ابراهيم أبراش(الكلاحة) لفظ لا أصل له في قاموس اللغة العربية، هي كلمة من اللهجة الدارجة في فلسطين وبلاد الشام عموما،  ويُقصد بها الشخص الذي لا يستحي أو ما في وجهه دم،  أو ما يختشي كما يقول الأخوة في مصر، أو وجهه مقصِّدر كما يقول اخوتنا المغاربة، و المُكَلِح عكس الرجل الذي به سمة الحياء، وإن كان الحياء من مكارم الأخلاق فالكلاحة من أرذلها.

 المُكَلِح كوكتيل من الصفات الممقوتة، فهو لا يستحي أو يخجل ووقح وغير مؤدب وجبان ومنافق وانتهازي وفاسد ومدعي معرفة، فالمكلح لا يتورع عن الكذب والنفاق دون أن  يردعه دين أو قانون أو اخلاق أو حس وطني، وذلك لتحقيق مصالح خاصة. وهناك فرق بين الشجاعة والكلاحة، فالمكلح يتظاهر بأنه شجاع مراهنا على عدم معرفة الناس به أو جبن بعضهم أو كونه مسنوداً من جهة عليا، ولكنه في جوهره جبان رعديد وليس عنده حجة فيما يدعيه كما أن تصرفاته تضر بالآخرين، أما الشجاعة والجرأة فصاحبها يكون على حق وله خُلق نبيل وله حجته التي يُقنع بها الآخرين كما أن شجاعته لا تضر الآخرين.

المكلحون هم  الذين نعتهم الرسول الكريم في أحد احاديثه بـ (الرويبضة)، وحذر منهم الأديب الكبير نجيب محفوظ عندما قال :  "ويل للناس من حاكم لا حياء له”، فهؤلاء أكثر خطورة في مجال السياسة مما في العلاقات الاجتماعية، فأضرار المكلحين من الناس العاديين تمس البعض أما مخاطر واضرار المكلحين السياسيين فتمس عامة الناس وتضر بالمصالح الوطنية، والكلاحة السياسية لا تقتصر على الطبقة السياسية الحاكمة بل موجودة أيضا عند المعارضة السياسية، كما أن الكلاحة السياسية عند الطبقة السياسية في دول ومجتمعات خاضعة للاستعمار أو فقيرة تكون أكثر خطورة مما هي عند الدول المستقلة والمتحضرة.

نسبة كبيرة من النُخب السياسية العربية بما فيها الفلسطينية تتمتع بقدر كبير من الكلاحة السياسية حيث لا  حدود لكذبها وكأن الشعب مجموعة من الجهلة أو المتسولين، تكذب في الحرب وتكذب في السلم، انتصاراتها أكاذيب ومنجزاتها اكاذيب، تكذب لأنها لا تخشى رادع يردعها،  لا دين ولا أخلاق ولا قانون، والمصيبة أن المكلحين يعرفون أنهم يكذبون ويعرفون أن الذين يستمعون لهم ويصفقون لهم يعرفون أيضا أنهم يكذبون، ومع ذلك يستمرون في الكذب.

النخب السياسية المكلحة لا تستمع إلا لنفسها وما تمليه مصالحها ولا تستفيد من اخطائها أو تحاول تصحيح مسارها، وما بين هذه النُخب المكلحة والشعب شبه قطيعة، فكلاحتها تجعلها لا تحترم الشعب أو تخاف منه، كما أنهم يتصرفون وكأنهم المرجعية الدينية والمرجعية القانونية والمرجعية الوطنية وكل من يعاديهم يتم تصنيفه كخائن أو كافر أو جاهل أو ناكر للجميل.

 الكلاحة السياسية في مجتمعنا أصبحت مستفزة لأن أضرارها لا تقتصر على الفساد والإفساد بل تتعدى ذلك للمس بالمصالح الوطنية العليا، وفي ظل غياب الانتخابات النزيهة سيبقى الشعب محكوما بالكلاحة والمكلحين، ولأنهم مكلحون فلا تؤثر عليهم لا المظاهرات المنددة بهم ولا المقالات والتغريدات والعرائض المطالِبة برحيلهم، وكما يقول المثل (إذا لم تستحي فأصنع ما شئت) وهم لا يستحون.

 

إبراهيم أبراش

 

عبد الحسين شعبانكان اختيار منتدى أصيلة وجامعة المعتمد بن عبّاد المفتوحة بالمغرب لموضوع "العروبة والبناء الإقليمي العربي: التجربة والآفاق" كعنوان لندوة ذات طابع راهني بأفق مستقبلي وقراءة إستشرافية ، فرصة مناسبة لتبادل الآراء واستمزاج وجهات النظر والاستئناس بأفكار حاولت ملامسة الجديد في فكرة العروبة، التي ظلّت تشغل الأفق السياسي والاستراتيجي لغالبية مشاريع النهضة والإصلاح في العالم العربي منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى الأن، وقد اتخذت ثلاث اتجاهات أساسية:

الأول – "العروبة الثقافية"، وهي الفكرة التي حاولت محاكاة مشاريع النهضة الأوروبية التي كان توجّهها نحو "دولة مدنية"، وقد أخذت هذه الفكرة تتعمّق بالتجربة العملية وبعد طائفة من الإخفاقات والممارسات السلبية التي عملت باسم "العروبة" .

الثاني – "العروبة الآيديولوجية"، وهي الفكرة التي حاكت السياسة والتيارات القومية الأوروبية الإستعلائية الشوفينيّة بشيفرة قومويّة.

الثالث – "العروبة في طور التكوين المؤسساتي"، وهي فكرة قامت عليها جامعة الدول العربية (22 مارس / آذار1945) كمنظّمة إقليمية أرادها الآباء المؤسسون أن تكون نواة أو خطوة للوحدة العربية وعلى طريقها، وهي وإن أخفقت سياسياً في حل المشكلات والنزاعات والحروب العربية – العربية، والعربية – الأجنبية، إلاّ أنها تمكنت من لعب دور إيجابي في دعم البلدان العربية لنيل استقلالها والتحرر من الإستعمار وفي دعم تنميتها، إضافة إلى مساندة القضية الفلسطينية في المحافل الأممية ضدّ العدوان "الإسرائيلي" المتكرر.

وخلال القرن ونيّف الماضي تعرّضت العروبة إلى تحدّيات عديدة، من خارجها ومن داخلها إذا جاز التعبير.

أولها – إخفاق المشروع السياسي الوحدوي وتضبّب صورته الحلمية، والأكثر من ذلك فإن الدولة العربية (القُطرية) التي اعتُبرت من مخرجات التجزئة وسبباً في عدم تحقيق مشروع النهضة  تصدّعت هي الأخرى بسبب الحروب والنزاعات الأهلية، إلى درجة أصبح الحفاظ عليها مهمةً عروبية بامتياز.

وثانيها – التداخلات الإقليمية غير العربية وتأثيرها على القرار العربي، وذلك بسبب محاولات الهيمنة الإيرانية والتركية، فضلاً عن محاولات أثيوبيا المائية التي ألحقت ضرراً بالمصالح العربية، ناهيك عن تحالفاتها الإقليمية.

وثالثها – تراجع القضية الفلسطينية، التي مثلّت جامعاً للعروبة الثقافية والمؤسساتية .

ورابعها – إنفجار الهويّات الفرعية وانبعاث رياح الطائفية والإثنية المناوئة لفكرة العروبة، خصوصاً بعد تنكّر أو عدم اعتراف بها.

وخامسها – الممارسات الإستبدادية السلبية لأنظمة حكمت باسم العروبة.

العروبة بصفتها هويّة منفتحة ليست ساكنة أو نهائية أو تمامية. لأنها متجدّدة ومتحوّلة ومتفاعلة، حيث تتغير بعض عناصرها مثل العادات والتقاليد والفنون والآداب حذفاً أو إضافة، ومثلما هي كذلك، فلا بدّ أن تقّر باختلاف الهويّات وتعترف بحقوقها وتتعامل معها كأمر واقعي وليس مفتعلاً أو متخَيّلاً، كما هي النظرة الإستعلائية الشوفينيّة. وهكذا يصبح من واجب العروبة المؤنسنة احترام  حق كل شعب أو مجموعة بشرية تشعر بوجود خصائص تجمعها هويةً وانتماءً، بل و أن تعمل على مساعدتها في تعزيز وتطوير خصوصيتها بما يجعلها تتفاعل إنسانياً معها.

وبهذا المعنى لا يمكن إختزال العروبة بالقومية أو العرق أو النسب، وإذا ما فعلنا ذلك فأين سيكون مكان الأندلس والمعتمد بن عبّاد وابن طُفيل وابن باجة وابن حزم وعبّاس بن فرناس من فكرة العروبة؟

والعروبة هي لغة امرؤ القيس والمتنبّي وأبو القاسم الشّابي وطه حسين وجبران خليل جبران والجواهري، وكانت وما تزال فعل مواجهة، خصوصاً حين  تبلورت في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين من خلال مفكرين ورُوّاد مثل جورج أنطونيوس وشكيب أرسلان ورشيد رضا والبساتنة والريحاني واليازجي وصولاً إلى ساطع الحصري، ولعلّ ما هو مطلوب اليوم تعزيز العروبة وتجذيرها وتحصينها وأنسنتها بالحرية والإقرار بالتنوّع وقبول الآخر والاعتراف بالحق في الإختلاف.

وكان مشروع النهضة الأول الذي ساهم فيه الأفغاني ومحمد عبدو والكواكبي والطهطاوي والتونسي والقائيني قد ارتكز على عاملين أساسيين وهما: الحريّة والتنمية وهذان يمثلان الأساس للمشروع النهضوي العربي الحديث بأركانه الستة وهي: التحرّر السياسي والتنمية الإقتصادية المستقلّة والوحدة العربية والديمقراطية والعدالة الإجتماعية والتجدد الحضاري، وهو يمثّل العروبة المؤنسنة البعيدة عن التعصّب ووليده التطرّف ونتاجهما العنف والإرهاب. وبذلك يمكن أن نضع الجاحظ وابن خلدون وابن المقفّع وابن سينا وابن رشد وأبو نوّاس وسيبويه ونفطوية وبشار بن برد وغيرهم في عداد من أسسوا للعروبة على أساس الثقافة واللغة، ويمكن إضافة الدين والجغرافيا كأُسس للهويّة لا علاقة لها بالإنتماء العرقي والقَبلي، بعيداً عن محاولات تفضيل العرب وتمييزهم بسبب ذلك، وبعيداً عن نقيضه، محاولات تبخيس دورهم وقدرهم.

وما تحتاجه العروبة اليوم هو إعادة هندستها لتكون أكثر انفتاحاً وتعدّديةً وقبولاً للآخر، أي الإقرار بالتنوّع في إطار الوحدة وهو ما يجنّبها التفتّت والتذرّر ويجعلها جامعةً ومتعددة في آن، ولعلّ ذلك يعطيها كهويّة مصادر قوّة روحيّة لم تُكتَشف تاريخياً حتى الآن، والعروبة حسب قسطنطين زريق "مشروع لم يُنجز بعد"، وإنجازه يحتاج إلى وعي جديد، وهو ما كان خلاصة البحث في منتدى أصيلة "الأصيلة" التاريخي في دورته الثانية والأربعين.

 

د. عبد الحسين شعبان

 

قاسم حسين صالحيعقد الحزب الشيوعي العراقي مؤتمره الحادي عشر في ظل وضع سياسي معقد داخليا وخارجيا يعيق تطلعات جماهيره في اقامة دولة مدنية ديمقراطية عصرية تحترم سيادة القانون والمؤسسات الدستورية واستقلال السلطة القضائية التي تمتحن الان في نتائج انتخابات 10 تشرين 2021 .

ويواجه الحزب موقفا صعبا في تحقيق اهم اربع قضايا تشغل العراقيين: تشكيل محكمة من قضاة مستقلين لمحاسبة الفاسدين تعتمد مبدأ من اين لك هذا، تشكيل حكومة تتمتع بالكفاءة والنزاهة والمهنية، حصر السلاح بيد الدولة وانهاء دور الميليشيات، والكشف عن قتلة شهداء تشرين.

ان المهمة الاساسية لمثل هكذا مؤتمر هي مراجعة مسيرته السابقة وتعزيز ما هو صائب من مواقفه وممارسة النقد الأيجابي لأخرى كانت غير موفقة او لم تاتي من قراءة دقيقة للواقع العراقي المتداخل والمعقد، واخرى تخص انقساماته الداخلية.. وعن هذه الأخيرة سنتحدث سيكولوجيا.

عقدتان سيكولوجيتان

في (8 /2 /2008) اقترحت على الأخ رزكار عقراوي (رئيس موقع الحوار المتمدن) تشكيل لجنة تحضيرية، من غير المنتمين والذين لا يثيرون حساسية هذا أو ذاك، تتحرك لتوحيد قوى اليسار العراقي.وبعد نشر موضوعين لنا بعنوان (البديل المنقذ لعراق مدني ديمقراطي) تفاجأت أن عدد هذه القوى من الشيوعيين عشرة أو يزيد. ثم فاجأني الأخ رزكار برسالة يقول فيها، بعد ترحيبه بفكرة تشكيل هذه اللجنة، بأنه تحّرك فعلا" فوجد ان العداء بين معظم هذه القوى من النوع اللدود، وطلب مني ان اقوم بتحليلها نفسيا" لتشخيص ما فيها من أمراض نفسية. .فتوصلت الى وجود (علّتين) سيكولوجيتين تتحكمان بقوى اليسار العراقي هما: الصراع على الهوية (أو العنوان)، اذ يمكن تشبيه قوى اليسار العراقي بأولاد أسرة واحدة يحظى فيها الأب بمقام رفيع وصيت ذائع بين ناس يعدّونه " نبيا" أو " عبقريا " من طراز فريد. وحين مات هذا الأب (ماركس) تنافس (اولأده ـ قوى اليسار) على من يحمل الهوية أو اللقب أو العنوان، ثم تطور هذا التنافس الى صراع وعداء، واشد انواع العداوات تلك التي تكون بين الأخوة. فالكبير منهم (الحزب الشيوعي العراقي) يعّد نفسه الوريث الشرعي للأب وحامل هويته وأسمه وعنوانه، ويعدّ من يخرج عن طوعه منشقا" وعاقّا"، فيما يرى الأخ المنشق عليه في مسيرة الأخ الأكبر، حامل العنوان، أنه اساء الى أبيهم وشوّه أفكاره، ويؤنبه بعبارة: ما هكذا قال ابونا، وانك لو تمعنت فيما قاله واتبّعته لما اصابنا ما اصابنا.. وتلك هي الآلية السيكولوجية التي فرّقّت بين (اولاد ماركس).. لأن كل واحد منهم يرى في نفسه أنه الأحق بحمل هوية الأب الذي يعّده الفقراء والمظلومون أنه "نبيهم" و"مخلصّهم".

وواقع نفسي مثل هذا يحتم عليه أمرين، الأول: مهاجمة الأخ الكبير والتركيز في تضخيم أعمال أو مواقف يعدّها اخطاء كبيرة وخروجا" على منهج الأب وما اوصى به. والثاني: دعوة الناس المحبين لأبيه الى أنه هو ممثله الحقيقي، وأن عليهم ان يتخلوا عن أخيه الأكبر ويلتحقو به ان كانوا من محّبي أبيه الذي رسم لهم طريق الخلاص.

والمفارقة ان الأخوة الصغار المنشقيين يدركون أنهم لن يستطيعوا ازاحة الأخ الأكبر من موقعه ولن يكسبوا من الناس قدر ما كسب، ولكنهم يمضون في ذلك مدفوعين بالحاجة النفسية الى الشهرة والزهو بالهوية، مسنودة بالخوف من سلطة الأخ الأكبر اذا ما تصالحوا معه وعادوا الى خيمته، لأنهم يعتقدون بأنه حين يضعهم تحت جناحه فأنه سيطمس وجودهم ويفتقدون " الهوية " التي تمثل كينونتهم واعتبارهم الشخصي، وطبيعي ان الانسان يفضّل تهميش الوجود على الغائه. وقد يكون لدى (أولاد ماركس) ايمان مطلق بأن استعادتهم للهوية " مسألة وقت ليس الا، ويبشّرون أنفسهم والآخرين بأن هذا الزمن آت لا ريب فيه.

والثانية، ان قوى اليسار يتحكم بها " العناد العصابي" الذي يعني اصرار الفرد (او الجماعة)على البقاء في الموقف الذي هو فيه وعدم تزحزحه عنه حتى لو ساوره شك بأنه على خطأ، لأنه يتحكم فيه دافع قسري يجبره "غصبا عنه " على البقاء في الموقف. وغالبا ما يصاب بهذه العقدة القادة النرجسيون والمثقفون المصابون بتضخم الأنا، لأن كلا الصفتين " النرجسية وتضخم الأنا " يعدّان الاعتراف بالخطأ نيلا من الاعتبار الشخصي وجرحا للأنا المتضخم وللغدة النرجسية المتورمة في صاحبها.. وليت الجميع يراجعون انفسهم.. فبوحدتهم يكون الشيوعيون اقوى.

تهنئة من القلب لرفاق الدرب وهم يواصلون مسيرة 87 عاما من النضال الجسور والشجاعة التي تتحدى الموت.. فما من حزب سياسي عراقي قدّم تضحيات كالتي قدّمها الحزب الشيوعي، بدءا من اعدام قيادته الأولى المتمثلة بفهد ورفاقه عام 48 .. الى الموت تحت التعذيب البشع لقيادته الثانية المتمثلة بسلام عادل ورفاقه عام 63 .. الى أفجع تراجيديا ابادة سياسية في الشرق الأوسط لعشرات الآلاف من الشيوعيين وأصدقائهم الذين استشهدوا او غذّبوا أو ملئوا السجون العراقية ومراكز الشرطة وأقبية مديريات الأمن .. التي ارتكبها فاشست الانقلاب الأمريكي الرجعي في 8 شباط الأسود.

تحية للحزب الذي كان مثقفوه هم اداة التنوير والوعي الثقافي، في مفارقة مدهشة وجميلة هي أن أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي للمدة من(1955-1963) كانوا من عائلات أسياد!، وأنهم توزعوا بين سنّة عرب وشيعة وكورد!، ومؤكد ان بين الحاضرين مؤتمركم الآن من هم بأكثر من هذا التنوع.

لكم منا ايها الأحبة خالص تمنياتنا بالنجاح لمؤتمركم الحادي عشر بتحقيق شعاره (وطن حر وشعب سعيد).

*

أ. د. قاسم حسين صالح

 

محمود محمد عليتطل علينا الأحداث الطائفية في مصر بوجهها القبيح بين الحين والآخر، وكلما نغلق ملف حدث طائفيا يخرج لنا حدث آخر يجتذب المناقشات ويجعلنا نتبادل المشاعر السلبية ونتبادل الاتهامات ونتساءل من المستفيد؟.

وهنا أقول إن التعصب هو المادة الخام لكل فتنة، وله ميكانيكية ثابتة عبر كل العصور وكل المجتمعات، فالأزمة الاقتصادية وضيق الرزق وتوتر الحياة من أسبابه، ويخطئ من يؤرخ دائما بأن الفتنة الطائفية في مصر بدأت منذ أحداث الخانكة في بداية السبعينيات من القرن الماضي، وإذا كنا نريد أن نفهم حقا عمق ودلالة ما يصيب الوطن من أحداث بين الحين والآخر، تحاول جاهدة أن تشق الصف المصري وتضرب الوحدة الوطنية في مقتل، فعلينا أن نبحث في تاريخنا عن جذور هذه الأحداث ونحللها ونحاول فهمها حتي نتمكن من علاجها، فالتشخيص هو أصل التحكم في الداء.

ومنذ دخول الإنجليز أرض مصر في عام 1882، لم يتأخر البريطانيون - وهم المستعمرون العتاة - ففي زرع الفتنة الطائفية والتوتر الديني في مصر، وقد بدا هذا من خلال التعليم ومناهجه التي تفرق بين المسلمين والمسيحيين، كما حاول الإنجليز بقيادة المعتمد البريطاني لورد كرومر تقسيم مصر إلى أقباط ومسلمين كما نجحوا في الهند، لكنه فشل في المخطط .

وبناء عليه ليس مصادفة أن تنهض الحركة الوطنية في وجه مخططه الهادف لإثارة الفتنة الطائفية بين المسلمين والمسيحيين وهى السياسة التي نقلها من الهند في التفريق بين المسلمين والهندوس.

لم يكن مطروحا على الفكر المصري الحديث عن حقوق المسيحيين، لأن أوضاع الأقباط كانت مطابقة للمسلمين، فعندما دخل الإسلام مصر حرر المسيحيين من الاضطهاد الرومانى وكان ذلك أحد العوامل في قبول المصريين مسلمين ومسيحيين للغة العربية، فأصبحت اللغة السائدة لدى الجميع مما صنع نوعاً من التصور والوعى والتفكير المشترك.

وقد وقفت الكنيسة المصرية ضد عمليات التبشير الأوروبى, حتى أن البابا كيرلس اشترى مطبعة ليواجه بها منشورات التبشير الذى رآه خطراً على الأرثوذكسية المصرية قبل أن يكون خطراً على الإسلام، كما وقف بطريرك الأقباط مثل مشايخ الإسلام وحاخام اليهود مع الثورة العرابية عام 1882 في صراعها مع الخديوي توفيق.

بل إن محمد على باشا من قبل كان قد أمر موظفيه باستقبال بطريرك الأقباط بشكل رسمي أثناء زيارته للكنائس في أي مدينة مصرية.. لهذا نهض رواد النهضة المصرية في مثل هذا الوقت لمواجهة مخطط كرومر، مثل جهود أحمد لطفى السيد والإمام محمد عبده والشيخ على يوسف.

فمثلا هناك مقولة للشيخ على يوسف صاحب جريدة المؤيد تقول »ما المسلمون المصريون إلا أقباطا أسلموا، "وأضاف عليها مصطفى كامل عبارة "وهل يغير المعتقد الدم".. من هنا خرجت مقولة " مصر للمصريين "و" وحدة الهلال والصليب"، كلها لمواجهة مخطط كرومر!

علاوة علي أن مشاعر الطبقة الوسطى المصرية كانت في ذلك الوقت طوال النصف الأول من القرن العشرين على الأقل تتسم بدرجة عالية من الرقى والتحضر مثلما كانت سمات أخرى كذوقها الأدبي والفني بل حتى مواقفها السياسية.

فى ذلك الوقت روى عن مكرم عبيد - السياسي القبطي والخطيب الفذ، والوزير لبعض الوقت - قوله: "إنه قبطي دينا ومسلم وطنا".

ولا أنس أنه أثناء اندلاع صورة 1919 شارك الأقباط مشاركة فعلية وقبلية في جميع أحداثها، حيث يروي الكاتب الكبير مطفي أمين في مذكراته، " أن أعضاء الوفد من الأقباط ظلوا صامدين إلى جوار سعد أكثر من كثير من أعضاء الوفد المسلمين .. وأعضاء الوفد الذين نفاهم الإنجليز إلى شيشل كانوا ستة، أربعة منهم من السلمين هم سعد زغلول، وفتح الله بركات، ومصطفي النحاس، وعاطف بركات، واثنان من الأقباط هما سينوت حنا، ومكرم عبيد . واعضاء الوفد الذين حكم عليهم بالإعدام كانوا سبعو، ثلاثة من المسلمين هم : حمد باسل، ومراد الشريعي، وعلوي الجزار، وأربعة من الأقباط هم : مرقص حنا، وواصف غالي، وجورج خياط، وويصا واصف .. وقد أراد الإنجليز أن يثنوا واثف غالي عن كفاحه الثوري فقالوا له : كيف تضع يدك في يد من قتلوا والدك (المرحوم بطرس غالي – رئيس مجلس الوزراء) فقال لهم : "أفضل أن أضع يدي في يد من قتلوا أبي على أن أضع يدي في يد من قتلوا وطني".

كذلك لن أنشي أنه أنه فى يوم 24 يوليو 1965 قام قداسة البابا كيرلس السادس  بوضع حجر أساس الكاتدرائية الجديدة للأقباط بحضور رئيس الجمهورية جمال عبد الناصر الذى كانت تربطه به علاقة مودة متميزة وفى ذلك اليوم أمر الرئيس جمال عبد الناصر بصرف 100 ألف جنيه مساهمة من الدولة في البناء, وفى 25 يونيو 1968 قام الرئيس جمال عبد الناصر مع قداسة البابا كيرلس السادس بافتتاحها, وقد حضر الافتتاح الإمبراطور هيلا سلاسى إمبراطور أثيوبيا وممثلي مختلف الكنائس، وقد عبر الجميع عن مشاعر الفرحة والبهجة لهذا الحدث.

ولكن يبدوا أن الأمور تغيرت فيما بعد وخاصة منذ عام 1972، عندما ظهر على السطح فريقين في مصر يعانيان كما يقول المستشار طارق البشري من فقدان الأمن الجماعي، ويزاد لديهما هذا الشعور باطراد، وهما التيار الإسلامي السياسي الداعي إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، والذي تخاصمه خصاما حادا النزعة التغريبية في المجتمع وتتعامل معه بوصفه طائفة من الطوائف . والفريق الثاني هو جمهور الأقباط الذين يخشون على حقوقهم كمواطنين أن تتأثر بالدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية .

وهنا بدأت أحداث الفتنة الطائفية تتولد بدءاً من حادث الخانكة عام 1972، ومرورا بحادث الزاوية الحمراء 1981 لنصل إلى حادثة الكشح عام 1999 ثم مشكلة وفاء قسطنطين 2004 ثم اشتباكات الإسكندرية 2006 ومنها إلى حادثة نجع حمادي يناير 2010، فتفجير كنيسة القديسين نهاية 2010، وتبدأ ثورة 25 يناير ليبدأ الاحتقان مع التعديلات الدستورية مارس 2011 لتظهر المرأة وتتهم بأنها مفجرة الفتنة، حيث رأى بعض المراقبين أن نحو 75% من المشاحنات الطائفية خلال الأعوام من 2005 إلى 2011 استخدمت فيها المرأة بسبب تحولها الدينى وهو ما بدأته وفاء قسطنطين، ثم كاميليا شحاتة... بعد ثورة يناير بدأت أحداث أطفيح، ولكن هذه المرة سارت الأحداث بشكل عكسي حيث المتهم هنا رجل مسيحي وامرأة مسلمة، لتتوالى الأحداث، ونصل لقرية ميت بشار وأحداث العمرانية... الخ.

في كل الأحوال نشأت فتنة وانتهت إلى لا شئ، ونحن اليوم لا نعرف ولا نتابع مأ سفرت عنه الأمور في الخانكة، أو الزاوية الحمرا، أو كنيسة مسرة .. الخ. ضاع الحدث، ولكن ترسبت منه أن مسلمين واقباط تضاربوا وتحاربوا، وان هناك مواجهة، وأن هناك " طرفين" .

وهنا أود إلى أقول بأن الأحداث المؤسفة التي وقعت هنا في أوقات متفرقة بين قلة من المسلمين والأقباط والتي سميت خطأ بالفتنة الطائفية، هي في حقيقتها ليست "فتنة " وليست " طائفية"،وإنما هي اعتداءات متفرقة من فئات تنتمي إلى الفكر الديني المتطرف الذي يتخذ من الدين وسيلة للاستيلاء على مقاعد الحكم، وقد توهمت هذه الطائفة المتطرفة أن أيسر سبيل لتحقيق أغراضها السياسية هو إحداث فتنة طائفية بين المسلمين والأقباط .

والسؤال الآن : ما موقف الرئيس أنور السادات من الفتنة الطائفية؟

في اعتقادي أن السادات كان يريد إرضاء الأمريكان لأنه كان يرى أن 99% من أوراق اللعبة في يدها.. فقام بعمل تعديلات دستورية كان من شأنها أن جعل مدة الحكم فترتان.. وقام بتحويل النظام الاقتصادي للدولة من اشتراكية روسية إلى رأسمالية أمريكية.. وقام بعمل الانفتاح.. وكان من بين ما قام به إرضاءً لأمريكا أن قام بإخراج الجماعات الإسلامية من السجون الناصرية.. حتى يقال أن في مصر حرية دينية.. وحتى تقوم هذه الجماعات بإهالة التراب على أي ذكرى جيدة لعبد الناصر فتزول ذكرى عبد الناصر من وجدان الناس ومن ثم يكتسب السادات شرعيته في الحكم.. وكان من بين ما قامت به الجماعات الإسلامية أنها قامت بتكفير فئات كثيرة من المجتمع من بينها المسيحيون ومن الطبيعي أن يرد بعض المسيحيون على هذا الهجوم بتعقل ويرد البعض على الهجوم بهجوم مماثل.. وللمسيحيين الحق فى الحالتين.. فمن يدقق تاريخيا في ظاهرة التكفير أثناء السبعينات وبعدها يكتشف أنها تمت برعاية رسمية، وكان ذلك انقلابا مبكرا في التوجه الفكري والأيديولوجي للنظام السياسي, وتعزيزا للانقلاب السياسي الذى سبقه ضد دولة عبد الناصر في 13 أيار (مايو) 1971 الذى سمى "انقلاب مايو".

وأخذت حوادث الفتنة الطائفية تحدث وتتكرر، ونكاد نقول إنه منذ عام 1972 حدثت مئات الحوادث الطائفية المعلنة وغير المعلنة، الكبيرة والصغيرة، وفى كل مرة تتم معالجة المسألة بنفس الطريقة على طريقة دفن الرؤوس في الرمال دون البحث عن الأسباب الحقيقة ومحاولة علاجها.

وعقب أفول ثورات الربيع العربي وبالذات في أواخر 2013،  أدرك المصريون أن الفتنة الطائفية أخطر وأصعب مئات المرات من الإرهاب فهي تقضى على الأخضر واليابس وشعب مصر العظيم تاريخه حافل بالحب والمودة بين أطيافه المختلفة فلا يمكن أن يستطيع أحد أن يفرق بين المواطنين المصريين على أساس الدين أو اللون أو أي شيء آخر منذ آلاف السنين والمصريون يعيشون على أرض واحدة وتحت سماء واحدة لم يستطع أحد أن يفرق بينهم أو يجعلهم شيعا ومذاهب وحتى الاستعمار عندما احتل مصر عبر العصور لم يستطع أن يشق صف المصريين.

والقيادة المصرية الحالية استطاعت أن تعيد للمصريين قوتهم وتلاحمهم بعد أن نادت فى أكثر من موقف بأن قوة المصريين الحقيقية في وحدتهم، والوحدة قادرة على ردع قوى الشر في الداخل والخارج وهو الأمر الذى يجب أن ننتبه له جميعا خاصة بعد أن رأت هذه القوى أن مصر بدأت تسير على الطريق الصحيح خاصة بعد ظهور العديد من المشروعات إلى النور وبدأت خطوات التنمية الحقيقية تظهر للجميع، فما كان من هذه القوى إلا أن تعبث في البلد وتلعب على وتر الفتنة الطائفية بين المسلمين والمسيحيين لكنها لم ولن تنجح وسوف تفشل كما فشلت من قبل عشرات المرات.

ولهذا يخطئ من يظن أن الوحدة الوطنية بين أبناء الشعب المصري في خطر، أو أنها يسهل النيل منها عن طريق إحداث الفتن الداخلية واستعداء الأجنبي . إن الوحدة الوطنية هي الصخرة الصلبة التي تحطمت عليها جميع تلك المحاولات، والذين يتوهمون أن في مقدورهم النيل منها، يجهلون تماما طبيعة وتاريخ هذا الشعب العظيم الذي انصهرت في بوتقة واحدة على مر التاريخ، واستوعب الدرس الخالد الذي يؤكد أن اختلاف الدين لا ينال من وحدة الدم والمصير.

بل إن من يطالع المجلد الكبير والذي يعد دراسة توثيقية بعنوان " الإنجليون والعمل القومي" سيجد واجبا عليه الاعتراف بالدور الرائد والحيوي الذي أداه أخوة لنا في الوطن، وذلك في المجال الثقافي، والاجتماعي،والسياسي، مجال الحرب والسلام، مجال الحوار بين الأديان، ميدان غرس الروح الوطنية ونشر مبادئ المحبة والأخوة .

هل يمكن أن ننسي مجهودات البابا شنودة والأنبا غريغوريوس، وأنور عبد الملك، والأب جورج قنواتي، ونبيل فرج، ويوسف مراد، ووليم سليمان قلادة، والأب متي المسكين،وميشيل باخوم، ونسيم مجلي، وفخري قسطندي، وأنجيل بطرس، وفرح أنطون، وفليب خوري، وحنا خباز، وجورجي زيدان، ويلامة موسي، ولويس عوض، وسامي جبرة، وسامي عزيز، وخليل صابات، ومجدي وهبة، ويعقوب صروف، وبول غليونجي، والذي يعد كتابه عن ابن النفيس أفضل ما كتب بالعربية عن هذا الطبيب، وبحيث لا نجد حتي الآن دراسة أكاديمية واحدة عن ابن النفيس تكاد تقترب من هذا الكتاب، لأن الدراسات الأخرى إنما تعتمد على المبالغة والخطابة والإنشاء، والأب متي المسكين، ويوسف سيدهم، والدكتور زكريا إبراهيم، وفوزي متري نجار، وفايز فرح، وغيرهم من مئات الأسماء والشخصيات البارزة التي وضعت بصماتها البارزة على مسار الفكر العالمي وفكرنا العربي الحديث .

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل

 

 

محمد المحسنمن الواضح أنّ الأزمة التي يعيشها الواقع السياسي العربي ربما كان مردها إلى المفارقة بين فكره وممارسته، فالممارسة السياسية العربية ممارسة ذرائعية تجريبية وعفوية في الأساس، بل إن هذه الممارسة لا تتضافر في بلورة قراراتها إسهامات مختلف القوى الإجتماعية والسياسية وليست محط تداول إجتماعي واسع من طرف النخب السياسية مما يجعل تشريحها وتحليلها والتنظير لها أمرا عسيرا يتطلب معرفة بالتنجيم وعلم الأنواء( !).

كل هذه المعطيات تجعل نشوء وتطور علوم سياسية في الوطن العربي مهمة في غاية الدقة والصعوبة.وذلك بإعتبار أنّ هذه العلوم تتخذ من مختلف الممارسات السياسية موضوعات للتحليل والنقد واستشراف البدائل.

قد تكون السياسة العربية على مستوى بعض الخطابات والدساتير والقوانين والشعارات غنية بالإعترافات بكرامة المواطن وسيادة الشعب على خيراته ومقدراته ومصيره وأنّ الإزدهار مآله، بيد أن الممارسة الفعلية، غير المقننة أحيانا، تسير تماما في اتجاه معاكس.

كل الدساتير العربية تعد بدولة القانون والمؤسسات وتنضح بروح المواطنة وتشيد بحقوق الإنسان.لكن الواقع المعيش يشهد كل يوم على مزيد من الإحباط والتردي والتنكر لكل هذه الشعارات والنصوص.

والسؤال الذي ينبت على حواشي الواقع:

هل يراد للمواطن العربي أن يعيش هذا التمزّق وهذا الوعي الشقي بين فكر وايديولوجيا تغازل أحلامه وتدغدغ مشاعره وممارسة تكرّس بؤسه وتهدر كرامته..؟ !

إذا كان الجواب بالإيجاب، فكل نقد للواقع السياسي العربي-فكرا ومؤسسات-ينبغي أن ينطلق من رصد هذه الظاهرة-أي ظاهرة بؤس الوعي بين الفكر والواقع-وتحليل مضامينها وبيان شروطها ومكوناتها.

ما أريد أن أقول؟

أردت القول: لقد تمّ تشريح واقع -الدول العربية-التي ينتظم إجماع على إخفاقها في التصدي للتحديات الكبرى التي واجههتها، والمتمثلة في صيانة الإستقلال الوطني وتحقيق التنمية الإقتصادية المستقلة وإقرار العدالة الإجتماعية وتدعيم المجتمع المدني..

إنّ هذا العجز، يجعل مستقبل هذه الدول معلقا بين ثلاثة مشاهد تتأرجح بين مزيد من التفتّت والتشرذم، أو الإتجاه في التنسيق والتعاون أو كإحتمال أقصى، تجاوز الحدود التي تمنع الجسم العربي الواحد من الإمتداد والعمل على بناء التقدّم المنشود.

ولا ريب في أنّ أهم مشكلة تواجهها الدول العربية في هذا الوطن العربي الشاسع، منذ الإستقلالات السياسية إلى الآن تكمن في ضعف المشاركة السياسية وتدني مستوى الممارسة الديموقراطية.وينبغي الإقرار بأنّ عمليات حقن المجتمعات العربية بنظم ومؤسسات حديثة (غربية أساسا) لم تؤد إلى تحديث البنيات والعلاقات العامة التي تنظم هذه المجتمعات.فالأطر الدستورية العربية، التي أنبتت في مناخ مشبع بالضغوط الأجنبية والتحديات المتباينة، لم تتطور في إتجاه دعم الكتلة الدستورانية، بل مازال هناك بون شاسع بين مجمل الدساتير العربية والتطبيق التي يتم في ظلها تشكل  يجعل مطلب بناء دولة القانون أكثر حيويه وأكثر أولوية.

والمعاينة هي نفسها نتلمسها في بعض محاولات التحديث التي اكتفت بزرع مؤسسات حديثة بقيت كأعضاء غريبة في جسم يعتمد في سيره وحركيته على آليات وأساليب وممارسات عتيقة.

إنّ مرحلة التردي التي يعيشها الوطن العربي في العقود الأخيرة ليست قدرا عربيا نهائيا.إنها مرحلة قد تطول أو تقصر.وهي مرحلة قد تؤدي إلى ما هو أسوأ منها بكثير، أو إلى ما هو أفضل منها بكثير.ولكن الأهم أن لا نختلف حول حقيقتين هامتين:

أولهما:هو أن الوضع العربي القائم هو وضع مترد للغاية، ولدرجة ربما لم يسبق لها مثيل منذ حصول دوله على استقلالها، أي خلال العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية.

وثانيهما:أنّ هناك فرصا واقعية لتغيير هذا الوضع إلى ما هو أفضل، قبل أن يتحوّل إلى ما هو أسوأ، في المدى المنظور.

إنّ الوعي بهاتين الحقيقتين، والإجماع عليهما-في تقديري-هو شرط ضروري لتغيير الوضع القائم إلى ما هو أفضل، ولكنه شرط غير كاف.إنّ شرط الكفاية هو الإرادة الإنسانية..الإرادة على كل مستوياتها-إرادتنا كأفراد وجماعات، وكتنظيمات وأحزاب ومؤسسات، وكشعوب وحكومات ودول عربية.إنّ الوعي يسبق الإرادة، وهو ضروري لها، ولكنه ليس بديلا عنها.

ومن هنا نستشف المعاني الحقيقية لتلك الأبيات الخالدة لشاعرنا التونسي العظيم أبي القاسم الشابي:إذا الشعب يوما أراد الحياة..فلابد أن يستجيب القدر/ولابد لليل أن ينجلي..ولابد للقيد أن ينكسر..

وإذا كان الوعي من أعمال العقل، وإذا كان العقل يغلب عليه التشاؤم أحيانا، وهو يحلّل ويستقرئ ببرود وحيادية وموضوعية، فإنّ الإرادة يغلب عليها التفاؤل دائما، لأنها تعبئة روحية ووجدانية لإستنفار طاقات البشر للعمل من أجل مستقبل أفضل.

إنّ الوعي بحقيقة تردي الأوضاع العربية القائمة وبمناخ الإحباط العام الناتج عن هذا التردي، لا يبرّر ولا ينبغي أن يقود إلى اليأس.

وهنا أقول:إنّ أجيالا عربية سابقة لم تيأس ولم تستسلم لإختراقات الهيمنة الغربية الإستعمارية، بقدر ما قامت بإستجماع إرادتها واستنفرت إرادة الجماهير حولها، وعبأت وحشدت، وتمردت وناضلت، إلى أن حقّقت الإستقلال في النصف الثاني من القرن المنصرم.

وإذا كانت مسيرة دولنا العربية المستقلة قد انتكست، وإذا كان الإستقلال الفعلي لبعضها قد أستبيح أو أفرغ من محتواه، أو إذا كانت مشكلات بعضها الآخر قد تفاقمت، أو إذا كان بعضها الثالث نفسه مهدد في وجوده وبقائه بعد أن غدا بين-مطرقة التخلف وسندان التكفيريين- !فإنّ مسؤولية-هذا الجيل العربي-في حدها الأدنى، هي وقف هذا التردي ومنع الإنهيار الكامل.ومسؤولية-هذا الجيل-في حدها الأقصى هي أن يسلّم الوطن العربي للأجيال التالية وهو مزدهر، متحد وقوي.

إنّ هذه المسؤولية في حدودها الدنيا أو المتوسطة أو القصوى، ليست مستحيلة، ولا هي فوق طاقة البشر، ولا هي أيضا خارج حدود إمكاناتنا المادية والبشرية المتاحة.

لذلك أختم-هذا المقال المقتضب حول أزمة الواقع السياسي العربي-بتوجيه نداء إلى كل القوى الإجتماعية والسياسية الحية في أمتنا العربية، وخاصة إلى ضمائرها من كافة المشارب الأيديولوجية، لكي تتواصل وتتحاور سيما في ظل-ما يسمى بإشراقات الربيع العربي-، وتصوغ بالتالي مشروعا حضاريا عربيا جديدا، يقطع مع كل مظاهر التخلف والتشرذم والإنحطاط ويؤسس بالتالي لنهضة عربية خلاّقة.

إنني على يقين أنّ طلائع وضمائر هذه الأمة ستضطلع بمسؤوليتها المقدسة من أجل بقاء الأمة، ومن أجل مستقبل أفضل لأنفسهم ولأبنائهم وأحفادهم.فإذا أرادوا…فلابد أن يستجيب القدر.وهذا ما يثبته يوميا الشعب الفلسطيني بمقاومته المشرقة ونضاله الباهر..

وأرجو..أن تصل رسالتي إلى عنوانها الصحيح.

 

محمد المحسن

اتب صحفي تونسي وعضو في إتحاد الكتاب التونسيين

 

عامر صالحمع الأقتراب من الأعلان النهائي لنتائج الأنتخابات البرلمانية العراقية التي اجريت في العاشر من اكتوبر 2021 والتي افرزت بشكل عام انحسار شديد للتيارات الأسلامية المسلحة والمليشيات الحزبية المسلحة ذات الطابع الأسلاموي، كما افرزت نتائج الأنتخابات في تحسن ملحوظ تجسد في صعود نسبي لقوى الحراك التشريني الى جانب القوى المستقلة، وبعيدا عن نسبة المشاركة المتدنية في الانتخابات فأن مؤشراتها الأولية تؤكد ان هناك تغير نسبي قادم في موازين القوى البرلمانية والسياسية لصالح التيار المدني وقد يؤسس لحالة جديدة في العراق يجسدها بداية الخوض في معترك التأسيس لدولة المواطنة والأبتعاد عن منطق اللادولة والسلاح المليشياوي الذي تعبر عنه قوى اللادولة المافوية التي اغرقت العراق منذ 2003 في بحر من الصراعات الطائفية والأثنية الذي صادر الدولة وارتهنها لأجندته الخارجية والداخلية والتي تستهدف استنزاف الدولة ومواردها والأفساد فيها وفرض سلطة المليشيات بعيدا عن سلطة القانون.

كانت خسارة قوى اللادولة في الانتخابات مؤشرا ايجابيا لتفسير المزاج الشعبي العراقي العام في بداية توديعه لقوى احكمت السيطرة عليه خلال 18 عاما عابثة في مقدرات العراق وامكانياته المادية والبشرية ومستندة الى مختلف المرجعيات الدينية في الخفاء والعلن لأضفاء القدسية المشوهة على افعالها المشينة مستغلة الفاقة والحرمان الذي عاناه شعبنا من دكتاتورية النظام السابق ومفتعلة سلوك المظلومية الطائفية لتخريب الدولة والوطن واحلال العقاب بأبناء "الطائفة المظلومة" قبل غيرهم وحرمانهم من مستلزمات العيش الكريم في ابسط مستوياته الأنسانية في الخدمات العامة من صحة وتعليم وماء وكهرباء وضمانات الحد الأدنى الأجتماعي للحد من التسول والضياع.

مع هذا التحسن الملحوظ في ما افرزته صناديق الأقتراع في ابعاد القوى الطائفية المسلحة استعدت قوى اللادولة منذ الاعلان الاولي للنتائج عن اشهار سيف الأعتراض الصدئ على نتائج الانتخابات ملوحة في التهديد والوعيد في رفض النتائج واعتبارها مزورة بالضد من كل التصريحات الأممية والدولية والداخلية بتأكيدها بنزاهة الانتخابات وعدالتها النسبية، وبدأت تنشط  بكل قدراتها للحيلولة دون القبول بنتائج الانتخابات وعدم تقبل خسارتهم للأنتخابات بأعتبارها سنة حميدة في الديمقراطية، فهناك خاسر وهناك رابح وهناك منطق تبادل السلطة سلميا على خلفية نتائج الانتخابات، تلك القوى التي لا تؤمن بالخسارة المؤقتة بل تؤمن بالربح المطلق بأختلاف دورة الزمن، أنها قوى لا تؤمن بالديمقراطية ولا بالتدوال السلمي للسلطة، ووجدت في الديمقراطية مجرد صناديق اقتراع اذا لم يفوزون بها يحرقوها كي يفوزوا، تلك هي لعبة الأسلامويين مع صناديق الأقتراع، انها فرصتهم الوحيدة في التجييش وممارسة الدجل المقدس لفرض ارادتهم على مستقبل البلاد.

قوى الأسلام السياسي أسوة بكل القوى التي يفترض أن تقصى من المشهد السياسي بقوة القوانين السائدة " من عدم السماح للفصائل المسلحة والاحزاب الميليشياوية في الاشتراك في الانتخابات وفي العملية السياسية بصورة عامة، واقصاء كل القوى الغير مؤمنة بالتداول السلمي للسلطة، ثم التأكد من مصادر تمويلهم ونزاهة المال الذي يمتلكونه، للأسف ان تلك القوى اليوم تمتلك كل مقومات العبث في النظام وفي العملية الديمقراطية، فهي من يحيط المنطقة الخضراء بالسلاح والمقاتلين ويفرض طوقا محكما على مساحات واسعة من الحكم، وهي من يمتلك الفضائيات الصفراء التي تسهم في تشويه الرأي العام وخداعه، وهي من يمتلك الكثير من مراكز الأبحاث ومعهم جوقة من المحللين السياسيين والأستراتيجين المشوهين فكريا وعقليا، وهؤلاء هم من دعاة ومهندسي الكتلة الأكبر بغض النظر عن نتائج الأنتخابات تقودهم " دولة القانون " بزعامة المالكي مهندس الأستثناءات المريضة، فهو مهما بلغت اصوات الفائزين في الانتخابات يبقى هو الفائز الأكبر.

 تلك القوى التي ترفض المنظومة "السياسـية" و "القانونيـة" المدنية بأي شكل من الأشكال؛ فهـي تـرى أن مـن واجبها إقامة الدولة الإسلامية المتمثلـة في دولـة الخلافـة، بـدل من الدولـة الوطنية الحديثة القائمة خارج اطار التنوعات الدينية والطائفية والاثنية، وتطبيق الشــريعة الإسـلامية بدل القانون "الوضعي"، كـما تـرفض المفهـوم المدني للأمـة، وتنـادي بفكرة الأمة المحددة بالعقيدة والطائفة، والتي تحمل في طياتها مزيدا من الصراعات واراقة الدماء لكل المكونات الاخرى وبالتالي تخلق ارضا خصبة لمزيدا من الاقتتال بين مكونات المجتمع الواحد.

وفي ضوء نتائج الأنتخابات البرلمانية فأن التيار الصدري الفائز الاول والمتنوع في تركيبته الداخلية" من دينية بحتة، ودينية بنصف مدنية ومدنية شبه كاملة عليه ان يبتعد عن التحالفات القادمة التي تسلب منه الفوز الانتخابي وان يبتعد التيار الصدري عن الأنفعالات الآنية التي قد تنقله بين ليلة وضحاها الى المعارضة البرلمانية والتنازل عن استحقاقه الانتخابي جراء ضغوطات الساعين وراء تشكيل الكتلة الاكبر خارج سياق الفوز الانتخابي، وبالتأكيد انها مهمة صعبة امام التيار الصدري كيف يقرر وجهته لأن الطرفان الكردي والسني والراغبين في ابقاء المحاصصة لا يستطيعوا اتخاذ القرار المناسب في الزمن المناسب ولم تتجرئ تلك القوى حسم وجهتها القادمة وهي ترفع شعار التحالف مع الشيطان من اجل الحصول على المغانم المؤقتة بمبررهم التقليدي " انهم ينتظرون البيت الشيعي وتحالفاته" كي يحسموا امرهم.

اما رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي" وهو الآن رئيس وزراء تصريف اعمال " وقد تطول مدة بقائه في المنصب على خلفية المجهول القادم في العملية السياسية كان يفترض عليه ان يتمتع بشجاعة استثنائية لتفويت الفرصة على قوى اللادولة وان يعزز من مكانة الدولة وحكم القانون وان يكشف عن قتلة المتظاهرين ومرتكبي الاغتيالات السياسية والجهات التي تقف ورائهم دون الاكتفتاء بأضفاء الشخصنة للجرائم المرتكبة واظهار المجرمين بسيناريوهات مبتورة ومضحكة دون الحديث عن المليشيات التي تقف ورائهم، كان بأمكانه ان يكون شجاعا ومتحديا وغير متساهل مع القتلة كي يمهد الطريق امام قوى الدولة كي تسود المشهد السياسي. ومن تداعيات ضعف رئيس الوزراء اليوم فأن القوى المليشياويه تطالبه بالكشف عن قتلة المتظاهرين وتطلب منه ان يكون شجاعا وجريئا لأنها تعلم انه لا يستطيع وهي اقوى منه ومتحدية له، رغم ان مصطفى الكاظمي غامر بالعديد من المحاولات للتحرش بالمليشيات ولكنه لم يفلح، حتى تطاولوا على محاولة اغتياله !!.

