 آراء

كريم المظفر: السودان بين إرضاء روسيا وأمريكا

كريم المظفرزيارة وزيرة الخارجية السودانية مريم الصادق المهدي، الى موسكو بعد نيويورك حيث نوقش الأسبوع الماضي مصير محطة Hidase الإثيوبية لتوليد الطاقة الكهرومائية، ولقاءها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، جاءت لتبديد المخاوف الروسية وقلقها من تنامي الخطاب التهديدي في أزمة سد النهضة، والتي ابدتها موسكو خلال جلسة مجلس الامن الدولي الأسبوع الماضي، ومطالبتها بالابتعاد عن لغة التهديد في معالجة الازمة، رغم ان موسكو أعربت أيضا عن تفهمها موقف السودان ومصر من ملء وتشغيل سد النهضة، الا انها تشدد على أن حل الخلاف لا يكون إلا عبر الدبلوماسية، خصوصا وان الدول الثلاث ترتبط بعلاقات وطيدة مع موسكو.

وتعلق الدول الثلاث (السودان ومصر واثيوبيا) الآمال الآن على روسيا مرة أخرى، وزيارة الوزيرة المهدي جاءت بعد زيارة قام بها وزير الخارجية الإثيوبي ديميكي ميكونين الى موسكو في نهاية شهر يونيو، والاتصالات الدائمة بين وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بوزير الخارجية المصري سامخ شكري، وعلى وجه الخصوص، زيارة الوزير لافروف شخصيا في أبريل الماضي الى القاهرة.

وفي موسكو ركزت المباحثات السودانية الروسية، والتي جرت في قصر الضيافة التابع لوزارة لخارجية الروسية، على ملفين أساسيين، احداهما تنشد  السودان من خلاله استمالة موقف موسكو الى جانبها في نزاعها مع اثيوبيا حول سد النهضة، وبه عبرت المهدي عن قناعتها بأن يمكن لروسيا بما لديها من علاقات طيبة مع إثيوبيا أن تسعى إلى إقناع الجانب الإثيوبي بتحكيم صوت العقل وتقديم تنازلات للوصول إلى اتفاق يضمن مصالح الدول الثلاث، وعدم الإضرار بالسودان، كما فعلت في الملء الأول" لخزان سد النهضة، في حين استبقت موسكو زيارة الوزيرة المهدي، وأعرب الممثل الدائم للاتحاد الروسي لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، عقب اجتماع مجلس الأمن عن استعداد موسكو للمساعدة في حل الخلاف حول السد، مشيرًا إلى أن الدول الثلاث صديقة لروسيا.

اما الملف الثاني فهو شائك بعض الشيء، الا وهو موضوع التصديق على اتفاقية إنشاء مركز لوجستي للبحرية الروسية وفي بورتسودان، والذي بدأت فكرته خلال زيارة  الرئيس السوداني المخلوع عمر حسن البشير الى موسكو  في 2017،  والموقع عليها في السودان يوم 23 يوليو 2019، وفي موسكو  في الأول من ديسمبر 2020، وصادقت الحكومة الروسية عليها في يونيو الماضي، رغم تعليق الحكومة السودانية بضغوط أمريكية، بحجة عدم وجود هيئة تشريعية في الدولة مخولة بالتصديق على هذه الوثيقة، وبحسب المراقبين، فما ان أعلنت السودان تعليق الاتفاقية، حتى وافقت الولايات المتحدة على رفع السودان من قائمة الدول الداعمة للإرهاب، ولا يمكن اعتبار ذلك مصادفة أم أن الأحداث ما زالت مرتبطة، في حين رفض البنتاغون او المسئولين الأمريكان من التعليق على الخطوة السودانية .

الوزيرة السودانية ورغم إعلانها بعد مباحثاتها مع الوزير سيرغي لافروف، باستعداد السلطات السودانية "لبدء عملية التصديق" على اتفاقية إنشاء المركز اللوجستي للبحرية الروسية في البلاد، إلا أنها ألمحت بشفافية إلى أن إنشاء القاعدة سيعتمد إلى حد كبير على حل إيجابي لعدد من القضايا الأخرى، التي تعتمد عليها الخرطوم على تفهم موسكو ودعمها، وهنا المقصود التفهم الروسي لموقف السودان في قضية سد النهضة.

