عدنان ابوزيدتُشكّلُ الدولُ، اللجانَ الرقابية وتسخّر القضاء، وتنظّم المؤتمرات، وتشَغّلُ الإعلام، وتطلقُ الأبواق، لمكافحة الفساد، لكن دون جدوى، بل يزداد استفحالا، ويوغِل الفاسدون أكثر في النهب وابتكار الأساليب لتجنب الوقوع تحت طائلة القانون.

من الدول التي نجحت في محاصرة وحوش الفساد، وقتْل مارده في القمقم، سنغافورة التي اصحبت مثالا يحتذى به في الشفافية والنزاهة.

دول أوربا الغربية معروفة بصرامتها في السؤال عن مصادر أموال الأفراد، ما يفسّر انعدام تدفق الأموال المشبوهة من الخارج، اليها، والتي تأخذ طريقها في بنوك دول تتيح للأموال المجهولة المصدر، الاستقرار فيها.

سنغافورة التي نجحت في التنمية والاعمار، لا تكتفي بإنشاء لجان مكافحة الفساد وتشريع القوانين القوية، بل قرنت ذلك بالتطبيق الصارم لقانون "من اين لك هذا"، وتوثيق مدونات سلوك الموظفين العموميين، ومحاسبتهم حثيثا، ولم تبدأ بصغار الموظفين وافراد الشعب، بل بالمسؤولين والأعيان، الأمر الذي عزز ثقة الشعب بالواجب والقيادة.

حدث ذلك في سنغافورة على الرغم من الفقر، وسوء الصحة، ونقص المساكن، والانفجار السكاني، لكن رئيس الوزراء لي كوان يو، الذي يلقبه الشعب بالمؤسس، أدرك ان التخلص من هذه الآفات سيكون مستحيلا ما لم يتم التخلص من الفساد في الخدمة العامة، اذ من غير الممكن لحكومة نخِرة وموظفي خدمة مرتشين، ان يساهموا في تطوير البلاد، ليقرر وفريقه الحكومي ارتداء القميص الأبيض، في دلالة على الحكومة النظيفة.

أضفى لي كوان يو والزعماء اللاحقون، الطابع المؤسسي في مكافحة الفساد وسنّ قانونا يُجبر المتهم إثبات شرعية أملاكه ومصدر أمواله، كما انّ اية ثروة غير مفسّرة وغير متناسبة مع مصادر الدخل المعروفة للفرد، عرضة للمصادرة الفورية، وقد زادت إجراءات الحكومة من ثقة المواطن الذي راح يُخبِر عن أي شخص أثرى بطريقة مشبوهة.

المهم في تجربة سنغافورة، انها لم تبدأ في برنامج مكافحة الفساد، من القاعدة بل من القمّة، حين وضعت كبار المسؤولين الفاسدين والنخب المشكوك في مصادر أموالها، في السجون، بعد ان تمتّعت مكاتب التحقيقات بصلاحيات واسعة، تتيح استدعاء أعلى سلطة في الدولة.

تتعامل سنغافورة، بعد ان أصبحت قطبا عالميا لجذب أموال الاستثمار، بصرامة مع المؤسسات المالية التي تحاول غسل الأموال على أرضها، حماية لسمعتها العالمية.

استمعْتُ الى رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، وهو يبدي اعجابه بالتجربة السنغافورية، ويبدو أنه وضع الإصبع على الجرح العراقي، في اقتفاء إثر هذا البلد الآسيوي، الذي نجح في إرساء وعي جمعي يحرث على نظام نظيف، وبات الجميع يسارع في محاربة اية ممارسات فاسدة، كلّ من موقعه، بعدما صار يقينا، ان القانون ينطبق على الجميع.  

إنّ مثلا صينيا يقول: "إذا كانت العارضة العلوية منحرفة، فإن الحزم السفلية ستكون ملتوية"، لجدير بالاهتمام، لكي يبدأ الحفاظ على المال العام، من الذروة الى الأساس، وليس العكس.

 

عدنان أبوزيد

 

 

محمد سعد عبداللطيفإن العلاقة الشائكة والمعقدة لن تحسم أبداً في "عالمنا العربي" بين جدلية المثقف والآنظمة العربية حيث يعاني منها المثقف علي مدي عقود من تهميش دور المثقف في المجتمع، فضاعت الأدوار، وارتفعت يد الشعبوية  السياسية في وجه الثقافة، لتصفعها بين الحينٍ والآخر، في محاولةٍ لتأكيد سلطتها وقبضتها المُحكَمة. لماذا الخوف من بعض  المثقفين؟ تطاردهم هنا وهناك، وتسلبهم حرياتهم، وتمنع الكثيرين من حقهم في العيش بسلام داخل اوطانهم، إضافةً إلى تهميش أدوارهم في المجتمع.فكثير منهم أداروا  ظهورهم للتاريخ والعصر الذي يعيشون فية ولم يشتبكوا مع مشكلات الواقع المعاصر والحياة الإجتماعية ،وكثير من المفكريين والفلاسفة أنتقدوا نموذج" المثقف النبي" الذي تحدث عنة   الكاتب الفيلسوف الفرنسي "لوسيان بيندا "وكذلك الفيلسوف الفرنسي "جان بول سارتر" وعتبروا ذلك(خيانة المثقفين) كما جاء في عنوان كتابة الشهير ..

إن المثقف الحقيقي ليس هو الشخص الذي قرأ الكتب وجمع المعلومات وحصل على أعلى الدرجات العلمية، وعاش منفصلًا عن مشكلات الواقع والمجتمع، ولكنه في معناه الدقيق، الإنسان الذي يعيش قضايا مجتمعه وعصره بفهم عميق وقدرة على النقد والتحليل، ويتحلى بشجاعة قول الحقيقة، ويسعى لتحسين شروط الحاضر ورسم ملامح مستقبل أفضل.وهذا يعني أن عمل المثقف "وصفي تقريري" في تحليله وتشريحه بموضوعية ونزاهة لما هو كائن في الحاضر والواقع، وهو كذلك عمل "معياري" في نقده لما هو كائن في ضوء ما ينبغي أن يكون، وفي سعيه لجعل ما ينبغي أن يكون هو الكائن، بالفعل، في موطنه ومجتمعه وعصره.وبالتالي، فإن مجال عمل المثقف يختلف عن مجال عمل السياسي ورجل الدولة، لأن مجال عمل المثقف هو الدفاع عما ينبغي أن يكون، ورسم ملامحه، انطلاقًا من نقد وتحليل ما هو كائن، على العكس من مجال عمل وهدف السياسي، وهو الدفاع دائمًا عما هو كائن، وتجميله والترويج له، وتكريس حضوره.ومع ذلك، فإن المجتمع السوي، ونظام الحكم الذي يسعى للتطور والتقدم، لا بد أن يُقيم فضاءًا للتواصل والحوار والتفاعل بين مجال عمل المثقف الوطني (وما ينبغي أن يكون) ومجال عمل السياسي ورجل الدولة الوطني (ما هو كائن)، وتجسيد الهوية بينهما، لأنهما معًا ركيزة لتقدم المجتمع والدولة.فالمثقف (الوطني) يملك الفكر والوعي التاريخي والخيال، والسياسي.ورجل الدولة (الوطني) يملك الإرادة وأدوات السلطة والرؤية الواقعية التي تمكنه من جعل ما ينبغي أن يكون هو الكائن بالفعل، ولكن وفق الظروف والإمكانات المتاحة.المثقف نموذج المثقف الواعي في هذا الحوار، لرجل  حاول ان تصل رسالتة لرأس السلطة .

 في عام 2005م وفي معرض القاهرة الدولي للكتاب في حوار شهير مع" المثقفين والكتاب"صراعُ محتدم،بين" الرئيس مبارك والدكتور محمد السيد السعيد" حيث طالب الدكتور محمد. الرئيس مبارك بدستور جديد لا يجعل السلطة مطلقة في يد الرئيس. كان رد مبارك هذا ليس صحيح .أنا ليس عندي سلطات مطلقة.. الحكومة هي التي تعمل معظم الحاجات..». وقال الدكتور محمد السيد سعيد: «علي فكرة ياريس هذا ليس صحيحاً بالمطلق أيضاً.. إذا رجعنا إلي دستور 1971 لا يوجد شيء اسمه الحكومة. يوجد رئيس دولة يساعده نظام وزاري. مجلس الوزراء ليس له كيان دستوري. هناك تعبير أوسع هو السلطة التنفيذية. ويتحدث الدكتور محمد السيد سعيد أن هذه النقطة مرت وأكمل كلامه: «نحن لا نريد حكماً مطلقاً.. نريد برلماناً قوياً ونقابات قوية والحرية يكون لها حماية دستورية. وحضرتك تشكو من «أنك مش لاقي وزراء» وهذه ظاهرة تسمي في المجال السياسي «انكماش النخبة السياسية». وتحدث لأن قنوات المشاركة علي جميع المستويات مغلقة. نحن ليس عندنا أحزاب حقيقية ولا نقابات حقيقية ولا جمعيات أهلية حقيقية. وبالتالي لابد من دستور يفتح القنوات المغلقة. ويكون الحماية الحقيقية لمصر. وسيكون لدينا نخبة خرجت من باطن المجتمع تعرفه جيداً تتبني طموحاته وآماله. كان هذا جوهر كلام المثقف (محمد السيد سعيد) الذي شعر أن لقاء الرئيس لا يعني رفع مطالب، ولكن إعلان موقف واضح لا ينقصه شجاعة ولا شعور بالندية الحقيقية مع الرئيس. الرئيس وصف الدكتور محمد السيد سعيد بالتطرف عندما قال قبل خروجه:(ما تضيعوش البلد من فكركم) الذين يطالبون بالإصلاح يريدون العودة إلي ما قبل 1952 م عندما كانت تشكل حكومة كل "6 أشهر". هل تريدون هذا الوضع كان رد  الدكتور "محمد السيد سعيد" يا ريس المشكلة قبل 1952 لم تكن في الدستور الديمقراطي، لكن في الإنقلاب علي الدستور الديمقراطي. إحنا شفنا  حوالي (7 انقلابات دستورية) في مصر وهذا هو السر في مشكلة عدم الإستقرار قبل 1952م . لم يعتبر  المثقف محمد السيد سعيد أن لقاء الرئيس منحة أو نيشان أو فرصة للإبتسام والتصوير بجوار صاحب السلطة، ولكنه رأي فيه مناسبة لإعلان وجهة نظر كاملة لا يسمعها الرئيس في العادة، لأن حاشية كل سلطان و القريبين من أذن الرئيس في العادة لا يقولون إلا ما يعجبه، أو يستطيعون به الوشاية وقف ببراءة وتحدث بشجاعة في حضرة الذات الرئاسية المهيبة وطالبه بدستور جديد وحدثه عن انحرافات نظامه، ومنها امتهان كرامة المواطن وأراد إعطاءه ورقة تحمل تصورات لدستور جديد فما كان من الحاكم إلا أن قال أنت (متطرف وأنا بفهم أحسن منك) والورقة دى حطها في جيبك ولم يفهم الرئيس مبارك أن الدكتور محمد (يسارى ليبرالى وليس متطرفا) وكان يوصف دائما الدكتور محمد السيد عادة بأنه يساري الفكر، إلا أنه يصف نفسه بأنه "ليبرالي بين اليساريين، ويساري بين الليبراليين"..

دافع المثقف الواعي خريج كلية الإقتصاد والعلوم السياسية . بضراوة عن الآلاف من أبناء سيناء حين اعتقلوا وتعرضوا للتعذيب بعد تفجيرات طابا. لقد عاش بعيدا عن مظاهر وحب السلطة مفكرا مع ضميره الوطنى بعيدا عن الخطب المنبرية كما أنه لم يفعل ذلك لمجرد المتاجرة الوطنية بهذا الموقف وغيره، إنما إيمانا منه بدور المثقف الفاعل رغم تعرضه قبل ذلك للتعذيب الوحشى عام ١٩٨٩ إثر تضامنه مع إضراب عمال الحديد والصلب. تاريخ نضالي منذ كان طالبا في المرحلة الثانوية عام 1968 حيث شارك في مظاهرات الطلبة .واعتقل . وعن عمر ناهز" 59 عاما" بعد صراع مع المرض وافتة المنية في شهر اكتوبر عام 2009 م . إن إشكالية الصراع الدائر بين الطرفين، والعمل على تحقيق هدنة ولو مؤقتة، ننصت من خلالها لرأي هذا وذاك، لنطمئن على حال المستقبل بين أياديهم غير المتصافحة.ورغم ما يعكسةالواقع من سيطرة السياسة والسياسيين على الثقافة وأهلها في الكثير من دول المنطقة، إلا أن الحقيقة التي يعيها أصحاب الشأنين السابقين، تكمن في خوف بعض الأنظمة من المثقفين، لقد أصبحت كل الأمور فوق الطاولة، ولم يعد أحد يخاف من أحد، ولكن الخوف يكمن في الديمومة، فبعض الأنظمة تخاف من المثقف بسبب الديمومة، لأن المثقف يوثق نوعاً من التاريخ والمتخيل التاريخي للأجيال والمستقبل، وبعض السياسيين واعون لهذه الفكرة ولكنهم لا يدركون خطورتها، لأنهم لا يقرؤون».!!

 

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري وباحث في الجغرافيا السياسية"وعضو عامل بالنقابة العامة للصحافة والإعلام ""

 

كريم المظفرأختارت تركيا لغة التصعيد الكلامي مع موسكو قبيل الزيارة التي من المتوقع  ان يقوم بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وكما أعلن مكتب الرئاسة التركية، الى  روسيا في 29 سبتمبر الجاري، لإجراء محادثات مع نظيره الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وبدأتها بتصريحات عدم اعترافها بالانتخابات البرلمانية التي جرت في روسيا وبضمنها في إقليم القرم الروسي، وعززها الرئيس التركي أيضا بتجديده  أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عدم اعتراف بلاده بانضمام شبه جزيرة القرم إلى روسيا، داعيا "للحفاظ على وحدة أراضي أوكرانيا"، وأضاف أنه "يجب بذل المزيد من الجهود لحماية حقوق تتار القرم".

وزاد من الطين بلة أيضا هو بيان وزارة الخارجية التركية الذي اكدت فيه إن نتائج التصويت في انتخابات مجلس الدوما التي أجريت في شبه جزيرة القرم ليس لها قوة قانونية بالنسبة لتركيا، وإن أنقرة "لا تزال تدعم وحدة أراضي أوكرانيا وتعتبر ضم القرم غير شرعي" وتصريحات السكرتير الصحفي لوزارة الخارجية التركية تانجو بيلغيتش، بان أنقرة، مثل بريطانيا العظمى والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، لا تعترف بشرعية الانتخابات الروسية لدوما الدولة التي أجريت على أراضي شبه جزيرة القرم.

وهكذا، أرادت تركيا قبيل زيارة أردوغان الى مدينة سوتشي الروسية  الساحلية والمطلة على البحر الأسود، حيث يعقد لقاءه مع الرئيس بوتين، أن تسمع موسكو، تأكيد أنقرة تمسكها بموقف أوكرانيا، وتستبعد في الوقت نفسه إمكانية الاعتراف بشبه الجزيرة كجزء من الاتحاد الروسي،  كلمات وعدت  وزارة الخارجية الروسية بـ "استخلاص النتائج" المناسبة، في حين أكد السكرتير الصحفي للرئيس الروسي دميتري بيسكوف أن الخلافات مع الجانب التركي بشأن القرم لا ينبغي أن تعرقل تطوير العلاقات بين البلدين، مشددا في الوقت نفسه على أن روسيا لا تقبل ادعاءات أنقرة حول عدم شرعية الانتخابات في القرم الروسية، ولا تخفي ذلك عن الجانب التركي.

اللغة الدبلوماسية الهادئة هو ما ميز  رد المتحدث باسم الكريملين، الذي قال ان موضوع القرم هو موضوع تختلف فيه "مواقفنا تمامًا لكننا نأمل أن تغير تركيا موقفها بمرور الوقت، وتثني على الحقيقة والوضع الحقيقي للأمور"، مع التشديد على انه  لا ينبغي أن يكون وجود قضية مهمة توجد خلافات بشأنها عقبة أمام العلاقات، ويجب أن يستمر هذا التفاعل، وأوضح بيسكوف، أن روسيا تأسف لموقف تركيا إزاء القرم، معربا عن أمل موسكو "في تغير هذا الموقف مع مرور الزمن"، ومشيرا إلى أن تركا تبقى شريكا لروسيا وأن "الخلافات القائمة بين موسكو وأنقرة حول بعض القضايا يجب ألا تعرقل تطور العلاقات الثنائية".

أما وزارة الخارجية الروسية، فكانت لها رأي أتسم بقوة التعبير على لسان المتحدثة بأسمها ماريا زاخاروفا، والتشديد على أن روسيا لن تترك من دون اهتمام تصريح تركيا بعدم الاعتراف بانتخابات مجلس الدوما (النواب) في شبه جزيرة القرم الروسية، معلقة بذلك على تصريح المتحدث باسم وزارة الخارجية التركية، تانجو بيلجيتش، الذي قال فيه إن نتائج انتخابات مجلس الدوما التي جرت في 17-19 سبتمبر 2021، فيما يتعلق بشبه جزيرة القرم "ليس لها قوة قانونية بالنسبة لتركيا"، وقالت زاخاروفا  إن "تركيا تعلم جيدا أن القرم هو جزء سيادي من الاتحاد الروسي، وتعلم جيدا، أننا لن نترك من دون اهتمام مثل هذه التصريحات".

وتابعت المتحدثة باسم الخارجية الروسية، تصريحاتها على قناة يوتيوب "سولوفييف لايف"، "إذا لم يتعبوا من سماع التوبيخيات و التذكيرات والقاطرات المقابلة من موسكو، فهذا يعني أنهم صبورون، لكن هذا لا يؤدي إلى أي شيء، باستثناء أننا نتوصل إلى استنتاجات مناسبة، والتي من الواضح أنها لا تفيد العلاقات الثنائية ".

المراقبون فسروا ما يجري من الجانب التركي، بأنه حديث يدور حول لعبة كبيرة تقوم بها تركيا "العثمانية الجديدة" ضد روسيا، وان انقرة تعيد  الآن التفكير في جميع السياسات الدولية، وترتبط هذه العمليات بهزيمة أرمينيا (ومن ورائها روسيا كما يقال) في قره باغ، وهزيمة الولايات المتحدة في أفغانستان، وتخطط أنقرة لترسيخ مكانتها كقوة ذات سيادة مع منطقة نفوذ خاصة بها، تغطي مناطق البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط وآسيا الوسطى، ويشير  الباحث في القانون الدولي والمتخصص في الشؤون التركية بالجامعة الفدرالية لوكاس ليروس الى ان في هذه اللعبة، يمكن للولايات المتحدة وروسيا وحتى الصين  "أن يكونوا إمّا حلفاء أو أعداء "، اعتمادا على الوضع، لكن تركيا تلعب لنفسها، وبهذا المعنى، روسيا وتركيا عدوان فيما يتعلق بآسيا الوسطى.

كما هو معروف فان  موسكو بلا شك هي الراعي الاقتصادي لأنظمة آسيا الوسطى في منطقة ما بعد الاتحاد السوفيتي، لكن أنقرة تستثمر هناك بكثافة في القوة الناعمة والصناعة الثقافية، وتقوم ببناء المدارس التركية في جميع أنحاء آسيا الوسطى، وحتى بالعين المجردة، يمكن رؤية مدى تعاظم قوة المجلس التركي في السنوات الأخيرة، حيث أصبح منظمة قوية لها أجندتها الخاصة، معادية بشكل لا لبس فيه لروسيا،  بحسب المحلل السياسي ألكسندر سيتنيكوف، وبرأيه فإن المتجر  التركي سيغلق قريبا،  فلا مال فائضا عن الحاجة، ولكن في المجلس التركي، يعبر الأذربيجانيون و الكازاخيون الأتراك عن استيائهم من المعايير المزدوجة، على غرار "لا يمكن أن تكون نصف حامل" عندما يتعلق الأمر بالإمبراطورية العثمانية الجديدة، وأردوغان يدرك جيدا خطورة هذه اللوم على سياسته.

كما أن موضوع التناقضات بين تركيا وروسيا، يشمل أيضا  إمداد أنقرة بالأسلحة إلى كييف، على الرغم من حث موسكو مرارًا وتكرارًا الدول على الاهتمام بمشاعر النازيين الجدد في أوكرانيا قبل إبرام عقود الدفاع، ففي ديسمبر 2020، اتفقت تركيا وأوكرانيا على واحدة من هذه الصفقات الرئيسية – هي توريد أنظمة جوية بدون طيار من طراز Bayraktar والذخيرة وبناء سفن من فئة كورفيت للبحرية الأوكرانية، ووفقًا للسلطات التركية، تعتبر الدولة هذه العمليات حصريًا نشاطًا تجاريًا، وليست جزءًا من الجغرافيا السياسية، وبالتالي فهي لا تنظر إلى رأي موسكو، بالإضافة إلى ذلك، ذكّر جاويش أوغلو موسكو بأن الاتحاد الروسي قام أيضًا بتزويد دول غير صديقة لتركيا بالأسلحة، وأن أنقرة لم تطالب بإجابة في ذلك الوقت.

المحللون الروس يؤكدون ان انقرة تميل الى  ممارسة "العنصرية  " في مطالباتها، فهي حسب قولهم تولي  أهمية كبيرة وتعرب عن تضامنها مع المجموعة العرقية من المسلمين الاتراك، دون غيرهم من الديانات الموجودة في القرم، وان أحد أهداف مشاركتها في "منصة القرم" هو هذا الموضوع فقط، فتركيا،، تعتقد أنه أثناء ضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا، واجه تتار القرم التمييز والقمع والاضطهاد - وطالبت أنقرة مرارًا وتكرارًا موسكو بالإفراج عن الممثلين المحتجزين لتتار القرم تابعين لمنظمة" Mejlis"،  وتركيا نفسها هي الآن موطن لحوالي 3 ملايين شخص من أصول تتار القرم، ويلعب هؤلاء المواطنون دورًا مهمًا في الحياة الاجتماعية والسياسية للبلاد، بما في ذلك التصويت.

تطورات الخلافات الروسية التركية لا تنتهي، ففي آخر تطور كشفت صحيفة "سفوبودنايا بريسا" الروسية، عن أصابة عشاق الاستجمام الروس في تركيا بمرارة، لأن الطريق للاستجمام في تركيا سيكون مفتوحا فقط أمام الذين تم تطعيمهم بـ سبوتنيك V"، واللقاحات الأخرى "المصنوعة في روسيا" لا تعترف بها أنقرة، كما تم إغلاق الطريق أمام "سبوتنيك لايت"، الأمر الذي شكل صدمة للكثير من المواطنين الروس، حيث التزمت تركيا طوال الصيف بقاعدة "إذا كنت تخاف من كوفيد، فلن تحصل على المال" .

الزيارة المرتقبة لأردوغان التي تستغرق يومًا واحدًا إلى سوتشي، لن يغفل فيها  أردوغان فيها إثارة  المشكلة الحادة للأتراك في سوريا، وحقيقة أن خسائر الجيش التركي في إدلب تتزايد بسرعة، كما يعتقدون في أنقرة، ولا تخلو من مساعدة القوات الجوية الروسية، كما تقول صحيفة " سفوبودنايا بريسا "، التي تطحن القوات التركية بالوكالة، وان التصعيد الكلامي مع موسكو، هي محاولة من الرئيس التركي للحصول على تنازلات روسية، أهمها إنشاء منطقة أوسع، يفترض أنها منزوعة السلاح وغير مأهولة في إدلب، لكن تحت السيطرة التركية، ويبدو أن الإجابة على السؤال "كيف ستعاقب موسكو أنقرة على عدم اعترافها بالانتخابات في شبه جزيرة القرم؟" معروف جيداً، مع درجة عالية من الاحتمالية، والتي لا يمكن البوح بها، بأي حال من الأحوال.

 

بقلم : الدكتور كريم المظفر

 

 

علاء اللاميالمقصود بالانتخابات الإلكترونية معنيان، المعنى الأول هو أن الانتخابات تجري بواسطة التصويت غير المباشر عبر الانترنيت وليس بواسطة صندوق الاقتراع في محطات اقتراع محددة، وهذا النوع جزئي الاستعمال في دول قليلة وهناك دول تفكر في اعتماده بشكل كامل كالولايات المتحدة كما قالت صحيفة "فورين بوليسي". والمعنى الثاني وهو المقصود في العراق هو الذي يجري في محطات اقتراع محددة وصناديق اقتراع إلكترونية ويجري فرز وعد الأصوات بواسطة أجهزة إلكترونية تعتبر مفيدة في تسهيل عملية الانتخاب والفرز والعد وتسريع إعلان النتائج بشكل كبير ولكن سلبياتها ونقاط ضعفها كبيرة وخطرة.

علماً أن بعض الدول تراجعت عن استعمال الوسائل الرقمية الإلكترونية في الانتخابات جزئيا أو كليا بسبب استحالة ضبطها وحمايتها من الاختراقات وعمليات القرصنة "التهكير" والتدخلات الخارجية، وعاد بعض الدول إلى استعمال التصويت اليدوي بالورقة والقلم، وحدثت مشاكل وتدخلات في دول أخرى وآخرها روسيا.

الفرق بين الانتخابات والديموقراطية: من البديهيات التي يحاول البعض تزويرها وتزييفها هي أن الانتخابات لا تعني الديموقراطية السياسية بل هي عملية إجرائية "تنفيذية" يمكن أن تجري في دول استبدادية يفوز فيها الرئيس أو الحزب الحاكم بنسب تسعينية "99 بالمائة" غالبا، أو تقوم بها أنظمة رجعية دينية هي التي تنتخب وتزكي وترفض وتحرم من تشاء من المشاركة في الترشيح والترشح كما هي الحال في إيران. وحتى الانتخابات كعملية إجرائية لا بد من تتوافر فيها شروط ومقاييس دولية مما تراكم من تجارب الشعوب تجعلها نزيهة أو قريبة من النزاهة منها هذه الشروط:

1- أن يتمتع البلد المعني بالاستقلال والسيادة الوطنية في البلد المعنى وخلوه من القوات المحتلة أو المفروضة البقاء. (لا استقلال ولا سيادة للعراق، وهو بلد شبه منزوع السلاح وممنوع من بناء جيش قوي وحديث، والقوات الأجنبية - الأميركية والأطلسية والتركية مفروضة عليه فرضا والتدخلات الإيرانية تشمل كل شيء من تعيين رئيس الوزراء وحتى مصادر مياه الشرب)

 2- وجود مفوضية تقود الانتخابات مؤلفة من خبراء مستقلين تماما عن الأحزاب والقوى السياسية وقانون انتخابات وطني قائم على أساس المواطنة وليس المحاصصة الطائفية او العرقية. (مفوضية الانتخابات في العراق تتقاسم عضويتها الأحزاب باسم مكوناتها الطائفية والعرقية وحتى حين جاؤوا بقضاة لعضويتها كانوا على أساس المحاصصة القومية والطائفية ومن المحسوبين على الأحزاب والمليشيات).

3- سيطرة وطنية كاملة ومائة بالمائة على أجهزة التصويت والفرز والعد الإلكتروني من قواعد البيانات وحتى السيرفرات "الخوادم" التي يجب أن تكون داخل البلد المعني في دائرة إلكترونية محلية لا ترتبط بأي دوائر أجنبية دولية. (سيرفرات وقواعد بيانات أجهزة الفرز والعد تدار من خارج العراق وتجمع وتنقل النتائج بطرق غامضة لا يعرف الشعب عنها شيئا)

4- سلمية الانتخابات ومنع المال السياسي والسلاح المليشياوي. (أفراد المليشيات والأحزاب المسلحة كالبيشمركة الكردية والفصائل الشيعية وجماعات الضغط السنية هي التي تدير وتشرف على العملية الانتخابية).

5-علنية وشفافية التصويت والفرز والعد وإمكانية إعادة الفرز والعد العشوائي تلقائيا لنسبة معتبرة من صناديق الاقتراع. لا وجود لإعادة العد والفرز العشوائي وحتى إن حدثت إعادة العد والفرز بعد فضائح وطعون خطرة كما في الانتخابات السابقة فإنها تجري بنسبة ضئيلة لا تتجاوز الخمسة بالمائة).

 6- المساواة في الدعاية الانتخابية للمرشحين أحزابا وأشخاصا. (لا وجود لأي شكل من أشكال المساواة).

ولكن، هل هناك نموذج محترم ومعترف بنزاهته عالميا من نماذج الانتخابات الإلكترونية؟ نعم يوجد نموذج كهذا وسنلقي عليه نظرة في الأسطر التالية:

دأبت الولايات المتحدة وحليفاتها الغربية وخاصة بريطانيا وفرنسا وهي الدول الاستعمارية التي تعبر نفسها "الملاك الحارس وقدس أقداس" الليبرالية والديموقراطية والانتخابات في العالم، دأبت على مباركة وتأييد ودعم واحدة من أفشل التجارب الانتخابية في العالم ألا وهي الدورات الانتخابية الأربع التي جرت في العراق بعد احتلاله سنة 2003، وهنأت القائمين عليها والفائزين فيها بالمناصب العليا حتى لو وصلوا الى تلك المناصب الرئاسية من خارج البرلمان وانتخاباته؛ في الوقت ذاته فإن هذه الدول الغربية وقفت موقفا عدائيا من واحدة من أبرز التجارب الانتخابية في العالم في إحدى دول أميركا اللاتينية هي فنزويلا والتي تعتبر – كما قالت الجهات الدولية المتخصصة والمراقبين الدوليين - قدوة ومثالا جيدا للانتخابات الإلكترونية، لأسباب سياسية، في مقدمتها أن هذه الدولة مستقلة استقلالا حقيقيا، وتنتهج نهجا اشتراكيا مناهضا لإمبريالية. إن واقع التأييد الغربي والأميركي لتجربة الانتخابات العراقية الهزيلة ومعاداتها للتجربة الفنزويلية يقدم دليلا لا يدحض على أن العراق بلد منقوص الاستقلال مثلوم السيادة يريد له الغرب أن يبقى هكذا إلى مالا نهاية تحت قناع الانتخابات الهزيلة لترسيخ حكم المحاصصة الطائفية ودولة المكونات الميتة سريريا. فماذا بخصوص التجربة الفنزويلية رغم ما تثيره من تحفظات على أداء قيادتها لدى المراقب لها عن يسارها لا عن يمينها؟

في فنزويلا تعد أجهزة التصويت الالكتروني بمثابـة القـدوة فـي تكنولوجيا التصويت الالكتروني فمنذ انتخابات عام 1998، أصبح الانتخاب عن طريق الأتمتة (باستخدام أجهزة الكترونية بشاشات لمس (دي آر إي) التي توفر للناخبين سجل مراجعة وتدقيق)، تحت إشراف المجلس الوطني الانتخابي. وهذه الأجهزة تمنع التزوير وتطبع وصولات استلام بموجب تقنية إلكترونية متبعـة تسمى ماتك سمارك ( (Matic Smart ؛ إذ تقدم نظاماً مبسطاً يعتمد شاشة اللمس حيث يختار الناخب مرشحه المفضل عن طريق لمس صندوق ظاهر على الشاشة يحتوي اسم المرشح وصورته والحزب الذي ينتمـي اليه وبمجرد ان يتم الاختيار تظهر الشاشة مرة اخرى اسم المرشح وتطلب مـن الناخـب تأكيـد اختياره، وعند التأكيد يقوم جهاز الحاسوب بطباعة وصل ورقي بنسختين يمكن للناخب ان يتأكـد من خلاله صحة اختياره ويضع الوصل الثاني في صناديق الاقتراع.

إن هذه التقنية تعد بسيطة وأمنه وتـتم عـن طريق وجود شاشه تعرض اسم كل مرشح وصورته والمعلومات الخاصة بحزبه. ويتم عن طريقهـا تأكيد اختيار الناخب أو غيره قبل ان يتم احتساب صوت الناخب بصورة نهائية زيادة في طمأنته قبل انتهاءه من التصويت، هذا من ناحية، من ناحية أخرى يمكن الاستعانة بالوصولات للتأكد من صحة النتائج الانتخابية اي التأكد يدوياً في حالة حدوث عطل أو خلل وإن كان هذا مستبعدا لأننـا ذكرنا ان اجهزة التصويت الالكتروني غالباً ما تكون مزودة بأنظمة احتياطية لتلافي الأعطال.

* تمت مراقبة العملية الانتخابية الأخيرة من قبل أكثر من 150 مراقب انتخابي. وشمل ذلك 14 لجنة انتخابية من ثمانية بلدان من بينها مجلس الخبراء الانتخابيين في أمريكا اللاتينية؛ بعثتين انتخابيتين فنيتين؛ و18 صحافيا من مختلف أنحاء العالم. ووفقا للمراقبين الدوليين، "كانت الانتخابات شفافة للغاية وتم الالتزام بالمؤشرات الدولية والتشريعات الوطنية".

* لا يمكن الاحتيال على الناخبين، في الأجهزة الفنزويلية حيث يتطلب الأمر ابراز الهوية وبصمات أصابع لكل ناخب. يتم تدقيق آلات التصويت قبل وبعد الانتخابات مباشرة. تفعل فنزويلا شيئاً لا تفعله أي دولة أخرى في العالم - وهي مراجعة عامة لعينة عشوائية من 53٪ من آلات التصويت المتلفزة. وتوقع جميع الأحزاب الـ 18 على عمليات التدقيق. قارن مع النسبة في العراق والتي لا تتعدى 5 بالمائة وفي حالات خاصة وفضائح تزوير كبيرة كما حدث في انتخابات 2018. ويبقى التساؤل حول ارتباط سيرفرات وخوادم هذه الأجهزة بدائرة إلكترونية وطنية معلقة أم أنها مرتبطة بالدوائر الخارجية الصانعة؟ ليس لدي معلومات أكيدة بهذا الخصوص ولكني أرجح الاحتمال الأول بناء على معطيات نتائج ونسب هذه الانتخابات. فمن الأدلة العملية على نزاهة هذه الانتخابات ودقة الأجهزة فيها أسجل الوقائع والنتائج التالية:

1- في انتخابات فنزويلا سنة 2018 فاز الرئيس الاشتراكي البوليفاري "وطني" مادورو في انتخابات الرئاسة بهامش واسع 67٪. يليه المعارض اليميني هنري فالكون بـ 20٪؛ ثم زميله خافيير بيرتوتشي بـ 10٪؛ ثم ورينالدو كويغادا، بنسبة 0.39٪ من الإجمالي.

2- وفي فنزويلا نفسها وفي العام ذاته، استخدم نظام التصويت والأجهزة نفسها في الانتخابات التشريعية وقد خسرها حزب مادورو في انتخابات المحافظين والتشريع وصارت أغلبية المقاعد للمعارضة.

3-أما في انتخابات سنة 2021 والتي قاطعتها المعارضة وفاز فيها الحزب الاشتراكي فإن نسبة المشاركة لم تتخطَّ عتبة الـ 31%، وسيطر فيها حزب مادورو على البرلمان، ورغم ذلك لم يزور النظام نسبة المشاركة وأعلنتها مفوضية الانتخابات كما هي، وأعلنت أنها منخفضة ولكن لا يوجد قانون يبطل هذه النسبة وهي نسبة تعكس صعوبة الأوضاع الحياتية والاقتصادية في البلد الذي يعاني من حصار وتآمر أميركي وغربي شديدين على صادراتها النفطية.

4- وافقت حكومة مادورو على شرط المعارضة للمشاركة في الانتخابات التشريعية القادمة في شهر تشرين الثاني نوفمبر 2021 في تحالف موحد من ثلاثين حزبا بعد أن كان القانون الانتخابي الفنزويلي يسمح للأحزاب وليس للتحالفات بالمشاركة. وتعهد مادورو بالاعتراف بنتائج الانتخابات إذا فازت المعارضة مثلما تعهد في الانتخابات الرئاسية بالاستقالة من منصبه إذا فازت المعارضة ولكنها أصرت على المقاطعة.

