 آراء

منى زيتون: في ذكرى العاشر من رمضان.. سلام على من تحمل المسئولية!

منى زيتونفي مقال قديم لي -كتبته منذ حوالي ست سنوات- بعنوان " حل المشكلات في مصر.. ‏من (إطفاء الحرائق) إلى (ليست مسئوليتي)!" تحدثت عن تطور الغباء الإداري في مصر، والذي كان قديمًا يوصف بكونه نظام "إطفاء الحرائق"؛ حيث توجد به جميع العوامل التي يجزم العقلاء بأنها ستتسبب في اشتعال مشكلات ونشوب كوارث، ولا يسعى المسئولون إلى إزالتها، بل ينتظرون وقوع المشكلة ليتم إطفائها دون إزالة أسبابها، ومن ثم فالمشاكل لا تلبث أن تتكرر، وهو ما نكاد نراه بشكل دوري في أمثال حوادث القطارات المتكررة في مصر، والتي رفض السيسي علانية في لقاء مسجل معه منذ سنوات تخصيص مبلغ للقضاء على مسبباتها من جذورها، ورأى أن وضع ذلك المبلغ المطلوب لإصلاح منظومة تسيير القطارات في البنك أكثر فائدة، لتبقى أرواح الناس تُحصد ودماؤهم تسيل!

وفي المقال السابق أيضًا تطرقت إلى ظهور نظام إداري أخطر عاقبة من نظام (إطفاء الحرائق) وهو نظام (ليست مسئوليتي)، وذلك عندما يتنصل المسئول من المسئولية ويدعي أنه ليس صاحب المشكلة، ومن ثم فليس عليه أن يتولى حلها، لتبقى المشكلة قائمة، حتى يأتي الله بمسئول حقيقي قادر على معالجتها.

و"مسئول" هو اسم مفعول من "سأل"، فالاشتقاق اللفظي يظهر جليًا العلاقة بين أن تكون مسئولًا وبين أن تُسأل عما تحت يديك، ولكن المسئول في مصر ليس له من هذا الوصف شيئًا، وإذا كان رئيس الدولة يتنصل من مسئوليته فمن تراه سيتحملها؟ّ!

تنشأ الحضارات عند مصبات الأنهار، فعند المصب يتراكم الطمي، وتخصب التربة، ويمكن زراعتها، فيتعلم الإنسان الاستقرار بجانب الغذاء والماء، ويترك البداوة، وتبدأ العمارة، وشعوب دول منابع الأنهار يكون حالهم على العكس من ذلك، فيتأخر نشوء الحضارات عندهم، ولا تُقارن عظمتها بعظمة حضارة دول مصاب الأنهار، ومن هنا تنشأ أحقاد لدى شعوب دول المنبع على شعب دولة المصب، وتكاد تكون الصورة المتكونة لدولة المصب عندهم كنظرتهم إلى المستعمر الذي يسرق خيرات بلادهم! وهذه حالة انعدام تمييز فاقعة ولكنها متعارف عليها بين الشعوب، فلما زادت إمكانيات وقدرات الإنسان وصار قادرًا على بناء السدود الضخمة وتحويل مجاري الأنهار وجدت هذه الأحقاد القديمة متنفسًا، والعالم كله يرى ويسمع كيف يتحدث الإثيوبيون عن نهر النيل كأنه ملكية خاصة بهم، ومثلهم كان يتحدث أغلب السودانيين، ولم يُعد العقل إلى رءوس بعضهم إلا استشعارهم الضرر.

وهذا كله لا يعنينا في كثير، فما يعنينا هو رئيسنا الذي ليس له من المسئولية إلا اسمها، فليس خافيًا على أحد ما يدعيه السيسي وأبواقه الناعقة من أنه لا يُسأل عن بناء سد النهضة الإثيوبي الذي يهدف إلى منع حصة مصر التاريخية في مياه نهر النيل، وفوق أن السيسي -لمكابرته المعتادة ورفضه الاعتراف بالخطأ- لا يتبرأ من اتفاق المبادئ حول السد الذي وقعه عن الجانب المصري مع نظيريه المسئولين السوداني والإثيوبي عام 2015، فهو يرفض الإقرار بأن هذا الاتفاق هو وحده الحجة التي تمتلكها إثيوبيا لمشروعية بناء السد. ولا يفتأ يبحث عن كبش فداء لتحميله المسئولية، فتارة يريد تحميلها إلى ثورة يناير 2011، وتارة ينسبها للرئيس المنتمي لجماعة الإخوان د/محمد مرسي.

وأتساءل كثيرًا عن كيف تكون مسئولًا بالاسم في حين ترى نفسك مبرأً ولا يحق لأحد أن يسألك عما تديره ويقع في نطاق مسئوليتك؟! والأهم أن كونك على رأس النظام الحاكم في هذا البلد، يجعلك الشخص الوحيد المسئول عن حل مثل هذه المشكلة، حتى وإن كنت لست المتسبب فيها، فما بالنا وأنك من بليتنا بها!

دارت في رأسي اليوم هذه الأفكار في ذكرى حرب العاشر من رمضان، وصاحبها مقارنة واجبة بين السيسي والرئيس السادات رحمه الله، ففي مثل هذا اليوم منذ 49 عامًا هجريًا اتخذ الرئيس السادات قرار الحرب بهدف استرداد سيناء والأراضي العربية المحتلة من قبضة إسرائيل.

لم تكن للسادات يد مطلقًا في ضياع هذه الأراضي من العرب، وتحديدًا عندما ضاعت منا سيناء واحتلتها إسرائيل بعد نكسة يونيو 1967 لم يكن السادات يشغل أي منصب رسمي في الدولة، فلا كان وقتها نائبًا لعبد الناصر ولا وزير الدفاع ولا حتى وزير التموين!

ومع ذلك، ولأنه رجل تعلَّم معنى المسئولية، فعندما أراد الله له أن يخلف عبد الناصر ويصير رئيس مصر، لم يتهرب من مسئوليته عن استرجاع أراضي سيناء، ولم يقل: لست أنا من أضاعها. لم يبحث عن سبب يتعلل به للتهرب من أداء مسئوليته، بل تحمل المسئولية مع ما فيها من شديد مجازفة.

واليوم، في ذكرى أقوى قرار عسكري اتخذه رئيس مصري شجاع مسئول في تاريخنا المعاصر، نرى رئيسًا آخر جبانًا يبحث لنفسه عن شماعة يعلق عليها خطأه ويغنيه عن إصلاحه! فهو يرفض تمامًا الاعتراف بأن اتفاق المبادئ الذي وقعَّه بشأن سد النهضة الإثيوبي هو السبب في تمويل وإنشاء السد، ثم يرفض اتخاذ القرار الصعب الذي بات الحل الوحيد للأزمة التي ليس لها صاحب غيره!

في ذكرى العاشر من رمضان.. سلام على السادات.

 

د. منى زيتون

الخميس 22 أبريل 2021 الموافق العاشر من رمضان 1442هـ

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5344 المصادف: 2021-04-23 01:58:16


Share on Myspace