 آراء

سامي عبد العال: في معنى "نكبة إسرائيل"

سامي عبد العالشاعَ مصطلح " النكبة" في العبارات والتحليلات السياسية التي تتناول الهزائم العسكرية للعرب المعاصرين، سواء مع بداية وجود اسرائيل في فلسطين أو بصدد حروبها مع الدول العربية. وهنا لا يجدي قول عربي قديم (لا مشاحةَ في المصطلح). لأن المشاحةَ بهذه الحالة هي الاستسهال الذي يخل بالواقع، ويسرِّب إلينا صُوراً من التاريخ غير قابلة للذوبان، ويبرمج منطُوق القول وآلياته تجاه وضع ظالم لا يمكن مغالبته، وقد يتحول إلى نوع من (الأسلحة الخطابية الفاسدة) التي ترتد إلى صدور متداوليها. فكلمة (النكبة) يسكنها التشوُّه الدال علينا في القضايا الرئيسة ويحصر المتلقي داخل زاوية ضيقةٍ، وليس أمامه سوى تصديق ما يحمله المعنى بصرف النظر عما حدث!!

ولذلك رغم أنَّ النكبة التصقت تاريخياً بفكرة " احتلال فلسطين " في مقابل " تأسيس اسرائيل"، إلاَّ أنَّ كل احتلال استعماري غاصب يمثل نكبةً وكارثةً فعلية لدولة الاحتلال وشعبها نفسه. لأنه يمثل" حادثة قتل" بالدرجة التي تسمح بفكرة الإبادة الجماعية في حق أرض ومجتمع وكيان تاريخي اسمه فلسطين. كما أن أحداثاً من هذا النوع لدى اسرائيل قد رسمت زمنياً وما زالت " مغامرة التأسيس" من لا شيء تقريباً. فلأول وهلة عكس مسار التاريخ (أو من غرائب التاريخ) أنْ يوجد هناك كيان لدولةٍ مصطّنعاً من وعود وأخيلة ونبوءات وإسكاتولوجيا(أخرويات eschatology) دينية وسياسية. وهي أشياءٌ كانت تحتاج إلى مغامرات تعجن الوجود الاسرائيلي المختلَّق من دماء الآخرين وحيواتهم.

أولاً: يجب رفض مصطلح "نكبة فلسطين" تماماً، لأنَّه وصمة تاريخية تدعو للإحباط الجمعي أكثر من رفع روح المقاومة والثورة.

ثانياً: الفلسطينيون هم الشعب المعتدّى عليه، الشعب الذي يجب اطلاق الوعود يومياً بانتصاره لا العكس. ولا يجب اعتباره ضحية ميتافيزيقية فوق الوصف وأنه يستحيل انتشاله من هذا المعنى.

ثالثاً: لا يمكن للقاتل أنْ يظفر بجرائمه المتواصلة، لأنَّ دلالة النكبة تعطيه الوصف المقابل، سواء أكان تأسيساً أم انتصاراً وهذا غير حقيقي(لا ينبغي الاعتراف بذلك).

رابعاً: حتى لو كانت بعض المصطلحات توصيفاً لواقع الحال، لكن الأجدر أن يتم تعديل البوصلة لمعرفة أبعاد الجرائم في ضوء معايير إنسانية ترد الحقوق لأصحابها وتؤكد المعاني الحقيقية للطرف الجاني.

خامساً: الوصف بالنكبة (يحقق ويؤكد) مكاسب اسرائيل بشكل معكوس، وهو ما يدعوها للسعي نحو كسب المزيد. ويفسر بالوقت نفسه لماذا تحرص على الاهتمام باللغة. لأنها جزء من العتاد الثقافي الذي يرسخ رمزياً فكرة الاحتلال، ويقلب الضحيةَ إلى جلاَّد (ولذلك تحرص اسرائيل على تسمية جيشها بجيش الدفاع الاسرائيلي).

