 آراء

ماذا يهدف نشاط النرويج العسكري على حدود روسيا

كريم المظفرالتهديدات العسكرية الغربية والتي تحاول الولايات المتحدة من خلال نشر قواتها الجوية في النرويج بالقاذفات الاستراتيجية B-1B، وما يشكله ذلك من تهديد لروسيا، يرى فيها الكثيرون، بانها وفقا لواشنطن، يجب أن تعطي موسكو إشارة واضحة إلى أن الجيش الأمريكي مستعد لحماية حلفائه في منطقة القطب الشمالي ذات الأهمية الاستراتيجية، ما دفع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من تحذير وزيرة الخارجية النرويجية إين إريكسن سوريد من نشاط أوسلو العسكري وتقدم الناتو نحو حدود روسيا قد يؤثران سلبًا على منطقة القطب الشمالي.

التأكيد الروسي من أن تكثيف النشاط العسكري من قبل النرويج، والنهوض بالبنية التحتية للناتو إلى حدودها، سيكون محفوف بالعواقب السلبية على القطب الشمالي، ولفت الانتباه إلى حقيقة أن الوضع الأمني في أقصى الشمال، بما في ذلك المنطقة الحدودية، آخذ في التدهور.

وستبدأ القاذفات الاستراتيجية الأمريكية B-1B Lancer، التي أرسلتها الولايات المتحدة إلى النرويج، مهامها الأولى في غضون الأسابيع الثلاثة المقبلة، وحتى الآن، كانت المهمات العسكرية فوق القطب الشمالي تُجرى بشكل أساسي بالقرب من المملكة المتحدة، بحسب سي إن إن، ووفقا لما نقلته الشبكة عن مسؤولين، فإن تقريب القوات من حدود روسيا يعني أن الولايات المتحدة ستكون قادرة على الرد بسرعة أكبر على عدوان روسي محتمل، إنما، في الآونة الأخيرة، حذرت محطة البثNorsk Rikskringkasting  الإذاعية والتلفزيونية النرويجية من أن دخول روسيا والولايات المتحدة في صراع عسكري مفتوح، يعني تصادم قواتهما في النرويج.

الخبراء العسكريون الروس بمن فيهم النائب السابق لرئيس مديرية العمليات الرئيسية بهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية، الفريق فاليري زابارينكو، يؤكدون في تكثيف الوجود العسكري الأجنبي في النرويج وفي أقصى الشمال، بشكل عام، بما في ذلك نشر القاذفات الاستراتيجيةB-1B Lancer، لا يساهم في الاستقرار وحسن الجوار في المنطقة، ويشيرون الى ان الحديث عن حرب عالمية ثالثة، قد تبدأ على أراضي هذه الدولة الاسكندنافية بالذات، وربطها فقط بنشر أربع طائرات، تضخيم كبير للمخاوف المألوفة في هذه الحالة، فبأربع طائرات " لا تبدأ الحرب ولا تحسم نتيجتها".

ولتخفيف التوتر في المنطقة تحاول موسكو تذكير جارتها الشمالية أوسلو بامتثال الجانب النرويجي لالتزاماته بموجب معاهدة سفالبارد لعام 1920، ويشير الدبلوماسيون الى ان الوزير لافروف، دعا أوسلو للحوار وتسوية مخاوف موسكو المتعلقة، ومناقشة مجموعة معقدة من قضايا العلاقات الثنائية، والتي تترك حالتها الكثير مما هو مرغوب فيه، وشددت وزارة الخارجية الروسية على ان "الاتهامات التي لا سند لها لروسيا في" هجمات الكترونية "و" فضائح تجسس "وتدهور الوضع الامني في اقصى الشمال بما في ذلك منطقة الحدود الروسية النرويجية".

كما تؤكد موسكو بضرورة الاستفادة من ما اسمته " بالديناميات الإيجابية للتعاون في إطار الأشكال الإقليمية - مجلس منطقة بارنتس / المنطقة الأوروبية القطبية الشمالية "، التي تترأسها النرويج حاليًا، وكذلك مجلس دول بحر البلطيق، البعد الشمالي، والتشديد على أن الاتحاد الروسي ملتزم بالتفاعل النشط مع الشركاء النرويجيين من خلال مجلس القطب الشمالي، بما في ذلك مراعاة الرئاسة القادمة لروسيا في هذه المنظمة في 2021-2023، والتي اعتبرتها وزارة الخارجية الروسية، بأنها منصة رئيسية "لاتخاذ قرارات جماعية بشأن قضايا القطب الشمالي "، وانه في عام 2023، ستسلم روسيا رئاسة مجلس القطب الشمالي إلى النرويج.

