 آراء

قراءة في أبعاد الزيارة المترقبة لرئيس الكرسي الرسولي بابا الفاتيكان الى العراق

عمانوئيل خوشابامن المقرر أن يتوجه الحبر الأعظم البابا فرنسيس قريباً الى العراق، بعد أن عجز أسلافه عن ذلك وذلك للعديد من الأسباب والظروف المعقدة التي طغت على البلاد حينها، وتاتي هذه الزيارة تلبية لدعوة من القيادة السياسية العراقية والكنيسة الكاثوليكية في العراق والذي سيحل على بلاد ما بين النهرين ضيفاً في الخامس من آذار المقبل، اِن لم يطرأ اي تغيير مفاجئ في برنامج زيارته نظراً لتزايد حدة أنتشار جانحة كورونا وظروف مواتية أخرى. وكما هو معلن فأن الهدف من الزيارة هي لترسيخ مبدأ الحوار والتعايش السلمي بين جميع المكونات الدينية الأبراهيمية والأديان الأخرى، ومن المتوقع أن يوقع قداسة البابا وثيقة مع المرجع الشيعي الأعلى  سماحة السيد السيستاني في مدينة النجف، شبيهة لتلك التي وقعها مع شيخ الأزهر الدكتور احمد الطيب عام 1999 في دولة الأمارات المتحدة العربية والمعنونة بأسم "وثيقة الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش معًا"، لكن الملفت للنظر بأن وسائل الأعلام نقلت أخيراً خبراً مفاده بأن مكتب سماحة السيد السيستاني ينفي نيته في توقيع أية وثيقة مع رئيس الكرسي الرسولي.

وهناك بعض الآراء المنقولة من بعض القيادات الكنسية والسياسية في العراق تشير الى أهمية الزيارة البابوية للعراق وكيفية قدرتها على تغيير مسار الوجود المسيحي في العراق خاصة بعد ما تعرض له من ويلات ونكب في مرحلة مابعد عام 2003 ونخص منها جرائم داعش الأرهابية لعام 2014 في محافظة نينوى والمناطق المحيطة بها والتي أدت حينها الى خسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات من كافة الطوائف المذهبية العراقية ونخص منهم الطائفة الأيزيدية والمسيحية، حيث تم أقتلاع مئات الألوف منهم من مناطقهم التاريخية المتمثلة في سهل نينوى وجبل سنجار.

يمكن القول بان الزيارة البابوية للعراق تندرج في اِطار السياسة الدولية للدولة الثيوقراطية المتمثلة بالفاتيكان ومن ثم لها أبعاد عديدة منها ألأقتصادية والأجتماعية، وهي بدورها مرتبطة بالمصالح الخاصة ما بين البلدين ونخص منها دولة الفاتيكان من خلال الطائفة الكاثوليكية وممتلكاتها الكبيرة في العراق. من الجانب السياسي فأن الزيارة تضفي أهمية كبيرة الى الدولة العراقية الشبه معزولة أقليمياً ودولياً كنتيجة لأنعدام الأستقرار السياسي، الأقتصادي والأمني فيها، لذلك فأن أحد نتائج هذه الزيارة هي اِطغاء حالة الشرعية وأملاء الدعاية السياسية الى دولة منخورة بالفساد السياسي الطائفي ومن ثم اِعطاء الضوء الأخضر الى حكومة هشه تقودها وتسيرها الميليشيات الحزبية والعاجزة تماماً في أدارة الملف الأمني والأقتصادي للبلد، وطبق المنظور القانوني تعتبر الحكومة العراقية المسؤولة عن أستشهاد المئات وجرح الآلاف من أبناء ثورة تشرين الوطنية.

