 آراء

محمود محمد علي: حروب العلم في ضوء خدعة الدكتور عصام حجي حول مخاطر سد النهضة

محمود محمد عليفي أوائل ثمانينيات القرن الماضي تبنت بعض أقسام الدراسات الإنسانية والعلوم الاجتماعية فلسفة ما بعد الحداثة – وهو اتجاه رافض بشكل أو بآخر التراث العقلاني لعصر التنوير، عن طريق بحوث نظرية ليس لها صلة بالعمل التجريبي، وبمعرفة ثقافية نسبية تنظر للعلم علي أنه لا شئ أكثر من رواية أو أسطورة، أو بنية اجتماعية وسط أشياء أخري كثيرة .

ورداً علي هذه الظاهرة كتب عالم الفيزياء الشهير بجامعة نيويورك "آلان سوكال" Alan Sokal ورقة بحثية في مجلة "النص الاجتماعي" Social Text (للدراسات الثقافية وما بعد الحداثة) الأمريكية سنة 1996، بعنوان (تجاوز الحدود: نحو تأويلات تحولية للثقل النوعي للكم)، وهو عبارة عن محاكاة تهكمية لما يسمي ما بعد الحداثةpostmodern theory، حشاها بشكل مكثف باقتباسات واستشهادات، ومقتطفات موثقة مأخوذة من مؤلفات مجموعة من المفكرين البارزين الفرنسيين والأمريكيين، ولم يفطن المشرفون علي المجلة إلي الخدعة، ونشروا الورقة باعتبارها تسير مع خط ما بعد الحداثة .

وعندما اطلع عدداً من العلماء وغير العلماء علي الملف الذي يحتوي علي هذه المقتطفات، بدأوا يقتنعوا أن ورقة سوكال تستحق النشر لجمهور أكبر، وعندما نشرت الورقة راح سوكال يعلن عن هذه الخدعة في صفحات الجرائد والمجلات والقنوات التليفزيونية؛ وبالأخص قناة الـ CNN.

وعلي غرار ألان سوكال وجدنا الأستاذ الدكتور عصام حجي- عالم الفضاء المصري، والذي كان يشغل منصب مستشار الرئيس المصري السابق عدلي منصور، يدبش لنا بحثاً نظرياً عن السد الإثيوبي وآثاره السيئة على موازنة مصر المائية في خلال أعوام الملئ، مع دراسة للأثار المتوقعة على مصر في حالة عدم معالجة العجز والوصول لاتفاق مشترك لخطة التخزين؛ وقال الدكتور عصام حجي:" إن مصر ستواجه عجزاً مائياً متوسطاً يقارب 31 مليار متر مكعب سنوياً (40% من الموازنة المائية الحالية لمصر").

وأشار حجي إلى أن البحث يقيم فاعلية الحلول المقترحة لسد العجز المنتظر ومنها مخزون السد العالي وإعادة تدوير المياه وتطوير وسائل الري والمياه الجوفية. مشدداً على أن مصر سوف تتخطى هذه الأزمة ولكن بثمن باهظ سيجعلها أكثر هشاشة أمام أزمات مائية وبيئية أخرى تلوح في أفق قريب. كذلك قال حجي إن المستثمرين المتعطشين للربح السريع والذين يقفون وراء هذا المشروع لإنتاج طاقة لهم العديد من البدائل بينما نهر ليس له بديل، وهم مسؤولون مسؤولية تامة عن الكارثة التي يمكن أن تحل ليس فقط بمصر بل بكل المنطقة، علاوة عن تدمير نهر هو مهد الحضارة الإنسانية وإرث للبشرية جمعاء.

وقد أوضح حجي أن البحث يقدر متوسط إجمالي العجز السنوي للمياه القادمة إلى مصر بأنه سيبلغ حوالي 31 مليار متر مكعب سنوياً؛ وهو ما سيتجاوز 40% من إجمالي مخزون مصر من المياه حالياً، وذلك مع أخذ التسرب بين الصخور المتصدعة أسفل وحول خزان سد النهضة في الاعتبار. وأوضح حجي أنه يمكن معالجة العجز المائي لدى مصر من خلال تعديل تشغيل السد العالي، وإعادة تدوير المياه، والتوسع في عمليات استخراج المياه الجوفية، واعتماد سياسات جديدة لزراعة المحاصيل.

كذلك قال حجي إن المستثمرين المتعطشين للربح السريع والذين يقفون وراء هذا المشروع لإنتاج طاقة لهم العديد من البدائل بينما نهر ليس له بديل، وهم مسؤولون مسؤولية تامة عن الكارثة التي يمكن أن تحل ليس فقط بمصر بل بكل المنطقة، علاوة عن تدمير نهر هو مهد الحضارة الإنسانية وإرث للبشرية جمعاء.

كما أوضح حجي أن البحث يقدر متوسط إجمالي العجز السنوي للمياه القادمة إلى مصر بأنه سيبلغ حوالي 31 مليار متر مكعب سنوياً؛ وهو ما سيتجاوز 40% من إجمالي مخزون مصر من المياه حالياً، وذلك مع أخذ التسرب بين الصخور المتصدعة أسفل وحول خزان سد النهضة في الاعتبار؛ علاوة علي أنه يمكن معالجة العجز المائي لدى مصر من خلال تعديل تشغيل السد العالي، وإعادة تدوير المياه، والتوسع في عمليات استخراج المياه الجوفية، واعتماد سياسات جديدة لزراعة المحاصيل.

