ذلك، فقد تم اعتقال قادة الجيوش والأسلحة من رتبة فريق أول وفريق ولواء، واعتقال قادة التشكيلات الكبيرة من رتبة عميد وعقيد، واعتقال قادة التشكيلات المتوسطة من رتبة مقدم ورائد، وكذلك قادة الوحدات الصغيرة من رتبة نقيب وملازم أول وملازم، وزج 18 ألف من الجنرالات والضباط الكبار والضباط في السجون، ومعلوم أن القوات التركية تتكون من عدة جيوش برية بالإضافة إلى القوات الجوية (سلاح الجو)  والقوات البحرية (سلاح البحرية) والصواريخ، ويتكون عدد الجيوش التركية والأسلحة بحوالي 670ألف جندي، وهي من أكبر الجيوش في العالم وأقواها.

والانقلابات التي حصلت في الماضي كانت بتعاون قيادات المؤسسات العسكرية مع سفارات الدول الكبرى التي اشترت آلاف من القادة والضباط الكبار والصغار!!!

وحتى في حالة عدم تعاون قيادة المؤسسة العسكرية مع سفارات الدول، فإنها إن قامت بالمجازفة ونجحت فستعلن نفسها قيادة سياسية للبلاد، ولن تمنحها لرجل لا يستطيع إدارة جماعته بل لا يستطيع إدارة حضانة أطفال.

والرسول صلى الله عليه وسلم لم يطلبها من العسكر بل طلبها من الزعماء، فعند لقائه مع زعماء بني شيبان قال له مفروق: وهذا المثنى شيخنا وصاحب حربنا (بمعنى قائد جيشنا) فلم يطلبها من قائد الجيش بل من الزعماء.

وجاء في السيرة عندما أرسل الرسول الصحابة للهجرة واللجوء عند ملك الحبشة، أن جعفرا قال للنجاشي عن سبب هجرتهم عن قومهم: « فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألاَّ نظلم عندك أيها الملك» فقبلهم النجاشي كلاجئين سياسيين عنده، وفي المقابل التزم المهاجرون بالأعراف السائدة من عدم مخالفة قوانين الدولة وعدم التدخل في سياستها، حيث قال النجاشي لبطارقته: "... وأحسنت جوارهم ما جاوروني" أي ما التزموا بأعراف الجوار، ولم يطلب الرسول صلى الله عليه وسلم من صحابته طلب النصرة من جيش النجاشي والانقلاب عليه لتسليمهم الحكم وتطبيق الإسلام.

وقد ثبت بالأدلة الصحيحة إسلام النجاشي ومع ذلك لم يطلب منه الرسول تطبيق الإسلام في بلده لوجود معارضة قوية له، بل لقد خرج عليه الحبشة والبطارقة لإسلامه، ومات في السنة التاسعة للهجرة وصلى عليه الرسول وصحابته صلاة الغائب مع أنه لم يطبق الإسلام.

5- ومن يقول بالاستنصار -رغم أنه مجرد كلام يفتقر لآلية تنفيذه- فهل يجب على المقاومين القبول بالأمر الواقع بناء على ذلك، والانضمام للمجموعات المغلقة على الفيسبوك والتي لا تقبل إلا التصفيق والتطبيل وعبارات المدح والإطراء لأصحابها بل والتسبيح بحمدهم وشكرهم على الفتاوى والتحليلات والتنظيرات التي تصدر عن زعيمهم الأوحد ؟؟؟!!