أما بالنسبة لعسكرة النرويج، فان روسيا تشير إلى أن هذا الوضع لا يسهل الحوار معها ولا يقضي على التوترات في أوروبا، وانه بعد اندلاع الأزمة في عام 2014 (بداية الأزمة الأوكرانية)، قطعت أوسلو بمبادرة منها جميع العلاقات العسكرية مع روسيا، حتى الآن، وتواصل النرويج التصرف بما يتماشى مع سياسة

العقوبات التي يفرضها الغرب، وتشارك بنشاط في الاستعدادات العسكرية لحلف شمال الأطلسي، وتنشط بشكل خاص في المنطقة المجاورة المباشرة للحدود الروسية ، وإن السلطات النرويجية وفقا للمتحدثة باسم الخارجية الروسية تسمح، على أساس دائم، بقوات أجنبية بالتمركز في البلاد، وإن تكوين الكتيبة الأجنبية آخذ في الازدياد، والتشديد على أن خطط تطوير القوات المسلحة النرويجية وشراء الأسلحة وتحديث البنية التحتية العسكرية تجري "بطريقة مناهضة لروسيا بشكل مطلق"، وأن "عدد التدريبات بمشاركة فرق أجنبية آخذ في الازدياد، والمثير للدهشة بشكل خاص بحسب مؤامرة هذه التدريبات أن روسيا تظهر كخصم"، وبالتالي "فأن النرويج أصبحت نقطة انطلاق لدخول الناتو إلى القطب الشمالي ".

ومن وجهة النظر الروسية، فأن أوسلو الرسمية تنتهك بشكل صارخ لمعاهدة سفالبارد التي وقعت في باريس في عام 1920، التي يحتفل بذكراها المئوية والتي تحدد وضعية ( أرخبيل سبيتسبيرجن ) والتي سجلت حقوقًا متساوية لروسيا مع النرويج لتطوير الجزيرة، ويعتبرها الجميع هنا بانها معاهدة وثيقة فريدة متعددة الأطراف لا تزال محتفظة بأهميتها بعد مائة عام من توقيعها، ويعود تاريخ تحضيرها إلى حوالي نصف قرن، وتم استبدال الإمبراطورية الروسية باتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية، وحصلت النرويج على الاستقلال، وأعادت الحرب العالمية الأولى رسم الخريطة السياسية للعالم، وتم استبدال المقاربة القانونية الدولية لسفالبارد باعتبارها "أرضًا مشتركة، تم سحبها من مجال نشر سيادة الدولة"، والتي كانت سارية المفعول منذ عام 1872.

وبنموذج قانوني جديد آخر، وقد انعكس ذلك في معاهدة عام 1920، التي أشارت إلى بسط سيادة دولة واحدة، وهي النرويج، إلى الأرخبيل، مع مراعاة عدد من القواعد المصممة لحماية وضمان الحقوق والمصالح المشروعة للمواطنين والكيانات القانونية الأخرى، الدول الأطراف في هذه الاتفاقية الدولية، وتشمل هذه الحقوق "الوصول الحر المتساوي" إلى الأرخبيل، بالإضافة إلى إمكانية القيام بأنشطة اقتصادية واقتصادية هناك "على أساس المساواة الكاملة"، لكن في السنوات الأخيرة، عند الحديث عن معاهدة 1920، أعلنت السلطات النرويجية "سيادتها الكاملة والمطلقة" على سبيتسبيرجن، في الوقت نفسه، تجاهلوا المواد اللاحقة من الوثيقة، التي حدد محتواها موافقة الدول الأخرى على التوقيع على هذه الأطروحة.

