 آراء

لطفي شفيق: مداخلة حول مقالة أ.د قاسم حسين صالح (4)

لطفي شفيق سعيدخلاصة هذه المداخلة التي تمحورت كتابتها حول (لماذا لم يستلم الحزب الشيوعي السلطة بعد أن توفرت له الفرصة بعد محاولة اغتيال الشهيد عبد الكريم قاسم وعندما كان الحزب في ذلك الوقت في أوج عظمته؟) وبما أن تلك الفرصة وفرص أخرى مشابهة قد مر عليها زمن طويل تعدى نصف قرن فإن من الضروري أن نبحث عن أمر آخر ونطرح السؤال التالي: بدلا من أن يقتصر على سبب عدم استلام السلطة وهو (لماذا لم يحافظ على السلطة وحماية التجربة الكبرى المتمثلة بإقامة الجمهورية العراقية ومن هو المؤول عن ضياعها بعد أن مضى على عمرها أقل امن أربعة سنوات؟)

وفي رأيي ومن خلال اطلاعي على سير الاحداث في تلك الفترة أن صراعا معلنا وخفيا كان يدور في تلك المرحلة بين الحزب الشيوعي العراقي الذي رفع شعار (تضامن كفاح تضامن) والمتمثل بمساندة النظام بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم والكفاح ضد مخططات الاستعمار التي تهدف إلى اسقاط السلطة واعادة العراق إلى حضيرته وبين الأحزاب المناوئة التي تهدف إلى اسقاط السلطة واستلام الحكم بعد القضاء على الزعيم عبد الكريم قاسم وأعوانه وقد مثل تلك الأحزاب والفئات المناوئة كل من حزب البعث والاحزاب القومية العربية والكردية والتركمانية إضافة لرجال دين شيعة ومنها الفتوة التي أصدرها المرجع الديني الشيعي المرحوم السيد محسن الحكيم على اعتبار أن الشيوعية كفر والحاد التي اذكت الصراع ضد الحكم وبالذات ضد الزعيم عبد الكريم قاسم باعتباره منحاز ومساند للشيوعيين حتى ان البعض بث دعاية بأنه شيوعي وله انتماء سابق للحزب الشيوعي العراقي واضافة لهذه القوى المناوئة فقد انظم اليها من تضررت مصالحهم من قرارات حكومة عبد الكريم قاسم كالإقطاعيين وكبار الملاك ، لقد قاد الصراع الخفي والمساند للقوى المناوئة كل من بريطانية واميركا وبعض دور الجوار متمثلة بالأردن وايران وتركيا والسعودية والكويت أضافة إلى موقف عبد الناصر الذي اعلن العداء السافر وحرض ومهد وسخر اعلامه من اجل إزاحة الزعيم عبد الكريم قاسم.

إن جميع تلك المجاميع تكاتفت وتآزرت لإسقاط النظام والقضاء عليه حتى لو تطلب الأمر وبقوة السلاح وبانقلاب عسكري يقوم به بعض الضباط والقادة الذين انظموا لصفوف الأحزاب المناوئة، وبالفعل فقد جرت عدة محاولات لإسقاط السلطة وفشل البعض منها مثل المحاولة الانقلابية التي قادها العقيد الركن عبد الوهاب الشواف في الموصل بتحريض واسناد وتجهيز أسلحة ومحطة إذاعة لإذاعة بيانات الانقلابيين من قبل جمهورية مصر وبأشراف مباشر من رئيسها المرحوم جمال عبد الناصر.