ورغم ان الكاظمي يتجنب المواجهة المباشرة مع قوى اللادولة والمحسوبة على الدولة في بعض منها فهو يخشى من مواجهة شيعية شيعية لا تحمد عقباها ولكن عليه ان يفهم سنة الصراع بين قوى الدولة واللادولة التي تكلف الكثير ولكنها تقرر مستقبل البلد في التخلص من العصابات والقوى المعوقة للديمقراطية وعليه ان يبني تحالفات عميقة مع قوى الدولة ويبتعد عن لغة المغازلة والتهديد الناعم الذي يبرئ المجرم مع مرور الزمن ويجعله يستقوي عليه كما فعلوا بمحاولة اغتياله، بل ويعيدوا انتاج سيناريو اغتياله بأنها محاولة مفبركة من رئيس الوزراء وكذبة منه لتوفير فرص اكبر في حصوله على رئاسة الوزراء للمرة القادمة، بل ويطالبوا بلجان تحقيق لمعرفة ملابسات وفبركة اغتياله، فأي صلافة تتمتع بها تلك المليشيات السائبة خارج سلطة الدولة والقائد العام للقوات المسلحة.

الديمقراطية في العراق تمر بمخاض عسير هذه المرة يفوق ما مرت به في الفترات السابقة ما بعد 2003 حيث ان الحسم اليوم يقرر وجهة البلد القادمة، فأما الاقتناع بالديمقراطية ونتائج الانتخابات هي السبيل الوحيد للتأسيس لنظام ديمقراطي تتمتع فيه القوى الفائزة بحق تشكيل الحكومة استنادا الى قاعدتها الشعبية، واعتراف القوى الخاسرة بمدى التأييد الشعبي لها، وانطلاقا من نلك القناعة فهناك حكومة اغلبية ومعارضة سياسية يفترض ان تؤدي دورها النبيل في تقويم مسار الحكم، وكما يعرف الجميع فأن البدء في ممارسة ديمقراطية واضحة المعالم سيجلب المزيد من اعادة انتاج ديمقراطية واضحة المعالم، اما عدا ذلك فأن العودة مجددا الى المجاصصة والتحايل على مفهوم الكتلة الأكبر هو عودة للبلاد الى المربع الأول وبالتالي فأن الديمقراطية في العراق هو كذبة كبرى لا غير !!!.

 

د.عامر صالح

 

 

جوتيار تمرالهجرة ظاهرة اجتماعية عرفتها البشرية منذ ظهور الانسان القديم، حيث انها كانت ملازمة للانسان فرضتها عليه الظروف الاجتماعية والسياسية والحروب والمنازعات وانتشار الاوبئة والامراض، حيث كانت الجماعات البشرية تتحرك من مناطق اقامتها نحو مناطق اخرى يتحدد قربها او بعدها وفقاً للامكانيات المتاحة لذلك الانسان (محمد أعبيد الزنتاني ابراهيم، الهجرة غير الشرعية والمشكلات الاجتماعية)، وتعد الهجرة جزءاً من التغيرات الاقتصادية والاجتماعية المتأصلة في عملية التحديث، وهي تعد ايضاً جزءاً من النظريات الوظيفية للتغير الاجتماعي والتنمية التي تحاول ربط النظريات بالاتجاهات التجريبية الماضية، ومعدلات وانماط الهجرة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمرحلة التحديث والعوامل الديموغرافية (هاشم نعمة فياض، مفاهيم نظرية في الهجرة السكانية)، وتندرج تحت الهجرة عدة انواع، فهناك الهجرة النظامية التي يدخل فيها المهاجر بلد مهجره دخولاً يلتزم فيه بكل قوانين الهجرة في البلد المضيف، وهناك الهجرة القسرية التي يضطر فيها المواطن الى هجر موطنه قسراً بسبب ظروف قاهرة، مثل الكوارث الطبيعية او النزاعات والحروب، وهناك الهجرة غير الشرعية او السرية او غير النظامية بكل مسمياتها ( احمد اسماعيل، قراءة في ظاهرة الهجرة غير الشرعية)، وهذا النوع من الهجرة تثير قلقاً بالغاً نظراً للمخاطر التي يواجهها المهاجرون الضعفاء انفسهم وللاثار التي تترتب على هذه الظاهرة التي تزعزع الاستقرار في بلد المنشأ والعبور والمقصد (خيذر جميلة، الدوافع السوسيواقتصادية المسببة لظاهرة الهجرة غير النظامية عند الشباب).

ووفق تلك المعلومات السابقة الذكر تُعرف الهجرة في علم السكان بكونها الانتقال بشكل فردي او جماعي من موقع الى اخر، بحثاً عن وضع افضل، اجتماعياً، اقتصادياً، دينياً، سياسياً، وفي علم الاجتماع تعرف بانها تبدل الحالة، الاجتماعية كتغير الحرفة او الطبقة، وبحسب تعريف الامم المتحدة الهجرة غير الشرعية هي انتقال السكان من منطقة جغرافية الى اخرى، وتكون عادة مصاحبة لتغير محل الاقامة، ولو لفترة محدودة .(سفير نوار، التعامل الاعلامي مع ظاهرة الهجرة غير الشرعية).

الانسان له قيمة لاتستقيم تنمية الوطن بدونها، ومن أتم الحكام سمعاً من يسمع صمت البشر قهراً كما تقول " ريم عبدالحليم "، وكل انسان في الواقع يدرك جيداً بانه مخلوق فريد، وأنه لايشبه شيئاً آخر في العالم، وأنه ما من مصادفة غريبة سيمكنها أن تجمع لمرة ثانية في وحدة مثل هذا التنوع الملون الرائع كما هو، فما يزيد الانسان تفرداً هو وعيه بقيمة وجوده داخل العالم المعيش، وذلك ما يدفعنا الى ان نتحمل مسؤوليتنا عن وجودنا وندافع عنه تجاه انفسنا، ولهذا نريد ان نكون سادة حقيقيين في هذا الوجود ولانسمح أن يشبه وجودنا مصادفة طائشة، فالانسان مجبر أن يعيش حياته بجرأة وخطر، خاصة ان الانسان سيفقدها في كل الاحوال( محمد غنام ، سؤال الانسان في الفلسفة الوجودية)، وعلى ذلك الاساس تكمن القيمة الوجودية الفعلية للوجود الوجودي الانساني ليس على مستوى الاسرة والافراد فحسب انما على مستوى المجتمعات والاوطان ايضاً، ولكن حين تتصادم تلك القيمة الفعلية للوجود الانساني باللاممكن، او المستحيل، او عوائق البقاء ضمن حدود الكرامة، وقتها تتحول القيمة الفعلية للانسان الى حالة من التمرد المشبع بالفوقية التي تشبع بها من خلال فهمه لقيمته الوجودية، وهنا تأتي البدائل التي سيبحث عنها للحفاظ على قيمته الفعلية ضمن الوجود البشري بشكل عام.

تلك البدائل تتمثل بالدرجة الاساس بالهجرة غير النظامية – الشرعية -  واللجوء من دول الجنوب الى دول الشمال، فالنزعات الاجتماعية للهجرة تزداد يوماً بعد يوم في المجتمعات، في ظل الصورة الجاذبة لامكانية تحقيق الطموحات الاقتصادية والاجتماعية في اوربا وامريكا، تلك النزعات التي تثير تساؤلات انطولوجية وثقافية ضمن واقع الانسان الذي يرسم معالم حياته اليومية بمكونات ظروفه الخاصة ، واوضاع كوكبية واقليمية خطيرة للغاية ( عبدالحق طرابلسي، الهجرة ومسائلات الحياة اليومية للانسان)، فالهجرة كظاهرة كوسموبوليتانية تعيشها غالبية المجتمعات العالمية، وتدرك اثارها الديموغرافية والهوياتية قد تشكل احدى اهم الظواهر الانسانية، حضوراً في وقتنا الحالي، وحين يقرر الانسان الهجرة بطريقة قانوينة او غير قانونية، انما يثير قراره العديد من المسائلات الاخلاقية والثقافية والسياسية، لاسيما ان ذلك الانسان يحيا يومياً وهو يتعذب نفسياً واجتماعياً، تحكمه نظم ثقافية ودينية واسرية وسياسية ديكتاتورية لاسيما في مجتمعاتنا الشرق اوسطية والشرقية بصورة عامة، فيصبح عقله سجيناً مقيداً، وصوته خافتاً لايسمع، يطبق عليه كل فنون الاستعباد الاجتماعي، والاستلاب الفكري، فالدكتاتورية والاستبداد سلوك يعيشه في اسرته ومدرسته ومكان عمله ومجتمعه وفي علاقاته الخاصة، وفي نمط معيشته، لاسيما في ازمنة اللااستقرار المعيشي، ليكون في النهاية مشهداً سياسياً يتشرب من كل تلك المستودعات نظام اخلاقي استبدادي، ولأنه يفتقر لادنى شروط الحياة البيولوجية البسيطة، ويعجز حتى على الاكل والشرب واللباس، وهو في نفس الوقت مقيد ووعيه زائف من خلال ما يشاهده يومياً من خطابات دينية  وسياسية شعاراتية واعلامية رديئة تعمل على تسكين وتخدير العقول والهمم نحو التغيير الاجتماعي على الرغم من كل اوجه وجوانب الفساد التي يلاحظها يومياً، بل قد يتورط فيها، وامام كل تلك المشاهد اليومية والصورة الاجتماعية للحياة اليومية لذلك الانسان، يمكننا ان نفهم وندرك كيف اثرت تلك المتحولات في سلوكياته، التي تعي اصلاً قيمته الوجودية، فاصبحت البدائل – الهجرة – وسيلة يمجدها كهدف اجتماعي ثقافي سياسي انساني يسعى بشتى الطرق لتحقيقه (طرابلسي، دريدي، الهجرة ومسائلات الحياة).

يعتبر الفساد واللاعدالة من احدى اهم المؤثرات على سلوكيات الانسان، فالفساد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، هي احدى اهم الصور الاجتماعية والاشكال انتشاراً في مجتمعاتنا، لاسيما تلك التي تتعلق بالسلطوية، والطائفية، والمذهبية، والتحزب الاعمى، والفساد الاداري المالي، وتلك التي تتحكم بمُقدّرات المجتمع، فحين ينتشر الفقر بين عامة الشعب، وتتدهور صور المعيشة، وتغيب فرص العمل، وتكثر المشكلات الاجتماعية بكل تمفصلاتها، ويبقى الانسان ذا القيمة الوجودية ينتظر هبات الحكومات حتى في استحقاقاته الطبيعية والتي هي ادنى حقوقه، ويقابل كل ذلك ظهور طبقة تتحكم  بمصادر الاموال على جميع الاصعدة، وتتباهى امام انظار الشعب بمكتسباتها غير الشرعية والتي هي على حساب حقوق المواطن، مما يظهر جلياً للانسان الواعي بقيمته الوجودية مدى تلاعب تلك الطبقة بنفسيات الاخرين وبمسار حياتهم لاسيما انهم يعتمدون بصورة واضحة اللاعدالة او اللامساواة في توزيع مقدرات الشعب، والوطن ويستغلونها بشكل لايتلائم مع القيمة الانسانية للانسان، ولا للقيمة التي يحملها الانسان لقضاياه الهوياتية، والانتمائية.

على ذلك الاساس لايمكن عد الهجرة امر غير اخلاقي، فالهجرة كما اكد كل من كاستل وميلر ليست اختراع نهاية القرن العشرين، ولا حتى حديثة في اشكاله للرأسمالية منذ العصور القديمة، فقد هاجر الانسان في جميع انحاء العالم للبحث عن لقمة العيش من اجل البقاء، ولذلك وبناءً على ما ذُكر اصبحت المصطلحات الحديثة تطلق على الهجرة ضمن نطاقات وثقافات متعددة، فمصطلح الحرقة الذي اصبح يستخدم على نطاق واسع، باعتبار ان الهجرة تعتمد على علاقات متعددة، بقدر تلك العوامل المختلفة، والتي تم بالفعل تحليلها الى حد كبير، فالحرقة تعني حرق ضوء احمر، وذلك بالتشابه مع غير الشرعيين الحراقة اولئك الذين يتجاهلون القوانين او لايحترمونها (رابح بن علي، الحرقة – الهجرة غير الشرعية – الشعور باليأس ام البحث عن المكانة الاجتماعية)، وذلك ما يثبت ان الهجرة لها دوافع تختلف مع قيم وشخصية كل فرد في سياق اجتماعي تاريخي معين، فالبحث عن الامن، او التنمية الشخصية، او التحسين المالي كما يقول كل من تارتاكوقسكي وشوارتز، تعد من اهم المظاهر والدوافع التي تجعل الانسان يبحث عن بدائل لوجوده الاجتماعي، لاسيما ان الحق في الهجرة والتنقل من الحقوق التي تكفلها المواثيق والصكوك الدولية لحقوق الانسان، والدول ملزمة باحترام حقوق المهاجرين في ابعادها الانسانية والحقوقية والامنية والتنموية كما يؤكد ذلك " محمد فتوحي" في دراسته المواثيق الدولية، وعلى ذلك الاساس اصبح الشباب – الناس بصورة عامة - ينظر للهجرة غير الشرعية على انها بوابة المستقبل الزاهر والطريق نحو جنة الاحلام، او الضفة الاخرى، بغض النظر عن الشهادة العلمية او المكانة الاجتماعية، وعلى ضوء ذلك اصبحت سياقات الهجرة تختلف من حيث الدوافع والاسباب، ولكن مع تلك المتغيرات والمتحولات والدوافع يظهر في الافق الدور السلبي الذي تقوم به وسائل الاعلام سواء في تشويه القيمة الفعلية للانسان المهاجر، او استغلال معاناته للترويج الاعلامي، فضلاً عن استغلاله اعلامياً لاغراض سياسية – حزبية -  لاسيما من قبل الغوغائية الاعلامية المنتمية للاحزاب التي تعارض السلطات دون أن يكون لها اي وجود فعلي مؤثر للعملية التغييرية التي يسعى الانسان جاهداً للوصول اليها، لقد اثار الاعلام بصورة عامة في تناوله لظاهرة الهجرة الكثير من الجدل لدى اهالي الحراقة المفقودين وغيرهم، حيث طغى الجانب التجاري الترويجي من خلال التركيز على السبق الاعلامي في التعرض للاخبار المتعلقة بتلك الظاهرة، الامر الذي اثار في بعض الاحيان غضب الكثير من المثقفين المستقلين غير المحسوبين على اية جهة حزبية سلطوية، وبذلك ظهر الاعلام بعيداً عن دوره في توجيه الرأي العام، وتشكيله على اعتبار انه السلطة الرابعة، او كما يقال بانه مرآة المجتمع التي تعكس قضايا المجتمع ومشاكله، على الرغم من ان الوظائف والتسميات المتعلقة بوسائل الاعلام ليست تحصيل حاصل، ولا مطلقة، بل هي نسبية باختلاف البيئات السياسية والقانونية السادة في المجتمع (سفير نوار، التعامل الاعلامي مع ظاهرة الهجرة غير الشرعية)، واستكمالاً للدور السلبي لبعض الوسائل الاعلامية، فإننا نجدها تسخر كل امكانياتها لبث الفوضى بين الشعوب، محاولة منها كسب مصداقية الجهات التي تدعمها من جهة، وكسب المصداقية ضمن فئات الرأي العام ولو على حساب نفسيات اصحاب الازمة نفسها، وبالتالي فإن الادوار الاعلامية التي تقوم بها تلك الوسائل الاعلامية – الجهات الاعلامية -  لاتقل عن العنجهية السلطوية السياسية المسببة بالدرجة الاساس في الهجرة، ناهيك انها تبتعد عن الحقائق الاساسية في افتعال الضجعة الاعلامية، وتكون اداة رخيصة لسياسات الدول المعنية بالهجرة والازمة، لكونها لاتبحث عن الاسباب الحقيقة للسياسة التي تنتهجها الدول التي يتم قصدها من قِبل المهاجرين، ولا صراعاتها مع المنظومة الدولية المصلحوية، وبذلك تختلط الادوار السلبية للسياسة الحكومية التي لاتعيش الواقع من خلال ملامسة هموم ومشاكل المجتمع من جهة، والادوار السلبية للاعلام الزائف الوهمي القائم على الانتقاص من السلطوية، والضحية في كل زمان ومكان الانسان.

 

جوتيار تمر

كوردستان : 22/11/2021

 

ابراهيم أبراشبعد أيام من إحياء الفلسطينيين لذكرى وعد بلفور المشؤوم 2 نوفمبر 1917 ومطالبتهم بريطانيا بالاعتذار عن جريمتها التاريخية وتعويض الفلسطينيين عما لحقهم من أضرار بسبب هذا الوعد الذي قطعه وزير خارجية بريطانيا للحركة الصهيونية وهو القرار الذي ما كانت تقوم دولة الكيان الصهيوني بدونه، في هذا الوقت تُعلن وزيرة الداخلية البريطانية أنها تقدمت بمشروع قرار للبرلمان لتصنيف حركة حماس كحركة إرهابية بذريعة أن حركة حماس تعادي السامية وتهدد سلامة اليهود في بريطانيا.

يأتي هذا الموقف البريطاني الاستفزازي في معاداته للشعب الفلسطيني في وقت يتعاظم السلوك الإرهابي والاستعماري الصهيوني وفي وقت تعلن حكومة إسرائيل أنها لا تعترف بدولة للفلسطينيين ولا بأي حقوق سياسية ولن تتفاوض أو تجلس مع الرئيس الفلسطيني، وفي وقت تتزايد الانتقادات العالمية لإسرائيل والمطالبات بمقاطعتها وإدانتها دولياً بسبب جرائمها وانتهاكاتها للقانون الدولي والشرعية الدولية، وفي وقت تشرع فيه محكمة الجنايات الدولية بفتح ملفات الجرائم الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

تصنيف بريطانيا حركة حماس كحركة إرهابية دون أن يثبت على الحركة قيامها بأي نشاط إرهابي لا في بريطانيا ولا في أية دولة في العالم حيث النشاط العسكري لحركة حماس يقتصر على ممارستها للمقاومة ضد إسرائيل ،يؤكد أن وسم حركة حماس بالإرهاب هو استمرار لموقف بريطانيا الداعم لإسرائيل والحركة الصهيونية والمعادي للشعب الفلسطيني، وخصوصاً أن وزيرة الداخلية البريطانية صاحبة مشروع القرار تنتمي لليمين المحافظ في بريطانيا ومناصرة قوية لإسرائيل.

تجريم حركة حماس يعني تجريم حق مقاومة الاحتلال وهو حق تمنحه كل الشرائع الدينية والدولية للشعوب الخاضعة للاحتلال، وفلسطين كلها خاضعة للاحتلال والحصار الإسرائيلي كما هو الحال في غزة. وإن كان القرار يمس اليوم حركة حماس فسينسحب مستقبلاً على أية حركة فلسطينية تمارس مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.

كان من الممكن تفَهُم هذا القرار لو جاء في وقت تلتزم إسرائيل بالعملية السلمية وتنفذ ما عليها من التزامات حتى بمقتضى اتفاقية أوسلو التي رعتها واشنطن، ولو كانت بريطانيا تعترف بالحقوق السياسية المشروعة للشعب الفلسطيني بما فيها حقهم في دولة، وكانت حماس هي المعيقة للعملية السلمية، لو جاء القرار في هذه الأجواء لكان من الممكن تفهم هذا القرار، ولكن أن يأتي القرار مع توقف العملية السياسية بل ووقوف بريطانيا وأمريكا موقفاً معادياً حتى للسلطة الفلسطينية وللرئيس أبو مازن الملتزم بعملية السلام والذي يعترف بإسرائيل ويرفض العمل العسكري ضد إسرائيل ، فهذا يعني أن بريطانيا تقف موقفاً معادياً للشعب الفلسطيني بغض النظر عن توجهاته السياسية وهو نفس الموقف الإسرائيلي الصهيوني.

الموقف البريطاني تجاه حركة حماس ليس الأول أو الوحيد فقد سبقته مواقف من عدة دول بما فيها عربية صنفت حركة حماس كحركة إرهابية، ونعتقد أن إدانة دول عربية لحركة حماس وتطبيع دول أخرى مع إسرائيل شجع بريطانيا على الإقدام على هذه الخطوة، بالإضافة إلى انتهاء الدور الوظيفي لجماعة الإخوان المسلمين التي تنتمي لها حركة حماس، وهي الجماعة التي كانت تجد التأييد والدعم من بريطانيا، حيث تعاني هذه الجماعة من حالة انهيار وتفكك.

توقيت الإعلان عن تجريم حماس ما كان ليتم الآن دون تنسيق مع دولة الكيان، ولذا فإن أهدافاً أخرى غير المُصرح بها تقف وراء هذا الإعلان وتوقيته وهي:

1- يجب التذكير بداية بأن واشنطن وغالبية الدول الأوروبية صنفوا في السبعينيات منظمة التحرير الفلسطينية كحركة إرهابية ومع ذلك تم السماح لها بفتح ممثليات في هذه الدول، وتفاوضوا معها لاحقا كما تم دعوتها لحضور مؤتمر مدريد للسلام 1991 ثم توقيع اتفاقية أوسلو ويعترفون بسلطتها منذ عام 1994 . !!!!

2- تهضا القرار تحاول بريطانيا انقاذ إسرائيل من موجة الانتقادات والاحتجاجات وتراجع شعبيتها في بريطانيا وعبر العالم مقابل تزايد التأييد والتعاطف العالمي مع عدالة القضية الفلسطينية وهو تأييد يتعاظم في الأوساط الشعبية ومؤسسات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان بالإضافة إلى قرارات الشرعية الدولية، وهذا التأييد ظهر بوضوح خلال الهبة الشعبية والمواجهات على حدود قطاع غزة في أيار الماضي، أيضا القرار محاولة من اليمين البريطاني لإبعاد الانظار عن جرائم إسرائيل وممارساتها العنصرية.

3- التأثير على دول أوروبية أخرى لتحذو حذو بريطانيا لتصنيف حركة حماس وأية حركة مقاومة فلسطينية كإرهابية، وتشجيع الدول العربية على مزيد من التطبيع مع إسرائيل، أو تبرير تطبيعها.

4- التشويش على إجراءات محكمة الجنايات الدولية التي باشرت التحقيق في جرائم ارتكبتها إسرائيل في الأراضي المحتلة، بالزعم بأن الفلسطينيين أيضاً يمارسون الإرهاب.

5- يأتي هذا القرار في وقت تبذل مصر جهوداً للتوصل لهدنة بين حركة حماس وإسرائيل، وبالتالي تسعى بريطانيا للضغط على حماس ومحاولة ابتزازها للقبول بالشروط الإسرائيلية للصفقة.

6- هذا القرار محاولة لتعطيل أو قطع الطريق أي جهود تبذلها القيادة للمصالحة الوطنية أو للانتخابات أو لتشكيل حكومة وحدة وطنية، فكيف تجرى انتخابات أو يتم تشكيل حكومة وحدة وطنية مع حركة مصنفة إرهابية؟.

7- منح إسرائيل مبرراً إضافياً في حالة قيامها بأي حرب قادمة على قطاع غزة، وذلك بتهيئة الرأي العام بمزاعم أن إسرائيل تقاتل حركة إرهابية.

موقف بريطانيا الأخير بالإضافة إلى المواقف الأمريكية والأوروبية السلبية الأخيرة تجاه السلطة الفلسطينية والقضية الفلسطينية بشكل عام يتطلب من الكل الفلسطيني مراجعة استراتيجية شاملة تؤدي للوحدة الوطنية، ولا مبرر للانقسام والاختلاف حول نهج المنظمة السلمي ونهج حماس المقاوِم، لأن إسرائيل و حلفاءها لا يريدون أن يستعيد الفلسطينيون حقوقهم لا عن طريق المفاوضات والتسوية السياسية ولا عن طريق المقاومة، والقادم من الأيام لا يبشر بالخير.

 

د. ابراهيم ابراش

 

 

محمود محمد عليلن أنسي أنجيلا ميركل تلك المرأة الحديدية والتي جاءت قادمة من ألمانيا الشرقية وهي تحمل لقب عالمة أبحاث ألمانيا الشرقية، تحمل شهادة دكتوراه في الكيمياء الفيزيائية، ثم دخلت ميركل السياسة في أعقاب ثورات 1989، وذلك بعد تحطيم جدار برلين وتوحيد ألمانيا، في بداية التسعينات من القرن الماضي، تحولت، خلال ستة عشر عاماً من الحكم، إلى أيقونة سياسية ألمانية، طال تأثيرها الساحة الدولية.

يقول مثل شعبي إسباني: «المصارع الجيد يغادر الحلبة قبل أن تنطحه الثيران». ربما لذات السبب، قررت السيدة ميركل بمحض إرادتها، وفي أوج مجدها السياسي، العمل بتلك الحكمة الإسبانية.

وقبل أشهر، أعلنت ميركل استقالتها من رئاسة حزبها، وأنها ستعتزل السياسة نهائيا بعد نهاية الفترة التشريعية الحالية في 2021، لكن الوقت لم يمنحها الفرصة لاستكمال ولايتها دون قلاقل، وتتابعت المشاكل السياسية تارة والصحية تارة على المستشارة.

وتحظى ميركل المعروفة بحبها للموسيقى الكلاسيكية ومواظبتها على حضور حفلات الأوبرا بحب واحترام الجاليات العربية في ألمانيا، وأطلق عليها السوريون "ماما ميركل" بسبب قرارها فتح الأبواب أمام مليون لاجئ لدخول بلادها في 2015، معظمهم من سوريا والعراق، وتحملها تكلفة سياسية ألقت بظلال على شعبيتها في سبيل هذا القرار.