وبالإشارة إلى الفترة الطويلة التي استغرقت إعداد المعاهدة، تجدر الإشارة إلى أن النرويج لم تكن القوة الرائدة في الأرخبيل قبل إبرامها بوقت قصير، ولم تكن حقوقها في هذه الأراضي واضحة على الإطلاق، وهناك فرضيات كثيرة حول من كان أول من اكتشف هذه الأراضي ومن أسس أول مستوطنة هناك، وكان لدى روسيا أسباب مقنعة لمطالباتها سبيتسبيرجن، ويرجع ذلك أساسًا إلى حقيقة أن بومور شاركوا منذ زمن بعيد في تطوير الأرخبيل ولديهم مستوطنات دائمة هناك، وهناك مؤيدون موثوقون، بما في ذلك، على سبيل المثال، المؤرخ الروسي ف. ستاركوف، النظرية القائلة بأن البحارة الروس بدأوا التطور الاقتصادي للجزيرة في النصف الثاني من القرن السادس عشر، أي قبل اكتشاف الأرخبيل بواسطة ف. بارنتس، ومع ذلك، تخلت روسيا عن مطالبها بالأرخبيل واختارت نظامًا متعدد الأطراف، وان الحرب العالمية الأولى، وثورة أكتوبر، ونتيجة لذلك، أدى الضعف الاقتصادي والعسكري لروسيا إلى رفض تقدمه، وفي 14 أغسطس 1925، دخلت معاهدة سفالبارد حيز التنفيذ في شكلها الحالي، وانضم إليها الاتحاد السوفيتي رسميًا في 7 مايو 1935، وأنه تم بذل جهود كبيرة لدراسة الأرخبيل وتنميته من قبل بريطانيا العظمى والسويد والولايات المتحدة ودول أخرى.

ومن أجل فهم أفضل لأهمية Spitsbergen، من الضروري قول بضع كلمات حول مكانها على الخريطة الحديثة للعالم، فالأرخبيل مع المساحات البحرية المجاورة هو في الواقع البوابة إلى القطب الشمالي، و تعمل طرق النقل البحري الهامة والممرات الجوية العابرة للقطب في هذه المنطقة، وفي الأرخبيل نفسه وعلى الجرف القاري، تم بالفعل استكشاف رواسب واعدة من معادن مختلفة، ويوفر موقع Spitsbergen ظروفًا فريدة لإجراء البحوث العلمية والعملية على خطوط العرض العليا في مجال علم المحيطات، وأبحاث الغلاف الجوي، والجيوفيزياء، والجيولوجيا، وعلم الآثار، وعلم الجليد، والهيدرولوجيا، وعلم الحفريات القديمة، وعلم الأحياء، وهذه منصة واعدة للغاية لتكوين أحد معاقل قاعدة بحثية حديثة في القطب الشمالي، وبسبب هذه العوامل تحديدًا، نصت المادة 5 من معاهدة 1920 على تطوير اتفاقية بشأن النشاط العلمي في سفالبارد من قبل الأطراف السامية المتعاقدة، لكن هذا البند لم يتم تنفيذه بعد بسبب عدم رغبة الجانب النرويجي.

نظرًا لسهولة الوصول إلى وسائل النقل والظروف الطبيعية الفريدة، أصبح الأرخبيل أيضًا وجهة سياحية ذات أهمية عالمية، واليوم، هناك 46 دولة طرف في المعاهدة، لكن النرويج وروسيا فقط هما اللذان ينفذان أنشطة اقتصادية في سفالبارد، وان الكيان الاقتصادي الروسي الوحيد في الأرخبيل هو مؤسسة الدولة الفيدرالية الموحدة "State Trust" Arktikugol

كانت الخطوة التالية التي اتخذتها السلطات النرويجية تهدف إلى توسيع حقوقهم من جانب واحد وبالتالي غير مبرر وغير قانوني في منطقة معاهدة 1920 كما يقول الخبراء الروس، وهي قيام النرويج في عام 1977 من جانب واحد بإنشاء منطقة حماية صيد بطول 200 ميل حول سبيتسبيرجن، ويتعارض هذا القرار بشكل واضح مع مبدأ "حرية الوصول" للأطراف في اتفاقية الانخراط في الأنشطة الاقتصادية في منطقة الأرخبيل، وعلى الرغم من حقيقة أن الاتحاد الروسي لا يعترف بـ "منطقة حماية الأسماك"، فإن القرار المذكور يستخدم كأساس لاحتجاز سفن الصيد الروسية من قبل خفر السواحل النرويجي وفرض عقوبات قاسية عليها.

