 آراء

محمد تقي جون: عُطل.. عُطل

محمد تقي جونالمنامة السابعة والسبعون

حين لعبوا بكل الموازين لتختل الحياة، واتفاقاً مع مبدأ التعطيل الذي وسموا به ورسموا مستقبل العراق، انهدَّ سيل العُطل جارفاً قاصفاً. كان الشعب ممدداً كميَّت مؤجل لا ينقصه سوى الأجل. وتوغل الثلج في كل المفاصل فتجمدت وإذا بالعراق نهاره وليله نائم.

قال ابن سيَّا وهو يتأكد من تحول العطل كثرةً إلى نوع آخر من القتل:

" حين خلق الله (سبحانه) السماوات والارضين في ستة أيام، وجعل اليوم السابع يوم راحة، لم يكن محتاجاً للعمل والراحة، ولا هما يمتان لعالم قدرته بصلة؛ لأنه قادر أن يخلقها بكلمة واحدة (كن فيكون)، ولكنه (جل جلاله) أراد من ذلك أن يؤسس للسلوك البشري في الأرض حسب، فعلى الإنسان أن يتعب، ومقابل ستة أيام تعب يكون اليوم السابع للراحة. وهو ما كان؛ فكل ملة ودين وأمة لها عطلة بعد كدٍّ وعمل، الهدف منها ليس محض الراحة بل لينشط بها الإنسان ويعاود العمل".

"ولكن أمريكا أفشت فينا العطل لتعطيل الحياة، فأصبحت العطلة حاضنة وظرفاً لتحطيم الانسان والبلد. بل صارت العطلة تعدي ما قبلها أو ما بعدها من الايام، وصارت غير منضبطة بقرار، ومفاجئة احياناً، وقد يتعطل العراق لارتفاع طفيف في درجات الحرارة او البرودة، وأضافوا لجمعة المسلمين سبت اليهود!!!". فاصبحت العطل مانعة من اكتساب العلم للطلبة؛ فبسببها يموت نصف زمن التعليم، وبسببها يتأخر عمل الدوائر، وتصبح مشاريع البناء (شراميع). وشيئاً فشيئاً سادت البلادة وأصبح الاسترخاء عادة. ولأن الدولة لم تصنع ما يشجع العمل استشعروا الملل وصاروا يطلبون الراحة ويفضلون الاستراحة، وهكذا تخلصت امريكا من الإنسان بانيا والإعمار مبانياً.. ويستمر سيل العطل لتسود العطالة وتتأصل البطالة، وتشيع ثقافة الجمود والتوقف والخراب.. كان الناس في هستريا يستفسر بعضهم من بعض متى أقرب عطلة؟ وكم عطلة في هذا الشهر؟ لقد صاروا مدمنين على الراحة، مخدرين يُسار بهم وهم نيام.

ما لاحظوا أن الراحة لا تكون إلا بعد تعب. وراحة على راحة تؤدي إلى شلل وقتل كالأكل على أكل! وإذا أعطِيتْ الراحة فليس لذاتها او فائضة عن الحاجة، بل بقدر ما يستعيد به الإنسان نشاطه ليعود للعمل مجددا، وبهذا سعادة الإنسان، وقيام الحضارات، وإعمار الأرض. أما إطلاق الراحة فهي كالماء قليله مع الحاجة اليه يحيي، وكثيره مع عدم الحاجة إليه يميت. اذاً تحقق لابن سيَّا أن العطل وضعت وفق برنامج دقيق مدروس، فكانت طُعماً بلعه العراقيون وسيبلعونه حتى الموت أو ينتبهوا. فقال:

عُـطَلْ عُـطَلْ

عَـطَل عَـطَل

ما أكثر العُـطَلْ

ما أكثر العَـطَل

دون الشعوب والدولْ

نحن الذين كسلوا

وعلّموا الناس الكسلْ

ونحن أدمنا العطل

فصار عيشنا بدون

عطل لا يُحتمل

وصار في العقل

وفي الجسم شلل

قام بنا داعٍ يصيحُ

ناموا بعمقٍ واستريحوا

حيَّ على غير العمل

مهزلة...

تجاوزت حدَّ الهزلْ

عَطّلْ ولا تسلْ

عن سبب العـُطلْ

سوف ننامُ

وننام وننام للأجلْ

ما أكثر العطل

عُطَل عُطَلْ

مَلَل ملَلْ

***

الدكتور محمد تقي جون

...............

(من كتابي منامات ابن سيَّا)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5514 المصادف: 2021-10-10 02:52:31


Share on Myspace