 آراء

عبد الحسين الطائي: استفتاء 1918 وحماقة الحاكم البريطاني

عبد الحسين صالح الطائيقرن على تأسيس الدولة العراقية (7)

برز رأيان مختلفان حول نوع الإدارة البريطانية للعراق بعد هدنة مودروس (Mudros) في 30/10/1918. دعت وزارة الخارجية البريطانية إلى الإدارة غير المباشرة، بينما  حكومة الهند البريطانية تمسكت برؤية الحكم المباشر، لأنها تحملت أعباء الحملة العسكرية على العراق.

تولى آرنولد ويلسون (Arnold Wilson)، مهام الحكم المدني للعراق في 20/04/ 1918، وتمكن من إرساء النظام الإداري المستقر. كان من المساهمين في وضع لمسات حدود العراق مع الكويت والسعودية. كان يؤمن بضرورة تدريب الشعب العراقي على حياة الحرية قبل منحهم إياها. استخدم الاسم العربي للعراق خلال مؤتمر "سان ريمو"، بدلاً من اسم (Mesopotamia) "بلاد ما بين النهرين" الذي كان سائداً لدى الغرب في ذلك الوقت. كان يهدف من خلال هذه التسمية جمع المجزء بإدخال حكم الموصل وكردستان والمنطقة الجنوبية موحدة في حكم واحد.

ويلسون من العسكريين الشباب الذي عمل كضابط في الجيش البريطاني في الهند، اعتاد على الاسلوب الفظ في معاملة الرعية بما يلائم طبيعة المجتمع الهندي، هذه المعاملة لم تجد لها صدى في العراق لأنها تتناقض مع طبيعة المجتمع. كان يؤمن بما يسمونه "رسالة الرجل الأبيض" في تمدين الشعوب. العراقيون في نظره متخلفون بحاجة إلى مائة سنة لكي يتعلموا كيف يديروا أمور الحكم بأنفسهم.

لم تدرك سلطة الإحتلال خطورة الاسلوب العنفي الجارح في مخاطبة بعض شرائح المجتمع العراقي، لا سيما رجال الدين وشيوخ العشائر. لم تتبلور لديهم المعرفة الكافية بالأعراف والقيم المجتمعية التي يتمسك بها الفرد العراقي الذي يرفض كل أشكال الإهانة، ويعتز بكرامته الشخصية ولا يتردد بالمجازفة بحياته ثأراً لكرامته. اسلوب الإهانة ولد الضغينة في نفوس الكثير من رجال الدين والشيوخ وعامة الناس، مما دفعهم إلى العصيان والإنظمام إلى الثورة الكبرى التي سميت بثورة العشرين.

ويلسون أحد فرسان الإتجاه الثاني الداعي للحكم المباشر. حاول أن يخلق حالة توازن بين الإتجاهين ولم يتمكن، تبنى فكرة الإستفتاء الشكلي للوجهاء والمتعاونين بعيداً عن عامة الشعب ليوهم بها أنصار الإتجاه الأول بأن العراقيين متمسكين بفكرة الحكم البريطاني المباشر. وصلته برقية الموافقة من لندن على الإستفتاء بتاريخ 30/11/ 1918، تدعوه لاستفتاء رأي العراقيين بنوعية الحكم الذي يرتضوه. تضمن الاستفتاء ثلاثة اسئلة:

1- هل يفضلون دولة عربية واحدة تحت إرشاد بريطانيا تمتد من حدود ولاية الموصل الشمالية إلى الخليج؟.

2- هل يرغبون في أن يرأس هذه الدولة عربي من أولي الشرف؟.

3- من الذي يفضلون تنصيبه رئيسا للدولة؟.

صيغت الأسئلة بطريقة ذكية تحدد الإشراف البريطاني مهما كانت النتائج. لم يكن ويلسون نزيهاً، مارس الخديعة بتحديد الاستفتاء بالوجهاء، الشيوخ البارزين، الملاكين والمتعاونين مع سلطة الإحتلال. ارفق تعليماته إلى حكام الألوية بان يتداولوا الأسئلة بصورة سرية مع الشخصيات البارزة المتعاونة. لتكون النتيجة مطابقة لرؤيته، وبذلك يثبت لحكومته بأن العراقيين يرغبون من تلقاء أنفسهم بالحكم البريطاني المباشر.

تركزت تعليماته على معرفة إتجاهات الرأي العام في المناطق التي يجري فيها الإستفتاء، فإذا كانت مطابقة لتوجهاته يعقد إجتماعاً عاماً، أما إذا كانت مخالفة لما يريد يؤجل الإجتماع لحين ترتيب الأمور. كان العراق في تلك الفترة مقسماً إلى تسع ألوية، خاض ويلسون وأتباعه حوارات جدلية اسفرت عن معارضة أربعة مناطق اساسية لصيغة الاستفتاء (النجف، كربلاء، الكاظمية وبغداد). أما المناطق الأُخرى جرى الاستفتاء بها وفقاً لما تبناه ويلسون وأتباعه، بالمطالبة بالحكم البريطاني المباشر.

كانت طريقة الاستفتاء شكلية لم تعبر عن رأي غالبية الشعب المناهض للاحتلال، لأن ما جرى هو إنتقاء عينات محددة متعاونة مع سلطة الإحتلال للتوقيع على تأييدهم. ولكن اتضح من خلال مضابط الإجتماعات هناك الكثير من العشائر العراقية الرافضة لعملية الإستفتاء. تركز هذا الرفض في مناطق الفرات الأوسط والجنوب إلى درجة لا يمكن الإستهانة بها.