* أختم بما قاله أحد الأصدقاء العاملين في داخل العملية الانتخابية العراقية الجارية هذه الأيام في منشور له قبل يومين أكد فيه إن "التزوير وشراء الأصوات كلام فارغ ولا صحة له أبدا" بسبب التحرزات والتحوطات التقنية التي يتمتع بها جهاز التصويت ولكنه أضاف "لكن الخوف من التزوير والفضائح هو بالنتائج النهائية التي تعلنها المفوضية والتي تتدخل بها جهات سياسية دولية معروفة وهي مسيطرة على السيرفرات التي تعطي النتائج النهائية/ طالب الكعبي".

 

علاء اللامي

........................

* للمزيد من التفاصيل رابط مقالة مترجمة عن انتخابات 2018 في فنزويلا:

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=626279

 

بكر السباتينأبرم مؤخراً الاتفاق الثلاثي أوكس بين أمريكا وبريطانيا وأستراليا، القاضي بتقديم المساعدة الفنية الحساسة لبناء ثماني غواصات لصالح استراليا تعمل بالطاقة النووية في إطار تعاون عسكري وأمني واسع وبتكنلوجيا أمريكية حساسة.. في إطار الاستراتيجية الأمريكية لمواجهة "الخطر الصيني".

وحدد الرئيس الأمريكي جو بايدن هذه السياسة في سياق كلمته منتصف مايو 2021 في أن "وزارة الدفاع (البنتاجون) ستراجع استراتيجيتها تجاه الصين، بالنظر في مجالات حيوية تشمل المخابرات والتكنولوجيا والوجود العسكري الأمريكي في المنطقة".

مكملاً، في أنه" سوف تكون المراجعة ضمن عدة مراجعات أخرى يقوم بها البنتاجون بالفعل وتتراوح ما بين القوات المنتشرة في الشرق الأوسط (وهذا يفسر الانسحابات الأمريكية من الشرق الأوسط) وحتى السياسة تجاه حلف شمال الأطلسي (بدلالة عدم مشاورة فرنسا بشأن صفقة أوكس، كونها أضرت باقتصادها).

ويحتدم الخلاف بين الصين وأمريكا على عدة قضايا مثل التكنولوجيا وحقوق الإنسان والأنشطة العسكرية الصينية في منطقة بحر الصين الجنوبي المتنازع عليها، حيث يتبادل البلدان الاتهامات بتعمد انتهاج سلوك استفزازي.

ويعلم المراقبون بأنه ليس سهلاً على تكتل الدول الناطقة بالإنجليزية (أوكس) الموجود في بحر الصين، قيامه بتطويق العملاق الصيني في محيطه الإقليمي أو فرض القيود عليه، حتى لو ضم هذا التحالف الثلاثي دولتين كبيرتين بوزن أمريكا وبريطانيا، كونهما بعيدتين جغرافياً عن ميدان الصراع في تلك المنطقة الملتهبة، لتبقى أستراليا وحيدة في واجهة الحدث، والتي لا تستطيع مشاغلة دولة عملاقة كالصين ما فتئت تحاول فرض سيطرتها على المنافذ البحرية في بحر الصين الذي يشكل جزءاً من مياههما الإقليمية، من باب الأمر الواقع .

وكانت أمريكا منذ عهد الديمقراطي أوباما، حينما كان جو بايدن وزيراً للخارجية، تحاول أن ترسخ قدمها في أستراليا في إطار تعميق التحالفين القائمين في بحر الصين وتوسيع أهدافهما، وذلك على النحو التالي :

أولاً:- الاتفاق الأمني الرباعي المبرم في الفلبين عام 2007، ويضم: الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا والهند واليابان. والذي يستهدف الصين مباشرة من النواحي: الأمنية والاقتصادية، وحقوق الإنسان من خلال مراقبة انتهاكات الصين في هونكونغ وإزاء الأقلية المسلمة في الإيغور والتلويح باستعادة تايوان في العام 2049 والتمهيد لذلك عبر خطوات "مستفزة" على الأرض.

ثانياً:- اتفاق "العيون الخمس الاستخباري" الذي يضم الدول الناطقة باللغة الإنجليزية: أستراليا وبريطانيا، والولايات المتحدة، بالإضافة إلى كندا ونيوزلندا.. وهو تحالف استخباراتي أنشئ بعد الحرب العالمية الثانية في أتون الحرب الباردة بين معسكري الأطلسي الغربي والناتو الشرقي، أي أن أهدافه كانت منحصرة بالتمدد الشيوعي من خلال أذرع الاتحاد السوفيتي في بحر الصين.

ومؤخراً، توسعت أهداف "العيون الخمس" ميدانياً؛ لتشمل الصين، نظراً لخطورة ممارساتها الجيوسياسية في تلك المنطقة التي تشهد صراعاً خطيراً قد يصل إلى حدِّ إشعال فتيل الحرب العالمية الثالثة التي يتنبأ بها الخبراء الدوليون وعلى رأسهم هنري كيسنجر.

والسؤال الذي يراود المراقبون:

لماذا أستراليا تحديداً، ولم يضم الاتفاق دولة ناطقة بالإنجليزية وتقع قريباً من بحر الصين مثل نيوزلندا، أو حتى كندا، في إطار تطوير اتفاق "العيون الخمس الاستخباري"، لتنبثق عنه اتفاقيات سياسية واقتصادية، ولا بأس من توسيع دائرة العضوية لتضم أكبر حلفاء أمريكا في المنطقة وأشدهم عداوة للصين، مثل الهند واليابان؟

في الحقيقة أن التحالف المنشود في تلك المنطقة لا بد وأن يكون وفق المنظور الأمريكي جاداً وقادراً على التصدي للمشروع الصيني فلا ينفرط مهما كانت الظروف.

والتجارب الأمريكية مع الدول المنضوية في الاتفاقين الذَيْن سبقا "أوكوس" جعلت واشنطن تستقر على حليفها التاريخي بريطانيا، والحليف الآخر الذي ما يزال خاضعاً للتاج البريطاني، أستراليا، أي أنه حلف أنجلوسكسوني.. فلا تنطبق شروطه-مثلاً- على الهند أو اليابان.

أما بالنسبة لنيوزلندا فهي لن تخرج استراتيجياً من عباءة التحالف أوكس الأمنية بطريقة غير مباشرة، ولكنها بالمقابل، لن تحظى بثقة أمريكا كونها انسحبت آخر المطاف من تحالف "العيون الخمس الاستخباراتي"؛ لرفض وزيرة خارجية نيوزلندا المشاركة في الإدانة الغربية لبكين وخاصة فيما يتعلق بحقوق الإنسان، قائلة إنها "غير مرتاحة" لتوسيع دور التحالف للضغط على الصين بهذه الطريقة.. ما يعني أنها تسعى إلى تحقيق التوازن الاستراتيجي في بحر الصين، فالعملاق الصيني يمتلك نواة أي إعصار عاصف في تلك المنطقة الملتهبة، ولا يمكن تجاوز مكانته وخصوصاً أنه بات يمتلك -تقريباً- خطوط التجارة البرية عبر طريق الحرير نحو الشرق الأوسط والشمال الغربي (دول الاتحاد الأوروبي)، ويحاول فرض الأمر الواقع من خلال سيطرته على الطرق البحرية في بحر الصين المرتبطة بالمحيطين الهندي والهادي.. الأمر الذي يهدد الأمن القومي لدول تحالف أوكس وفق حساباتها.

أما كندا، فقد أدخلها رئيس وزرائها جاستن ترودو في أزمة ثقة مع الولايات المتحدة لانتهاجه سياسة خارجية مستقلة عن واشنطن، تجلت في جانبها الاقتصادي بعدم حظر كندا، الجيل الخامس من هواوي الصيني، وفق الاستراتيجية الأمريكية التي أشعلها ترامب واستمر على نهجها جو بايدن .

ويكمن سر تعنت أمريكا في اختيار حلفائها ضمن أوكس في أن التكنلوجيا التي ستحظى بها تلك الدول حساسة جداً.

فبموجب هذه الاتفاقية سوف تمنح الولايات المتحدة وبريطانيا لأول مرة تكنولوجيا ضرورية لأستراليا لبناء غواصات تعمل بالطاقة النووية، ناهيك عن تكنلوجيا الصواريخ البالستية مثل كروز الذكي، وصواريخ بتريوت المضادة للصواريخ، وطائرات البرون، والرادارات وغيرها.

وجاء الموقف الصيني متوقعاً إذ لم يبد حماسه للدخول في حرب باردة متصاعدة مع تحالف تقوده أكبر دولة في العالم، الولايات المتحدة.. وهذا لا ينفي بأن الحرب الباردة بين العملاقين كانت قائمة منذ زمن، ودوافعها متصاعدة،.

وفي سياق الرد الصيني، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، تشاو ليجيان، بأن التحالف يخاطر "بإلحاق أضرار جسيمة بالسلام الإقليمي... وتكثيف سباق التسلح".

وكانت لهذه الاتفاقية الأنجلوسكسونية انعكاسات سلبية على علاقة أمريكا بحلفائها التقليديين سواء في الاتحاد الأوروبي أو الشرق الأوسط.

من جهتها، تكبدت فرنسا من جراء إبرام هذه الاتفاقية خسائر طائلة بسبب إلغاء الطرف الأسترالي عقداً معها ببناء اثنتي عشرة غواصة تعمل بالديزل بقيمة تزيد عن الستين مليار يورو وهذه خسارة فادحة على الصعيدين المعنوي والمادي.

فهل يؤدي ذلك بفرنسا وربما دول الاتحاد الأوروبي إلى خيارات من شأنها أن تقلق أمريكا؟ مثل تطوير العلاقة مع روسيا أو فك الحصار ولو بشكل جزئي عن إيران، وعلى المدى البعيد، الانفتاح على الصين لتعويض الخسائر التي نجمت عن اتفاق أوكس! ما دامت المصالح هي التي توجه العلاقات بين دول العالم!

وعلى صعيد الشرق الأوسط، فإن اتفاقية أوكس، جاءت لتفسر الكثير من القرارات والإجراءات الأمريكية المبهمة في الإقليم وقد أثارت عاصفة من الأسئلة الملغزة، وصدمت حلفاء أمريكا التقليديين في المنطقة وبخاصة السعودية. بدءاً من الانسحاب الأمريكي العسكري المفاجئ من أفغانستان، كذلك التراخي الأمريكي المستهجن إزاء التصلب الإيراني الرافض للعودة إلى الاتفاق النووي بالشروط الأمريكية والصهيونية المعلنة.. وغض الطرف عن محور المقاومة وبخاصة أنصار الله الحوثي الذين يرسلون طائراتهم المسيرة إلى العمق السعودي حيث منشآت أرامكو التي تضررت من جرائها، فتقوم أمريكا بسحب بطاريات باتريوت من السعودية وترك البلاد دون غطاء جوي أمريكي، وكأن ما دفعته الرياض للرئيس السابق ترامب من مليارات؛ ذهبت أدراج الرياح في عهد جو بايدن الذي يحمل شعاري: "أمريكا أولاً" و"الصين الأولى بالمواجهة" .

ولا ننسى أيضاً قيام أمريكا بالانسحاب التدريجي من المشهد العراقي وترك البوصلة العراقية في يد حلفاء إيران داخل العراق، وموازين القوى تساعد في ذلك.. كذلك اطلاق أمريكا التهديدات الجوفاء ضد الإيرانيين بالرد الجماعي على خلفية اتهامها المتكرر بالتسبب بالتفجيرات الغامضة التي أصابت بعض السفن الإسرائيلية في خليج عمان. وأخيراً الرضوخ لتهديدات حزب الله تجاه كل من تسوّل له نفسه بعرقلة وصول منتجات النفط الإيراني المحملة على متون سفن إيرانية إلى بيروت، ويبدو أن الحزب نجح في ردع أمريكا وتل أبيب، فيما بدأت الصهاريج في نقل مشتقات النفط الإيراني إلى بيروت.

وأخيراً.. يبقى السؤال يلوح في الأفق.. ماذا بعد تحالف أوكس! هل نحن على مشارف حرب عالمية ثالثة محتملة! أم أنها حرب باردة استنزافية ستضع الاقتصاد العالمي على محك الأزمات!

 

بقلم بكر السباتين

22ديسمبر 2021

 

 

قاسم حسين صالحالسقوط الأخير

من مفارقات ما حصل، ان الجماهير الشعبية التي اشعلت ثورات (الربيع العربي 2011) واطاحت بأنظمة استبدادية وطغاة، خطفت السلطة منها أحزاب الأسلام السياسي، مع انها لم تشارك في تلك الثورات، ومعظم قادتها اما في السجون او المنافي او يعملون في الخفاء .

وتفسير ذلك يعود ذلك لسببين: الأول، ان تلك الجماهير ما كانت موحّدة في قيادة سياسية، والثاني، ان الناس كانوا ينظرون الى قادة احزاب الاسلام السياسي بوصفهم مناضلين اشدّاء ضد حكّام مستبدين، ففازوا في الأنتخابات واستلمت الحكم في 2011، غير انها تقهقرت بعد عقد من (الربيع العربي).

وبعيدا عن الجدل وتعدد التفسيرات بخصوص (الأسلاموية) وما اذا كان (الاسلام السياسي) ايديولوجيا معاصرة، او ان (الأسلام هو الحل) .. فان ما يعنينا هنا هو: لماذا فشلت احزاب الاسلام السياسي في ادارة شؤون الناس سياسيا واقتصاديا؟ ولماذا سقطت اعتباريا حتى عند الجماهير التي اوصلتها للسلطة؟

كان آخر سقوط لها هو(8 ايلول/ سبتمبر2021). ففي هذا اليوم تلقى حزب العدالة والتنمية في المغرب هزيمة قاسية بشكل لم يخطر على بال ألد خصومه.. ان يتقهقر من 125 مقعدا في انتخابات 2016 الى 12 مقعدا! في 2021. والمخزي او المخجل، ان رئيس الحكومة الذي هو الأمين العام لحزب العدالة والتنمية (سعد الدين العثماني) الذي ترشح في دائرة المحيط باالعاصمة الرباط.. فشل في نيل مقعد برلماني وفاز به شاب بعمر ابنه!

لقد وصفت صحيفة (نيويورك تايمز) خسارة أسلامي المغرب في الأنتخابات التشريعية بأنه "هزيمة آخر حكومات الاسلاميين في الشرق الأوسط وشمال افريقيا".. وهذا صحيح في حدود شمال افريقيا (تونس، الجزائر، المغرب) وغير صحيح على صعيد الشرق الأوسط، لأن السلطة في العراق ما تزال بيد احزاب الاسلام السياسي.. مع انها كادت ان تسقط قبل سقوطها في المغرب.ففي مقال لنا في المدى بتاريخ(22/7/2018) بعنوان (صعود احزاب الأسلام السياسي في العراق وهبوطها) تناول الأسباب التي ادت الى صعود أحزاب الإسلام السياسي الى القمة بعد التغيير (2003)، والأسباب التي دحرجتها يومها من تلك القمة.. خلاصتها انها اعتمدت في(2006) سيكولوجيا الضحية واستخدمت آلية التخويف من الآخر في دعاياتها الأنتخابية التي ضمنت لهم اعادة انتخابهم(2010) رغم معرفة الناخب انهم فاسدون. وليس هذا اتهاما او قول شارع بل اعترافات مسؤولين كبار بينهم رئيس الوزراء السيد حيدر العبادي الذي صرّح في البصرة (22 شباط 2017) بصرف سبعة ترليونات دينار عراقي على مشاريع لم يتحقق منها أي شيء! في اتهام صريح لسلفه السيد نوري المالكي الذي صرّح علنا بقوله "لديّ ملفات فساد لو كشفتها لأنقلب عاليها سافلها". وكنّا قد سألناه وقتها: بحق الإمام الحسين عليك.. هل خفت على الناس أم أنك صرت على يقين بأنك إن كشفت الفاسدين وأبناء المسؤولين من الخصوم.. فإنهم سيفضحون فاسدين كباراً من حزبك؟.. ولم يجب. والأقبح أن كليهما (المالكي والعبادي) لم يحاسب فاسدين أو استرجع منهم ما نهبوه من ثروة تكفي لبناء بلد خرج من حرب كارثية. والأقبح أخلاقياً أنهم عاهدوا جماهيرهم على العيش بكرامة وتخلّوا عنه، وفقدوا مصداقيتهم، وتركوا ملايين الشيعة الذين أوصلوهم الى السلطة يعيشون في بيوت الصفيح، و ثلاثة عشر مليون عراقي تحت خط الفقر باعتراف وزارة التخطيط، فيما صاروا هم يعيشون حياة باذخة ويشترون الفلل والشقق الفارهة في مدن العالم بعد أن كانوا معدمين.

استطلاع رأي

من عادتنا اننا نستطلع الأراء في مثل هكذا اشكاليات، فتوجهنا بهذا السؤال:

(كل احزاب الاسلام السياسي في الدول العربية فقدت السلطة الا في العراق، ما اسباب ذلك برايك؟).

شارك في الاستطلاع اكثر من 700 مستجيب بينهم اكاديميون واعلاميون.. توزعت اجاباتهم بعد التحليل على النحو الآتي:

طبيعة المجتمع العراقي

كان السبب الأول في بقاء كتل وأحزاب الأسلام السياسي في السلطة بالعراق يعود الى ان العراقيين تتحكم بها الطائفية وغياب الوعي والتخلف والجهل والتفكير الخرافي والتملق، وغياب الوعي الوطني الجمعي، فضلا عن ان احزاب الأسلام السياسي في الدول العربية لبس لديها مرجعيات دينية ومذاهب متعددة ومليشيات مسلحة كما في العراق.

احزاب السلطة

امتلاك كتل واحزاب الأسلام السياسي في العراق ثروة هائلة بشكل مشروع وغير مشروع، واستخدامها المال السياسي في شراء الذمم و توظيف من يمنح صوته لها في مؤسسات الدولة التي تقاسمتها فيما بينها بالمحاصصة، فضلا عن سيطرتها على الهيئات المستقلة لاسيما المفوضية والمحكمة الاتحادية لشرعنة افعالهم.

ضعف الدولة

غياب القانون واستقواء تلك الأحزاب بما لديها من فصائل وميليشيات مسلحة.. شكّل السبب الثالث في بقاء هذه الأحزاب.

التدخل الخارجي

احتل التدخل الخارجي المرتبة الأخيرة في اسباب بقاء هذه الأحزاب، وحددها المستجيبون بالآتي:

- العراق تحت حماية أميركا، وهي تريد اضعافه لتذهب به للتطبيع لأنها هي التي مكّنت احزاب الأسلام السياسي من السلطة، وبتخطيط امبريالي عالمي مع الموساد الأسرائيلي.

- ايران هي اللاعب الاول في العراق، وستبقى هذه الأحزاب ما دام النظام الايراني موجودا.

تحليل سيكوبولوتك

حددت نتائج الاستطلاع الأسباب التي مكنّت كتل وأحزاب الأسلام السياسي من البقاء في السلطة بالعراق، لكنها لم تشر الى ما يكمل الأجابة ويحسن التفسير.. نوضحه في الآتي:

المشكلة السيكولوجية التي تعاني منها قيادات هذه الأحزاب، انهم اعتبروا أنفسهم (ضحية) النظام الدكتاتوري.. ومن سيكولوجيا الضحية هذه نشأ لديهم الشعور بـ(الأحقية) في الأستفراد بالسلطة والثروة، معتبرين ملايين العراقيين في الداخل اما موالين لنظام الطاغية أو خانعين.. وأنهم، بنظرهم، لا مشروعية لهم بحقوق المواطنة.وما حصل سيكولوجيا ان شعورهم بـ(الأحقية) دفعهم الى ان يعتبروا العراق ملكا لهم.. فتقاسموه دون خوف، لأنهم عزلوا انفسهم لوجستيا ونفسيا بمساحة 10 كيلومتر مربع، محصنة أمنيا ومهابة بسفارة الدولة التي اسقطت نظام الدكتاتور واعترفت رسميا بانها دولة محتلة.. ونجم عن كل هذه التفاعلات السيكولوجية أن تحول السياسي الى حاكم مستبد.. ويعني الاستبداد سيكولوجيا شعور الحاكم بخوف يتنامى الى قلق، يتصاعد الى حالة رعب من خطر يتهدد وجوده الشخصي والأعتباري.

واشكالية قادة هذه الأحزاب السيكولوجية ايضا، انهم مصابون بـ(الحول العقلي) وهو مصطلح ادخلناه في علم النفس العربي ويعني ان صاحبه يقسّم الناس الى فريقين(نحن و هم)، وان تحكّمه في تفكيره يجبره على أن يغمض عينيه عن سلبيات جماعته ويضخّم ايجابياتها، ويعمل العكس مع الجماعة الأخرى.. وانه يحمل الشركاء سبب افقار الناس وخراب البلد وخلق الأزمات مع انه شريك فيها.فضلا عن ان حولهم العقلي هذا يدفعهم الى ان يكون معيارهم هو القرب والولاء منهم وليس الخبرة والكفاءة، التي بسببها فقد العراق الاف العقول التي هاجرت التي كان بامكانها ان تبني وطنا يحمل كل المقومات لأن يعيش أهله برفاهية.

واشكالية فكرية سايكو سياسية، ان نوافذ تفكير قادة هذه الأحزاب مغلقة ضد أي فكرة تخالف معتقداتهم الماضوية، وبسببها فأنهم يفتقرون الى الحنكة والدهاء السياسي لاسيما في العراق. فمع ان الاسلام يعتمد (الشورى) وليس الديمقراطية، فان حركة النهضة في تونس تمردت على النمط المصري (حكومة مرسي) بتشكيل ائتلاف مع حزبين علمانيين يوم فازت في الانتخابات، والمنهج نفسه اعتمده الأسلاميون في المغرب بتشكيل حكومة على النمط الأئتلافي.. ومع ذلك فشلوا!لأن (حولهم العقلي) اضطرهم مجبرين على تحالفات مع دول عميقة تابعة لقوى خارجية ذات نفوذ تؤمن بقاءهم في السلطة مقابل شروط يدفع ثمنها الناس والوطن.

والخلاص.. كيف سيكون؟

ان حاضرنا.. صار تائها في خياراته بعد وثبة تشرين 2019 حيث يومها كان الخيارواضحا ومحددا باقامة دولة مؤسسات مدنية.ومع ان انتخابات 10 تشرين/اكتوبر 2021 جاءت تنفيذا لمطلب تشريني ليكون خيار العراقيين نحو التغيير، فان مقاطعة قوى وطنية وتقدمية منح الفرصة لفوز احزاب الاسلام السياسي.وان الحال في العراق تحكمه حقيقة سيكولوجية، هي ان احزاب الأسلام السياسي يوحّدها الخوف من الناس، فيما قوى التغيير تفرّقها الأنانية.. ولن يكون الخلاص الا بأن تتوحد قوي التغيير بحال يخلق اليقين لدى الناخب العراقي بأنها هي الطريق الى التغيير.. وعندها يكون السقوط الأخير لأحزاب الأسلام السياسي في العالم العربي.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

 

 

ابراهيم أبراشفي مثل هذا الشهر (سبتمبر/أيلول) قبل 39 سنة ارتكبت قوات الكتائب اللبنانية بدعم واسناد جيش الاحتلال الإسرائيلي مجزرة في مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين في لبنان وتم قتل وبدم بارد أكثر من 2000 من المدنيين بالرصاص والسلاح الأبيض، وقبل هذه المجزرة ارتكب الكيان الصهيوني عشرات المجازر بدءاً من مجزرة دير ياسين 1948 والطنطورة مروراً بمجزرة غزة 1955 وخانيونس وكفر قاسم 1956 إلى المجازر المتواصلة في جولات العدوان على غزة واغتيال المدنيين في الضفة .

 وفي مثل هذا الشهر 1970 كانت أحداث أيلول في الأردن (أيلول الاسود)، ثم الحرب الأهلية في لبنان بعد سنوات والعدوان على لبنان ومحاولة جيش الاحتلال تصفية الثورة الفلسطينية في حرب 1982، وبعدها وقبلها جرت مواجهات ومحاولات عديدة لتصفية الثورة أو اغتيال قياداتها وبالفعل نجحت إسرائيل في تصفية الكثير من القيادات وإجبار قوات الثورة على الانتقال بعيدا عن خط التماس مع الأراضي المحتلة.

 وفي مثل هذا الشهر كانت اتفاقية أوسلو 1993 حيث حاولت إسرائيل ومعها الإدارة الأمريكية تصفية الثورة والقضية من خلال مناورة السلام والتسوية السياسية، وقبله وبعده كانت عشرات مشاريع التسوية أو التصفية بدءاً من لجنة كنغ كراين 1919 والكتاب الأبيض 1939 إلى قرار التقسيم 1948 ومشروع روجرز بداية السبعينيات إلى مبادرة السلام العربية وخطة خارطة الطريق 2002 وصفقة القرن في عهد الرئيس الامريكي ترامب، وأخيرا الحديث عن (الاقتصاد مقابل الأمن).

وفي مثل هذا الشهر استكمل شارون تنفيذ الخطة الاستراتيجية بفك الارتباط بقطاع غزة وسحب قواته منها، حيث اعتبرت فصائل المقاومة أن ذلك انتصاراً كبيراً لها وتحريرا لقطاع غزة !!.

  وفي مثل هذا الشهر قبل عام كان توقيع ما يسمى (اتفاقات إبراهيم) للتطبيع بين الإمارات والبحرين مع إسرائيل مما فتح المجال لدول أخرى للتطبيع في محاولة لتغيير معادلة الصراع وزرع فتنة بين الفلسطينيين والعرب.

هو تاريخ طويل من الحرب والصراع والمجازر بحق الشعب الفلسطيني ومحاولات تصفية القضية بالقوة أو تحت مسميات مشاريع سلام، وفي نفس الوقت تاريخ طويل من النضال الذي لم يتوقف منذ هبة البراق 1929 إلى انطلاق الثورة مع حركة فتح 1965 واخيرا انتفاضة أيار العظيمة هذا العام التي تعرضت للغدر مبكرا بسبب الانقسام والحسابات الحزبية الضيقة.

 نضال ممتد طوال مائة عام أوقع مئات الآلاف من الشهداء الذين تتوسد أجسادهم الطاهرة ثرى أرض فلسطين وأراضي الشتات، وعشرات الآلاف من الأسرى الذين تعاقبوا على السجون الصهيونية وما زال الآلاف منهم يعانون وينتظرون ساعة الحرية ومنهم النساء الماجدات والأطفال والمرضى والكثيرون ممن ينتظرون الحرية أو يحفرون الأرض بأيديهم طلباً لها، ووراء كل أسير  قصة ورواية ومعاناة إنسانية.

من المؤكد أنه بعد هذا التاريخ الطويل لم يتم تحرير فلسطين وما زالت كل فلسطين تحت الاحتلال ولا تغرننا مسميات الحكم الذاتي أو غزة المحررة، ولكن وبالرغم من كل ذلك فإن الصراع ما زال محتدماً ومفتوحاً وما زال العالم ،أنظمة وشعوب ومنظمات دولية، يتحدث عن القضية الفلسطينية ويعترف بحق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره الوطني على أرضه وحقه في دولة مستقلة كما أن النضال لم يتوقف وإن تغيرت أشكاله وتراجعت وتيرته، وهذا ما يربك العدو الصهيوني ويكشف زيف كل دعايته ومراهناته أن القضية الفلسطينية انتهت والشعب الفلسطيني استسلم للأمر الواقع.

أن يُعلن رئيس وزراء العدو في هذا الشهر أنه لن يتفاوض مع الرئيس الفلسطيني وأنه لا عودة لمسار التسوية السياسية ولن تكون هناك دولة فلسطينية الخ، لا يعني أنه انتصر على الشعب الفلسطيني أو نهاية الصراع بل هو خطاب الخائف من المستقبل ومن انتفاضة آتية ولا ريب ومن متغيرات قادمة، وهذا الموقف المتطرف يُراد منه زرع اليأس في قلوب الفلسطينيين وتقوية الوضع الداخلي لتينيت وحكومته.

نعم، واقع النظام السياسي الفلسطيني سيء كما هو الوضع الاقتصادي والأسواء تفكك المنظومة القيمية وتشويه الهوية الوطنية الجامعة، أيضاً هناك خلل في الطبقة السياسية وطريقة تصريفها للأمور وقد كتبنا وكتب غيرنا منتقداً هذه الطبقة ومطالبين بتغييرها.

لكن هناك حقيقة يجب أن لا تغيب عن البال ويعرفها العدو جيداً بل إن إدراكه لها أقوى من إدراك البعض في الطبقة السياسية وهي أن هناك 14 مليون فلسطيني نصفهم داخل فلسطين الممتدة من البحر إلى النهر والنصف الآخر في الغربة ينتظرون حق العودة، وأن كل جرائم الاحتلال ومضايقاته وحروبه لم تغير هذه الحقيقة، أيضاً أنه وبالرغم من سوء أداء الطبقة السياسية إلا أن لا أحد رفع الراية البيضاء أو وقع وثيقة استسلام أو إنهاء للصراع، نعم بعضهم بالغ في المناورة والتكتيك وذهب بعيداً في المراهنة عل مشاريع التسوية أو على هدنة يوقعها مع إسرائيل، وبعض هذه السلوكيات والمراهنات أضرت كثيراً بالقضية لغياب توافق وطني حولها ولأن إسرائيل استغلتها لصالحها، كما أن القول بعدم التفريط واستمرار التمسك بالثوابت لا يكفي لأن المطلوب ليس القول بالتمسك بالثوابت بل تحويلها إلى واقع من خلال تحرير الوطن السليب وإنهاء الاحتلال، وإلا فكل شخص أو حزب يمكنه تبرير تقاعسه او فساده أو بقائه في السلطة بذريعة أنه يتمسك بالثوابت!!!.

التصريحات الخطيرة لرئيس وزراء العدو مرت مرور الكرام ولم نسمع أو نشاهد ردودا عليها لا من السلطة ومنظمة التحرير حيث كل المراهنة على التسوية السياسية والمفاوضات، ولا من فصائل المقاومة التي تعاملت مع الأمر وكأنه شأن يخص السلطة والمنظمة فقط ولا يعنيها حيث كل ما يهمها توقيع هدنة وتثبيت السلطة القائمة في غزة، بل لا يخلو خطاب بعض فصائل المقاومة من شماتة لفشل منظمة التحرير في مراهنتها على التسوية السياسية.

فهل استنفذت السلطتان والفصائل والأحزاب المقاوِمة وغير المقاوِمة كل ما لديها واستقرت الأمور على ما نحن عليه؟ في اعتقادنا أن التغيير ممكن وواجب والكرة في يد الشعب لفرض انتخابات عامة لتجديد الطبقة السياسية ولكسر حالة الجمود. دون انتخابات، بعد فشل كل محاولات التوافق والمصالحة، لن تبقى الأمور على حالها فقط بل ستزداد تدهورا.

 

إبراهيم ابراش

 

 

رزكار عقراوي(E-Left)، نحو يسار علمي ديمقراطي معاصر.. يساري مستقل

طرحت بدايات مفاهيم اليسار الالكتروني (Electronic Left ”E-Left”) منذ ما يقارب العشرين عاما وتطرقت إليها في نقاط أساسية في مقالات وحوارات مختلفة، كما نرى إن الكثير من تلك النقاط التي طرحت أثبتت الكثير من مصداقيتها، وارى من الضروري الآن التوسع في توضيح ابرز أسسه الفكرية والتنظيمية وبشكل أكثر تفصيلا.

من الممكن أن يفهم مصطلح اليسار الالكتروني من خلال الاسم في انه تحويل مؤسسات وأحزاب اليسار من شكلها التقليدي إلى استخدام تقنية المعلومات والانترنت فقط!، برأيي انه يتجاوز ذلك بشكل كبير جدا، حيث هو تيار جديد يطرح مفاهيم علمية ديمقراطية معاصرة وحديثة لمفهوم اليسار وخطابه السياسي، واليات تنظيمه وعمله لتتلائم مع التطور والتقدم العلمي والمعرفي والحقوقي للإنسانية في المجالات المختلفة، والتغيير الكبير الذي حصل في آليات التعامل والتواصل وتنظيم الجماهير بسبب الثورة التكنولوجية والمعلوماتية الكبيرة.

أبرز الأسس الفكرية والسياسية لليسار الالكتروني

كقوى يسارية نناضل ضد النظام الرأسمالي بأشكاله المختلفة ونعمل من اجل تغييره، نحو أنظمة اشتراكية ديمقراطية أخرى أكثر عدلا وإنسانية بغض النظر عن مسمياتها، ولكن السؤال هنا هل سنستطيع تغييره من خلال التمسك الحرفي بنصوص وخطاب سياسي واليات عمل وتنظيم تقليدية تقادمت إلى حد كبير! وحصرت في قوالب جامدة، وتتنافى بشكل كبير مع التفكير الجدلي والتقدمي للماركسية واليسار، في حين إن الرأسمالية تطور نفسها في كافة المجالات على مدار الساعة بل في الدقيقة ! وتتكيف بشكل سريع وفعال مع الأزمات المختلفة والخروج منها وتجديد ذاتها؟ وهل سنستخدم” أسلحة قديمة جدا” واقصد هنا الخطاب واليات العمل والتنظيم في هذا الصراع الكبير والمعقد ونضمن الانتصار؟ برأيي الجواب سيكون ”لا” بالتأكيد والواقع الحالي يفرضها علينا ويزكي ذلك!.

إذا لابد أن نواجه الرأسمالية ”بأسلحتها” المتطورة، العلوم الحديثة والتجديد والتطوير المتواصل في كافة المجالات، ونتفوق عليها وهكذا فعل كارل ماركس وفريدريك أنجلز (لقد أشار ماركس أنجلز في مقدمة الطبعة الألمانية لعام 1872 من البيان الشيوعي بعد حوالي ربع قرن فقط من كتابته: “لقد شاخ هذا البرنامج اليوم في بعض نقاطه بتأثير التقدم الضخم الذي أنجزته الصناعة الكبرى خلال الخمس والعشرين عامًا الأخيرة”..........)، والتطور المحدود الذي حصل في تلك الفترة القصيرة التي أشار إليها ماركس و أنجلز لا يقارن بأي شكل مع التطور الهائل الذي حصل الآن ووفقا لذلك ماذا سيكون رأيهم الآن؟!..... إذا عاصروا المرحلة الحالية بعد كل هذه التغييرات الهائلة؟

من الضروري جدا مواكبة العصر الراهن والتحديث الكبير والمستمر ومسايرة التطور العلمي والمعرفي والحقوقي الهائل في مختلف المجالات، والاستفادة القصوى منها واستخدامها في نضالنا من اجل التغيير ولتطوير وتحديث، وتجديد خطاب وبرامج أحزابنا اليسارية، وآليات التنظيم والقيادة والتعامل مع الجماهير، ومواجهة التحديات المعقدة والكبيرة، والتفاعل السريع مع التغييرات المحلية والإقليمية والعالمية، بما يمكن أن يسهم في تفعيل الحوار المحلي والإقليمي و العالمي بين قوى اليسار، لتطوير وتحديث تنظيمات اليسار و تأسيس اطر وتحالفات يسارية ديمقراطية، ، ملتزمة جوهريا بروح التجديد المعرفي والتنظيمي والإنساني للفكر اليساري من جهة و بروح الثورة التكنولوجية والمعلوماتية من جهة ثانية.