أما من الجانب الأقتصادي، فأن الزيارة البابوية الى مدينة أريدو التاريخية، والتي سوف يقوم  خلالها البابا فرنسيس بألقاء كلمة من على زقورة أريدو التاريخية ويتناول من خلالها بث مبادئ السلام والعيش المشترك مابين جميع الطوائف، سوف تثمر بالنتائج الأقتصادية الأيجابية وتنفتح من خلالها آفاق أقتصادية مستقبلية تلقي ظلالها الأيجابية على كلا الدولتين، وتثبت الوقائع والمعلومات بوجود مشاريع أستثمارية كبيرة من قبل الشركات العالمية ونخص منها الشركات الأيطالية من أجل تطوير المدينة وتأهيلها سياحياً، ومن هنا سوف تفتح أبواب الدعاية السياحية الى وادي الرافدين. ويمكن للحكومة المحلية في مدينة الناصرية بأن تقوم بأستغلال هذه الزيارة من خلال توظيفها جميع الأمكانيات والسبل وتوجيه أنظار العالم على مدينة القمر والسحر أريدو، وجعلها قبة ومدينة السياح يهفو عليها الحجاج من جميع أنحاء العالم بما تمثله اِحد الأسس للديانة الأبراهيمية، والجدير بالذكر بأن مدينة الناصرية الحالية تحوي على اكثر من 13000 موقع أثري، والتي تم سرقة منها اكثر من 73000 قطعة أثرية بعد الأحتلال عام 2003  وموجودة أغلبها في متاحف بنسلفانيا ولندن.

اما من الجانب الأجتماعي فيعول الكثير من أن الزيارة سوف تدر الخير والطمأنينة على أبناء شعبنا الآشوري بكافة تلاوينه الطائفية، وتضفي زخماً قوياً في التعجيل من اجل عودة المهاجرين والمهجرين الى مناطق سكناهم وخاصة في سهل نينوى، كما ذكر أحد الكهنة الأفاضل من سهل نينوى بقوله (من دواعي الشرف بأن البابا فرنسيس يفكر في خرافه المصابة، وأضاف بأن الزيارة ستشجع المسيحيين على البقاء في العراق). نود القول بأن كان من الواجب على الحبر الأعظم بأن يسأل عن خرافه يوم ذبحت من قبل الذئاب خلال السنين الماضية وماهي اِلا نفس شاكلة الذئاب التي يلتقي بها اليوم، ويذكر بأن أحتلال داعش الأرهابية لمدينة الموصل وضواحيها كان في بداية شهر حزيران لعام 2014 ، وحينها لم يظهر اي رد فعل من الكرسي الرسولي على هذه المذابح الفظيعة سوى بيان واحد صدر من قبل البابا فرنسيس بعد شهرين اي في شهر آب من العام نفسه، دعا فيه المجتمع الدولي لحماية المسيحيين وخرافه المذبوحة في العراق، كذلك موقفه الفاتر من العمليات الداعشية الأرهابية على أبناء شعبنا في الخابور والجزيرة السورية في شباط عام 2015.

لا يمكن التعويل كثيراً على زيارة قداسة البابا فرنسيس الى العراق، بأن تقوم بشفي الجراح الذي أحدثها الأسلام السياسي وأعماله الأرهابية بحق الشعب العراقي بكافة ألوانه الطائفيه وبالأخص الطوائف المسيحية والأيزيدية والصابئة المندائيين، ومن ثم بتقديرنا ليس للحبر الأعظم الكاثوليكي القدرة الكافية بتغيير ُرقع الشطرنج والدخول في اللعبة السياسية في منطقة الشرق الأوسط  والمناطق الملتهبة الأخرى، وزيارته هذه لن يحذو خلالها قيد أنملة في ترسيخ الأستقرار وترسيخ مبادئ التعايش السلمي بين الطوائف المتناحرة من خلال البروتوكولات الدينية واللقاءات الديبلوماسية الروتينية العابرة، والتجارب والوقائع على الأرض تثبت ذلك وتبين بأن العديد من الأجتماعات المنبثقة أعلاه ماهي اِلا بروتوكولات تشريفية، لايمكن لها أن تحل المشاكل السياسية، الأقتصادية والأجتماعية الموجودة في المناطق الملتهبة سياسياً وطائفياً خاصة في الشرق الوسط ومنها العراق.

 

عمانوئيل خوشابا

21 شباط 2021

 

  

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

عمانوئيل خوشابا المحترم،

أحييك، وأتشارك معك في عدم التعويل كثيراً (أو قليلا) على زيارة "قداسة البابا فرنسيس" إلى العراق، بأن تشفي الجراح التي أحدثها "الأسلام السياسي" وأعماله الأرهابية بحق الشعب العراقي بكافة ألوانه الطائفيه.