6- وهل يكون البحث عن حل لمشكلة أهلنا في فلسطين هو الهروب إلى إصدار الفتاوى تلو الفتاوى بالرد على تساؤلات ممجوجة مملولة ومكررة؟؟؟!!! يستطيع دارس مبتدئ للشريعة أن يجيب عليها ويسترسل في بحثها بشكل أفضل مما تخرج إلينا، وكيف يصبح أحدهم مشرفا على حلقة وهو لا يستطيع الإجابة على هكذا تساؤلات، لكن لقلة المشاغل فإن الزعيم يتلقطها ويتلقفها ليشغل نفسه بها، ويجهد نفسه في البحث عن إجاباتها في بطون الكتب ومن خلال محركات البحث جوجل وغيره، لتخرج لنا الفتوى مشوهة ومستنسخة وكـأنها جاءت باجتهاد وفتح جديد.

أدعو المفكرين وأصحاب الرأي للمشاركة في الإجابة على هذه التساؤلات، فهي بحاجة إلى أجوبة صحيحة ومقنعة وليس مجرد سرد لكلام لا معنى له، لعلنا نجد حلا صحيحا ومقنعا لهذه المشكلة، وانا لا أدعي امتلاكي حلا لها، بل أطلب النقاش الجدي فيما طرحت لعلنا نجد حلا لها بعيدا عن الانغلاق والجمود على ما يدعيه البعض ثوابت.

ومن يمتلك إجابة أو رأيا ويخشى أن يناقشه على العام فليرسل لي على الخاص، وأعده أن لا أنشر اسمه، كي لا يصيبه قارعة الذين سبقوه ورحم الله أويس القرني إذ قال: نأمرهم بالمعروف وننهاهم عن المنكر فيشتموننا ويقعون في أعراضنا، ووالله لقد رمونا بالعظائم، ثم قال والله لا أدع أن أعمل فيهم بحق.

 

بقلم: احمد ابو قدوم - عمان

 

 

صلاح حزامتصاعد الحديث في الايام الماضية عن موضوع تفشي الفقر في العراق وتصاعدت الارقام والنِسَب المعطاة عن مدى شيوعه في المجتمع.

لا ادري ان كان ذلك التصاعد نتيجةً لصحوة ضمير لدى البعض، او انه تسقيط انتخابي مبكر تمهيداً للانتخابات القادمة !!

ربما يحاول البعض الظهور بمظهر حامي الشعب والمدافع الأمين عن مصالح الفقراء،وبالتالي يجب على الشعب انتخابه او اعادة انتخابه!!

البعض قال ان نسبة الفقراء بلغت ٢٥٪؜ والآخر قال ٣٥٪؜ ولكن جهة أخرى زايدت على الجميع وقالت ان النسبة هي ٤٠٪؜، هكذا !!!

أنا لاأمتلك الاحصائيات المتعلقة بالفقراء حتى أحكم على سلامة وموضوعية اي من تلك الأرقام، ولكني اتسائل عن مصدر تلك الارقام والأسس والمعايير التي تم اعتمادها في الاحتساب.

وزارة التخطيط تُعلن رقماً ولكن عضو برلماني يكذّب الرقم !! بدون ان يقدّم طلباً لاستجواب مسؤول جهاز الاحصاء

بسبب عدم صحة بياناته !! مع ان البيانات الخاطئة مقدمة لكل سوء.

وعلى ايقاع حفلة الحديث عن الفقر والفقراء، استضافت احدى القنوات

الفضائية "خبيراً اقتصادياً" للحديث عن الموضوع وشرح مضامينه للجمهور، لكن الرجل ارتكب أخطاءً جسيمة ولم يكن يعرف مايقول لكنه انتقد بقسوة النظام السياسي ومؤسساته وكأنها مناسبة للشتم.

وتجنباً للأطالة، سوف أذهب الى تقديم فكرة عن خطوط الفقر المختلفة وكيفية احتسابها ودلالاتها، وبالتالي تحديد نسبة الفقر في البلد.

انواع خطوط الفقر :

-خط الفقر المدقع abject poverty line:

وبموجبه يتم تقدير عدد الاشخاص الذين لايحصلون على العدد الكافي من السعرات الحرارية (لا يحصلون على الغذاء الكافي). ويقاس بالمقارنة بين عدد السعرات الذي تحدده الجهات الصحية كحدٍّ ادنى في ذلك البلد ولذلك العُمر، وعدد السعرات الذي يحصل عليه الشخص فعلاً..

-خط الفقر المطلق absolute poverty line:

وهو يستند على تحديد سلة من السلع والخدمات التي يحتاجها الفرد لكي يحيا حياة لائقة، ومن ثَمَّ احتساب كلفتها (على اساس أخذ اسعار السلع من النوعية المتوسطة في السوق).

وبعد ذلك تقارن كلفة تلك السلة مع دخل ذلك الفرد، واذا كان الدخل لايكفي للحصول على كل مفردات تلك السلّة، يعتبر الفرد فقيراً فقراً مطلقاً.

السؤال الذي يرد في ذهن الجميع هو:

من يُحدد مكوّنات تلك السلًة ؟

في النظم الديمقراطية والتي تحترم البشر، يتم التقدير على اساس بيانات مسوحات دخل وإنفاق الأسرة التي توضّح ماهي السلع والخدمات التي تستحوذ على انفاق الأسرة ( اي انها سلع ضرورية من وجهة نظر الاسرة)ويتم احتساب مروناتها للتأكد من درجة اهميتها . اضافة الى سلع وخدمات تعتقد السلطات المعنية انها من الضروري ان تدخل في قائمة الاستهلاك.

في النظم الاستبدادية او التي لاتكترث كثيراً بمشاعر ورغبات الناس، غالباً ماتتدخل السلطات في تقدير ماهو مهم وماهو غير مهم من السلع والخدمات حتى في حالة وجود احصائيات عن الدخل والإنفاق ..

او انها تحذف بعض المفردات من السلة لتخفيض كلفتها وبالتالي تخفيض عدد الفقراء بطريقة مفتعلة وملفّقة ...

-خط الفقر النسبي relative poverty line :

وهو يُحتسب باعتباره نسبة من حصة الفرد من الناتج المحلي الاجمالي في البلد per capita income, وهو يُستَخدم في الدول المتقدمة عادة وتحدد النسبة حسب ظروف كل بلد (بعضها يستخدم نسبة ٣٠٪؜ وبعضها يحتسب نسبة ٤٠٪؜) بحيث ان اي فرد يقلُّ دخله عن تلك النسبة يعتبر فقير.

(مثال؛ اذا كان متوسط نصيب الفرد من الناتج عشرة آلاف دولار سنوياً وقررت السلطات اعتماد نسبة ٤٠٪؜ كحد فاصل لاحتساب الفقر النسبي، فأن كل فرد يقل دخله عن اربعة آلاف دولار سنوياً يعتبر فقير نسبياً).. وهكذا تحدد مستويات الاعفاء الضريبي او تقديم المساعدات الخ..

ولكن بعض الجهلة يصرخ ويقول ان الدولة الفلانية دولةعظمى وفيها فقراء، دون ان يعرف ان تلك الدولة تقصد الفقراء بموجب خط الفقر النسبي،

-ظهر في السنوات الاخيرة مفهوم جديد للفقر يسمى الفقر متعدد الابعاد .

وهو يتضمن عشرة ابعاد تغطّي الصحة والبيئة والتعليم ومستوى المعيشة والسكن والكهرباء والمياه النظيفة والصرف الصحي،للحكم على كون الفرد فقيراً او غنياً. ومن كان كان يعاني الحرمان في عدد منها يعتبر فقيراً وفق هذا المعيار..وكلما زاد عدد اوجه الحرمان أشتدَّ التصنيف قسوةً..

الآن، وفق اي معيار تم احتساب الفقر في العراق؟؟

لم اسمع ابداً حديثاً ذو معنى عن الفقر!!

يأتون بأشخاص متلعثمون ولايفقهون مايقولون ... فيساهموا في تضليل الناس .

 

د. صلاح حزام