ووفقا لذلك أرى ان أبرز الأسس الفكرية لليسار الالكتروني هي:

1- يسار علمي يستند إلى التطور المعرفي والحقوقي العقلاني للفكر اليساري والإنساني، ومواثيق حقوق الإنسان العالمية، ويستفيد من الجوانب الايجابية لكافة الاتجاهات الماركسية واليسارية والتقدمية المختلفة، ويقر بتعدد المرجعيات الفكرية اليسارية، ولا يعتبر أي نظرية أو ايدولوجية نصاً دينياً مقدساً. ويعمل على الاستفادة واستخدام التطور التكنولوجي والعلمي والمعرفي والحقوقي في عمله السياسي والتنظيمي والإعلامي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي، ولتكن لنا العشرات من الحلول المختلفة نعمل وفقها ونجربها للتخطيط وتوجيه نضالنا اليساري والياته من اجل تحقيق أكبر قدر ممكن من العدالة الاجتماعية والمساواة والحريات وبأفق اشتراكي.

2- بدائل علمية وعقلانية وفق ما هو الممكن الآن وليس ما هو المطلوب!: إذا ننطلق من الجانب النظري ووفق ما هو المطلوب الآن منا ان نطرحه كمعظم اليساريين فأكيد هو دولة اشتراكية ديمقراطية ونظام لا طبقي والمساواة الكاملة إلى حد كبير، ولكن السؤال هنا هل هو الممكن الآن عمليا وفي ضوء الظروف الموضوعية والذاتية؟ وهل سنستمر أن نكون أسرى ألايدولوجيا وترديد الجمل الثورية، وننطلق مما هو مطلوب نظريا في غياب المنهج العلمي في كيفية تنفيذ هذا التغيير المجتمعي الجذري الكبير والشامل، ولا ننطلق مما هو ممكن تحقيقه الآن عمليا على ارض الواقع؟

لذلك يحاول اليسار الالكتروني طرح سياسات وبرامج وبدائل علمية و وأكثر عقلانية واقعية مرتبطة بهموم الجماهير الكادحة وعموم المجتمع، وتطلعاتها وحياتها اليومية وتغيرها نحو الأفضل ولو بدرجات محدودة، منطلقا من قدراته الواقعية و قدرات الفئات التي يدافع عنها، والأوضاع القائمة وخصوصية ودرجة تطور المجتمعات التي يعمل فيها، والظروف والمتغيرات المحلية والإقليمية والدولية في تحديد مهماته العملية والمرحلية بالاستناد إلى العلوم الحديثة والأفكار اليسارية والتقدمية المختلفة.

لكي لا يبتعد اليسار بأهدافه وأطروحاته ويقتصر على ترديد الجمل الثورية والوصفات الكلاسيكية الجاهزة، ويهيم في الأوهام أو النصوص النظرية الجامدة التي تقادم الكثير منها في الوقت الحاضر. والتي للأسف حولت من قبل الكثير من اليساريين إلى “نصوص مقدسة جامدة “ وحقائق دينية مطلقة وأزلية معصومة من الخطأ، و صالحة لكل الأزمان والأمكنة، وفي أحيان كثيرة تم “عبادة وتأليه“ منظري الماركسية واليسار وبعض قادة الأحزاب.

لابد من تحرير اليسار من النصوص النظرية المطلقة وما أنتجته من عبادة الأفراد لكي نتجاوز تلك المرحلة ، وإعادة القادة العظام ومفكري اليسار إلى خانة “البشر“ بعد أن حولوا إلى “آلهة وقديسين وشيوخ دين“، وخلق ذلك حالة سلبية من الجمود الفكري العقائدي أضرت كثيرا باليسار وتطوره ودوره في مجتمعاتنا.

تغيير حياة البشر نحو الأفضل هو الأساس لليسار الالكتروني، ولو بخطوات محدودة وتدريجية من خلال طرح بدائل مرحلية واقعية، تنطلق من الواقع وفي ضوئها تتوجه نحو النظريات والأفكار اليسارية والتقدمية والإنسانية المختلفة التي يمكن الاستفادة منها للتغير حسب حالة وظروف وتطور كل بلد وليس العكس، والتي يجب أن تخضع إلى عملية نقد وتطوير وتجديد متواصل ومترابط بشكل وثيق مع التطور العلمي و السياسي و الاجتماعي والاقتصادي والحقوقي والثقافي والبيئي للإنسانية.

3- التجارب الاشتراكية واليسارية: يدعو إلى مراجعة الماركسية والمدارس اليسارية المختلفة وتراثها، وتقييم التجارب الاشتراكية واليسارية مثلا (المعسكر الاشتراكي السوفيتي، التجربة الصينية، التجارب الاشتراكية واليسارية المحلية، وتجارب الاشتراكية الديمقراطية وبالأخص في الدول الإسكندنافية..... الخ) بشكل علمي وفق السياق التاريخي لها ويستند إلى الظروف المحلية والإقليمية والعالمية آنذاك ومن كافة جوانبها، ويدرس الإيجابيات والسلبيات وفق قراءة و تحليل نقدي ومنهجية علمية غير متعصبة لهذا التيار او ذاك او لشخصيات يسارية محددة من اجل الاستفادة من الجوانب الايجابية وتجنب السلبيات.

4- يهدف إلى بناء دولة ديمقراطية علمانية بنظام سياسي واقتصادي واجتماعي وبيئي عادل ويؤكد على رفض كافة أشكال الاستغلال الطبقي و يستند فيه إلى سلطة الشعب، يحيد فيها دور الدين والقومية، وتستند إلى المواطنة المتساوية ويحترم التعدد القومي وحق الشعوب في تقرير المصير، وسيادة القانون المستند إلى مواثيق حقوق الإنسان الدولية، و احترام الحريات والمساواة و العدالة الاجتماعية والضمانات وحق التنظيم والتظاهر والإضراب وفصل السلطات والقضاء المستقل و والإعلام الحر المفتوح لكافة التوجهات الفكرية والسياسية، ويؤكد على أن الإنسان وحقوقه الكاملة هي الأساس، وبمفهوم عالمي بغض النظر عن العرق أو الدين أو الجنس او التوجه السياسي والفكري، ويناهض عقوبة الإعدام، ويبتعد في عمله وتحالفاته عن الحكومات و القوى الاستبدادية والدينية والقومية المتعصبة المناهضة لحقوق الإنسان الأساسية.

5.- يتوجه ببرامجه وسياساته بشكل رئيسي نحو العمال والكادحين وكافة الفئات المستغلة و المهمشة و الطاقات الشابة وكل الفئات المتعطشة للتحديث والتغيير والعدالة والمساواة في المجتمع ،وكمرحلة إصلاحية يدعو إلى نظام اقتصادي عادل وشفاف يتحقق فيه اكبر قدر ممكن من العدالة ودولة الرفاه والمساواة، من خلال سياسيات اقتصادية مختلفة يشترك فيها القطاع العام والتعاوني والمختلط والخاص ويكون وفق الإدارة الجماعية للاقتصاد مع إعطاء الأهمية لدور الدولة في التخطيط الاقتصادي المركزي و تحت إشراف ديمقراطي جماهيري ، ويستند الى الضرائب التصاعدية والعدالة الاجتماعية والضمان والتكافل الاجتماعي المناسب واستئصال الفقر و تكافؤ الفرص ومكافحة البطالة وتنمية القدرات البشرية والاستخدام العلمي العقلاني والكفوء لموارد البلاد ، ومجانية التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية وكافة الخدمات العمومية الأخرى وإشراك الجميع في خيرات المجتمع بحيث يضمن مستوى ونوعية حياة مناسبة لجميع المواطنات و المواطنين.

النضال الاصطلاحي لا يناقض النضال المتواصل من اجل التغيير التدريجي نحو نظام سياسي-اقتصادي يحقق المساواة الكاملة وإزالة كافة الفوارق الاقتصادية بين طبقات المجتمع، وتحقيق العدالة الاجتماعية إلى أكبر قدر ممكن بغض النظر عن مسمياته، طرح طبيعة وأسس النظام السياسي والاقتصادي الذي سنناضل من اجله سيختلف حسب خصوصيات وطبيعة كل بلد، والتوازنات الطبقية والسياسية والظروف المحلية والعالمية.

6- يسار يتجاوز الشمولية ويؤمن بالعملية الديمقراطية والتعددية والتداول الديمقراطي السلمي للسلطة ،والتغيير التدريجي نحو أنظمة أكثر عدلا حسب توجهات أغلبية الجماهير، وتجمع بشكل خلاق بين الديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية والعلمانية، ويرفض كافة أنواع الدكتاتوريات مهما كانت تسمياتها والى أي شرعية تستند إليها او الادعاء باحتكار الحقيقة المطلقة، وكذلك مفهوم الطبقة او الحزب الواحد المحتكر للسلطة وبأي تسمية كانت، ويتبع أساليب مختلفة من النضال الجماهيري والديمقراطي سواء كان في السلطة او المعارضة، ويحترم آراء الناخبين والناخبات في أجواء ديمقراطية تتوفر فيها الحد المناسب من المساواة لكافة الأحزاب والتوجهات السياسية وفق حالة كل بلد.

7- يعمل من اجل بناء وتقوية اتحادات ونقابات عمالية ومهنية مستقلة وموحدة تدافع عن الفئات التي تمثلها وفق مواثيق حقوق العمال وعموم شغيلة اليد والفكر الدولية واتفاقيات الحريات النقابية وحماية حق التنظيم النقابي، ويتجنب تحويلها إلى واجهات سياسية - حزبية تنفذ بشكل أكبر سياسات هذا الحزب او ذاك، وحتى أحيانا تكون جزءا من صراعاته، وهذا لا ينفي وجود تيارات سياسية مختلفة داخل تلك النقابات وتنسق وتعمل معا من اجل تحقيق أهداف مهنية مشتركة.

أن خضوع الاتحادات والنقابات العمالية والمهنية إلى سلطة الأحزاب وتأثيراتها يعتبر عاملاً سلبياً ويؤدي إلى إضعافها، ونشوب صراعات داخلية تساهم في تشتيتها بسبب المحاولات التي تجري لفرض أجندات حزبية ضيقة معينة عليها، وكذلك إدخالها في متاهات الصراعات التنظيمية والحزبية الخارجية والداخلية التي ابتلي بها اليسار نتيجة مواقف معظم النخب اليسارية المتزمتة، التي مازالت ترفض التنسيق والعمل المشترك في ما بينها وحتى بين منظماتها الجماهيرية والنقابية.

8- يطالب بالمساواة الكاملة للمرأة والتميز الايجابي، وتكريس حصة ” كوتا” تصاعدية في مؤسساته لحين تحقيق المساواة الفعلية والتامة، ويتوجه نحو تحقيق ذلك في كافة هيئاته القاعدية والقيادية ونشاطاته المختلفة، ويعمل باليات تنظيم تتيح وتوفر مرونة كبيرة في تبوء المرأة المناصب القيادية وتطوير إمكانياتها القيادية، وكذلك دعم والمساهمة في تشكيل اتحادات نسائية مستقلة وموحدة، تعمل وفق مواثيق حقوق المرأة الدولية. معظم قوى اليسار مازالت ذكورية و إلى مستويات كبيرة، ودور وتأثير المرأة محدود وبشكل واضح وخاصة في المستويات القيادية.

ان النضال من اجل تحقيق المساواة الكاملة للمرأة مع الرجل ليس شرطا ان يكون مرتبطا بضرورة تغيير النظام الرأسمالي وإحلال البديل الاشتراكي من خلال اختزاله بالبعد الطبقي وان كان له ترابط وثيق، حيث يمكن تحقيق الكثير من الإصلاحات الآن في ظل الأنظمة الطبقية، والإحصائيات الموثقة والوقائع تشير إلى أن معظم الدول التي استطاعت فيها النساء بنضالاتها الحصول على حقوق كثيرة ومكاسب ودرجات متقدمة من المساواة نسبيا إلى الآن مازالت تصنف كدول رأسمالية، الدول الإسكندنافية كمثال.

9- تحييد دور الدين عن الدولة: يطرح اليسار الالكتروني تحييد دور الدين عن الدولة مع ضمان حرية التدين والعقيدة، واحترام حرية المعتقدات الدينية الشخصية لعامة الجماهير كعلاقة بين الإنسان ودينه دون ان يفرض قسرا على الآخرين، ولابد للدولة ان تكون علمانية وفي مسافة متساوية مع كافة الأديان، وتقدم الدعم للمؤسسات الدينية كمنظمات جماهيرية بشكل متساو حسب درجة ومستوى التدين في المجتمع. ووفق ذلك كافة المؤسسات الدينية لابد ان تكون تحت إشراف الدولة، والعاملين في المؤسسات الدينية يتم تعليمهم في مؤسسات تعليمية حكومية، تستند الى تحييد الدين عن الدولة وقبول التعددية الفكرية والدينية، ونبذ العنف والتعصب وفرض سلطة الأديان والأفكار في المجتمع.

لا ينظر للدين كقضية تناقض رئيسية حيث هو نتاج ظروف اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية وتاريخية و وتأثيراته ودوره وبقاءه وزواله مرتبطة بذلك، ولذلك يتجنب الاصطدام الحاد مع المعتقدات الدينية للجماهير، و يطرح حوار عقلاني علمي رصين وهادئ حول الأديان، وقراءة التراث الإسلامي والأديان الأخرى في بلداننا برؤية يسارية علمية والإشادة بالجوانب الايجابية والتقدمية فيها، والاستفادة منها للتغير الاجتماعي، والانتقاد الهادئ العلمي للجوانب السلبية وفق السياق التاريخي، بحيث يكون مؤثرا بشكل ايجابي على الجماهير المؤمنة وان كان بنسب مختلفة حسب طبيعة كل بلد.

القوى الدينية المتعصبة والتي تعمل من اجل أنظمة حكم تستند الى الدين سواء كانت إسلامية، مسيحية، يهودية.... الخ قوى رجعية وتستخدم الدين للترويج لأجنداتها المتخلفة المنافية للفكر اليساري والديمقراطي وحقوق الإنسان، ويجب الوقوف ضدها وفضحها بكل الطرق الممكنة، وفي نفس الوقت لابد من دعم والعمل مع كافة التوجهات الدينية المتنورة والإصلاحية والتحررية، التي تطرح قراءات تجديدية عصرية للنصوص الدينية والتراث وأنستنها، وتهدف من خلالها إلى تحديث وعصرنة وعلمنة الأديان، وموائمتها مع التطور الفكري والعلمي والحقوقي للبشرية الذي أصبح يتناقض بشكل كبير مع التفكير الديني المتعصب والمتزمت.

10- تعدد المنابر اليسارية والتحالفات والعمل المشترك: الكثير من قوى اليسار بشكل عام تعاني من التشتت والتعصب التنظيمي والانشغال بالصراعات الداخلية والعلاقات التناحرية ونفي الآخر وخوض” الحرب الباردة” بشكل مباشر وغير مباشر ضد بعضها الآخر وهناك نوع من ” الطائفية السياسية المتزمتة! ”، والتركيز على الاختلافات المتعلقة بالأطروحات الإستراتيجية البعيدة الأمد، وعدد غير قليل من قوى اليسار ترفض عمليا كل اتجاه يساري الآخر الذي يختلف عنه، وبل في حالات كثيرة يخونها ويكفرها يساريا، ويرفض اي شكل من أشكال العمل المشترك على كافة الأصعدة. رغم المشتركات ونقاط الالتقاء الكثيرة جدا بين معظم قوى اليسار في بلداننا، لحد في انه إذا أتيت بصحفهم وبياناتهم وفقط أزلت أسماء الأحزاب والمنظمات التي تصدرها، فلن تجد اختلافات كبيرة في الأطروحات والسياسات الموجودة وخاصة في الأمور المرحلية، وان وجدت فهي اختلافات محدودة ومعظمها نظرية عامة، وعادي وجودها في أي حزب يساري ديمقراطي، يتقبل الاختلاف الفكري الداخلي والذي هو ظاهرة صحية تطور من الخطاب اليساري.

لذلك اليسار الالكتروني يطرح العمل والنضال في إطار حركة يسارية اجتماعية واسعة، تهدف الى تعزيز و تقوية دور التيار اليساري والتقدمي في المجتمع بشكل عام متجاوزة للأطر الحزبية التقليدية الضيقة، ويرفض التعصب التنظيمي والنخبوي والشخصي، ويدعو الى الأحزاب و التحالفات اليسارية المتعددة المنابر، و العمل المشترك للقوى اليسارية والتقدمية والإنسانية الذي أصبح أمر شائعا وضرورة ومطلبا حيويا على صعيد العالم اجمع.

من الضروري دراسة والاهتمام بتجارب التحالفات والعمل المشترك في العالم والمنطقة، والاستفادة منها وتطبيقها بما يتلاءم مع الوضع السياسي لكل بلد، و العمل على كل الأصعدة داخليا وخارجيا من اجل إزالة أثار التعصب التنظيمي تجاه البعض الأخر ، وتجاوز الأطر التنظيمية الحزبية الضيقة، و تجديد وتطوير بنيتها الفكرية والسياسية والتركيز على التحالفات والعمل المشترك، والاقتناع بأن مصير الحركة الاجتماعية الواسعة لليسار وتغيير حياة الطبقات الكادحة وعموم المجتمع نحو الأفضل أهم واكبر من مصالح تنظيم يساري محدد.

من المهم جدا أيضا أن تعمل قوى اليسار بخطها المستقل "دون خلط الرايات " وفق نقاط التقاء معينة مع الاتجاهات السياسية والفكرية الديمقراطية والعلمانية والإنسانية المختلفة الأخرى من اجل تغيير الدكتاتوريات المستبدة في بلداننا ومواجهة قوى التعصب الديني والقومي وإرساء حكم ديمقراطي علماني مؤسساتي وتوفير الأمان والخدمات كبرنامج ديمقراطي للحد الأدنى، ولا بد من إتباع تكتيكات وتحالفات معينة حسب ضرورات المرحلة والمجتمع وموازين القوى الطبقية ولا بد من الاستمرار في الحوار البناء مع تلك القوى وانتقاد نقاط الاختلاف معها.

النضال اليساري على مستوى اي البلد مرتبط بالظروف الإقليمية والعالمية لذا لابد من التنسيق والعمل المشترك بين القوى اليسارية في المنطقة وعموم العالم، والاستفادة من خبرات بعضها الآخر، وتشكيل تحالفات واطر تنظيمية إقليمية ودولية تعزز من ذلك وتقوي من دور قوى اليسار عالميا.

أبرز الأسس التنظيمية لليسار الالكتروني

التوجه العالمي بشكل عام هو نحو الانترنت وتطبيقاته في المجالات المختلفة. وتشير الإحصائيات انه في تزايد مستمر ومتواصل وبشكل كبير جدا حتى في بلدان مايسمي بالعالم الثالث، وأصبحت جزءا رئيسيا لا يستغنى عنه في إدارة وعمل المفاصل المختلفة في المجتمع، التطور العلمي والمعرفي الكبير جدا وسيادة الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي التي تحولت كأمر واقع إلى” السلطة الخامسة” في معظم المجتمعات أدت الى:

a. خلق أنماط جديدة من الوعي وأشكال التعبير عنها

b. وفي نظرة الجماهير إلى التغيير والياته،

c. ومكنت عموم الجماهير من التواصل الشفاف والحر

d. وطرح كافة الأمور ومنها الحساسة جدا بشكل علني، والمشاركة والتفاعل في تكوين الحقائق

e. ومتجاوزين كل الأطر المستندة إلى المركزية والانغلاق، والمقيدات الجغرافية والأمنية والتنظيمية والقومية والدينية .... الخ

f. أشاعت حرية الانتقاد العلني دون أي قيود

g. وفعلت الكثير من طاقاتهم الكامنة في فضاء واسع بعد ان كانوا في حالة ركود نسبي ومتلقين إلى حد كبير،

h. وساهم ذلك في رفع مستوى الوعي والمتابعة والرغبة في التمرد، وتطور الوعي الديمقراطي من خلال الاطلاع على الكثير من الآراء الأخرى والتفاعل ومعها وبالتالي قبول متزايد للتعددية الفكرية والسياسية محليا وإقليميا وعالميا.

لقد أدى هذا التطور الكبير في الوعي المعرفي والديمقراطي والشفافية وطرق التعبير والاحتجاج والانتقاد الى عزوف عدد كبير جدا عن الانتماء إلى أشكال التنظيم التقليدية، حيث تغيرت وتطورت مفاهيمهم ومتطلباتهم وتوقعاتهم للتنظيم، وبشكل عام هم الآن أصبحوا ينفرون من أنماط التنظيم القديمة بما فيها الأحزاب والمنظمات اليسارية، التي الكثير منها مازالت تعاني من البيروقراطية والهرمية والمركزية المفرطة وضعف في الشفافية، و تستخدم معظمها آليات عمل وتنظيم تقادمت بصورة واضحة و الى حد كبير.

والبعض من هذه الأحزاب والتنظيمات اليسارية و بسبب هذه الآليات القديمة تحولت إلى تنظيمات نافرة وطاردة للأعضاء بدلا ان تكون جاذبة وحاضنة للمزيد من الأعضاء  بشكل عام وبشكل خاص بين جيل الشباب، وأصبح معدل الأعمار فيها هو الستين فما فوق !، او تحولت الى أحزاب بقيادات بدون قواعد.

الجيل الجديد لا يرفض العمل الحزبي وقيم اليسار، وإنما لا يمكنه العمل وفق تلك الآليات وأشكال التنظيم الحزبي القديمة جدا ولا يجد نفسه فيها الآن. حيث نرى الآن ان معظم الشباب يستخدمون ويبدعون في طرح وتنظيم أنفسهم في أشكال تنظيمية جديدة وحديثة، باستخدام الانترنت وشبكات التواصل، ويؤثرون بشكل فاعل في الواقع الاجتماعي بأضعاف كثيرة مما يقوم بها الكثير من أحزاب اليسار، حيث خلق لهم فضاء رحب وحفزهم في التعبير عن الذات والانتهاكات المختلفة التي يتعرضون إليها، والتطوير والحوار والنقد دون أي قيود تنظيمية او فكرية، وفي والوقت والطريقة التي تناسبهم.

وتشكلت ثقافة وخطاب سياسي واليات تنظيم جديدة خاصة بهم، تجسدت في مجموعات الكترونية مختلفة، ساهمت في تقريب وجهات النظر وكذلك تحديد المطالب الجماهيرية والنضال والاحتجاج، وأصبحت تمثل حركات سياسية اجتماعية مختلفة يقودها الشباب، وبرزت بواكيرها في انتفاضات ما سميت ”بالربيع العربي” التي أسميتها ب” ثورات اليسار الالكتروني غير المنظم” في مقال نشرته في 2011، لاستخدامهم التقنيات الحديثة وإتباع أنماط تنظيم وتحشيد جديدة وفق التطور العلمي والتكنولوجي وطرحهم مطالب يسارية واضحة، متجاوزين أحزاب المعارضة التقليدية بما فيها اليسارية.

الاحتجاجات والمظاهرات والنشاطات المختلفة.... الخ على الأرض هي الأساس والمحك في أي تغيير جذري، ولكن الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي أصبح لها أهمية كبيرة جدا الآن، و لها دور أساسي ومحوري في تكوين الوعي والتحشيد والتنظيم والاحتجاج، ودعم وتنسيق النشاط الميداني للجماهير، ووفرت إمكانيات هائلة للنضال والتحرك بغض النظر عن المكان والزمان وبأقل الكلف.

الانترنت وثورة المعلومات و الاتصالات وشبكات التواصل أدت الى خلق عالم ديمقراطي وشفاف مفتوح وكبير جدا، وأصبحت المحرك الرئيسي للاحتجاجات، وأثرت كثيرا في تطوير الفكر الإداري والتنظيمي وأنماط القيادة، نحو المزيد من الشفافية واللامركزية والمرونة والجماعية.

و أدت أيضا الى إعادة صياغة مفهوم ” دور الجماهير وتدخلها” ارتباطا بقوة التحشيد و تدفق المعلومات والأخبار من مكان الحدث الى أي مكان في العالم، الأمر الذي راكم في بلورة قوة وتأثير الاحتجاج الجماهيري و ضغط الرأي العام الشعبي العفوي، الذي الى الآن وبشكل عام يوجه في اتجاهات محددة حسب قوة المالكين و المشرفين على شبكات التواصل و أجهزة الإعلام والفضائيات، والذين لهم إمكانيات التنظيم والسيطرة على التحركات الجماهيرية والاستفادة منها لإغراضها السياسية ....الخ، وهي بشكل عام قوى ومؤسسات يمينية تناهض تطلعاتها ومطالبها العادلة.

وهنا يأتي دور اليسار الالكتروني في تنظيم هذه النشاطات والاحتجاجات .... الخ المختلفة وتوجيها نحو الاتجاه الصحيح بدلا من إن تكون تحت تأثير وأسيرة للقوى المعادية لليسار والجماهير وتطلعاتها، من خلال التطوير والتحديث الكبير في آليات التنظيم والقيادة والعمل والتفاعل، متزامنة مع الاستخدام الأمثل والكفوء للأنترنت وثورة الاتصالات والمعلومات، التي من المؤكد انها ستخدم النضالات الجماهيرية كما ونوعا وتطورها وتنظمها بشكل كبير، وتعزز من دور القوى اليسارية والتقدمية.

ولتحقيق ذلك، وكذلك لعلاج الانفصال والتباعد الكبير الذي حصل بين الجيل الجديد وتنظيمات اليسار، يطرح اليسار الالكتروني تطوير وتحديث علمي كبير في آليات التنظيم والعمل والنضال ودمقرطتها وإشراك العقل الجماعي إلى أكبر مستوى ممكن، لكي تساير الوضع الجديد و تتفاعل معه من خلال:

1- أنماط جديدة للتنظيم: يتجاوز النمط التقليدي المركزي الذي يعطي احتكار والسيطرة الكبيرة للهيئات القيادية نحو أنظمة داخلية واليات تنظيمية ديمقراطية جديدة مرنة للبناء التنظيمي كنوع من ” التحالفات او الشبكات او التنسيقيات التشاركية الفيدرالية” التي لا تتبني المركزية الهرمية الصارمة والتبعية الإدارية الشديدة، وتتيح قدر كبير من الاستقلالية واللامركزية و الديمقراطية، والحرية الكبيرة للمنظمات الحزبية والجماهيرية والتحالفات والمجموعات والأشكال المختلفة الأخرى للتنظيم في إقرار سياساتها، سواء كانت على الصعيد الفكري أو الجغرافي او الإقليمي او وفق قضايا مطلبية مختلفة.... الخ، وتفويض الصلاحيات والتنسيق في كافة المجالات، حيث من الضروري إعطاء المنظمات والكتل والمجموعات المختلفة داخل التنظيمات المزيد من الصلاحيات في إقرار سياسات والبرامج، وخطط العمل وفق اجتهاداتها وحاجات المناطق التي تعمل فيها، او المجموعات التي تعمل معها وتستهدفها. ولابد من استخدام مفاهيم الإدارة الحديثة والبحث العلمي والتطور التقني والمعرفي والحقوقي في عصرنة آليات التنظيم والإدارة والاتصال الداخلي والخارجي.

أشكال واليات التنظيم المختلفة سواء كانت حزب او تحالف او تنسيقيات تشاركية.... الخ لابد ان تكون ذات مرونة كبيرة دون هيكلية مركزية جامدة وفي تغيير وتحديث متواصل حسب الحاجات والمتطلبات وفق:

a. التطور التكنولوجي والمعرفي والحقوقي

b. ودرجة التطور الديمقراطي والسياسي والقانوني

c. مستوى الحريات وإمكانيات العمل التنظيمي في كل مجتمع، سواء كان سريا ام علنيا

d. اطر العمل التنظيمي المحلي والإقليمي والعالمي

e. نوع القضايا المطروحة والجهات المستهدفة، ووفق ذلك يتم اختيار نوع التنظيم المطلوب

f. عمل وحاجات المنظمات والكتل والمجموعات المختلفة

g. بناء هياكل تنظيمية خاصة لفترات او حالات معينة

h. دراسة مستوى التأثير وتقييم العمل كتنظيمات يسارية مستقلة، ام العمل بشكل فردي او كتل داخل أحزاب او حركات او تحالفات كبيرة مؤثرة في المجتمع، و لها طابع تقدمي نسبيا وتسمح بتعدد الكتل والمنابر الفكرية داخلها ومنها الاتجاهات اليسارية، وفق الموازين الطبقية والحالة السياسية لكل بلد، مثلا تجربة كتلة ” بيري ساندرز” اليسارية داخل الحزب الديمقراطي في أمريكا ، ووفقها يتم الاختيار أيهما هو الأنسب والأكثر تأثيرا لصالح تعزيز دور ومكانة اليسار في المجتمع.

i. ضرورة الحذر والدقة الكبيرة عند اختيار أسماء التنظيمات والأحزاب والتحالفات والشبكات اليسارية حسب درجة تطور المجتمعات والموازين الطبقية والسياسية وخصوصيات كل بلد وتغيير الكثير من الأسماء الحالية، وتجنب الأسماء التي من الممكن ان تكون لها تأثيرات سلبية أكثر من مما هي ايجابية، حيث إن وجود الكلمات الشيوعي، الاشتراكي.... الخ في اسم التنظيم لا يعني بالضرورة يسارية وحقانية ذلك التنظيم، العمل الجماهيري على ارض الواقع ومدى مساهمته وتأثيره في تغيير حياة العمال والكادحين، وعموم المجتمع نحو الأفضل هو الأساس والمحك لأي تقييم او مصداقية واقعية لأي تنظيم يساري. إضافة إلى التأثيرات السلبية للدعاية المضادة لليسار، واثأر تجربة انهيار” المعسكر السوفيتي” التي من الضروري أن تؤخذ بنظر الاعتبار.

2- أسس العضوية وحقوق العضو-ة: يطرح اليسار الالكتروني سياسيات واليات جديدة في العضوية التنظيمية بحيث تتيح للعضو-ة إمكانيات أكثر في التأثير وصياغة السياسات والبرامج، والحرية الكاملة في العمل وفق توجهاته الفكرية والسياسية، التي من الممكن إن تتطابق مع كافة سياسات التنظيم الحزبي اليساري أو جزء منها، وتعزز من روح الانتماء الطوعي للفرد إلى المجموعة ومن الشعور بالمسؤولية السياسية والتنظيمية، كما يتجاوز كافة أنواع المركزية المفرطة والسكرتارية التنظيمية والانضباط الحزبي الصارم، وفق إن تنظيمات اليسار لابد إن تكون اتحادات طوعية ديمقراطية تستند إلى الانضباط الذاتي الحر وليست مؤسسات عسكرية.

ويدعو إلى إلغاء أي قواعد أو بنود تمنع أو تعيق حق الأعضاء في التعبير عن الرأي داخل وخارج التنظيمات اليسارية، ولابد إن يكون لهم الحرية الكاملة في طرح أفكارهم الفكرية والسياسية بالطريقة التي يرونها مناسبة، والمشاركة الفاعلة في صياغة وإقرار السياسات الحزبية، ومفاهيم وبنود مثل:

a. ” اطرح رأيك داخل هيئتك الحزبية او في النشرات الحزبية الداخلية او من خلال رسالة إلى قيادة الحزب”

b. ”نفذ ثم ناقش”

c. ”الطاعة الحديدية العمياء”

d. ”التبعية الكاملة للأعضاء لسلطة القيادة التي تضطلع وحدها بالتفكير والتحليل وإصدار القرارات والقاعدة عليها التنفيذ دون أي اعتراض”

e. التقدم في المناصب الحزبية استنادا الى الولاء للقيادة

f. .......

مفاهيم من الممكن انها كانت مقبولة الى حد ما قبل عقود، ولكن الآن أصبحت شمولية وضعيفة ديمقراطيا وعفا عليها الزمن الى حد كبير، ولها تأثيرات سلبية جدا،وأبعدت الأعضاء وخاصة الشباب جيل الثورة المعلوماتية بشكل كبير جدا عن أحزاب اليسار فكما نرى أنهم خلال دقائق معدودة من الممكن ان ينشروا بوستات علنية عدة في شبكات التواصل، وفي مواقع الانترنت يعبرون عن آرائهم فيها ويتحاورون حولها بكل حرية ودون أي قيود تذكر وتصل إلى عدد كبيرا جدا، في حين ان معظم تنظيمات اليسار ستمنعهم من التعبير العلني، و ستطلب منهم الانتظار لاجتماع هيئاتهم الحزبية بعد أسبوع او شهر، او النشر في النشرات الحزبية الداخلية، او من خلال رسالة خاصة إلى القيادات الحزبية لكي يطرحوا و يعبروا عن رأيهم فيها وبشكل سري غير علني! يصل إلى عدد محدود جدا ولا يصل حتى لكل أعضاء الحزب، فما بالك بعموم المجتمع!.  إن اعتبار نقاشاتنا السياسية والفكرية ورأي الأعضاء أمرا داخليا ويجب ان لا تعلن للخارج هو بحد ذاته منع جماهير اليسار من الاطلاع على الأفكار و الأطروحات المختلفة والحوارات داخل تنظيمات اليسار وتقييمها، وكذلك منع وصول الرأي المختلف عن الخط الرسمي إلى الجماهير، وبالتالي إضعاف التفاعل والرقابة الجماهيرية للمجتمع علينا، وتحولنا الى شبه طوائف يسارية-دينية مغلقة.

