 آراء

سلطة الإحتلال وسياسة إحتواء العشائر

عبد الحسين صالح الطائيقرن على تشكيل الدولة العراقية (3).

شجعت السلطات العثمانية سياسة النزاع والتنافس بين العشائر العراقية لغرض إضعافها، لكي لا يتفقوا ضدها، فعملت على تقوية الإدارة المركزية العثمانية على حساب المشايخ. من نتائج هذه السياسة المنازعات الكثيرة بين العشائر وإضطراب الأمن، وتصاعد عمليات السلب والنهب وقطع الطرق. ولما حصلت الحرب العالمية الأولى 1914، وضعفت سيطرة الحكومة عن بعض المناطق، أصبح الكثير من التجار مضطرين أن يدفعوا لشيوخ العشائر الاتاوات، وإلا تعرضوا للنهب والسلب.

مارست سلطة الإحتلال البريطانية للفترة (1914-1920)، سياسة توطيد الإحتلال. وهي على وعي تام بالتركيبة الإجتماعية في العراق. كانت رؤيتهم بإنه  لو أتيح للعراقيين الإستقلال التام في حكم أنفسهم لأكل بعضهم بعضاً. ولهذا من واجبهم الإستمرار في حكم العراق مدة كافية إلى أن يتعودوا على الحياة المدنية الحديثة، ويتركوا عاداتهم القبلية القديمة في الغزو والثأر وسفك الدماء. ولكي تُرسخ إحتلالها وتُبقي العراق تحت هيمنتها، وجدت بأن أفضل طريقة لذلك هي ترسيخ العادات والأعراف البالية السائدة آنذاك.

لذا خلقت كيانات عشائرية منفصلة لإستخدامها كسلاح وقوة توازن مع المتغيرات الجديدة في العراق. إعتمدت العادات والأعراف العشائرية وصاغتها على شكل قواعد قانونية نافذة، ووضعتها موضع التنفيذ. فأصبح قانون دعاوي العشائر سارياً منذ 21/02/ 1916، وفحواه أن أي نزاع، بإستثناء نزاع الأراضي، يكون أحد طرفيه أو كليهما من أفراد العشائر، يحال من الحاكم السياسي للمنطقة التي حدث فيها النزاع إلى جهة قضائية عشائرية تتألف من شيوخ أو محكمين عشائريين لإنهاء النزاع وفقاً للعرف. القانون أعطى لبعض المشايخ سلطة التفرد في فصل الدعاوي والمنازعات التي تحدث بين الفلاحين أو أبناء العشائر، وبالتنسيق مع سلطة الإحتلال، وبهذا لم يعد بالإمكان أن يتحرر أي فلاح من الإلتزامات التي تقيده.

كانت مبررات إختيار هذا النظام بإنه يناسب العادات والتقاليد المحلية، وصعوبة تطبيق القانون المدني وقانون العقوبات على أفراد العشائر. وتشكيل المجالس الإدارية المحلية في كل وحدة إدارية عامل مشجع للشيوخ على حفظ الأمن والنظام في مناطقهم. وفي نفس الوقت تم تشكيل قوات جديدة من أبناء المناطق التي دخلتها سلطة الإحتلال سميت (الشبانة)، التي وضعت تحت قيادة أبناء الشيوخ لتقوم بأعمال الحراسة الليلية ونقل البريد.

اتبعت السلطات البريطانية سياسة الإحتواء من خلال العمل على توحيد العشائر بدلاً من تشتيتها بإختيار شيخ واحد في كل منطقة أو عشيرة كبيرة وتقديم كل الدعم له، سواء أكان ذلك بالمال والنفوذ، أو بالسلاح عند الضرورة، ليكون قائداً يقوم بمسؤولية الأمن والنظام في المنطقة المحددة له. أرادت سلطة الإحتلال بهذه العملية الحصول على منفعة متبادلة، بحصر السلطة بيد الشيوخ الذين وقع عليهم الإختيار، وضمان حماية مصالحهم بجعل الشيوخ على الإستعداد بتنفيذ ما يطلب منهم.

هذه السياسة أفادت وأضرت سلطة الإحتلال، فهي وطدت من هيمنتهم وسيطرتهم على الكثير من المناطق، لا سيما الريفية منها، فأدت إلى زيادة في الإنتاج الزراعي. ولكن من جهة أخرى هذه السياسة جعلت الكثير من العراقيين وشيوخ العشائر يقفون بالضد منهم، محملين بالحقد والغضب والكراهية ضدهم. لأنهم أرضوا شيخاً واحداً في كل منطقة، ومنحوه سلطة التحكم بالآخرين. فليس من الهين على شيوخ المنطقة أن يروا واحداً منهم قد أصبح السيد المطلق يأمر وينهي من غير رادع. ومما زاد في الأمر سوءاً أن سلطة الإحتلال في إختيارهم بعض الشيوخ لم يراعوا قواعد وراثة المشيخة المتعارف عليها. كان اختيارهم لمن أبدى لهم الطاعة والولاء، أو له سابقة إتصال بهم في العهد التركي، بغض النظر عن مقامه الحقيقي في العشيرة.