من النقاط المثيرة للجدل من وجهة النظر الروسية، بشكل خاص، هو إجراء الوصول إلى الأنشطة الاقتصادية وإجرائها على رف الأرخبيل، حيث تصر أوسلو على أن جرف " سبيتسبيرجن" يجب اعتباره امتدادًا للجرف القاري النرويجي ، باتباع هذا المنطق، بدأت سلطات الدولة - مرة أخرى على أساس التشريعات الوطنية - بتوزيع مناطق امتياز شركات النفط المهتمة الواقعة ضمن ما يسمى "ميدان سبيتسبيرجن"، وان واحدة من أكثر مشاكل الوجود الروسي حدة في سبيتسبيرجن اليوم هي مشكلة "الهليكوبتر"، وتقصر سلطات الطيران النرويجية استخدام طائرات الهليكوبتر التابعة لصندوق Arktikugol على توفير أنشطة تعدين الفحم فقط، في الواقع، خلقت النرويج احتكارًا مصطنعًا للنقل في الأرخبيل، لذلك فان موقف موسكو هو أن النظام القانوني الذي أنشأته معاهدة 1920 يمتد بالكامل إلى جرف سبيتسبيرجن، لذلك، لا يمكن للنرويج ممارسة أي مصالح وحقوق حصرية فيما يتعلق برف الأرخبيل دون موافقة جميع الأطراف في الاتفاقية.

يشار إلى أن روسيا ليست وحدها في مطالباتها ضد النرويج بشأن قضية عدم امتثالها لالتزاماتها بموجب معاهدة 1920، لدى أوسلو خلافات مع أيسلندا وإسبانيا ولاتفيا وعدد من الدول الأوروبية الأخرى، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي نفسه، وفي مواجهة الطلبات المتزايدة على أنواع مختلفة من الموارد، من المحتمل جدًا توقع زيادة عدم الرضا والمعارضة للوائح النرويجية التمييزية لصيد الأسماك في "منطقة حماية الأسماك" والوصول إلى الهيدروكربونات على رف Spitsbergen مع هذا التطور في الأحداث، لا يمكن للمرء أن يستبعد إثارة مسألة عقد مؤتمر لمراجعة قرارات مؤتمر باريس عام 1920.

وفيما تقدم فان روسيا حذرت وبشدة في أي أفكار لتعديل النظام المتفق عليه في المعاهدة بطريقة أو بأخرى، ووفقًا له، فإن موسكو لا ترى المتطلبات الأساسية لاختبار هذه الوثيقة، وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قييم إمكانية محاولات لمراجعة معاهدة أنتاركتيكا، في الوقت نفسه، يشدد الوزير على أن القارة السادسة للأرض لا تنتمي إلى أي من دول العالم، وان "التعاون في القطب الجنوبي مثال على التفاعل بين الدول".

وهناك جانب مهم آخر، حيث تنص المعاهدة على عدم استخدام الأرخبيل "لأغراض الحرب"، وهذا البند هو حجة مبدئية يمكن أن تمنع تكثيف النشاط العسكري من قبل النرويج وحلف شمال الأطلسي في هذه المنطقة، ومع ذلك، تسجل روسيا بانتظام مكالمات سفن خفر السواحل في مياه وموانئ سفالبارد، حيث تعقد أحداثًا مختلفة في Longyearbyen بمشاركة ممثلين عن التحالف، إن محاولات السلطات النرويجية لجذب الناتو إلى القطب الشمالي وسفالبارد على وجه الخصوص لا يمكن إلا أن تثير القلق، اذن فالتواجد العسكري الأمريكي وزيادة النرويج لنفقاتها العسكرية، يدخل في إطار تكريس أوسلوا نفوذها، وأحتكارها لهذه الأرخبيل الحيوي والذي يعد واحد من اهم المداخل الى القطب الشمالي، بدفع أمريكي واضح، يهدف ابعاد روسيا عن هذه المنطقة.

 

بقلم الدكتور كريم المظفر

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5275 المصادف: 2021-02-13 03:38:30


Share on Myspace