كيساريين نطرح الكثير للمجتمع، و نطالب بالديمقراطية والتعددية والشفافية والانتخاب المباشرة، وإشراك الجماهير في القرارات والحريات الفردية والعامة، وحق التعبير العلني والاختلاف والرأي الآخر والإعلام المفتوح والمتنوع... الخ، ولكن من المهم أيضا ان نسأل أنفسنا هل هذه الأمور والحقوق الأساسية والهامة جدا موجودة ومتاحة و مسموحة للأعضاء في تنظيماتنا اليسارية، والى أي حد تطبق، وينعكس ذلك في عملها التنظيمي والسياسي والفكري؟؟! لدينا تناقض ونقص وخلل كبير، والأمر يحتاج إلى مراجعة وإعادة نظر جذرية وتحديث وتطوير كبير، ووفقا لذلك فان أبرز أسس العضوية وحقوق العضو-ة الحزبي وفق اليسار الالكتروني هي:

a. العضوية تستند الى مفهوم التحالف والتعاون والعمل الجماعي لتحقيق اهداف معينة، وليس الى الانتماء وفق مفهوم هرمي وبسلطة مركزية صارمة. والعضو-ة له الدور الرئيسي والأساسي في إقرار السياسة العامة للحزب، مساهمة أعضاء وكوادر الحزب في صياغة سياسة الحزب من القاعدة أي من الأسفل إلى الأعلى ”القيادة” أمر ضروري ومهم، ويجب خلق الإمكانيات والآليات والظروف الملائمة لذلك داخل الحزب، ولا بد من تطوير الاعضاء وتشجيع روح الاجتهاد والتحليل الخلاق بين صفوف الأعضاء، بغض النظر عن توافقه مع الخط الرسمي ام لا، ومن اجل تقوية النضال على مختلف الأصعدة وتطوير المبادرات بين الأعضاء والاستفادة منها.

b. اختيار أشكال ودرجات مختلفة من العضوية المرنة (الفاعلة، المؤازرة، الوقتية، ...... الخ) التي تتيح العمل التنظيمي وفق الظروف الشخصية والحياتية، وكذلك حسب التطور المعرفي والعلمي والحقوقي وأنماط التنظيم.

c. يسترشد بالخطوط العامة للتنظيم أي كان شكلهوينشط وفقها وبما يتفق معها.

d. التعبير العلني عن رأيه في داخل وخارج المنابر التنظيمة بشكل حضاري بناء، وبالطرق المناسبة له ودون أي قيود او تردد او خوف من إجراءات تنظيمية بسبب الاختلاف والإعلان عنه.

e. يحق له بشكل كامل وعلني نقد السياسات التنظيمة الرسمية التي لا يتوافق معها.

f. يحق له عدم تنفيذ سياسات رسمية هو غير مقتنع بها.

g. الحق في الانتخاب، وفي ترشيح نفسه أو آخرين إلى مختلف الهيئات التنظيمية، وكذلك المشاركة في عزل أعضاء القيادة الذين لا يثبتون كفاءتهم في تنفيذ مهماتهم.

h. له الحق في” العضوية المركبة” أي الانضمام إلى أكثر من حزب او تنظيم يساري في آن واحد فمثلا يجد أن له مقتربات سياسية وفكرية مختلفة مع أكثر من تنظيم يساري واحد، فمن الممكن العمل في حزب يساري عام وفي نفس الوقت العمل في حزب او اطار يساري اخر يركز على البيئة بشكل اكبر.

i. حق التكتل للأعضاء داخل الحزب وحق الكتل المختلفة داخل الحزب في استخدام القنوات الحزبية وإعلام الحزب أو إصدار إعلام خاص به للترويج لسياساتها واختلافاتها عن الخط الرسمي للحزب.

j. الابتعاد عن التعامل الاستعلائي تجاه الأعضاء والتلقين الببغائي، وأساليب والتوهين والإقصاء والعزل والتخوين بسبب الاختلاف الفكري والسياسي والتنظيمي.

k. إلغاء عقوبة الطرد من الحزب حيث هي نوع من” الإعدام السياسي والتنظيمي” والاستعاضة عنها بعقوبات إصلاحية أخف مثلا ” التجميد الكامل”، بحيث تحفظ الكرامة الإنسانية والسياسية للعضو-ة لحين يقرر البقاء ام لا ويعطى له فرصة للتغيير، ولابد ان يكون الخروج تطوعيا مثلما هو الانتماء الى الحزب، عقوبة الطرد عقوبة قاسية جدا، ومن الممكن ان تستخدم في حالات كثيرة في تصفية حسابات سياسية من قبل بعض القيادات الضعيفة ديمقراطيا مع من يختلف معها او ينتقدها.

l- استحداث وتطوير آليات وقواعد للعضوية الالكترونية، تتجاوز الأنماط التقليدية للعضوية واطر البلد والجنسية والمكان والعمر..... الخ، وهنا من الضروري جدا مراعاة الجوانب الأمنية ودراستها بدقة.

m. إيجاد آليات سياسية-تنظيمية ديمقراطية مرنة للتعامل مع اليساريين المستقلين الذين لا يودون الانضمام إلى اي نشاط تنظيمي منظم ولأي سبب كان، والاستفادة من إمكانياتهم قدر الإمكان وبالشكل الذي يناسبهم، ويقدر ويتفهم توجهم الرافض للعمل المنظم، ولا ينظر إلى ذلك بشكل سلبي، او يتم التعامل معهم من منطلق استعلائي.

3- تعدد المنابر وحق التعبير والاختلاف والاعلام الحر: لضمان وتعزيز وحدة الحزب وتطويره، وتجنب الانشقاقات والصراعات النخبوية التي هي أحد الأمراض المزمنة والمدمرة لليسار، والاستقالات الكبيرة وهجرة الأعضاء، والالتزام بالمبادئ الديمقراطية، يقر اليسار الإلكتروني بتعدد المنابر والاجتهادات والكتل الفكرية والتنظيمية اليسارية المختلفة داخل المؤسسة التنظيمية سواء كانت حزبا او أي نمط تنظيمي آخر.

إعلاميا يطرح الصحافة الحزبية الحرة المفتوحة، حيث لابد ان يكون الإعلام الحزبي منبرا واسعا للكل في الحزب ومن خارجه من حاملي الأفكار اليسارية والتقدمية والإنسانية، وحتى الناقدة لليسار وتنظيماتها كنوع من تقبل و احترام الرأي الآخر والتفاعل معه ، ويحق لجميع الأعضاء والكتل والأفكار المختلفة داخل الحزب بغض النظر عن موقفهم من السياسات الحزبية الرسمية، استخدامه للتعبير عن آرائهم وسيؤدي ذلك إلى خلق حالة حوار ايجابي بين الاتجاهات المختلفة، و إلى حالة من التفاعل والحوار نشط داخل الحزب، وبالتالي تطويره داخليا وخارجيا واتخاذ القرارات الرشيدة.

ومثلما نطرح ضرورة وجود قضاء مستقل ونزيه في المجتمع، لابد أيضا من بناء نظام قضائي ومحاكم حرفية وهيئات تحقيقية مستقلة ومنتخبة داخل أحزاب اليسار، وضمان ” محاكمات” قضائية نزيهة وعلنية في حالة حصول” مخالفات او اختلافات” ويحق للعضو-ة الحزبي او الكتل الحزبية توكيل محامي للدفاع عنها من داخل او خارج الحزب او التحالف، وتوجيه العقوبات يجب ان يكون آخر الأساليب التي يلجأ إليها، لابد ان يعطي ذلك انطباعا قضائيا-حقوقيا رائعا في عمل اليسار القضائي في إدارة التنظيمات والمؤسسات إذا تسلم حكم المجتمع.

4- القاعدة الحزبية مصدر السلطات: كما نطرح ان ” الشعب مصدر السلطات” في الدولة والمجتمع لابد ان تكون ” القاعدة الحزبية مصدر السلطات” في أحزاب وتنظيمات اليسار وان يكون العقل والقرار الجماعي أساس تنظيمات اليسار الالكتروني، وتصاغ السياسات والبرامج من القاعدة وتناقش بشكل علني، وتقر القرارات المهمة والكبيرة من خلال استفتاءات‎ حزبية ديمقراطية علنية ووفق أسس ديمقراطية تحت إشراف لجان مستقلة ومحايدة يشارك فيها كل عضوات وأعضاء الحزب، ويسبقها حوار علني مفتوح حول القضايا المطروحة للاستفتاء، ولابد من تطوير آليات لأجرائها بشكل سهل ودائمي، والتقنيات الحديثة توفر ذلك إلى حد كبير جدا وبكلف رخيصة جدا.

5- العقل الجماعي والمؤتمرات: المؤتمرات تشكل أحد أهم أسس الحزب او التحالف اليساري، وهي المحطة الرئيسية للمراجعة والتقييم وإقرار سياسات واليات جديدة من خلال إشراك واسع للعقل الجماعي للحزب، لذلك من الضروري عقد مؤتمرات دورية وعلنية وفق:

a. التحضير للمؤتمرات يتم من قبل لجان علنية تشترك فيها كافة المستويات الحزبية، القيادة والقواعد والكتل المختلفة في الحزب، ويجب أن لا يقتصر التحضير على الهيئات القيادية فقط.

b. تحضير علني واسع يضمن مشاركة الجميع من الاتجاهات والكتل المختلفة داخل مؤسساته وخارجه في الحوار المتعلق بسياسات وبرامج الحزب واحترام الرأي والرأي الأخر.

c. إجراء انتخابات ديمقراطية علنية تحت إشراف قضائي لمندوبي المؤتمرات،

d. كوتا شبابية ونسائية لمندوبي المؤتمرات

e. أعضاء القيادات السابقة يحضرون كضيوف وللتقييم إذا لم يتم انتخابهم من قبل هيئاتهم الحزبية التي يعملون فيها، ولا يحق للقيادة ان تنسب ” مندوبين” للمؤتمر بدون انتخاب من هيئاتهم الحزبية ولأي سبب كان.

f. تتشكل لجان وبمستويات حزبية مختلفة لإدارة المؤتمرات ويتم تغييرها مرتين او أكثر في اليوم الواحد.

g. تبث المؤتمرات بشكل علني للجماهير او على الأقل لأعضاء الحزب حسب ظروف كل بلد، والتقنيات الحديثة توفر ذلك بشكل سهل جدا وشبه مجاني.

h. لابد من طرح تقييم لسياسات الحزب بين كل مؤتمرين يتطرق فيه إلى أوجه النجاح والفشل، وأسباب ذلك وتناقش وتقر في المؤتمر.

i. أجراء انتخابات ديمقراطية علنية لقيادة الحزب بعد المؤتمر تحت إشراف قضائي مستقل ومحايد من خارج وداخل الحزب، بعد ان يسبقها حملة انتخابية علنية داخل وخارج الحزب للمرشحات والمرشحين، للترويج لسياستهم في حالة تبوئهم المناصب القيادية في الحزب، ويتم انتخابهم مباشرة من قبل كافة عضوات وأعضاء الحزب، وليس من قبل مندوبي المؤتمرات فقط، لكي تعكس العقل والقرار الجماعي للحزب بأوسع أشكاله الممكنة.

بشكل عام لابد أن تكون كافة الهيئات الحزبية في حالة ”مؤتمر دائم ” والتقنيات الحديثة توفر ذلك ، من خلال طرح كافة السياسات والبرامج والبيانات على المستويات الحزبية المختلفة بشكل دائمي للحوار الجماعي حولها في فترة محددة، والتصويت عليها اذا تطلب ذلك، وإقرارها قبل طرحها للعلن، سواء كان على عموم الحزب او التنظيمات المحلية او الهيئات الخاصة... الخ في مجموعات انترنتية او في شبكات التواصل المغلقة للأعضاء فقط، ومجموعات أخرى لجماهير الحزب في القرى والمدن ... الخ وانتهاءا بعموم البلد، لكي تعكس العقل الجماعي لأعضاء وجماهير الحزب إلى أكبر مستوى ممكن، بدلا من ان يكون ذلك محصورا في الهيئات القيادية فقط.

6- التفاعل ورقابة الجماهير على الحزب: يركز على التفاعل المتبادل مع الجماهير والمحيط الخارجي كجزء من ” الرقابة على نشاط الحزب وسياساته” ودعوتهم للمشاركة الفاعلة في إقرار سياساته وتقيمها والحوار عليها من خلال:

a. طرح برامجها ووثائقها وأنظمتها الداخلية للنقاش العام والمفتوح بشكل دائمي من خلال مواقع الكترونية متطورة تسمح بالآراء المختلفة وتتيح التفاعل والتعليق والتصويت... الخ، وفي مجموعات شبكات التواصل الاجتماعي، والاستفادة من البرامج التي توفر تحليلات واحصائيات علمية حول عدد الزيارات ودرجة واشكال التفاعل والمواضيع المقروءة...... الخ للتقييم والتطوير

b. ويستفيد من الرأي والتحليل العلمي للشخصيات والمؤسسات العلمية والبحثية في إقرار السياسات والبرامج،

c. وبشكل متواصل يطلب التغذية العكسية او الراجعة ”الفيدباك Feedback ” طرق علمية من فئات المجتمع المختلفة

d. من اجل تحليل وتقييم السياسات المختلفة على مختلف الصعد وتقويمها وقياس مدى نجاحها ومستوى تحقيق الأهداف المرجوة، وإعادة النظر بها بشكل دوري وفقا لذلك، وتشخيص الأخطاء والنواقص وتصحيحها ما أمكن.

e. فقط الذي يعمل لا يخطأ فلذلك عندما تخطأ أحزاب اليسار في سياسات معينة فمن الضروري ان تقدم اعتذارات علنية للجماهير وللأعضاء على تلك الأخطاء وتأثيراتها السلبية لضمان عدم تكرارها.

7- القيادة الجماعية: إلغاء كافة المناصب التي من الممكن ان ترسخ السلطات الفردية مثل – الأمين العام، السكرتير، الرئيس، القائد .... الخ وتعزيز القيادة الجماعية في الحزب ومن الجنسين واستحداث منسقين ومنسقات في الأقسام المختلفة وناطقين باسم الحزب في المجالات المختلفة مثلا الناطق-ة باسم الحزب في مجال (الشباب، الاقتصاد، المرأة، الدفاع، مجلس النواب، السياسة الخارجية........... الخ) بحيث يتم تقاسم الصلاحيات والمسؤوليات والخبرات بين الكادر القيادي في الحزب بشكل جماعي تخصصي، ويتم التطوير والإبداع حسب المسؤوليات.

8- التداولية، قيادات شبابية مع الجماهير: للأسف الى الآن نرى ان بعض من قادة اليسار في العالم العربي ينافسون حكام وملوك العالم العربي في البقاء في كرسي القيادة، بل أن البعض منهم حولها إلى” مملكات عائلية وراثية! ” و ” ملكية خاصة مطلقة ” ، إضافة الى ذلك هناك حالات من الذاتية والنرجسية المفرطة وتقديس دورها، وفي احيان كثيرة نرى ان القيادات اليسارية لا تتغير و هي التي تصنع القاعدة الحزبية وتنتخبها وليس العكس!.

مما خلق حالة سلبية أضرت كثيرا باليسار، وأدت إلى جمود نظري وعملي وتنظيمي، وهو بعيد كل البعد عن التقاليد الديمقراطية اليسارية، لذلك يركز اليسار الالكتروني على تداولية القيادة، ويعتبرها بند رئيسي في أنظمته الداخلية بحيث لا يحق تبوء المناصب القيادية لأكثر من دورتين انتخابيتين وحد أعلى 6- 8 سنوات.

ويركز أيضا على القيادات الشبابية، ويحدد نسب ومعدل معين للأعمار في قيادة الحزب، ويعطي أهمية للمنحدر الطبقي في تبوء المناصب القيادية، ويعمل من اجل إبراز وتكوين كوادر وقيادات جديدة بشكل متواصل، ولابد ان تكون من ومع الجماهير تقود وتتواجد معها في التجمعات والاحتجاجات والمظاهرات والإضرابات..... الخ.

كما يرى ان من الضروري جدا ومن اجل طرح سياسات عقلانية وقريبة من الواقع، ان يصاغ بند واضح وأساسي في الأنظمة الداخلية، يتعلق بضرورة تواجد كافة أعضاء قيادة التنظيم داخل البلد، وان يكونوا من سكانه الدائمين، وبالتالي الاشتراك الواقعي والفعلي في قيادة العمل اليومي الميداني للتنظيم وهيئاته المختلفة والعمل والنضال بين الجماهير، ولا يسمح بقبول ترشيح أي عضو-ة لمنصب قيادي إذا كان متواجدا أو يعيش في الخارج بشكل دائمي او شبه دائمي، إلا في حالات استثنائية جداً بسبب خطورة أمنية قاهرة، او مهمات حزبية ضرورية جدا تستلزم البقاء في الخارج لفترة محدودة، وعلى العضو القيادي الاستقالة وترك المنصب لرفيق-ة آخر إذا قرر العيش خارج البلد، او لم يستطيع الاستمرار كقائد سياسي وتنظيمي لأسباب شخصية أو عائلية أو مهنية .... الخ.

9- الشفافية والمالية: العالم بشكل عام يتجه نحو الشفافية، حيث الانترنت والتقنيات الحديثة وشبكات التواصل أتاحت كسر حواجز الرقابة وحجب الحقائق عن الجماهير، وحتى عن الأعضاء في الكثير من أحزاب وتنظيمات اليسار، لذلك يستند اليسار الالكتروني في عمله إلى الشفافية الكاملة في كافة أنشطته الداخلية والخارجية، ماعدا التي من الممكن أن تلحق ضررا امنيا كبيرا به في الدول الاستبدادية.

أعضاء الحزب يقدمون اشتراكات مالية للحزب وكذلك أنواع مختلفة من الدعم المادي، لذلك يجب ان تلتزم كافة هيئاته وقيادته وأعضائه بالشفافية العامة الكاملة وخاصة المالية على المستويين الحزبي والشخصي، وتقدم تقارير مالية مفصلة بشكل دوري حول كيفية استخدام المالية لكافة الأعضاء والعضوات في مختلف الهيئات الحزبية، ويلزم كافة الأعضاء بكشف الذمة المالية وخاصة المترشحين للهيئات القيادية المختلفة لضمان النزاهة وعدم تضارب بين المصالح الحزبية والشخصية.

ولمواجهة الفساد داخل أحزاب اليسار والاستغلال السلبي للمنصب وتعزيز النزاهة من الضروري ان يستخدم مبدأ ” من أين لك هذا يارفيق-ة؟ ” في حالات وجود قضايا مشكوك فيها.

كما تفرض ضريبة ” الحزب التصاعدية ” أي نسبة من رواتب ممثلي الحزب العاملين في الوظائف الحكومية او انواع الدخل الأخرى بسبب الموقع الحزبي تحول وتسلم الى المؤسسات المالية للحزب، وفق ظروف الحياة وخصوصيتها في هذا البلد او ذاك.

10- ينمي قدرات أعضائه وقياداته في استيعاب واستخدام التطور التكنولوجي والتقني والعلمي، وبالأخص تقنية المعلومات والانترنت وشبكات التواصل، إلى أقصى الحدود الممكنة والمتوفرة وتطويرها بشكل مستمر من اجل:

a. الترويج لأفكار اليسار والقيم الإنسانية والمدنية بشكل عام، ولمفاهيم المواطنة والمساواة والعدالة الاجتماعية والعلمانية والاشتراكية الديمقراطية والمساواة الكاملة للمرأة بشكل خاص، وكسر احتكار الأعلام الموجه والممول والذي بالعادة تسيطر عليها الحكومات الدكتاتورية والمؤسسات الرأسمالية والقوى الدينية المتعصبة، واستخدام مفاهيم تسويقية علمية معاصرة لإيصالها إلى أكبر عدد ممكن وبأقل الكلف، والتخلي الى حد كبير عن الأعلام الورقي المكلف والذي يصل الى عدد محدود جدا.

b. استخدامها بشكل فاعل في مجال التنظيم وعمل الهيئات الحزبية للإدارة وللتواصل وللحوار، ولاتخاذ القرارات الرشيدة والعقلانية والتي تعكس الرأي الجماعي إلى أكبر مستوى ممكن، وتعزيز التفاعل والحوار الداخلي وتعزيز روح ” فريق العمل” والتعاون الايجابي.

c. التفاعل الحي والمؤثر مع المحيط الخارجي.

d. واستخدامها بشكل فاعل في التطوير الفكري والسياسي،

e. وبشكل عام استخدامها في المجالات المختلفة السياسية والإعلامية والتنظيمية،

f. استخدامها في استحداث آليات جديدة وحديثة للتنظيم والتظاهر والتعبئة والتحشيد الجماهيري والحملات الانتخابية، مما سيؤدي التي تطوير العمل كماً ونوعاً، وإلى تخفيض المصاريف في ظل الأزمة المالية المزمنة التي تعاني منها معظم فصائل اليسار.

g. استخدامها بشكل فاعل في الاحتجاجات الجماهيرية الالكترونية والإضرابات العمالية والمهنية مثلا لإطلاق الحملات وتشكيل مجموعات الكترونية ..... الخ وحتى إيقاف العمل بشكل تقني – الكتروني وبطرق مختلفة من اجل الضغط لتحقيق مطالب معينة.

h. يتوجه نحو اكتساب قدرات تقنية متقدمة وسريعة تتيح له الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الجهات والمجموعات التي يستهدفها،

i. كما يستطيع مواجهة اختراقات الخصوم وحملات التخريب والتجسس والحروب الالكترونية، وحماية الأنظمة الالكترونية للحزب والمنظمات والأعضاء، وتطوير الإمكانيات السريعة لامتصاص الضربات التقنية-الأمنية وإعادة العلو بالتنظيم بأقصى سرعة ممكنة،

j. وأحيانا الرد الالكتروني عندما يتطلب الأمر ذلك،

k. إضافة إلى إمكانية اختراق وتعطيل وتدمير الشبكات والأنظمة التقنية للحكومات الشمولية وخاصة الأمنية القمعية والسياسية والعسكرية والاقتصادية والإعلامية..... عندما تقتضي الحاجة،

l- ولا بد أن يكون في عملية تطوير مستمرة على الصعيدين التقني والمعلوماتي، بحيث يصبح النضال الالكتروني أحد أهم الأشكال الرئيسية للنضال.

في الختام قوى اليسار بكافة فصائلها، خاصة في بلداننا، تعمل وتناضل الآن في ظروف صعبة جدا وبالغة التعقيد، وبإمكانيات ضعيفة جدا وتتعرض إلى أشكال مختلفة من القمع ومقيدات ومعوقات كثيرة، وهي رغم النواقص والتشتت والتراجع الأمل الإنساني التقدمي الكبير والأساسي في بناء عالم أفضل في بلداننا. اليسار الالكتروني مساهمة متواضعة لإخراج اليسار من أزماته ووقف التراجع والانحسار ولتحريك الوضع المتشتت الراكد نحو تحديث وتطوير خطابه السياسي، واليات العمل والتنظيم والإدارة، وفق خبرتي السياسية والتنظيمية والإعلامية في الكثير من أحزاب ومنظمات اليسار العراقي، وفي مؤسسة الحوار المتمدن بتقاليده في العمل الجماعي الديمقراطي الشفاف، ومن عملي المهني الشخصي كمتخصص في بناء وتطوير أنظمة القيادة والإدارة والحكومة الالكترونية.

قد يكون المفهوم بهذا المعنى هو في تطور كبير ومتواصل على صعيد الواقع العملي، وأكيد انه يتقبل الخطأ والصواب، وبالتأكيد يحتاج إلى وقت وجهود جماعية لكي يتطور أكثر وأكثر، وهو مطروح للنقاش لكل من يهمه تحديث وتطوير اليسار والأفق الاشتراكي الديمقراطي، نحو أشكال جديدة علمية وعصرية من الخطاب السياسي واليات التنظيم، والنضال ومن اجل بديل سياسي اقتصادي اجتماعي وحقوقي وثقافي وبيئي أفضل وأرقى وممكن للإنسان.

 

رزكار عقراوي

 

 

كريم المظفرجلبت انتباهنا تلك التغريد التي كتبتها الناطقة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا على صفحتها في "تلغرام" والتي سخرت فيها من الانتقادات التي كالها بيتر ستانو، المتحدث الرسمي باسم المفوض الأعلى للاتحاد الأوروبي للسياسة الخارجية والأمن على الانتخابات البرلمانية الروسية التي انتهت قبل أيام والتي أكد فيها بان هذه الانتخابات (أي الروسية) جرت "في جو من ترهيب المنتقدين المستقلين" وفي غياب" مراقبة دولية كافية.

وهنا استرجعت بعض المعلومات التي سبق وان اشرت لها في مقالنا السابق حول الانتخابات البرلمانية الروسية، وقرار روسيا الداعي الى تقليص عدد المراقبين الدوليين من 500 الى 250، ووجهت الدعوة الى جميع المنظمات الدولية والاوربية التي يتواجد فيها التمثيل الروسي، وذلك بسبب الإجراءات الصحية المفروضة على المراكز الانتخابية، ذلك القرار الذي تلقته منظمة الامن والتعاون الأوربي " بامتعاض " شديد، ورفضت ارسال مراقبيها، لان هذا القرار بحسب رأيها يقوض المراقبة الدولية لسير الانتخابات .

وهنا توقفت عند المقارنة التي سردتها الدبلوماسية الروسية في تغريدتها والتي تشير الى عدد المراقبين الذين من المقرر أن يتابعوا انتخابات البوندستاغ الألماني والتي ستجري  في 26 سبتمبر الجاري، والتي سيشارك فيها 47 حزبا و6 آلاف مرشح و60.4 مليون ناخب،، ولكن سيتابعها 4 مراقبين دوليين  فقط عن مكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا ومن 3 بلدان، في حين راقب انتخابات مجلس الدوما  245 مراقبا دوليا من 59 دولة، و10 منظمات دولية و57 دبلوماسيا من البعثات المعتمدة في موسكو، وتساءلت  "وهذا يعتبره الاتحاد الأوروبي غير كاف! ... فهل سيتمكن الاتحاد من إعطاء تقييم واضح للانتخابات في ألمانيا؟"، عندها أحسسنا بحجم الاستفزازات والتضليل الذي تمارسه المنظمات الاوربية ضد روسيا .

الانتخابات البرلمانية جرت رغم صعوبات الإجراءات الصحية التي اتخذت من اجل الحفاظ على التباعد الاجتماعي، الا ان الاقبال كان غير متوقعا، ووصل الى نسبة مايقارب ال(45% )، وهي الأكبر بالمقارنة من انتخابات الدورة السابعة عام 2016 ، فسرها الكثيرون بان ذلك يعود الى انه ولأول مرة فتح المجال للتصويت الالكتروني عبر الانترنت لكبار السن والذين تمنعهم ظروف عملهم من الحضور الشخصي، وغيرهم ممن يجدون صعوبة في التصويت، وآخرون من المراقبين، رأوا في دعوة الرئيس فلاديمير بوتين في التصويت في هذه الانتخابات بمثابة المحفز الرئيس لهم، واثبتوا بحسب تعبير الرئيس بوتين بانهم (أي المقترعين) موقفا وطنيا نشطا .

حزب "روسيا الموحدة" الحاكم  رغم تحقيقه فوزا في انتخابات مجلس الدوما الروسي (مجلس النواب)، التي شارك فيها (14) حزبا، وحصوله عبر نظام القوائم الحزبية تشير إلى تقدم حزب "روسيا الموحدة"، الداعم لرئيس البلاد، فلاديمير بوتين، بـ49.83% ، حصد خلالها نحو 50% من الأصوات بعد فرز 99.84% من بطاقات الاقتراع، الا ان هذه النسبة افقدته جزءا من رصيده من مقاعد البرلمان، فبعد ان كان يحتل  في الدورة السابقة على 343 مقعدا وحصل على دعم 54.2% في التصويت الفدرالي العام كما انتصر في 203 دوائر من المقعد الواحد، الا انه اليوم سيزيد عن  300  بقليل، وهذه النسبة تؤهله للحصول على الأغلبية التامة.

وعلى عكس، فإن بعض الأحزاب الأربعة الأخرى قد حسنت من مواقعها داخل البرلمان بالمقارنة مع انتخابات عام 2016، فالحزب الشيوعي لروسيا الاتحادية، الذي احتل الموقع الثاني بعد حزب روسيا الموحدة، فقد حصل على نسبة  ـ18.94%  (13,34 % عام 2016 ) ، وكذلك الحال بالنسبة للحزب الليبرالي الديمقراطي الروسي الذي يترأسه الشخصية الجدلية فلاديمير جيرينوفسكي، واحتل المركز الثالث بـ7.52% ( 13,14 % )، بينما احتل حزب "روسيا العادلة - من أجل الحقيقة" المرتبة الرابعة بـ7.47% ( 6,22 %)، في حين احتل الضيف الجديد على مجلس الدوما بدورته الثامنة المرتبة الخامسة  بـ5.33%.، وبالتالي تمكنت 5 أحزاب من الوصول إلى مجلس الدوما، الغرفة السفلى من برلمان البلاد، لأول مرة منذ العام 1999.

حزب "روسيا الموحدة" تقدم أيضا  في 198 دائرة من دوائر المقعد الواحد، وتفوقه على سبيل المثال، في إقليم خاباروفسك وموسكو وبريموري وأمور وساخاليبينما، وجاء أعضاء "الحزب الشيوعي للاتحاد الروسي" في الصدارة في 9 دوائر، و"روسيا العادلة - من أجل الحقيقة" في 8 دوائر، وبحسب النتائج الأولية، يتجه حزب "روسيا الموحدة" للحصول على أكثر من 300 مقعد في مجلس الدوما، من مجموع مقاعد مجلس الدوما ال  450، ينتخب 225 منهم عبر القوائم الحزبية بتصويت فدرالي عام و225 عبر دوائر المقعد الواحد من خلال اقتراع محلي، وحصل الديمقراطيون الليبراليون - في اثنين، لكن أحزاب " رودينا والمنصة المدنية وحزب النمو "، على الرغم من أنهم لم يذهبوا إلى مجلس الدوما وفقًا للقوائم ولعدم تمكنهم من الحصول على نسبة الخمسة بالمئة المقررة للدخول الى مجلس الدوما ، الا انهم تمكنوا من الفوز في دائرة انتخابية واحدة، وفاز قادة القوى السياسية - أليكسي جورافليف ورفعت شيخوتدينوف، على التوالي،  وسيمثل حزب النمو في البرلمان من قبل أحد سكان سانت بطرسبرغ، أكسانا ديميتريفا، التي سبق وان كانت  نائبة  في مجلس الدوما بدورته  السادسة.

وينتظر قريبا ان يباشر الفائزون عملهم كأعضاء في المجلس الجديد بعد الاعلان المتوقع لنتائج الانتخابات النهائية الرسمية في الرابع والعشرين من شهر سبتمبر الجاري، و يُنظر إلى ترشيح آنا كوزنتسوفا، الممثلة التابعة لرئيس الاتحاد الروسي لحماية حقوق الطفل، كنائبة في البرلمان، أما بالنسبة لوزير الخارجية سيرغي لافروف ووزير الدفاع سيرغي شويغو وكبير الأطباء في مستشفى كوموناركا دينيس بروتسينكو، فسيعودون إلى وظائفهم الرئيسية.

في المجموع، انتهت 4.4 ألف حملة انتخابية، والتي جرت في جميع مناطق البلاد البالغ عددها 85، بالإضافة إلى مجلس الدوما، صوت الروس لحكام تسعة مناطق ونواب 39 مجلسًا تشريعيًا،  وفاز القائمون بأعمال رؤساء المناطق في انتخابات حكام الولايات، ففي الشيشان، أصبح رمضان قديروف (روسيا الموحدة، 99.7٪) زعيم السباق الانتخابي، وفي توفا - فلاديسلاف خوفاليج (روسيا الموحدة، 86.8٪)، وفي منطقة تولا - أليكسي دومين (مرشح ذاتيًا، 83.9٪)، وفي منطقة أوليانوفسك - أليكسي روسكيخ (الحزب الشيوعي 83.2٪)، وفي منطقة بيلغورود - فياتشيسلاف جلادكوف (روسيا الموحدة 78.8٪)، وفي موردوفيا، فاز أرتيم زدونوف (روسيا الموحدة  78.3٪)، وفي منطقة بينزا - أوليج ميلنيشنكو (روسيا المتحدة 72.4٪)، وفي إقليم خاباروفسك - ميخائيل ديجاروف (56.8٪ من الحزب الديمقراطي الليبرالي)، وفي منطقة تفير - إيغور. رودينيا (52.3٪).

اما في انتخابات المجالس النيابية الإقليمية، تم تسجيل ما مجموعه 275 قائمة، وفي جميع المناطق الـ 39 التي أجريت فيها انتخابات البرلمانات الإقليمية، حصلت روسيا الموحدة على أغلبية الأصوات، وبالتالي حصلت على الولايات، وبشكل عام، في جميع المناطق، وسيحصل أعضاء روسيا الموحدة على 68.77 ٪ من الانتداب في المراكز الإدارية للمناطق، وحصل أعضاء روسيا الموحدة أيضًا على غالبية المقاعد في الهيئات التمثيلية للمناطق الحضرية، وفي عدد من الكيانات المكونة، أظهرت الأحزاب نفسها بشكل غير متوقع، حيث حصلت على أقل من 5٪ في الانتخابات الفيدرالية، وكان انتقال حزب الديمقراطية المباشرة إلى المجلس التشريعي لمنطقة الحكم الذاتي اليهودي ضجة كبيرة،  وهكذا، في روسيا، ازداد تمثيل الأحزاب في الهيئات التشريعية للسلطة – فقد كان هناك 14 منهم، والآن هناك 15، واستطاع حزبا يابلوكو والشيوعيون الروس، وفقًا للبيانات الأولية، التغلب على حاجز 5٪ في ثلاث مناطق، وتجاوزه الخضر في إقليم كراسنويارسك، ورودينا في منطقة تامبوف.

ووفقا للخبراء، سيتم تجديد الانعقاد الثامن لمجلس الدوما بالمقارنة مع السابع بنحو الثلث، وسيحدث ذلك بشكل أساسي بسبب التناوب الجاد للنواب الحاليين من "روسيا الموحدة"، فضلاً عن اندماج حزب "روسيا العادلة" البرلماني مع "باتريوتس" و "من أجل الحقيقة" غير البرلمانيين، وبهذا سيتم تجديد مجلس الدوما بنسبة 35-40٪ وكتلة روسيا الموحدة بنحو النصف، وهذا يتوافق تمامًا مع توقعات المراقبين، واحتفاظ روسيا الموحدة بأغلبية دستورية.

 

الدكتور كريم المظفر

 

عباس علي مرادالإنسان العادي لا يريد أكثر من أن يحيا حياة كريمة مرتكزة على عدّة ركائز ذات أبعاد ثقافية سواء كانت تخصّ الجوانب الإقتصادية والإجتماعية والتربوية والفنية.

هناك أشياء يتوارثها الإنسان عن أسلافه ويحافظ عليها ويطوّرها بما يتناسب مع القيم وتطوّر الحياة وتقدّمها.

يلعب الفن والتعليم دوراً محورياً في الحفاظ على هوية الجماعات البشرية ويحصّنها ضد الإنحطاط في علاقاتها الأسرية والإجتماعية بالإضافة إلى تثبيت الموروث الذي يشكل اللبنة الأساسية وخط الدفاع الأول ضد مخاطر الإندثار.

هذا المفهوم وبعده الثقافي لم يرق لليبرابية بشقيها، المحافظ والتقدمي حيث أن الأول يحاول ومن خلال الشرعية الفردية للترويج لقيم السوق وتسليع (من سلعه) وجعل القيمة المادية تتقدم على ما عداها. أما الجانب الآخر لليبرالية أي التقدّمي فيعمل على تفكيك الروابط الإجتماعية والأسرية بأبعادها الثقافية لتعزيز النزعة الفردية.

في كتابه لماذا فشلت الليبرالية ل باتريك دينين ترجمة يعقوب عبد الرحمن، يبحر في عالم الليبرالية منذ نشأتها وهجمتها الشرسة على الثقافة بكل أشكالها من أجل فرض مفهوم واحد هو مفهوم الليبرالية التي جهدت لطلاق المرء وأنسلاخه وابتعاده عن مفهوم الماضي والمستقبل وحصر الهمّ الإنساني في الحاضر وتغييب البعدين الزمني والمكاني وهذا ما تجلّى في العولمة التي أطاحت بالأبعاد الوطنية والقومية وجعلت المواطن كرحّالة.

فرضت الليبرالية قيوداً حتى على المواطن الرحّال على الرغم من أنها طرحت شعار ما عرف بالتعددية الثقافية رغم أنها عملت بكل ما اوتيت من خديعة وتسويق وقوة من أجل سيادة ثقافة واحدة هي ثقافة الربح بغض النظر عن الجوانب الأخلاقية، فاتسعت الهوة بين الفقراء والأغنياء الذين ازدادوا جشعاً وشراسة في طلب المزيد، وما الأزمة المالية العالمية عام 2008 الا دليل حسّي على ما تقّدم.

هذا على الجانب المادي، أما ثقافياً فقد شنّت الليبرالية حرباً ضروساً على الثقافة والعلوم الإنسانية وشجعت على نزعات النكران فلم ينجو من حملة التضييق والتدمير أي فن من الفنون والآداب والموسيقى والعمارة والتاريخ والدين، لإدراكها أن تغييب الثقافة يقضي على الأعراف وكل ما له صلة بالإشكال والعمليات الطبيعية التي تستمد قوتها وثباتها من الثقافة الجيدة والهادفة التي تراكم التجربة والذاكرة المحليتين والتاريخيتين.

واستثمرت الليبرالية في التكنولوجيا لشق طريقها بإسم المنفعة والكفاءة التي قال عنها ويندل بيري بأن لها منطقها الخاص الذي يميل إلى تدمير ممارسات وتقاليد المجتمع، وفي نفس السياق تضيف شيري توركل أستاذة التكنولوجيا في معهد ماساتشوستس في كتابها " في عزلة مع الأخرين" أدلة على أن استخدامنا الواسع لوسائل التواصل الإجتماعي الحديثة لا يخلق جديداً بقدر ما تحل محل مجتمعات العالم الحقيقي التي تضطلع بتدميرها وتقول توركل أن جذر كلمة مجتمع يعني حرفياً "أن يعطي بعضنا بعضاً" وهو ما يتطلب القرب المادي والمسؤوليات المشتركة.