سادساً: لا يجب التطبيع مع المصطلحات، كأنَّها قدر ثقافي لا مفر منه، فالأجيال الجديدة سترث خنوعاً قبل أن تفهم الواقع، وستري في التاريخ ثقلاً راسخاً يستحيل دفعه. وقد تصل إلى مرحلة " إدمان المصطلحات" التي تبرر تاريخاً مفروضاً بالقوة.

وهذا ما جعل اسرائيل من حين لآخر دولةً تحاول اشباع (غرورها الذاتي) بالإمعان في ممارسة القوة إزاء الهوية الفلسطينية لتأكيد هذا المعنى. فهي تحرص على  ذلك طالما تمر رمزية المعنى مرور العبارات المتداولة كما مرت أحداث سابقة بالطريقة ذاتها. واللغة تفعل فعلها سياسياً في تغطية الجرائم ولو بالتداول البسيط، كما أنها نوع من "التطبيع والابتلاع" لمعانٍ قد لا نقبلها بسهولة لو أعدنا التفكير فيها.

ذلك قطعاً بجانب محاولات اسرائيل لممارسة العنف المادي وتمزيق الوجود الفلسطيني وتدمير القرى والمدن والأحياء. وما يجري كذلك على المستويين السابقين وجدناه قد جرى على الصعيد السياسي، لدرجة أنَّ دلالة بعض الأحداث السياسية على الأرض لها طابع الأفيون ونشاطه الوهمي لدى صانعيها الاسرائيليين. ألاَ تترك المواد المخدرة أثراً يُفقِد المدمنين أيَّ إحساس بالواقع؟ ألم تُولِّد أخيلة سارحةً خارج الحدود الطبيعية للأشياء والعالم؟! هكذا تقول خطاباتهم وتعليقاتهم أثناء الحروب والأعمال العدوانية على فلسطين.

لنتذكر بالوقت القريب أنَّ نقل السفارة الأمريكية إلى القدس جاء كالمخدر النرجسي للكيان الإسرائيلي. وهي الحادثة الأبرز التي يجب أنْ نتأملها حيث افتتحت عمليات العنف وأكدت نموذج " نكبة اسرائيل" لا العكس. وطبعاً أدركت أمريكا في وقته أنَّ هذه الحادثة صناعة يجب أنْ ترسم واقعها على نحو افتراضي. إذ جاء الواقع هذياناً حيّاً على الهواء مباشرة، اختزل عشرات السنوات الماضية ومئات السنوات القادمة من عمر دولة الاحتلال. وأعطى اسرائيل كل الأضواء الخضراء للإيغال في الدماء العربية وتأكيد وجودها على الجثث. ولنلاحظ أنَّ تاريخ اسرائيل كله كان تراكماً لممارسات غير مشروعة فوق ممارسات أخرى من هذا اللون، حتى أنَّ مشاهِد الدمار التي تتركها في غزة والقطاع لا تنفصل عن تاريخها القريب أو البعيد. كيف لا..؟ وخاصةً أن فكرة الدولة الصهيونية ذاتها فكرة (جريمة تاريخية historical crime) مكتملة الأركان، منذ البدء وقبل الحديث عن أي شيء آخر.

واستكمالاً لمعنى النكبة بهذا التكوين، تكشف الأحداث ونتائجها تباعاً: كيف يتصرف عالَم السياسة اليوم مع التاريخ والأوهام والصراع والجرائم الجغرافية والعولمية والاستيطان وسرقة الدول وطمس معالمها. كل شيء دون مبالغة كان حاضراً آنذاك في مشاهد الاحتفال بالعاصمة الإسرائيلية - الأمريكية التي هي احتفاء خيالي بواقع زائف. وكأنَّ تأسيس إسرائيل المزعوم قد تمَّ الآن، الآن فقط رغم أنها قامت استعمارياً على أنقاض وآثار فلسطين والتهمت عظام وجماجم الراحلين وسحقت الحياة الفلسطينية. أليست تلك (نكبة إنسانية لن تبرأ منها دولة اسرائيل مع ترسانة نبوءاتها التي لا تنتهي؟