إن محاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم كان الهدف منها هو التحضير لاستلام السلطة من قبل البعثيين والتي جرت في منطقة رأس القرية عام 1959 ولكنها فشلت كغيرها من المحاولات ، وبعد ذلك اخذت المحاولات تأخذ مسارا علنيا واصبح امر الإطاحة بالنظام والقضاء على عبد الكريم قاسم علنيا وواضحا عند قيادة الحزب الشيوعي العراقي وعند عبد الكريم بالذات وقد تأكد للحزب الشيوعي ذلك الأمر وبشكل لا يدعو للشك وذلك من خلال المعلومات التي كانت تصله من اطراف عديدة ومنها ما جاء بجريدة الاشتراكي السرية التي يصدرها حزب البعث وفي افتتاحيتها ليوم الجمعة الذي سبق جمعة الانقلاب في 8 شباط 63 حيث ورد فيها ان حزب البعث سيسقط السلطة عن قريب وأنهم سيعلقون أجساد الشيوعيين على أعمدة الكهرباء كما أن قسما كبيرا من أعضائه كانوا يتدربون على استعمال السلاح والرمي في منطقة جرف الصخر وتحت علم عبد الكريم ومن اعتراف أحد المتدربين والذي القي القبض عليه في تلك المنطقة واحيلت أوراق التحقيق الذي جرى في الفوج الثالث من اللواء الأول الى القائد العام للقوات المسلحة ولم يتخذ أي أجراء بحق المتهم ولم يرسل عليه للتعرف على ما كان يدور من مخططات تهدف لإسقاطه ,لقد كان الفرق كبيرا بين من كان يروم استلام السلطة بالقوة وبين المدافعين عنها والمتمثل بالحزب الشيوعي العراقي والذي كان يحرص على بقائها بالرغم من المخاطر والتسريبات التي تشير إلى انفضاح أمر الجهة التي تنوي القيام بالانقلاب فقد كان حزب البعث والقوميين ومن معهم قد اناطوا أمر تلك المهمة لقادة عسكريين معروفين ومشخصين من قبل السلطة إضافة إلى عدد آخر من الضباط بمختلف الرتب وإن جميع هؤلاء الضباط كانوا يشغلون مناصب مهمة في وزارة الدفاع واصبح مقر وحداتهم في بغداد بل أن البعض منهم كان مقره في وزارة الدفاع وبالقرب من عبد الكريم قاسم وكانت مهمتهم وضع الخطط العسكرية المطلوبة بحدود ما لديهم من خبرة وتدريب وكيفية استخدام السلاح المتوفر أصلا تحت امرتهم في جميع الوحدات العسكرية بعكس السياسة التي اتبعتها اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي فقد كانت ضد فكرة اناطة المسؤولية للعسكريين وعملت على ابعاد من كان يطالب باستلام السلطة أو التغيير في وقت كان يظم ألعديد من الضباط وضباط الصف والجنود الاكفاء ذوي قدرة وكفاءة عالية وكذلك لم يهتم أو يبادر لوضع خطط مسبقة للتصدي لأي محاولة انقلابية والتي اصبح أمرها معروفا لديهم وكذلك لا يمتلك اعضاءه المدنيين أية قطعة سلاح ولم يتدربوا على استخدامها كما تبين ذلك خلال الانقلاب وعند تجمهر عدد كبير من أبناء الشعب يطالبون عبد الكريم بالسلاح من أجل الدفاع عن الجمهورية ولكن دون خطة مسبقة وبما تعرف بخطة أمن بغداد والدفاع عن الجمهورية ، وللتاريخ فقد سألت أحد مسؤولي الحزب الشيوعي وممن كان يشرف على التنظيم العسكري وبعد أن اطلعته على افتتاحية صحيفة الاشتراكي الصادرة عن حزب البعث ماهي إجراءات الحزب وما هي خطة التصدي والدفاع عن الجمهورية وافشال المؤامرة والانقلاب الوشيك وكيف ستتصرف مجموعة العسكريين الذين يظمهم الحزب الشيوعي لصفوفه فكان رده محبطا إذ قال واعتقد أنه رأي الحزب وتوجيهاته وهو: (على كل عسكري ان يلتحق بوحدته حال سماعه بيان الانقلاب وينتظر هناك وصول المسؤول الحزبي عنه ليبلغه بالأوامر والتوجيهات التي سيصدرها الحزب !!) أي على هؤلاء العسكريين أن يبقوا في وحداتهم في (انتظاركودو) حتى يأمرهم ذلك الشخص بأداء واجبهم العسكري ومن المعروف لجميع العسكريين أن (كودو) هو واحد من المدنيين معلما كان أو عاملا بسيطا وبدرجة حزبية متقدمة ونتيجة لهذه السياسة العقيمة قد وقعت الطامة الكبرى ولم يحضر الكثير من مسؤولي الحزب الى المقرات العسكرية وخاصة التي تم السيطرة عليها من قبل الانقلابيين كما وأن عديد من الضباط المهمين والذين ابعدهم الزعيم عبد الكريم عن الوحدات المهمة في بغداد لم يتمكنوا من الحضور ليمارسوا دورهم الفعال بسبب مناطقهم النائية وبدورهم لم تصلهم أي أمر عدا بعض المبادرات التي قام فيها بعض الضباط من تلقاء أنفسهم كان ثمنها فقدان حياتهم كما حدث في معسكر سعد في بعقوبة والبصرة وبعد أن أخليت ساحة المعركة منهم وحل بدلهم قادة وضباط لم ينفذوا الأوامر التي أصدرها الزعيم أليهم و لم يتصدوا للانقلابين بل أن البعض منهم شارك بالانقلاب ومنهم من شتمه كالضابط الذي ايد الانقلاب وشتم الزعيم عند الاتصال به لتهيئة اللواء ساعة حدوث الانقلاب هو ضابط ركن اللواء المقدم الركن طه الشكرجي كما وأن آمر اللواء الزعيم الركن عبد الكريم محمد ذو التوجه الديني المتشدد والذي نصبه الزعيم بدلا عنه لأمرة ذلك اللواء لم يكن من الضباط الاحرار ولا علم له بخطة الثورة فلم ينصاع لأمر الزعيم ولم ينفذ أمره بالتصدي للانقلاب مما سهل للانقلابين مهمة السيطرة على معسكر الرشيد بكامله .