وقبل اعتلائها كرسي المستشارية عام 2005 عُرفَ عن الناخبين الألمان، في الانتخابات النيابية، عزوفهم عن الإدلاء بأصواتهم لأشخاص، وحرصهم على التصويت لأحزاب. طبيعة النظام السياسي الألماني، ونظامه الانتخابي القائم على مبدأ التمثيل التناسبي (Proportional Representation)  حتّم عدم انفراد حزب بالسلطة، بجعل الحكم ائتلافياً. وبعد وصولها إلى قيادة ألمانيا، تغيّر الحال. وصارت شخصية المستشارة أنجيلا ميركل الحصان الرابح، من قاد المحافظين الألمان، ممثلين في الحزب الديمقراطي المسيحي إلى السلطة أربع مرات متتالية.

السيدة القادمة من ألمانيا الشرقية، بعد تحطيم جدار برلين وتوحيد ألمانيا، في بداية التسعينات من القرن الماضي، تحولت، خلال ستة عشر عاماً من الحكم، إلى أيقونة سياسية ألمانية، طال تأثيرها الساحة الدولية. يقول مثل شعبي إسباني: «المصارع الجيد يغادر الحلبة قبل أن تنطحه الثيران». ربما لذات السبب، قررت السيدة ميركل بمحض إرادتها، وفي أوج مجدها السياسي، العمل بتلك الحكمة الإسبانية.

وفي آخر كلمة تلقيها إلى الشعب بمناسبة حلول عام جديد، قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إن عام 2020 كان الأصعب على الإطلاق خلال قيادتها ألمانيا على مدى 15 عاما، لكن بدء التطعيم للوقاية من مرض كوفيد-19 جعل عام 2021 يبشر بالأمل.

وفي تعبير نادر عن مشاعرها، نددت ميركل بحركة احتجاج معارضة لإغلاق المؤسسات وإجراءات العزل العام، وقالت إنها ستتلقى اللقاح عندما يكون متاحاً على نطاق واسع.

وقالت: "دعوني أقل لكم شيئا شخصيا في الختام: بعد تسعة أشهر ستجرى انتخابات برلمانية ولن أترشح مرة أخرى... ومن ثم فإن اليوم في جميع الحالات سيكون آخر مرة ألقي عليكم فيها كلمة بمناسبة العام الجديد".

وأضافت "أظن أنني لا أبالغ عندما أقول: لم يحدث قط على مدى الخمسة عشر عاما الماضية أن كان العام المنصرم بهذا القدر من الثقل. ولم يحدث قط، رغم كل المخاوف وبعض الشكوك، أن كان تطلعنا إلى العام الجديد بهذا القدر من الأمل".

وقادت ميركل (66 عاما) ألمانيا والاتحاد الأوروبي خلال أزمات منها الأزمة المالية في عام 2008 وأزمة الديون اليونانية في العام التالي وأزمة المهاجرين قبل خمسة أعوام.

وسيكون لرسالتها صدى لدى غالبية الناس في بلد يعاني من زيادة في الإصابات والوفيات بفيروس كورونا وحيث تؤيد الغالبية إجراءات الإغلاق وتوزيع اللقاح باعتبارهما أفضل سلاحين في مواجهة الفيروس.

وميركل فيزيائية كانت إدارتها للجائحة موجهة بالمشورة العلمية. وقد حظيت بإشادة لسيطرتها على الموجة الأولى، لكن ذلك تحول إلى انتقاد وسط إحساس بفشلها في التعامل مع الموجة الثانية.

وتجري ألمانيا، أكبر اقتصاد في أوروبا، انتخابات في سبتمبر/ أيلول 2021. وستسلم ميركل، المتوقع أن يفوز حزبها المحافظ بمعظم مقاعد البرلمان، القيادة على الأرجح لواحد من ثلاثة رجال يتنافسون على قيادة حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي.

وإذا امتدت عملية بناء التحالف الحاكم بعد الانتخابات حتى ديسمبر/ كانون الأول فستبقى ميركل هي المستشارة في حكومة مؤقتة في عام 2022 إلى أن يتم تشكيل حكومة جديدة.

والجدير بالذكر والمقارنة أن السيدتين تاتشر وميركل لم تدرسا علم السياسة أو الفلسفة أو القانون أو الاقتصاد، مثل أغلبية السياسيين، بل درستا العلوم التطبيقية. السيدة تاتشر درست الكيمياء في جامعة أكسفورد. لكنها ندمت فيما بعد على ذلك، حين اعترفت مرّة بأنها تمنّت لو درست القانون، حتى تتهيأ بشكل أفضل للعمل في السياسة، التي شغفت بها مبكراً. لكن السيدة ميركل تميزت بمواصلة دراستها العليا إلى حين حصولها على شهادة الدكتوراه في كيمياء الكم (Quantum Chemistry). الاثنتان جاءتا من خلفية اجتماعية تكاد تكون متشابهة، ومحافظتان، حظيتا بثقة الناخبين في بلديهما. السيدة تاتشر قادت المحافظين إلى ثلاث نجاحات انتخابية هائلة، وجلست في مقعد القيادة لمدة أحد عشر عاماً من دون منافس، وصارت علماً على مرحلة مهمة في التاريخ البريطاني المعاصر، ما زالت آثارها ملحوظة حتى اليوم. وميركل قادت الديمقراطيين المسيحيين إلى الفوز بأربعة انتخابات، وسيطرت على مقاليد الساحة السياسية الألمانية، من دون منافس، لمدة ستة عشر عاماً. وأتوقع أن تظل تأثيرات مرحلة السيدة ميركل قائمة لفترة زمنية طويلة مستقبلاً. ما يفرقهما اختلاف في الجوهر والأسلوب: تاتشر امرأة حديدية لا تلين ولا تتراجع، ودرامية، بينما السيدة ميركل متسقة ومتواضعة. آمنت تاتشر بالحرية الاقتصادية للفرد، وصرّحت علناً بعدم وجود مجتمع، وتخلصت من الممتلكات العامة ببيعها للقطاع الخاص، وشنت حرباً ضروساً ضد الجامعات، وحرمتها من نسبة كبيرة من التمويل المخصص للبحوث. ولذلك، وعلى عكس العادة المتّبعة مع رؤساء الحكومات البريطانيين، رفضت الجامعات البريطانية في عام 1985 منحها شهادة الدكتوراه الفخرية. في حين أن ميركل ترأست دولة كانت تنفق ثلث ميزانيتها على التعليم، وبعينين راعيتين للفقراء وحريصتين على توفير احتياجاتهم، وتمكنت من تحويل ألمانيا إلى قوة اقتصادية هائلة عالمياً. السيدة تاتشر دُفعت خارج السلطة، ولدى سقوطها من القمة، تنفست أوروبا الصعداء ارتياحاً. السيدة ميركل غادرت المسرح طواعيةً، وبخر.

ولم يكن إعلان المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل تخليها عن قيادة الحزب الديمقراطي المسيحي مفاجئاً. التراجع الكبير الذي مُني به هذا الحزب في انتخابات ولاية هيسن، حيث فقد 11 نقطة دفعةً واحدة، جعل موقفها أكثر ضعفاً. لكن التراجع الذي سبقه في الانتخابات البرلمانية العامة (على المستوى الفيدرالي) في سبتمبر 2017، كان نقطة التحول التي جعلت خروج ميركل من الساحة السياسية عموماً، وليس تخليها عن قيادة حزبها فقط، مسألة وقت. فرغم احتفاظ حزبها بالمركز الأول، كانت نتيجة هذه الانتخابات هي الأسوأ بالنسبة إليه منذ عام 1949. وعندما حدث التراجع في أول انتخابات محلية خاضها حزبها، بعد تلك الانتخابات، أصبح عليها أن تجيب عن سؤال ظل مطروحاً منذ أواخر العام الماضي، وهو: هل تنسحب تدريجياً، أم تتخلى عن قيادة حزبها أولاً، أم تنتظر اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العامة 2021؟ كان عليها أن تجيب بسرعة، لأن المؤتمر العام لحزبها سيُعقد في 7 و8 ديسمبر المقبل في هامبورج. وأجابت بالفعل عندما أعلنت أنها ستتخلى عن قيادة الحزب أولاً، وبالتالي لن تسعى إلى تجديد انتخابها في هذا المؤتمر، لكنها ستحتفظ برئاسة الحكومة حتى عام 2021.

ليس سهلاً تقييم قرار ميركل، من زاوية مدى قدرتها على الاحتفاظ برئاسة الحكومة حال انتخاب رئيس للحزب يختلف مع توجهاتها. لكن مؤدى قرارها هو تجنب خوض انتخابات داخلية باتت صعبة داخل حزبها. والأرجح أنها توقعت أن يزداد موقفها ضعفاً إذا فازت في انتخابات الحزب بصعوبة، أو بفرق طفيف، ناهيك عن أن تخسرها. لذلك فضلت تجنب خوض هذه الانتخابات والتخلي عن قيادة الحزب بإرادتها.

لكن هل فكرت ميركل في تداعيات انتخاب رئيس جديد يختلف مع توجهاتها على نحو قد يؤثر سلبياً على أدائها في رئاسة الحكومة؟ يصعب تصور أنها لم تفكر في ذلك. لكن ربما وجدت أنها تستطيع احتواء آثار مثل هذا التطور حال حدوثه اعتماداً على مكانتها السياسية في أوروبا، وليس في ألمانيا فقط.

غير أن استمرار ميركل في رئاسة الحكومة الألمانية حتى 2021 لم يعد أكيداً، لأنه سيتوقف على نتيجة الانتخابات الداخلية في ثمانية مؤتمرات حزبية وصولاً للمؤتمر العام الشهر المقبل، وتوجهات الفائز بزعامة الحزب. ورغم أنها لم تعلن انحيازها لأي من الطامحين لخلافتها، فهي تأمل أن تفوز الأمين العام للحزب إنجريت كارينباور التي تتبنى توجهاتها وخطها السياسي.

لذلك توصف في ألمانيا بأنها " ميني ميركل"، لكن التنافس في هذه الانتخابات قوي، وقد بدأ فور إعلان ميركل تخليها عن قيادة الحزب، لأن الوقت الباقي حتى موعد إجرائها قصير للغاية. فرصة كارينباور التي يتيح فوزها استمرار ميركل في رئاسة الحكومة من دون منغصات من داخل حزبها، ليست قليلة، رغم أن شخصيتها تبدو باهتة. ميركل نفسها كانت أميناً عاماً للحزب، مثل كارينباور الآن، بين نوفمبر 1998 وأبريل 2000، أي أن وجودها في هذا الموقع فتح لها الطريق إلى القيادة.

لكن منافس كارينباور الأول، فريدريش ميرتيز، يملك فرصة كبيرة هو أيضاً. ورغم أن لديه ثأراً مع ميركل التي أزاحته عن طريقها للصعود إلى قيادة الحزب، ثم انتزعت منه رئاسة كتلته البرلمانية عام 2002، فهو يبدو حريصاً على ألاَّ يخسرها مؤقتاً، إذ أثنى عليها عند إعلان ترشحه.

لذلك في الانتخابات البرلمانية القادمة ، لن يكون اسمها ضمن قائمة أسماء المتنافسين. وقد لا يكون مهماً اسم مَن سيجلس بعدها على كرسي المستشارية في السنوات الأربع القادمة، ومن أي الأحزاب، لكن هل سيتمكن من ملء كرسي المستشارية بجدارة كما كانت تفعل هي، وهل سينجح في الحفاظ على ما أنجزته لألمانيا، والمراكمة عليه؟ وقد يكون السؤال الأهمّ: هل سنكون شهوداً على مرحلة سياسية جديدة في ألمانيا، مثل تلك التي حدثت في بريطانيا بعد خروج السيدة مارغريت تاتشر من المسرح؟

ويتنافس ثلاثة مرشحين على المنصب، هم المعتدلان أرمين لاشيت، الذي يرأس منطقة شمال الراين وستفاليا، والخبير في السياسة الخارجية نوربرت روتغن، إضافة إلى الليبرالي فريدريش ميرتس، خصم ميركل التاريخي والداعي إلى نهج أكثر يمينية.

وأسفرت نتائج التصويت عن حصول أرمين لاشيت على نسبة 77،5 بالمئة، وفق ما أفاد مشاركون، بينما حصل زودر على 22,5 بالمئة.

وقال متحدث باسم الحزب المسيحى الديمقراطى إن 31 من أعضاء المجلس دعموا لاشيت وصوت تسعة لصالح منافسه ماركوس زودر رئيس الحزب المسيحي الاجتماعي البافاري. وامتنع ستة أعضاء عن التصويت.

يشار أن المنافسة كانت قد اشتدت بين لاشيت رئيس وزراء ولاية شمال الرين ويستفاليا على دعم قيادة حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي ضد ماركوس زود الذي رفض الانسحاب، مشيراً إلى أنه يتمتع بشعبية أكبر بين الألمان إضافة إلى دعم نواب التحالف المسيحي له .

يذكر أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل سوف تنتهى ولايتها في سبتمبر القادم وسيتم إجراء انتخابات برلمانية واختيار مستشار جديد لألمانيا وسيتم خروج ميركل من السلطة بعد 16 عاماً من الحكم .

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل

........

الهوامش

1- جمعة بوكليب: أنجيلا ميركل... أوان المغادرة.. مقال منشور بالعربية بتاريخ السبت 23 ربيع الأول 1443 هـ - 30 أكتوبر 2021.

2- بول كيربي: الانتخابات الألمانية: فوز الحزب الاشتراكي الديمقراطي على حزب ميركل بفارق ضئيل.. مقال منشور بتاريخ 27 سبتمبر/ أيلول 2021.

3- متى تنتهي حقبة المستشارة أنغيلا ميركل؟ | سياسة واقتصاد – DW بتاريخ Apr 24, 2019.

4- حسام حسن: أنجيلا ميركل.. هل تنتهي حقبة المرأة الحديدية في 2020؟.. مقال منشور بالعين الإخبارية بتاريخ  الأحد 2019/12/22 10:56 ص بتوقيت أبوظبي.

5- وحيد عبد المجيد: هل تبقى ميركل حتى 2021؟.. مقال منشور بجريدة الاتحاد بتاريخ السبت 23 ربيع الأول 1443 هـ - 30 أكتوبر 2021.

 

 

محمد المحسنبعد استفحالها كظاهرة خطيرة تؤرق المجتمع التونسي

قد لا أجانب الصواب إذا قلت أن إستفحال ظاهرة العنف ببلادنا أصبحت تبعث على الخوف والحذر، إذ غدت هذه الظاهرة (العنف) أحد الملامح الأساسية للمجتمع التونسي مؤخرا. تجسّمت في عنف لفظي اكتسح الفضاء العام وغيّر آليات الخطاب بين الناس،  وعنف مادي يُهدّد الجميع في أي مكان .

ظاهرة العنف استفحلت في تونس حتى أصبحت هاجسا يؤرق جزءا من التونسيين الذين فقدوا الإحساس بالأمان. كما أصبح العنف عقيدة الجزء الآخر من الشعب وآليته الوحيدة للتعبير،  حتى أن الامر تطور وبلغ حد تصدير العنف إلى ساحات قتال خارجية.. (بؤر توتر في كل من ليبيا العراق وسوريا..إلخ)

اللافت في ظاهرة العنف في تونس أنها امتدت على نسبة عالية من فئة الشباب، حتى أن العنف أصبح السمة الطاغية على هذه الفئة.وهو ما جعل الخبراء يدقون ناقوس الخطر إيذانا بضرورة التحرك لتطويق هذه الظاهرة والبحث في اسباب تشكّلها وآليات تفكيكها.

في هذا السياق، كشفت دراسة أنجزها المعهد التونسي للدراسات الإستراتيجية حول "العنف الحضري بتونس"، أن المجموع العام لقضايا العنف في تونس تجاوز في الفترة الممتدة من 2011 إلى 2017 أكثر من 600 ألف قضية مسجلة،  أي بمعدل 25% من العدد الجملي للقضايا. وهو ما يعكس ارتفاع مؤشر العنف بالبلاد.

وبحسب التقرير السنوى لمؤشر الجريمة العالمي الذي نشره موقع موسوعة قاعدة البيانات “ناميبو” فقد احتلت تونس المرتبة 10 عربياً و53 دولياً من مجموع 125 دولة في ارتفاع نسبة الجريمة للعام 2017، وتشمل الجريمة القتل والسطو والسرقة والاغتصاب.

بعد الثورة دخل المجتمع التونسي مرحلة انتقال جذري ليس سياسيا فقط بل الأهم اقتصاديا واجتماعيا والمعروف ان الشعوب في المراحل الانتقالية تمر بمعضلة تتعلق بالقيم والأخلاق خاصة مع ضعف المنظومة الأمنية و الدولة.

والسؤال الذي ينبت على حواشي الواقع:

هل أن عشر سنوات لم تكن كافية ليعود المجتمع التونسي لاستقراره وتوازنه؟

الجواب في العموم ان التوازن الامني يسير بخطى ثابتة لكن هذا لا يكفي لان المسألة لا تطرح من جانبها الامني فقط.

يمكن العودة أولا لإحصائيات تعتبر متكاملة متعلقة بالجريمة في تونس ومعدلاتها هي ارقام العام 2016 حيث تم إحصاء حوالي 59500جريمة في الثلث الاول فقط منها قرابة الالف اعتداء عنيف على نفس بشريةو92جريمة قتل عمد .

هذه الارقام رغم أنها مرتفعة الا ان الظاهرة تزايدت بعد ذلك رغم تحسن الأداء الأمني خاصة في 2018 و 2019 وهو ما يعني أن تزايد العنف ونسبة الجرائم ليس سببها تقصير أمني أو ضعف المنظومة بل يمكن ربط الامر بتدهور الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية

يرى المختصون في علم الاجتماع انه لا يمكن الفصل بين ارتفاع معدل الجريمة في بلادنا ومنها البراكاجات وتزايد نسب البطالة لدى الشباب وايضا الفقر فهناك فئة من الشباب او حتى الكهول يجدون انفسهم في وضعيات مادية صعبة مع انغلاق كل امل في تحسينها فيلجؤون الى الخيارات الاسهل لكنها تكلف غاليا للمعتدي وايضا للمعتدى عليه.

من جهته، أكد المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية، أهمية تعزيز الخطة الوطنية للدفاع الاجتماعي،  ودعم الإحاطة بالفئات الاجتماعية ذات السلوكيات الخصوصية،  والعمل على توحيد قاعدة بيانات حول ظاهرة العنف وتوفير الإحصائيات في الغرض،  بالإضافة إلى تكثيف المراقبة الأمنية بمختلف وسائل النقل،  وتفعيل السياسة الجنائية في مقاومة العنف من خلال التطبيق الصارم للقانون.

ومن التوصيات التي رفعتها المصالح الأمنية،  التفكير في اتخاذ إجراءات عاجلة من خلال فرض احترام القانون والتراتيب والمناشير وعدم الخضوع للابتزاز وتطبيقها حينيا في جميع الوزارات وتفعيل الدور الأساسي لوزارة التربية، وتنقية محيط المؤسسات التربوية إضافة إلى تجهيز الفضاءات العمومية تقنيا (شبكة الكاميرا) وتفعيل السياسة الجنائية في مقاومة العنف من خلال التطبيق الصارم للقانون وكذلك تفعيل دورالأجهزة الأمنية (حرس وشرطة ..) خاصّة في المجال العلائقي للحفاظ على السلم الاجتماعية وإلزامها على العمل على فض الإشكاليات مع اقتراح تربصات عمل في المجال الاجتماعي ضمن حلقات التكوين.

أما بالنسبة للأطراف المتداخلة في المجال الاجتماعي، فقد دعت إلى إدراج برنامج الوقاية من العنف ضمن البرامج الوطنية ودعم الطب المدرسي والجامعي والوقاية من السلوكيات المحفوفة بالمخاطر وتنظيم حوار مجتمعي بمشاركة جميع الأطراف المتداخلة والعمل على إستراتيجية وطنية لمكافحة العنف وتعزيز الدور الوقائي من خلال تطوير المشهد الثقافي والعمل على مزيد الانتداب والتعاقد مع أخصائين نفسانيين مع معالجة الزمن المدرسي لتوفير مساحات زمنية لتعاطي الأنشطة الثقافية والرياضية إلى جانب التنسيق مع المصالح الأمنية قصد حماية الطلبة المقيمين من التعرّض إلى العديد من الانتهاكات من قبل بعض المنحرفين بالأحياء المجاورة للمبيتات الجامعية خاصة في الأحياء الشعبية ودعوة كل الطلبة إلى الإبلاغ عن الحالات المرضية التي تهدد بالعنف حتى يتم التدخل العلاجي الوقائي في الوقت المناسب والتكثيف من المراقبة الأمنية بمختلف وسائل النقل وغيرها من التوصيات.

بدوره، أرجع المختص في علم الاجتماع سامي نصر تنامي ظاهرة العنف والجريمة في المجتمع التونسي خلال السنوات الأخيرة إلى 3 عوامل لخصها في اكتساح الثقافة العنفية سلوك الأفراد وانتشار المخدرات وغياب السياسة الردعية.

وأشار نصر في تصريح صحفي، الى أن"الجرائم تطورت اليوم لتصبح عنفية خاصة على ضوء تنامي عمليات التنكيل وارتكاب جرائم خطيرة لأتفه الأسباب” (هنا نستحضر الجريمة التي هزّت الرأي العام التونسي مؤخرا:مقتل الشاب آدم بوليفة بإحدى الفضاءات السياحية التونسية)،  موضحا ان “العنف يتطور عبر 3 مراحل اذ ينطلق من سلوك أو ردة فعل فردي ليصبح في مرحلة ثانية ظاهرة اجتماعية ثم يتطور من خلال “المغذيات” ليصبح ثقافة عنفية “. وأشار إلى أنّ تفشي الجريمة ببلادنا يعود إلى غياب السياسة الردعية في القانون التونسي منها تمتع مرتكبي جرائم السطو و”الزطلة” باجراءات استثنائية منها العفو وتخفيف مدة العقوبة،  مشددا على انه من المفروض أن تسلط على مرتكبي هذه العمليات أقسى العقوبات حتى لا يتطور سلوكهم العدواني الى جرائم ابشع.

بدوره، يقول المحامي منير بن صالحة إنّ ارتفاع نسبة الجريمة في تونس لا يعود الى غياب الردع فالقانون التونسي يتضمن ما يكفي من الفصول الردعية ويعاقب بالسجن وبعقوبات شديدة تصل إلى الإعدام في بعض الجرائم،  بل يعود إلى الشعور السائد لدى كثيرين بأنّ القانون لا يطبق، وأنّ في الإمكان الإفلات من العقاب، وبالتالي يوحي أنّ السلطة ضعيفة. يضيف أنّ وجود مثل هذا الشعور لدى العموم يخلق نوعاً من الاستهتار بالجريمة التي أصبحت ترتكب بكلّ سهولة وبساطة،  مبيناً أنّ “هناك جرائم بشعة ترتكب لأسباب بسيطة،  فأحياناً تزهق سيجارة روح إنسان، ومن أجل مبلغ مالي بسيط قد يقتل شخص، وبهدف سلب هاتف جوال قد تغتصب النساء”.

وأوضح بن صالحة أنّ انتشار المخدرات والممنوعات ساهما أيضاً في ارتفاع نسبة الجريمة،  وبالتالي، لا بدّ من التفكير في إصلاح عميق نفسي واجتماعي وقانوني للجريمة والعنف في تونس. كما يدعو أيضاً إلى ضرورة إصلاح السجون التونسية التي تعاني من الاكتظاظ وقد لا تؤدي دائماً إلى الإصلاح بل قد تساهم في تكوين المجرمين.

على سبيل الخاتمة:

إن معالجة هذه الظاهرة لا يمكن اختزالها فقط من خلال ما تقوم به الأجهزة الأمنية بل يجب على المؤسسات التربوية والدينية والتعليمية وغيرها ان تقوم بدورها المأمول في معالجة هذه الظاهرة، فهذه الظاهرة تدل على وجود ازمة ثقافية قيمية وظاهرة العنف في مجتمعنا يجب أن تعالج ثقافياً وتربوياً ودينياً وعشائرياً واجتماعياً من خلال اطلاق المبادرات الخلاقة، ورسم البرامج التعليمية الاستراتيجية الهادفة إلى تكريس ثقافة المحبة والأخوة ونبذ العنف في نفوس أبنائنا وشبابنا.

 

محمد المحسن - كاتب صحفي تونسي

 

 

كريم المظفربعد انقطاع منذ عام 2018 حضر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الاجتماع الموسع لهيئة رئاسة وزارة الخارجية الروسية، وحاول الرئيس الروسي في كلمته، التي تحتاج الى عدة مقالات تحليلية للأوضاع الدولية التي تنظم العلاقة بين روسيا والعالم، وكذلك مهمة عمل البعثات الدبلوماسية خلال المرحلة المقبلة، ولكننا سنحاول بهذا الاستعراض أن نسلط الضوء على بعض القضايا المهمة، في المقدمة منها العلاقة مع الولايات المتحدة، التي يعتمد عليها، كما هو معروف، بالحفاظ على الأمن والاستقرار العالميين إلى حد كبير، لكن الرئيس بوتين حاول تلطيف الكلمة التي يمكن ان يوصف بها هذه العلاقات الآن، وقال انها " في حالة غير مرضية، ودبلوماسيو البلدين يواجهون مشاكل كبيرة، ولا يمكن للسفارات المقطوعة أن تعمل بشكل طبيعي، ناهيك عن المشاركة بشكل منهجي في تطوير العلاقات الثنائية، هذه هي نتائج الخط الاستفزازي للسلطات الأمريكية، التي بدأت قبل خمس سنوات بممارسة عمليات حظر وتقييد واسعة النطاق للدبلوماسيين الروس.