ووفقا للوزيرة السودانية فإن المجلس التشريعي السوداني، سيأخذ أثناء إجراءات التصديق على الاتفاق مع موسكو بشأن إنشاء مركز للبحرية الروسية على البحر الأحمر، في الاعتبار ما إذا كانت هذه الخطوة سيكون لها تأثير إيجابي على العلاقات الثنائية وما إذا كانت ستفيد السودان، بحد ذاتها، إضافة إلى ذلك، ستؤخذ "الأهداف الاستراتيجية التي تسعى إليها روسيا والسودان" بعين الاعتبار.

التصريحات السودانية الجديدة ومنها تصريح رئيس أركان القوات المسلحة السودانية، محمد عثمان الحسين، واعلانه في مطلع يونيو / حزيران، حول مراجعة الاتفاقية التي وقعتها حكومتا السودان( السابقة) وروسيا، نافية تعليق الاتفاقية، وان الحديث لا يتعلق بإلغاء الاتفاقات، بل يتعلق بتعديلها المحتمل، بدافع أن الوثيقة تحتوي على بعض البنود التي قد تضر بالدولة، وكما قال  الحسين، في مقابلة مع قناة النيل الأزرق السودانية، فإن "المفاوضات جارية حالياً لمراجعة هذه الاتفاقية لمراعاة مصالح السودان والفوائد التي تعود على السودان الولاية،  وأشار إلى أن عددا من بنود الوثيقة "أضرت بالدولة".

وكما أوضحت المهدي، فانه تم التوقيع على الاتفاقية من قبل الحكومة السابقة، فيما يتعين على الوزراء الذين أدوا اليمين في فبراير من هذا العام الخضوع للآلية التشريعية الجديدة، وقالت دون الخوض في التفاصيل "ستتم مناقشة هذه الوثيقة في إطارها وفقا للإجراءات المتبعة"، كما نوقشت قضية القاعدة خلال الزيارة الأخيرة لوزير دفاع السودان ياسين إبراهيم ياسين إلى روسيا، وبعد هذه الرحلة، بدأت موسكو إجراءات التصديق، مما أدى على ما يبدو إلى إزالة أي شكوك حول مصير المعاهدة.

الاتفاق بين روسيا والسودان بشأن إنشاء نقطة لوجستية (MTO) للبحرية الروسية على أراضي الدولة العربية في أوائل ديسمبر 2020، لتكون مصممة لإجراء الإصلاحات وإعادة الإمداد وبقية أفراد طاقم السفن الحربية الروسية، ووفقًا للوثيقة، فإن السودان ينقل للاستخدام المجاني طوال مدة الاتفاقية الإقليم والعقار، بما في ذلك المنطقة الساحلية والمنطقة المائية مع منطقة جبهة الرسو (مواقف الطائرات العائمة)، في الوقت نفسه، يجب ألا يتجاوز الحد الأقصى لعدد الأفراد العسكريين والمدنيين في المركز اللوجستي 300 شخص - الزيادة ممكنة فقط بالاتفاق مع السودان.

وتم تصميم الاتفاقية لمدة 25 عامًا مع تجديد تلقائي لمدة عشر سنوات في حالة عدم قيام أي من الطرفين بإخطار الطرف الآخر كتابيًا عبر القنوات الدبلوماسية بنيتهما في إنهاء الاتفاقية قبل عام واحد على الأقل من انتهاء الفترة التالية، وقبل التوقيع، تمت الموافقة على مسودة الوثيقة التي قدمتها وزارة الدفاع في الاتحاد الروسي من قبل وزارة خارجية الاتحاد الروسي والمحكمة العليا ومكتب المدعي العام ولجنة التحقيق في الاتحاد الروسي وتم إعداده بشكل أولي مع الجانب السوداني، وتنص الاتفاقية على أن موقع المركز اللوجستي للبحرية الروسية في السودان يلبي أهداف الحفاظ على السلام والاستقرار في المنطقة، وهو موقع دفاعي بطبيعته وليس موجهًا ضد دول أخرى.

كما تم خلال زيارة مريم المهدي، مناقشة وزراء الخارجية العديد من النزاعات في القارة الأفريقية، بما في ذلك في ليبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى، فضلا عن القضايا المتعلقة بتكثيف التعاون الاقتصادي الثنائي،  وتأمل الخرطوم في توقيع مذكرة مع موسكو تسمح بشطب الديون السودانية،  وقالت السيدة المهدي "سيكون لحل هذه القضية تأثير إيجابي على "مناقشاتنا في نادي باريس"، حيث  يجري السودانيون مفاوضات مماثلة في عواصم العالم الأخرى، وعلى وجه الخصوص، أعلنت باريس وبرلين بالفعل عن إلغاء الديون، كما أنهم مستعدون لمساعدة الخرطوم في تسوية ديونها لصندوق النقد الدولي، ووافق صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في نهاية شهر يونيو على تخفيض ديون السودان من 56 مليار دولار إلى 28 مليار دولار، وفي حالة استمرار الإصلاحات الاقتصادية بنجاح يمكن تخفيض المبلغ إلى 6 مليارات دولار.

وتأمل الخرطوم أيضا في جذب الاستثمار الأجنبي، وأصبح هذا ممكنا بفضل استبعاد السودان من القائمة الأمريكية للدول الداعمة للإرهاب، واتخذت الولايات المتحدة هذه الخطوة بعد الإطاحة بالرئيس عمر البشير في أبريل 2019، وتعهدات الخرطوم بإكمال انتقال السلطة من الجيش إلى المدنيين، وإشراك السودانيين في عملية تطبيع العلاقات مع إسرائيل.

وتبني موسكو أيضا آمالا كبيرة على وجود مركز لوجستي على البحر الأحمر في السودان، لما له من أهمية كبيرة بالنسبة لروسيا، لأنه يوفر وصولاً مفتوحًا إلى المحيط ويسمح لها بالسيطرة ليس فقط على البحر الأحمر، ولكن أيضًا على ساحل العرب وشبه الجزيرة، وكذلك لضمان سلامة طرق النقل البحري الاستراتيجية لروسيا في مناطق مختلفة من المحيط العالمي، بالإضافة الى ان روسيا تعتزم الانخراط بجدية في لعبة السياسة الخارجية المعقدة التي تتكشف الآن في المحيطين الهندي والهادئ.

روسيا منتظرة في المنطقة، من وجهة نظر المراقبين، ليس فقط البلدان التي كانت في السابق في منطقة النفوذ السوفيتي، مثل موزمبيق ومدغشقر وسيشيل، ولكن أيضًا دول أخرى على ساحل شرق إفريقيا وجزر المحيط الهندي، في ظل ظروف التوسع الاقتصادي الصيني والهندي والأوروبي والأمريكي، فإن وجود لاعب آخر مهتم يمنحهم الفرصة لاتباع سياسة أكثر مرونة ومناورة، في مقابل تزويد الشركات الروسية بالعقود، والأسطول بقواعد ونقاط التوريد.

وكما هو فإن السودان تعيش الآن فترة انتقالية ستنتهي في نهاية عام 2023 في أحسن الأحوال، وستُجرى الانتخابات البرلمانية قبل عام 2024، ويصر السودان على أن الاتفاق مع روسيا لاغ وباطل بدون موافقة البرلمان، لكن الاتفاق على إنشاء القاعدة تم التوقيع عليه بالفعل في غياب هيئة تشريعية، مما يعني أن الطرفين لا يسعهما إلا التحدث عن هذه النقطة حتى في مرحلة صياغة الاتفاقية، وفي الخرطوم، ووفقًا لرئيس الأركان العامة، لا ترتبط مراجعة الاتفاقية مع موسكو بأي شكل من الأشكال بتحسين العلاقات مع واشنطن.

 

بقلم الدكتور كريم المظفر

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5426 المصادف: 2021-07-14 03:32:45


Share on Myspace