لم يكن لقيادة الحزب الشيوعي العراقي نية في استلام السلطة بل كان هدفه المرحلي هو الدفاع عنها المتمثلة في شخص عبد الكريم قاسم باعتباره حكما وطنيا تحرريا ضد الاستعمار و بالمقابل ذلك لم تكن لديه خطة واضحة عن كيفية الدفاع والاستفادة من كوادره العسكرية الهائلة وكذلك لم ينيط المسؤولية للضباط الحزبيين الكبار للعمل في المكتب السياسي لمعالجة الأمور التي تتعلق بالشأن العسكري حسب خبرتهم وذلك بسبب التخوف من قيام العسكريين بالتخطيط لاستلام السلطة الذي يعتبره مخالفا لتوجهات اللجنة المركزية للحزب الشيوعي وما يمليه عليها الحزب الشيوعي السوفياتي ضمن المرحلة آنذاك والتي تركزت على الصراع العقائدي بين السوفيات وبين الحزب الشيوعي الصيني والذي انسحب تأثيره على مواقف الحزب الشيوعي العراقي وأخذ الحزب يثقف اعضاءه بذلك الصراع منحازا لجانب السوفيات واهماله الجانب المهم وهو الخطر المداهم الذي يهدد الوطن والتلويح بالانقلاب واستلام السلطة من قبل البعثيين ومن معهم واستمر هذا التوجه خلال المعارك التي كانت تدور رحاها بين الجيش العراقي وبين فصائل كردية في شمال العراق عام 1961 كذلك استمر ذلك التوجه الخاطئ الذي سلكه الحزب الشيوعي حتى بعد حدوث الانقلاب في 8 شباط 63 وكان همه الأساس هو أيصال النشرات والكراريس المتعلقة بصراع الحزبين السوفياتي والصيني حتى خلال انشغال كوادره من العسكريين بالقتال على قمم الجبال وفي عمق الوديان ولم تنتهي تلك المهمة الغريبة التي اعتبرها الحزب من مهامه الرئيسة ما دام الحزب الشيوعي السوفياتي مستمرا بها وقد استمر الحزب الشيوعي العراقي يأخذ على عاتقه هذه المهمة بعد حدوث الكارثة وتدمير معظم تنظيماته المدنية والعسكرية بطريقة وحشية فقد انتقلت تلك المهمة إلى تثقيف السجناء الذين زج بهم الانقلابيون في السجون ومنها سجن نقرة السلمان الصحراوي الرهيب مما خلق لدى معظم السجناء حالة من الاستهجان والاستغراب من هذا التصرف وما يقوم به كوادر الحزب بنشر دعاية وتثقيف بأوامر بعيدة كل البعد عن المصيبة التي حلت بهم ، فهل هنالك أهمية تذكر وجدوى مفيدة خلال ما حصل في الحالتين حالة معارك الشمال وحالة السجناء التي أدت بالتالي إلى ضياع الوطن فلا ضير أن نعيد اطلاق  المثل الشعبي القائل (عرب وين وطنبوره وين) على سياسة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي سابقا ولاحقا!!.