اما العلاقات بين روسيا ودول الناتو أصبحت فهي "محبطة"، وفرص التعاون مع الاتحاد الأوروبي "تضيق"، والتفاعل مع الولايات المتحدة "في حالة غير مرضية" بعد طرد الدبلوماسيين، وأشار الرئيس بوتين الى أنه منذ وقت ليس ببعيد، كانت العلاقات بين روسيا والدول الغربية، بما في ذلك الولايات المتحدة، "فريدة من نوعها ببساطة"، لكن الوضع تغير بشكل كبير، ووفقًا للرئيس، يتحمل الغرب وحده اللوم في ذلك، حيث أجرى الناتو "عدة موجات من التوسع"، وتقع البنية التحتية للكتلة بالقرب من الحدود الروسية، ونشر مضادات للصواريخ، يتم نشر أنظمة الدفاع في رومانيا وبولندا، والتي، وفقًا لموسكو، يمكن استخدامها لأغراض الصدمة.

كما ان الشركاء الغربيون فاقموا الموقف من خلال إمداد كييف بأسلحة حديثة مميتة، وإجراء مناورات عسكرية استفزازية في البحر الأسود، وهذا يتجاوز بشكل عام حدودًا معينة: تحلق القاذفات الاستراتيجية على مسافة 20 كيلومترًا من حدود روسيا وهي تحمل أسلحة خطيرة للغاية،ويواصل الاتحاد الأوروبي، بحسب الرئيس الروسي، "صدنا بفرض عقوبات وأعمال غير ودية واتهامات لا أساس لها"، وتتبع الولايات المتحدة "خطًا استفزازيًا" منذ خمس سنوات حتى الآن، وتمارس عمليات حظر وقيود واسعة النطاق على روسيا، وقال "تم الاستيلاء على ممتلكاتنا في الدول في انتهاك لجميع الأعراف والقواعد الدولية، الجميع، وأضاف بوتين ساخطًا "لقد انتهكوا انتهاكًا صارخًا، وببساطة أخذوا الممتلكات، وهذا كل شيء".

واعتبر الرئيس الروسي ان من بين أكثر الأزمات حدة وحساسية، بطبيعة الحال، بالنسبة لروسيا، أولاً وقبل كل شيء، الأزمة الأوكرانية الداخلية، بينما لم يتم حلها، لسوء الحظ، من الواضح أن أوكرانيا لا تفي بالتزاماتها بموجب حزمة تدابير مينسك، وكذلك الاتفاقات التي تم التوصل إليها في "شكل نورماندي"، وأشار الى ان، " شركاؤنا" في "نورماندي الرباعية" - ألمانيا وفرنسا - لا يجادلون في مغزى اتفاقيات مينسك، ومع ذلك، من المهم مواصلة جهود الوساطة في فريق الاتصال و "شكل نورماندي" - للاستمرار بإصرار، وبقوة، حيث لا توجد آليات دولية أخرى لتعزيز التسوية الأوكرانية الداخلية، ولا يوجد بديل لتنفيذ اتفاق مينسك نفسه بالكامل.

وتعرب روسيا باستمرار عن مخاوفها بشأن "الخطوط الحمراء" المختلفة، لكن موقف الشركاء الغربيين تجاههم من وجهة نظر الرئيس بوتين كان بعبارة معتدلة، "سطحية للغاية " ومع ذلك، برأيه فقد بدأ الوضع يتغير مؤخرًا " وإن التحذيرات لها تأثير معين "، ولا يرى الرئيس خطأ روسيا في انهيار العلاقات مع الغرب، على اعتبار إن روسيا دولة محبة للسلام ملتزمة بتطوير شراكات "مع جميع الدول والاتحادات الإقليمية"، وشدد في الوقت نفسه بالقول "لسنا بحاجة إلى صراعات" .

ويجب أن تعارض الدبلوماسية الروسية بشكل أكثر فاعلية محاولات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أن تنتحل لنفسها الحق في إملاء أجندة المناخ وتشكيل معايير حول هذا الموضوع لنفسها، على الرغم عن مدى صعوبة المناقشات في غلاسكو، وهناك لا يزال لديهم العديد والعديد من الأسئلة فيما بينهم " لكننا لا ندعو إلى أي انشقاقات - بل على العكس، نحن ندعو إلى البحث عن حلول مقبولة للطرفين " كما قال الرئيس بوتين مشيرا الى حقيقة أن روسيا قد اتخذت الآن مناصب قيادية في التحول "الأخضر"، ورقمنة جميع قطاعات الاقتصاد ومجالات الحياة البشرية.

العلاقات بين روسيا مع الصين وصفها الرئيس بوتين العلاقات " بانها مثال للتعاون الفعال بين الدول، وإن العلاقات الثنائية (مع الصين) وصلت الآن إلى أعلى مستوى في التاريخ وهي في طبيعة شراكة استراتيجية شاملة"، والتأكيد على ان موسكو ستواصل تعزيز علاقاتها مع بكين، حتى وان لم يحبها الجميع، ويحاول بعض الشركاء الغربيين علانية دق إسفين بين موسكو وبكين، وقال " نحن نرى ذلك جيدًا، وسنواصل مع أصدقائنا الصينيين الرد عليهم من خلال توسيع التفاعل في السياسة والاقتصاد والمجالات الأخرى، وتنسيق الخطوات على الساحة الدولية ".

كما تلتزم روسيا بمناهج مماثلة في العلاقات مع شريكها الاستراتيجي المميز بشكل خاص – الهند، واكد بوتين " نحن عازمون على بناء تعاون ثنائي متعدد الأوجه حقا، نحن نعتبر الهند واحدة من المراكز المستقلة القوية لعالم متعدد الأقطاب مع فلسفة سياسة خارجية وأولويات قريبة منا "، بالإضافة الى ان التعاون بين روسيا والآسيان يساهم في الحفاظ على المصالح والاستقرار والأمن، فضلاً عن ضمان التنمية المستدامة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، ومن المهم بكل طريقة ممكنة تعميق وتحسين التجربة التي تراكمت لدى روسيا على مدى 30 عامًا من التفاعل المثمر مع هذه الرابطة في السياسة والاقتصاد والمجال الاجتماعي.

لقد عملت روسيا دائمًا وستواصل العمل كوسيط محايد في تسوية النزاعات والأزمات في الشرق الأوسط، بكل طريقة ممكنة للمساعدة في استقرار الوضع في هذه المنطقة، وبمشاركة روسيا المباشرة، تمكن من التغلب على الإرهاب الدولي في سوريا، ومنع تفكك هذه الدولة، ثم - في إطار "صيغة أستانا" مع تركيا وإيران - إطلاق عملية التسوية بين السوريين في إطار تحت رعاية الأمم المتحدة، وطالب الرئيس الروسي الدبلوماسية الروسية أن تستمر في الإسهام في تطبيع العلاقات بين سوريا والدول العربية، وعودتها المبكرة إلى جامعة الدول العربية، فضلاً عن استقطاب المساعدات الدولية لتحسين الوضع الإنساني في هذا البلد.

كما إن المساعدة في تقدم تسوية فلسطينية - إسرائيلية ذات أهمية أساسية لتحسين الحالة في الشرق الأوسط، العمل الثقل والهادف ضروري أيضًا مع جميع أطراف النزاع الليبي من أجل توجيههم نحو إيجاد حل وسط، بشكل عام، وكما أوضح الرئيس بوتين " كانت أولويتنا غير المشروطة ولا تزال تطوير حوار ودي حقيقي وعملي وغير أيديولوجي مع جميع دول الشرق الأوسط".

الشيء الرئيسي في السياسة الخارجية الروسية وكما عبر عنها الرئيس الروسي يجب أن تستمر في توفير أفضل الظروف المواتية والآمنة لتنمية روسيا، وحل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية واسعة النطاق، وتحسين نوعية ومستوى معيشة الشعب، وانطلاقا من ذلك، تلتزم روسيا بتطوير علاقات شريكة وبناءة ومتبادلة المنفعة مع جميع البلدان والاتحادات الإقليمية، وستشارك بشكل استباقي في الجهود الدولية لمواجهة التحديات والتهديدات المشتركة، ومن بينها، للأسف، لا يزال هناك الإرهاب والجريمة العابرة للحدود، وانتشار أسلحة الدمار الشامل، والفقر، وعدم المساواة، وتغير المناخ، والتدهور البيئي.

وبصفتها عضوًا دائمًا في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، تعتزم روسيا بحسب تأكيد الرئيس بوتين الاستمرار في التمسك الصارم بالمبادئ الأساسية المكرسة في ميثاق الأمم المتحدة، كالسيادة والمساواة بين الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والتسوية العادلة للنزاعات، وبالطبع، الدور الرئيسي للأمم المتحدة في حل المشاكل الدولية، وقال " إن اقتراحنا بعقد قمة للدول - الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الذين يتحملون مسؤولية خاصة للحفاظ على السلام والاستقرار الدوليين يتماشى مع هذا النهج المبدئي ".

وامام هذا الكم الكبير من الملفات الدولية، وقف الرئيس الروسي امام الوضع الداخلي الروسي وباهتمام، ويرى انه من المهم في قانون البلاد الأساسي أن يتم الآن تكريس المواقف والقيم الأساسية مثل الولاء للوطن واحترام اللغة والتاريخ والثقافة وتقاليد الأسلاف، أي كل ما يوحد الشعب حول المثل العليا يحدد ناقل تطور الدولة الروسية المستقلة والمحبة للسلام، وذات السيادة، والعضو النشط في المجتمع العالمي، لذلك سيتم اصلاح أيضًا الاتجاهات المحددة للسياسة الخارجية والعمل الدبلوماسي في الوقائع الصعبة الحالية للوضع الدولي في النسخة الجديدة القادمة من مفهوم السياسة الخارجية، هذه الوثيقة - إلى جانب استراتيجية الأمن القومي التي تمت الموافقة عليها في الصيف - ستكون في الواقع "خارطة طريق" لوزارة الخارجية والوزارات والإدارات الأخرى.

ومن بين المهام الأخرى ذات الأولوية التي تواجه الخدمة الدبلوماسية، أشار بوتين إلى الحاجة إلى زيادة الاهتمام بتعزيز العلاقات مع المواطنين الذين يعيشون في الخارج، وحماية مصالحهم والحفاظ على الهوية الثقافية لروسيا بالكامل، فضلاً عن تبسيط إجراءات قبول المواطنين بالجنسية الروسية ، مبينا تفهمه لتساؤل عند تقاطع العديد من الوزارات والإدارات، لكن على وزارة الخارجية أيضًا التعامل معها، وبشكل عام، يجب تحديد أفضل الطرق لتحقيق الإمكانات الإبداعية للعالم الروسي الذي تبلغ قيمته عدة ملايين من الدولارات.

 

بقلم الدكتور كريم المظفر

 

مراجعة اصل الكلام الذي يستعمله السياسيون العراقيون وكشف عوراته، ضروري للحالة الماساوية التي يمر بها العراق منذ ستة عقود، افتقد المجتمع خلالها استخدام السياسيين لغة واضحة خالية من الغموض والكذب والنفاق والتأويل. اذ طرأت على المشهد السياسي العراقي احداث خطيرة، كان على الاحزاب والساسة التصدي لها بطريقة سياسية “قيمية” متناغمة اخلاقيا مع مبدأ الصراحة والمسؤولية الوطنية في جانبيها الاداري والمجتمعي. بمعنى آخر ان تكون منسجمة مع المباديء المختبرية المتعلقة بالمسألة “الوطنية” وبناء الدولة المدنية الحديثة، وليس “تغليب” مصلحة الحزب على المصالح الوطنية كما هو دارج لدى مجمل الاحزاب داخل السلطة وخارجها. يقودنا ذلك الى التساؤل: كيف يحصل التقارب الموضوعي بين المجتمع والطبقة السياسية اذا لم تستطع هذه الطبقة “الحزبية” الجمع بين مفردات “لغتها السياسية” بشكل واضح وصريح لصالح الوطن ومجتمعاته؟ وماذا يميّز كل هذه الاحزاب عن بعضها، عقائديا وتنظيميا، وهي جميعها غير صادقة امام المجتمع ولا تدين بالولاء الا للحزب وللطائفة والعشيرة وليس للوطن كما تعزو اليه وقائع اهدافها الاستراتيجية العملية والتثقيفية؟.

يشير “علم السيميائيات” الى ان اسلوب اللغة “الكلام ـ السردي” في الحياة السياسية العامة، قدرة لاذكاء الغموض والتأويل والتسويف لغايات سياسية تتيح للاحزاب الآيديولوجية ـ العقائدية سحب البساط من تحت اقدام المجتمع وتضليله باشكال نمطية مباشرة او غير مباشرة. وهي اساليب تتقنها وتتميّز بها الاحزاب السياسية العراقية ومنتسبوها داخل المحيط الحزبي وخارجه، على قاعدة ما علينا الاستفادة منه لصالح الحزب، ليس بالضرورة كشف دلالاته للعلن. ويبدو كما تشير الوقائع والاحداث المتعلقة بالحياة العامة على المستويين الوطني والمجتمعي وما يحيطهما من مشهد سياسي واداري واقتصادي وقانوني وامني مرتبك لاكثر من ثمانية عشر عاما عجاف، ان العديد من الاحزاب وقياداتها الفاعلة على الساحة العراقية، داخل السلطة وخارجها، لم تتعلم ان لم نقل، لم تتقن مهنة فن السياسة او قادرة لان تتصالح مع ابجديات “اللغة السياسية” موضوعيا وواقعيا بالقدر الكافي من الصراحة والمصداقية والوضوح. فالممارسة السياسية في اطاريها النظري والعملي في الشأن العراقي مليئة بالتناقضات والتبريرات الساذجة.. فعلى سبيل المثال لا الحصر، انتشرت في الآونة الأخيرة على لسان بعض الساسة المتنفذين حزبيا وسلطويا، تصريحات وادعاءات، استهجنها المجتمع وتعرض لها الاعلام بشكل واسع. كشفت عن عورة الاحزاب الآيديولوجية ونفاقها العقائدي فيما يتعلق بموقفها من ” الدولة والمصالح الوطنية”، القضيتين المركزيتين اللتين سعى السياسيون لاغراض حزبية مقايضتهما بـ “السلطة ومصالح الحزب” رديفا لـ “الدولة ومصالحها”، بمعنى آخر الاستحواذ على “السلطة” لصالح “الحزب” على حساب “الدولة” الوطنية. فالاحزاب دون استثناء تتحدث بانها الى جانب الدولة وحفظ امنها “الجيوديموغرافي”، لكنها من الناحية العقائدية، لا تدين الا بالولاء للحزب ومصالحه.

مصالح الدولة

انه لمن المؤكد اذا ما انسلخ الحزب وقادته لاسباب آيديولوجية، عن احترام مصالح الدولة والمجتمع ومقايضتها بمصالح الحزب، فسيخسر القاعدة الجماهيرية ولم تعد له مكانة مؤثرة بين الاوساط السياسية والشعبية، كما ويفقد ثقة المجتمع به وعجزه عن انتاج الاساسيات الخاصة بتطوير الحياة السياسية وتفاصيلها المجتمعية في كل مناحي الحياة في العراق.

يفترض من الناحية الموضوعية والمبدئية، ان يمارس، الحزب، اي حزب، “لغة حكيمة”، واضحة وصادقة تجتمع على اساسها كل اعتبارات المجتمع وليس العكس الذي تعمل به أغلب الاحزاب العراقية، التي اصبح وجودها وصوتها مجرد ضوضاء، بسبب ما اقترفته من مآثم وطنية ومجتمعية وكذب وتسويف وتغليب “مصالحها الحزبية” على المصالح العليا للدولة والشعب الذي يفترض على الاحزاب من ناحية المبدأ خدمته وصيانة حياته بإعتباره مصدر السلطات واساسها الحقيقي.

قبل ان يتولى منصب رئاسة جمهورية العراق العربي، قام برهم صالح بالتصويت على الاستقلال عن العراق، بل خرج عن قواعد احترام الجميل واحتقر العراقيين بالقول (أنا اتمضمض لانظف فمي عندما اذكر اسم العراق)، والآن وهو ما زال رئيسا للعراق ويطمح لولاية جديدة، عسى ان يتمضمض لغسل فمه من آثام النفاق والانتهازية التي افضت الى عدم ولائه للعراق ومصالح شعبه، بل احتقاره حتى اسم العراق!. ولعل من الضروري بمكان الاشارة الى ان اغلب الاحزاب القومية الكردية والسياسيين الاكراد يتحدثون علانية وبقناعة مطلقة بأن (مصالح الكرد وكردستان أولا، وعملهم على المستوى العراقي غاية ووسيلة لتحقيق مآربهم الكردية) أنه خيار ضمن الدعاية الموجهة لصالح الطبقة الحاكمة وليس لصالح الشعب الكردي. في اواسط تموز 2021 بثت قناة العراقية الفضائية خمس حلقات مقابلة مع مفيد الجزائري، ادعى وهو القيادي والوزير السابق عن الحزب الشيوعي العراقي في الجزء الخاص بمجزرة “بشتاشان عدم معرفته بالجريمة التي ارتكبها حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بحق العشرات من المناضلين العراقيين ضد نظام صدام. ليس غريبا بعد مرور عقود على تلك الحادثة الأثيمة ان تغيب الذاكرة، لكن الغرابة ان يجهلها قيادي يفترض ان يعرف أدقّ التفاصيل التي تمر على حزبه، وان لا تصيبه شحطات فكرية وآيديولوجية وسياسية مثيرة للسخرية بسبب عقدة لسانه لقول الحقيقة.

لجنة صياغة

وفي مقابلة اجراها معه قبل اسابيع الاعلامي المعروف نجم الربيعي، صرح الوزير السابق والقيادي في المجلس الاسلامي الاعلى باقر جبر صولاغ بان كل عضو من اعضاء لجنة صياغة الدستور قد تلقى مبلغ 150 الف دولار مقابل توقيعه على اقرار الدستور على علاته.. الغريب في الامر ان لا احد من احزاب السلطة وممثليها في لجنة الصياغة “الشيعة والسنة والكرد” قد انتقد تصريح صولاغ واتهمته بالكذب، الا النائب السابق عضو اللجنة القاضي وائل عبد اللطيف عن العراقية وعضو اللجنة والنائب السابق عن الحزب الشيوعي العراقي حميد مجيد موسى.

ليس مهما ان عبد اللطيف القاضي المخضرم او حميد مجيد القيادي الشيوعي او غيرهما من الأعضاء في لجنة الصياغة قد استلم مبلغا تافها 150 الف دولار من بريمر مقابل التوقيع على اقرار الدستور الذي جاء به الاحتلال وخبير يهودي وضعه.

الخطير كيف سمح هؤلاء لانفسهم “وهم دعاة الوطنية؟” التغطية على نوايا الاحتلال وتضليل شعبهم لقبول دستور يحتوي على الكثير من التأويل والثغرات القانونية التي تضر بمصالح العراق والعراقيين ومستقبلهم. الا كان الاحرى بهم الخروج آنذاك في وسائل الاعلام للوقوف دفاعا عن وطنهم بوجه تمرير الدستور وكشف مساوئه وخطورته امام الشعب العراقي؟. وكيف لهم ان يكونوا شهود زور آنذاك بامتناعهم عن قول الحقيقة من أنّ ما سمي بـ “الاستفتاء” الشعبي على الدستور لم يكن الا مسخرة. والحقيقة التي يعرفها القاصي والداني، ان سلطة الاحتلال فرضت على مجلس الحكم ابان الانتخابات التشريعية الاولى باعتبارها استفتاءا على الدستور على الرغم من ان نسبة المشاركة لم تكن تتعدى الـ  30% من اصوات الناخبين!

لعنة “اللغة” وليس لعنة “التاريخ” فحسب، ستلاحق الاحزاب وقادتها السياسيين ـ الحكوميين منهم والحزبيين، الذين شاركوا على مدى ثمانية عشر عاما في خداع الشعب العراقي وايقاع الضرر به وبمصالحه الوطنية والمجتمعية، وانتهاكهم الحقيقة وحفظ الامانة وخراب الوطن ونهب خيراته والمتاجرة باراضية وحرمته الجغرافية، واستخدام ما يسمى بـ “العملية السياسية” لصالح الطبقة الحاكمة ـ التي حولت التنافس السياسي الشريف الى صراع مصالح ونفوذ، من الصعب وضع حد له او التمرد عليه لصالح الشعب والدولة ومصالحها المقدسة..

انه من أسوأ الخطايا التي ارتكبتها وترتكبها الاحزاب العقائدية وقادتها جرف نظام “الطاعة للحزب” نحو الهيمنة الكاملة على حرية “الابداع الفكري والمجتمعي”، الذي من شأنه ان ينهض بالكادر الحزبي ليصبح فاعلا وطنيا في الحياة السياسية واصلاح الاوضاع العامة وتطويرها، ليحل محله مفهوم “قداسة الحزب” وجعله منهجا لتحقيق مآرب الحزب وقياداته الحزبية للهيمنة على احتكار السلطة والدولة معاً.

 

عصام الياسري     

 

محمد المحسنمحتج يطالب بالعدل والعيش الكريم في كنف ديموقراطية ناشئة.. ودولة منهَكَة - أصلا - ومطلوبة..!

قد لا يحيد القول عن جادة الصواب إذا قلت أنّ شرارة “الحركات الثورية العربية” اندلعت من أرض تونس المنتفضة على الظلم والظلام ذات شتاء قاتم من سنة 2010 .

واليوم، بعد عشر سنوات ونيف على انطلاق مخاض التحولات، تصمد التجربة التونسية في الإنتقال السياسي، وتبقى خارج دائرة الفوضى التدميرية التي امتدت من ليبيا إلى سوريا..

ولكن يبدو أن تفاقم الأزمة الإقتصادية وقلة الدعم الدولي واحتدام الجدل السياســـــي والأيديولوجي، وضع البلاد أمام منعطف دقيق يستلزم ورشة إنقاذ داخلية واهتماما دوليا لا يقتصر على مكافحة الإرهاب.فقضايا ومطالب التونسيين في هذا الظرف الدقيق والحاسم الذي تمرّ به البلاد، باتت أهم من الصراعات الشخصية والمناورات الحزبية

والمحاصصات السياسية التي لا طائل من ورائها سوى تغليب الفتق على الرتق والزج بالبلاد والعباد في متاهات مبهمة ومعقّدة من الصعوبة بمكان التخلّص من عقالها والنأي بأنفسنا عن تداعياتها الدراماتيكية في المدى المنظور..

وبغض النظر عن المنطق الحسابي، ورهانات الربح والخسارة، لايزال المشهد السياسي في تونس يفتقر إلى الإستقرار بصورة نهائية، بالنظر إلى حالة التشتت الحزبي وغياب القواعد الثابتة للأحزاب، مما سيفضي مستقبلاً -في تقديري-إلى تجمع القوى المتقاربة، إذا أزمعت تأكيد حضورها السياسي.

ومن هنا يتوجب التذكير بتغليب الديمقراطية التوافقية ودور النقابات والمرأة والمجتمع المدني إبان المرحلة الحرجة في 2013، إذ أن إسقاط منطق العنف السياسي لم يستند قط إلى تلاقي الإرادات، بل أيضا إلى إرث تونس الفكري والقانوني والسياسي من ابن خلدون إلى الطاهر الحداد والحبيب بورقيبة، وكذلك بسبب الأولوية الدولية للحرب ضد الإرهاب وخشية سقوط تونس في المحظور، مما يزيد من اشتعال اللهيب الليبي ويهدد بتواصل الإرهابيين من ليبيا، إلى معاقل "الجهاديين" في الجزائر والساحل.

وإذن؟

تونس إذا، في حاجة إلى تكاتف كافة مكونات المجتمع المدني وكل القوى السياسية لتثبيت أركان الجمهورية الثانية، ومن ثم انجاز مشروع مجتمعي طموح ينآى بالبلاد والعباد عن مستنقعات الفتن، الإثارة المسمومة والإنفلات الذي يتناقض مع قيم العدالة والحرية، وهذا يستدعي منا-كما أسلفت-هبّة وعي تكون سدا منيعا أمام كافة المخاطر التي تهدّدنا وتسعى إلى تحويلنا إلى نماذج مرعبة ومخيفة لما يجري في العراق وسوريا وليبيا..

على هذا الأساس، علينا أن ندرك جميعا أنّ الديمقراطيات إنما قامت على نمط من الإكراهات، وعلى صراعات سلمية بين القوى المختلفة، لتستقر في النهاية على نمط حكم قائم على توازي السلط وتقابلها ومراقبتها بعضها بعضاً، و كل هذا مشروط بتجنب العنف سبيلاً لحل النزاعات، ذلك أنّ ديمقراطية ما بعد الثورة في تونس قائمة على تعايش مفروض، وتوازن قوى واضح، سيدفع كل الأطراف، وبغض النظر عن أحجامها الانتخابية، إلى الإقرار بحق الجميع في المساهمة في بناء المشهد السياسي المقبل، ضمن الخيارات الكبرى للمجتمع التي تم التنصيص عليها في الدستور التونسي الجديد..