وقد توصل حجي من خلال هذه الدراسة إلي نتائج، من أهمها: تراجع الرقعة الزراعية بنسبة قد تصل الى 72٪، ووصول معدل البطالة الى نسبة قد تصل الى 25٪، وانخفاض الناتج القومي للفرد بنسبة قد تصل الى 8٪، بالإضافة إلي عجز مائي متوسط يقارب 31 مليار متر مكعب سنويا (40٪ من الموازنة المائية الحالية لمصر)، والبحث يقيم فاعلية الحلول المقترحة لسد العجز المنتظر ومنهم مخزون السد العالي و اعادة تدوير المياه وتطوير وسائل الري والمياه الجوفية.

والبحث قد نشر في مجلة Environmental Research Letters، بجامعة كاليفورنيا، بالتعاون مع جامعة كورنيل ووكالة الفضاء الأمريكية (ناسا)، وقد نشر البحث في يوم الأحد 13 يونيو/حزيران 2021، وإجراء بحث بجامعة لا يعني أن الجامعة مسئولة عنه، ولكن البحث يكون الباحث مسئول عنه، وتقوم الجامعة بنشره حالة استيفاءه لشروط البحث.

وهذا البحث كان نوعا من حروب العلم، والدليل علي ذلك أن هذا البحث قد أنفقت عليه بعض الجهات القطرية والتي شكرها حجي في نهاية بحثه، فالبحث افترض أشياء غير منطقية، حيث أفترض أن هناك 15 مليار متر مكعب تسريب، و5 مليارات متر مكعب نقص في حصة مصر من مياه النيل سنويًا.

علاوة علي أن عصام حجي، تخصصه علوم فلكية وليس له علاقة من قريب أو بعيد بالمياه، فالبحث بدأ بعبارات سياسية مغرضة، حيث تحدث عن أن مصر والسودان يعتمدوا على اتفاقيات استعمارية أعطت حقوق لمصر والسودان في مياه النيل، فهذه الاتفاقيات تاريخية وسارية ولا يصح وصفها بالاستعمارية، وإنما هذا التعبير تستخدمه إثيوبيا.

إن بحث عصام حجي عن السد الإثيوبي لا يعد بحثا علميا حقيقيا، لأن صاحبه اعتمد على دراسات سابقة، وبالتالي فهو بحث نظري قائم علي افتراضات خيالية، والدليل علي ذلك الصور الموجودة في البحث والخاصة بشكل الدلتا فهي صور من الإنترنت، وليست حقيقية، والصورة الحقيقية تظهر اتساع الرقعة الزراعية وليس تناقصا بالرغم من التعدي على الأراضي الزراعية، وذلك بسبب المشروعات الزراعية الجديدة.

وثمة نقطة مهمة نود أن نبرزها هنا، وهي أن الدكتور عصام حجي له موقف داعم لجماعة معينة وتم تكليفه بإجراء هذا البحث برعاية فطرية كما ذكرنا، والبحث كان قد أجري منذ فترة طويلة ولكنه لم ينشر إلا في هذا التوقيت بالذات، مما يدل علي أنه دراسته هي نوع من حروب العلم، ومن ثم فهي دراسة لا تكتسب مصداقية البحث العلمي بدليل أن مضمون دراسة عصام حجي بها عدة أخطاء، حيث أنه تحدث في الدراسة عن النيل الأزرق، وليس نهر النيل واقتصر فيها على مصر فقط بدون السودان، وأوضح حجي أن إثيوبيا ستأخذ كافة احتياجاتها وتصل المياه لمصر في نهاية الانحدار، وهو ما يؤكد على أن إثيوبيا لا تسعى إلا للكراهية؛ وخاصة عندما اقتصرت الدراسة على مصر فقط دون السودان، وأن إثيوبيا تأخذ كافة احتياجاتها وتصل المياه لمصر في نهاية الانحدار.

ولهذا فإننا لا نخجل من القول (مع الكثير من الباحثين المتخصصين في المياه من أمثال الدكتور نادر نور الدين والدكتور عبد الله شراقي) بأن دراسة الدكتور عصام حجي حول سد النهضة تعد بحث مكتبي لم يصل للعينات ولا للجانب الإثيوبي، وأن هذا البحث مسيس وقائم علي فكرة المناورة، والإدواجية، والتثور اللا إرادى.

وفي نهاية هذا المقال لا أملك إلا أن أقول بأن الأيام دوارة، والتاريخ له مكر عظيم، وقد أثبتت الأيام أن كل نظريات هؤلاء البشر من أمثال عصام حجي، تعرت نواياهم، وصاروا كروتاً محروقة، فى عيون كل المصريين.. وأصبح مصطلح الحفاظ على الأمن القومى للأوطان، بكل الوسائل، هو الهدف الأسمى والوحيد فقط..!!

 

أ. د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5406 المصادف: 2021-06-24 02:56:10


Share on Myspace