أن عدم وجود خطة للدفاع عن الجمهورية لم يقتصر على الحزب الشيوعي العراقي فقط بل شملت القيادة العسكرية المتمثلة بالقائد العام للقوات المسلحة الزعيم عبد الكريم قاسم وإن هذا الأمر يشكل خطأ مريعا وفظيعا فإن ما حدت في انقلاب 8 شباط 63 وما جرى في تنفيذ صفحات الانقلاب من تلكأ تعكس احتمالية فشله خلال مواجهة عسكرية بسيطة وبخطة مسبقة وبما تسمى بخطة أمن بغداد تتضمن قطعات مهمة موالية للحكم بشكل كامل تمتك اسلحة متطورة خاصة تقوم ممارسات مستمرة لتنفيذ الخطة وكيفية التحرك السريع للسيطرة على الموقف واختيار القادة الشجعان والموالين حتى وإن كانوا من ضباط ذوي رتب صغيرة وأن يكون موقع قيادة المعركة في قلب الحدث وليس بعيدا عنه أو في مكان يسهل اختراقه وتدميره من قبل الانقلابين، إن تلك الأمور لم يعمل بها وإن ما قد اثبت عدم وجود خطة خاصة بأمن بغداد والدفاع عن الجمهورية إن أكثرية قادة الفرق والوحدات العسكرية والتي قربهم عبد الكريم قاسم و كان يضن بانهم سيلبون نداءه وينصاعون لأوامره جرى عكس ذلك فلم يحركوا اية قطعة من التي كانت تحت أمرتهم للتصدي للانقلابين بل أن قسما منهم اشترك أو أيد الانقلاب ببرقيات تأييد والأغرب من ذلك وأسوء هو اختيار القائد عبد الكريم قاسم اللجوء إلى ثكنة وزارة الدفاع وحشر نفسه ومن معه بين جدران تلك التكنة مما سهل مهمة تطويقها وصب نيران أسلحة دباباتهم ومدفعيتهم وصواريخ طائراتهم على من كان داخل تلك الثكنة ورب سائل يسأل كيف اختار الزعيم هذه الوسيلة وهي الدفاع ، وهي طريقة غير ناجحة ولا تنفع في مثل تلك المواقف حيث أن مبدأ الهجوم هو الأفضل في إدارة دفة المعركة ويؤخذ على الزعيم عبد الكريم قاسم أيضا اختياره هذا الأسلوب في معالجة الموقف وهو الضابط الشجاع الذي حصل على وسام شجاعة في حرب 48 في تصديه للعدو الصهيوني وخرقه جبهة قطعاتهم وصولا إلى مدينة كفر قاسم واحتلالها وكما أنه قائد ثورة 14 تموز وواضع خطتها المحكمة والدقيقة وقام بتنفيذها بوقت قياسي اذهلت الدوائر والمؤسسات الأجنبية والمعنين في الشأن العسكري لدرجة أن أحدهم ذكر: (أن ذلك الوقت الذي تم فيه انجاز المهمة لا يكفي للسطو على بنك صغير)، إذن ما هو السر الذي جعل ذلك القائد أن يبقى داخل ثكنة وزارة الدفاع ولم يغادرها ويقود من كان فيها من جنود وضباط من مراتب الفوج الثاني من لوائه التاسع عشر الذي قاده قبل الثورة اضافة لمراتب وضباط الانضباط العسكري الذي هم بأمرة صديقه المخلص الشهيد عبد الكريم الجده وكان عددهم بالآلاف مسلحون بأسلحة مختلفة بضمنها مدرعات وحاملات أشخاص ومدفعية وينطلق بهم نحو معسكر الرشيد ليلتقي بجنوده في الفوجين الأول والثالث من لوائه السابق ويدير المعركة المفتوحة من هناك فهل كانت خطة البقاء في ثكنة وزارة الدفاع هي من تدبير الزعيم نفسه أم أنه تأثر بآراء بعض الضباط المحيطين به ؟ لقد تواردت بعض المعلومات مفادها أن الزعيم حاول الخروج والتوجه الى معسكر الرشيد بعد أن وجه له المقدم الركن طه الشكري كلمات نابية خلال المكالمة التي جرت بينهما حيث رد الزعيم عليه: (إنتظرني فأنا أت اليك وسأريك من أنا) حسبما ذكره لي المرحوم مرافقه قاسم الجنابي ونصحه البعض بعدم الخروج وترك الدفاع لآن ذلك يشكل خطرا على حياته وإنه من هذا الموقع بإمكانه الاتصال بقادة الوحدات العسكرية ويتابع ما يجري من تطورات خلال تلك المعركة ,إن مجمل الأحداث أثبتت خطأ ذلك الموقف والذي من خلاله لم يتمكن الموجودون داخل الدفاع والمحاصرون من الصمود أكثر من يوم وليلة بالرغم من دفاع بطولي ابداه الجنود وبعض الضباط وكانت نتيجته استشهاد عدد كبير من أفراد الانضباط العسكري وبضمنهم قائدهم البطل الشهيد الزعيم عبد الكريم الجدة الذي قاتل قتال الابطال وكذلك استشهد مرافق الزعيم الأمين العقيد وصفي طاهر والذي قاتل بشرف ثم طلق رصاصته الأخيرة على رأسه بعد نفاذ عتاد رشاشته عدد كبير من مراتب الفوج الثاني من لواء الزعيم وكانت خاتمة هذه المأساة أن يتجه الزعيم عبد الكريم قاسم وبمعيته الشهيد فاضل عباس المهداوي والزعيم الركن طه الشيخ أحمد والملازم الأول كنعان حداد الى مركز قيادة المتآمرين في دار الإذاعة في الصالحية داخل مدرعتين بعد أن جردوا من أسلحتهم الشخصية ليلاقوا مصيرهم المحتوم وذلك بقتلهم دون محاكمة وبسرعة بعد أن وثق الزعيم بوعودهم الكاذبة والتي اكدت نيتهم منذ بداية المفاوضات التي جرت بينه وبينهم بقولهم أنهم يطلبون رأسه ولا غير ذلك ، فكيف وثق الزعيم بهم وسلم