ويكفي أن نتذكّر ما ترتّب عن الحوار بين الفرقاء السياسيين من خيارات سياسية كبرى، تمثلت بالأساس في الإسراع بإكمال إعداد دستور جديد، على الرغم من أن الأمر لم يكن سهلاً، ولا متيسراً.كما ترتب عنه قبول أجندة تقضي بإنجاز الانتخابات التشريعية، ثم الرئاسية، في آجال محددة، وإطلاق الجمهورية الثانية في تونس بصورة لا رجعة فيها الأمر الذي ساعد على تخطي عتبة الانسداد الذي حصل..

ما المطلوب..؟

لا بد اليوم-في تقديري-من عقد اجتماعي جديد في تونس قوامه التوازن في توزيع الثروات بين الجهات، وتشبيب الإستثمار، وإعادة النظر في دور الدولة الإجتماعي والإقتصادي، لا من زاوية مقتضيات وإملاءات الجهات الدولية المانحة، وإنما من بوابة بيئة الإستثمار الجديد وتدعيم اللامركزية دون إلغاء المركز، والدفع بمنظومة الحقّ في الإضراب دون ضرب موارد الدولة.

أقول هذا وأنا على يقين بأن تونس اليوم دولة وسلطة ومؤسسات، أمام امتحان جديد على درب الديمقراطية، ومع على الفاعلين في المشهد السياسي التونسي إلا القطع مع-النهم المصلحي والإنتفاعي-المسيطر عليهم ومن ثم تخطي الطور الانتقالي الجاري بنجاح، ووضع المساطر المناسبة لبنية مجتمعهم السياسية والحزبية، من دون إغفال تطلعات مجتمعهم والشروط العامة التي تؤطرها، وذلك تطبيقا لشروط والتزامات وقيم الممارسة الديموقراطية السليمة والسلوك الحضاري القويم.فجدلية العلاقة ـ بين محتج– يطالب بالعدل والعيش الكريم في كنف ديموقراطية ناشئة، ودولة منهَكَة-أصلا-ومطلوبة، تفرض-حتما-عدم استبطان منهاج ما بعد الليبرالية، حيث تتحوّل الدولة إلى مجرّد إدارة تعنى بالدفاع والأمن والوثائق الإدارية فقط، بل وهو الأهمّ المزاوجة بين فرص الإستثمار الخاص والدولة المستثمرة في القطاعات الإستراتيجية.

قلت هذا، إيمانا مني بأنّ اليأس ممنوع في مفردات القاموس السياسي التونسي.وهذا ليس بغريب على بلد يتمتّع بقسط كبير من العقلانية والحداثة، ويمكن أن يشكّل نموذجا يمكن شعوب العالم العربي من الدخول إلى التاريخ من جديد.

 

محمد المحسن

 كاتب صحفي، وعضو في إتحاد الكتاب التونسيين

 

 

محمود محمد عليفجأة وبدون مقدمات اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي، بسبب فيديو قديم لزكريا بطرس، يتناول فيه سيرة الرسول الكريم، والسؤال هنا له عدة أجزاء، أولا. لماذا في هذا التوقيت نشر تريند هذا الفيديو؟، ثانيا. من وراء نشر هذا الفيديو بكل احترافية؟ ثالثا إلي متي سنظل سلعة استهلاكية للإعداء؟

وللإجابة على ما طرحناه يلزم أولا أن نقول وسنقول مع الأستاذ جمال رشدي (في مقاله بعنوان زكريا بطرس وحروب الجيل الخامس والمنشور في مجلة الأسبوع المصرية):"  أن هناك حروب فتاكة باسم الجيل الخامس والسادس، تلك الحروب تعتمد على الإدارة عن بعد ومنها وأكثرها تأثير على الوطن مصر الإشاعات التي تطلق على مواقع التواصل الاجتماعي وخصوصا موقع الفيس بوك الذي أصبح مستنقع خطير لإغراق للمواطن.. كل شئ مدروس ومخطط له والخطورة تكمن في ثقافة اللاوعي الذي تصيب الكثير من أهالينا في مصر، ويلزم وبكل سرعة تدخل الدولة لسد الفجوة بين سرعة وقوة تلك الحرب على الموقع المفضل للمصريين على الفيس وبين ثقافة اللاوعي التي يتم العمل عليها من الأعداء وان تطلب الأمر حجب ذلك الموقع الذي اصبح خطر على الأمن القومي المصري.."

إن زكريا بطرس والذي حاول إشعال الفتنة في المجتمع المصري، بعد تصريحاته المسيئة عن الرسول صلى الله عليه وسلم وإهانته المتكررة للدين الإسلامي ورموزه، وتسبب في الكثير من الفتن على المدونات الإلكترونية، قبل ظهور مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك بسبب آرائه المتطرفة، واتخاذه سب الرسول الكريم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، طريقًا للشهرة، فخصص غرفًا للدردشة جذبت الكثيرين بسبب آرائه وجدالاته مع المسلمين.

وأطلق المصريين على القس زكريا بطرس لقبي “الكذاب والمختل العقلي والنفسي” باعتباره أحد أرباب الفتنة بين المسلمين والمسيحيين، كما أنه أحد منبوذي الدوائر المعتدلة، بسبب الهجوم الدائم على الرسول الكريم والمسلمين، خلال لقاءاته التي يبث فيها سمومه المتطرفة باستمرار.

ويعد القمص زكريا بطرس واحدا من المتطرفين دينيا، وهو منبوذ من الكنيسة المصرية والتي تتبرأ منه بسبب أفعاله وتصريحاته الطائفية ووصل الأمر إلى أن الكنيسة أمرت بمنع تداول مؤلفاته وكتبه وعدم السماح له بالقيام بأي نشاطات كنسية.

وهذا المتطرف من مواليد الرابع والعشرين من أكتوبر عام 1934م أي أنه يبلغ من العمر الآن 87 سنة، وقد ولد في سبين الكوم من عائلة مسيحية، وظل يسعي إلى ذهب إلى طنطا، ومن طنطا ذهب ليعمل بالكنسية بالقاهرة، ووصول إلى رتبة " كاهن"، إلا أن الكنسية قد رصدت أن هذا الرجل له سلوك منحرف ولديه أفكار تطرفية ضد الإسلام والمسلمين، وقررت الكنيسة أن تطرده، وعندما تم فصله ذهب ليعمل في أكثر من مكان في العمل، حيث حاول أن يعمل في برايتون بإنجلترا، وقد تم منعه في برايتون .

عمل المتطرف في أستراليا عام 1992 ومن ثم عاد إلى مصر، درس الآداب وحصل على شهادة الليسانس في التاريخ، ورث عن أخيه نجيله الذي أصبح انجيل بطرس فيما بعد، ووصفته مجلة الإنسان الجديد بعدو الإسلام.

وقد حاول هذا الرجل أن يعمل منبر إعلامي يريد أن يتحدث من خلال فذهب ليعمل في قناة الحياة التبشيرية   Al Hayat Channal Media أو قناة الفادي والتي أسسها خصيصا في عام 2011 من أجل الهجوم على الإسلام والمسلمين والنبي الكريم، إلا أن هذا الرجل المتطرف قد لوحظ أنه كان ينحرف في آرائه ويذم في الدين الإسلامي، إلا أنه سرعان مارطته تلك القناة .

وخلال برنامجه على فضائية الفادي والتي تقوم بنشر الفتنة الطائفية، هاجم مجددا زكريا بطرس الإسلام والمسلمين وقال أن المسلمين بعد 14 قرنا من الزمان بدأوا في اكتشاف أخطاء النبي الكريم، كما استخدم بعض الكلمات النابية في تناول الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.

وهنا لجأ زكريا بطرس سرعان ما لجأ إلى عمل قناة خاصة له في أمريكا، وأخذ من خلال تلك القناة أن يشن هجوما علي الدين الإسلام وعلي نبينا محمد صلوات الله وسلامه، إلي أن فوجئنا بأن تنظيم داعش نفسه قد استغل ذلك في تسويق نفسه، عندما أعلن أن من يقتل زكريا بطرس سوف يمنح 60 مليون دولار، وهنا أخذا يجمعون كل ما قاله من أحاديث في نقد الإسلام والمسلمين فيما، اقتطعوها وصدروها علي مواقع التواصل الاجتماعي مما يجعل الكثير من المسلمين في العالم العربي ينشغل بقضية هذا الرجل المأفون،  وعندما تعرض هذا الرجل لهذا التهديد، كانت توجد لديه ندوة في فيينا تم إلغاؤها .

وطوال الفترة التي عكف زكريا بطرس فيها على مهاجمة الدين الإسلامي، قدمت إليه العديد من الدعوات لمناظرته والرد على افتراءاته وأكاذيبه عن الرسول الكريم والمسلمين، ولكنه كان دائم التهرب من تلك المناظرات، وليس ذلك فحسب بل أنشأ قناة خاصة في عام 2011، تبث من الولايات المتحدة وخصصها لمواصلة هجومه على الإسلام والمسلمين.

وأجمع المسلمون والأقباط، على إطلاق لقبين على القس المشلوح زكريا بطرس، وهما “الكذاب والمختل”، تعبيرًا عن سخطهم وغضبهم من تطاوله على الرسول الكريم، وتأكيدًا على وحدة الموقف في رفض التطاول على الرسالات السماوية والرسل الكرام، حتى أن الكنيسة المصرية أعلنت في بيان تبرأها من القس المشلوح زكريا بطرس، وانقطاع صلتها به تمامًا منذ سنوات.

فمثلا قام الأزهر الشريف بالرد على تصريحات القمص المتطرف زكريا بطرس عبر مركز الأزهر  العالمي للفتاوي الالكترونية.

وقال المركز في بيان له، إن رسول الإسلام لهو شعاع النور للبشرية جمعاء، وهو الداعي إلى كل فضيلة، النَّاهي عن كل رذيلة، جعل الله سبحانه الفلاح في الإيمان به وتعزيره ونصرته واتباعه؛ فقال تعالى.

ومن جانبها علقت الكنيسة الأرثوذوكسية في مصر على قضية الكاهن السابق زكريا بطرس المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى انقطاع صلتها به منذ أكثر من 18 عاما.

وأوضحت الكنيسة في بيان لها أن "زكريا بطرس كان كاهنا في مصر وتم نقله بين عدة كنائس، وقدم تعليما لا يتوافق مع العقيدة الأرثوذكسية لذلك تم وقفه لمدة، ثم اعتذر عنه وتم نقله لأستراليا ثم المملكة المتحدة حيث علم تعليما غير أرثوذكسي أيضا، واجتهدت الكنيسة في كل هذه المراحل لتقويم فكره".

وأضافت أن "الكاهن السابق قدم طلبا لتسوية معاشه من العمل في الكهنوت وقبل الطلب المتنيح قداسة البابا شنودة الثالث بتاريخ 11 يناير 2003  ومنذ وقتها لم يعد تابعا للكنيسة القبطية الأرثوذكسية أو يمارس فيها أي عمل من قريب أو بعيد".

وتابعت: "بعدها ذهب إلى الولايات المتحدة واستضاف البعض اجتماعاته في بيوت وفنادق، وحذرت إيبارشية لوس أنجلوس شعبها من استضافته وقتها".

وأردفت قولها: "نحن من جهتنا نرفض أساليب الإساءة والتجريح لأنها لا تتوافق مع الروح المسيحية الحقة ونحن نحفظ محبتنا واحترامنا الكامل لكل إخوتنا المسلمين".

وتصدر وسم "عاقبوا زكريا بطرس" موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" وذلك للتعبير عن الغضب من بطرس بعد تصريحات أساء فيها للنبي محمد.

أكد الكثيرون أن القمص زكريا بطرس شاذ جنسا وذلك عبر وثيقة نشرها، وترجع الوثيقة لعام 2002، حيث أرسلت الكنيسة في أستراليا إلى الكنيسة المصرية تقول أن المواطنة فاتن عدلي خيري في ولاية برايتون تشكو القص زكريا بطرس، بأنه تحرش بنجلها جورج يوسف اسكندر جنسيا حيث يده على أماكن حساسة بجسمه وضغط عليها بشدة، وأوضحت أن المواطنة كانت ستبلغ الشرطة الأسترالية بهذا الموضوع لكنهم أقنعوها بعدم فعل ذلك لأن هذا الموضوع سيكون فضيحة للكنيسة المصرية.

وقد أكد الإعلامي الدكتور محمد الباز مقدم برنامج آخر النهار على فضاية قناة النهار أن القمص زكريا بطرس شاذ جنسا وذلك عبر وثيقة نشرها، وترجع الوثيقة لعام 2002، حيث أرسلت الكنيسة في أستراليا إلى الكنيسة المصرية تقول أن المواطنة فاتن عدلي خيري في ولاية برايتون تشكو القص زكريا بطرس، بأنه تحرش بنجلها جورج يوسف اسكندر جنسيا حيث يده على أماكن حساسة بجسمه وضغط عليها بشدة، وأوضحت أن المواطنة كانت ستبلغ الشرطة الأسترالية بهذا الموضوع لكنهم أقنعوها بعدم فعل ذلك لأن هذا الموضوع سيكون فضيحة للكنيسة المصرية.

الوثيقة الكنيسية تؤكد هذا الكلام والتي فيها يشتكي أسقف استراليا الأنبا دانيل من هذا الشاذ والزاني الديوث للأنبا بيشوي مطران دمياط وسكرتير المجمع المقدس إذ أنه قام بالآني:

1- التحرش بطفل في برايتون حيث قام بوضع يده على إحدى المناطق الحساسة في جسمه وضغط عليها.

2- جلب عاهرة لتمارس الرزيلة داخل الكنيسة ويأخذ منها مقابل مادي على هذا، أي أنه إنسان … ولن اصرح بنعت من يقوم بهذا العمل لعدم خدش الحياء.

3- قامت ابنته ربيبة الصون والعفاف بفتح ناد للتعري.

4- إمتهان إبنه تجارة المخدرات حتى أصبح طريد الشرطة في استراليا.

ويذكر أن القمص المتطرف وهو يقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد نبذته الكنيسة المصرية، حيث تم منع تداول كتبه ومؤلفاته، وقد اشتهر القمص المتطرف زكريا بطرس بالهجوم على الدين الإسلامي والرسول صلى الله عليه وسلم، وسط مطالبات بمحاكته وتسليمه من الانتربول الدولي.

وقد تقدم المستشار القانوني المصري حسام عنتر بشكوى لرئيس البلاد عبد الفتاح السيسي ورئيس مجلس الوزراء والنائب العام، ضد فايز بطرس المعروف بـ"القمص زكريا بطرس" مالك قناة "الفادي".

وقال عنتر في شكواه إن "مالك قناة الفادي اتخذ صفحات له للإساءة ونشر فكره المتطرف فنحن جميعا أخوة وأمرنا إسلامنا".

وأضاف: "تبين أنه كان يبتغي بالجدل الذي أثاره المساس بحرمة الدين والسخرية منه، فليس له أن يحتمي من ذلك بحرية الاعتقاد طبقا للطعن رقم 21602 لسنة 84 ق، ولهذا وضع المشروع جريمة ازدراء الأديان في الباب الثاني من الكتاب الثاني من قانون العقوبات تحت عنوان: الجرائم المضرة بأمن الدولة من جهة الداخل".

وتابع أن "المادة 161 تنص على أن يعاقب بتلك العقوبات على كل تعد يقع بإحدى الطرق المبينة بالمادة 171 على أحد الأديان التي تؤدي شعائرها علنا، ويقع تحت أحكام هذه المادة كل من طبع أو نشر كتابا مقدسا في نظر أهل دين من الأديان التي تؤدي شعائرها علنا إذا حرف عمدا نص هذا الكتاب تحريفا يغير من معناه".

واختتم: "القانون يعرف جريمة ازدراء الأديان بأنه احتقار الدين أو أحد رموزه أو مبادئه الثابتة أو نقده أو السخرية منه، لأن مثل هذه السلوكيات تثير الفتن، ومن هنا فإن الهجوم بأي شكل على كل ما يتعلق بالدين لا يسمح به والقانون يعاقب عليه".

والتمس بفتح تحقيق على وجه السرعة واتخاذ اللازم قانونيا لإغلاق هذه القنوات والصفحات لمنع ما تنشره، وأخذ اللازم قانونا حيال المسؤول عن تلك الصفحات، واتخاذ اللازم قانونا لضبط وإحضار المشكو، وسؤال من فضيلة شيخ الأزهر عن موقفه ورده عما ورد، وكذلك موقف الكنيسة مما صدر عن القمص وعما إذا كان مؤهلا لإلقاء التعاليم من عدمه.

وختاما نقول إن المروجين لكل ما قاله هذا المتطرف في اعتقادي هو نوع من عودة الفتنة الطائفية إلى مصر والتي تخلصت منها منذ عام 2013، وهذا يمثل نوع من حروب الجيل الرابع، وهي حروب أدواتها نفسية أكثر منها عسكرية؛ حيث تسعي إلي تغيير العقول والقلوب للشعوب في سبيل الوصول إلي الاحتلال المدني بديلاً عن التدخل العسكري في الدول المستهدفة، كما تستخدم في هذه الحروب القوة الناعمة إلي جانب قوة السلاح، ومن أشكال القوة الناعمة: التمرد، حرب العصابات، حرب السايبر الفضائي، والحصار الاقتصادي وغيرها .

كما أن حروب الجيل الرابع تمثل حالة من الحرب تمتاز بدمويتها وطول مدتها وتعدد جبهاتها، ويصعب فيها التفريق بين المقاتلين وغير المقاتلين، والجندي، والمدني، والسياسي، علاوة علي أن تلك الحروب تقوم علي إرغام العدو على تنفيذ إرادتك – أي حرب بالإكراه، والإكراه يقوم على مصادرة إرادة الخصم بغض النظر عن الوسائل، والأساليب، والأدوات المستخدمة في الوصول إلى هذه النتيجة، لذلك يمكن الوصول إليها دون حاجة إلى استخدام جيوش وأسلحة وقوات كبيرة؛ بمعنى أنه يمكن الوصول إليها دون اللجوء إلى استخدام النيران والسلاح.

ويعد الإعلام أهم أسلحة حروب الجيل الرابع على الإطلاق، وذلك باستخدام أجهزة الإعلام التقليدية، مثل قناة الجزيرة، أو تجنيد الإعلاميين أنفسهم، لقيادة الرأي العام والتأثير عليه وغيرها من القنوات وأجهزة الإعلام الجديدة، مثل مواقع التواصل الاجتماعي، بهدف تشتيت الرأي العام وتوجيهه، والسيطرة عليه، والتجسس عليه، ولاكتشاف من يمكن تجنيدهم كعملاء من خلال أفكارهم التي يطرحونها على مواقع التواصل، وقد تم تجنيد العديد من منظمات المجتمع المدني، والمعارضة، والعمليات الاستخبارية، لتشمل جميع الأدوات التي من شأنها زيادة النفوذ الأمريكي في أي بلد، لخدمة مصالح الولايات المتحدة الأمريكية وسياسات البنتاجون.

 

أ. د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

عدنان ابوزيداخترقت الكثير من الأيديولوجيات، الحواجز الجغرافية والعقائدية، وتحرّكت من مواطنها الأصلية، الى شعوب أخرى تبنّتها، وساهمت في انتشارها، أكثر من مدائنها الأم، في دلالة على اقتدار الأفكار على السريان والتأثير، أكثر حتى من العادات والتقاليد والعقائد الراسخة في الأصل، في المجتمعات.

وانعتاق الأيديولوجيات الى مفاهيم كونية، يعني غياب التعصّب، والانفتاح الثقافي، وسعي الشعوب الى الحقيقة، مهما كان مصدرها، على الرغم من ان الكثير من الأيديولوجيات، مرقَت عبر نوافذ زجاج يشوّه الرؤية، الأمر الذي جعلها ضحية الغموض وسوء الفهم.

غرست الماركسية بذورها في المانيا على يد كارل ماركس وفريدريك أنغلز، وتفتّحت في دول كثيرة بعيدة عن الموطن الأم، في روسيا والصين، وكوبا وكوريا ودول أخرى حالمة بثورة عالمية يفجرها الكادحون، كما اجتاحت الشيوعية حتى بلاد المسلمين المعروفين بتشبثهم بعقائدهم الروحية.

وانتقل الإرث الكفاحي للشيوعيين من كومونة باريس وموسكو، العام 1917 الى الصين بقيادة ماو تسي تونغ (1893–1976) الذي طور الماركسية اللينينية، وأنتشت أشجار نظريته في النيبال والهند والفلبين والبيرو، والمغرب العربي، وتركيا التي اعدمت الرمز الماوي ابراهيم كايباكيا. 

 ولاحقا، اجتاح الفكر الماوي حتى معقل الرأسمالية في العقود القريبة الماضية، فتأسّس الفكر الماركسي الماوي العام 1983، في جامعة هارفرد، متبنّيا الحرب الشعبية كوسيلة لتحقيق الحلم الشيوعي.

وفي الدول العربية، ترعرعت أحزاب تتبنّى الأيديولوجية الرأسمالية، وحاولت تقليد تجربة الدول الغربية، ثم أدركت ضرورة ان يكون لها مناهج على هدي خصوصيات شعوبها. وفي العالم الثالث، أتاح إرث الاستعمار والنضال ضد الإمبريالية، المجال لاستيراد ايديولوجيات جديدة، بدت دخيلة على الناس. 

ومع ظهور الحركة النازية في أوربا سنة (1919)، انقلبت المشاعر والأهواء القومية الى أيديولوجيات سياسية، هيمنت على التيارات السياسية في بلاد العرب، كما ألهمت العسكر، انقلابات وصناعة زعامات على شاكلة الزعيم الألماني أدولف هتلر، مثل ثورة العسكر في مصر العام 1952 ، وفي الجزائر وسوريا، وسعى السياسي العراقي رشيد علي الكيلاني مع عدد من الضباط الى الانقلاب على نظام بلاده في أبريل 1941، منفعلا مع المفاهيم القومية الألمانية.

وضرب الفكر الرأسمالي جذروه بعيدا عن مواطنه الأصلية في أوربا، فاجتاح بنظامه الاقتصادي اغلب دول العالم، وبسطت الرأسماليّة الماليّة هيمنتها، وصارت هي صاحبة القرار في الاقتصاد العالمي، فيما تكال لها الاتهامات بان أيديولوجيتها انتشرت عبر احتلال الشعوب، لكن يجب الاعتراف بانها نجحت في السطوة، أكثر من اية أيديولوجية أخرى.

وفي جانب انتشار العقائد الدينية، كانت المسيحية منذ ولادتها في فلسطين، الأكثر عبورا بين الشعوب في الألفية الماضية، فيما يشكّل الإسلام الذي خرج من عمق الصحراء العربية، واحدا من اكثر الأيديولوجيات الدينية التي تجذب اليها الشعوب الاخرى.

كل هذه الاختبارات الفكرية، أحدثت زعامات كونية، ومرجعيات، لها أتباع في كل الأمم، حيث تلائمها الشعوب على مزاجاتها وتأقلماتها الاجتماعية، وإرثها الثقافي، بعيدا عن العصبيّة. 

 

 عدنان أبوزيد

 

 

محمد المحسن"علمني وطني أنّ حروف التاريخ مزوّرة.. حين تكون بدون دماء.. "(مظفر النواب)

.. دماء غزيرة أريقت من أجساد شبابية غضة في سبيل أن تتحرّر تونس من عقال الإستبداد الذي إكتوت بلهيبه عبر عقدين ونيف من الزمن الجائر..

و من هنا، لا أحد بإمكانه أن -يزايد-على مهر الحرية الذي دفعت البراعم الشبابية أرواحها ثمنا له، ولا أحد كذلك يستطيع الجزم بأنّ ما تحقّق في تونس من إنجاز تاريخي عظيم تمثّل في سقوط نظام مستبد جائر، إنما هو من إنجازه.. لا أحد إطلاقا.. فكلنا تابعنا المشاهد الجنائزية التي كانت تنقلها الفضائيات في خضم المد الثوري الذي أطاح -كما أسلفت- برأس النظام مضرجا بالعار، ومنح الشعب التونسي تذكرة العبور إلى ربيع الحرية..

تلك المشاهد الجنائزية كان ينضح من شقوقها نسيم الشباب.. شباب وضع حدا لهزائمنا المتعاقبة، قطع مع كل أشكال الغبن والإستبداد، خلخل حسابات المنطق ، جسّد هزّة عنيفة مخلخلة للوعي المخَدّر والمستَلب، وصنع بالتالي بدمائه الطاهرة إشراقات ثورية قدر الطغاة فيها هو الهزيمة والإندحار..

هؤلاء الشباب عزفوا نشيد الحرية فتمايلت أغصان المجد طربا.. هؤلاء الشباب هم من قالوا للطاغية: إرحل.. قالوها بملء الفم والعقل والقلب والدّم.. لم ينل منهم الخوف ولا أثناهم عن عبور درب الألم، الرصاص المنفلت من العقال.. لقد رسموا بمواقفهم الشجاعة دربا مضيئا يعرف آفاقه جيدا عظماء التاريخ وكل الذين سلكوا درب الحرية من الأبطال والشهداء منذ فجر الإنسانية:صدام حسين، سبارتكوس، عماربن ياسر، عمرالمختار، يوسف العظمة، شهدي عطية، الأيندي، غيفارا وديمتروف.. وقد تجلّت في شجاعتهم كما في رفضهم الصارخ لكل أشكال الإستبداد، بطولة الإستشهاد وتجسّدت في نضالاتهم آسمى معاني الفعل الإنساني النبيل..