لكنّي أعترض بشدّة أن تنسب إحداث تلك الجراح الغائرة فينا كلّنا، لما أسميته "الإسلام السياسي"... فأثَر الكلمات "العدوانيّة" أو العنيفة، أو المجافية للحقيقة، لا تقلّ عن أثَر كلّ أنواع الأسلحة الناريّة أو البيضاء شأنا، في إعمال القتل وإحداث الجراح. وحسبنا أن نستذكر هنا - مثلا- استخدام الرئيس الفرنسي (ماكرون) مصطلح "الإرهاب الإسلامي" وما جرّه على بلاده من حملات التجريم والمقاطعة...

أربأ بك أن تكون من "خراف" اليهودي الصهيوني البريطاني الأمريكي، برنار لويس، واضع هذا المصطلح"الإسلام السياسي" الذي ينطوي على بخس للأسلام وافتئات عليه، وربطه خاصة في حقله الدّلالي، بالإشارة إلى الحركات السياسيّة، ذات الخلفيّة (الشعارات) الاسلامية، المخترَقة أو المختلَقة (بالكامل) أمريكيّا، من مثل "القاعدة" و "داعش" ومئات التنظيمات الإرهابيّة الأخرى.

فإرهاب تلك التنظيمات إذن أمريكيّ. وإن أبى أحدهم (جدلا أو مكابرة) إلاّ أن يقول "إسلام سياسي" أو "إرهاب إسلامي"، فإنّ الذي تصدّى له في العراق وسوريّة، وفي كلّ الساحات، فقاومه وحاربه، وانتصر عليه، وكفى النّاس شرّه (ويفعل)... هو أيضا "إسلام سياسي"!

وإلاّ كيف نعرّف "الحشد الشعبي" و"حزب الله" و"أنصار الله" وإيران الاسلاميّة التي تدعمهم ضدّ المشروع الإستعماري الصهيوني الذي تقوده أمريكا، وانتدب له أصحابُه من اليهود (الصهاينة)عمومَ الغَرب والعملاء الإقليميين وعمومَ الأدوات ، ومنها بالطبع، تلك التي تتسربل بالإسلام الأمريكي!

إنّ الواحد منّا في أمّتنأ بكلّ أقطارها وتنوّع طوائفها وأطيافها، بين مشروعين...
فإمّا أن يكون مستتبَعا، مستعبَدا مستعمَلا لصالح مشروع الصهاينة الاستعماري، أو يكون جنديّا حرّا يقاوم ( من موقعه)، من أجل أمّة حرّة، تعدّديّة، متنوّعة، ناهضة ومزدهرة.

المجد للمقاومة،
وتحية.

* فؤاد شريف
This comment was minimized by the moderator on the site

السيد فؤاد شريف المحترم
تحية لمرورك الكريم على مقالنا أعلاه و اود الأشارة الى انني أعوذ بالله بان أسئ الى اي دين سماوي او غير سماوي، على سبيل المثال كان الدين السلامي او غيره من الأديان التي تؤمن بها البشرية مع بعض التحفظات على مجموعة من الآيات في القرآن والكتب السماوية الأخرى، و للانسان مطلق الحرية في عباده مايريده ، لذا عندما اذكر الأسلام السياسي فانني اعني تسييس الدين والمتاجرة به والرقص على عناوينه من قبل حفنة سياسية معينة لاجل الوصول الى اهدافها المصلحية والنفعية ... واتفق معك لاشك فيه ان هناك الارهاب السياسي المسيحي واليهودي ايضاً ... ولكن موضوعي اختص بالعراق لذلك فأن الأسلام السياسي كان المسؤول عن الجرائم الفظيعة التي نالت من جموع الطوائف العراقية كما ذكرت وهي تشمل الشيعة والسنة نفسهم ولكن ركزت على الطوائف الصغيرة التي نالت الجزء الأكبر من هذا الظلم وهي التي تعتبر اهل البلد الأصليين وليس مثلك واتباعك اللذين جاوءا من وراء الحدود من صحراء الحجاز و الشوش الشرقية... وان اتهامكم لي باني صهيوني فهذا طبيعي لعقليتكم المحدودة والمؤمنة بنظرية المؤامرة ... ولا احب ان اعرض تاريخي لك .. لان هذا الرد كثير عليك ... مع التقدير

عمانوئيل خوشابا
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5285 المصادف: 2021-02-23 01:28:07