بالفعل هذه قمة النكبة التي تلطخ تاريخ الكيان الصهيوني ومؤيديه بدماء الأبرياء وبالمؤامرات. ولذلك لا يوجد أدنى مبرر لإلصاق النكبة بالشعب الفلسطيني، لأنه عاجلاً أم آجلاً سينتصر هذا الشعب المقاوم، وسيكون على موعد مع الحياة الحرة التي ستظهر أن النكبة صناعة زائفة لن تستمر طالما لدى الشعوب إرادة النضال والمقاومة.

النكبة الإنسانية هي أنْ إسرائيل نجحت في إدارة القتل العشوائي لكل ما يتهدد وجودها، قتل المكان وقتل الزمان وقتل الإنسان وقتل الحياة، إضافة إلى ذلك تطالب زيفاً بحقوقها. وكان ذلك أثراً بعيداً للإنفراد بالأراضي المتبقية من الجغرافيا الفلسطينية. وفي هذا لم تبدأ إسرائيل في إدارة القتل بخطوات على الأرض فقط إنما كان ذلك من خلال تأييد أقطاب العالم الغربي واللوبيات السياسية. لقد أجادت إسرائيل التعلق كالطفيليات بجسد القوى الكبرى (فالصهيونية نزعة فيروسية)، حيث تعيش في هيكل غيرها، وتمتص قدراته وتأثيره لصالحها.

دوماً يُحسب للطُفيل أنْه يلبس رداء الأقوى والأكبر، وأنْ يضع وظائفه سياسياً في خدمة توسعاته. كان القرار الأمريكي المشار إليه دليلاً على هذا التضخم الأفيوني لدى دولة الاحتلال، وعد دونالد لترامب بنقل السفارة قال عنه بنيامين نتنياهو" لقد وعد فأوفى"، وهاهو قد أخذ يحقق ما يقول. ليرد عليه ترامب عبر خطاب متلفز متباهياً بما قال وفعل. ومجدّداً تحضُر المقولة للمرة الألف: " كان الوعد ممن لا يملك لمن لا يستحق". حتى نُفذ قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس كيوم القيامة ليعكس ضعفاً وخنوعاً عربياً يكلله الصمت المطبق من الأنظمة السياسية. فلم ينطق أحدهم بكلمة رئيساً أو مرؤوساً، بدت بقايا المظاهرات في شوارع الدول العربية لا قيمة لها.

لأنَّ العرب لم يعد يمثلوا حتى ظاهرة صوتيه بهذا الانبطاح، بل ظاهرة شبحية في جميع قطاعات الأحداث العالمية التي يهيمن عليها الغرب. إن ما تفعله إسرائيل من امتلاك قوة الوعود لا يمتلكه العرب من خريطة الواقع العربي رغم أنها تحت أعينهم وأيديهم.  وهو ما أوصل الأمور إلى استمرارية العنف الاسرائيلي حتى اللحظة وما سيوصله إلى مداه المجنون في المستقبل.

دلالة الأحداث التي تمثل نكبات عند اسرائيل تجمع مالا يُجمع بما يليق بصناعة عبوة أفيون من العيار الثقيل. كانت محشوة بالعنف المتضخم عولمياً، ثم الكلام الأمريكي الذي جرى توقيعه على الهواء بمجمل علامات التخدير العالية وآيات الكتاب المقدس والعبارات الغابرة حول مملكة إسرائيل وهيكل سليمان وتحريك التاريخ لتلتقي نهايته وبدايته (الوعد والنبوءة). فلكم ردد ترامب إنَّ القدس عاصمة بني إسرائيل من قديم الزمان. وهاهي جوانب الزمان تحط رحالها عند النقطة صفر حالياً لتدشين العاصمة القديمة الجديدة. وقد فهمت اسرائيل بحسب تاريخها أن الأمر هو ترك العنان لكل شيء، كل شيء مباح أمام آلتها العسكرية والسياسية.