جرى الاستفتاء الأول في مدينة النجف بتاريخ 13/12/1918، بحضور ويلسون شخصياً في هذه المدينة الثائرة، التي قُمعت إنتفاضتها من سلطة الإحتلال في ربيع 1918، لغرض كسب ودّ الناس والحصول على نتائج إيجابية يمكن إستغلالها للتأثير على بقية المناطق الأخرى للحصول على تأييد الرأي العام. كانت تصرفات ويلسون في إعلانه سياسة بريطانيا مخالفة لمقررات مؤتمر الصلح.

الإستفتاء بحد ذاته كان تجربة رائدة، فبالرغم من كونه ممارسة جديدة غير مفهومة لأغلب العراقيين، لأنه أول تجربة في تاريخ العراق يسأل الحاكم الرعية: ما هو نوع الحكم الذي ترغبون فيه ؟، ومن هو الحاكم الذي تريدونه؟. إلا أن معرفة الناس بحماقة ويلسون وضعف وعيهم السياسي، لم يتمكنوا من إستيعاب وتصديق هذه الممارسة، فانتشرت الإشاعات بأن سلطة الاحتلال قامت بالإستفتاء لكي تفرز الموالين لها من غيرهم، وبالتالي تقرب الأصدقاء وتعاقب الأعداء. أثرت الإشاعات بشكل كبير على الكثير من الشخصيات البارزة الذين أشهروا ولائهم وأثبتوا لسلطة الإحتلال بأنهم من الموالين.

كانت تجربة الإستفتاء مثمرة حفزت الوعي الوطني والفكري لدى الكثير من العراقيين، دفعتهم للإنضواء تحت خيمة الحركة الوطنية المعارضة للحكم البريطاني، الداعية إلى فكرة الإستقلال، وإلى إقامة نظام ملكي دستوري.

عززت فتاوى رجال الدين الروح الوطنية لدى الكثير من العراقيين بتأييد فكرة عدم جواز انتخاب غير العربي المسلم حاكماً على العراق. وجعلت نتائج الاستفتاء تتفاوت تفاوتاً كبيراً من منطقة لأخرى. واجه الإستفتاء إنتكاسة كبيرة في المناطق المعارضة، كان الجواب واضحاً نريد "حكومة وطنية عربية". شكلت هذه الفتاوى تحدياً مباشراً لسلطة الإحتلال، أدت إلى غضب ويلسون، وإتباعه أساليب قسرية أدت إلى تأزم الموقف الشيعي ضد الوجود البريطاني.

نجحت سلطة الإحتلال في كسب وتأييد البعض من رجال الدين، ولكنها أخفقت مع الشيعة. أوعز ويلسون في مذكراته سبب عداء الشيعة إلى: نفورهم من أية حكومة منظمة، ومعاداة أي حكومة دنيوية منظمة مهما كان نوعها، لأنها تهدد نفوذهم وأحلامهم من إقامة حكومة دينية. خالف الدكتور علي الوردي هذا الرأي، وأكد بأن سلطة الإحتلال عملت على اجتذاب رجال الدين عن طريق التحبب إليهم ومنحهم مبالغ كثيرة من المال سراً، ولكنهم وجدوا أن معظمهم رفضوا قبول تلك المبالغ، ولم يقبلها سوى القليل من عملاء الحكومة وجواسيسها، ولديه شواهد كثيرة على ذلك أشار إليها في كتبه.

اعلنت عصبة الأمم في مؤتمر "سان ريمو" عن موافقتها على الإنتداب البريطاني للعراق في أبريل 1920. هذا القرار قلب المعادلة في داخل العراق، فنتج عنه هيجاناً شعبياً واضطرابات في أكثر مناطق العراق. تطورت الأحداث إلى ثورة عراقية كبرى وضعت بريطانيا في مواقف محرجة، أدت إلى موافقتهاعلى إعطاء الاستقلال للعراق.

أدركت الحكومة البريطانية بأن ويلسون لم يعد صالحاً لحكم العراق، بعدما أخفق في اجراء استفتاء لتزييف ارادة الشعب العراقي وتأليف الحكومة التي تتماشى مع رغبته بالحكم المباشر للعراق. ولهذا أعادت تعين السير بيرسي كوكس مندوباً سامياً للعراق لما يملكه من إمكانيات وفهم لطبيعة المجتمع العراقي. وعلى أثر عودة بيرسي كوكس إلى العراق، غادره آرنولد ويلسون في سبتمبر 1921.

 

د. عبدالحسين الطائي

أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا

..........................

المراجع

-  د. علي الوردي: لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ج5، دار كوفان للنشر، لندن 1992.

- عبدالرزاق الحسني: الثورة العراقية الكبرى 1920، مكتبة نرجس، ط3، لندن 1971.

- نعيم جاسم محمد العلواني: الاحتلال البريطاني للعراق وطبيعة الادارة البريطانية 1914-1920.

- علاء عباس نعمة: استفتاء عام 1918 في العراق، ملاحق المدى بتاريخ 10/04/2013.

رابط المقالة الأولى:

https://www.almothaqaf.com/a/opinions/953410

 رابط المقالة الثانية:

https://www.almothaqaf.com/a/opinions/953571

رابط المقالة الثالثة:

https://www.almothaqaf.com/a/opinions/953761

رابط المقالة الرابعة:

https://www.almothaqaf.com/a/opinions/953922

المقالة الخامسة:

https://www.almothaqaf.com/a/opinions/954251

رابط المقالة السادسة:

https://www.almothaqaf.com/a/opinions/954767

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

عاشت الايادي ابو عبير .
مقالات ممتعه جدا وغنيه معرفبا .
اكيد موجودة بكتابكم العظيم حول إنشاء الدوله العراقيين منذ مائه عام .
شكري وامتناني .

ثامى محمد الخاچي .
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5361 المصادف: 2021-05-10 12:52:01


Share on Myspace