رأسه اليهم وقد كلف ذلك الاجراء الشعب العراقي ثمنا باهضا تحمل وزره طيلة عقود سوداء تلت تلك المجزرة الدموية وإن الضباط والمراتب الذين ابعدهم الزعيم عبد الكريم قاسم أماكن نائية وبعيدة عن مكان الكارثة كانوا بإمكانهم التصدي للمتآمرين والدفاع عن الوطن بطريقتهم الخاصة وبعمل عسكري متقن ومحكم بعيدا عن إملاءات وتوصيات الحزبيين التي أولدت لهم اليأس والإحباط وخاصة خلال ما كانوا يتعرضون له من مضايقات امن قبل الضباط لبعثيين والقومين واستفزازاتهم المستمرة خلال تواجدهم في الوحدات التي ابعدوا اليها في وقت كانت توجيهات الحزب لهم أن لا ينجروا لتلك الاستفزازات والتي وصلت أحيانا الى درجة التهديدات والوشاية وكتابة التقارير المغرضة ومنها التقرير الذي كتبه أحد هؤلاء ضدي ومفاده (شيوعي خطر له قابلية في تنظيم الجنود والضباط وضد القومية العربية) واصبح هذا التقرير ينتقل معي في كل مكان انتفل اليه وقد اضيف إلى اضبارتي الخاصة في وزارة الدفاع وقرأ علي لعدة مرات ومنها عندما رحلت الى أمرة الفرقة الأولى والى وحدة عسكرية في الناصرية حيث وردت برقية الى أمر الوحدة يطلب فيها حضوري لمقابلة الزعيم عبد الكريم قاسم وكان ذلك قبل صدور جدول الترفيعات الذي يشمل ترفيعي الى رتبة ملازم أول وحين حضرت إلى وزارة الدفاع وجدت أمامي عددا أخر من الضباط وبرتب مختلف يربو عددهم على مائتي ضابط وانتظرنا لقاء الزعيم إلا أنه لم يحضر وكلف نيابة عنه مدير إدارة الجيش واستدعى الضباط واحدا تلو آخر للمثول أمامه وعند حضوري أطلعني مدير الإدارة على التقرير الخاص المتضمن رأي قادة الفرق بأمر ترفيعي ويشمل ذلك جميع الضباط الذين حضروا أيضا وقد جاء بالتقرير كلمة لا يرفع إزاء اسمي مع بيان السبب بعبارة بخط اليد نفس القرير السابق (شيوعي خطر الى أخر التقرير) وحمل توقيع قادة الفرق جميعا وكانت هناك علامة (كروس) بالخط الأحمر على عبارة لا يرفع وكتب بدلا عنها عبارة (يرفع لإخلاصه) وبتوقيع عبد الكريم نفسه وهذا الأمر يؤكد حالة التناقض بين كلمة اخلاصه وابعاده ومدى اعتقاده بالتقرير المرفوع ضدي من أحد الحاقدين عليه والعاملين ضده ضمن المجموعة التي اسقطته ومن ثم الحكم علي بخمسة سنوات سجن بمحاكمة صورية لم ابلغ بموعدها ولم اعرف أنني ذاهب اليها ولم تجر بشكل أصولي ولم يسمح لي بالدفاع أو توكيل محامي ولا بحضور من يشهد لي أو ضدي واقتصرت مطالعة المدعي العام في تلك المحكمة المهزلة على قراءة التقرير المجحف والملفق ضديوهو (شيوعي خطر الى آخر التقرير) وقد انتهت تلك المحكمة التي لم تستغرق سوى دقائق معدودات وبصرخة اطلقها رئيس المجلس العرفي العسكري الثاني العقيد الملقب نافع الملقب بطة وكان نتيجة تلك المحكمة والتي اطلقت عليه اسرع واغرب محكمة في التاريخ ولتي كلفتني ضياع مستقبلي وارسالي الى السجن العسكري الأول ومن بعدها من سجن لآخر وسجان يسلمني لسجان وهناك في سجن نقرة السلمان وجدت ما يؤكد مدى الخطأ الذي وقع فيه الزعيم عبد الكريم قاسم في معالجته للمخاطر التي كانت تهدد الجمهورية وتستهدف حياته بالذات ـ إذ كان ذلك السجن يظم أضافة إلى الآلاف التي زج بهم الانقلابيون ومنهم قادة عسكريين كبار وضباط بمختلف الرتب وضباط صف وجنود أخذ أمرهم على حين غرة نتيجة سوء التقدير واضافة لهؤلاء وغيرهم فقد كان هناك مجموعة من الشباب ومن لم تتجاوز أعمارهم السادسة عشر هم طلاب في المرحلة المتوسطة محجوزين في هذه النقرة في زمن الزعيم بسبب قيامهم بتوزيع نشرات تدعوا إلى السلم في كردستان وبإيعاز من الحزب الشيوعي كما ظم السجن خلال تلك الفترة أي خلال حكم الزعيم مجموعة من المحكومين بالإعدام من أبناء الموصل الذين تصدوا لمؤامرة الشواف وأخرين من أبناء البصرة من عمال الموانئ وقد انتهى أمر الطلبة المحتجزين بعد الانقلاب بصدور الحكم عليم لمدة عشرة سنوات خلال مثولهم أمام المجلس العرفي الذي شكله الانقلابيون حيث طلب منهم رئيس المجلي العرفي سب الحزب الشيوعي العراقي فلم يوافقوا فحكم عليهم بالسجن بعشرة سنوات أما المحكومين بالإعدام فقد رحلوا إلى الموصل والبصرة وتم تنفيذ الإعدام فيهم هناك ، وقد عكس هذا الحدث جانبا من جوانب التصرفات الخاطئة التي اقدم عليها الزعيم عبد الكريم عن قصد أو عن غير قصد وحسب منظوره الخاص في معالجة الأمور وكذلك السياسة المتذبذبة والغير سليمة التي سلكها الحزب الشيوعي العراقي خلال تعامله خلال تلك المرحلة والتي وصفتها سابقا بالمثل الشعبي (لا حظت برجيلها ولا خذت سيد علي) .