إذن، نحن أمام تحديات جمة تبدأ من التدمير المنظم للتعليم والثقافة والأعراف الإجتماعية التي تمارسها الليبرالية لتكريس مشروعها الذي يفضي إلى المزيد من النزوع نحو الفردية والتشظي وتشكيل شعب غير مفكّر على حساب قيم الحرية والعدالة والمساواة رغم ترويجها لأشكال من التحرر مشكوك فيها إلى حد كبير كما تقول نانسي فريزر.

السؤال الذي يطرح نفسه كيف يمكن مواجهة هذه التحديات الخطيرة؟

طبعاً الأمر ليس ميؤوس منه لكنه يتطلب جهداً وعملاً مشتركاً يرتكز على المشورة لإعادة بعث الثقافة الإنسانية بكل أبعادها الفنية والإجتماعية والأدبية ونشر التوعية والإضاءة على مشروع الليبرالية التي ما زالت ترفع الشعارات البراقة لكنها تهدف إلى بناء العكس تماماً وهذا ما تجلى في إخفاقها الإقتصادي والإجتماعي والأسري والتربوي والتي استطاعت التغطية عليها من خلال فرض السيطرة الإدارية والتفويض القانوني.

 

عباس علي مراد

 

 

كريم المظفرأنهت روسيا عرسها الديمقراطي في الانتخابات البرلمانية، لاختيار أعضاء مجلس الدوما الروسي (البرلمان) في دورته الثامنة، وكذلك الانتخابات البلدية المحلية، واستمرت ثلاثة أيام للفترة من 17-19 سبتمبر الجاري، بمشاركة 14 حزبا وتكتلا سياسيا واجتماعيا، نصفهم اعتادت الانتخابات البرلمانية على وجودهم في القائمة الانتخابية كحزب روسيا الموحدة والحزب الشيوعي والحزب الليبرالي الديمقراطي الروسي وغيرهم. وسجلت العاصمة موسكو رقما قياسيا بعدد المصوتين فيها عبر الانترنت والتي بلغت نحو 95%، ووفقًا للمقر العام لمراقبة الانتخابات في العاصمة، فقد حدد أكثر من 1.9 مليون شخص من أصل 2.015 مليون سجلوا للتصويت، وبلغت نسبة المشاركة الاجمالية 43 % من مجموع فيها .

وهذه المرة هي الأولى التي يصوت فيها الرئيس فلاديمير بوتين الكترونيا، بدل الحضور الى مركز الاقتراع وكما جرت العادة، حيث حث الرئيس بوتين، المواطنين إلى المشاركة في التصويت الإلكتروني في الانتخابات، والتشديد على ضرورة إبداء "موقف نشط في الحياة"، وأعلن الرئيس الروسي أنه مضطر إلى الخضوع لحجر صحي ذاتي بسبب تسجيل إصابات بفيروس كورونا بين المقربين منه.

وتوزعت مقاعد البرلمان مناصفة بواقع 225 مقعداً وفقاً للقوائم الحزبية بين الأحزاب المشاركة والبالغ عددها 14 حزباً، وأخرى مثلها الى القوائم الفردية للنواب المنتخبين في دوائر انتخابية ذات ولاية واحدة، ومن بين جميع المرشحين، هناك 10 فقط لا يمثلون أي حزب سياسي، وشارك فيها حوالي 2200 مرشحا، وبحسب المراقبين، فانه لا أحد يتوقع أي مفاجآت في هذه الانتخابات، بما في ذلك مؤسسة دراسة استطلاع الرأي العام "مركز ليفادا"، المعترف بها في روسيا كـ "وكالة أجنبية"، نظراً لتمويلها من الخارج، بما في ذلك من الولايات المتحدة الأمريكية، ووفقاً لاستطلاعات الرأي التي قام بها المركز في أغسطس، فإن 48% من الروس يعتقدون أن البلاد تسير في الاتجاه الصحيح، و44% يرون أنها تسير في الاتجاه الخاطئ، وتلك هي الأرقام المعتادة، مع بعض التقلبات، طوال الفترة الزمنية منذ عام 2000، بينما ارتفعت نسبة التقييمات الإيجابية بكثير لعدد من السنوات عقب عودة شبه جزيرة القرم إلى روسيا.

كما تسببت الصعوبات الاقتصادية المستمرة حول العالم، والمرتبطة بوباء "كوفيد-19"، في نمو مشاعر الاحتجاج لدى الروس، لكنها لا تزال عند مستوى منخفض نسبياً، وبهذا الصدد أعلن 24% ممن شملهم الاستطلاع عن استعدادهم للمشاركة في احتجاجات ذات مطالب اقتصادية، بينما عبّر 19% عن استعداداهم للخروج في احتجاجات ذات مطالب سياسية، في الوقت نفسه، انخفضت نسبة من ينتظرون احتجاجات اقتصادية من 43% إلى 26%، وهكذا، يمكن القول بأن الاستفزازات والاحتجاجات التي نظّمتها الهياكل الغربية في بداية العام، بغرض تقويض ثقة الروس بالرئيس بوتين، قد انتهت بالفشل، ولم تؤثّر بشكل ملحوظ على الوضع في البلاد.

وعلى هذه الخلفية، أجرى المركز الروسي لدراسة الرأي العام استطلاعا أظهر أن 61% من المواطنين الروس يدعمون سياسات رئيس البلاد، فلاديمير بوتين، بينما يثق به 64%، وجرى الاستطلاع عبر الهاتف من 5 إلى 15 سبتمبر الحالي، وشارك فيه 11.2 ألف شخص تفوق أعمارهم 18 سنة، وبحسب بيانات المركز، فان 61% من المستطلعين إنهم يؤيدون أنشطة الرئيس الروسي، بينما قال 28.8% أنهم لا يؤيدونه، في حين أعرب 64.1% من المشاركين في الاستبيان عن ثقتهم ببوتين، فيما قال 31.4% منهم إنهم لا يثقون به، في حين أعرب 46% من الروس عن موافقتهم على أداء الحكومة، بينما عارضها 51%، في الوقت نفسه، كان تقييم 53% ممن شملهم الاستطلاع لأداء رئيس الوزراء، ميخائيل ميشوستين، إيجابياً، مقابل 42% قيّموا أداءه سلبياً.

واستناداً لذلك، ووفقاً لاستطلاع الرأي الذي أجراه "المركز الروسي لدراسة الرأي العام" VTsIOM، في 5 سبتمبر الجاري، فقد أبدى 29.3% ممن شملهم الاستطلاع استعدادهم للتصويت لحزب روسيا الموحدة الحاكم، وعبّر 16.6% منهم عن استعدادهم للتصويت للحزب الشيوعي، و7.8% للحزب الديمقراطي الليبرالي، و6.1% لحزب "روسيا العادلة – الوطنيون – من أجل الحقيقة"، بينما حصلت بقية الأحزاب مجتمعة على 16% من الأصوات التي شملها الاستطلاع، لكن ثلاثة منهم فقط كان لديهم نظرياً فرصة الحصول على نسبة 5% المطلوبة لدخول البرلمان، كذلك عبّر 1.9% عن اعتزامهم إبطال أصواتهم، و8.3% أعلنوا أنهم لن يشاركوا في الاقتراع، و14% وجدوا صعوبة في الإجابة.

ووفقا للتعديلات المهمة والأساسية التي أقرها مجلس الدوما الروسي في أبريل الماضي، على مشروع القانون المتعلق بمشاركة المرشحين في الانتخابات البرلمانية الروسية والذي يفرض على كل الشخصيات والأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات المقبلة التصريح عن الجهات التي تدعمها وخصوصا الهيئات والشخصيات التي تتلقى دعما ماديا خارجيا، بالإضافة إلى وضع ضوابط لعمل وسائل الإعلام الممولة خارجيا، وبحسب التعديل القانوني الجديد، سيتعين على المرشح على مقعد فردي أو ضمن لائحة حزبية وضع تعريف متعلق بوكيله وداعمه الخارجي بعد اسمه الثلاثي مباشرة، كما فرض التعديل القانوني الجديد شروطا تتعلق بتمويل الحملة الانتخابية للمرشحين المدعومين خارجيا، حيث تنص المادة أن التمويل الأجنبي يجب أن يشغل فقط 15% من التكاليف الإجمالية للحملات الانتخابية للمرشحين الغربيين، وهي تعديلات تلقاها الاتحاد الأوربي بعدم الارتياح .

وبحسب التعديل القانوني، فإن تعريف "مرشح تابع لشخص يعمل كوكيل أجنبي"شمل كل شخص عمل أو يعمل مع وكالات غير محلية وغير حكومية، بالإضافة إلى رفع السرية عن المداخيل المالية وتلقي هؤلاء أموالا من منظمات غربية وخارجية بهدف ممارسة الأنشطة السياسية، كما أتاح التعديل القانوني وضع علامات وتعريفات خاصة عن وضعها كوكيل أجنبي، ظهرت للمقترعين والمواطنين الروس خلال الدعاية الانتخابية الخاصة بهذه الشخصيات والكيانات السياسية المشاركة بالانتخابات البرلمانية الروسية.

ويتوقع المراقبون انه إذا لم تختلف نتائج الانتخابات كثيراً عن استطلاعات الرأي، فمن المرجح ألّا تتغير تركيبة الأحزاب الممثلة في البرلمان، وسيخسر الحزب الحاكم جزءاً من صلاحياته، لكنه سيحتفظ بالأغلبية، أي أن نتائج الانتخابات النيابية لن تغيّر الصورة السياسية في البلاد، وعلى الرغم من الصعوبات الاقتصادية التي يمر بها العالم كله، بما في ذلك روسيا، فإن غالبية المواطنين الروس يظلون مخلصين للعقد الاجتماعي، والذي يضمن بموجبه فلاديمير بوتين الاستقرار والتنمية التدريجية للبلاد مقابل الدعم الشعبي، وعلى هذه الخلفية، اعتمد البرلمان الأوروبي تقريراً يدعو إلى عدم الاعتراف بنتائج الانتخابات في روسيا.

الروس لم يستغربوا من التصريحات الغربية حول الانتخابات، لأنها كالعادة لم تأت بشيء جديد ، وقراره، منذ أن أعلنت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، بأنها لن ترسل مراقبيها إلى انتخابات روسيا، وقد اتخذت المنظمة القرار من تلقاء نفسها، بعد أن خفضت موسكو عدد الخبراء المسموح به، من 500 إلى 60، بسبب مخاوف تتعلق بالسلامة العامة أثناء جائحة كورونا، واعتبرت المنظمة أن التقييد لن يسمح للمنظمة بتنفيذ عملها بالعناية والكفاءة الواجبتين..

وبعدم الاعتراف بنتائجها، قبل وقت مبكر من اجراءها، لأنها برأي الغرب لا تتناسب والمعايير الديمقراطية الاوربية، ولأن روسيا قامت بدعوة مراقبين من عدد من المؤسسات التي تشارك فيها روسيا.. ولم تدع ممثلين عن الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي، لأن روسيا بحسب نائب رئيس مجلس الاتحاد قسطنطين كوساتشوف، ليست عضوا في الاتحاد الأوروبي ولا تشارك في أنشطة البرلمان الأوروبي، لذلك ووفقا لعضو لجنة الشؤون الدولية في مجلس الاتحاد، ألكسندر باباكوف، فانه ليس غريبا على المراقبين أن يقوم الغرب بتطوير حزمة أخرى من العقوبات ضد روسيا وهم يمهدون الطريق لذلك.

وبالطبع أيضا فان تهم الاتحاد الأوربي جاهزة للتشكيك في الانتخابات التي حضرها 249 مراقبًا وخبيرًا دوليًا من 60 دولة، ووجود كاميرات في كل مكان، وهناك فرصة لمراقبة جميع المناطق، وعبارات انه يرى (أي الاتحاد الأوربي) أن هذا التصويت سيجري في جو من الإقصاء والترهيب لمن ينتقد السلطات، ومن دون مراقبة دولية موثوقة ، كليشة اعتادت عليها روسيا عند اجراء أي ممارسة ديمقراطية انتخابية، "أما بالنسبة لاستنتاجاتهم حتى قبل التصويت، فلا جديد هنا، لأنهم فعلوا الشيء نفسه مرات عديدة على مدى 15-20 سنة الماضية، ومنها هز أنابيب الاختبار التي لم تثبت شيئا"، وفقا لقول النائب الأول لرئيس لجنة الشؤون الدولية بمجلس الدوما، سفيتلانا غوروفا.

ان اقبال الناخبين على صناديق الاقتراع، والتي وصلت حتى كتابة هذه السطور الى حوالي 43%، ما يتجاوز رقم عام 2016 عندما كانت نسبة الإقبال عند مستوى 35.22% حسب النتائج النهائية، اعتبرها الكثيرون بمثابة رسالة الشعب الروسي الذي لم يصغ إلى تقويمات الاتحاد الأوروبي لانتخابات مجلس الدوما، واكدوا أنهم يتمتعون بالضمير الكافي ولديهم الثقافة السياسية الكافية لعدم الخضوع لمثل هذه الاستفزازات، معتبرين مثل هذه المعاملة المتعجرفة للاتحاد الأوربي بمثابة إهانة لعقلهم وقدرتهم على التفكير في المستقل.

 

بقلم الدكتور كريم المظفر

 

 

كفاح محمودشهدنا في حقبة الجمهوريات الشعبية عملية تصنيع الآخر من الأحزاب التي يتم برمجتها في أقبية أجهزة المخابرات وقيادة الحزب القائد وإطلاقها كأحزاب حليفة أو معارضة إذا اقتضى الأمر في إكمال اكسسوارات الديمقراطية المفصلة على قياسات تلك الأنظمة الشمولية بامتياز، ولا تتجاوز كونها أقراصاً مهدئة أو علاجاً سحرياً يرمم بناءات المجتمع الاقتصادية والسياسية الآيلة للسقوط والموبوءة بأمراض تكلست عبر أزمان ودهور، ومناهج تربوية أكل عليها الزمان وشرب، متغافلين كونها ممارسة وسلوك ومنظومة أخلاقية لا يمكن حصرها بتداول السلطة السياسية فقط وهي بالتالي امتداد لتحضر المجتمعات وتقدمها في كل مضامير الحياة بدءًا من القراءة والكتابة والتحول من البداوة إلى المدنية وصولاً إلى أعلى مراتب التقدم الاجتماعي والاقتصادي في قبول الآخر، هذا القبول الذي يعتبر من أهم مرتكزات الديمقراطية وممارساتها على الصعيدين الاجتماعي والسياسي وهي بذاتها العلة الأكثر تعقيداً وربما السبب الأكثر خطورةً في ضآلة فرص نجاح معظم التجارب السياسية التي مرّت وتمرُّ بها منطقة الشرق الأوسط عموماً والمحيط العربي خاصةً، وهي بالتالي سبباً رئيسياً لنكوص المجتمعات وبطئ تقدمها.

إن مسألة قبول الآخر والتعاطي معه ليس وصفة جاهزة للتنفيذ والأخذ بها بقدر ما هي نتاج نظام تربوي ومعرفي واجتماعي يقوم على أساس النقد البناء الذي ينسجم فيه البناء الفردي والمجتمعي بما يحفظ حقوق الاثنين ومصالحهما وتتوازن فيها مصالح البلاد العليا مع مصالح الفرد المواطن دون ما تمييز في العرق أو الدين أو الرأي، وهي بالتالي معادلة تنسجم فيها واجبات الفرد مع حقوق المجتمع بما يعزز قيام دولة متقدمة ومجتمعات متماسكة، ترتكز على نظام تربوي يبدأ من الأسرة والمدرسة وصولاً إلى الجامعات و مؤسسات المجتمع المدني الأخرى، وفي كل ذلك تحتاج عملية التحديث هذه إلى دور الأم والأب والمعلم والمناهج التربوية والمعرفية الحديثة بدرجة أساسية لوضع أسس صحيحة في تكريس مفاهيم البناء الديمقراطي للمجتمع ومنها بالتأكيد المرتكز الأساسي الأكثر أهمية وهو قبول الآخر.

لقد اعتادت معظم الأنظمة السياسية الحاكمة في هذه المنطقة وغيرها من العالم المولعة بالشموليات والأوحديات أن تبتكر نماذج من الديمقراطية الممسوخة وتمنحها أسماء وأصناف ومواصفات بحسب نماذج تلك الأنظمة وطبيعة سلوكها حيث ابتكرت الكثير من هذه الأنظمة أنواع وأصناف من الديمقراطية للالتفاف حول مفهومها الحقيقي في تداول سلمي للسلطة وقبول الآخر واحترام الرأي المختلف، وهي بالتالي تنتج (آخراً) حسب ما يتوافق مع نظامها لتزين به تجاربها السياسية وأنظمة حكمها الاستبدادية، ولعلنا نتذكر تلك الأحزاب والجمعيات التي صنعتها دوائر المخابرات لتشكل بها جبهات وطنية تدعي قيادتها للدولة كما رأيناه في بغداد ودمشق وأمثالهما في تصنيع ما كان يُسمى بالجبهة الوطنية والتقدمية ومن ثم الالتفاف على عناصرها الأصلية ومحاولة إفراغها وتصنيع (آخر) حسب القياسات والمواصفات المطلوبة من النظام الحاكم وتزيين عمليته السياسية بأحزاب و(آخرٍ) مدجن بموجب ما تقتضيه مصالح النظام والثقافة الأحادية.

وللأسف ورغم التغييرات الحادة التي حصلت في هذه البلدان إلا أن متكلساتها التربوية والاجتماعية والسياسية ما تزال تفعل فعلتها في تشوية عملية التحول إلى النظام الديمقراطي باستخدام أدواته بعقلية شمولية معتمدة  هذه المرة النزعات الدينية والمذهبية والعشائرية بشكل مطلق بما يزيد الطين بلة يُراكم فيه هذا الإرث من القيم البالية والتجارب الفاشلة التي كرستها الأنظمة السابقة سياسياً واجتماعياً ونفسياً، بما يعيق أي محاولة لإحداث تغييرات نوعية في بنية المجتمع وتوجهاته وفصل الدين عن الدولة وإعطاء المرأة دورها الأساسي الفاعل في تطوره وانتقاله من ثقافة القرية والبداوة إلى الثقافة المدنية والسلوك الديمقراطي وقبول الآخر  الحقيقي.

 

كفاح محمود كريم

 

بليغ حمدي اسماعيلليس بالضرورة أن تكون مجبرًا بغير طواعية أن تتجه صوب كوكب الفيزياء وإرهاق الذهن لفهم قوانينه المجردة حينا، والأكثر غموضا وحيرة أحيانا كثيرة وطويلة؛ بل إن الإجبار في راهن الرجوع ومن ثم اللجوء للفيزياء المثيرة للدهشة والتساؤلات التي لا تنتهي يكون بمنتهى يقين الحرية وليس الاضطرار، وبإطلالة خاطفة سريعة على ما صنعه إسحق نيوتن بنا وبكوكب الفيزياء العصي على التأويل نجد أنه وضع القانون الأول للحركة لكي يؤسس منفردا كصاحب المنجز البشري إطارا مرجعيا يشبه المرجعية الدينية في كل من إيران الإسلامية وحركة طالبان التي سادت البلاد والعباد الآن في أفغانستان كي يتم تطبيق القوانين الأخرى. ونطالع نص القانون الذي ساد قرونا بعيدة بقوله: " تعتمد حركة أي جسم في الكون في إطار مرجعي على تأثير القوى والتي تتلاشى محصلتها عندما تكون سرعة الجسم ثابتة في الإطار المرجعي. وبناء عليه فإن الجسم الساكن أ، المتحرك يظل على حالته ما لم تؤثر عليه قوة تغير من حالته".

هذا ما ظنه نيوتن صوابا في عصره، ولطالما ظلت كليات العلوم الضاربة في الانتشار بالوطن العربي دون قياس العائد أو المنتج العلمي فجائحة كورونا أثبتت جودة هذه المؤسسات العلمية وأكدت بيقين الاعتماد بأنها أكاديميات تحمل صيغة العلم في التسمية الرسمية لكن معاملها باتت حقيقة وهي تواجه الجائحة الكونية التي نواجهها نحن وعلماء الغرب بالتخمين والمضاربة .

وعودة أكثر سرعة أيضا إلى طروحات نيوتن المشهورة والتي يتم تدريسها لطلابنا العرب المساكين بكليات العلوم عن طريق الأكاديميين العلماء من غير الحاصلين على جوائز نوبل بالقطعية، فحينما وضع نيوتن ربما عن طريق الصدفة والتخمين أو الحدس الفطري قوانين الحركة التي باتت أساسية في دراسة الفيزياء اعتبرها الأكاديميون النظريون في وطننا العربي الكبير القاعدة الأساسية للميكانيكا الكلاسيكية، ويبدو أننا بالفعل وقفنا طوعا عند حدود الكلاسيكية العلمية ورفضنا المستحدثات وفقا للمرجعية العلمية التي أصبحت أكثر تشابها بالمرجعية الدينية الراديكالية . أمّا الفكرة العامة لهذه القوانين فهي وصف الأجسام والقوى التي تؤثر عليها، وطريقة استجابة الأجسام لهذه القوة من ناحية حركتها.

هذه التقدمة الفيزيائية التي يعتبرها كثيرون مملة تارة، والقليل مثيرة لفضولهم لمعرفة ما جاء به نيوتن من قوانين أخرى تفسر الحركة أو بالضرورة فيزياء طالبان من جهة، والثورة الإيرانية النووية المؤجلة أحيانا كثيرة.

فمنذ الوصول غير الطبيعي لحركة طالبان سدة الحكم في أفغانستان المعتادة على الحرب والفترات الطارئة سياسيا وأمنيا وعسكريا أيضا، تبدو كل محاولات تجميل الصورة المنصرمة للحركة فاشلة، علاوة على أن عمليات التزيين التي يقوم بها زعماء حركة طالبان تحتاج إلى رصيد تاريخي من أجل كسب التأييد الدولي، وهذه المحاولات شبيهة الصلة بالسياسات التي اتخذتها جماعة الإخوان المسلمين حينما استطاعت الوصول في بغتة وغفوة غير قابلة لليقظة حينها إلى حكم مصر، وهذه السياسات هي التي تدفعنا إلى تفسير السقوط المتوقع لحركة طالبان وفقا لقوانين الحركة التي جاء بها نيوتن إلى كوكب الفيزياء مسهما بدوره في بناء وتشييد الكوكب العلمي الذي لايزال خفيا وغامضا على علومنا العربية الراهنة.

فالجماعة أيضا سعت منذ وصولها قصر الاتحادية في مصر إلى كسب التأييد العالمي متناسية في ذلك البعد الداخلي والقوى الناعمة في البلاد والسلطات الأكثر وحشية وضراوة وقت المواجهة مثل الصحافة والإعلام الفضائي وكذلك النخبة التي لا يمكن إغفال دورها التاريخي في إسقاط حكم الجماعة وعزلها الشعبي في الثلاثين من يونيو 2013.

وبرغم تعدد السفريات والزيارات والرحلات الجوية للرئيس المعزول محمد مرسي وأعضاء أهله وعشيرته من تنظيم حسن البنا إلى كل بقاع الأرض من أجل بقاء طويل في حكم مصر والشهود حضوريا في كافة المحافل السياسية العالمية إلا أن الغياب الداخلي كان فاصلة القول في إسقاط هذا التنظيم الذي سرعان ما كشَّر عن أنيابه وتساقطت عوراته أمام إرادة الشعب المصري فبدا الأكثر وحشية وقمعا بعدما كان حاصدا للمركز الأول في استقطاب الملايين من المصريين لاسيما النساء والفتيات الصغيرات في الجامعات والمدارس بدعوى تطبيق الشريعة الإسلامية والإعلان المستدام بأن الجماعة ذات مرجعية دينية رغم تحايلها حينا وكذبها حينا آخر بأنها تحمل مشروعا مدنيا تنمويا يحقق مصالح ومطامح الدولة المدنية الحديثة إلا أن فكرة الدولة ذاتها غائبة في أذهان الجماعة منذ وقت التأسيس وصولا إلى مرحلة التمكين التي تحدث عنها مؤسس الجماعة حسن البنا في مذكراته.

هذه الصورة الذهنية القائمة بشأن جماعة الإخوان المسلمين هي التي تدفع مسارات تأويل الحالة السياسية في أفغانستان، لاسيما وأن طبيب التجميل واحد يحمل شهادة ثابتة بغير تطوير أو تعديل في بياناتها، أعني وأقصد المرجعية الراديكالية ولا أقصد المرجعية الدينية لأن الإسلام في جملته وتفصيله يدعو إلى تحقيق أعلى بل وأقصى درجات التسامح والعدل وتحقيق المواطنة وتفعيل دور الإنسان الصالح في المجتمع، أما مرجعية حركة طالبان فهي مرجعية نوعية؛ يستقر مفهوم الجهاد المسلح فيها موقع المقدمة بل والنهاية أيضا، وبين المسافتين تكمن المصالح والأطماع والنزوات المخبأة التي لا يمكن الإفصاح عنها إلا وقت حدوث المواجهة الحتمية بين أعضاء الحركة المسلحين والشعب الأفغاني الأعزل من كافة أنواع ومظاهر التسليح.

وكل ما نشاهده من احتفالات بحدائق الحيوان وتجول أعضاء حركة طالبان وسط النساء والأطفال ببعض المتنزهات العامة في جو من البهجة والسعادة التي لا يملك حق تفسيرها إلا من عانى حكم المرجعيات الراديكالية، كل هذه المشاهد لم تستطع الوقوف أمام قتل ثلاثة أشخاص على الأقل وإصابة وجرح 20 أفغانيا يوم السبت الماضي، في سلسلة تفجيرات تبدو لمستقرئ المشهد الأفغاني متوقعة ومنطقية غير مفاجئة في مدينة جلال آباد الواقعة بشرق أفغانستان، وفق ما ذكرته وكالة "رويترز" من أن أن القتلى سقطوا في سلسلة من خمسة تفجيرات. وتذكر الوكالة أن مصدرين أدليا بأقوالهما للوكالة بأن أفراداً من حركة "طالبان" كانوا بين القتلى. وبينما أشارا أيضا أن سلسلة التفجيرات استهدفت عربات تابعة لها، في حين لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن التفجيرات. وتجدر الإشارة الجغرافية والسياسية بأن مدينة جلال آباد هي عاصمة إقليم ننكرهار معقل تنظيم "داعش"، الذي نشط منذ سقوط كابول في أيدي "طالبان".

ويبدو أن تنظيم الدولة (داعش) سيكون كلمة السر في تأجيج مشاعر الغضب الشعبي الأكثر احتمالية ضد حركة طالبان التي لم تخرج حتى وقت الكتابة عن فلك (حركة الجسم) الفيزيائية التي تقبل السكون بنفس الدرجة والمساحة والمسافة السقوط من ثبات أو الحركة في اتجاه مضاد بقوة دافعة .

وحديث دخول أعضاء حركة طالبان إلى المتنزهات العامة حديث ذو شجون، فالمسلحون تجاهلوا تماما اللافتات الموجودة والتي تعلن وتشير علانية وفي وضوح مطلق غير قابل لتأويل الذهن المريض والتي تبرز ضرورة دفع رسم دخول الحديثة وعدم اصحاب الأسلحة داخل حديثة الحيوان. ويبدو الخبر بسيطا، ويبدو للوهلة الثانية أن المشهد الأمني في أفغانستان هو الأكثر أهمية وتناولا بالشرح والتحليل السياسي، لكن احتياجنا الاضطراري لعلم النفس ونظرياته الإيجابية وليست المتزامنة مع بعض أصحابها الذين يعانون أنفسهم عقدا وأمراضا سيكولوجية مزمنة فإن التفسير والتناول هنا يصبح حتميا لا يمكن إسقاطه أو إغفاله من سياقه العام في كابول.

فنقلا عن موقع (إندبندنت عربية) بتاريخ الأحد 19 سبتمبر الجاري أنه في حديقة "الأسد الأبيض" بكابول، يقف رجال من مديرية الاستخبارات، يرتدون بزات عسكرية، ويحملون جعباً قتالية مليئة بالذخيرة وأصفاداً فولاذية، لالتقاط صورة جماعية مشتركة مع أحد الملالي. وبعد أن يلتقط حامل الكاميرا الصورة، يحرص الجميع على أن يدققوا فيها، ثم يبادر أحدهم، وقد ألصق راية "طالبان" على مخزن الرصاص في رشاشه، إلى الإيماء بإبهامه علامة الرضى. ويشير أحد رجال إدارة مكافحة الإرهاب السابقين في كابول لذي يعمل في إدارة مكافحة الإرهاب في وزارة الداخلية، "أحب الحيوانات حقاً، وخصوصاً تلك الموجودة في بلادنا". ويضيف عبد القادر المنتمي إلى "طالبان" الذي حضر إلى الحديقة مع مجموعة من الأصدقاء كلهم رجال "أحب الأسود كثيراً" رداً على سؤال عن وجود أشخاص يحملون الأسلحة النارية في حديقة الحيوانات، وهو أمر لا يمكن تصوره في أي مكان آخر في العالم، إدارة المكافحة تؤيد حظر اصطحاب الأسلحة حظرها حتى لا يخاف الأطفال أو النساء ولكن من الواضح أن التعليمات لم تنفذ.

وفي الوقت نفسه تزامنا مع حالات التوجس لدى أعضاء الحركة التي ستكون كفيلة بإسقاط حكمها بنفس الدرجة التي سقطت فيها جماعة الإخوان في مصر وتونس، فإن المرجعية الراديكالية لدى الحركة والمرتبطة بالنساء لاسيما الأمور التي تتعلق بتعليم الفتيات فالمشهد لم يخرج عن كتاب التاريخ القديم للحركة.

وتكاد تتفق مجمل المرجعيات الدينية الراديكالية التي لا تتصل بفقه سليم أو فطرة صحيحة بأن أمير الجماعة أو الحركة وأعضاءها وأبرز القيادات فيها هم الأكثر صوابا والأعلى معرفة والأبصر بالغائب المنتظر، هكذا دوما وجدناهم في كتب التاريخ الذي لم نشاهده، وفي واقعنا المعاصر الذي شاركنا في تأسيسه وصياغته.

فبين تصريح دولي للحركة بعودة المرأة والفتاة إلى مقاعد الدراسة وإحياء التعليم الرسمي للفتاة الأفغانية من أجل كسب وقت إضافي في عمر حكم حركة طالبان دون التفكير للحظة واحدة بقوانين الحركة للأجسام التي جاء بها نيوتن من قبل، وبين مشهد إعلامي متكرر منذ أسابيع بحرية المرأة الأفغانية في التعليم وتحصيل المعرفة إلا أن بين البينين تقبع حقيقة المرجعية الراديكالية المتطرفة.

فحركة طالبان سمحت فقط للفتيان حضور المشهد التعليمي والعودة إلى مقاعد الدراسة دون الفتيات، فلا عودة لهن مطلقا لأن هذا لا يخالف الشريعة الإسلامية السمحة، إنما عودة الفتاة للتعليم هو خرق لقانون الراديكالية التي لا تسمح للنساء ليس فقط في التعليم بل في الحياة أيضا فهي لن تخرج عن مساحة العبودية وإرضاء الزوج وطاعته بغير تفكير، كذلك هي مجرد أمَةٍ لا يحق لها الحياة، وهذا ما يؤكد كذب كافة جماعات التضليل السياسي القابعة تحت مظلة راديكالية متطرفة، ومن جهة أخرى باتت متوقعة في ردها واستجابتها أعربت أعربت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) عن أسفها لهذا القرار غير المفاجئ لقارئ تاريخ الجماعات الدينية السياسية في الشرق الأوسط، وبصورة تبدو بليدة الاستجابة حثت المنظمة دون توقع استجابة بالموافقة نظام "طالبان" على عدم ترك الفتيات من دون تعليم.

ورجوعا إلى سالف تاريخ حركة طالبان أنها حينما قفزت إلى سدة الحكم في أفغانستان في الفترة من 1996 وحتى 2001 لم تسمح للفتيات والنساء بالتعليم أو تحصيل العلم في أية أماكن عامة أخرى وأيضا حظر خروجهن إلى الشارع، تحت حجج واهية بالفعل .

وبنفس المنطق الذي سادت به جماعة الإخوان فترة طويلة قبيل إسقاطها بحجة حماية الشريعة وصيانتها، وبأنها الوسيلة الناجحة والناجعة لتطبيق شرع الله في الأرض جاءت أيضا حركة طالبا معلنة أنها ستأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر لا كما جاء الإسلام بقواعده وثوابته الراسخة إنما شرع التنظيمات المتطرفة التي أخذت من الدين ما يروق لها وحاكت أثوابا مختلفة وفق تصوراتها الضيقة. هذا ما تؤكده سياسات حركة طالبان منذ أسابيع قليلة حينما تم إلغاء وزارة شؤون المرأة التي كانت موجودة قبل انتزاع طالبان الحكم بالقوة والفوضى، وتمت الاستعاضة عنها لتحل محلها وزارة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، التي كانت مرهوبة الجانب بسبب تشددها فترة الحكم الأولى للحركة الغافلة عن قوانين نيوتن الفيزيائية.

وبنفس الدرجة في التحرك قوة ومسافة وسرعة لحركة طالبان التي تواجه اليوم ثمة مشاهد ستغير من قوانين سكونها وثباتها غير المستدامين مثل فوضى السلاح، والظهور المفاجئ لتنظيم الدولة (داعش) وبقايا المناهضة المسلحة في بعض الأقاليم الأفغانية، فضلا عن ثورة النساء الخامدة حتى الآن، نجد طهران على الشاطئ الآخر من المشهد السياسي الدولي تنازع العالم في بقائها العسكري الذي يبدو للمؤسسات الدولية بقاءً عسكريا وليس مدنيا سلميا.

فإيران الجمهورية الإسلامية ذات المرجعية الخومينية التي سادت البلاد عقودا طويلة منذ إسقاط حكم الشاه، جاءت اليوم لتدخل ثلاث معارك ليست افتراضية إلكترونية بل هي معارك واقعية لا تتصل بالخيال.

الأولى حينما أعلنت إيران (الإسلامية) أنها لن تقبل بأي وجود لعناصر تنتمي لتنظيم الدولة ( داعش) على حدودها؛ المشهد الرئاسي الذي يجعلني مضطرا بالتسليم لأمر من اثنين؛ الأول أن تنظيم داعش هو خَلْقٌ صهيوني في المنطقة ليس أكثر هدفه زعزعة استقرار الدول والشعوب، الثاني أن دولة بحجم إيران طالما صدَّرت الكثير والكثير من المرجعيات الأكثر تطرفا لكافة الدول العربية منها مصر والمملكة العربية السعودية وجمهورية العراق ومملكة البحرين تأتي اليوم لتعلن رفضها لتنظيم الدولة (الإسلامية ) رغم توافقهما (إيران وداعش) في كُنْهِ التأسيس والتكوين بعيدا عن فقه الاخلاف السني والشيعي إلا أن الراديكالية الملمح الرئيس المشترك بينهما على الأقل. والأكثر غرابة هو ما أعلنه الرئيس الإيراني تحت حكم مرشده الأعلى في التليفزيون الإيراني الرسمي: "لن نقبل بأن تستقر جماعات إرهابية وتنظيم داعش على مقربة من حدودنا".

أما المشهد الثاني هو تواصل التسليح النووي كإجراء يبدو موازيا للتسليح النووري الإسرائيلي في المنطقة ما يدفع العالم أن يلجأ دوما إلى ممارسات كافة أشكال التفتيش المستمرة للتأكد من أن سياسات إيران النووية مفادها استخدامات مدنية سلمية وليست عسكرية، لكن يقين المشهد أن المنطقة أوشكت على انفجارها بصورة محمومة.

