 آراء

كريم المظفر: هل أردوغان وسيط موثوق للروس

كريم المظفركما كان متوقعا في أوساط المراقبين والمحللين السياسيين الروس، فقد أختتمت المكالمة الهاتفية التي جرت الجمعة بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب أردوغان، بالتركيز بحسب بيان الكريملين على عدة محاور رئيسية، في مقدمتها كانت النظر في عدد من القضايا المطروحة على جدول الأعمال الثنائي، بما في ذلك الجوانب العملية للتعاون في قطاعي الطاقة والزراعة، والاتفاق على تكليف الإدارات المعنية بالمشاركة الفعالة في التحضير للدورة القادمة لمجلس التعاون على أعلى مستوى والتي يمكن أن تعقد مطلع العام المقبل، بالإضافة الى المواضيع السياسية الخاصة بملف ناغورنيا قره باغ وسوريا وليبيا .

أما الملف الأهم الذي تناولته وسائل الاعلام خلال الفترة الماضية وبشكل مكثف، هي تلك التي أعلن خلالها الرئيس التركي استعداده للقيام بالوساطة بين روسيا وأوكرانيا وعقد قمة ثلاثية تجمعهما والرئيس الأوكراني، فقد قال الكريملين في بيانه، انه وأثناء مناقشة الأزمة الأوكرانية، تم التأكيد على ضرورة التنفيذ الكامل للإجراءات المتفق عليها في مينسك عام 2015، وغيرها من الاتفاقات، بما فيها بصيغة نورماندي"، ان الرئيس الروسي لفت إلى أن كييف تواصل نهجها الهدام الهادف إلى إحباط اتفاقات مينسك، بدليل النشاط الاستفزازي للقوات الأوكرانية في منطقة النزاع، واستخدامها طائرات "بيرقدار" المسيرة، في حين أشار الرئيس أردوغان  إلى أهمية دور الوساطة الذي يقوم به الاتحاد الروسي، مؤيدًا زيادة تنسيق الجهود، بما في ذلك استخدام قدرات المركز الروسي التركي للسيطرة على وقف إطلاق النار وجميع الأعمال العدائية في منطقة الصراع، دون أن يشير البيان الى ردة فعل الرئيس الروسي خلال المكالمة على هذه البادرة، مكتفيا بمقاله نظيره التركي فقط.

المراقبون الروس يرون في هذه النقطة، أن موسكو كانت فاترة بشأن وساطة أردوغان، وأوصلت قبل المكالمة الهاتفية الأخيرة، رسائل عدة الى الرئيس التركي حول رأيه بمبادرة الوساطة التركية، فقد رفض المتحدث باسم الرئاسة الروسية، دميتري بيسكوف، التعليق على تقارير حول اقتراح أنقرة لوساطتها لعقد قمة تجمع الرؤساء الثلاث لحل النزاع في جنوب شرق أوكرانيا، وشدد بالقول " لا.. لا أعلق على ما تتناقله المصادر أبدا.. كل ما في الأمر أن روسيا ليست طرفا في النزاع الجاري في دونباس، ولن يكون ممكنا إيجاد سبل لحل المشكلة في مثل هذه القمة، والطرفان في النزاع هما كييف من جهة، وممثلو الجمهوريتين المعلنتين من جانب واحد (في دونيتسك و لوغانسك) من جهة أخرى"، في حين جاءت الرسالة الثانية على لسان وزير الخارجية سيرغي لافروف الذي أشار هو الآخر إلى أن تركيا "لها موقف خاص" بشأن الوضع في أوكرانيا وتعلن باستمرار على المستوى الرسمي عدم جواز احتلال شبه جزيرة القرم، وفيما يتعلق بقضية دونباس، يعلن الجانب التركي عن الحاجة إلى التنفيذ الكامل لاتفاقيات " مينسك "، لكنه "يضع معنى محددًا للغاية في هذه الدعوة"، مما يعني في هذه الرسالتين أنه من غير الممكن إيجاد حل، لأن الكرملين يشدد على أن كييف بحاجة إلى التحدث مع ممثلي جمهوريتي دونباس و LPR .

ويؤكد المراقبون ومن بينهم فلاديمير أفاتكوف، باحث أول في IMEMO RAS، أستاذ مشارك في الأكاديمية الدبلوماسية بوزارة الخارجية الروسية، أنه بعد الصراع في جنوب القوقاز (في ناغورنو كاراباخ -)، شعرت القيادة التركية بفرصة التأثير في هذا الفضاء والتدخل في العمليات الجارية هناك، ومن ناحية أخرى، لدى أردوغان رغبة في إرضاء الغرب، وإظهار أنه يقوض فضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي ويمزقه بعيدًا عن روسيا، ومن ناحية أخرى، لديه الرغبة في اعتراض جدول الأعمال في فترة ما بعد الاتحاد السوفيتي، مع التركيز على نفسه ضمن أيديولوجية المحور - كمركز الاتصال لتركيا الجديدة لأردوغان، التي تحاول التأثير على المناطق المجاورة وتشكيل عوالمها الخاصة.

واعرب بوغدان بيسبالكو، عضو مجلس العلاقات بين الأعراق برئاسة رئيس الاتحاد الروسي من أن روسيا ستستغني عن وساطة أردوغان، لأنه من الواضح أن أردوغان حليف كييف أكثر من كونه وسيطًا محايدًا، فهو بالنسبة إلى كييف، سيكون مثل هذا الوسيط أكثر ملاءمة من أي وسيط آخر، لكن روسيا، من حيث المبدأ، ليست بحاجة إلى وسطاء الآن، " لدينا صيغة مينسك، صيغة نورماندي، لدينا صيغة شتاينماير، هناك فرنسا وألمانيا، اللتان تعملان كضامن لعملية التفاوض، لماذا نحتاج إلى وسيط آخر - تركيا؟

من الواضح أن الرئيس التركي أردوغان، من وجهة النظر الروسية، انه قد أدرك جيدا أن الغرب لا يمكنه أن يدخل حربا ضد روسيا من أجله ومن أجل خططه الإقليمية المتطرفة، فقرر التوجه إلى كييف ليجرب خلط الأوراق لعله يستثمر مغامرات المجموعة الحاكمة هناك والتي يدعهما صقور الولايات المتحدة وحلف الناتو لأسباب لا تتعلق إطلاقا بالتوجهات الإسلامية المحافظة لأردوغان وحزبه الحاكم في تركيا، وربما كانت زيارة المسئولين الاتراك لكييف والإدلاء بتصريحات قصيرة النظر ضد روسيا، وتشجيع مجموعة الليبراليين الجدد في عدائهم لروسيا وللروس، ربما كانت أكثر إساءة لأنقرة نفسها عندما تضع نفسها جنبا إلى جنب مع المجموعة الحاكمة في كييف، بل ويذهب الاتراك في تصريحاتهم إلى الإعلان عن دعم سلطة كييف، نكاية في روسيا ومواقفها، والتطرق إلى شبه جزيرة القرم ليخلط الأوراق بشكل مثير للسخرية والتساؤلات في آن واحد، والتأكيد في الوقت نفسه على أن أنقرة لن تعترف بما أسماه الاحتلال الروسي لشبه جزيرة القر، وفي حقيقة الامر، فان تركيا تضع نفسها في مآزق تاريخية عندما تعتمد مثل هذه الأساليب السياسية البدائية التي لا تراعي تحولات المستقبل والتقارب بين الدول، و إنها ببساطة تحرق الجسور ليس فقط مع روسيا، وإنما مع دول أخرى من أجل الأيديولوجيا الإسلامية المحافظة التي يعتمدها حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

بالإضافة إلى ذلك، تنتهج تركيا بحسب المراقبين الروس، سياسة غير محايدة بشكل واضح تجاه كل من روسيا وأوكرانيا، وتحاول تركيا توسع التعاون العسكري مع أوكرانيا، ولا تعترف بسيادة روسيا على القرم، ويتذكر الروس كيف أن أردوغان نفسه استقبل حرس الشرف الأوكراني بعبارة "المجد لأوكرانيا!" و يتساءلون هل مثل هذا الشخص، او مثل هذه الدولة تحاول الدخول في العلاقات الروسية الأوكرانية كوسيط؟ ويشيرون أيضا الى الفضائح الأخيرة المتعلقة بالخرائط المعروضة على التلفزيون أو المقدمة لأردوغان من قبل رئيس حزب الحركة القومية أيضا لا تحسن الموقف تجاه تركيا تجاه أردوغان، فالخرائط، التي يتم تظليل العديد من المناطق الروسية عليها، بما في ذلك شبه جزيرة القرم، باعتبارها منطقة نفوذ تركي أو جزء من تركيا تقريبًا، بغض النظر عن التأليف، "تلهمنا بشعور من الحذر تجاه أردوغان "، بالإضافة إلى ذلك، تتقاطع تركيا مع روسيا في سوريا وليبيا وآسيا الوسطى والقوقاز، وبالطبع سيطالب هناك بتنازلات، لكن هذه المرة ذات طبيعة عسكرية سياسية، علاوة على ذلك، يقوم بتزويد كييف بطائرات بدون طيار من طراز Bayraktar، والتي تم استخدامها أو يمكن استخدامها ضد سكان جمهوريات دونباس الشعبية، والكثير منهم مواطنون روس.

ويشدد ستانيسلاف تكاتشينكو، أستاذ قسم الدراسات الأوروبية، كلية العلاقات الدولية، سانت بطرسبرغ جامعة الولاية، خبير نادي فالداي، على ان روسيا ليست بحاجة فعلاً إلى مثل هذا الوسيط، وقال " لم ندعو أردوغان بهذه الصفة، وروسيا ليست بحاجة إلى وسطاء على الإطلاق " ويشير الى هناك عدد من الاتفاقيات - اتفاقيات مينسك، تحتاج فقط إلى التنفيذ، وانه من أجل أن يأتي السلام إلى دونباس، يلزم إجراء مفاوضات مباشرة بين كييف ودونيتسك، و تدفع روسيا باستمرار كييف نحو ذلك، لذا فإن وساطة أردوغان في هذا الوضع غير مناسبة.

أما سيرغي إرماكوف، الخبير في مركز تنسيق الأبحاث RISS،، فقد أشار الى إن اقتراح أردوغان يبدو وكأنه واجب، لأنه لا توجد أسباب للمفاوضات مع أوكرانيا خارج صيغة اتفاقيات مينسك، وستقف أوكرانيا إلى جانب موقفها ولن تجري عادة حوارًا مع روسيا، وأكثر من ذلك، وسيُعرض علينا إجراء ذلك من خلال دولة الناتو أيضًا، وبما أن الاتحاد الروسي ليس طرفًا في النزاع، فليس من الواضح ما الذي يمكن مناقشته بهذا الشكل "، في حين قال فلاديمير شابوفالوف، نائب مدير معهد التاريخ والسياسة في جامعة موسكو الحكومية التربوية، إن أردوغان مفرط في النشاط في السياسة الخارجية ويسعى لتوسيع نفوذ تركيا، وفي هذه الحالة، يعتبر عرض الوساطة من بين مبادرات أخرى للقيادة التركية، تهدف إلى تعزيز مواقف أنقرة على طول محيط واسع إلى حد ما من المناطق المجاورة، وتحاول تركيا الاستفادة من ضعف الدولة الأوكرانية وفقدان الاهتمام الواضح من جانب الاتحاد الأوروبي في كييف، وتسعى لملء هذا المكان - مكانة الدول الغربية - وجعل أوكرانيا محمية لها.

ويشدد الروس على ان الآن الأهم من ذلك بكثير بالنسبة لأردوغان أن يحل المشاكل الداخلية لتركيا، لأن الوضع الاقتصادي يترك الكثير مما هو مرغوب فيه، لديه موارد أقل وأقل للتأثير الخارجي بسبب الوضع السياسي الداخلي الصعب، وتعرضه الآن لانتقادات شديدة بسبب سلوكه على الساحة الدولية والشرق الأوسط وأفريقيا، وداخل البلاد يواجه مشاكل كبيرة جدا مع المعارضة على خلفية انهيار الليرة، وانه في حالة وجود أزمة عملة وتضخم متسارع في البلاد، فإن أي زعيم يحتاج إلى هذا النوع من الأخبار الإيجابية.

كما ان العقبة الأخرى في الحوار الروسي التركي هي تصرفات أنقرة لتزويد كييف بالأسلحة، ولا سيما طائرات بيرقدار الهجومية، وأشارت موسكو مرارًا وتكرارًا إلى أنه من خلال بيع هذه الأسلحة إلى كييف، يغذي الجانب التركي المشاعر العسكرية الأوكرانية، وشدد الكريملين في هذا الصدد على أن إمداد الجانب الأوكراني بالأسلحة يؤدي إلى زعزعة استقرار الوضع على خط التماس في منطقة الصراع، وقد أعربت أنقرة بالفعل عن استيائها من توجيه انتقادات لها بسبب إمدادها بالسلاح للدولة، حيث يستمر الصراع العسكري، وهكذا، طالب وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو بعدم ربط الطائرات بدون طيار التي حصلت عليها أوكرانيا ببلده، بالمناسبة، سيبدو أردوغان في دور جندي حفظ سلام برأيهم " مضحكًا للغاية"، بالنظر إلى أن تركيا تقاتل الآن في سوريا وليبيا ومنطقة القوقاز وتهدد ببدء تشغيلها في قبرص، يريد أن يلعب دور الوسيط من أجل السلام، لكنه في نفس الوقت يشن الحروب في كل مكان.

قد يتمتع أردوغان بعلاقات جيدة مع كل من القادة الأوكرانيين والروس، ولكن هناك فارق بسيط لا يريده الاتحاد الروسي ولن يتواصل مع الجيل الحالي من القادة الأوكرانيين، وتحديداً مع فلاديمير زيلينسكي لذلك نعتقد أن مبادرة الرئيس التركي عديمة الجدوى إلى حد ما، وهو على الأرجح يهدف ببساطة إلى تذكير المجتمع الدولي بنفسه من خلال إضافة بعض الملاحظات الإيجابية إلى صورته في الخارج، ويشك الروس في ان حتى أردوغان نفسه يؤمن بنجاح هذه الفكرة، فمن الناحية النظرية، وفي مثل هذه المواقف الأوكرانية، هناك حاجة حتى إلى وسيط، وكقاعدة عامة، هذا هو دور الدولة المحايدة، والتي من الأفضل البحث في مكان ما في سويسرا أو النمسا أو فنلندا، فما بال أردوغان الذي هو ليس لاعبا محايدا في نظر روسيا، ولديه موقفه الخاص من شبه جزيرة القرم وقضايا أخرى، وهو ما لا يناسب روسيا على الإطلاق، إذن هو ليس وسيطًا مثاليًا، لكن بالنسبة لأوكرانيا، هذا يناسب تمامًا

المبادة التركية هي جزء من سياسة أردوغان، التي أوضحها في كتابه عالم أكثر عدلاً ممكن، ففي الواقع، هذه محاولة لبناء عالم عادل "على حد تعبير أردوغان"، يكون فيه هو الذي سيحل القضايا بين روسيا وأوكرانيا، وأن بيان الرئيس التركي موجه أكثر نحو الجمهور الداخلي، فيه يوضح أردوغان مدى نشاط تركيا ويحاول حماية مصالح الأتراك في جميع أنحاء العالم، خاصة في ظل الركود الاقتصادي وانخفاض قيمة الليرة التركية، فالرئيس البيلاروسي الكسندر لوكاشينكا لم يعمل كوسيط، فقد قدم منصة للمفاوضات، وهو نفسه لم يشارك فيها ولم يكن من أفراد حفظ السلام، إذا تمكن أردوغان من الدخول كوسيط بين روسيا وأوكرانيا، فسيستخدم هذا لزيادة الضغط على روسيا من أجل الحصول على نوع من المكافآت الاقتصادية أو العسكرية، سواء في بناء محطتين للطاقة النووية - او ربما سيطالب بخصم أو بقرض، وربما سيطالب بخصم على الغاز الروسي.

 

بقلم : الدكتور كريم المظفر

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5570 المصادف: 2021-12-05 00:37:20


Share on Myspace