إن ثمن الخطأ الجسيم الذي ارتكبه الطرفان كان جسيما مما أدى إلى ضياع الوطن ودخوله في ظلام دامس استمر عدة عقود لا زال مستمرا إلى الآن.

لقد انتهت هذه المداخلة والتي استمرت لأربعة أجزاء وباعتقادي أن ما ورد فيها لم يكن وافيا ولم أتمكن من ذكر التفاصيل الدقيقة بسبب ضيق المجال وضعف ذاكرة التي مرت عليها سنوات طويلة وباعتقادي إن زميلي الأستاذ الدكتور قاسم قد شاركني بعض ما ورد فيها من تفاصيل وذلك لأن ما ذكره في مقالته من أسماء سجون مثل سجن الحلة والسجن المركزي وسجن نقرة السلمان والموقف العام هي نفس السجون التي قضيت فيها من عمري ثلاثة سنوات وفي الفترة نفسها التي أشار أليها زميلي واعتقد بأن عمره مساويا لعمري أو أنني أكبر منه بسنوات قليلة ولو أنه لا يريد أن ينشر صورته الحديثة مع مقالاته على المثقف بعكس ما أفعله أنا في نشر صورتي الحديثة وهل ينفع ما أفسده الدهر، كما أنه يعلم لماذا انني ادعوه بالزميل والتي لها قصة أخرى فرضها على كلينا الزمن الثقيل.

 

لطفي شفيق سعيد

السابع من نيسان 2021

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5329 المصادف: 2021-04-08 03:22:13


Share on Myspace