وثالث المشاهد التي لا تخرج عن طالبان وفكر التنظيمات الجهادية هو مواجهة المرأة بكافة الأسلحة ليست الدموية بل الأسلحة السياسية القمعية المتمثلة في تحجيم ظهورها أو تقليل فرص الحياة الكريمة داخل طهران، وهذه الممارسات ظلت ممتدة منذ الصعود التاريخي للخوميني والتي أصبحت تسجيلاته وتصريحاته وأوامره ونواهيه وثيقة الحياة في إيران.

الأماكن تظهر متباينة بين مصر وبها الإخوان، وكابول وتنتزعها طالبان، وإيران الإسلامية بمنطق طهران، إلا أن (النون) كحرف يظل سرًّا بحاجة إلى تأويل آخر .. لم تنته القصة بعد !.

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

أستاذ المناهج وطرائق التدريس(م)

كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

 

علي الدباغرهان أمريكا على طالبان الجديدة -التي تم إعادة إنتاجها في الدوحة- في حسابات على الورق تفتقر لفهم ما كان يجري على الأرض بالرغم من الوجود المتفرد لكل وكالات الحكومة الأمريكية الإستخبارية على مدى عشرون سنة في أقغانستان، يسبقه فشل تأريخي لكل الجهود المضنية والتكاليف الباهضة لإعادة تشكيل المجتمع الأفغاني على الطريقة الأمريكية والتي يخطط لها خبراء المكاتب في واشنطن، والمعاندة الطويلة لأخذ الدروس والعبر من الأحداث التي مرت على بلدٍ عصيّ على كل الغزاة الذين إرتدوا بالخسران كما وصفهم الشاعر الأعشى: "كناطحِ صخرةٍ يوماً ليوهِنَها، فلم يَضُرها وأوهى قَرنَهُ الوعلُ"، والثقافة الديوبندية التي تشكل الأساس الفكري لحركة طالبان كان أساس نشأتها هي مواجهة الغزاة.

لكن أمريكا كما هي دائماً يصعب ويعزعليها أن تقبل الهزيمة وتعترف بالفشل وتُصلِح ما أفسدته ولم تقبل بنصيحة شخصيات مرموقة في تأريخها مثل والتر ليپمان الذي تحدث عن خطورة التواجد العسكري في البر الآسيوي كما يستشهد به المفكر المصري محمد حسنين هيكل.

التقييم الأمريكي لقرار الانسحاب من أفغانستان بأنه سيوقف النزف المستمر لقدرات الولايات المتحدة ويخلق واقعا جديدا في أفغانستان يصب جزء منه لمصالح الولايات المتحدة في خلق بؤرة توتر جديدة في وسط آسيا تشاغل بها الصين وروسيا وايران، يعكس دائماً التفكير النظري غير الواقعي لمخططي الإستراتيجيات في الولايات المتحدة، ومرة أخرى أخطأ المخطط على الورق عما هو على الأرض، فإيران مثلا بدأت بنسج علاقات مع طالبان منذ انكسارها في 2001 حيث استقبلهم قاسم سليماني على الرغم من مشاركة ايرانية غير محسوسة في سقوط طالبان، واسست ايران علاقات متشابكة مع خطوط طالبان المختلفة (على الرغم من أثر قتل 9 دبلوماسيين ايرانيين في مزار شريف)، ولم تنقطع زيارات طالبان لطهران منذ ذلك الوقت وأنقذت ايران الكثير من قيادييها في رهان يشبه المقامرة على كل الأحصنة في المضمار، ومن المفارقات أن وفداً من طالبان حضر مؤتمر الصحوة الاسلامية عام 2011 في طهران بالتوازي مع وفد حكومي أفغاني، وكذلك زيارات متكررة في السنين اللاحقة والاتصالات كانت تتم مع فيلق القدس الذي يترأسه سليماني، حتى ان الأمريكان قتلوا أحد زعيم طالبان وهو الملا أختر منصورالذي خلف الملا محمد عمرعندما كان عائدا من زيارة سرية لطهران في مايو 2016، ونشأ تصور مبكر في إيران بأن الحكم في أفغانستان لايمكن أن يستقر بدون طالبان وتم العمل بهذه السياسة على كل المستويات الرسمية الايرانية بما فيها إيواء قيادييها واستضافتهم وفتح مكاتب للحركة شبه علنية.

الانسحاب الأمريكي المتسارع من أفغانستان تعتبره إيران نصراً مجانياً غير مباشراً لها أنهى وجود عدو لدود يحاصر خاصرتها الشرقية في جهودها لتنفيذ استراتيجيتها الجديدة في محاربة الوجود الأمريكي في المنطقة الذي يحيط بها، والذي يتمثل في الهجومات المتكررة عليها في العراق، لذلك فان ايران ستكون أكثر قلقاً لو شب نزاعاً أهلياً أو صراعاً على السلطة، لذلك ستسعى لترسيخ حكم طالبان واستقرار أفغانستان كهدف رئيسي لحكومة رئيسي ليكتمل شعورها بالنصر وبشروطٍ تُحسِنُ ايران دائما إستثمارها وفرضها بطرق مختلفة.

التفاف ايران على الوضع في أفغانستان يساعدها الآن تشابك في الإقتصاد، حيث تعتبر ايران الشريك الأول لأفغانستان وشريان وممر حيوي لوارداتها حسث تفتقد لأي منفذ بحري، وكذلك سعي ايران للتعاون الواسع مع الصين سيوفر لها ممر أفغانستان طريقاً محتملا لتوسيع مشروع الحزام والطريق لإيران والتي وقعت مذكرة تفاهم بالمليارات مع الصين في تحالف اقتصادي محتمل تسعى له الصين بكل قوة، وكذلك علاقات مع مكونات الأفغان بدءا من حامد كرزاي والطاجيك والأوزبك والهزارة ولواء فاطميون (الذين هم احتياط استراتيجي لإيران للمجموعات العابرة للحدود واستخدامهم في سوريا تحديدا كان أهم دور لهم) واحزاب جديدة ومجموعات مسلحة ممولة من ايران تعمل في السر والعلن، ستستثمرهم في توازن بالعلاقة مع طالبان بإلإتجاهين وتستخدمهم في حال نشأت مفاجئات في العلاقة مع طالبان، وهكذا هي ايران تحصد ثمار الفشل الأمريكي كما حصدته في العراق، يساعدها أيضا بأن كل جوار أفغانستان يمكن أن ينسجم مع توجهات وخطط ايران سواءا الصين او باكستان أو روسيا وكلها قلقة ومتفقة لحد كبيرعلى أولوياتها الرئيسية، ولتأثيرها ودورها المتوقع فأن منظمة شنغهاي للتعاون منحت ايران عضوية كاملة فيها، وسيكون الوضع عليها أسهل بكثير من العراق الذي لم تكن دول جواره منسجمة مع مخططات ايران وغير مرحبة ومعارضة وممانعة للنظام الجديد فيه.

قرار الانسحاب يعطي رسالة مُقلقة للكثيرين الذين يراهنون على الوجود الأمريكي في المنطقة الذي لم يعد كما كان سابقا، فقد تغيرت الأولويات والحسابات والتحديات والمصالح ولم تعد حتى داعش وما يرافقها من مجموعات عنف وتطرف تشكل الاهتمامات الكبرى للولايات المتحدة، فمثلا أصبحت مواجهة الصين تتصدر أولوياتها والتنافس مع روسيا تتقدم على علاقتها بالمنطقة ونفطها، وبالتالي بدأ الجميع يتكيف مع بدائل لم تتبلور نهائيا لحد الآن، سيكون أسهلها وأفضلها وأسرعها أثراً هو تفاهم اقليمي لغلق ملفات التوتر والصراع والحروب بالوكالة والتي لم تخلق وتُنشأ وضعاً مغايراً لما كانت عليه ولم يستفد اي طرف في فرض نموذجاً كان هدفا للحرب والتوتر.

عدم الإستقرار في أفغانستان سيجذب الكثير من المجموعات الراديكالية التي ستشكل خطرا أعظم على أمن المنطقة وخصوصا العربية التي تكتنز مجموعات متطرفة وغاضبة ومغضوب عليها ومُطارَدَة لذلك فإن هدف استقرار أفغانستان سيكون مشتركاً يتوزع على أغلب دول المنطقة حيث تنعدم في أفغانستان مشتركات أخرى فليس موقع أفغانستان بذات الأهمية وتفتقر للموارد التي تشكل تنافساً دوليا عليها مثلما الحال عليه في العراق وليبيا مثلا.

تبقى قدرة طالبان على لجم وتحجيم والقضاء على الجماعات المنافسة المتطرفة في أفغانستان مثل داعش وبقايا القاعدة والنسخ المتطورة منها هاجساً وإمتحاناً لقدرات طالبان في إحتكار السلاح والعنف وهو إختبار ليس سهلاً وسيأخذ وقتاً حيث ستسعى تلك الجماعات لزعزعة حكم طالبان وتفجيرات كلما أمكنها ذلك.

ويبقى الصراع بين أمريكا وايران وما ستسفر عنه محادثات البرنامج النووي أمراً يحدد الكثير من التحركات وسلوك كل طرف في أفغانستان.

 

د. علي الدباغ

 

 

طالب شباب انتفاضة تشرين 2019 بانتخابات مبكرة على أمل تحقيق تغيير ملموس ووضع البلد على سكة التقدم والخلاص من الطائفية ومظاهر التعفن لعملية سياسية تصاعدت رائحتها القذرة لتزكم الأنوف ولم يحصد منها الشعب العراقي سوى الخيبات والفشل والفساد والضحك على الذقون .

تمكنت قوى الأحزاب الإسلامية الحاكمة وشركائهم من المماطلة وتفريغ مطلب الانتخابات المبكرة من محتواها الحقيقي حيث ان الانتخابات الحالية ستجري قبل حوالي ستة الشهر من الموعد الاعتيادي لا أكثر ولا اقل أي إن حقيقتها ليست انتخابات مبكرة على أية حال كما إن هذا المطلب ارتبط بمجموعة مستلزمات طالبت بها الانتفاضة منها تفعيل قانون الأحزاب المجمد عمليا والذي ينص على كشف مصادر تمويل الأحزاب وكذلك طالبت الانتفاضة بمنع مشاركة الفاسدين واللصوص في الترشيح للانتخابات وكذلك حصر السلاح بيد الدولة وإيقاف نشاط المليشيات المسلحة ومنع مشاركتها في الانتخابات كما وهناك جانب آخر يتعلق بفساد مفوضية الانتخابات التي ثبت مشاركتها في تزوير انتخابات عام 2018 وكذلك المطالبة بقانون انتخابي جديد يضمن فرص متكافئة للمرشحين

الأسئلة المطروحة إذن هل تحققت هذه الشروط والجواب طبعا كلا لم يتحقق أي منها إضافة إلى المطالبة بالإشراف الدولي لعدم ثقة الشعب بالجهات المشرفة على الانتخابات والمتحكمة بزمام الدولة والمال والسلاح وما الذي سيختلف هذه المرة عن عمليات الانتخابات المزيفة السابقة وخاصة انتخابات عام 2018 التي قاطعها الشعب العراقي ولم تتجاوز نسبة المشاركين العشرين بالمائة ولكن لا يمكننا ان نتغافل عن بعض الفوارق فهناك هرجه إعلامية كبيرة لتسويق الأكاذيب والمزاعم حول ضمان شفافية ونزاهة الانتخابات ولا ندري كيف ؟! كما إن البرلمان الحالي بعيد كل البعد عن تمثيل مصالح الناس وفشل فشلا ذريعا وعجز عن اصدار قانون واحد يخدم الشعب او يعالج المصائب المستمرة  والنواب ليسو سوى ثلة طفيلية نفعية غارقة بالامتيازات .

نلاحظ مواصلة رئيس الوزراء الحالي حملته في إطلاق الوعود الكاذبة وهويعتقد واهما بان الجماهير تنسى أكاذيبه السابقة وتدعي أبواقه بان مهمة حكومته هي فقط القيام بانتخابات مبكرة فأين أصبحت إذن وعوده في محاكمة قتلة شباب الانتفاضة في حين نجد أن الاغتيالات مستمرة وأين هي أجواء الأمن والاستقرار اللازمة لإجراء انتخابات نزيهة في وقت تعترف الحكومة بعظمة لسانها باستخدام أجهزة الدولة وأموالها في الدعاية الانتخابية من قبل فاقدي الشرعية من العناصر الفاسدة المتنفذة وليس هذا فحسب بل نجد وقاحة الحاكمين تصل درجة محاولة إعادة تسويق عناصر مجرمة مسئولة عن تسليم ثلث البلد لداعش وتبذير المليارات من ميزانيات انفجارية طيلة ثماني سنوات من استيزاره إضافة إلى محاولة إعادة تسويق الوجوه الفاسدة الكالحة القبيحة القديمة من قبل كافة الكتل تلك الوجوه التي عجزت أنظمة الحكم المتعاقبة عن محاسبتها وإيداعها السجن .

إن المتوقع أن لا تكون مقاطعة انتخابات الشهر القادم اقل من مقاطعة انتخابات عام 2018 مما يعني إن البرلمان القادم لن يكون أفضل من البرلمان الحالي الفاقد للشرعية رغم المحاولات اليائسة للإسلام السياسي الحاكم ومعه القوميون الشوفينيون وشتى الفاسدين الذين يحاولون تزييف إرادة الشعب عبر تشكيل أحزاب كارتونية "مدنية" مزيفة لإيهام الناس  بمصيرية ! هذه الانتخابات كما إن المقاطعة هذه المرة منظمة وديناميكية وتشترك فيها ليس معظم القوى التشرينية فحسب بل القوى الديمقراطية العلمانية وأحزاب عريقة مدنية تقدمية والمقاطعة ليست سلبية بل تستهدف رفع وعي الجماهير وفضح الخداع والتضليل الذي تمارسه القوى الفاشلة المهيمنة على مصير ومقدرات العراق  والتي لا تؤمن بالديمقراطية أصلا بل تمرست طيلة الخمسة عشر سنة الماضية بأساليب الكذب والتضليل وحرفت بنود الدستور وتنكرت لمعظم مواده وشوهت محتواه بالحكم الطائفي و المحاصصة .

تلجأ الأحزاب الحاكمة والحكومة الحالية إلى عملية تشويه ممنهجة لانتفاضة تشرين متجاهلين جوهرها الحقيقي كانتفاضة شعبية شبابية انطلقت بسبب المعاناة والفقر والظلم الذي تعاني منه الشريحة المليونية للشباب رافعين شعارات معبرة رائعة ك "تريد وطن"

و" نازل اخذ حقي " أو " باسم الدين باكونا الحراميه " فمرة يتهمون التدخل الخارجي بوقوفه خلف اندلاع الانتفاضة متناسين بانهم جاؤوا ونصبوا من قبل الأجنبي المحتل وأصبح الكثير منهم الآن ذيولا "للأرجنتين" كما ويتهمون دول الخليج المستفيدة من حكمهم بتمويل الانتفاضة في حين نجد رموزهم في زيارات متكررة لدول الخليج لاستلام الأموال والعطايا مقابل إفشال ميناء الفاو مثلا أو إيقاف عجلة أي  تقدم صناعي أو زراعي للعراق و تستهدف هذه الأحزاب الفاشلة تكريس بقاؤها في الحكم ، كان هدف الانتفاضة تحقيق التغيير المنشود عبر الانتخابات المبكرة وعند فشل الحكومة في توفير الأجواء الأمنية والاجتماعية المطلوبة لذلك توجه معظم شباب الانتفاضة إلى مقاطعة الانتخابات ليس لعدم الإيمان بالعملية الانتخابية بل لإدراكهم الواعي لعدم تغيير هذه الانتخابات الوضع المزري الحالي ولا ينبغي أن ننسى بان البرلمان ليس هو الطريق الوحيد للتغيير كما أثبتت انتفاضة تشرين الباسلة بتضحياتها الجسام والتي ارعبت الشرذمة الحاكمة واسقطت حكومة المجرم جزارهم القاتل الغير عادل كما ان مقاطعة الانتخابات هو أيضا إيفاء لدماء الشهداء التي عجزت الحكومة عن محاكمة قتلتهم .

تحاول أجهزة السلة التهريج ورفع أهمية مشاركة بضعة مئات من المراقبين الدوليين في حين كانت المطالبة بإشراف دولي لعدم ثقة الناس بالأجهزة الحكومية والمفوضية في منع التزوير إن لم نكن متواطئة معه وتناست أجهزة السلطة وجود مراقبين في معظم عمليات الاقتراع السابقة والمراقبة لم ولن تمنع التزوير وكانت ممثلية الأمم المتحدة في العراق شاهدة زور تزكي بشكل كاذب نزاهة انتخابات مزورة في الدورات السابقة والمعروف ان التزوير وصل حدودا غبر معقولة حتى بمقاييس دول العالم الثالث ولو كانت لدينا عملية انتخابية نزيهة عام 2018 أو قبلها في عام 2014 لتخلص الشعب العراقي  من هذه الفئات الرثة والقاها قي مزبلة التاريخ كما حصل مؤخرا لحزب الإخوان المسلمين في المغرب

الخلاصة إن هذه الانتخابات لن تختلف عن سابقاتها وهي تكرار لنفس الأساليب الفاشلة السابقة في تزوير إرادة الناخبين وشراء الأصوات والتهديد بسلاح المليشيات ونتائجها معروفة مسبقا في إبقاء نفس الطبقة الفاسدة التي انتهى مفعولها منذ زمن طويل في الحكم عير الصفقات وتقاسم المناصب والمنافع بعيدا عن أرادة الشعب المحروم من ابسط مستلزمات الحياة الكريمة والخدمات الأساسية من الماء والكهرباء والسكن اللائق والمستشفيات الصحية والتعليم المتوائم مع القرن الواحد والعشرين ومحاربة البطالة التي تجبر مئات الآلاف من الفقراء البحث عن معيشتهم بين المزابل في وقت تترفه مجموعة من عصابات السراق بالحكم وتواصل نهب خيرات البلد عبرسرقة النفط العلنية و اللجان الاقتصادية والمشاريع الوهمية والاستثمارات الكاذبة ومزاد العملة المشبوه دون وازع ضمير .

ان الخلاص من هذه الطغمة المتسلطة يعتمد على إرادة ووعي الجماهير وخاصة جيل الشباب الذين اثبتوا استعدادهم للتضحية والثبات للخلاص من هذه الزمرة الحاكمة وواهم من يعتقد بانطفاء جذوة انتفاضة تشرين طالما إن الحاكمين عاجزين عن تحقيق أي تغيير والمقاطعة هي وسيلة لنزع الشرعية المجتمعية عن هذا النظام الهزيل وسقوطه حتمية تاريخية. 

 

محمد الموسوي

18-9-2021

 

الحسين بوخرطةبعد اغتيال أسامة بن لادن وخفوت قوة وجود تنظيم القاعدة، عانى العالم بشكل عام، ومنطقة الشرق الأوسط بشكل خاص، الويلات والمأساة بسبب ظهور الداعشية. لقد تم تحويل الحراك السياسي السوري السلمي إلى مواجهة مسلحة. تم إعلان ولادة مشروع عقائدي جديد، أعطى انطلاقته أبو بكر البغدادي بالموصل، بصفته زعيم تنظيم الدولة الإسلامية (دولة الخلافة). لقد ولد هذا المشروع منذ بدايته، المستند على شعار معاداة الآخر أي حكومات وشعوب دول العالم المتقدم بشكل عام وللغرب بشكل خاص، بطبيعة معادية لذاته بشكل خاص وللذات العربية الإسلامية بشكل عام. لقد ولد متعمدا اعتماد المواجهة المسلحة والعنف كأسلوب، والارتكاز على منهج خلق الفتنة والتفرقة داخل الأمة العربية وداخل الدول القطرية من المحيط إلى الخليج.

لقد ساعدت مجموعة من الظروف، منها ما هو مصطنع وما هو واقعي أو موضوعي، والتي تأججت شرارتها بفعل ويلات منطق ممارسة السلطة في دول المنطقة، على إنجاح حملة ترويج حلم بناء الدولة الإسلامية على أساس الخلافة العادلة، بحيث نزح إلى المنطقة، تحت شعار الجهاد من أجل نصرة الإسلام والمسلمين، كل المتعصبين الإسلاميين المناوئين لمنطق العولمة وسادات العالم الجدد.

انزلقت هواجس هوياتية عاطفية لدى العديد من الناس، وترتبت عنها نوازع نفسية هوجاء عجلت عمليات الارتماء في أحضان التطرف والمغالاة وهدر الطاقات. تيسر انخراط عدد كبير من أفراد شعوب المنطقة داخليا وخارجيا في هذا التنظيم. فتحت حدود الدول وشاع التداول في شأن المسارب المنافذ، واشتد تدفق المغامرين على التراب السوري. تأجج الاندفاع غير محسوب العواقب لمواجهة العولمة وثقافتها الحداثية، وتم التنديد بأهدافها الإستغلالية والاستعلائية. نجحت دعوات التغرير بالمتعصبين، وتسير ذلك بتمجيد دوافع الانغلاق واستغلال ضعف التكوين والمعرفية بالعلاقة التاريخية للهوية العربية الإسلامية بالآخر.

تطور الآخر عبر العصور الأخيرة، وسعى إلى ترتيب العلاقات مع الذاكرة والواقع وشعوب العالم بمنطق المنتصر. وجدت قاعدة واسعة من شعوب الأمة العربية نفسها عاجزة عن مسايرة ما تتطلبه العولمة من جهد من أجل الاندماج والتنافس في فضاء عالمها المادي. اتخذت الإجراءات والترتيبات المادية والعسكرية والجيواستراتيجية لتمكين هذه الحركة الجديدة من وحدة ترابية حاضنة (سوريا والعراق). تم عنوة استحضار رمزية اختيار بنو إسرائيل لأرض الميعاد، تراب فلسطين، من أجل بناء مشروع دولتهم اليهودية في إطار المشروع الصهيوني الاستيطاني الكبير. استفحلت أزمتي الدولتين المتأصلتين عربيا (سوريا والعراق)، وتم الترويج لتحويلهما إلى ملاذ وفرصة لا تعوض لإعلان نشأة دولة الخلافة الوهمية.

قبل ذلك، تم القضاء نسبيا على القاعدة وروادها لإبادة التنافس أو التنازع بينها وبين الحركة الجديدة. سيطرت أحداث داعش وقياداتها على وسائل الإعلام، وتوج المسار برفع شعار محاربتها كونيا إلى أن قل الحديث إعلاميا عن كلا الحركتين. دخل العالم مرحلة جديدة، سماها المتتبعون الغربيون بمرحلة ما بعد الحداثة، بخاصيات تم نعتها بعبارة الإشباع الإيديولوجي، وبأفعال وردود أفعال تميل أكثر إلى الصراع على حساب المنافسة بمنطق اقتصاد السوق، وبالندية على حساب التعاون والتكامل في المجالات الاقتصادية والثقافية والعسكرية. تشكلت التكتلات الجهوية بقيادة الدول العظمى، وخضعت للتذبذبات والتجاذبات المصلحية.

 تابع الرأي العام الكوني، ويتابع اليوم بالوضوح التام، تجديد مقومات الصراع على قيادة العالم ما بين الغرب والشرق، خاصة ما بين أمريكا والصين. إنه صراع لاقتسام خيرات العالم الاقتصادية على أسس جديدة. اشتد التجاذب السياسي وتفاقم زمنيا إلى درجة يمكن وصف مستواه اليوم بالوصول إلى درجة الذروة المنبئة بتوقعات توالي حدوث أزمات وتعقيدات وتحولات في السياسة والاقتصاد العالميين. استفحل الصراع وتجاوز المرتكزات الإيديولوجية الفكرية المتفق عليها في إطار النيوليبرالية أو الشيوعية، بحيث لم تجد الولايات المتحدة الأمريكية أي حرج في إعلان تدخل الدولة في الاقتصاد ومواجهة المناوئين بسن سياسات حمائية في سياق حربها التجارية، وتغليب المصلحة القطرية عن المصلحة الجهوية أو الإيديولوجية تحت شعار أمريكا أولا.

في نفس الوقت، أبانت التطورات السياسية ولادة أوضاع جديدة، بمواقف وقرارات جيواستراتيجية بطبيعة تبعد بالتدريج، غربا وشرقا، الديمقراطية عن مهام تراكم مقومات التنمية ورفاه الشعوب، بحيث أصبح واضحا بروز نوع من الميول إلى التطرف السياسي في التعاطي مع مختلف القضايا والمستجدات، تطرف ساهم ظرفيا في تقوية موقع عدد من التيارات السياسية اليمينية في الدول الغربية.

والعالم يعيش تأثيرات ما بعد الحداثة على إثر إعلان دخول الحداثة مرحلة الاحتضار، تابع الرأي العام العالمي كيف تدخل الفلاسفة وأهل العلم في الفضاء والطبيعة في مناقشة وتحليل الأوضاع الحالية، والتنبؤ بالسيناريوهات المحتملة والممكنة. فبعد النجاح في تأجيج غضب الشعوب الغربية على الكنيسة، وتحويله إلى هاجس شعبي لمواجهة تسلطها، تم توفير الغذاء الدسم لتقوية القواعد الشعبية للرأسمالية ثم الليبرالية والحداثة إلى أن وصلت حصيلة النظام العالمي الجديد، الذي أعلنه الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن في مطلع التسعينات، إلى قمة منحى حياته. لقد برزت علنا كل المؤشرات الدالة عن الوصول هذا المنطق بأبعاده السياسية والاقتصادية والثقافية إلى نقطة بداية الانحدار والتدهور.

بعد إعلان النجاح في القضاء على نظام القاعدة ذات الأبعاد الكونية تحت قيادة أسامة بن لادن، وعلى الفكر الداعشي تحت قيادة البغدادي، يعيش عالم اليوم أزمة اقتصادية وصحية غير مسبوقة جراء انتشار وباء كوفيد 19، الذي تسبب في ظهوره فيروس كورونا ببنيته الجديدة سارس كوف 2 وتحوراته الفتاكة. لقد أحدث هذا الوباء هلعا كبيرا شمل كل شعوب العالم، ودفعهم، بالرغم من محاولات رواد التقليد ربط ما يقع بالميتافيزيقا والأسطورة، إلى التفكير فيه بشكل جديد.

إن طريقة التعامل مع هذا المستجد القاتل، وباء كورونا المستجد، الذي حقق أكبر نسبة في حصد أرواح المصابين، جعل النقاشات الشعبية تميل كل الميل لاستحضار الاعتبارات العلمية، اعتبارات  يمكن إدراجها في خانة بداية دخول شعوب الجنوب إلى مرحلة التفكير العلمي في أفق بناء ثقافة علمية في التعاطي مع الأحداث بكل أشكالها. فإضافة إلى آثار الحجر الصحي على سلوك الأفراد والجماعات (النظافة، التباعد، تحسن الأجواء العائلية للأسر، التعليم عن بعد، .....)، ارتقت النقاشات واشتد وقعها على السوكات الفردية والجماعية بواسطة شبكات التواصل الاجتماعي. تحول البحث عن الفهم من خلال طرح الأسئلة وانتظار الأجوبة الشافية إلى انشغال يومي لدى كل شعوب العالم. الكل يسعى لتكوين فكرة منطقية عن الطبيعة التطورية لهذا الفيروس ومدى اختلافه عن الفيروسات الأخرى وعن البكتيريا. لقد تم فرز توجهات جديدة في النقاش العام في مختلف دول الجنوب، فرز طواق للتمييز بين هذه الكائنات المناوئة لحياة الإنسان، بحيث أصبح معروفا أن هذا الفيروس لا يتكاثر من ذات نفسه، ولا يستهلك الطاقة، وليس فيه أي حمض نووي، وأنه عامل حيوي مغطى بمادة دسمة وبروتينات، وأن الوقاية منه مرتبطة بالغسل المتكرر لليدين بالصابون وتعقيم كل ما يمكن أن يلمسه الإنسان.

في نفس الآن، وشعوب الكون ودولها تقاوم انتشار هذا الوباء، يعيش العالم نقاشات علمية جديدة تتعلق بنظرية تطور الأجناس الحية وأصل الأنواع، بما في ذلك الإنسان، وجدال عقلاني مستمر في شأن الانتقاء الطبيعي للكائنات الحية (انتقاء الأفضل والأنسب)، وحدوث الطفرات الجينية والتغيرات التي تصيب الجينوم بصفة عامة. كما أن التطور الذي ميز علم الحفريات، وإبرازه لحقائق جديدة مبهرة، جعل العلماء يقرون أن الحقائق التي وصل إليها العلم في إطار نظرية تطور أنواع الأجناس، أحدثت ثورة علمية كونية، أعادت للنقاش النظرية الدروينية معتبرة أن ما وصل له هذا العالم لا يمكن اعتباره إلا مجرد رؤوس أقلام مقارنة مع حجم الكشوفات الحالية.

وعليه، فنتيجة لما عرفه العالم من تطورات سياسية وثقافية، وما وصل إليه من كشوفات واختراعات علمية، لم يعد مستساغا بالنسبة لشعوب العالم الجنوبي، خصوصا الشعوب العربية والمغاربية، الاستمرار في اعتماد النقل والقراءة السطحية للنصوص الدينية للنيل من قوة عقول الأفراد والجماعات ومنعها من التفكير العلمي. لقد حان الوقت للاعتراف بدعوة ابن رشد للمسلمين إلى تأويل نصوصنا العقائدية بمنطق عقلاني متميز، لا ينطلق من الخوف، ولا يبحث عن السبل، كيف ما كانت طبيعتها، لخلق هوات وهمية ما بين الأبعاد العقلانية لآيات سور القرآن الكريم والحقائق العلمية للكشوفات والاختراعات النافعة للإنسان ولمستقبل أجياله.

لقد حان الوقت لإعطاء مهام تفسير النصوص القرآنية (كلام الله سبحانه وتعالى) مكانة مؤسساتية راقية، مكانة تكرس التعاون والتكامل، بدلا من التنافر المتعمد، بين آراء الفقهاء والفلاسفة وعلماء الفضاء والطبيعة واللغات، وإخضاع التفاعل فيه لما هو منهجي صارم بأدواته ونتائجه وأدلته. إن تحديات المستقبل تفرض تجاوز الترويج للعلاقة العدائية ما بين المتدينين والعلمانيين، ولما يتم الترويج له من عبارات هجومية للحفاظ على جمود الوعي الثقافي، وتركه على ما هو عليه، واعتبار أي اجتهاد خارج هذا المنطق مجرد أسئلة محرجة لزعزعة عقيدة المسلمين.

إن شعوبنا الإسلامية في حاجة إلى قفزة وعي نوعية تجعلها في خضم التفكير العميق في الجوانب العقائدية من خلال البحث عن الحكمة الخفية في الطبيعة (خلق الكون من أجل الإنسان)، وعن أدلة متطورة لوجود الله، في أفق تحقيق انسجام قوي ما بين الإسلام والعلم.

شعوب العالم تعيش اليوم أحداث استمرار التطور السريع للأجناس من زراعات ونباتات وفواكه وطيور (الدجاج والديك الرومي) وأسماك، ... وتعيش بالموازاة مواجهة علمية لتطور أجناس الفيروسات والبكتيريا ومختلف الخلايا. لقد فند الواقع المقاومة العقائدية المفتعلة للتطورات العلمية. لقد وأد التاريخ نزوع المسلمين لمقاومة الكشوفات العلمية، وزج بهم باقتناع راسخ في فضاء الاعتراف بما وصل إليه العلم والاجتهاد، مقتنعين بالحاجة إلى تأويل النصوص الدينية باستمرار لاحتضان الإبداع البشري.

إن وصول العلماء إلى إقرار حقائق جديدة في مجال نشأة الكون والإنسان وإقرار نظرية التطور، وتجاوز نظرية الانفجار العظيم، قضت على كل الذرائع التي كان يؤججها رواد التقليد للرفع من مستوى انغلاق الشعوب. لقد تأهلت الجماهير المسلمة بما يكفي واعية بتحديات العصر وبالحاجة للبحث والتقصي بالشكل الذي يمكن علماءنا وخبراءنا في الداخل والخارج من إيجاد التفسيرات العقائدية العقلانية المناسبة للثورات العلمية وتطور السلوكيات البشرية وردود أفعال الطبيعة.

لقد حول الليبراليون الإنسان إلى مركز للكون معتقدين النجاح في "قتل الله" والقضاء على تسلط الكنيسة. ثارت الطبيعة، وتم دق ناقوس الخطر. برزت إلى سطح الأحداث الكونية رهانات التصالح ما بين الطبيعة والإنسان كمكونين أساسيين لملكوت الرحمان.

 

الحسين بوخرطة

 

مهدي الصافيالحماقة السياسية او الغباء وضيق الافق للانظمة الفاشلة (او الشمولية) في دول العالم الثالث، قد تفتح الابواب للمزيد من الصدامات او الصراعات الدولية في المنطقة، بغض النظر عن ان الاخطاء او الحماقات المرتكبة كانت مفتعلة انيا او مخطط لها مسبقا (من قبل قوى التأثير العالمي للدول العظمى)، اذ كانت عملية احتلال الكويت عام 1990 من قبل نظام صدام، هي بداية مشروع الشرق الاوسط الجديد، وهي تحمل صفة الافتعال (لاسباب شخصية للرئيس صدام امام اخفاق حلفاءه بتلبية الوعود المقطوعة له بالدعم المالي) والتخطيط المسبق، الذي تم تنفيذه بقوة بعد احداث 11 سبتمبر (الهجمات الارهابية على برجي مركز التجارة العالمية في نيويورك 2001)، وبعد ان استكملت المقدمات العملية والموضوعية لاحتلال افغانستان والعراق...

نهاية الحرب الباردة الاولى شكلت انعطافة كبيرة في علاقات الولايات المتحدة الامريكية وبين دول العالم الثالث او الشرق الاوسط من جهة، وبينها وبين الاتحاد الاوربي من جهة اخرى، فقد تصاعدت حدة الترويج لثقافة القرن الامريكي الجديد، بتوسيع قواعد الهيمنة والاستحواذ او الاحتواء (في منطقة الشرق الاوسط)، حتى تم اطلاق مقولة محور الشر او نظرية اما معنا او ضدنا (لاحياد)، والعمل على بناء قواعد عسكرية دائمة فيها، والاقتراب كثيرا من الحدود الروسية الصينية في افغانستان، فمع كل هذا التفوق الامريكي المعلن، كانت روسيا والصين تطبق استراتيجية اثبات الوجود، لافشال او لابعاد قدر الامكان التواجد او الخطر الامريكي من المناطق المؤثرة في خارطة التاريخ الاقتصادي البدائي لهم، وعلاقته بمفهوم الجيوسياسي الحديث، ولهذا يعد فشل وانسحاب الولايات المتحدة الامريكية من افغانستان (وعودة طلبان للحكم) فهم متأخر من قبلها (اي الادارة الامريكية) لتلك الحقائق، جاءت على يد الرئيس الامريكي الواقعي والمباشر السابق ترامب، وهكذا تبخرت بسرعة غير متوقعة الاحلام الامبراطورية الامريكية، وبعد ان نجحت روسيا في الحفاظ على امنها القومي والاقليمي (في حدود جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، وضم جزيرة القرم، وكذلك بحماية نظام الاسد في سوريا من الانهيار)، ومع بداية انطلاق مشروع طريق الحريرالصيني الاستراتيجي، وهذا الامر قد يدفع ايضا باتجاه خسارة امريكية مدوية جديدة في العراق (كما حصل في افغانستان)، بانضمامه الى هذا الطريق الحيوي، على الرغم من المحاولات المتكررة لايقاف هذه التوجه مازالت قائمة، تارة بتعطيل احالة ميناء الفاو للشركات الصينية المهتمة، وتارة بتحويل مسار الاتفاقات غربا (مع الاردن ومصر)، او عبر اقامة مؤتمرات شكلية غير مفيدة (كمؤتمر التعاون والشراكة الاول الذي عقد في بغداد 28 اب2021 بحضور فرنسا)، والتي اعتبرها البعض هي اعلان العودة الى الاستعمار القديم بحلة جديدة، فما يحصل في العراق من تخبط سياسي واقتصادي، والاحداث في سوريا ولبنان واليمن يراد منها ان تكون ساحة لاعادة تنفيذ سايكس بيكو 2.....