إعتمدت سلطة الإحتلال على إستغلال وإذكاء تناقضات المجتمع العراقي وتوظيفها بإدارة الأزمات وليس حلها. وذلك من خلال الإستراتيجية المعروفة في إدارة المستعمرات على مبدأ "فرق تسد".  لصالح إقامة وإدامة بنية كولونيالية تابعة وخاضعة للهيمنة. كما ساهمت في إعادة تشكيل الطبقات الاجتماعية ـ الاقتصادية وإنتاج طبقة سياسية، كقاعدة للنظام، من كبار ملاك الأراضي والشرائح الكمبرادورية وكبار الضباط الذين خدموا في الدولة العثمانية وبعض الشرائح الهامشية. وذلك من خلال العديد من القوانين التي حولت الملكية العامة للأراضي العشائرية إلى ملك لشيوخ العشائر. والخطوة الأشد خطورة للتحكم بالإقتصاد العراقي هي تسليم النفط الذي يمثل الثروة الأساسية في العراق كبلد يعتمد على الإقتصاد الريعي إلى الشركات الإحتكارية البريطانية في أغلبه، وربط الدينار العراقي بالجنيه الإسترليني فأحكمت سيطرتها على الإقتصاد العراقي.

أسس البريطانيون الدولة العراقية الحديثة بضغط من التحالف الديني العشائري، لكنهم لم يفلحوا في إرساء قيم المجتمع السياسي المعاصر في العراق. فمثلما أهمل العثمانيون وضع العشائر واقتصروا على جباية الضرائب منها، تعامل البريطانيون معها كأمر واقع. وقد فشلت الحكومات المتعاقبة في صهر الإنتماءات القبلية والطائفية في وعاء وطني واحد، وبهذا فالمشكلة العشائرية متشعبة وقديمة قدم تأسيس الدولة العراقية.

وقد إتضح لسلطة الإحتلال، فيما بعد، ضرر سياستهم هذه عند إندلاع ثورة العشرين. وهذا ما أكده فيليب آيرلاند في كتابه "العراق، دراسة في تطوره السياسي"، بأن الكثيرمن الشيوخ الذين شاركوا في الثورة العراقية الكبرى كانت خصومتهم موجهة نحو الشيوخ المقربين لسلطة الإحتلال أكثر مما كانت موجهة نحو سلطة الإحتلال. فهم قد وجدوا في الثورة أملاً يرفع عنهم كابوس أولئك الشيوخ وكابوس الحكومة التي تؤيدهم.

أبقت الدولة العراقية الحديثة الأنظمة والتشريعات التي أصدرها القائد العام للقوات البريطانية، في القانون الأساسي الذي صدر في 1925. ويمكن الرجوع إلى المادة 114، التي نصت على أن: "جميع البيانات والأنظمة والقوانين التي أصدرها القائد العام والمندوب السامي والتي أصدرتها حكومة الملك فيصل منذ 1914 تعد قوانين صحيحة من تاريخ تنفيذها".

 المجتمع العراقي لم يستفد من الإحتلال البريطاني في توسيع دائرة المدنية وتحديث العراق على غرار الدول المتقدمة بالحدود الممكنة. وذلك بسبب الموروث الثقافي الذي ورثناه من الدولة العثمانية، وصدى فتاوى الجهاد والشعارات الأيديولوجية. لقد تمادى الكثير من رؤساء العشائر في التدخل والتأثير بمسارات السياسة الحكومية، الكثير منها كانت بسبب المصالح الذاتية لشيوخ العشائر. هذه الحالة برهنت على تشتت الوحدة الوطنية لدى العشائر وغياب دوافع المواطنة التي زعزعت الإستقرار السياسي، مما ضيع فرص التطور الحضاري المدني للدولة. وبقيت السمة العامة للعشائر، بمختلف المراحل الزمنية، في إتجاه إنماء الروح العشائرية على حساب الروح الوطنية العراقية، أي تغليب الهُوِيَّة الفرعية على الهُوِيَّة الوطنية. عدا فترة إنحسار قصيرة في زمن الزعيم عبدالكريم قاسم الذي حدّ من النفوذ الإقطاعي بإصدار قانون الإصلاح الزراعي رقم 30 لسنة 1958، الذي قلص نفوذ الشيوخ والأعيان المستمد من ملكية الأرض.

 

د.  عبد الحسين صالح الطائي

...............

المراجع:

- د. علي الوردي: لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ج6، دار كوفان للنشر، لندن 1992.

- الحسني، عبدالرزاق: تاريخ العراق السياسي الحديث، الرافدين للطباعة والنشر والتوزيع، ج1، ط7، بغداد 2008.

- الفياض، د. عامر حسن، وحمادي، صفد عبدالعزيز، المواطنة وبناء الدولة المدنية الحديثة، في العهد الملكي مجلة المعهد، العدد 11، معهد العلمين للدراسات العليا، النجف 2017.

- وجدان فالح حسن: المواطنة ودورها في ترصين الوحدة الوطنية في العراق، مجلة دراسات إسلامية معاصرة، العدد السادس، السنة الثالثة، 2012.

 - كامل هادي الجباري: إشكاليات بناء الدولة، الدولة العراقية الأولى، مركز النور للدراسات، بتاريخ 19/09/2009.

- محمد عبدالرحمن عريف: السياسة البريطانية مع العشائر العراقية.. مقدمات ثورة العشرين، الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية والإستراتيجية.

رابط المقالة الأولى:

https://www.almothaqaf.com/a/opinions/953410

رابط المقالة الثانية:

https://www.almothaqaf.com/a/opinions/953571

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5291 المصادف: 2021-03-01 02:27:33


Share on Myspace