كأنَّ المعنى يُشابه كون المناسبة حاضرة ضمن كوكتيل الأحداث: معنى المأساة بالنسبة للفلسطينيين ومعنى المناسبة التاريخية بالنسبة لإسرائيل. وهذا تجديد آخر لفكرة دولة اسرائيل كأنها اُختلقت الآن، أي أن سيناريو الاحتلال الغاصب يعيد نفسه بشكل ساخر هذه المرة. والمفارقة بادية للعيان أنَّ هذا الأمر جرى في الوعاء الزمني والمكاني ذاته داخل فلسطين ضد أية إرادة إقليمية. وكان هؤلاء الفلسطينيون يصرخون وأولئك الإسرائيليون يحتفلون، وتباعاً على المنوال نفسه هؤلاء يولولون وأولئك يرقصون، هؤلاء ينزفون وأولئك يعزفون، هؤلاء يقتلون فيستشهدون وأولئك يصطادون الجماجم والعيون، هؤلاء يركضون حتفاً نحو المصير وأولئك يمرحون ويتسامرون، هؤلاء يتعرون من أي غطاء دولي وإقليمي وأولئك يرتدون دروعاً وسراويل أمريكية وأوروبية.

"القاتل والمقتول" يتصارعان فوق المساحة نفسها التي تحمل آثار الأنبياء الإبراهيميين: موسى بن عمران وعيسى بن مريم ومحمد بن عبد الله. وأجواء الصراع بينهم تنتمي إلى شجرة عائلية واحدة، إنَّه الموت في بيت الأنبياء المقدس، أقدام اليهود تحت أقدام المسيحيين تحت آثار المسلمين. جميعها ضمن حفريات مضغوطة كأنها حولت أرض فلسطين إلى قرص إلكتروني مدمج، شفاف جداً لكنه مشحون بعالم وصور متتابعة من العنف. وهنا أيضاً تظهر نكبة اسرائيل التي استهانت بالمقدسات وتركت الدماء الإبراهيمية عليها، فالقاتل والمقتول أبناء نبوة توحيدية ممتدة، وهما ينتسبان إلى تراث ابراهيمي واحد.

السؤال لا ينتهي: أيهما يقع في فخ النكبة وأيهما يؤسس لمملكة الرب؟ لم يعد ليدرك المتابع إلا بجهد جهيد، ماذا يجري في أرض الرب، وماذا يحدث لنسل العائلة  الابراهيمية المقدسة حتى الآن؟! اليوم والتاريخ والحقائق والأفكار تختلط وتنفجر على هيئة سقوط القتلى الفلسطينيين بخطوط التماس. وحين ترتفع الأصوات بالجهاد، كان يعلو صوت الملك الأمريكي ترامب القابع بسقف العالم مؤكداً أن نقل السفارة الأمريكية تأخر سبعين عاماً وليس منذ أيام!!

كانت الأحداث تضرب في الخيال الكوني من واقع تهويم القوة الأمريكية الغاشمة. فلم يعبأ ترامب الرئيس الجاهل تاريخياً بآثار الأرض ورواسب المشاعر والعواطف. وأمعن في سخريته من العالم كله، أخذ يُوقِّع على قرار السفارة، كأنه يحمل أوراقاً في حلبة لمصارعة الثيران، وبدت ملامحة أفيونية تعصف بأي عقل يفكر.. ما العلاقة بين  رئيس أمريكا وتأسيس دولة تنتهك كل الحقوق الدولية والمحلية!! أية إنسانية - مهما تكن نائية داخل قارة أخرى- تقتل الأطفال وتستمريء إذلال الشعوب؟! ولماذا ظهر ترامب كمحارب قديم يرتدي خوذته ويضرب برماحه العابرة للقارات؟!