لقد كان لخروج بريطانيا من الاتحاد الاوربي التأثير المباشر في اعادة تمركز او تموضع القوى العظمى في مناطق النفوذ (القديمة والمستحدثة)، وفق حسابات الحرب الباردة الثانية، التي باتت تعترف بحقيقة التنافس ضمن استراتيجية تعدد الاقطاب، مما جعل من فرنسا (والمانيا) في مقدمة وقمة هذا الصراع الاوربي، فكانت لها مشاكل اقتصادية استراتيجية كبيرة مع امريكا في عهد ترامب، وبدأت كما يبدو مع خلفه بايدن، بعودة امبريالية شبه فردية (او مناصفة مع بريطانيا) الى افريقيا وبعض دول الشرق الاوسط (بضمنها لبنان والعراق)، فقد زار الرئيس الفرنسي ماكرون العراق مرتين خلال عام، من اجل بناء وترسيخ قواعد التواجد الدائم في البلاد، تحت مظلة العلاقات الاقتصادية (غير المتكافئة كما جاءت في تسريبات الاتفاق بينهم وبين حكومة الكاظمي المؤقتة –عقود شركة توتال الفرنسية والاستثمارات النفطية المقدمة لهم و لمدة طويلة)، وكذلك وضع شروط معينة لتقديم المساعدات المالية والاقتصادية الفرنسية (والدولية) الى لبنان، وبالالتزام بتنفيذ عدة اتفاقات وتعهدات داخلية مختلفة!

طعنة الظهر التي استقبلتها فرنسا (على حد قول وزير الخارجية الفرنسي)بعد توقيع اتفاقية اوكوس (الامنية)، بالاتفاق الجديد المبرم بين امريكا وبريطانا مع استراليا، والذي الغى الاتفاق السابق الموقع مع فرنسا (عام 2016)، المتعلق ببناء غواصات تقليدية، استبدلت بالاتفاق الحالي (غواصات تعمل بالطاقة النووية، وازعج الصين ايضا، هي تأكيد على التحول الامريكي الاستراتيجي من منطقة الشرق الاوسط الى بحر الصين الجنوبي...

محور روسيا الصين باكستان ايران قطر سوريا (ودول اخرى على الطريق) تفوق كثيرا على محور امريكا (الاتحاد الاوربي) وبعض دول الخليج (وبدأت تسريبات خليجية لايكشف عن مصادرها تعبر عن حجم الصدمة التي تعرضت لها هذه الدول بعد الانسحاب الامريكي من افغانستان، وكذلك من المتوقع ان تنسحب او تلغي قواعدها العسكرية الدائمة المتواجدة هناك)، مع التأرجح التركي والمصري بين الاثنين، سيكون العراق مرة اخرى ساحة الاعلان الثاني لنهاية الحرب الباردة الحالية، الا ان الكارثة تكمن في فشل الطبقة السياسية الحاكمة فيه من بناء نظام ديمقراطي مستقر نسبيا، فالتركيبة الدستورية لنظام المحاصصة والتوافق، جعله لبنان اخر، لاسيادة كاملة، ولا قرار سياسي وطني مستقل، ولا مؤسسات دستورية قادرة على اخراج البلاد من مستنقع الفساد والفشل والفوضى، وهذه الامور لاتنتهي او تستقيم الا بوجود نظام رئاسي ديمقراطي تنموي دستوري، ينهي سطوة بعض الاحزاب والتيارات الفاسدة (او العميلة منها)، ويمنع التدخلات الخارجية واملاءاتها، وبالاستعداد لاتخاذ الخطوات المصيرية لاجراء بعض التعديلات الدستورية الجوهرية، لاعادة بوصلة القرار الوطني الى قيادات الشعب الوطنية، وليوقف لعبة جر الحبل المطبقة بحقه، بين حلفاء امريكا وذيولها، وبين حلفاء المحور الايراني الصيني، عدا ذلك سيبقى العراق بلد تصفية الحسابات...

التوزان في العلاقات الدولية امر حكيم وضروري، ولكن كما يقال عالم مابعد كورونا ليس ماقبله، بصعود نظرية اعادة بناء المصالح الاقتصادية الاستراتيجية، وبتقاسم مناطق النفوذ بين القوى العظمى، وترتيب اوضاع المنافذ وطرق التجارة الدولية، والدخول الى ميدان العلاقات والولاءات للدول الناشئة والنامية (الذي لم يعد قسم منها يعير الاهتمام لقوة امريكا، وبدء في ايجاد الخيارات البديلة مع الصين او روسيا)، من هنا يتطلب من القوى الوطنية العراقية المؤثرة (العربية الشيعية والسنية والكردية)ان لاتنتظر طويلا فيما يتعلق بالاصلاح، او توحيد الرؤيا والقرار الاستراتيجي الوطني، امام تلك التحديات والاصطفافات الدولية والاقليمية والعربية، بعيدا عن مسارات التأثير العاطفي (العلاقات على اساس طائفي او عرقي او اعتبارات موروثة) او النفسي الحذر او حتى الشخصي، والعمل على بناء دولة الامة الامنة المستقرة المزدهرة، فكل الفجوات والثغرات المفتوحة في جسد الدولة هي من الممكن جديا ان تصبح مشروع للفتنة والحرب الاهلية او التقسيم والتشرذم، وجبهات مستعرة للنزاعات الداخلية الطويلة الامد.

 

مهدي الصافي

 

صالح الطائيتعرفت من خلال تجاربي الشخصية على عدة أساليب للنقد لم أعترض على أي منها، مع أن عدم اعتراضي على أحدها لا يعني موافقتي عليه أو تأييدي له، وكنت أرى مبررا لوجودها جميعها بلا استثناء، ولكني انزعجت بشكل يفوق الخيال حينما انبرى استاذان أكاديميان تربطني بهما علاقة صداقة للعمل سوية على نقد أحد مشاريعي البسيطة بعيدا عن حيادية النقد مع وجود رغبة واضحة للتخريب ومقصد حقيقي التدمير والتسقيط، ولم يتولد غضبي نتيجة أحكامهما التي كانت دون المستوى، ولا تمت للنقد بصلة، أو لأني أكره النقد، فأنا مع كل جلسة توقيع لأحد كتبي أردد كلمة: رحم الله من أهدى إلي عيوبي، وإنما لأني أعتقد أن النقد سلاح ممكن أن يستخدم للحماية وتأمين احتياجات الدفاع الشخصية، وممكن أن يستخدم للهجوم وارتكاب الجرائم، وبين أنواع النقد على كثرتها يبقى النقد البناء المبنى على مبدأ تقديم النصح والملاحظات البنائية الهادفة التي تسعى إلى تحسين الحال، من خلال الإشادة بالحسن، وتقديم النصح والإرشاد، والتأكيد على إبراز نقاط القوة والإشادة بها، ونقاط الضعف لغرض تجاوزها، يبقى هو المنهج الأكثر قبولا وعدلا وتفاعلا.

أما النقد الهدام بنوعيه الأعور الذي يركز على العيوب وحدها وينسى مجرد الإشارة البسيطة إلى وجود المزايا الحسنة، أو الذي يعمل على تضخيم العيوب البسيطة والتافهة التي لا يخلو منها أي عمل أدبي أو علمي أو عقائدي أو حتى سلوك فردي أو جمعي؛ ليجعلها تبدو أسوأ كثيرا مما هي عليه.

ومثله النقد الأحول الذي يعمل خلاف النقد الأعور، لمجرد الرغبة في تحقيق مصلحة شخصية كسبية على حساب الأمانة في ذكر الحقيقة، ومثلهما نقد الانتقام الذي تسببه العقد النفسية، والكراهية المتبادلة، والاندفاعات الفرقية والمناطقية والعقائدية، والركون للتراثية التي خلفتها سنين الصراع والنزاع التاريخي، فهي كلها معاول تهديم تتهدد الوجود الإنساني. وبين هذا وذاك أرى في أسلوب النقد التسقيطي المتبادل بين التيارات الدينية والجماعات العلمانية تهديدا مباشرا لهذا الوجود، بما يوجب عليهما تهدئة اللعب ووضع خطط بديلة يتاح لهما من خلالها التعاطي الإيجابي الإنساني مع الطرف الآخر من موقع الندية العقلية الحوارية البناءة وليس موقع الندية القتالية الحيوانية التوحشية، فالعالم لم يتقدم بالحروب، ولم ينتصر بالحروب، بل لم يدافع عن وجوده بالحروب إلا نادرا، والحروب كلها باستثناء العبثية المتهورة منها كانت عبر التاريخ الإنساني واحدة من آليات التأسيس، أو فرضت نتيجة ظرف قاهر، أو خطر جسيم يتهدد الوجود، وأدت دورها في مرحلة معينة ما كان لسواها أن يحسم الموقف فيها، وانتهى واجبها مع انتهاء تلك المرحلة، ومرحلة التأسيس، والحالة التي فرضتها، ليأخذ العقل دوره في البناء، فتمكن الفعل الإنساني المنتج من ترميم وإعادة بناء الخراب الذي خلفته الحروب، وإعادة بناء الإنسان؛ الذي قاد إلى التحضر والتمدن والرقي، لتصل الإنسانية إلى ما هي عليه اليوم.

وبناء على ما تقدم أرى أن من الأمور العقلائية والإنسانية الملحة جدا أن النقد المتبادل بين الأطراف المتصارعة حتى ولو كان ذاك الصراع خفيا مبعثه الحسد، يجب أن يأتي للبناء لا الهدم، وان يكون هدفه تهدئة الأمور وتبيان الحقائق لا الإسهام في خلق نزاعات جانبية. نعم أنا أرى أن ما يؤمن به الناقد، وما يضمره في قلبه للمنقود يتحكم بما سيدلي به، ولكن ما سيقوله في مثل هذه الحال لن يكون محايدا، ولن ينجح في تغيير الأمور نحو الأحسن.

من هنا أعتقد أن النقد الموزون والحقيقي والبنائي لا ينجح في مسعاه إلا بعد أن ينجح الناقد في فهم واستيعاب الموضوع المراد نقده، وان تكون هناك نوايا إصلاحية توافقية من وراء نقده، وخلاف ذلك لا يحقق النقد غاياته المرجوة، وقد يتحول إلى نقد ضدي يسيء للناقد نفسه قبل غيره، ويكشف عورات جهله، وتبعيته، وقصديته العدوانية. ومن سبل فهم واستيعاب الموضوع ذات التأثير الإيجابي هو الحوار مع الطرف المعني، واتخاذه طريقا لاستيعاب الأبعاد الحقيقية الخافية عن الطرفين كلاهما، بما يتيح له أن يبدع في مجاله دون أن يوجه له اللوم أحد من المؤيدين أو المعارضين. ولا يتخلى عن هذه المبادئ إلا الإنسان المغرض المصلحي المدفوع، أو الذي يضمر شرا، ويملأ قلبه الحقد والحسد، أو الذي قبض ثمن ما سيعلن عنه فعلا أو قولا، أو الأمي ذو الثقافة السطحية الفارغة، أو الذي يعاني من عقد نقصٍ وعقدٍ نفسيةٍ مرضيةٍ تسبب له أزمات الدونية.

إن الدونية التعويضية أو التعالي التعويضي كلاهما غير قادرين على تمكين الناقد؛ أي ناقد من إدراك الحقيقة كما هي، فالحقيقة هي التفاعل أولا مع الذات بإيجابية، والإيجابية تعني الاندفاع الذاتي الناشئ عن استقرار الإيمان والطيبة في القلب، وحب الإنسانية، والعمل من أجل صالحها، الإيجابية كذلك هي التي تمكن الإنسان من التكيف مع الواقع المحيط وفهمه، سعيا وراء تبديله وتغييره نحو الأحسن، وهي الحافز الروحي الذي يُمَكِّن الإنسان من أداء العمل الذي يروم إنجازه في سعيه للوصول إلى الغاية المنشودة. ومن ثم على الناقد الناجح الهادف الساعي إلى الإصلاح أن يتعاطى مع الآخر بنفس المقاييس الأخلاقية التي يؤمن بها، والنظر إلى إيمان الآخر على أنه بنفس قدسية إيمانه، فالإيمان هو القناعة الشخصية التي تخلقها التجارب المتراكمة والخبرات الواسعة، والإنسان عادة لا يغير قناعاته بيسر ولا يؤمن بالجديد ببساطة، فحتى الرسالات السماوية جوبهت بمعارضة شديدة لغاية أن تمكن الإيمان من تغيير النفوس، أما أن يُوَظف التعالي التعويضي؛ الذي هو الوجه الآخر للدونية لتحقيق مآرب آنية، فذلك حتى لو صدف ونجح، سيكون وقتيا لابد وأن ينهار أمام أرق نسمات العقل. بل سيكون دليلا كبيرا على عظيم أثر عقدة الدونية أو النقص (Inferiority complex) على سلوك الناقد، بما يفضح مقدار العجز الكامن في داخل روحه بطريقة تؤثر على مجمل سلوكياته وقراراته، وهي العقدة نفسها التي تدفعه إلى التجاوز والتعصب والانكفاء والضعة وحتى الجريمة.

من هنا أرى أن الكثير من المسميات الفاشية في مجتمعنا المعاصر لا أصل لها، ولا تمثل حقيقة حامليها لأنهم أصلا لا يملكون آليات ما وصفوا به، فلا ناقدهم ناقد ولا باحثهم باحث ولا مؤرخهم مؤرخ ولا أديبهم أديب إنما هي مجرد سمات فارغة لا أكثر.

 

الدكتور صالح الطائي

 

زينب عبدالحميد محسن

النظام السياسي للدولة العراقية

أولًا: الغزو الأمريكي للعراق: تداعيات:

قاد غزو العراق واحتلاله بقيادة الولايات المتحدة عام ۲۰۰۳، مع الفوضى الطويلة الأمد اللاحقة والمقاومة المسلحة المكلفة، إلى انحلال مؤسسات الدولة وتأسيس نظام سیاسی قائم على المحاصصة، أي توزيع مرافق السلطة وفق خطوط طائفية وعرقية وعشائرية، ثم اختلط أمر الهوية الوطنية العراقية وتحولت تدريجيًا نحو هويات طائفية وعرقية بعدما تراجعت الهوية الوطنية المجتمعية التي أرساها حزب البعث الحاكم القائمة على العروبة والقومية. والنظام السياسي الحالي القائم على الطائفية والقوى المهيمنة داخله هو إلى حد كبير نتاج الإحتلال الأمريكي والتدمير الذي أصاب الدولة. ولا تستطيع الهويات الطائفية المنفصلة أن تكون البديل الذي يبني عراقًا جديدًا. ولقد نجح «داعش، حقًا في إستثمار فشل النظام السياسي، ولكن ذلك لا يجعل منه قبلة التطلّعات السنّية. مع ذلك، فغزو العراق وإحتلاله اللذان قادتهما الولايات المتحدة، كانت اللحظة المناسبة لصعود الشعور بهوية سنّية شاملة في البلد... ورغم أنه ما كان بوسع تنظيم داعش، أن يفعل ما فعله من دون شعور سنّي متعاطف، إلا أنه من المشكوك فيه إعتبار الشعور السني الشامل هذا هوية دائمة للسنّة العراقيين، …وبالتالي فإن إنحلال مؤسسات الدولة سنة ۲۰۰۳ وإقامة نظام بدیل مبني على قاعدة طائفية زادا صراع الهويات حدة، الصراع الذي دمر - على الأرجح - العراق الحديث.

يَعكس عنف داعش الزائد التركة الموروثة المرّة لعقود من الحكم البعثي الذي مزق النسيج الإجتماعي للعراق وترك جراحة عميقة ما زالت نازفة إلى اليوم. وما فعله «داعش» هو أنه، بمعنی ما، إستعار في حربه الداخلية التكتيكات الخشنة للنظام البعثي التي طبعت بطابعها الدموي تاريخ العراق الحديث.

أن كُلًا من البغدادي وصدام حسين جاءا من قطبين آيديولوجيين متناقضين، سعى كلاهما إلى بناء نظام إستبدادي لا يحتمل أي معارضة بل يلجأ إلى كل أشكال العنف لإسكاتها. فالبغدادي أحاط نفسه بضباط جيش صدام وشرطته من الرتب الدنيا والعليا، وكان بعضهم مسؤولًا مباشرًا عن شراسة أساليب النظام البعثي، لكن هذا لا يعني أن تنظيم داعش، السلفي، الجهادي، كما يحلو لبعض المراقبين أن يزعموا، مرادف للبعث، صاحب الأيديولوجية القومية العلمانية. لم يقم البعثيون السابقون بإختطاف «داعش»، بل إن الأخير - بالأحرى - هو من جلب أولئك إلى قضيته.

ثانيًا: النظام السياسي العراقي المهشّم:

أحدث الإضطراب الناتج من غزو العراق وإحتلاله بقيادة الولايات المتحدة، وبخاصة تدمير مؤسسات الدولة، شرخًا عميقًا بين المسلمين السنّة والمسلمين الشيعة، وسهلّ بالتالي صعود داعش وتحوّله من مجرد فاعل هامشي خارج الدولة إلى دولة إسلامية. ويملأ «داعش» الفراغ الفكري والمؤسسي القائم، قفز إلى الواجهة مانحة الجماعة السنّية المقهورة إمكان إمتلاك هوية سنية شاملة (طائفية - إسلامية عابرة للقوميات والإثنيات والحدود)، وحاول البغدادي وجماعته إعادة بناء هوية سنّية مستعلية (عروبية وقومية) وفق خطوط طائفية (سنية شاملة)، متحديًا طبيعة الدولة - الأمة القائمة على القوانين والقواعد التي يفرضها المجتمع الدولي. فالطائفية هي الوقود الذي يتغذی منه «داعش»، وهي تتغذى من «داعش» في المقابل، وهو أمر يجب التوقف عنده والتفكير فيه بإمعان وما أتصل منه ببناء الهوية العربية السنّية وإعادة تعريفها. فقد سقط العراق منذ سنة ۲۰۰۳ في أزمة طائفية ممتدة، يغذّيها قلق السكان السنّة بعد تجريدهم من القوة مع تحوّل السلطة في النظام الجديد نحو الشيعة وتحت النفوذ الإيراني. ورغم مقاومة السنّة والتمييز الذي جرى ضدهم لسنوات، فإن ذلك لم يلق غير آذان صماء في بغداد وواشنطن. وأحدث تمزّق النسيج الإجتماعي على هذا النحو ممرًا ل «داعش» ليقفز إلى الواجهة مواجهًا الأغلاط التي يشعر بها السني العراقي ومُنصِبًا نفسه مدافعًا عنهم و(حاميًا) لهم. بالإضافة إلى تلاعب «داعش» الإستراتيجي، كما سابقوه القاعدة في العراق، والدولة الإسلامية في العراق، حظي التنظيم بالمزيد من الدعم بسبب من خطابه المعادي للولايات المتحدة، الذي أغرى الشباب السنّة الذين شعروا بمدى الأهانة والإذلال اللذين تسببت بهما الولايات المتحدة للبلاد. وعليه، فقد قدم هذا التهشيم المريع للنظام السياسي في العراق، مع تعطيل وظائفه وسقوطه في مذهبية متزايدة، الغذاء الآيديولوجي الذي كان يحتاج داعش إليه.

إنّ النخب السياسية الحاكمة التي تلت مرحلة صدام حسين مسؤولة عن الأخطاء الجسيمة التي سقط فيها العراق بعد عام ۲۰۰۳. ومع مسؤولية الغزو الذي قادته الولايات المتحدة ضد العراق عن تمزيق الدولة والمجتمع، إلا أن القادة الجدد يتحملون المسؤولية لتقاعسهم في تحسين الظروف الإجتماعية وتعزيز الوحدة الوطنية.

ما حصل بعد عام 2003 هو إنتشار تسييس الهويات المذهبية على نطاق جماهيري، بفعل إنفتاح المجال العام بلا قيود أو ضوابط حامية، وذلك نتيجة سقوط الدولة بوصفها جهازًا للحكم. وما حصل أيضًا بعد عام 2003، هو إنتقال الهويات الجزئية من إضفاء الطابع السياسي إلى العسكري، في أوضاع إحتلال أختلطت فيها ميول معارضة الإحتلال العسكري وتمازجت مع ميول التنافس والصراع بين الجماعات للسيطرة على عتلات السلطة والموارد المادية والرمزية المرتبطة بها. وبات توكيد الهوية المذهبية الشيعية حافزًا لتوكيد هوية سنّية معاكسة، مثلما باتت الهجمات المسلحة على الرموز والمناطق الشيعية محفزًا لتوكيد الهوية الشيعية. ما من فترة كهذه تعرضت فيها المساجد والمراقد للنسف والتدمير.

ثالثًا: أثر تفكك الدولة ومؤسساتها:

أفضى تفكك الدولة - خصوصًا حل مؤسسات العنف الرسمي من حيث الأساس - إلى شيوع الفوضى والخوف وسط النخب ووسط العامة، وهما أفضل أساس لنشدان الأمان في دفء روابط الجماعات الجزئية، أيًا كانت طبيعة هذه الجماعات، سواء أكانت أسرة ممتدة أم قبيلة أم فخذًا منها، أم حيًا سكنيًا، أم عصبوية مدينية، أم تلاحمًا طائفيًا، وهلُّمَ جرًا.

ويشتد هذا الميل في أوضاع تمزق الروابط المدنية أو ضعفها أو إنهيارها؛ هذا الصراع القاعدي - طالبًا للحماية والأمان أكسب الهويات الجزئية زخمًا هائلًا، تزایدَ حین أرتبط بصراع النخب في القمة على السلطة والموارد، وذلك لحظة شروع سلطة التحالف المؤقتة، بقيادة بول بريمر، في عملية تكوين الدولة الجديدة، وهي عملية - بحسب المقاربة المعتمدة في هذه الدراسة - متداخلة مع عملية بناء الأمة تداخلًا مكينًا من شأنه أن يدعم بناء الأمة أو يقوضه.

إلا أن هذا التداخل وهذا التفاعل بين تكوين الدولة /المؤسسات، وبين بناءالأمة/ إشراك الجماعات فيها، قام على إختلال جليّ، إقتصر على تفاهم شيعي - کردي - حاولت واشنطن تعديله مرارًا: على نحو جزئي من خلال عملية كتابة الدستور؛ وبصيغة أوسع بعد إنشاء «الصحوات»، وكانت هذه المحاولات الرامية إلى توسيع قاعدة التفاهم ضرورية، لكن محدودة، وعملت الوزارتان المالكيَّتان: الأولى والثانية على تفكيك الآليات المحدودة لتدعيم بناء الأمة التي أرسيت في الفترة ما بين عامي 2007 و2010 بموازاة عمليات تشكيل الدولة منذ عام 2003، وهو تفكيك نابع من ميول الاحتكار التسلُّطية، على قاعدة تأويل مقلوب لمفهوم الأغلبية: من كوْنه مفهومًا سیاسيًا، إلى كونه مفهوم أغلبية هوّياتيًا، والسعي لإحتكار تمثيل الأغلبية في حزب، ثم تمثيل الحزب بمجموعة قيادية ضيقة، تزّج شبكات القرابة والأتباع/الزُّبُن، مُقصِية ما عداها كله.

أثار هذا التفكيك اندلاع المعارضة من داخل الجماعات، واندلاع احتجاجات عنيفة في محافظات عراقية عدة (الأنبار ونینوی وصلاح الدين وديالى والمناطق السنية في بغداد)، وكُلِّل بتطويق الجيش مناطق الاحتجاج، وسفك دماء المتظاهرين في الحويجة - إحدى بلدات الاحتجاج - وانتهى بسقوط الموصل في 9 حزيران/ يونيو 2014 في إثر انسحاب مهين من طرف التشكيلات العسكرية الرسمية، كان أقرب إلى الهرب منه إلى أيّ شيءٍ آخر.

و سنطرق إلى أبرز التحديات الداخلية والخارجية التى تعرقل عملية بناء الدولة:

التحديات الداخلية:

أولًا- التحدّي الأمني: وتتمثل بغياب المركزية في القرار الأمني والعسكري، لوجود حالة من التنازع بين المؤسسات الحكومية الأمنية، نظرًا لوجود الكثير من الهياكل الأمنية التي تعمل خارج سيطرة الدولة، بالإضافة إلى ضعف التعاون والتنسيق وتبادل المعلومات الإستخبارية بين الأجهزة الأمنية العاملة على الساحة العراقية لأسباب مختلفة من بينها غلبة الإنتماءات والإستقطابات الطائفية والحزبية داخل هذه الأجهزة، وصعوبة التنسيق بين الحكومة المركزية في بغداد وحكومة أقليم كردستان؛ مما خلق فرصة لتنظيم داعش لينشط ويستقر في المناطق المتنازع عليها، ويُلاحظ إفتقار الأجهزة الأمنية إلى المهنية والحرفية في التعامل مع الأحداث، وغياب التحقيقات المهنية الموثوقة والعادلة.

ثانيًا- الفساد المالي والإداري: فقد استشرى في معظم مؤسسات ومرافق الدولة وأصبح يهدد مستقبل عملية بناء الدولة، (وما يثير الإنتباه هو أن الحكومات المتعاقبة في العراق لم تعمل في القضاء على هذه الكارثة بعد أن أخذ العراق يحتل المراكز المتقدمة قائمة الدول الفاشلة والأكثر فسادًا في العالم والتي تصدر كل سنة عن منظمة الشفافية العالمية بل إستمر في إحتلال مراتب متقدمة في التصنيفات العالمية مما يثبت أن الحكومات قد عجزت عن مكافحة الفساد المالي والإداري الذي أصبح تقليد إستشرى في مفاصل الجسد "الدولة"

ثالثًا- إختلاف الرؤى السياسية حول بعض القضايا الخلافية : ومنها المناطق المتنازع عليها وكركوك وتوزيع الصلاحيات بين المركز والأقليم.

رابعًا- عرقلة عملية إقرار مشاريع القوانين: بسبب الخلافات وتقاطع الإرادات بين الكتل السياسية داخل البرلمان ومقاطعة الجلسات.

التحديات الخارجية:

يعد التدخل في شؤون العراق الداخلية من أبرز التحديات التي تواجه عملية بناء الدولة في العراق ويبرز ذلك بصورة واضحة من خلال العديد من المعايير المتعلقة بالتوازن والصراع الإقليمي بين المحاور المختلفة المتواجدة على الساحة الاقليمية والدولية، فقد أدى الإحتلال الأمريكي للعراق إلى وقوع العراق بين المجال الجيوستراتيجي لأربع إستراتيجيات كبرى في المنطقة والعالم وهي الإستراتيجية الأمريكية-الإسرائيلية والإستراتيجية التركية والإستراتيجية الإيرانية والإستراتيجية السعودية، وقد عملت التطورات في سوريا على زيادة تعقيد الأوضاع وخطورتها إذ تشهد المنطقة العربية صراعًا حادًا بين هذه الإستراتيجيات وهذا مايؤثر بشكل كبير على العراق ومستقبله كدولة وأمّة كونه مجالًا حيويًا لتصادم الإستراتيجيات المذكورة بغية تحقيق المكاسب السياسية والإقتصادية وتمرير الأجندات لخلق أوضاع جيوسياسية جديدة تخدم مصالح الأطراف المتنازعة، لذا فإن أحاديث التقسيم العرقي والطائفي هي أدوات تستخدمها القوى الكبرى کون بقاء العراق ضعيفًا وممزق يخدم مصالحها، فبالنسبة لتركيا فقد تعددت إستراتيجياتها ازاء العراق سيما بعد صعود حزب العدالة والتنمية الى الحكم في انتخابات سنة 2002. وتتمثل إستراتيجياتها تجاه العراق في القضايا الرئيسية وهي: القضية الكردية وقضية كركوك والأقلية التركمانية وقضية المياه، فقد عملت تركيا على محاولة تقييد طموحات الأكراد في كردستان العراق بإعلان دولتهم المستقلة فنسبة الأكراد في تركيا أعلى من نسبة الأكراد في العراق وفي حال قيام دولة كردية في العراق سيؤثر ذلك مباشرة على تركيا، كما عملت على منع إنفجار الأوضاع في كركوك الغنية بالنفط ذات الأهمية الإستراتيجية والنقطة الرابطة بين الأناضول والعراق وإيران وسعت الى منع إنضمام كركوك الى إقلیم کردستان لأهمية المنطقة بأعتبارها المنفذ الأول في تصدير النفط إلى ميناء جيهان التركي لذا فإن وقوعها بيد أكراد العراق سيمكنهم من إقامة دولة كردية إقتصادية كبيرة مما يؤثر على الأمن القومي لتركيا ممثلًا في زيادة مطالبة أكراد تركيا بوضع مماثل، إضافة إلى محاولة تركيا بإضفاء الصفة التركية على نهري دجلة والفرات منطلقة من إعتبار مفاده أن هذه المياه تنبع من تركيا لذا فإن لتركيا سيادة على مياهها وترفض الإعتراف بحقوق العراق وسوريا من نهري دجلة والفرات معتبرة أن المياه سلعة تجارية، إضافة الى ذلك فهي تعمل في القضاء على حزب العمال الكردستاني (PKK) المحضور في تركيا والمتواجدة بعض عناصره في شمال العراق، أما بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي فقد كانت تنظر للحكومة العراقية مابعد الغزو بنظرة خاصة تتمثل في إدراكها بأن انتعاش الحياة السياسية في العراق سيحفز دول مجلس التعاون الخليجي سيما أبناء الطائفة الشيعية التي تعيش في حالة من التهميش بالرغبة في الدخول الى الحياة السياسية كما حصل في العراق إضافة إلى تزايد خشية دول الخليج من الهيمنة الإيرانية إذ ترجحت كفة الميزان لصالحها بعد غياب العراق عن معادلة التوازن الإقليمي وإستطاعت إيران أن تؤدي دورًا مؤثرًا في العراق سيما في دعم الوكلاء الشيعة فقد عملت إیران  على إستخدام العراق كورقة تستقوي بها في ملفاتها الأخرى وعلى رأسها الملف النووي الإيراني وقد أدى هذا إلى إشعال المنطقة في طائلة حروب الوكالة.

 أبرز الإشكاليات الإجتماعية التي تعرقل عملية بناء الدولة العراقية

أولًا- الإشكالية الطائفية والولاءات الفرعية: إن النظر إلى المجتمع العراقي يؤشر لنا الطبيعة الفسيفسائية المتضمنة للتعدد العرقي والتنوع المذهبي والاختلاف الديني، هذا التنوع الذي غالباً ما يجعل الدولة أمام فكرة الصراع والانقسامات الدائمة لا سيما إذا ما توفرت بيئة حاضنة أو شرارة للنزاع، مما يجعلنا أمام حالة اللاستقرار في الدولة. ولعل هذا التعدد في بعده الطائفي دفع إلى تحويل الطائفية الموجودة في المجتمع إلى خطر حقيقي يهدد التجانس الاجتماعي وكيان الدولة ككل، والسبب يعود في تعميق تلك الظاهرة إلى التنشئة السياسية الخاطئة التي مارستها السلطة السياسية ما بعد عام 2003، والتي بنيت على أسس طائفية ودينية وعرقية متناسية وحدة العراق الوطنية، إذ وجدت الأطراف المكونة للعملية السياسية في ترسيخ الانقسامات المجتمعية والطائفية مصلحة جوهرية لها وذلك من خلال علاقة الطائفية السياسية بالسلطة والثروة والنفوذ، على حساب مصلحة الوطن والمواطن.

ثانيًا- غياب الشعور بالمواطنة: إن تقسيمات البيئة الاجتماعية والتعدد الذي يتسم به المجتمع العراقي نقلت الولاء من الدولة إلى الولاءات الفرعية بحسب الإنتماء العرقي أو الطائفي أو المناطقي، ومن ثم تجاهلت المفهوم الوطني العراقي، الأمر الذي أضعف الشعور بالهوية العراقية وبالمواطنة العراقية، ولعل ما عمق من هذه الحالة هو فشل الخطاب السياسي العراقي بعد عام 2003 في إيجاد روابط مشتركة تعيد اللحمة الوطنية وتدفع بالمواطنة إلى الأمام، بل على العكس نراه عَمّقَ من الأزمة لأنه لم يستند إلى خطاب جامع واحد يصهر كل خصوصيات المجتمع العراقي وانتماءاتهم تحت الهوية الوطنية العراقية فالواقع يؤشر على أن هناك من روج للهوية الإسلامية كما هو حال الأحزاب الدينية، وهناك من روّج لمفهوم الأمة العراقية، وهناك من روج للعلمانية، وهناك من روج للهوية العربية وآخرون يتمسكون بالهوية الكُردية، ومن ثم أسهم هذا الارتباك والتخبط في الخطاب السياسي لمعظم القوى والتيارات السياسية بجعل المواطن العراقي لا يشعر بهويته الوطنية ومواطنته لأنه يراها أمام عينيه ضعيفة بفعل سيادة الولاء الحزبي الفئوي على الولاء الوطني، ولا شك فإن هذا الواقع الاجتماعي العراقي قد سُيس في بعض جوانبه ولم يعد يأخذ بعداً خالصاً متعلقاً بكون الاختلاف مدعاة لقوة الدولة بقدر ما أصبح الاختلاف أحد عوامل عدم الاستقرار المجتمعي، وأن هذه الأسباب تلاقت مع العوامل السياسية والاقتصادية وكونت سلسلة من القهر والحرمان جعلت المواطن العراقي يلتف حول تقسيماته الطائفية والعشائرية والقومية، الأمر الذي خلق حالة من عدم الاستقرار وإضعاف مرتكزات بناء الدولة العراقية.

ثالثًا- التكوينات القبلية والعشائرية: إن أحد أهم الإشكالات الاجتماعية المؤثرة في بناء الدولة في العراق هو تنامي دور العشائر، مما يؤثر في عملية التطور السياسي والديمقراطي إذا لم يوظف بشكله الصحيح، فضلاً عن تأثيره في البناء الحقيقي للمجتمع المتحضر إذ أنها تستقطب الولاءات الأعلى لقطاعات من المواطنين مما يؤثر سلباً على الولاء للدولة ذاتها سيما بعد التشويه الذي أصاب مفهوم الدولة من ناحية التفكك البنيوي لأجهزتها ومؤسساتها، كما أن تمدد نفوذها في داخل الأحزاب السياسية نفسها سوف يضعف قدرتها على استقطاب المواطنين استناداً إلى أطر فكرية وبرامج سياسية وطنية عابرة للحدود العرقية والطائفية والدينية، كما أنه يلغي بتأثيراته على العملية الانتخابية فتصبح في جانب منها محكومة بالتوازنات القبلية والعشائرية.

