 آراء

حسين علي المنصوري: الاسلام السياسي واسلمة الجامعات العراقية

حسين علي المنصوريمن تقييد الطلبة الى نصب تذكاري لزعيم مليشية خارجية داخل الحرم الجامعي

لم يحظ اي حزاب ديني في العراق طيلة تاريخه السياسي بفرصة للظهور على المشهد السياسي بقوة، لكن بعد الاحتلال الأميركي والفوضى وعاطفية الشعب، أتيح لهذه الاحزاب ان تتصدر في عراق، وبانت ملامح الإسلام السياسي على ملامح المشهد السياسي من خلال حضور وتحكم المؤسسات أو الأحزاب أو المرجعيات الدينية في السلطة والثروة، "ساعد على ذلك عدة عوامل لعل أهمها التنسيق المبكر وتحالف الكثير من هذه القوى مع إدارة الاحتلال في محطات ما قبل الاحتلال من جهة، وكذلك تراجع وانحسار وشيخوخة معظم الأحزاب الأيدولوجية التقليدية القومية أو اليسارية وعجزها عن تقديم حلول عملية وواقعية لتناقضات المجتمع العراقي من جهة أخرى".

هتف الملايين من العراقيين (المسلمين) بعد الاحتلال مطالبين بان يكون الحكم اسلامي، في بداية الأمر على أمل أنه نمط جديد قد يجلب لهم العدالة والازدهار والاستقرار الذي طالما افتقدوه، متناسين أن التنوع الطائفي والمذهبي والديني في العراق أمر غاية في التعقيد مقارنة بالمجتمعات الأخرى، وإن هذا التعقيد انسجم تماما مع الفلسفة السياسية الجديدة لنظام الحكم والقائمة على أساس المحاصّة الطائفية والعنصرية.

قد أدى التدمير الممنهج لمؤسسات الدولة العراقية على يد القوات الأميركي، إضافة إلى الوهن في عناصر الوحدة الوطنية وعدم تبلور هوية وطنية موحدة، "أدى كل ذلك إلى تداعيات كانت أولى نتائجها ذلك البركان الهائل الذي أعقب الاحتلال والذي اتخذ من العباءة الدينية غطاء له وفرخ مئات الأحزاب والمنظمات والمليشيات الدينية، معززا بعشرات الفضائيات ذات التمويل الخارجي لترسيخ صورة عهد جديد أرخى ظلاله على العراق فأنتج مزيجا وخليطا عجيبا بين أحزاب دينية موغلة في القدم والغيبية مؤطرة مبرقعة بادعاءات وشعارات غربية ليبرالية"(1).

مما لاشك ان الجامعات احد المؤسسات التي تأثرت بهذا التغيير، وخصوصا ان معظم الاساتذة قد هجروا او قتلوا، مما ادى الى دخول اساتذة ذا أيدولوجية اسلامية الى سلك التدريس، وبسط التهديد المسلح والعشائري على بقية المؤثرين في التعليم العالي، مما اتاح فرصة اكبر لهم للسيطرة تحت عنوان "نشر الاسلام داخل الجامعة"، ونرى ذلك واضحاً في السنوات الأخيرة التي شهدت تراجع المستوى العلمي لهذه المؤسسة وتحول الكثير منها إلى ما يشبه الأندية الترفيهية والدينية، التي تتناقل أخبارها وصورها مواقع التواصل الاجتماعي.

كنت اسمع عن هيمنة الاحزاب الاسلامية على رؤساء الجامعة او الوزارة، لكن بعد حين رأيت ذلك بعيني بعدة مواقف، ذات يوم كنت في بيت رجل دين طلبني لألقي محاضرة، وفي هذه الاثناء رن هاتفه واجرى اتصال، قال لي لاحقا ان هذا الشخص (المتصل) طلب مني ان ارشح شخص من معارفي لمنصب عميد كلية !!، او معاونا لرئيس جامعة وهو يسخر من وضع البلد، هذه المواقف تأكد لي الهيمنة الكاملة للأحزاب الاسلامية على الجامعات من خلال مليشياتها.

عندما كنت طالبا في كلية الفنون الجميلة بجامعة البصرة تلك الكلية المسماة عروس الكليات المؤمل منها ان تبث الروح والحياة والجمال للمجتمع، لكنها انقلبت تماما ما ان تسلم ادارتها شخص تابع لحزب اسلامي، ذات يوم ونحن ندخل الى الكلية كنت شاهدا على موقف محزن، عند دخول احد الطالبات اوقفها ذلك المدير المتحزب وقال لها ما هذا الزي اذهبي والبسي "عباية او جبة" نحن في بلد اسلامي!!، الغريب انهم متناسين ان هذا البلد نص على احترام حقوق الاخرين ومعتقداتهم ودياناتهم في بنود الدستور الذي لم يقرؤ منه شيء، فيما تمادا بعض الاساتذة الى منع الطلبة من نحت الوجوه والاجسام تحت عنوان ان الاسلام حرم النحت وهذه اصنام!!، مما يدل على إن أسلمة الجامعات معناه القضاء على التعددية والاختلاف والانتصار للصوت.

ان دور الجامعة مهم جدا في بناء البلد وتطوره، لذلك يعسى الكثير لهدم هذه المؤسسة الفعالة من خلال بث هذه المواضيع وشغل الطلبة بأمور جانبية، ان مركز الجامعة يجب ان يكون في دور القيادة الاكاديمية للدولة لا ان تكون مقودة تحت سلطة الاحزاب والمليشيات الاسلامية والخارجية، في هذا السياق كسرت جامعة البصرة كل القوانين الجامعية وافصحت عن حبها لزعماء مليشيات خارجية(2)، ونصبت لهم تمثالاً تذكاريا داخل الحرم الجامعي، متناسية ان احكام الفقرة (2) من المادة (37) والفقرة (2) من المادة (47) من قانون وزارة التعليم العالي والبحث العلمي رقم (40) لسنة 1988 ينص على: حادي عشر: تجنب الدعاية لأي حزب او تنظيم سياسي او مجموعة عرقية او قومية او طائفية سواء كان ذلك في تعليق الصور واللافتات والملصقات او اقامة الندوات ، ثاني عشر: عدم دعوة شخصيات حزبية لألقاء محاضرات او اقامة ندوات حزبية او دينية دعائية داخل الحرم الجامعي حفاظا على الوحدة الوطنية، تاركين كل هذه الانظمة والقوانين خلفهم، بوسط صمت من الوزارة والطلبة والشعب.

ختاما في يوم 14 مارس من السنة الجارية تم اقتحام جامعة البصرة من قبل مليشيات مسلحة (3)، في وضح النهار واطلاق النار على مدير المتابعة في الجامعة واستمرا الاصطدام لساعات داخل الحرم الجامعي دون تدخل القوات الامنية ولا يوجد اي تصريح لتبيان ملابسات الحادثة، وصلني لاحقا فديو محذوف من احد المواقع الاعلامية، فلننظر الى هذه المواقف البسيطة من الواقع المرير الذي نعيشه كيف ننتج كفاءات علمية واكاديمية في ظل هذه الظروف ؟

 

الباحث حسين علي المنصوري

................

1- خالد المعيني، الإسلام السياسي في العراق، مقال منشور في  شبكة الجزيرة الاعلامية، 2011.

الجنرال الايراني قاسم سليماني، وزعيم حركة حزب الله ابو مهدي المهندس.

3-  كتائب الامام علي التابعة لهيئة الحشد الشعبي كما اوضح المعنيون ذلك.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5390 المصادف: 2021-06-08 03:43:51


Share on Myspace