نرجسية إسرائيل تطابقت مع نرجسية أمريكا وأثبتتا أنَّ حدثاً كهذا كان سرقة في وضح النهار، احتفال بالسرقة بدلاً من تغليفها بقرارات لهيئات دولية كما هي العادة. الملابسات وراء الاحتفال ليست عادية ولا تتم بأريحية كما يبدو في التفاصيل. لو كانت القدس عاصمة إسرائيل، فلماذا انتظرت الصهيونية كل هذه السنوات حتى تحتفي بتلك الدرامية السياسية؟ لماذا تصطدم العاصمة المقدسة بالقوانين الدولية ومواثيق الأمم المتحدة؟

لأول وهلةٍ نجحت إسرائيل في تأكيد نكبتها الخاصة، لأنها دولة تغتصب حقاً ليس حق كيانها المشتت الآتي من جميع دول العالم جرياً وراء أرض الميعاد المتخيلة في التوراة وحكايات بني إسرائيل. صحيح كانت هناك كتل يهودية في تلك البقعة الأرضية من وسط العالم القديم، لكنها لم تشكل دولة تغتصب حقوقاً وتخطف الأحلام المشروعة للفلسطينيين. من الذي قال إنه لابد أن تكون هناك دولة صهيونية تؤكد الثأر من جيرانها ومن أصحاب الأرض؟ كيف يتجسد الثأر في دولة لها سيادة استعمارية وبأي منطق يتم برمجته خلال دستور وآليات وجيش وثقافة وتربية لاهوتية على غرار فن الحروب؟!

اليوم وفي أي يوم تشن فيه اسرائيل حرباً على الفلسطينيين كانت هناك نكبة فعلية لدولتها القائمة على العنف الدموي. وأنَّ أرض الميعاد قد حولتها الصهيونية السياسية إلى مقبرة جماعية لرفاتها التي تحللت منذ أطلاق الوعود وراء الوعود. فلم تكن الأرض المقدسة(مدينة السلام – القدس) إلاَّ أرضاً للموتى. إنَّ إسرائيل تعيش بين أجداث الأموات فعلاً أو افتراضاً. لقد تأسست على الموت ونذرت نفسها بعنايةٍ له. وتمارس ذلك بدأبٍ كما لو لم تفعل أية لعنة حقيقية بأيِّة جماعات بشرية من قبل بما في ذلك أجدادهم الغابرين.

عندما تقتل إسرائيل أطفالاً يلامسون أسوار قهرها وإذلالها ويدافعون عن حياتهم، فقد مارست نكستها هي لا نكسة الفلسطينيين. كم تباهت إسرائيل حتى كدنا نصدق بأنَّها الدولة الديمقراطية المتفردة وسط برك الديكتاتورية والاستبداد العربي من المحيط إلى الخليج، لكنها برهنت أنها جزء أصيل من البرك الآسنة. إن الوعود المسروقة من الدول الاستعمارية لم تأت من المستقبل، بل تلوثت بالخراب الذي يضمره صراع الهويات والقتل إزاء المقدس أرضاً وسماءً.

الأدهى أنَّ إسرائيل تقلد أمريكا في كل شيء، أو بالأحرى هي النسخة الشرقية البدائية منها. لنلاحظ تأسيس الاثنتين (إسرائيل وأمريكا) على مفاهيم النكبة وآثارها وسلطتها. وليس استمرار النكبات المرتبطة بذيلهما سوى بهذا الأثر. نكبة العراق، نكبة سوريا، نكبة أفغانستان، نكبة اليمن، نكبة فيتنام، أقدام أمريكا لا تخطئها العين هنا أو هناك. إن الكراهية واسعة الانتشار لكل نما هو أمريكي استعماري صهيوني هي المحصلة في نهاية الأمر. وتخطى الدولتان إذا كانتا تعتقدان أن الأفيون سيصل إلى شعوب يحدق بها القتل من كل جانب على الحدود، لأن ذلك رهان على نتائج الكراهية مستقبلاً. لن تجني إسرائيل مع الزمن سوى ما تغرس الآن من أشواك وألغام، إنه بقدر هذه النرجسية المدمرة للآخرين بقدر ما ستكون العواقب وبيلة لا محالة.

إنَّ نبوءة الواقع الذي يتشكل في المدن الفلسطينية والعربية أخطر من نبوءة الوعود، وإسرائيل تزرع يومياً نبوءات الواقع الذي ينقلب عليها عن طريق تدميره. لقد تصر على إشعال براكين الغضب الشعبي وإحياء الصراع بين الديانات الإبراهيمية في غياب أبي الانبياء إبراهيم. والقتل لديه قدرة عجيبة في إعادة الحياة إلى زمن قابيل وهابيل كأننا في سردية لاهوتية عائدة إلى الوراء. حقيقي كتان قد ظهر الاحتفال بنقل السفارة الامريكية بصيغة متأخرة من السعادة، لكنه سيكون بداية لثأر تاريخي لا يتوقف. واسرائيل بضرب غزة ومحاولة اجتياحها تطبق سياسات الاحتفال بصورة متوالية، لأنها دولة نكبات على الأصالة ساعية إليها بكل صلفٍ وتعالٍ.

 

سامي عبد العال

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (6)

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية للمفكر الأدييب الدكتور سامي عبد العال بمناسبة هذا المقال القيم.
ومما يؤيد وجهة نظرك وجود أعداد كبيرة من اليهود النابهين، متدينين وعلمانيين، يعارضون ممارسات إسرائيل بل حتى وجودها.
تمنياتي للدكتور سامي بموفور الصحة والهناء وموصول الإبداع والعطاء.
علي القاسمي

علي القاسمي
This comment was minimized by the moderator on the site

الأديب والقاص والعالم الجليل الدكتور على القاسمي
طابت أوقاتكم بكل السعادة والهناء
شكراً على رأيكم الرائع
إضافة إلى ذلك هناك باحثون ومفكرون يهود يتبنون هذه الرؤية مثل " إسرائيل شاحاك " الذي شرَّح دولة الكيان الصهيوني
وأظهر كم العنف الذي ينطوي عليه تاريخها القريب والبعيد. فقد كتب مثلاً في" أساطير التوراة" وفي " الأصولية اليهودية" وفي" نشأة الدولة العبرية"وفي غيرها من الموضوعات. وقد اهتم كذلك المؤرخون اليهود الجدد بكشف التأسيس المزيف والمختلق للدولة الصهيونية وأطلقوا تياراً معرفياً جارفاً ومتمرداً أطلقوا عليه " ما بعد الصهيونية". ويجب علينا أن نمارس مقاومة معرفية للوجود الصهيوني بدلاً من ترديد الخطابة الزاعقة.
والمسألة استاذي بصدد علم المصطلح(وأنا قرأت كتابكم الرائع: مقدمة في علم المصطلح ) أننا نبتلع مصطلحاتهم كما صاغوها وبثوا فيها كما من السم الزعاف دون وعيٍ ونظل نرددها كما لو كانت حقائق. إن اسرائيل مثلما تحتل وتنتهك الأراضي العربية، فكذلك اصطنعت معجمية خاصة بها في الإعلام والسياسة والخطابات السياسية والتعليقات والردود... كلها حول كونها دولة السلام والدفاع والمحبة في مقابل الإرهاب الفلسطيني!!
يجب أن نعي اصطلاحياً بهذا الخطاب المعكوس وألاَّ نتناول قضايانا كما توصفها إسرائيل.
خالص تقديري لمروركم الكريم

سامي عبد العال
This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزي المفكر الأديب المتألق الدكتور سامي عبد العال حفظه الله ورعاه،
أشكرك على تكرمك بالرد على تعليقي، واشكرك من القلب على تلطّفك بذكر كتابي " مقدمة في علم المصطلح". وهذا الكتيب صدرت طبعته الثانية في مصر العزيزة في أواسط الثمانينات. ولما كان علم المصطلح الحديث علماً جديداً لا يزال تحت الصنع، فقد أصدرتُ كتاباً موسعاً فيه ما تطور من وسائل البحث في علم المصطلح لا سيما المعلوماتية والحاسوبية منها بعنوان " علم المصطلح: أسسه النظرية وتطبيقاته العملية" ، وصدرت طبعته الثانية التي تقع في قرابة 900 صفحة قبل أقل من سنتين، وفيها آخر البحوث الغربية التي تثبت أن البشرية من سلالة واحدة نشأت وترعرعت في جنوبي جزيرة العرب، وهكذا تكون اللغة العربية الأم، أمّ لغات العالم جميعها .
وهذه الطبعة متوافرة للقراءة والتحميل في موقع " أصدقاء الدكتور علي القاسمي" على الشابكة.
أسعدني التواصل معك أخي العزيز وأستاذنا القدير.
محبكم: علي القاسمي

علي القاسمي
This comment was minimized by the moderator on the site

أبدعت يا صديقي، سلم قلمك

ليس هناك نكبة أشر ولا أنكب من وصمة العروبة مجسدة فيمن يملكون مصيرهم ومسيرهم، حكامهم ورؤساؤهم، وشعوب في متاهات الضياع ..
أصبحوا كذباب الصيف اللزج. والأخوة البعدا الدواعش وغير الدواعش وحملة الدفاع عن نصرة بيت المقدس، الجراد المنتشر، الذي يذبح في المسلمين، لن تسمع لهم اليوم همساً .. خنازير تنسل من بعدها الخنازير !

حقيقة لا أدري : لماذا لا تشتغل الأذهان العربية على هذه الإستراتيجية؟

صدق من قال : إنّ الأمة العربية لا تقرأ وإذا قرأت لا تفهم .. وإليك الدليل !

جاء في مذكرات الفريق الشاذلي ما مفاده:

“ إنّ لإسرائيل مقتلين :

المقتل الأول : هو خسارة الأفراد.
والمقتل الثاني : هو إطالة مدّة الحرب.

"إسرائيل لا تهتم كثيراً إذا خسرت الأسلحة الحديثة .. ولكنها تصاب بالهلع إذا فقدت بعض الأفراد .. إنّ لديها رصيداً هائلاً من المعدات والأسلحة، وهناك من يدفع الفاتورة عنها .. ولكن خسارة الأفراد أمر صعب جداً، فإنّ رصيد الشعب اليهودي من الأفراد محدود وصعب تعويضه ..

لذا؛ فإنّ إطالة الحرب هي السّم الذي يضعف مقاومة إسرائيل يوماً بعد يوم .. إنّ الجندي الإسرائيلي الذي يستدعى إلى الحرب هو نفسه العامل والأستاذ والمهندس والطالب .. فكيف يمكن لهذه الدولة أن تعيش لو امتدت الحرب 6 أشهر متواصلة أو أكثر ؟!".
معقولة ! لم تتغير العقلية العربية طيلة هذه السنوات مع مرور الزمن الذي كتب فيه الشاذلي هذه الكلمات؟
إنّ هاتين النقطتين اللتين يذكرهما الفريق الشاذلي فيما لو تم تفعليهما حقاً بخطط مرسومة لكانتا وحدهما هما القضاء على السرطان الذي ينخر في جسد الأمة العربية .. ناهيك عن أنهما نقطتان تدعمان فكرة المقاومة المشروعة .. كل الشعوب العربية ليس لها دور في المسرحية الهزلية، فقط تقف متفرّجة مهللة مكبرة تنتظر المصير المأساوي، وتترقب عون السماء بغير إرادة إلا إرادة التسليم والانبطاح.