كان محمد البوعزيزي أوّلهم حين إرتدى لحافا ملتهبا بحجم الجحيم وخرّ صريعا كي تكتحل الأرض بدمائه ويتبرعم الربيع في بساتين الحرية.. ثم إرتقى الآخرون بقرارهم إلى منصة الإستشهاد بجسارة من لا يهاب الموت في سبيل التحرّر والإنعتاق..

واليوم..

ها هي تونس اليوم تغني نشيد الحرية فتتناغم القاهرة مع لحنها العذب، ويرقص الشباب في كل من طرابلس.. ودمشق.. والمنامة.. وصنعاء.. رقصة"زوربا اليوناني".. تلك الرقصة التي تعانق برمزيتها سماوات المجد والخلود..

هوذا "الربيع العربي" وقد أشرقت شمسه البهيّة على ربوعنا في الرابع عشر من شهر جانفي 2011، وها نحن نعيش في فيض إشراقاته..

لا تحيدوا بثورتكم المجيدة عن مسارها الصحيح.. هكذا قالت أم الشهيد.. ولا تنحرفوا بأهدافكم النبيلة عن الخط الذي رسمه الشهداء باللون الأحمر القرمزي..

هكذا-أوصتني-جارتي التي إكتوت بلهيب الفراق حين لبّ إبنها الوحيد نداء الحرية وقدّم

نفسه مهرا سخيا -لعرس الدم-..

الحرية يا-سادتي الكرام-شجرة لا تتغذّى بغير الدّماء.. إمرأة ميثولوجية تسكن الرّيح، وتعوي مع ذئاب الفيافي.. قمر في بلاد ليس فيها ليال مقمرة ولا أصدقاء.. أحلام ثوار سقطت أوهامهم في خريف العمر.. -بيوت تونسية-تعبق بعطر الشهداء.. رجف يستبدّ -بتونس- قبيل إنبلاج الصباح.. كلمة حق ترفرف في الآقاصي لتعلن أنّ الصبح قد بان..

هل صادفتم هذه الأيقونة المبتغاة (الحرية) في منعطفات الدروب؟

هل استنشقتم عطرها إلا في جيوب الشهداء المحشوّة بالرصاص، إلا في حقائب المهاجرين الذين شردتهم أوطانهم وأوهام الشعراء..؟

هل سمعتم بإسمها إلا في الخطابات الرنانة، روايات المعارك والملاحم والبطولات؟..

من عرفها إلا تمثالا وبيارق، شعارا ونشيدا.. من دقّ ب"اليد المضرجة"بابها ففتحت له ودخل ملكوتها؟..

من شارك الحشود في أعراسها قبل أن يعود إلى بيته متخما بالمواجع؟

وإذن؟

لست أدري إذا، لماذا ينسب للحرية غالبا لون الدّم، مع أنّه أصلا الدليل القاطع على غيابها !..

لماذا يقترن إسمها بأحداث ملفقة وأفكار مزوّرة، كأنّ الواقع المترجرج وحده لا يكفي؟!..

إننا لا نستحقها، إلا حين ندفع مهرها، وحين ندفع الثمن لا نعود نستحقها، فالحرية رهان خاسر على مستقبل البشرية، الذين يبشرون بها هم الذين اعتادوا على غيابها، فلو تحقّقت بطل مبرّر وجودهم، -اسألوا الشهداء-كم كتبوا إسمها سدى في كل مكان..

اسألوا الفقيد محمد البوعزيزي حين عانقها للمرّة الأخيرة، واسألوا سيزيف هل بوسعه الإنعتاق من لعنة الآلهة.. اسألوا السجانين ونزلائهم عنها..

الحرية خيانة دائمة للذات، فمن يجرؤ على مخاصمة نفسه وزعزعة قناعاته والتخلّص من عاداته والتنازل عن إمتيازاته.. أعرف أنّ المقاومين يعيشون من أجلها، ولهذا فمصير معظمهم-الإستشهاد-وأنّ الفدائين يعطونها زهرة أعمارهم، لكنها لا ترتوي!

انظروا كتب التّاريخ، أعرف أنّه لا مفر من مواصلة سعينا، من دحرجة الصخرة نفسها على درب تسوياتنا اليومية وتنازلاتنا..

ولكن..

الحرية أمنية مشتهاة.. هكذا قيل، ولكنّها أيضا مكلفة، هكذا أرادت-أم البوعزيزي- أن تقول، لكن يقال أنّ هناك من لمسها بيده في لحظة إشراق، هناك من لمس استحالتها، فقرّر أن يستشهد في سبيلها، عساها تكون، وحتما ستكون، وعلينا جميعا -في مثل فجر بهيج كهذا-أن نرقى بقرارنا إلى منصّة الصمود والتحدي.. وقطعا سننتصر.. ذلك هو الممكن الوحيد..

.. فالحرية صراع لا ينتهي.

-ولن تنحني تونس ولا شعبها.

لست أحلم

ولكنّه الإيمان، الأكثر دقّة في لحظات الثورة التونسية العارمة، من حسابات –حفاة الضمير-

 

محمد المحسن - كاتب صحفي تونسي

عضو في إتحاد الكتاب التونسيين-

 

محمود محمد عليمنذ اندلاع الأزمة بين المملكة العربية والسعودية والسؤال الذي يطرح نفسه: هل من المعقول أن تصريحات وزير الإعلام اللبناني "جورج قرداحي" قبل أن يصبح وزيراً للإعلام يمكن أن تؤدى إلى أزمة بهذا الحجم بين البلدين يمكن أن تؤدي إلى أزمة من شأنها أن تحمل آثاراً كارثية على سواء من خلال المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

ولكى نفهم الأسباب الحقيقية للموقف السعودى المتشدد تجاه لبنان فلا تشغل نفسك بتصريحات "جورج قرداحي"، لأن الموقف السعودي لا علاقة له لا بقرداحي ولا بتصريحاته ولو لم تكن هناك تصريحات قرداحي لبحثت المملكة العربية السعودية عن سبب آخر لمعاقبة الحكومة اللبنانية والقوى اللبنانية السياسية الأخرى .

الأسباب الحقيقية موجودة في أربع مدن ليس من بينها بيروت، وأقرب مدينة من هذه المدن الأربعة على بعد ألف كيلو متر تقريبا من بيروت، وهي العاصمة العراقية بغداد، أما المدن ألخرى فهي طهران ومأرب اليمنية والعاصمة الأمريكية واشنطن.. القضة باختصار أن هناك مفاوضات صعبة وربما متعثرة بين السعودية وإيران في العاصمة العراقية بدات في إبريل الماضي، وفي هذه المفاوضات الصعبة يسعي كل من الطرفين: السعودية وإيران لتعزيز أوراقهما التفاوضية، فاختارت إيران التصعيد العسكرى في مارب، واختارت السعودية الرد في بيروت، كيف ؟ .. ولماذا؟ .. وهذا يقتضي أن نفهم القصة من البداية !!

والقصة هنا هي قصة الأزمة والمعروفة بأزمة " جورج قرداحي".. الأزمة بين السعودية ولبنان تبدو ظاهريا وأنها قد نتجت عن تصريحات " جورج قرداحي"، وقد كان الإعلامي المعروف " جورج قرداحي" قد أصبح وزيرا للإعلام في حكومة نجيب ميقاتي الحالية، والتي تشكلت في شهر سبتمبر الماضي، وقبلها بنحو شهرا حل الإعلامي " جورج قرداحي " على برنامج  والمعروف ببرلمان الشعب على قناة الجزيرة، وهو برنامج افتراضي حيث يلعب فيه شباب دور البرلمانيين ويلعب فيه الضيف دور المسؤول، والبرلمانيون يستجوبون المسؤول .. لا الشباب برلمانيين ولا " جورج قرداحي" مسؤوا .. برنامج افتراضي لطيف ومسلي .. الشباب سألوا " جورج قرداحي" أسئلة كثيرة، ومن يتابع الحلقة إن أراد فتقديري أن " جورج قرداحي أراد أن يرضي الجميع، لكنه تورط في السؤال الخاص بالحوثيين .. هل لنه لم يكن مستعدا للسؤال؟ .. اعتقد أنه لم يكن مستعدا للسؤال .. لكن سواء إن لم يكن مستعدا أو أنه عن قصد أراد أن يعبر عن وجهة نظره بوضوح، فقد أساء للمملكة العربية السعودية، وذلك لأنه وصف حرب اليمن بأنها حرب بلا طائل، وما لا تستطيع المملكة العربية السعودية وحلفائها تحقيقة في سبع سنوات، فمن الغير المنطقي أن تتوقع أن تحققه في السنوات المقبلة، واعتبر قرداحي أن الحوثين في حالة دفاع عن النفس أمام عدوان خارجي، أي أن السعودية وحلفائها يعتدون على اليمن على الحوثيين .

وبطبيعة الحال فإن هذه التصريحات لا يمكن أن ترضي المملكة العربية السعودية على الإطلاق، لكن "جورج قرداحي" سارع بالتفسير والرد، وقال: ما قلته في هذا البرنامج، كان مسجلا قبل أن أصبح وزيرا، أي أنه كان يعبر عن آراءه الشخصية، بل أراد قرداحي أن يبعد أكثر من ذلك ويعبر عن حبه للسعودية وللأمارات العربية باعتبارهما وطنا ثانيا له، وقال: أما وقد اصبحت وزيرا، فأنا أعبر عن الموقف الرسمي للحكومة اللبنانية، وهذا الموقف الغرض منه هو دعم السعودية وحلفائها في اليمن علي حربهما على الحوثيين، واعتبار الحوثيين تمثل قوي انقلابية، وأن حرب السعودية في اليمن هي حرب شرعية ومشروعة .

وفي كل الحوال فإن هذا التفسير لم يرضي الحكومة السعودية التي صعبت الأمور أكثر وأكثر، فقامت باستدعاء سفيرها من بيروت، وقامت بطرد السفير اللبناني من السعودية، واعقبت هذين القرارين بمنع الصادرات الللبنانية إلى المملكة العربية السعودية، وتجاوب مع المملكة كل من اكلويت والإمارات والبحرين، واتخذوا نفس الحطوات التي اتخذتها المملكة تقريبا، وهو الأمر الذي وضع حكومة نجيب ميقاتي في مأزق، وذلك لأن ميقاتي أمام واحد من إختيارين، وهو إما أن يقيل " جورج قرداحي "، أو أن يبقي عليه !! .. إن أقاله فهذا يعني تقريبا إنهيار الحكومة اللبنانية !!.. علاوة علي أن جورج قرداحي ينتمي إلى تيار " المردة"، هو حزب سياسي لبناني يرأسها حاليا الوزير السابق سليمان طوني فرنجيّة الذي قادت عائلته تقليديا التنظيم، وهو أيضا واحد من الأحزاب المارونية في لبنان .. ولبنان مقسمة إلى مجموعة من القوي الرئيسية: المسيحيين الموارنة، وباقي الطوائف المسيحية الأحري، والموارنة هم أكبر طائفة مسيحية في لبنان، إضافة إلى الشيعة والسنة ..  وكل كتلة من هؤلاء من هذه الكتل الطائفية الثلاثة توجد طائفة أخرى من الأحزاب، وتيار المردة يعد حزب مسيحي ماروني من ألحزاب المسيحية الأخري وهو متحالف مع حزب الله، ومن ثم فوجود " جورج قرداحي " معناه أنه يمثل تلط اطلائفة المسيحية بتحالف مع حزب الله، وهذا ما يعني في أنه لو أُجبر على الاستقالة فربما يؤدي ذلك إلى سقوط حكومة ميقاتي بلا شك، وذلك أسوة بما حدث في 2011 عندما قرر أيضا حكومة حزب الله أو وزراء حزب الله والمتحالفون معه الإنسحاب من حكومة سعد الحريري احتجاجا على المحكمة الدولية للتحقيق في اغتيال " رفيق الحريري" عام 2005 ومن ثم سقطت حكومة الحريري .. وإذا قرر ميقاتي الإبقاء على جورج قرداحى سوف يعني ذلك غضبا سعوديا خليجيا يساوي شلل للاقتصاد اللبناني، حيث لينان تتفنس اقتصاديا من مجموعة من المصادر الخارجية وعلى رأشها الخليج وتحديدا السعودية، الأمر الذي يعني أيضا سقوط حكومة ميقاتي .

طبعا من الممكن أن يتقدم " جورج قرداحي " باستقالته ويتم نزع فتيل الأزمة مؤقتا، لكن سوف تظل الخلافات الجذرية بين السعودية من ناحية، وبين حكومة ميقاتي والقوي السياسية اللبنانية كما هى، الأمر الذي يأخذنا إلى  السؤال الذي كنا قد طرحناه في أول المقال وهو: هل تصريحات جورج قرداحي تستحق كل هذه التبعات ؟

والإجابة كما بينا وهو أن الموقف السعودي لا علاقة له بتصريحات قرداحي، والذي يقول ذلك هو وزير الخارجية السعودي وهو الأمير فيصل بن فرحان"، وهذا الأمير في تصريحات متكررة منها تصريحات قناة CNBC في 31 أكتوبر الماضي قال أنه لا يعتقد أن ما يجري بين السعودية ولبنان يمكن أن يوصف بأنه أزمة، ونحن توصلنا إلى خلاصة بان التعامل مع لبنان وحكومته الحالية لم يعد مثمرا أو مفيدا .. وأضاف مع سيطرة حزب الله على المشهد السياسي ومع ما نراه من امتناع مستمر من هذه الحكومة والقداة السياسيين اللبنانيين عامة امتنعهم عن تطبيق الاصلاحات الضرورية أي دفع لبنان باتجاه تغيير حقيقي، فقد قررنا أن التواصل لم يعد مثمرا ولا مفيدا وفي مصلحتنا ..  (ومن المعروف أن مفهوم الإصلاحات الضرورية يعني محاصرة الضاري لحزب الله في لبنان وبلبنان من وجهة نظر السعودية على الأقل) .. كما قال الوزير: مع استمرار سيطرة حزب الله على المشهد السياسي، ومع ما نراه من امتناع مستمر من هذه الحكومة والقادة السياسيين اللبنانيين عامة عن تطبيق الإصلاحات الضرورية، والإجراءات الضرورية لدفع لبنان باتجاه تغيير حقيقي، قررنا أن التوصل لم يعد مثمرا أو مفيدا، ولم يعد في مصلحتنا " ... وعما إذا كان تصريح قرداحي عن ان الحرب في اليمن بلا جدوى هو أيضا ما خلصت إليه السعودية وتحاول الخروج من اليمن، قال الأمير فيصل بن فرحان إن " تصريحات الوزير عرض لواقع، واقع أن المشهد السياسي في لبنان ما زال يسيطر عليه حزب الله، وهو جماعة إرهابية، وبالمناسبة تقوم بتسليح ودعم وتدريب مليشات الحوثيين " .. واضاف وزير الخاريجة السعودي: " بالنسبة لنا، الأمر أكبر من تصريحات وزير واحد، إنه مؤشر على الحالة التي وصلت إليها الدولة الللبنانية " .. الخلاصة هو أن السعوديين عاضبون ليس من تصريحات قرداحي بل إن تصريحاته كانت مجرد شرارة، ولكن غاضبون بسبب نفوذ حزب الله ومن وراءه إيران .. لكن إذا كان السبب هو حزب الله وإيران فيمكننا أن نطرح هذا السؤال: ما هو الجديد ؟ .. إن حزب الله هو القوة الأكبر سياسيا وعسكريا في لبنان منذ سنوات طويلة، وعلاقة حزب الله بإيران معروفة للقاصي والداني منذ تأسيسه في لبنان عام 1982 لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، ولولا الدعم الإيراني لحزب الله منذ ذلك الوقت ما بقي حزب الله للآن ..

إن الجديد كما يري الأستاذ سيد جبيل يمكن فهمه من خلال مجريات الأحداث في بغداد ن حيث تجري مفاوضات بين إيران والسعودية والتي كانت قد بدأت في إبريل الماضي واستمرت لأربعة جولات، وهذه المفاوضات إما أنها صعبة جدا، أو أنها متعثرة، وذلك بسبب الخلاف بين الإيرانيين والسعوديين (حيث حاول السعوديون أن يمدهم إلى الإيرانيين لعدة أسباب من أبرزها التغير الكبير في الإدارة الأمريكية والسياسات الأمريكية في المنطقة، فأردت السعودية أن تعالج مشاكلها الخاحرية بالتفاوض مع المصدر الأساسي لتلك المشاكل، وهي إيران، وقد قبلت إيران ذلك لتخفيف الضغوط الإقتصادية الواقعة علي عاتقها، لكن هناك اختلاف على آلية الوصول لتلك الأهداف، حيث إن أهم شئ ترغب فيه السعودبة من التفاوض هو تهدئة الجبهة اليمينية، فالسعوديون يدركون أن الحوثيين ليس إلا مخلب قط صنعه الإيرانيين للسعوديين وبالتالي لا بد من التهدئة والضغط على الحوثيين للدخول في التفاوض.. الإيرانيون مستعدون لتحقيق هذا الهدف ولكن ليس الآن، لأن من صملحة الإيرانية أن يتأخروا قليلا على الأقل لعدة شهور حتى ينتهى الحوثيون بدعمهم من إتمام السيطرة على محافظة مأرب .. ومن المعروف أن الحرب في اليمن بدأت في 15 مارس 2015 وكان توقع السعوديون أن هذه الحرب سوف تُحسب خلال أسابيع وعدة شهور، إلا أنها استطالت لسبع سنوات ولا يدبو أن لا نهاية لها تلوح في الأفق، وخلال تلك السنوات نجح للأسف الحوثيون في السيطرة تقريبا على كامل الشمالية، وتبقي فقط محافطة مارب، وهذه المحافطة تمثل آخر معقل رئيسي لحومة الرئيس هادي، وهي الحكومة الشرعية التي تدعمها السعودية، ولذلك فهي بالغة الأهمية إلى الحد الذي يدفع عدد من العسكريين والسياسيين والمراقبين لاعتبارها نقطة حسم يمكن أن تنهي نهاية أو مصير تلك الحرب الطويلة، وذلك لأنه تمكن الحوثيين السيطرة علي مأرب فهذا سيترتب عليه مجموعة من النتائج لكل الأطراف، حيث إنه بالنسبة للحوثين فهذا يجعلهم يسيطرون بالكامل على اليمن الشمالية تقريبا وبالتالي سوف يصبحون بلا أي مافس لهم في اليمن الشمالية، وبالنسبة لكامل اليمن فسنكون أمام " يمن منفصل" بشكل عملي تماما، ؛ أي يمن شمالي يحكمه الحوثييين، ويمن جنوبي يحكمه المجلس الانتقالي الراغب في الانفصال بحنوب اليمن عن شماله ..

ونعود إلي السؤال الذي بدأناه ولا بد أن ننهيه .. وهو ما الآثار المترتبة المترتبة علي المملكة العربية السعودية إذا نجح الحوثيون الانتصار في معركة مارب سوف يسيطرون على كامل اليمن الشمالية ؟ .. وهذا أحد سيناريوهات أحلاهما بالغ المرارة للمملكة العربية السعودية .. والسيناريو الأيجابي والأقل ضررا وهو أن الحوثيين إذا سيطروا علي محافطة مأرب سوف يقبلون بمفاوضات مع السعودية على مستقبل العلاقة بين البلدين، لكن في هذه الحالة سوف يتفاوض الحوثيون ومن ورائهم إيران من موقع القوة، وبالتالي يستطيعوا أن يملوا شروطهم، وهذا أمر صعب جدا تقبله المملكة العربية السعودية، لأنها هذا معناه أنها ستسمح لإيران بالتمدد علي كامل حدودها الشرقية ...

هذا هو السيناريو الجيد، أما السيناريو السيئ، وهو أن يسيطر الحوثيون علي محافظة ما{ب، وهذا لن يتم في نظر المملكة وبالتالي السيطرة علي كل اليمن الشمالية وخليج عدن وبحر العرب والطرق المؤدية إلى باب المندب والبحر الأحمر ولا يكتفوا بذلك ولكن يواصلون استفزازتهم للسعودية ... وهنا نجد أن إيران من وقت آخر تلمح بأنه إذا استطالت الحرب فقد لا يكتفي الحوثيون بالسيطرة علي اليمن الشمالية فقط ولكن يمكن أن يعيدو النظر في اتفاق الطائف الذي تم توقيعه بين البلدين بعد انتصار السعوديون على اليمن عام 1934 وأدى إلى سيطرة المملكة العربية السعودية علي ثلاثة مناطق كانت محل نزاع مع اليمن وهي: ونجران، عسير، وجيزان، الأمر الذي يمثل تهديد لوحدة السعودية ومنازعة السعودية في حدودها الجنوبية .. لا شك أنها نتائج خطيرة، وهنا نجد أن السعودية لن تتنظر أن يصل الحوثيون لمرادهم بالسيطرة علي محافظة مأرب، ومن ثم تكون المفاوصات التي كانت تتمناها السعودية منإيران لم تعد مجدية ..

وهنا نستنتج من كل ما سبق بأن المفاوضات التي جرت بين السعودية وإيران في بغداد ستشهد نوع الفتور أو التعثر، وهذا ما عبر عنه وزير الخارجية السعودي عندما قال بأن المفاوضات والمباحثات التي كانت بيننا وبين الإيرانيين دافئة، إلا أنها لم تحقق شيئا يذكر، وكذلك عبر عنها وزير خارجية إيران حين قال: المفاوضات مع السعوديين تسير ببطء شديد.

 

أ. د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

....................

المراجع

1- سيد جبيل: المهمة الأخيرة لإيران في اليمن تشعل العلاقات السعودية اللبنانية.. يوتيوب..

2-  صواريخ أمريكية للسعودية.. هل تغير معادلة الحرب مع الحوثيين؟.. روسيا اليوم.. يوتيوب..

3- هل تتحول أزمة لبنان مع السعودية لقطيعة شاملة؟ .. روسيا اليوم.. يوتيوب..

 

 

مصعب قاسم عزاويلا بد عند النظر في مسألة الشعب الكردي والقضية الكردية عموماً، وعلاقتها بالعالم العربي، من الانطلاق من مسلمة يتجاهلها الكثير من دعاة الفكر الشعبوي القافز فوق حقائق التاريخ، وتلك المسلمة تكمن في أن الأكراد هم السكان الأصليون في الأرض التي يقيمون عليها، باتصال لم ينقطع منذ الألف الثالث قبل الميلاد في مملكة الحوريين، وما تلاها في مملكة ميتاني في الألف الثاني قبل الميلاد التي تم استدماجها حضارياً في النسيج الفسيفسائي للحضارة الآشورية في وادي الرافدين في حوالي القرن الثالث عشر قبل الميلاد.

وتلك الأطروحة مهمة لأجل تفكيك سياقات الخطابات الشعبوية العنصرية بشكل موارب أو غيره والتي تنظر إلى الأكراد كأنهم جسم أجنبي غريب عن نسيج بلاد الشام ووادي الرافدين ومنطقة بلاد الأناضول وهو طرح غير صحيح من الناحية التاريخية والحضارية والأخلاقية الفكرية.

ومن ناحية أخرى فإن الشعب الكردي يعيش مشتتاً بين الدول المصطنعة التي قَدَّها المستعمرون البريطانيون والفرنسيون على قياس مصالحهم الاستعمارية الإمبريالية عقب انتصارهم في الحرب العالمية الأولى على السلطنة العثمانية، واحتيالهم الخبيث على العرب المنضوين تحت لواء الثورة العربية الكبرى التي كان ممثلها الرسمي الشريف حسين. وهو الاحتيال الذي تمخض عن إجهاض حلم العرب بدولة عربية كبرى تشمل الأقاليم والولايات والسناجق التي كان أبناؤها يتحدثون باللغة العربية في شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام ووادي الرافدين، بالإضافة إلى إدخال الشعب الكردي في قائمة الشعوب المظلومة التي تم تهشيم حقها الطبيعي والأخلاقي في تحقيق مصيرها، والتعبير عن هويتها التاريخية والثقافية والحضارية بالشكل الذي يتسق مع إرادات أبنائها، عبر إرغامها على الانضواء في هويات وطنية قسرية فرضت عليها عنوة بقوة حديد ونار المستعمرين الإمبرياليين. وقائمة الشعوب المظلومة التي أجهض المستعمرون حقها في تقرير المصير عقب انتصارهم في الحرب العالمية الأولى طويلة الكثير من خباياها المهولة تاريخياً في إيلامها شبه ممحية من ذاكرة بني البشر التاريخية، وهي القائمة التي يتصدر قد صفحتها الأولى الشعب الكردي، والشعب الفلسطيني، كما هو حال شعوب تركستان الشرقية، والتيبت، والروهينغا، وآسام، والبلوش، والأبخاز، والقرغيز، والشيشان، والتتار، وسكان بورتوريكو، وتيمور الشرقية، ومسندم، والأحواز، والصحراء الغربية، والقائمة تطول ولا تنتهي.