نشاط وتحرّكات تنظيم داعش في العراق في ظل الواقع والمعطيات المتاحة:

من المحتمل أن يرى تنظيم "الدولة الإسلامية" العراق على أنه جائزة أكبر من سوريا بسبب اقتصاده الأكبر ولأنه يضم ظاهريًا مجموعة أوسع نطاقًا من المقاتلين المحتملين، وحتى الآن، لم يصل التنظيم إلى نفس مستويات القوة في العراق التي تفاخر بها في عام 2014، عندما سيطر على مساحات شاسعة من الأراضي، ولا في عام 2013 حين كان يستعد لانتشاره الكبير (على سبيل المثال، نفذ التنظيم 6,216 هجومًا في العراق عام 2013، مقارنة بـ 1,669 فقط في 2019)، وشهدت المحافظات التي تتعاون فيها قوات التحالف والقوات المحلية انخفاضًا في العنف، وخاصة كركوك. ومع ذلك، بدأت ديالى وجنوب صلاح الدين وبعض أجزاء حزام بغداد تشهد المزيد من الهجمات ولقد أنشأ التنظيم البنية التحتية المادية للتمرد، بإستخدامه الكهوف لتخزين المئات ـ إن لم يكن الآلاف ـ من المخابئ التي تحتوي على أسلحة وذخائر ومتفجرات ومعدات أخرى. كما أعاد التنظيم بعض الكوادر الرئيسية من سوريا إلى العراق، علما بأن إعادة إلحاق هؤلاء العناصر (العراقيون بشكل رئيسي) تؤثر على القيادة التكتيكية على المستوى المحلي ـ بما في ذلك تصنيع القنابل على جانب الطريق واستخدامها، ويتوجّه التنظيم إلى المناطق التي تضم أقل عدد من السكان في البلاد، ويعمل على إخلائها أكثر من سكانها، فيتحّدى أساسًا القوات العراقية وقوات التحالف الدولي على التحرك إلى داخلها، ويتحرك التنظيم ميدانيًا في:

 المنطقة الصحراوية الفاصلة بين محافظتي ديالى وصلاح الدين.

- مناطق بحيرة الثرثار والزوية والطرابشة، شمال محافظة الأنبار.

- مناطق غرب وجنوب محافظة كركوك.

- جزيرة كنعوص  وزنكوبة جنوب محافظة نينوى.

- المثلث الجغرافي الرابط  بين شمال عاصمة بغداد ومحافظات كركوك وديالى وصلاح الدين.

و لذلك فمن المستبعد أن ينهار تنظيم الدولة بشكل نهائي في المدى المنظور، فإلى جانب تواجده في مناطق جغرافية معينة  فإنّ ذراعه الإعلامية أيضًا لا تزال قوية وهو مازال يبث أدبياته عشرات المنشورات يوميًا، وسيكون كمون التنظيم حاليًا كتراجعٍ تكتيكيٍ لمنظومة الإرهاب " التي تتطور مع بقاء مضخات إنتاجها الفكرية والتمويلية، وأيضًا المناخ السياسي العام الذي ما زالت قضايا المنطقة معه عالقة إلى أجل غير منظور"

و خلاصة القول، فأنه على الرغم من تحقيق النصر العسكري على تنظيم داعش، فإن الحرب ضده لم تنتهي بشكل نهائي، وأصبح واضحًا الضعف الذي يعانيه التنظيم وذلك يتطلب الضغط المستمر عليه وتواصل العمليات الإستخبارية لملاحقة خلاياه السرية.

"مستقبل تنظيم داعش في العراق"

أولًا: آليات وإستراتيجيات الدولة العراقية لمواجهة تنظيم داعش:

-إتبعت القوات الحكومية بعد القضاء على تنظيم الدولة، إستراتيجية عسكرية تضمنت العديد من العمليات العسكرية لملاحقة فلول التنظيم وحماية المدن ومنعه من العودة إليها، وقد تم تنفيذ الإستراتيجية الحكومية من خلال ما يلي:

أ-العمل الإستخباري: أعتمدت أجهزة الإستخبارات الحكومية على جمع المعلومات من المصادر، والسكان المحليين، ووسائل الإعلام، والعملاء والجواسيس، والاعتقالات العشوائية، ومنظومة المراقبة الإلكترونية لقوات التحالف الدولي. ومع هذا لم يكن العمل الإستخباري بالأجهزة الحكومية بمستوى التحديات، كونها تفتقر إلى منظومة مراقبة شاملة لرصد تحركات التنظيم، بما فيها المراقبة الجوية، والأرضية، والإلكترونية، وكان ذلك من بين أسباب محدودية النجاح في عمليات ملاحقة التنظيم والحد من عملياته الهجومية.

ب-العمليات العسكرية: وحيث أن القوات المشتركة العراقية أعلنت النصر على تنظيم داعش عسكريًا نصرًا خسرت به داعش أرض التمكين وقدرتها على رفع رايتها على أي بناية مدنية أو حكومية أو عسكرية على أرض  العراق، وتحوّلت إلى فلول تسكن البوادي والصحاري والجبال والتلال والمناطق الزراعية الوعرة، تعمل على تمويل نفسها ذاتيًا، وإنهاك القوى القتالية الماسكة للأرض والمرابطة في الطرق الرابطة بين المحافظات، وعلى أطراف المدن والقرى والحدود، فصارت تستهدف المواطن العراقي على الهوّية مرة وأخرى على الولاء السياسي والمذهبي، بالإضافة إلى ما قام به التنظيم من عمليات تفجيرية هددت أمن العاصمة وتسبب بسفك دماء الأبرياء، ولهذا إنطلقت عمليات عسكرية واسعة والتي - ما زالت مستمرة - لملاحقة فلول التنظيم وحققت نتائج جيدة أصابت القيادات المهمة في التنظيم.

ج-عمليات إستباقية: تعتبر العمليات الإستباقية عملًا نوعيًا وجزءًا من العمل الإستخباري الناجح، كونها تحقق المباغتة، وتمنع الهجمات قبل وقوعها، وتشمل تنفيذ عمليات الإغتيال، وإلقاء القبض، وتدمير مواقع القيادة والسيطرة، ومراكز البحث والتطوير، ومعامل التصنيع العسكري، ومراكز الاتصالات، وقد نفذت "قوات التحالف الدولي" بالإشتراك مع"المخابرات العراقي" و"القوات الحكومية"، أغلب العمليات الاستباقية النوعية الناجحة، والتي يمكن وصفها بأنها أصابت تنظيم داعش بضرر بالغ.

ثانيًا: مواجهة تنظيم داعش إعلاميًا وعبر مواقع التواصل الإجتماعي :-

فيُعتبر مواقع التواصل الإجتماعي من الإستراتيجيات المهمة لدى التنظيم لجذب الإفراد للإنضمام إلى صفوفها، أو لإحداث حالات الفزع والرعب بين المواطنين والسعي لزعزعة هيبة الدولة ومؤسساتها أمام الرأي المحلي والعالمي، وتستخدم تنظيم داعش مواقع التواصل الإجتماعي للتعبير عن وجهات نظرها وإستثارة عواطف الجماهير والتلاعب بمعتقداتهم والتأثير عليهم بأساليب مختلفة بالإضافة إلى كون مواقع التواصل الاجتماعي تمثّل الحاضنة الآمنة للتواصل بين أفراد التنظيم بعيدًا عن المنظومة الأمنية، لذلك فمن الضروري فرض رقابة على وسائل التواصل الأجتماعي لأنها تُعتبر أكثر الوسائل إستخدامًا من قبل أفراد التنظيم في تحقيق أهدافها الدعائية والتنظيمية، اذًا فإن فرض الرقابة على وسائل الإعلام ومواقع التواصل الإجتماعي وشبكات الأنترنت وأصبحت وسيلة ضرورية للكشف عن الخلايا النائمة ومراقبة البيانات ومواقع تواجدهم.

ثالثًا: مواجهة تنظيم داعش آيديولوجيًا:

بعد القضاء على تنظيم داعش عسكريًا، ستكون المعركة الأخيرة هي معركة فكرية وعقائدية وهي المعركة الأهم، لأن بداية كل شيء مادي مجرد فكرة ثم معتقد ثم إيمان فرد ينتقل أو يؤثر على مجموعة أفراد بغض النظر عن ماهية الفكرة سواء كانت إيجابية أو سلبية فهي تهدف إلى تحقيق غرضٍ ما.

ويميل بعض الباحثين والدارسين عند وصف الإرهاب الديني إلى الارتباك والتشوش، وتصوير الدين بإعتباره غاية لا وسيلة، وفي الحقيقة، إن الإرهابيين يتحركون بإسم الدين، لكنهم يسيئون إستخدامه، حيث يبقى الهدف النهائي هو الوصول إلى السلطة. وعليه فإن الهدف الأساسي في الأصل هو جوهر سیاسي لكن هذا لا ينفي تطويعه لنصوص دينية ومقدسة من أجل تجنيد أتباعه، لكن بمرور الأيام تصاعدت التفسيرات الدينية للظاهرة الإرهابية.

ولأن تنظيم داعش، لا يمكن مواجهتها بالصواريخ والرصاص، دون أن تواجه بالأفكار والعقائد والحرب الناعمة، حتى لو كان الجزء الأبرز من داعش هو كونه عدوًا عسكريًا يجيد إستعمال القنص والتفجير والتفخيخ، تبقى للمواجهة الثقافية معه الدور الأكبر، من خلال فهم آيديولوجيته ودراستها إذ لا يمكن أن تقاتل عدوًا لا تعرفه وتنتصر عليه...وحتى لو وصلنا إلى النهاية العسكرية لتنظيم داعش، فإن المعركة الفكرية لم تنته بعد، وعلى حد تعبير أحد الباحثين بأن الإرهاب الملتحف بالدين يعيش منظومة قيم متناقضة، بين الديني والعلماني، حيث يعمل الإرهابيون الذين يتخذون البعد الديني ضمن إطار سياسي وثقافي متناقض. فهم يريدون الفوز وإلحاق الهزيمة والضرر بالنظام السياسي الذي يقمعهم، وربما يسعون إلى تدمير البنى الإجتماعية، فهم يرغبون في تصحيح الوضع، ثم يفضلّون إيجاد الحلفاء بدلًا من قتل الأعداء، أما الإرهابيون الجهاديون فلا تكبّلهم هذه القيود، وهم يرون العالم میدان حرب بين قوى الخير والشر، والنور والظلام، إذًا يجب تدمير العدو تدميرًا كاملًا؛ ولعل الأخير ما يميز تنظيم داعش، وعندما نقول إن ظاهرة داعش ليست منفصلة عن البيئة العربية، نعني أنها لم تكن وليدة اليوم، وإذا قرأنا المجتمع بعيون علم الإجتماع وراجعنا سجل التاريخ لوجدنا ذلك التاريخ الممزوج بالدم، على مستوى السلفية الجهادية، أو النسخ المختلفة للتنظيمات الإرهابية مثل داعش وغيرها، ونعتقد أن المعادلة أدناه هي من صنعت داعش: (فکر سلفي متطرف + دولة فاشلة + استبداد + فقر + صراع إقليمي = داعش)، وعمومًا لا يمكن دراسة داعش وغيرها من التنظيمات الإرهابية، دون فهم السلفية الجهادية وأسباب نشأتها.

أبرز الآثار الذي خلّفه تنظيم داعش:

أولًا: أثر تنظيم داعش على الوحدة الوطنية والهوية العراقية :-

أختلف أغلب الباحثين والرأي السائد بأن داعش أحدث شرخ في موضوع الوحدة الوطنية، وعلى العكس تمامًا أرى أن داعش هنا هو بمثابة "الضارة النافعة" التي وعت المخيال الوطني وأصحت الشعب على حقيقة التنظيم

الذي اظهر عداءه لكل المواطنين مستثنية مفهوم المذهب والطائفة، وتجلّت أثر التنظيم على الوحدة الوطنية أنه وحدَّ الصف المحلي ورص الوحدة الوطنية وتحالف قوى الحشد الشعبي مع الحشد العشائري والأهالي في طرد التنظيم من المناطق التي سيطر عليها والتي اضعفت قوى التنظيم الإرهابي إلى جانب مشكلاته وتراجع الدعم المحلي لها، والنظرة الفاحصة لخارطة العراق اليوم تعطي انطباع إيجابي على خفض الأعمال الإرهابية للتنظيم قياسًا بأعوام ما قبل 2014، وهو إشارة واضحة لإمكانية بناء وحدة وطنية حقيقية على أنقاض مخلّفات التنظيم.

و هكذا إكتسبت الهوية العراقية زخمًا فيما تراجع الطائفية،  وفقًا لنتائج الإستطلاع الوطني (للمعهد الديمقراطي الوطني، يميل العراقيون، بمعدل أربعة أضعاف أكثر من غيرهم، إلى التعريف عن أنفسهم كعراقيين أولًا عوضًا عن ذكر دينهم أو طائفتهم، في الواقع، إن الإنقسامات تغذّيها السياسة والفجوة بين المواطنين والدولة. مع أن العراقيين يتمتعون بهوية مشتركة ويشعرون أن العلاقات بين الشيعة والسنة تتحسن، يبقى الشعور بالإنقسام مهيمنة على البلاد، فقد أفادت أكثرية تبلغ ٦٤% أن البلاد منقسمة لا موحدة. وحدها بغداد، وهي المنطقة الأكثر تنوعًا، عبرّت فيها الأكثرية عن الوحدة، في حين أن أكثريات كبيرة في الجنوب والغرب وإقليم كردستان أفادت أن البلاد أكثر انقسامًا، ومَرّد هذا الشعور بالإنقسام إلى النزاعات المتعلقة بالسياسة والسياسيين، كما تبين الاستطلاعات، أنه لا يلاحظ هذا التوّجه في الإنقسامات وفقا لإعتبارات دينية أو إثنية بالضرورة، بل قد يكون عبارة عن إنقسام ما بين المواطن والحكومة أحيانًا. فقد أفاد أكثر من النصف ٥٢% أن أحد أبرز الإنقسامين اللذين يواجههما العراق هو الإنقسام بين الأحزاب السياسية، في حين أعتبر ٣٢% أن الإنقسام الأكبر هو بين السياسيين والمجتمع، فضلًا عن ذلك صرّح ٣٩% آخرون أن أحد أبرز الإنقسامين الذين بواجههما العراق هو الإنقسام بين البلدان التي تبسط نفوذها على العراق، كالولايات المتحدة وإيران، في المقابل، يقول ٢٨% فقط إن الانقسام الأكبر هو ما بين السنة والشيعة..

ثانيًا: أثر تنظيم داعش على القوات العراقية العسكرية:

كان لسقوط الموصل عسكريًا أثرًا سلبيًا على الروح المعنوية للقوات المسلحة العراقية وعندما نتحدث عن المرحلة التي أعقبت أحداث سقوط الموصل لا يمكننا أن نتحدث بعيدًا عن الدعم الكبير الذي قدّمهُ المرجعية الدينية في النجف متمثلة بفتوى الجهاد الكفائي التي أفرزت إعلان ولادة الحشد الشعبي الذي تم ربطه بالمؤسسة الأمنية العراقية وأصبح المنقذ الحقيقي آنذاك إضافة الى الدور الكبير الذي قام به شيوخ القبائل العراقية المختلفة فقد شعر أبناء المجتمع العراقي بأن الحشد الشعبي هو المنقذ لإحتمال سقوط الدولة العراقية وإمتد هذا الشعور ليشمل المؤسسات الرسمية ودوائر الدولة مما أدى الى تغيّر المخططات التي كان تنظيم داعش والأطراف الداعمة له تتأمل تحقيقها، إذ أن دخول الحشد الشعبي الى المعركة شكّل فاصلة تاريخية من الإستجابة القوية والحس الوطني العالي مما غيّر موازين القوى لصالح القوات الأمنية العراقية فحققت القوات الأمنية والحشد الشعبي انتصارات عسكرية كبيرة، ولقد أنتجت الحرب ضد تنظيم داعش عقيدة قتالية لدى التشكيلات العراقية المسلحة وهي العقيدة القائمة على الشراكة والتعاون بين القوات العسكرية والحشد الشعبي فبينما تقوم القوات العسكرية بالهجوم فإن الحشد الشعبي يصبح الطرف الأقرب في المناورة مع الجيش ومن ثم مسك الأرض.

وعلى أثر تحقيق هذا النصر فإننا نجد القوات العراقية في منحنى تصاعدي تمكنت خلاله إستعادة الروح المعنوية والقتالية للجنود العراقيين، كما أن بروز الحشد الشعبي كقوة قتالية أفضى إلى معطيات واقعية على الأرض ولا سيما بعد إسهاماته الحقيقية في تحرير الأراضي العراقية وإستعادته لها من قبضة داعش وهذه الأمور جعلت القوة العسكرية تميل لجهة القوات العراقية والحشد الشعبي الذي أصبح موازنًا لعمليات المعارك التي تتطلب إشراكه فيها

و هنا يتوّجب علينا أن نجيب على السؤال الأهم وهو؛ ما هو مستقبل تنظيم داعش في العراق؟

وذلك يعتمد على أكثر من متغير، في مقدمتها العملية السياسية، فإذا ما تطورت العملية السياسية وتمكنت من إدماج السنة والتخفيف من مشاعر الإقصاءّ والتهميش، والحد من الحالة الطائفية، لصالح نمو سياسات وطنية توافقية تحكم المؤسسات السياسية والأمنية، فإن هذه ستكون ضربة قوية مؤثرة سلبًا على قدرة التنظيم على التجنيد والدعاية، إذ لطالما إرتكز في خطابه السياسي والعالمي على "الأزمة السنية"

ويرتبط بذلك أيضًا متغير السياسات الإقليمية والدولية، فمن المعروف أن هزيمة تنظيم داعش لم تتحقـق، إلا عندما تواطأ الجميع على ذلك، الأمريكيين والروس والإيرانيين والأتراك والحكومات المحلية والأكراد، فكانت المفارقات مثلًا في العراق أن الطائرات الأميركية تقصف من الجو... فالجميع اتفقوا على إنهاء دولة داعش، لكن السياسات نفسها عادت إلى الإختلاف والصراع... ما يعني العودة إلى الظروف والشروط السابقة التي إستثمرها داعش وساهمت في صعوده، لا يعني ذلك بالضرورة تكرار التجربة، لكنه يعني إعطاء التنظيم الفرصة بدرجة أفضل لإعادة الهيكلية والتكيف والنظر في إستراتيجياته القادمة.

ويجب على الفاعلون المحليون والدوليون إزالة المسببات التي أدت إلى ظهور تنظيم "داعش" عبر بناء نظم سياسية بعيدة عن الاقصاء والتهميش والتمييز في السلطة والموارد على أسس الانتماء العرقي أو الطائفي.

و في الختام، فإنه على الرغم من هزيمة تنظيم داعش سنة 2017، وإنهاء دولة التمكين، إلا أنّ ذلك لا يُعني إنتهاء تهديد وخطر التنظيم على الدولة العراقية، فلا يزال التنظيم موجودًا (فكرًا وممارسة) ؛ متمثلة بالخلايا النائمة وإنّ العمل على القضاء عليها بالقوة العسكرية فقط لن يُحقق النتائج المرجوة ما لم تُرافقها إستراتيجيات سياسية وإقتصادية وإجتماعية  ولتحقيق أقصى فائدة من تطبيق تلك الإستراتيجيات يجب توّفر الإرادة السياسية وبيئة ديمقراطية تُذوّب بها حدة الخلافات والإنقسام الطائفي، فصعود تنظيم داعش مرتبط بأزمة فشل بناء الدولة وعجزها عن تحقيق مطلبين أساسيَّيْن وهما الإنفتاح الديمقراطي وقبول التعددية، فإنحسار التطرف والعنف يعتمد على قدرة الحكومات بالسماح لأفرادها بمختلف إنتماءاتهم بالمشاركة في العمليات السياسية والإقتصادية وشعورها بالرضا والعدل؛ إذ بات من المعروف أن الحركات المتطرفة تنمو في الدول الغير مستقرة سياسيًا والمجتمعات المنغلقة فكريًا.

وبناءًا على ما سُبق، فإن تنظيم داعش هو نتاج الإنقسام بين طائفة (السنّة والشيعة) المسلمَيْن، وهذا الإنقسام هو نتاج سياسة الدولة في تفضيل طرف وتهميش طرف آخر، أي يُمكن إنْ نعتبر تنظيم داعش هو نتاج للفوضى السياسية والإنقسام الطائفي، ولذلك إستغل التنظيم الفوضى السياسية والإنقسام الطائفي لتحقيق مآربه عن طريق فرض نفسها كوْنها المنقذ لطائفة السنّة بالرغم من رفضهم للتنظيم وأفعاله الإرهابية، ولهذا ما كُتِبَ لتنظيم داعش أن تُهزَم إلا على أرض العراق وعلى أيدي إبناء العراق بإختلافاتهِم كافة، وهذا ما دَفع التنظيم فيما بعد للقيام بعمليات غير مركزية وإنتشار ظاهرة الذئاب المنفردة.

وبالرغم من إمتلاك تنظيم داعش لأغلب مقوّمات الدولة، فإن ذلك لن يجعلها دولة بالمفهوم المتعارف عليه بل انها تنظيم ارهابي ليس إلا، وهذا يبدو واضحًا جدًا، فمسلحو التنظيم صوروا أنفسهم وهم يقطعون رؤوس أسراهم، كما نهبوا المدن والقرى التي إستولوا عليها وقتلوا أو هددوا بقتل كل من يخالف نظرتهم المتشددة للإسلام. وقد سرقوا ثلث أراضي العراق. لذا، فليس هناك أي احتمال بأن يحصل هذا التنظيم على عضوية منظمة الأمم المتحدة او أي منظمة دولية اخرى.

 

زينب عبد المحسن حميد

...........................

الهوامش:

(١)فواز جرجس، داعش إلى أين؟:جهاديو ما بعد القاعدة، الطبعة١، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ٢٠١٦.

(٢)  فالح عبدالجبار، دولة الخلافة:التقدم إلى الماضي: داعش والمجتمع المحلي في العراق، الطبعة١، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، ٢٠١٧.

(٣) محمد أبو رمان، مستقبل داعش: عوامل القوة والضعف...ديناميكيات"الخلافة الإفتراضية" وفجوة إستراتيجيات مكافحة الإرهاب، عمان: مؤسسة فريدريش إيبرت، ٢٠٢٠.

(٤) ياسر عبدالحسين، الحرب العالمية الثالثة: داعش والعراق وإدارة التوّحش، الطبعة ١،شركة المطبوعات، بيروت، ٢٠١٥.

(٥) حسن عليوي المفرجي، داعش في العراق: بين فشل الدولة المدنية والسياسة الحكومية الأمنية(دراسة تحليلية)، كلية القانون والعلوم السياسية، المجلد ١، العدد٣، ٢٠١٩.

(٦)شمس عبد حرفش، العراق في مواجهة الأفكار والمخططات الإرهابية وتحديات المستقبل بعد هزيمة داعش، جامعة تكريت، كلية طب الأسنان، ٥/٥/٢٠١٩.

(٧) ناظر دهام محمود، نشأة التطرف الديني في الفكر السياسي وأثرهُ على الوحدة الوطنية في العراق بعد صعود داعش، جامعة تكريت، كلية العلوم السياسية،٤/١١/٢٠٢٠.

(٨)إستراتيجية تنظيم داعش في العراق، مركز الإمارات للدراسات، ٥/١/٢٠٢١، الموقع : https://epc.ae/ar/topic/isis-strategy-in-iraq   ، تاريخ الزيارة: ٣١/٣/٢٠٢١

(٩) ادمون فيتون براون، التهديد المستمر من تنظيمي «الدولة الإسلامية» و«القاعدة»: وجهة نظر الأمم المتحدة، معهد واشنطن،٦/٢/٢٠٢٠، الموقع: https://tinyurl.com/yy 3t8r9r ، تاريخ الزيارة: ٥/٤/٢٠٢١.

(١٠) حاتم الفلاحي، تصاعد نشاط تنظيم الدولة: المخاطر وفرص المواجهة،مركز الجزيرة للدراسات، ١٠/٢/٢٠٢١، ص٨، الموقع: https://studies.aljazeera.net/ar/article/4911  تاريخ الزيارة: ١٥/٣/٢٠٢١.

(١١) رائد الحامد، "مستقبل داعش" بعد إعلان هزيمته بالعراق وسوريا، وكالة الأناضول، ١/٤/٢٠١٩، الموقع:

 https://www.aa.com.tr/ar/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%B1/%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%A8%D9%84-%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%86-%D9%87%D8%B2%D9%8A%D9%85%D8%AA%D9%87-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D9%88%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7/1439369  ، تاريخ الزيارة: ٦/٤/٢٠٢١.

(١٢) . معوقات بناء الدولة في العراق{2}..قراءة في الإشكاليات الإجتماعية، مركز المستقبل للدراسات الإستراتيجية، ٢٠١٩، الموقع:

http://mcsr.net/news519، تاريخ الزيارة : .٣١/٣/٢٠٢١

(١٣) هشام الهاشمي، تنظيم داعش عام٢٠١٨ العراق إنموذجًا، المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات، ١٨/١٠/٢٠١٨، الموقع:

 https://www.europarabct.com/%d8%aa%d9%86%d8%b8%d9%8a%d9%85- %d8%af%d8%a7%d8%b9%d8%b4-%d8%b9%d8%a7%d9%85-2018-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a7%d9%82-%d8%a3%d9%86%d9%85%d9%88%d8%b0%d8%ac%d8%a7-  %d8%a8%d9%82%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84 تاريخ الزيارة: ٢٥/٤/٢٠٢١.

(١٤) https://www-alhurra-com.cdn.ampproject.org/v/s/www.alhurra.com/different-angle/the- islamic-states-resurgence in-the-covid-era-from-defeat-to-renewal?amp_js_v=a6&amp_gsa=1&amp&usqp=mq331AQHKAFQArABIA%3D%3D#aoh=16172126991534&referrer=https%3A%2F%2Fwww.google.com&amp_tf=%D9%85%D9%86%20%251%24s&ampshare=https%3A%2F%2Fwww.alhurra.com%2Fdifferent-angle%2Fthe-islamic-states-resurgence-in-the-covid-era-from-defeat-to-renewal،   ٥/٦/٢٠٢٠، تاريخ الزيارة :٣١/٣/٢٠٢١.

(١٥) Sean Kane, The Coming Turkish-Iranian Competition in Iraq , United State Institute of Peace , Special Report, Washington, 2011.

.(١٦) Hasan Turunc, Turkcys global strategy: Turkcy and Iraq , the London school or cconomics and Political science, UK, 2011.

 

 

 

عدي عدنان البلداويفي النظم الديمقراطية يتم تربية الصغار وتدريبهم على مناقشة المشكلات وخلق الحلول الايجابية لمعالجتها بالاضافة الى تدريب الطفل خلال سنوات تعليمه على الكيفية التي يعبّر بها عن رغبته وحاجته وكيف يصوّت عندما يحين دوره في الإدلاء بصوته في العملية الانتخابية، ويقوم البعد التربوي في اختيار الحكومة المناسبة على تمكين المواطن من تحقيق كسب مالي يضمن له معيشته بشكل لا تتعرض فيه شخصيته وكرامته وامنه وسلامته الى الاذى ويتحمل النظام الحاكم مسؤولية كاملة في تحقيق نمو ثقافي اجتماعي نفسي لافراد المجتمع، فقد سجّل علم النفس فارقاً بين نظرة وسلوك فرد في مجتمع غير ديمقراطي ونظرة وسلوك فرد اخر في مجتمع يصوّت لاختيار الاقدر على تحقيق حالة الاستقرار والاستمرار لشؤون الحياة الآمنة المنتجة .

كيف ينظر المواطن الى علاقته بالحكومة ..؟

الحكومة في تصور عدد كبير من الناس هي الجهة القادرة على انجاز مشاريع كبيرة مكلفة يعود ريعها على الجميع، لا تستطيع الجهود الفردية انجازها، وعلى وفق هذا التصور تملك الناس شعور كبير بالاحباط بعد ان اخفقت الحكومات المنتخبة في انجاز مثل هكذا مشاريع كبيرة على الرغم من خروج الناس الى المشاركة في الانتخابات لاكثر من دورة انتخابية .

ان وجود المجتمع في وسط مضطرب سياسياً وامنياً واقتصادياً لفترة طويلة من الزمن كالتي مرّت على بلادنا من شأنه ان يعرّض بنية المجتمع الى التفكك، لأن القلق او الفوضى المستمرة تعرّض الشخص الى صراع ذاتي في غياب التنسيق، ويظهر الخطر المحدق بالمجتمع جرّاء هذه الفوضى مع نشوء الصغار وبلوغهم وقد قضوا فترة طفولتهم في اجواء مضطربة غير مستقرة وغير امنة . ان هذا الجيل مهدد باضطراب في الشخصية، وترجع كثرة المشاكل الاجتماعية اليوم الى ذلك، فصرنا نستغرب سلوكيات ومواقف تبدر من اشخاص لا يوحي ظاهرهم بأنهم يعيشون حالة تأزم وقلق داخلي . لقد خلق الله سبحانه وتعالى الخير وترك لنا حرية استخدامه فهناك من اجاد استخدام الخير وهناك من اساء . الانتخابات خطوة مهمة ومتطورة في طريق الوصول الى السلطة عندما تمنح المواطن حق الاختيار لكن كثيرين لم يعودوا يرونها كذلك بعدما انتجت اشخاصاً تنصلوا عن وعودهم وتصريحاتهم خلال حملاتهم الدعائية قبل الانتخابات وهذا ما ترك انطباعاً سيئاً لدى الناس إذ ازدادت المشاكل وتولّد عند كثيرين شعور بالتراجع في نواحي الحياة اجتماعيا وثقافيا ومعاشيا وصحيا وتربويا وتسبب ذلك الشعور في انعدام الثقة او ضعفها وهو ما تسبب فيما بعد في غياب التفاؤل فمن شأن التفاؤل ان ينمّي الحسّ الجمعي ويقوّي ارادة المواطن بما يجعله يفكر بجدية وفاعلية في المشاركة المثمرة في الانتخابات، والاخطر من ذلك هو عكس التفاؤل فعندما يخيم التشاؤم على المشهد الاجتماعي لحياة الناس سينشأ الاطفال وهم يفتقدون الى الثقة بالمركزية وبالحكومة وبالمسؤول، فيتولد في نفوسهم شعور بالإعتماد على المجهود الذاتي كمصدر للقوة وهذا الشعور يضعف من قوة تماسك المجتمع . ان التربية لا تقتصر على التعليم والأسرة، ان للعملية الانتخابية الحصة الاكبر في ذلك وقد رأينا كيف تدنى مستوى التعليم في المدارس وكيف غاب الذوق العام في الشارع وكيف انحسرت القيم والمثل العليا . ان من شأن العملية الانتخابية ان تساعد المواطن على تكوين نظرة تفاؤل وامل تمتد الى القادم من ايامه وايام اولاده . لقد اصطبغت العملية الانتخابية في المراحل الماضية بصبغة سيئة إذ انتجت اشخاصاً يبحثون عن منافعهم الشخصية ويستخدمون المنصب لمزيد من الكسب الخاص تدفعهم الانانية فيستخدمون لغة تمويهية لخداع الناس من اجل الإبقاء على اوهامهم وعندما تسيطر الأنانية على مدارك وسلوك العاملية في السلطة لا يعود في العملية الانتخابية ما يشد المواطن اليها وربما تصبح مصدراً للشرّ والفساد والفوضى وعندما تصاب السلطة بالفوضى يتحتم على المجتمع حماية نسيجه وبنيته وعافيته من خلال الاهتمام والتركيز والعمل على المصالحة بين افراده وتمكين اصحاب الامانة والمعرفة . لا شك ان امام المجتمع خيارات صعبة جداً لكن لا يهم كيف ستجري العملية الانتخابية وعن ماذا ستسفر نتائج الاقتراع ولا يهم ان كانت العملية الانتخابية مهددة بالتزوير او الاختراق، المهم هو الطريقة التي سيشارك بها الناس في الانتخابات، ان ما يؤسف له ان السنوات العجاف الماضية تركت آثارها في سلوك وتفكير كثير من الناس وبدت مداركهم محدودة غير واضحة الرؤية والهدف فقد دخلت المصالح الشخصية على خط العلاقة بين المواطن والسلطة . ان من مساوىء وصول اشخاص فاشلين الى السلطة ومرور وقت طويل على هذا الحال ان ذلك سيدفع المواطن باتجاه اعتياد وجود الفشل والمصلحة في المسؤول وينتج عن هذا التصور وجود اشخاص في المجتمع يحملون نزعة السيطرة على الاضعف والخضوع للاقوى ويترتب على ذلك ارتفاع في معدلات العنف والعنف الاسري الذي وصلت معدلاته الى 80% حسب مصادر، إذ يضطر رب الأسرة خلال تواجده في اماكن العمل وفي الشارع الى ممارسة شكل من اشكال المجاملة وفي بعض الاحيان الى الخضوع اذا اضطره الموقف وهو ما يرفع حدة التأزم الداخلي لدى البعض فيندفع الى تعويض هذا الاضطرار السلوكي خارج البيت الى تسلط داخل البيت يقع ضحيته الزوجة والاولاد، ولا تتوقف تداعيات ذلك التأزم على السلوك فقط بل تتعداها الى التشتت الذهني وضعف القدرة على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب .

ان طبيعة العلاقة بين الحكومة والشعب تقوم على ثنائية الادارة والارادة حيث ينبغي ان تكون الإرادة بيد الشعب بينما الإدارة بيد الحكومة وعندما تفشل العملية الانتخابية في فرز اشخاص يتمتعون بقدر عالي من المقدرة على تفعيل الدور الطبيعي لهذه الثنائية سيتعرض القانون الى التراجع في نظر الناس لأن تطبيقه من قبل اشخاص فاشلين من شأنه ان يضعف حضوره في النفوس لافتقار ذلك التطبيق الى العدالة والمساواة وهو ما دفع الناس الى حماية انفسهم وممتلكاتهم ومصالحهم بالشكل نفسه الذي كانت عليه الحال في عهد الدكتاتورية وهو مؤشر على ان العملية الديمقراطية لم تأخذ تعريفها وتطبيقها الصحيحين في احداث المشهد العراقي طيلة السنوات الماضية .. ان عسر العملية السياسية التي تشهدها البلاد جاء من تقاطع المفاهيم وتداخل تطبيقاتها، فمع ان نظام البلاد يعتمد القانون في دستوره يجد المواطن غياباً للمساواة في تطبيقه. يرى الفيلسوف الفرنسي فيليب ان علاقة قوية تجمع التربية بالديمقراطية من حيث ان التربية تعطي الفرد اهمية عظمى كما تعطيه الديمقراطية وبالنتيجة فإن (التربية الديمقراطية من اجل الديمقراطية تعني التربية للجميع فهي تربية من اجل الفرد في المجتمع.) ويقول (ويجب على المواطن في الديمقراطية ان يتعلم التفكير الذكي في السياسة الاجتماعية وان يختار اختياراً حكيماً اولئك الذين يجب ان يمثلوه ويجب عليه كذلك ان يتعلم احترام القانون وفهم مبادئه الاساسية ..). ان القانون لا يستطيع ان يحكم ما لم يوجد شخص مؤهل للقيادة، بعد اكثر من عشر سنوات على العملية الانتخابية اشتبه على كثيرين حقيقة مؤهلات القيادة واخذت التفسيرات الشعبية والمحلية دورها في تصورات الناس بعد ان اسهم الزمن في استنساخ نفس النمط في كل مرحلة وهو ما ترك انطباعاً لدى كثيرين انه امر مألوف فصار الأقوى، الأغنى، صفات غالبة على تحديد الاختيار من قبل كثيرين وهنا سنواجه مشكلة كبيرة هي ان الاطفال الذين ينشأون في مجتمع يحكمه الاقوى والأغنى سيكبرون وفي دواخلهم رغبة جادة في البحث عن مصادر المال والقوة من اجل السيطرة بينما الاطفال الذين ينشأون في مجتمع تحكمه الكفاءة والمهنية النظيفة سينمو في نفوسهم حب المعرفة واحترام والتزام القيم والابتعاد عن الظلم مثل هكذا بيئة آمنة من شأنها ان تنتج جيلاً راغباً في التغيير ..  

 

عدي عدنان البلداوي