دام عطاء المخلصين

مجدي ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

مساء الخيرات صديقي الحبيب الدكتور مجدي إبراهيم
تحاياي الخاصة لوعيكم القدير وثقافتكم العميقة
أعلم أنكم قارئ لا تكل ولا تمل من معرفة أبعاد القضايا الحيوية كقضية اسرائيل المجرمة واحتلالها للأراضي العربية. ولديكم كل الحق تماماً في القول بأننا للأسف لا نجيد " إدارة الصراع". فلو استطاع الفلسطينيون استنزاف اسرائيل، فلن تتمكن الأخيرة من مواصلة العمليات الدامية على غزة ولا غيرها. ولعلنا نلاحظ أن اسرائيل تخاف جداً من قتلى في صفوفها ولو بالآحاد كما أشرتم. ولهذا السبب لا تستطيع اجراء أية عملية برية أو أية مواجهات مباشرة. وكم رأينا الرعب يجتاح مواطنيها بمجرد سماع دوي صفارات الإنذار. ولماذا نذهب بعيداً فقد أذاقها حزب الله اللبناني أياماً سوداء في جنوب لبنان.
لكن للأسف كما قلتم نحن العرب نجيد " سياسات الانبطاح" ولا شيء غير الانبطاح. لدرجة أن بعض أصحاب السمو والفخامة يحذرون اسرائيل فقط من الهرش في قفا العرب الديني ليس إلاَّ... قائلين" على إسرائيل ألا تثير الحساسيات الدينية بين أهل الديانات".
أليس هذا العمى كارثة: أن نتحدث عن حساسيات في الوقت الذي تبيد فيه اسرائيل الإنسان والمدن والقرى وتحارب كل ما هو إسلامي!!
شكراً صديقي لتعليقكم المبدع والمعطاء
تقديري ومحبتي

سامي عبد العال
This comment was minimized by the moderator on the site

الأديب والقاص والعالم الجليل الدكتور على القاسمي
طابت أوقاتكم بكل السعادة والهناء
شكراً على رأيكم الرائع
إضافة إلى ذلك هناك باحثون ومفكرون يهود يتبنون هذه الرؤية مثل " إسرائيل شاحاك " الذي شرَّح دولة الكيان الصهيوني
وأظهر كم العنف الذي ينطوي عليه تاريخها القريب والبعيد. فقد كتب مثلاً في" أساطير التوراة" وفي " الأصولية اليهودية" وفي" نشأة الدولة العبرية"وفي غيرها من الموضوعات. وقد اهتم كذلك المؤرخون اليهود الجدد بكشف التأسيس المزيف والمختلق للدولة الصهيونية وأطلقوا تياراً معرفياً جارفاً ومتمرداً أطلقوا عليه " ما بعد الصهيونية". ويجب علينا أن نمارس مقاومة معرفية للوجود الصهيوني بدلاً من ترديد الخطابة الزاعقة.
والمسألة استاذي بصدد علم المصطلح(وأنا قرأت كتابكم الرائع: مقدمة في علم المصطلح ) أننا نبتلع مصطلحاتهم كما صاغوها وبثوا فيها كما من السم الزعاف دون وعيٍ ونظل نرددها كما لو كانت حقائق. إن اسرائيل مثلما تحتل وتنتهك الأراضي العربية، فكذلك اصطنعت معجمية خاصة بها في الإعلام والسياسة والخطابات السياسية والتعليقات والردود... كلها حول كونها دولة السلام والدفاع والمحبة في مقابل الإرهاب الفلسطيني!!
يجب أن نعي اصطلاحياً بهذا الخطاب المعكوس وألاَّ نتناول قضايانا كما توصفها إسرائيل.
خالص تقديري لمروركم الكريم

سامي عبد العال
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5368 المصادف: 2021-05-17 04:18:19


Share on Myspace