وجدير بالذكر أن المذبحة الأولى لأبناء الشعب الكردي باستخدام أسلحة التدمير الشامل الكيميائية كانت في عشرينيات القرن العشرين بيد المستعمرين البريطانيين، وبأوامر من فقيه العنصرية والبربرية الاستعمارية الإمبريالية ونستون تشرتشل الأب الروحي للسياسة البريطانية في القرن العشرين وحتى اللحظة الراهنة. وهي الإبادة الجماعية التي قام البريطانيون بها كجزء من عمليتهم الجراحية لتصنيع دولة العراق عبر الإدماج الاعتباطي لولايات البصرة وبغداد والموصل العثمانية وتخليق دولة منها، وبشكل لا يتفق مع حقائق التاريخ والعلاقات الاجتماعية وحتى القبلية والاقتصادية في المنطقة، والتي كانت تنطوي مثلاَ على ارتباط وطيد للموصل بولاية حلب التي أصبحت سورية تحت الاستعمار الفرنسي، وولاية بغداد بلواء دير الزور الذي أصبح من ضمن دولة سورية الصغرى التي مثلت حصة الفرنسيين من إرث الدولة العثمانية في بلاد الشام، وولاية البصرة بإمارة وحامية الكويت العثمانية، التي أصبحت محمية بريطانية ودولة مستقلة لاحقاً. وحادثة الإبادة الجماعية للأكراد إبان الثورة العراقية الكبرى في عشرينيات القرن المنصرم، تتمتع بخصوصية كبرى إذ أنها حدثت أيضاً في نفس المواقع التي قام نظام صدام حسين الاستبدادي بإبادة أبناء الشعب الكردي باستخدام نفس الأسلوب البريطاني في غير مرة أهمها ما حدث في مدينة حلبجة في العام 1988، والذي تم اعتباره إثباتاً على وحشية صدام حسين لاحقاً في سياق التأجيج الاستعماري لحرب الخليج الثانية، دون الالتفات إلى أن ما قام به صدام حسين من إبادة جماعية للأكراد المظلومين لا يختلف كثيراً عما قام به وزير الحربية البريطاني آنذاك ونستون تشرتشل، والذي عبر عن استهجانه لذلك السلوك «المثير للاشمئزاز والغثيان» من أولئك الذين يرفضون «استخدام الغاز السام ضد القبائل البدائية»، والتي كان يعني بها القبائل الكردية في شمال وادي الرافدين، في لغة عنصرية وفاشية لا تحتاج تفسيراً أو تأويلاً. وما قد يظهر بجلاء جوهر نهج القوى الغربية في التعامل الخبيث المخاتل والانتهازي في آن معاً مع الأكراد والقضية الكردية قد يفصح عن نفسه في تآمر الأمريكان مع وكيلهم في المنطقة في سبعينيات القرن المنصرم شاه إيران، لتحريض الأكراد المقيمين داخل حدود العراق للانتفاض على نظام أحمد حسن البكر الذي كان يشغل فيه صدام حسين منصب نائب الرئيس والرجل الأقوى في ذلك النظام، وذلك لتخليق ورقة تفاوضية جديدة في نزاع العراق مع إيران حول ترسيم الحدود، وخاصة فيما يتعلق بمدخل العراق إلى الخليج العربي. وهي الانتفاضة التي استمر نظام الشاه في دعمها بضوء أخضر من أولياء استمرار نظامه آنذاك في واشنطن بشكل يضمن توحل النظام العراقي في مفاعيل مستنقعها، ولكن دون السماح بحصولها على دعم كاف قد يؤدي إلى انتصارها وتحقيقها للأهداف الموضوعية التي ظن الأكراد المظلومون أنها غايتهم في ثورتهم على نظام شعبوي أدمن تهميشهم سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وهو الدعم الذي استمر على تلك الشاكلة والمستوى إلى حين قبول صدام حسين المكلف آنذاك بالملف الإيراني بكل شروط الإيرانيين، فما كان من أولئك الأخيرين إلا أن قطعوا كل أشكال الإمداد عن المنتفضين الأكراد، وتركوهم فريسة مشرعة لكل أشكال الإفناء والتدمير على طريقة النظم الاستبدادية التي لا ترى في شعوبها إلا شكلاً من أشكال العبيد لا خيار لهم في حيواتهم سوى التسبيح بحمد المستبدين والطغاة، ودون تنطع الأمريكان آنذاك حتى للقيام بإغاثة مدنية لمئات آلاف المهجرين والجوعى الذين أفرزتهم حملة صدام حسين الوحشية على كل الجغرافيا التي يقيم فيها الأكراد في حدود الدولة العراقية التي رسمها السادة المستعمرون من قبل بالحديد والنار وأسلحة ونستون تشرتشل «رائد السلام والتحضر» على الطريقة الإمبريالية الخالصة.

وفي مطلع ثمانينات القرن المنصرم، إبان الحرب العراقية الإيرانية، كان هناك انفراج جزئي في علاقة نظام صدام حسين بالأكراد، نظراً لحاجته لتخفيف التوتر في جبهته الشمالية، وتبئير قدراته التدميرية في حربه العدمية مع إيران، ولأجل استخدام أبناء الشعب الكردي كمجندين في حرب المعادلة الصفرية تلك؛ وهو ما تمخض عن تهدئة وشكل من أشكال الحكم الذاتي في المناطق الكردية استمر تقريباً إلى العام 1984، وهو ما لم يرق للنظام العسكري في تركيا آنذاك خاصة أن نموذج من الحكم الذاتي المستقر للأكراد في شمال العراق كان بمثابة التهديد الوجودي الجذري لبنيته القمعية الأمنية، نظراً إلى أن الأكراد يشكلون أكثر من ربع سكان الدولة التركية الحديثة، بحسب دراسات وأبحاث مدققة قام بها الصحفي المخضرم روبرت فيسك، على الرغم من إنكار الساسة الأتراك لتلك الحقيقة الدامغة. فما كان من الساسة الأتراك إلا استغلال حاجة نظام صدام حسين لأنبوب تصدير النفط العراقي عبر الأراضي التركية، والذي كان يمثل السبيل الوحيد لتصدير النفط العراقي إبان الحرب العراقية الإيرانية، لعدم تمكن العراق آنذاك من تصدير نفطه عبر شط العرب المشتعل جبهة حربية مشرعة آنذاك، وهو ما أفرز خضوع صدام حسين للضغط التركي والتراجع عن اتفاقاته مع الأكراد وتهشيمه لترتيبات الحكم الذاتي التي كانت سارية لبضع سنين قبل ذلك، والعودة إلى نظام الترهيب والطغيان المنفلت من كل عقال إنساني أو موضوعي، وهو ما استمر في إبراز كينونته الصديدية فيما تبقى من أمد الحرب العراقية الإيرانية، ومن ثم في مفاعيل غزو الكويت المشؤوم في العام 1990.

والتواطؤ المريع للنظم الغربية وخاصة الولايات المتحدة وبريطانيا في مأساة الشعب الكردي المظلوم أعاد الإفصاح عن وجهه المتقيح مرة أخرى في غضهم النظر عن قيام قوات النخبة العراقية التي لم ينلها من قصف الحلفاء الكثيرُ في حرب «عاصفة الصحراء» في العام 1991، بالقيام بقمع انتفاضة الشعب العراقي في الجنوب والشمال، والتي قامت بوأدها بشكل لا يختلف عن «إبداعات»  الإبادة الجماعية التي أتقنتها النظم الاستبدادية في العالم العربي، دون أن يتنطع أي من «أبواق حقوق الإنسان الخلبيين» من الساسة في الغرب بمطالبة القوات الأمريكية الموجودة على الأرض حينئذ بمنع الطائرات العمودية العراقية من دك المواطنين المدنيين على مرأى ومسمع تلك القوات الغربية، إذ أن هدف إسقاط نظام صدام حسين لم يكن على قائمة أهدافها آنذاك، وهو ما كان يعني تأجيل المناداة «بالانتصار لحقوق الإنسان العراقي المهان» إلى حرب الخليج الثانية التي أصبح ذلك الهدف على رأس قائمة أهدافها «لغاية في نفس يعقوب»، ومن والاه واتبعه من المحافظين الجدد في الولايات المتحدة، بعد أن لم تفلح ذريعة استئصال أسلحة التدمير الشامل العراقية في إيجاد ما تستأصله في العراق المكلوم بعد سني الحصار العجاف.

ولم يكن حال الأكراد في حدود سورية الصغرى ممثلة في ما يدعى بالجمهورية العربية السورية أفضل من أقرانهم في عراق صدام حسين، إذ لم يتعامل طغاة سورية المترعون بالفكر السوفييتي الشمولي الذي يريد خلط ماء الاشتراكية على الطريقة القمعية الأمنية الستالينية بزيت عفن الفكر القومي العنصري «ذي الرسالة الخالدة» على طريقة موسوليني الفاشية في مطلع القرن العشرين، مشخصاً في عقيدة حزب البعث العربي الاشتراكي «قائد الدولة والمجتمع»، مع مواطنيهم من الأكراد سوى كما لو أنهم «أغيار» أو «مواطنون من الدرجة الثانية» كحد أدنى، لا بد من تدجينهم، وتهجيرهم من أرضهم وأرض آبائهم وأجدادهم، بشكل لا يختلف عن ممارسات الكيان الصهيوني في تهجير العرب الفلسطينيين من أرضهم؛ وهو ما تجلى فيما سمي آنذاك بحملة توطيد «الحزام العربي» التي انطوت على إرغام وترغيب القبائل العربية وخاصة من عشائر «الجبور» و«العقيدات» لتراك قراهم الزراعية على ضفاف نهر الفرات، والاستيطان في المناطق الزراعية الأكثر خصوبة في سورية لإنتاج القمح والممتدة في السهول الشمالية على امتداد خط الحدود الدولية بين سورية والعراق و تركيا، والتي يمثل الأكراد معظم سكانها التاريخيين أباً عن جدٍّ.

وذلك النموذج من التعامل العنصري الإقصائي مع الشعب الكردي في سورية والعراق، والذي كان يحدث بالتناغم مع الحملة الممنهجة لوأد الأكراد شعباً وثقافة وتاريخاً في تركيا المعاصرة بالحديد والنار وكل أشكال وتلاوين القمع والطغيان بشكل لا يختلف عن ذلك النهج الاستئصالي الذي مارسته وتمارسه السلطات الصينية راهناً بحق المظلومين من سكان تركستان الشرقية، أدى إلى تمترس ارتكاسي دفاعي لأبناء الشعب الكردي وانزياحهم تجاه وعي قومي ضيق الأفق في الكثير من الأحيان، يفصلهم عن محيطهم التاريخي والحضاري الذي كان فيه التداخل بين الناطقين بالكردية والعربية والآرامية من قبلها الحالة الطبيعية للمنطقة، التي لا استثناء في تفاخر كل أبنائها بانتصار السلطان صلاح الدين الأيوبي على الغزاة الصليبيين متناسين بأنه كان كردي الدم، وتركي اللسان، وحاكماً لبلاد الشام والرافدين ووادي النيل، في نموذج ناصع من التآخي الحضاري المثمر، الذي يرى في تعدد الثقافات والمرجعيات عنصر قوة لا ضعف، و الذي قد يستقيم القول بأنه السبيل الوحيد لإيجاد مخرج من حالة الاستعصاء في التاريخ المعاصر لعلاقة الشعب الكردي بمحيطه التاريخي، والتي لا تعني بأي شكل من الأشكال انتقاصاً من حقه الطبيعي في تحقيق مصيره بالشكل الذي يرى أبناؤه بأنه أنسب لهم، ومن ثم اتخاذهم قرارهم الحر والمستقل في «الزواج» السياسي أو الاقتصادي مع المجتمعات المحيطة بهم سواء كانت تُعَرِّف نفسها بالعروبة أو غيرها بشكل يشترط أن يكون ذلك الزواج «برضا وقبول» كل من سوف يجب عليهم أن يشاركوا بغنمه وغرمه، لا أن يكون «زواجاً بالإكراه» كما هو الحال البائس القائم الآن، والذي رسم معالمه وحدوده المصطنعة السادة المستعمرون الإمبرياليون في مطلع القرن العشرين، وفاقم مفاعيله الوحشية الطغاة المستبدون بكل أشكالهم وتلاوينهم الحربائية التي طالما حاولوا  تورية وتقنيع «بشاعتهم ورغاءهم» بأستارها سواء كانت شعبوية قومية أو وطنية استقلالية أو غيرها من الأقنعة التي لا يمكن أن تخفي من جوهرهم الاستبدادي الفاسد المفسد شيئاً في منظار أي مراقب متعقل موضوعي حصيف.

 

مصعب قاسم عزاوي

 

 

ابراهيم أبراشتحولت جمهورية مصر العربية في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى ورشة بناء ليس فقط عمرانية بل ومجتمعية واقتصادية، خلال سنوات قلائل خرجت مصر من عنق الزجاجة ومن حالة الفوضى المترتبة على فوضى ما يسمى الربيع العربي وسيطرة الإسلاموية السياسية إلى حالة من الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي والقضاء على بؤر العنف والإرهاب، واستعادت مكانتها ودورها الطبيعي عربيا وإقليميا وهو الدور الذي كانت تتبوأ تاريخيا .

لا شك أن تحديات كثيرة داخلية وإقليمية ما زالت تواجه مصر سواء تعلق الأمر بإنجاز استراتيجية حقوق الإنسان أو مواجهة الزيادة الكبيرة في عدد السكان ومتغيرات المناخ، واقليميا تداعيات بناء اثيوبيا لسد النهضة وعدم استقرار الأوضاع في ليبيا والسودان وتأثير ذلك على الأمن القومي المصري، والمواقف غير الودية لدول إقليمية مثل إسرائيل وتركيا وقطر وإيران،  إلا أن قدرة مصر على مواجهة كل هذه التحديات مرتبط بالاستقرار السياسي وقوة مؤسسات الدولة وخصوصا المؤسسة العسكرية، وقوة وفعالية المجتمع المدني، وهناك انجازات كبيرة في هذا السياق.

من هنا يتأتى الخوف على مصر. إسرائيل لن تستريح لوجود دولة عربية قوية على حدودها حتى وإن كانت هذه الدولة ملتزمة معها باتفاقية سلام. القلق  الصهيوني ليس أن تدخل مصر في حرب مع إسرائيل بل مما حققته مصر من قدرة على مواجهة جماعات التطرف الديني ووأد الفتنة الطائفية والتحرر من الابتزاز المالي الخارجي  ووضع أسس نهضة اقتصادية وعمرانية تعتمد على الذات وما سيشكله ذلك من قدوة لدول عربية اخرى، أيضاً القلق من مصر القوية القادرة على حماية حدودها وأمنها القومي من أية تهديدات إسرائيلية مستقبلية لمصر أو للدول الصديقة .

أيضاً الولايات المتحدة ودول غربية أخرى غير مستريحة لمحاولة مصر استعادت دورها وحضورها الإقليمي، فواشنطن كان لها دور في نشر فوضى الربيع العربي ودعم جماعات الإسلام السياسي وموقفها الداعم لجماعة الإخوان المسلمين تحت ذريعة حماية حقوق الإنسان والحريات العامة، وهو الموقف المستمر حتى اليوم مع إدارة بايدن التي تدل مؤشرات عديدة أنه سيجدد ويحيي سياسة (الفوضى الخلاقة) في المنطقة.

كما أن دولا إقليمية لها صراعات واحقاد تاريخية مع العرب وطامعة بخيرات المنطقة الترابية والبحرية غير مستريحة لاستعادة مصر قوتها وحضورها بما يمكنها من ردع أي تهديد لأمن مصر القومي و للأمن القومي العربي، وغير مستريحة وحذرة من استعادة مصر لمكانتها لأن مصر بذلك تستطيع استنهاض الحالة العربية برمتها وإحياء المشروع القومي الوحدوي العربي الذي كان المتضرر الأكبر من فوضى ما يسمى الربيع العربي.

نخاف على مصر لأننا نحب مصر ونقدر دورها القومي ونحترم تاريخها، ولأنه ضمن المشهد السياسي العربي والإقليمي الراهن لا توجد دولة غير مصر حريصة على فلسطين ويمكن المراهنة عليها لحماية الشعب الفلسطيني من محاولات تصفية قضيته الوطنية. نعم، هناك دول وشعوب عربية وإسلامية تساعد الشعب الفلسطيني و تؤيده في نضاله الوطني ولكن، لاعتبارات جيوسياسية وأخرى مرتبطة بالإمكانيات، لا يمكنها أن تحل محل مصر .

لعلاقة مصر بفلسطين خصوصية نابعة من اعتبارات تاريخية وقومية واستراتيجية ولأن الشعب المصري تربطه بفلسطين روابط روحية ونفسية وعاطفية والقيادة المصرية تعرف ذلك لأنها جزء من الشعب المصري.

أما الخوف من مصر فلأنها تملك كل الأوراق الفلسطينية سواء المتعلقة بالمصالحة أو الهدنة أو التسوية السياسية أو تحديد مستقبل قطاع غزة ومستقبل حكم حماس في غزة، ولأنها الدولة الأهم في المنطقة التي تتجه لها الأنظار وتراهن عليها إسرائيل وأمريكا للضغط على الفلسطينيين للقبول بما تطرحانه من تسويات كصفقة القرن والحل الاقتصادي أو كيان في غزة.

ما نخشاه هذه الأيام أن تتجاوز الهدنة، بين إسرائيل وفصائل المقاومة في غزة بدون منظمة التجرير والسلطة، والتي ترعاها مصر مسألة وقف إطلاق نار وتبادل أسرى لتتحول لصفقة سياسية تتناغم مع معادلة (الاقتصاد مقابل الأمن) وتكرس الانقسام وترُسِّم حدود دويلة غزة.

 

إبراهيم ابراش

 

قاسم حسين صالحتوطئة: يعدّ الدين الإسلامي اشدّ الأديان توكيداً على تحريم قتل النفس، بآيات قرآنية صريحة: " ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً " سورة النساء (86).وعن جابر بن سمرة قال: اخبرني النبي (ص) برجل قتل نفسه فقال: " لا اصلّي عليه " (أخرجه أبو داود 81)، ما يعني أن المنتحر، من وجهة نظر الإسلام، جزاؤه النار ولا عذر له مهما كانت مبرراته. والمفارقة العراقية أن حالات الأنتحار تضاعفت في زمن حكم أحزاب الأسلام السياسي فيما يفترض حصول العكس!.. وأليكم ما يثبت ذلك.

تنويه

ذكرت المدى في عددها (5057 – 4/11/2021) تزايد حالات ومحاولات الانتحار في هذا العام مقارنة بالعام الماضي ، وقبلها اعلنت فضائية (الشرقية نيوز) في حصادها ليلة (26/27 اكتوبر 2021) ان حالات الانتحار قد زادت في عام (2020).

متابعة بالأرقام

لأننا معنيون بما حصل للعراقيين من تزايد اخطر ثلاث ظواهر اجتماعية (الطلاق، المخدرات، الانتحار).. اليكم ما حصل:

شهد المجتمع العراقي ارتفاعاً بنسب الانتحار، خصوصاً بين الشباب والمراهقين (الحياة، كانون الثاني 2016)

حصلت وزارة حقوق الإنسان على معلومات مؤكدة بزيادة حالات الانتحار بمحافظة كربلاء غالبيتها من الشباب والفتيات، وسجّل أحد الباحثين في دراسة لمدة 11 شهراً أكثر من 120 حالة انتحار أو محاولة انتحار، (الناطق باسم وزارة حقوق الانسان ).

كشفت قيادة شرطة محافظة ذي قار أن حصيلة حالات الانتحار المسجلة لدى الشرطة منذ مطلع العام 2013 ولنهاية آيار بلغت 17 حالة لأشخاص لا تزيد أعمارهم عن 25 سنة (السومرية نيوز ، ايار 2013)

نشرت مفوضية حقوق الإنسان العراقية في مارس/آذار 2014، إحصائية، كشفت عن تصدر المحافظات الجنوبية النسب الأعلى في الانتحار، في مقدمتها ذي قار بـ(199) حالة في2013(القدس العربي). وفي تصريح أحدث للقضاء العراقي:تصدرت بغداد وكربلاء وذي قار حالات الانتحار للعام(2016) بواقع 22، 23، 38 حالة على التوالي (الحرة عراق، 5/7/2017).

اثارتزايد حالات الانتحار بين الشباب والفتيات بمحافظة ذي قار المزيد من القلق بين الأوساط الشعبية، داعين الجهات المعنية التدخل لمعالجة أسباب ودوافع الانتحار والحد من هذه الظاهرة الآخذة بالتزايد (المدى).

حالة من القلق والخوف تشوب الشارع الشعبي البصري بعد تزايد حالات الإنتحار في المحافظة ووصولها درجات مقلقة تقترب من الظاهرة (غوغل).

اعلنت مفوضية حقوق الانسان ان عدد حالات الانتحار في الربع الاول من عام 2019 بلغ 132 حالة (RT).

644 حالة انتحار في 2020 بزيادة 8.5% مقارنة بعام 2019 (مفوضية حقوق الأنسان 9/3/2021).

تحليل سيكولوجي

تتحدد الاسباب التقليدية للانتحاربثلاثة:البطالة والفقر وتقاليد اجتماعية متخلفة، والذي حصل بعد التغيير، تزايد شدة وحدة الاسباب التقليدية هذه، اذ اشارت التقارير الى ان نسبة البطالة بمحافظة ذي قار بلغت (34%)، فيما تعدى عدد من هم دون مستوى خط الفقر (13)مليون عراقيا بحسب وزارة التخطيط.. وزاد عليها ظهور أسباب عراقية جديدةّ! للأنتحار نوجزها بالآتي:

الشعور بالضياع، وانعدام المعنى من الوجود في الحياة ، وتعاطي المخدرات، وضعف الوازع الديني، والتفكك الأسري لدى الشباب.

توالي الخيبات. صبر العراقي خمس سنوات بعد (2003) ثم خمسا، ثم خمسا.. ولأن للصبر حدود، وقدرة على التحمل، فان البعض من الذين نفد صبرهم عمد الى الانتحار بوصفه الحل الأخير لمشكلته.

الشعور بالحيف والندم.تجري لدى بعض الشباب مقارنة بين شخصه وقدراته وقيمه وبين آخرين يحتلون مناصب بمؤسسات الدولة يقلّون عنه خبرة وكفاءة وقيما، مصحوبا بشعور الندم على اضاعة الفرصة.. فيعاقب نفسه بقتلها.

الاكتئاب واليأس والوصول الى حالة العجز. حين يجد الفرد أن الواقع لا يقدم له حلّا لمشكلته، ويصل مرحلة اليأس والعجز، فانه يلجأ لانهاء حياته.وهنالك اكثر من حادثة بينها انتحار ست نساء في النجف قبل سبعة أعوام جاءت بسبب وضع اطفالهن الصعب، ولأنهن لم يستطعن اعالتهم فإنهن اخترن الانتحار بشكل جماعي.

فشل السلطة واستفرادها بالثروة. تعرّف السياسة بأنها فن ادارة شؤون الناس، وما حصل في العراق ان الطبقة السياسية عزلت نفسها مكانيا ونفسيا في عشرة كيلومتر مربع لتعيش حياة مرفهة وتركت الناس يعيشون حياة الجحيم، ولم تستجب لمطالبهم وتظاهراتهم من شباط ( 2011 الى 2021).

اشاعة الأحباط.يعمد الأعلام ووسائل الاتصال الاجتماعي الى اشاعة الاحباط ، بمواصلة العدّ التنازلي للأمل، لاسيما في تغريدات عبر الفيسبوك من قبيل:

- شعب سلبي رافض لكل فعل باتجاه خلاصه.

- تغيير الحال بالعراق.. حلم ابليس بالجنة.

- مع ان اغلب الفاسدين يعترفون بانهم سرقوا الشعب.. فانه سيعيد انتخابهم.. وقد صدقوا! فقد حدث ذلك فعلا في انتخابات( 10 تشرن 2021)، اذ كان بين الفائزين من يعدّ مسؤولا مباشرا عن تزايد حالات الأنتحار.. وباستمرار ما حصل مع توالي الخيبات، فان الانتحار يكون نهاية محسومة لدى من تصل لديه الحال.. درجة الصفر.

نكتفي بذلك .. ونختتم بتوجيه اقتراح الى الحكومة العراقية والبرلمان المقبلين نلخصه بالآتي:

نبدأ هذه المقترحات بحقيقة انه لم تسجل حالات انتحار بعد انتفاضة تشرين/اكتوبر ، ولأربعة اشهر ، فيما ارتفع عددها بنسبة 8، 5% في عام 2020 وفقا لمفوضية حقوق الأنسان، وسبب ذلك.. سيكولوجي خالص هو ان انتفاضة تشرين اشاعت الأمل واحيت شعور التعلق بالحياة لدى الشباب فيما اخمدته احداث 2020.

ولمعالجة اخطر ظاهرة بين شباب العراق فاننا نقترح: 

1- توحيد جهود المؤسسات المعنية بالصحة النفسية ، واقسام علم النفس والارشاد التربوي والنفسي وعلم الاجتماع في الجامعات العراقية، بالتنسيق مع وزارة العمل والشؤون الاجتماعية ، لوضع استراتيجية علمية تنفذ على مراحل تستهدف الحد من ظاهرة الانتحار في العراق.

2- عقد ندوة تدعو الكتّاب والمثقفين ووسائل الأعلام الى التوقف عن اشاعة ثقافة التيئيس، ونشر الثقافة التي تشيع التفاؤل والتعلّق بالحياة، وتقديم برامج تخصصية تستهدف كيفية التعامل مع الضغوط النفسية برؤية سيكولوجية على غرار البرنامج الدرامي (حذار من اليأس) الذي كنّا نقدمه من اذاعة بغداد على مدى سبع عشرة سنة وما يزال العراقيون يتذكرونه.

3- دعوة الصحف والمواقع العراقية الى تبني هذا المشروع اعلاميا وثقافيا بالتنسيق مع الجمعية النفسية العراقية.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية