بليغ حمدي اسماعيلليس بالضرورة أن تكون مجبرًا بغير طواعية أن تتجه صوب كوكب الفيزياء وإرهاق الذهن لفهم قوانينه المجردة حينا، والأكثر غموضا وحيرة أحيانا كثيرة وطويلة؛ بل إن الإجبار في راهن الرجوع ومن ثم اللجوء للفيزياء المثيرة للدهشة والتساؤلات التي لا تنتهي يكون بمنتهى يقين الحرية وليس الاضطرار، وبإطلالة خاطفة سريعة على ما صنعه إسحق نيوتن بنا وبكوكب الفيزياء العصي على التأويل نجد أنه وضع القانون الأول للحركة لكي يؤسس منفردا كصاحب المنجز البشري إطارا مرجعيا يشبه المرجعية الدينية في كل من إيران الإسلامية وحركة طالبان التي سادت البلاد والعباد الآن في أفغانستان كي يتم تطبيق القوانين الأخرى. ونطالع نص القانون الذي ساد قرونا بعيدة بقوله: " تعتمد حركة أي جسم في الكون في إطار مرجعي على تأثير القوى والتي تتلاشى محصلتها عندما تكون سرعة الجسم ثابتة في الإطار المرجعي. وبناء عليه فإن الجسم الساكن أ، المتحرك يظل على حالته ما لم تؤثر عليه قوة تغير من حالته".

هذا ما ظنه نيوتن صوابا في عصره، ولطالما ظلت كليات العلوم الضاربة في الانتشار بالوطن العربي دون قياس العائد أو المنتج العلمي فجائحة كورونا أثبتت جودة هذه المؤسسات العلمية وأكدت بيقين الاعتماد بأنها أكاديميات تحمل صيغة العلم في التسمية الرسمية لكن معاملها باتت حقيقة وهي تواجه الجائحة الكونية التي نواجهها نحن وعلماء الغرب بالتخمين والمضاربة .

وعودة أكثر سرعة أيضا إلى طروحات نيوتن المشهورة والتي يتم تدريسها لطلابنا العرب المساكين بكليات العلوم عن طريق الأكاديميين العلماء من غير الحاصلين على جوائز نوبل بالقطعية، فحينما وضع نيوتن ربما عن طريق الصدفة والتخمين أو الحدس الفطري قوانين الحركة التي باتت أساسية في دراسة الفيزياء اعتبرها الأكاديميون النظريون في وطننا العربي الكبير القاعدة الأساسية للميكانيكا الكلاسيكية، ويبدو أننا بالفعل وقفنا طوعا عند حدود الكلاسيكية العلمية ورفضنا المستحدثات وفقا للمرجعية العلمية التي أصبحت أكثر تشابها بالمرجعية الدينية الراديكالية . أمّا الفكرة العامة لهذه القوانين فهي وصف الأجسام والقوى التي تؤثر عليها، وطريقة استجابة الأجسام لهذه القوة من ناحية حركتها.

هذه التقدمة الفيزيائية التي يعتبرها كثيرون مملة تارة، والقليل مثيرة لفضولهم لمعرفة ما جاء به نيوتن من قوانين أخرى تفسر الحركة أو بالضرورة فيزياء طالبان من جهة، والثورة الإيرانية النووية المؤجلة أحيانا كثيرة.

فمنذ الوصول غير الطبيعي لحركة طالبان سدة الحكم في أفغانستان المعتادة على الحرب والفترات الطارئة سياسيا وأمنيا وعسكريا أيضا، تبدو كل محاولات تجميل الصورة المنصرمة للحركة فاشلة، علاوة على أن عمليات التزيين التي يقوم بها زعماء حركة طالبان تحتاج إلى رصيد تاريخي من أجل كسب التأييد الدولي، وهذه المحاولات شبيهة الصلة بالسياسات التي اتخذتها جماعة الإخوان المسلمين حينما استطاعت الوصول في بغتة وغفوة غير قابلة لليقظة حينها إلى حكم مصر، وهذه السياسات هي التي تدفعنا إلى تفسير السقوط المتوقع لحركة طالبان وفقا لقوانين الحركة التي جاء بها نيوتن إلى كوكب الفيزياء مسهما بدوره في بناء وتشييد الكوكب العلمي الذي لايزال خفيا وغامضا على علومنا العربية الراهنة.

فالجماعة أيضا سعت منذ وصولها قصر الاتحادية في مصر إلى كسب التأييد العالمي متناسية في ذلك البعد الداخلي والقوى الناعمة في البلاد والسلطات الأكثر وحشية وضراوة وقت المواجهة مثل الصحافة والإعلام الفضائي وكذلك النخبة التي لا يمكن إغفال دورها التاريخي في إسقاط حكم الجماعة وعزلها الشعبي في الثلاثين من يونيو 2013.

وبرغم تعدد السفريات والزيارات والرحلات الجوية للرئيس المعزول محمد مرسي وأعضاء أهله وعشيرته من تنظيم حسن البنا إلى كل بقاع الأرض من أجل بقاء طويل في حكم مصر والشهود حضوريا في كافة المحافل السياسية العالمية إلا أن الغياب الداخلي كان فاصلة القول في إسقاط هذا التنظيم الذي سرعان ما كشَّر عن أنيابه وتساقطت عوراته أمام إرادة الشعب المصري فبدا الأكثر وحشية وقمعا بعدما كان حاصدا للمركز الأول في استقطاب الملايين من المصريين لاسيما النساء والفتيات الصغيرات في الجامعات والمدارس بدعوى تطبيق الشريعة الإسلامية والإعلان المستدام بأن الجماعة ذات مرجعية دينية رغم تحايلها حينا وكذبها حينا آخر بأنها تحمل مشروعا مدنيا تنمويا يحقق مصالح ومطامح الدولة المدنية الحديثة إلا أن فكرة الدولة ذاتها غائبة في أذهان الجماعة منذ وقت التأسيس وصولا إلى مرحلة التمكين التي تحدث عنها مؤسس الجماعة حسن البنا في مذكراته.

هذه الصورة الذهنية القائمة بشأن جماعة الإخوان المسلمين هي التي تدفع مسارات تأويل الحالة السياسية في أفغانستان، لاسيما وأن طبيب التجميل واحد يحمل شهادة ثابتة بغير تطوير أو تعديل في بياناتها، أعني وأقصد المرجعية الراديكالية ولا أقصد المرجعية الدينية لأن الإسلام في جملته وتفصيله يدعو إلى تحقيق أعلى بل وأقصى درجات التسامح والعدل وتحقيق المواطنة وتفعيل دور الإنسان الصالح في المجتمع، أما مرجعية حركة طالبان فهي مرجعية نوعية؛ يستقر مفهوم الجهاد المسلح فيها موقع المقدمة بل والنهاية أيضا، وبين المسافتين تكمن المصالح والأطماع والنزوات المخبأة التي لا يمكن الإفصاح عنها إلا وقت حدوث المواجهة الحتمية بين أعضاء الحركة المسلحين والشعب الأفغاني الأعزل من كافة أنواع ومظاهر التسليح.

وكل ما نشاهده من احتفالات بحدائق الحيوان وتجول أعضاء حركة طالبان وسط النساء والأطفال ببعض المتنزهات العامة في جو من البهجة والسعادة التي لا يملك حق تفسيرها إلا من عانى حكم المرجعيات الراديكالية، كل هذه المشاهد لم تستطع الوقوف أمام قتل ثلاثة أشخاص على الأقل وإصابة وجرح 20 أفغانيا يوم السبت الماضي، في سلسلة تفجيرات تبدو لمستقرئ المشهد الأفغاني متوقعة ومنطقية غير مفاجئة في مدينة جلال آباد الواقعة بشرق أفغانستان، وفق ما ذكرته وكالة "رويترز" من أن أن القتلى سقطوا في سلسلة من خمسة تفجيرات. وتذكر الوكالة أن مصدرين أدليا بأقوالهما للوكالة بأن أفراداً من حركة "طالبان" كانوا بين القتلى. وبينما أشارا أيضا أن سلسلة التفجيرات استهدفت عربات تابعة لها، في حين لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن التفجيرات. وتجدر الإشارة الجغرافية والسياسية بأن مدينة جلال آباد هي عاصمة إقليم ننكرهار معقل تنظيم "داعش"، الذي نشط منذ سقوط كابول في أيدي "طالبان".

ويبدو أن تنظيم الدولة (داعش) سيكون كلمة السر في تأجيج مشاعر الغضب الشعبي الأكثر احتمالية ضد حركة طالبان التي لم تخرج حتى وقت الكتابة عن فلك (حركة الجسم) الفيزيائية التي تقبل السكون بنفس الدرجة والمساحة والمسافة السقوط من ثبات أو الحركة في اتجاه مضاد بقوة دافعة .

وحديث دخول أعضاء حركة طالبان إلى المتنزهات العامة حديث ذو شجون، فالمسلحون تجاهلوا تماما اللافتات الموجودة والتي تعلن وتشير علانية وفي وضوح مطلق غير قابل لتأويل الذهن المريض والتي تبرز ضرورة دفع رسم دخول الحديثة وعدم اصحاب الأسلحة داخل حديثة الحيوان. ويبدو الخبر بسيطا، ويبدو للوهلة الثانية أن المشهد الأمني في أفغانستان هو الأكثر أهمية وتناولا بالشرح والتحليل السياسي، لكن احتياجنا الاضطراري لعلم النفس ونظرياته الإيجابية وليست المتزامنة مع بعض أصحابها الذين يعانون أنفسهم عقدا وأمراضا سيكولوجية مزمنة فإن التفسير والتناول هنا يصبح حتميا لا يمكن إسقاطه أو إغفاله من سياقه العام في كابول.

فنقلا عن موقع (إندبندنت عربية) بتاريخ الأحد 19 سبتمبر الجاري أنه في حديقة "الأسد الأبيض" بكابول، يقف رجال من مديرية الاستخبارات، يرتدون بزات عسكرية، ويحملون جعباً قتالية مليئة بالذخيرة وأصفاداً فولاذية، لالتقاط صورة جماعية مشتركة مع أحد الملالي. وبعد أن يلتقط حامل الكاميرا الصورة، يحرص الجميع على أن يدققوا فيها، ثم يبادر أحدهم، وقد ألصق راية "طالبان" على مخزن الرصاص في رشاشه، إلى الإيماء بإبهامه علامة الرضى. ويشير أحد رجال إدارة مكافحة الإرهاب السابقين في كابول لذي يعمل في إدارة مكافحة الإرهاب في وزارة الداخلية، "أحب الحيوانات حقاً، وخصوصاً تلك الموجودة في بلادنا". ويضيف عبد القادر المنتمي إلى "طالبان" الذي حضر إلى الحديقة مع مجموعة من الأصدقاء كلهم رجال "أحب الأسود كثيراً" رداً على سؤال عن وجود أشخاص يحملون الأسلحة النارية في حديقة الحيوانات، وهو أمر لا يمكن تصوره في أي مكان آخر في العالم، إدارة المكافحة تؤيد حظر اصطحاب الأسلحة حظرها حتى لا يخاف الأطفال أو النساء ولكن من الواضح أن التعليمات لم تنفذ.

وفي الوقت نفسه تزامنا مع حالات التوجس لدى أعضاء الحركة التي ستكون كفيلة بإسقاط حكمها بنفس الدرجة التي سقطت فيها جماعة الإخوان في مصر وتونس، فإن المرجعية الراديكالية لدى الحركة والمرتبطة بالنساء لاسيما الأمور التي تتعلق بتعليم الفتيات فالمشهد لم يخرج عن كتاب التاريخ القديم للحركة.

وتكاد تتفق مجمل المرجعيات الدينية الراديكالية التي لا تتصل بفقه سليم أو فطرة صحيحة بأن أمير الجماعة أو الحركة وأعضاءها وأبرز القيادات فيها هم الأكثر صوابا والأعلى معرفة والأبصر بالغائب المنتظر، هكذا دوما وجدناهم في كتب التاريخ الذي لم نشاهده، وفي واقعنا المعاصر الذي شاركنا في تأسيسه وصياغته.

فبين تصريح دولي للحركة بعودة المرأة والفتاة إلى مقاعد الدراسة وإحياء التعليم الرسمي للفتاة الأفغانية من أجل كسب وقت إضافي في عمر حكم حركة طالبان دون التفكير للحظة واحدة بقوانين الحركة للأجسام التي جاء بها نيوتن من قبل، وبين مشهد إعلامي متكرر منذ أسابيع بحرية المرأة الأفغانية في التعليم وتحصيل المعرفة إلا أن بين البينين تقبع حقيقة المرجعية الراديكالية المتطرفة.

فحركة طالبان سمحت فقط للفتيان حضور المشهد التعليمي والعودة إلى مقاعد الدراسة دون الفتيات، فلا عودة لهن مطلقا لأن هذا لا يخالف الشريعة الإسلامية السمحة، إنما عودة الفتاة للتعليم هو خرق لقانون الراديكالية التي لا تسمح للنساء ليس فقط في التعليم بل في الحياة أيضا فهي لن تخرج عن مساحة العبودية وإرضاء الزوج وطاعته بغير تفكير، كذلك هي مجرد أمَةٍ لا يحق لها الحياة، وهذا ما يؤكد كذب كافة جماعات التضليل السياسي القابعة تحت مظلة راديكالية متطرفة، ومن جهة أخرى باتت متوقعة في ردها واستجابتها أعربت أعربت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) عن أسفها لهذا القرار غير المفاجئ لقارئ تاريخ الجماعات الدينية السياسية في الشرق الأوسط، وبصورة تبدو بليدة الاستجابة حثت المنظمة دون توقع استجابة بالموافقة نظام "طالبان" على عدم ترك الفتيات من دون تعليم.

ورجوعا إلى سالف تاريخ حركة طالبان أنها حينما قفزت إلى سدة الحكم في أفغانستان في الفترة من 1996 وحتى 2001 لم تسمح للفتيات والنساء بالتعليم أو تحصيل العلم في أية أماكن عامة أخرى وأيضا حظر خروجهن إلى الشارع، تحت حجج واهية بالفعل .

وبنفس المنطق الذي سادت به جماعة الإخوان فترة طويلة قبيل إسقاطها بحجة حماية الشريعة وصيانتها، وبأنها الوسيلة الناجحة والناجعة لتطبيق شرع الله في الأرض جاءت أيضا حركة طالبا معلنة أنها ستأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر لا كما جاء الإسلام بقواعده وثوابته الراسخة إنما شرع التنظيمات المتطرفة التي أخذت من الدين ما يروق لها وحاكت أثوابا مختلفة وفق تصوراتها الضيقة. هذا ما تؤكده سياسات حركة طالبان منذ أسابيع قليلة حينما تم إلغاء وزارة شؤون المرأة التي كانت موجودة قبل انتزاع طالبان الحكم بالقوة والفوضى، وتمت الاستعاضة عنها لتحل محلها وزارة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، التي كانت مرهوبة الجانب بسبب تشددها فترة الحكم الأولى للحركة الغافلة عن قوانين نيوتن الفيزيائية.

وبنفس الدرجة في التحرك قوة ومسافة وسرعة لحركة طالبان التي تواجه اليوم ثمة مشاهد ستغير من قوانين سكونها وثباتها غير المستدامين مثل فوضى السلاح، والظهور المفاجئ لتنظيم الدولة (داعش) وبقايا المناهضة المسلحة في بعض الأقاليم الأفغانية، فضلا عن ثورة النساء الخامدة حتى الآن، نجد طهران على الشاطئ الآخر من المشهد السياسي الدولي تنازع العالم في بقائها العسكري الذي يبدو للمؤسسات الدولية بقاءً عسكريا وليس مدنيا سلميا.

فإيران الجمهورية الإسلامية ذات المرجعية الخومينية التي سادت البلاد عقودا طويلة منذ إسقاط حكم الشاه، جاءت اليوم لتدخل ثلاث معارك ليست افتراضية إلكترونية بل هي معارك واقعية لا تتصل بالخيال.

الأولى حينما أعلنت إيران (الإسلامية) أنها لن تقبل بأي وجود لعناصر تنتمي لتنظيم الدولة ( داعش) على حدودها؛ المشهد الرئاسي الذي يجعلني مضطرا بالتسليم لأمر من اثنين؛ الأول أن تنظيم داعش هو خَلْقٌ صهيوني في المنطقة ليس أكثر هدفه زعزعة استقرار الدول والشعوب، الثاني أن دولة بحجم إيران طالما صدَّرت الكثير والكثير من المرجعيات الأكثر تطرفا لكافة الدول العربية منها مصر والمملكة العربية السعودية وجمهورية العراق ومملكة البحرين تأتي اليوم لتعلن رفضها لتنظيم الدولة (الإسلامية ) رغم توافقهما (إيران وداعش) في كُنْهِ التأسيس والتكوين بعيدا عن فقه الاخلاف السني والشيعي إلا أن الراديكالية الملمح الرئيس المشترك بينهما على الأقل. والأكثر غرابة هو ما أعلنه الرئيس الإيراني تحت حكم مرشده الأعلى في التليفزيون الإيراني الرسمي: "لن نقبل بأن تستقر جماعات إرهابية وتنظيم داعش على مقربة من حدودنا".

أما المشهد الثاني هو تواصل التسليح النووي كإجراء يبدو موازيا للتسليح النووري الإسرائيلي في المنطقة ما يدفع العالم أن يلجأ دوما إلى ممارسات كافة أشكال التفتيش المستمرة للتأكد من أن سياسات إيران النووية مفادها استخدامات مدنية سلمية وليست عسكرية، لكن يقين المشهد أن المنطقة أوشكت على انفجارها بصورة محمومة.

وثالث المشاهد التي لا تخرج عن طالبان وفكر التنظيمات الجهادية هو مواجهة المرأة بكافة الأسلحة ليست الدموية بل الأسلحة السياسية القمعية المتمثلة في تحجيم ظهورها أو تقليل فرص الحياة الكريمة داخل طهران، وهذه الممارسات ظلت ممتدة منذ الصعود التاريخي للخوميني والتي أصبحت تسجيلاته وتصريحاته وأوامره ونواهيه وثيقة الحياة في إيران.

الأماكن تظهر متباينة بين مصر وبها الإخوان، وكابول وتنتزعها طالبان، وإيران الإسلامية بمنطق طهران، إلا أن (النون) كحرف يظل سرًّا بحاجة إلى تأويل آخر .. لم تنته القصة بعد !.

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

أستاذ المناهج وطرائق التدريس(م)

كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

 

علي الدباغرهان أمريكا على طالبان الجديدة -التي تم إعادة إنتاجها في الدوحة- في حسابات على الورق تفتقر لفهم ما كان يجري على الأرض بالرغم من الوجود المتفرد لكل وكالات الحكومة الأمريكية الإستخبارية على مدى عشرون سنة في أقغانستان، يسبقه فشل تأريخي لكل الجهود المضنية والتكاليف الباهضة لإعادة تشكيل المجتمع الأفغاني على الطريقة الأمريكية والتي يخطط لها خبراء المكاتب في واشنطن، والمعاندة الطويلة لأخذ الدروس والعبر من الأحداث التي مرت على بلدٍ عصيّ على كل الغزاة الذين إرتدوا بالخسران كما وصفهم الشاعر الأعشى: "كناطحِ صخرةٍ يوماً ليوهِنَها، فلم يَضُرها وأوهى قَرنَهُ الوعلُ"، والثقافة الديوبندية التي تشكل الأساس الفكري لحركة طالبان كان أساس نشأتها هي مواجهة الغزاة.

لكن أمريكا كما هي دائماً يصعب ويعزعليها أن تقبل الهزيمة وتعترف بالفشل وتُصلِح ما أفسدته ولم تقبل بنصيحة شخصيات مرموقة في تأريخها مثل والتر ليپمان الذي تحدث عن خطورة التواجد العسكري في البر الآسيوي كما يستشهد به المفكر المصري محمد حسنين هيكل.

التقييم الأمريكي لقرار الانسحاب من أفغانستان بأنه سيوقف النزف المستمر لقدرات الولايات المتحدة ويخلق واقعا جديدا في أفغانستان يصب جزء منه لمصالح الولايات المتحدة في خلق بؤرة توتر جديدة في وسط آسيا تشاغل بها الصين وروسيا وايران، يعكس دائماً التفكير النظري غير الواقعي لمخططي الإستراتيجيات في الولايات المتحدة، ومرة أخرى أخطأ المخطط على الورق عما هو على الأرض، فإيران مثلا بدأت بنسج علاقات مع طالبان منذ انكسارها في 2001 حيث استقبلهم قاسم سليماني على الرغم من مشاركة ايرانية غير محسوسة في سقوط طالبان، واسست ايران علاقات متشابكة مع خطوط طالبان المختلفة (على الرغم من أثر قتل 9 دبلوماسيين ايرانيين في مزار شريف)، ولم تنقطع زيارات طالبان لطهران منذ ذلك الوقت وأنقذت ايران الكثير من قيادييها في رهان يشبه المقامرة على كل الأحصنة في المضمار، ومن المفارقات أن وفداً من طالبان حضر مؤتمر الصحوة الاسلامية عام 2011 في طهران بالتوازي مع وفد حكومي أفغاني، وكذلك زيارات متكررة في السنين اللاحقة والاتصالات كانت تتم مع فيلق القدس الذي يترأسه سليماني، حتى ان الأمريكان قتلوا أحد زعيم طالبان وهو الملا أختر منصورالذي خلف الملا محمد عمرعندما كان عائدا من زيارة سرية لطهران في مايو 2016، ونشأ تصور مبكر في إيران بأن الحكم في أفغانستان لايمكن أن يستقر بدون طالبان وتم العمل بهذه السياسة على كل المستويات الرسمية الايرانية بما فيها إيواء قيادييها واستضافتهم وفتح مكاتب للحركة شبه علنية.

الانسحاب الأمريكي المتسارع من أفغانستان تعتبره إيران نصراً مجانياً غير مباشراً لها أنهى وجود عدو لدود يحاصر خاصرتها الشرقية في جهودها لتنفيذ استراتيجيتها الجديدة في محاربة الوجود الأمريكي في المنطقة الذي يحيط بها، والذي يتمثل في الهجومات المتكررة عليها في العراق، لذلك فان ايران ستكون أكثر قلقاً لو شب نزاعاً أهلياً أو صراعاً على السلطة، لذلك ستسعى لترسيخ حكم طالبان واستقرار أفغانستان كهدف رئيسي لحكومة رئيسي ليكتمل شعورها بالنصر وبشروطٍ تُحسِنُ ايران دائما إستثمارها وفرضها بطرق مختلفة.

التفاف ايران على الوضع في أفغانستان يساعدها الآن تشابك في الإقتصاد، حيث تعتبر ايران الشريك الأول لأفغانستان وشريان وممر حيوي لوارداتها حسث تفتقد لأي منفذ بحري، وكذلك سعي ايران للتعاون الواسع مع الصين سيوفر لها ممر أفغانستان طريقاً محتملا لتوسيع مشروع الحزام والطريق لإيران والتي وقعت مذكرة تفاهم بالمليارات مع الصين في تحالف اقتصادي محتمل تسعى له الصين بكل قوة، وكذلك علاقات مع مكونات الأفغان بدءا من حامد كرزاي والطاجيك والأوزبك والهزارة ولواء فاطميون (الذين هم احتياط استراتيجي لإيران للمجموعات العابرة للحدود واستخدامهم في سوريا تحديدا كان أهم دور لهم) واحزاب جديدة ومجموعات مسلحة ممولة من ايران تعمل في السر والعلن، ستستثمرهم في توازن بالعلاقة مع طالبان بإلإتجاهين وتستخدمهم في حال نشأت مفاجئات في العلاقة مع طالبان، وهكذا هي ايران تحصد ثمار الفشل الأمريكي كما حصدته في العراق، يساعدها أيضا بأن كل جوار أفغانستان يمكن أن ينسجم مع توجهات وخطط ايران سواءا الصين او باكستان أو روسيا وكلها قلقة ومتفقة لحد كبيرعلى أولوياتها الرئيسية، ولتأثيرها ودورها المتوقع فأن منظمة شنغهاي للتعاون منحت ايران عضوية كاملة فيها، وسيكون الوضع عليها أسهل بكثير من العراق الذي لم تكن دول جواره منسجمة مع مخططات ايران وغير مرحبة ومعارضة وممانعة للنظام الجديد فيه.

قرار الانسحاب يعطي رسالة مُقلقة للكثيرين الذين يراهنون على الوجود الأمريكي في المنطقة الذي لم يعد كما كان سابقا، فقد تغيرت الأولويات والحسابات والتحديات والمصالح ولم تعد حتى داعش وما يرافقها من مجموعات عنف وتطرف تشكل الاهتمامات الكبرى للولايات المتحدة، فمثلا أصبحت مواجهة الصين تتصدر أولوياتها والتنافس مع روسيا تتقدم على علاقتها بالمنطقة ونفطها، وبالتالي بدأ الجميع يتكيف مع بدائل لم تتبلور نهائيا لحد الآن، سيكون أسهلها وأفضلها وأسرعها أثراً هو تفاهم اقليمي لغلق ملفات التوتر والصراع والحروب بالوكالة والتي لم تخلق وتُنشأ وضعاً مغايراً لما كانت عليه ولم يستفد اي طرف في فرض نموذجاً كان هدفا للحرب والتوتر.

عدم الإستقرار في أفغانستان سيجذب الكثير من المجموعات الراديكالية التي ستشكل خطرا أعظم على أمن المنطقة وخصوصا العربية التي تكتنز مجموعات متطرفة وغاضبة ومغضوب عليها ومُطارَدَة لذلك فإن هدف استقرار أفغانستان سيكون مشتركاً يتوزع على أغلب دول المنطقة حيث تنعدم في أفغانستان مشتركات أخرى فليس موقع أفغانستان بذات الأهمية وتفتقر للموارد التي تشكل تنافساً دوليا عليها مثلما الحال عليه في العراق وليبيا مثلا.

تبقى قدرة طالبان على لجم وتحجيم والقضاء على الجماعات المنافسة المتطرفة في أفغانستان مثل داعش وبقايا القاعدة والنسخ المتطورة منها هاجساً وإمتحاناً لقدرات طالبان في إحتكار السلاح والعنف وهو إختبار ليس سهلاً وسيأخذ وقتاً حيث ستسعى تلك الجماعات لزعزعة حكم طالبان وتفجيرات كلما أمكنها ذلك.

ويبقى الصراع بين أمريكا وايران وما ستسفر عنه محادثات البرنامج النووي أمراً يحدد الكثير من التحركات وسلوك كل طرف في أفغانستان.

 

د. علي الدباغ

 

 

طالب شباب انتفاضة تشرين 2019 بانتخابات مبكرة على أمل تحقيق تغيير ملموس ووضع البلد على سكة التقدم والخلاص من الطائفية ومظاهر التعفن لعملية سياسية تصاعدت رائحتها القذرة لتزكم الأنوف ولم يحصد منها الشعب العراقي سوى الخيبات والفشل والفساد والضحك على الذقون .

تمكنت قوى الأحزاب الإسلامية الحاكمة وشركائهم من المماطلة وتفريغ مطلب الانتخابات المبكرة من محتواها الحقيقي حيث ان الانتخابات الحالية ستجري قبل حوالي ستة الشهر من الموعد الاعتيادي لا أكثر ولا اقل أي إن حقيقتها ليست انتخابات مبكرة على أية حال كما إن هذا المطلب ارتبط بمجموعة مستلزمات طالبت بها الانتفاضة منها تفعيل قانون الأحزاب المجمد عمليا والذي ينص على كشف مصادر تمويل الأحزاب وكذلك طالبت الانتفاضة بمنع مشاركة الفاسدين واللصوص في الترشيح للانتخابات وكذلك حصر السلاح بيد الدولة وإيقاف نشاط المليشيات المسلحة ومنع مشاركتها في الانتخابات كما وهناك جانب آخر يتعلق بفساد مفوضية الانتخابات التي ثبت مشاركتها في تزوير انتخابات عام 2018 وكذلك المطالبة بقانون انتخابي جديد يضمن فرص متكافئة للمرشحين

الأسئلة المطروحة إذن هل تحققت هذه الشروط والجواب طبعا كلا لم يتحقق أي منها إضافة إلى المطالبة بالإشراف الدولي لعدم ثقة الشعب بالجهات المشرفة على الانتخابات والمتحكمة بزمام الدولة والمال والسلاح وما الذي سيختلف هذه المرة عن عمليات الانتخابات المزيفة السابقة وخاصة انتخابات عام 2018 التي قاطعها الشعب العراقي ولم تتجاوز نسبة المشاركين العشرين بالمائة ولكن لا يمكننا ان نتغافل عن بعض الفوارق فهناك هرجه إعلامية كبيرة لتسويق الأكاذيب والمزاعم حول ضمان شفافية ونزاهة الانتخابات ولا ندري كيف ؟! كما إن البرلمان الحالي بعيد كل البعد عن تمثيل مصالح الناس وفشل فشلا ذريعا وعجز عن اصدار قانون واحد يخدم الشعب او يعالج المصائب المستمرة  والنواب ليسو سوى ثلة طفيلية نفعية غارقة بالامتيازات .

نلاحظ مواصلة رئيس الوزراء الحالي حملته في إطلاق الوعود الكاذبة وهويعتقد واهما بان الجماهير تنسى أكاذيبه السابقة وتدعي أبواقه بان مهمة حكومته هي فقط القيام بانتخابات مبكرة فأين أصبحت إذن وعوده في محاكمة قتلة شباب الانتفاضة في حين نجد أن الاغتيالات مستمرة وأين هي أجواء الأمن والاستقرار اللازمة لإجراء انتخابات نزيهة في وقت تعترف الحكومة بعظمة لسانها باستخدام أجهزة الدولة وأموالها في الدعاية الانتخابية من قبل فاقدي الشرعية من العناصر الفاسدة المتنفذة وليس هذا فحسب بل نجد وقاحة الحاكمين تصل درجة محاولة إعادة تسويق عناصر مجرمة مسئولة عن تسليم ثلث البلد لداعش وتبذير المليارات من ميزانيات انفجارية طيلة ثماني سنوات من استيزاره إضافة إلى محاولة إعادة تسويق الوجوه الفاسدة الكالحة القبيحة القديمة من قبل كافة الكتل تلك الوجوه التي عجزت أنظمة الحكم المتعاقبة عن محاسبتها وإيداعها السجن .

إن المتوقع أن لا تكون مقاطعة انتخابات الشهر القادم اقل من مقاطعة انتخابات عام 2018 مما يعني إن البرلمان القادم لن يكون أفضل من البرلمان الحالي الفاقد للشرعية رغم المحاولات اليائسة للإسلام السياسي الحاكم ومعه القوميون الشوفينيون وشتى الفاسدين الذين يحاولون تزييف إرادة الشعب عبر تشكيل أحزاب كارتونية "مدنية" مزيفة لإيهام الناس  بمصيرية ! هذه الانتخابات كما إن المقاطعة هذه المرة منظمة وديناميكية وتشترك فيها ليس معظم القوى التشرينية فحسب بل القوى الديمقراطية العلمانية وأحزاب عريقة مدنية تقدمية والمقاطعة ليست سلبية بل تستهدف رفع وعي الجماهير وفضح الخداع والتضليل الذي تمارسه القوى الفاشلة المهيمنة على مصير ومقدرات العراق  والتي لا تؤمن بالديمقراطية أصلا بل تمرست طيلة الخمسة عشر سنة الماضية بأساليب الكذب والتضليل وحرفت بنود الدستور وتنكرت لمعظم مواده وشوهت محتواه بالحكم الطائفي و المحاصصة .

تلجأ الأحزاب الحاكمة والحكومة الحالية إلى عملية تشويه ممنهجة لانتفاضة تشرين متجاهلين جوهرها الحقيقي كانتفاضة شعبية شبابية انطلقت بسبب المعاناة والفقر والظلم الذي تعاني منه الشريحة المليونية للشباب رافعين شعارات معبرة رائعة ك "تريد وطن"

و" نازل اخذ حقي " أو " باسم الدين باكونا الحراميه " فمرة يتهمون التدخل الخارجي بوقوفه خلف اندلاع الانتفاضة متناسين بانهم جاؤوا ونصبوا من قبل الأجنبي المحتل وأصبح الكثير منهم الآن ذيولا "للأرجنتين" كما ويتهمون دول الخليج المستفيدة من حكمهم بتمويل الانتفاضة في حين نجد رموزهم في زيارات متكررة لدول الخليج لاستلام الأموال والعطايا مقابل إفشال ميناء الفاو مثلا أو إيقاف عجلة أي  تقدم صناعي أو زراعي للعراق و تستهدف هذه الأحزاب الفاشلة تكريس بقاؤها في الحكم ، كان هدف الانتفاضة تحقيق التغيير المنشود عبر الانتخابات المبكرة وعند فشل الحكومة في توفير الأجواء الأمنية والاجتماعية المطلوبة لذلك توجه معظم شباب الانتفاضة إلى مقاطعة الانتخابات ليس لعدم الإيمان بالعملية الانتخابية بل لإدراكهم الواعي لعدم تغيير هذه الانتخابات الوضع المزري الحالي ولا ينبغي أن ننسى بان البرلمان ليس هو الطريق الوحيد للتغيير كما أثبتت انتفاضة تشرين الباسلة بتضحياتها الجسام والتي ارعبت الشرذمة الحاكمة واسقطت حكومة المجرم جزارهم القاتل الغير عادل كما ان مقاطعة الانتخابات هو أيضا إيفاء لدماء الشهداء التي عجزت الحكومة عن محاكمة قتلتهم .

تحاول أجهزة السلة التهريج ورفع أهمية مشاركة بضعة مئات من المراقبين الدوليين في حين كانت المطالبة بإشراف دولي لعدم ثقة الناس بالأجهزة الحكومية والمفوضية في منع التزوير إن لم نكن متواطئة معه وتناست أجهزة السلطة وجود مراقبين في معظم عمليات الاقتراع السابقة والمراقبة لم ولن تمنع التزوير وكانت ممثلية الأمم المتحدة في العراق شاهدة زور تزكي بشكل كاذب نزاهة انتخابات مزورة في الدورات السابقة والمعروف ان التزوير وصل حدودا غبر معقولة حتى بمقاييس دول العالم الثالث ولو كانت لدينا عملية انتخابية نزيهة عام 2018 أو قبلها في عام 2014 لتخلص الشعب العراقي  من هذه الفئات الرثة والقاها قي مزبلة التاريخ كما حصل مؤخرا لحزب الإخوان المسلمين في المغرب

الخلاصة إن هذه الانتخابات لن تختلف عن سابقاتها وهي تكرار لنفس الأساليب الفاشلة السابقة في تزوير إرادة الناخبين وشراء الأصوات والتهديد بسلاح المليشيات ونتائجها معروفة مسبقا في إبقاء نفس الطبقة الفاسدة التي انتهى مفعولها منذ زمن طويل في الحكم عير الصفقات وتقاسم المناصب والمنافع بعيدا عن أرادة الشعب المحروم من ابسط مستلزمات الحياة الكريمة والخدمات الأساسية من الماء والكهرباء والسكن اللائق والمستشفيات الصحية والتعليم المتوائم مع القرن الواحد والعشرين ومحاربة البطالة التي تجبر مئات الآلاف من الفقراء البحث عن معيشتهم بين المزابل في وقت تترفه مجموعة من عصابات السراق بالحكم وتواصل نهب خيرات البلد عبرسرقة النفط العلنية و اللجان الاقتصادية والمشاريع الوهمية والاستثمارات الكاذبة ومزاد العملة المشبوه دون وازع ضمير .

ان الخلاص من هذه الطغمة المتسلطة يعتمد على إرادة ووعي الجماهير وخاصة جيل الشباب الذين اثبتوا استعدادهم للتضحية والثبات للخلاص من هذه الزمرة الحاكمة وواهم من يعتقد بانطفاء جذوة انتفاضة تشرين طالما إن الحاكمين عاجزين عن تحقيق أي تغيير والمقاطعة هي وسيلة لنزع الشرعية المجتمعية عن هذا النظام الهزيل وسقوطه حتمية تاريخية. 

 

محمد الموسوي

18-9-2021

 

الحسين بوخرطةبعد اغتيال أسامة بن لادن وخفوت قوة وجود تنظيم القاعدة، عانى العالم بشكل عام، ومنطقة الشرق الأوسط بشكل خاص، الويلات والمأساة بسبب ظهور الداعشية. لقد تم تحويل الحراك السياسي السوري السلمي إلى مواجهة مسلحة. تم إعلان ولادة مشروع عقائدي جديد، أعطى انطلاقته أبو بكر البغدادي بالموصل، بصفته زعيم تنظيم الدولة الإسلامية (دولة الخلافة). لقد ولد هذا المشروع منذ بدايته، المستند على شعار معاداة الآخر أي حكومات وشعوب دول العالم المتقدم بشكل عام وللغرب بشكل خاص، بطبيعة معادية لذاته بشكل خاص وللذات العربية الإسلامية بشكل عام. لقد ولد متعمدا اعتماد المواجهة المسلحة والعنف كأسلوب، والارتكاز على منهج خلق الفتنة والتفرقة داخل الأمة العربية وداخل الدول القطرية من المحيط إلى الخليج.

لقد ساعدت مجموعة من الظروف، منها ما هو مصطنع وما هو واقعي أو موضوعي، والتي تأججت شرارتها بفعل ويلات منطق ممارسة السلطة في دول المنطقة، على إنجاح حملة ترويج حلم بناء الدولة الإسلامية على أساس الخلافة العادلة، بحيث نزح إلى المنطقة، تحت شعار الجهاد من أجل نصرة الإسلام والمسلمين، كل المتعصبين الإسلاميين المناوئين لمنطق العولمة وسادات العالم الجدد.

انزلقت هواجس هوياتية عاطفية لدى العديد من الناس، وترتبت عنها نوازع نفسية هوجاء عجلت عمليات الارتماء في أحضان التطرف والمغالاة وهدر الطاقات. تيسر انخراط عدد كبير من أفراد شعوب المنطقة داخليا وخارجيا في هذا التنظيم. فتحت حدود الدول وشاع التداول في شأن المسارب المنافذ، واشتد تدفق المغامرين على التراب السوري. تأجج الاندفاع غير محسوب العواقب لمواجهة العولمة وثقافتها الحداثية، وتم التنديد بأهدافها الإستغلالية والاستعلائية. نجحت دعوات التغرير بالمتعصبين، وتسير ذلك بتمجيد دوافع الانغلاق واستغلال ضعف التكوين والمعرفية بالعلاقة التاريخية للهوية العربية الإسلامية بالآخر.

تطور الآخر عبر العصور الأخيرة، وسعى إلى ترتيب العلاقات مع الذاكرة والواقع وشعوب العالم بمنطق المنتصر. وجدت قاعدة واسعة من شعوب الأمة العربية نفسها عاجزة عن مسايرة ما تتطلبه العولمة من جهد من أجل الاندماج والتنافس في فضاء عالمها المادي. اتخذت الإجراءات والترتيبات المادية والعسكرية والجيواستراتيجية لتمكين هذه الحركة الجديدة من وحدة ترابية حاضنة (سوريا والعراق). تم عنوة استحضار رمزية اختيار بنو إسرائيل لأرض الميعاد، تراب فلسطين، من أجل بناء مشروع دولتهم اليهودية في إطار المشروع الصهيوني الاستيطاني الكبير. استفحلت أزمتي الدولتين المتأصلتين عربيا (سوريا والعراق)، وتم الترويج لتحويلهما إلى ملاذ وفرصة لا تعوض لإعلان نشأة دولة الخلافة الوهمية.

قبل ذلك، تم القضاء نسبيا على القاعدة وروادها لإبادة التنافس أو التنازع بينها وبين الحركة الجديدة. سيطرت أحداث داعش وقياداتها على وسائل الإعلام، وتوج المسار برفع شعار محاربتها كونيا إلى أن قل الحديث إعلاميا عن كلا الحركتين. دخل العالم مرحلة جديدة، سماها المتتبعون الغربيون بمرحلة ما بعد الحداثة، بخاصيات تم نعتها بعبارة الإشباع الإيديولوجي، وبأفعال وردود أفعال تميل أكثر إلى الصراع على حساب المنافسة بمنطق اقتصاد السوق، وبالندية على حساب التعاون والتكامل في المجالات الاقتصادية والثقافية والعسكرية. تشكلت التكتلات الجهوية بقيادة الدول العظمى، وخضعت للتذبذبات والتجاذبات المصلحية.

 تابع الرأي العام الكوني، ويتابع اليوم بالوضوح التام، تجديد مقومات الصراع على قيادة العالم ما بين الغرب والشرق، خاصة ما بين أمريكا والصين. إنه صراع لاقتسام خيرات العالم الاقتصادية على أسس جديدة. اشتد التجاذب السياسي وتفاقم زمنيا إلى درجة يمكن وصف مستواه اليوم بالوصول إلى درجة الذروة المنبئة بتوقعات توالي حدوث أزمات وتعقيدات وتحولات في السياسة والاقتصاد العالميين. استفحل الصراع وتجاوز المرتكزات الإيديولوجية الفكرية المتفق عليها في إطار النيوليبرالية أو الشيوعية، بحيث لم تجد الولايات المتحدة الأمريكية أي حرج في إعلان تدخل الدولة في الاقتصاد ومواجهة المناوئين بسن سياسات حمائية في سياق حربها التجارية، وتغليب المصلحة القطرية عن المصلحة الجهوية أو الإيديولوجية تحت شعار أمريكا أولا.

في نفس الوقت، أبانت التطورات السياسية ولادة أوضاع جديدة، بمواقف وقرارات جيواستراتيجية بطبيعة تبعد بالتدريج، غربا وشرقا، الديمقراطية عن مهام تراكم مقومات التنمية ورفاه الشعوب، بحيث أصبح واضحا بروز نوع من الميول إلى التطرف السياسي في التعاطي مع مختلف القضايا والمستجدات، تطرف ساهم ظرفيا في تقوية موقع عدد من التيارات السياسية اليمينية في الدول الغربية.

والعالم يعيش تأثيرات ما بعد الحداثة على إثر إعلان دخول الحداثة مرحلة الاحتضار، تابع الرأي العام العالمي كيف تدخل الفلاسفة وأهل العلم في الفضاء والطبيعة في مناقشة وتحليل الأوضاع الحالية، والتنبؤ بالسيناريوهات المحتملة والممكنة. فبعد النجاح في تأجيج غضب الشعوب الغربية على الكنيسة، وتحويله إلى هاجس شعبي لمواجهة تسلطها، تم توفير الغذاء الدسم لتقوية القواعد الشعبية للرأسمالية ثم الليبرالية والحداثة إلى أن وصلت حصيلة النظام العالمي الجديد، الذي أعلنه الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن في مطلع التسعينات، إلى قمة منحى حياته. لقد برزت علنا كل المؤشرات الدالة عن الوصول هذا المنطق بأبعاده السياسية والاقتصادية والثقافية إلى نقطة بداية الانحدار والتدهور.

بعد إعلان النجاح في القضاء على نظام القاعدة ذات الأبعاد الكونية تحت قيادة أسامة بن لادن، وعلى الفكر الداعشي تحت قيادة البغدادي، يعيش عالم اليوم أزمة اقتصادية وصحية غير مسبوقة جراء انتشار وباء كوفيد 19، الذي تسبب في ظهوره فيروس كورونا ببنيته الجديدة سارس كوف 2 وتحوراته الفتاكة. لقد أحدث هذا الوباء هلعا كبيرا شمل كل شعوب العالم، ودفعهم، بالرغم من محاولات رواد التقليد ربط ما يقع بالميتافيزيقا والأسطورة، إلى التفكير فيه بشكل جديد.

إن طريقة التعامل مع هذا المستجد القاتل، وباء كورونا المستجد، الذي حقق أكبر نسبة في حصد أرواح المصابين، جعل النقاشات الشعبية تميل كل الميل لاستحضار الاعتبارات العلمية، اعتبارات  يمكن إدراجها في خانة بداية دخول شعوب الجنوب إلى مرحلة التفكير العلمي في أفق بناء ثقافة علمية في التعاطي مع الأحداث بكل أشكالها. فإضافة إلى آثار الحجر الصحي على سلوك الأفراد والجماعات (النظافة، التباعد، تحسن الأجواء العائلية للأسر، التعليم عن بعد، .....)، ارتقت النقاشات واشتد وقعها على السوكات الفردية والجماعية بواسطة شبكات التواصل الاجتماعي. تحول البحث عن الفهم من خلال طرح الأسئلة وانتظار الأجوبة الشافية إلى انشغال يومي لدى كل شعوب العالم. الكل يسعى لتكوين فكرة منطقية عن الطبيعة التطورية لهذا الفيروس ومدى اختلافه عن الفيروسات الأخرى وعن البكتيريا. لقد تم فرز توجهات جديدة في النقاش العام في مختلف دول الجنوب، فرز طواق للتمييز بين هذه الكائنات المناوئة لحياة الإنسان، بحيث أصبح معروفا أن هذا الفيروس لا يتكاثر من ذات نفسه، ولا يستهلك الطاقة، وليس فيه أي حمض نووي، وأنه عامل حيوي مغطى بمادة دسمة وبروتينات، وأن الوقاية منه مرتبطة بالغسل المتكرر لليدين بالصابون وتعقيم كل ما يمكن أن يلمسه الإنسان.

في نفس الآن، وشعوب الكون ودولها تقاوم انتشار هذا الوباء، يعيش العالم نقاشات علمية جديدة تتعلق بنظرية تطور الأجناس الحية وأصل الأنواع، بما في ذلك الإنسان، وجدال عقلاني مستمر في شأن الانتقاء الطبيعي للكائنات الحية (انتقاء الأفضل والأنسب)، وحدوث الطفرات الجينية والتغيرات التي تصيب الجينوم بصفة عامة. كما أن التطور الذي ميز علم الحفريات، وإبرازه لحقائق جديدة مبهرة، جعل العلماء يقرون أن الحقائق التي وصل إليها العلم في إطار نظرية تطور أنواع الأجناس، أحدثت ثورة علمية كونية، أعادت للنقاش النظرية الدروينية معتبرة أن ما وصل له هذا العالم لا يمكن اعتباره إلا مجرد رؤوس أقلام مقارنة مع حجم الكشوفات الحالية.

وعليه، فنتيجة لما عرفه العالم من تطورات سياسية وثقافية، وما وصل إليه من كشوفات واختراعات علمية، لم يعد مستساغا بالنسبة لشعوب العالم الجنوبي، خصوصا الشعوب العربية والمغاربية، الاستمرار في اعتماد النقل والقراءة السطحية للنصوص الدينية للنيل من قوة عقول الأفراد والجماعات ومنعها من التفكير العلمي. لقد حان الوقت للاعتراف بدعوة ابن رشد للمسلمين إلى تأويل نصوصنا العقائدية بمنطق عقلاني متميز، لا ينطلق من الخوف، ولا يبحث عن السبل، كيف ما كانت طبيعتها، لخلق هوات وهمية ما بين الأبعاد العقلانية لآيات سور القرآن الكريم والحقائق العلمية للكشوفات والاختراعات النافعة للإنسان ولمستقبل أجياله.

لقد حان الوقت لإعطاء مهام تفسير النصوص القرآنية (كلام الله سبحانه وتعالى) مكانة مؤسساتية راقية، مكانة تكرس التعاون والتكامل، بدلا من التنافر المتعمد، بين آراء الفقهاء والفلاسفة وعلماء الفضاء والطبيعة واللغات، وإخضاع التفاعل فيه لما هو منهجي صارم بأدواته ونتائجه وأدلته. إن تحديات المستقبل تفرض تجاوز الترويج للعلاقة العدائية ما بين المتدينين والعلمانيين، ولما يتم الترويج له من عبارات هجومية للحفاظ على جمود الوعي الثقافي، وتركه على ما هو عليه، واعتبار أي اجتهاد خارج هذا المنطق مجرد أسئلة محرجة لزعزعة عقيدة المسلمين.

إن شعوبنا الإسلامية في حاجة إلى قفزة وعي نوعية تجعلها في خضم التفكير العميق في الجوانب العقائدية من خلال البحث عن الحكمة الخفية في الطبيعة (خلق الكون من أجل الإنسان)، وعن أدلة متطورة لوجود الله، في أفق تحقيق انسجام قوي ما بين الإسلام والعلم.

شعوب العالم تعيش اليوم أحداث استمرار التطور السريع للأجناس من زراعات ونباتات وفواكه وطيور (الدجاج والديك الرومي) وأسماك، ... وتعيش بالموازاة مواجهة علمية لتطور أجناس الفيروسات والبكتيريا ومختلف الخلايا. لقد فند الواقع المقاومة العقائدية المفتعلة للتطورات العلمية. لقد وأد التاريخ نزوع المسلمين لمقاومة الكشوفات العلمية، وزج بهم باقتناع راسخ في فضاء الاعتراف بما وصل إليه العلم والاجتهاد، مقتنعين بالحاجة إلى تأويل النصوص الدينية باستمرار لاحتضان الإبداع البشري.

إن وصول العلماء إلى إقرار حقائق جديدة في مجال نشأة الكون والإنسان وإقرار نظرية التطور، وتجاوز نظرية الانفجار العظيم، قضت على كل الذرائع التي كان يؤججها رواد التقليد للرفع من مستوى انغلاق الشعوب. لقد تأهلت الجماهير المسلمة بما يكفي واعية بتحديات العصر وبالحاجة للبحث والتقصي بالشكل الذي يمكن علماءنا وخبراءنا في الداخل والخارج من إيجاد التفسيرات العقائدية العقلانية المناسبة للثورات العلمية وتطور السلوكيات البشرية وردود أفعال الطبيعة.

لقد حول الليبراليون الإنسان إلى مركز للكون معتقدين النجاح في "قتل الله" والقضاء على تسلط الكنيسة. ثارت الطبيعة، وتم دق ناقوس الخطر. برزت إلى سطح الأحداث الكونية رهانات التصالح ما بين الطبيعة والإنسان كمكونين أساسيين لملكوت الرحمان.

 

الحسين بوخرطة

 

مهدي الصافيالحماقة السياسية او الغباء وضيق الافق للانظمة الفاشلة (او الشمولية) في دول العالم الثالث، قد تفتح الابواب للمزيد من الصدامات او الصراعات الدولية في المنطقة، بغض النظر عن ان الاخطاء او الحماقات المرتكبة كانت مفتعلة انيا او مخطط لها مسبقا (من قبل قوى التأثير العالمي للدول العظمى)، اذ كانت عملية احتلال الكويت عام 1990 من قبل نظام صدام، هي بداية مشروع الشرق الاوسط الجديد، وهي تحمل صفة الافتعال (لاسباب شخصية للرئيس صدام امام اخفاق حلفاءه بتلبية الوعود المقطوعة له بالدعم المالي) والتخطيط المسبق، الذي تم تنفيذه بقوة بعد احداث 11 سبتمبر (الهجمات الارهابية على برجي مركز التجارة العالمية في نيويورك 2001)، وبعد ان استكملت المقدمات العملية والموضوعية لاحتلال افغانستان والعراق...

نهاية الحرب الباردة الاولى شكلت انعطافة كبيرة في علاقات الولايات المتحدة الامريكية وبين دول العالم الثالث او الشرق الاوسط من جهة، وبينها وبين الاتحاد الاوربي من جهة اخرى، فقد تصاعدت حدة الترويج لثقافة القرن الامريكي الجديد، بتوسيع قواعد الهيمنة والاستحواذ او الاحتواء (في منطقة الشرق الاوسط)، حتى تم اطلاق مقولة محور الشر او نظرية اما معنا او ضدنا (لاحياد)، والعمل على بناء قواعد عسكرية دائمة فيها، والاقتراب كثيرا من الحدود الروسية الصينية في افغانستان، فمع كل هذا التفوق الامريكي المعلن، كانت روسيا والصين تطبق استراتيجية اثبات الوجود، لافشال او لابعاد قدر الامكان التواجد او الخطر الامريكي من المناطق المؤثرة في خارطة التاريخ الاقتصادي البدائي لهم، وعلاقته بمفهوم الجيوسياسي الحديث، ولهذا يعد فشل وانسحاب الولايات المتحدة الامريكية من افغانستان (وعودة طلبان للحكم) فهم متأخر من قبلها (اي الادارة الامريكية) لتلك الحقائق، جاءت على يد الرئيس الامريكي الواقعي والمباشر السابق ترامب، وهكذا تبخرت بسرعة غير متوقعة الاحلام الامبراطورية الامريكية، وبعد ان نجحت روسيا في الحفاظ على امنها القومي والاقليمي (في حدود جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، وضم جزيرة القرم، وكذلك بحماية نظام الاسد في سوريا من الانهيار)، ومع بداية انطلاق مشروع طريق الحريرالصيني الاستراتيجي، وهذا الامر قد يدفع ايضا باتجاه خسارة امريكية مدوية جديدة في العراق (كما حصل في افغانستان)، بانضمامه الى هذا الطريق الحيوي، على الرغم من المحاولات المتكررة لايقاف هذه التوجه مازالت قائمة، تارة بتعطيل احالة ميناء الفاو للشركات الصينية المهتمة، وتارة بتحويل مسار الاتفاقات غربا (مع الاردن ومصر)، او عبر اقامة مؤتمرات شكلية غير مفيدة (كمؤتمر التعاون والشراكة الاول الذي عقد في بغداد 28 اب2021 بحضور فرنسا)، والتي اعتبرها البعض هي اعلان العودة الى الاستعمار القديم بحلة جديدة، فما يحصل في العراق من تخبط سياسي واقتصادي، والاحداث في سوريا ولبنان واليمن يراد منها ان تكون ساحة لاعادة تنفيذ سايكس بيكو 2.....

لقد كان لخروج بريطانيا من الاتحاد الاوربي التأثير المباشر في اعادة تمركز او تموضع القوى العظمى في مناطق النفوذ (القديمة والمستحدثة)، وفق حسابات الحرب الباردة الثانية، التي باتت تعترف بحقيقة التنافس ضمن استراتيجية تعدد الاقطاب، مما جعل من فرنسا (والمانيا) في مقدمة وقمة هذا الصراع الاوربي، فكانت لها مشاكل اقتصادية استراتيجية كبيرة مع امريكا في عهد ترامب، وبدأت كما يبدو مع خلفه بايدن، بعودة امبريالية شبه فردية (او مناصفة مع بريطانيا) الى افريقيا وبعض دول الشرق الاوسط (بضمنها لبنان والعراق)، فقد زار الرئيس الفرنسي ماكرون العراق مرتين خلال عام، من اجل بناء وترسيخ قواعد التواجد الدائم في البلاد، تحت مظلة العلاقات الاقتصادية (غير المتكافئة كما جاءت في تسريبات الاتفاق بينهم وبين حكومة الكاظمي المؤقتة –عقود شركة توتال الفرنسية والاستثمارات النفطية المقدمة لهم و لمدة طويلة)، وكذلك وضع شروط معينة لتقديم المساعدات المالية والاقتصادية الفرنسية (والدولية) الى لبنان، وبالالتزام بتنفيذ عدة اتفاقات وتعهدات داخلية مختلفة!

طعنة الظهر التي استقبلتها فرنسا (على حد قول وزير الخارجية الفرنسي)بعد توقيع اتفاقية اوكوس (الامنية)، بالاتفاق الجديد المبرم بين امريكا وبريطانا مع استراليا، والذي الغى الاتفاق السابق الموقع مع فرنسا (عام 2016)، المتعلق ببناء غواصات تقليدية، استبدلت بالاتفاق الحالي (غواصات تعمل بالطاقة النووية، وازعج الصين ايضا، هي تأكيد على التحول الامريكي الاستراتيجي من منطقة الشرق الاوسط الى بحر الصين الجنوبي...

محور روسيا الصين باكستان ايران قطر سوريا (ودول اخرى على الطريق) تفوق كثيرا على محور امريكا (الاتحاد الاوربي) وبعض دول الخليج (وبدأت تسريبات خليجية لايكشف عن مصادرها تعبر عن حجم الصدمة التي تعرضت لها هذه الدول بعد الانسحاب الامريكي من افغانستان، وكذلك من المتوقع ان تنسحب او تلغي قواعدها العسكرية الدائمة المتواجدة هناك)، مع التأرجح التركي والمصري بين الاثنين، سيكون العراق مرة اخرى ساحة الاعلان الثاني لنهاية الحرب الباردة الحالية، الا ان الكارثة تكمن في فشل الطبقة السياسية الحاكمة فيه من بناء نظام ديمقراطي مستقر نسبيا، فالتركيبة الدستورية لنظام المحاصصة والتوافق، جعله لبنان اخر، لاسيادة كاملة، ولا قرار سياسي وطني مستقل، ولا مؤسسات دستورية قادرة على اخراج البلاد من مستنقع الفساد والفشل والفوضى، وهذه الامور لاتنتهي او تستقيم الا بوجود نظام رئاسي ديمقراطي تنموي دستوري، ينهي سطوة بعض الاحزاب والتيارات الفاسدة (او العميلة منها)، ويمنع التدخلات الخارجية واملاءاتها، وبالاستعداد لاتخاذ الخطوات المصيرية لاجراء بعض التعديلات الدستورية الجوهرية، لاعادة بوصلة القرار الوطني الى قيادات الشعب الوطنية، وليوقف لعبة جر الحبل المطبقة بحقه، بين حلفاء امريكا وذيولها، وبين حلفاء المحور الايراني الصيني، عدا ذلك سيبقى العراق بلد تصفية الحسابات...

التوزان في العلاقات الدولية امر حكيم وضروري، ولكن كما يقال عالم مابعد كورونا ليس ماقبله، بصعود نظرية اعادة بناء المصالح الاقتصادية الاستراتيجية، وبتقاسم مناطق النفوذ بين القوى العظمى، وترتيب اوضاع المنافذ وطرق التجارة الدولية، والدخول الى ميدان العلاقات والولاءات للدول الناشئة والنامية (الذي لم يعد قسم منها يعير الاهتمام لقوة امريكا، وبدء في ايجاد الخيارات البديلة مع الصين او روسيا)، من هنا يتطلب من القوى الوطنية العراقية المؤثرة (العربية الشيعية والسنية والكردية)ان لاتنتظر طويلا فيما يتعلق بالاصلاح، او توحيد الرؤيا والقرار الاستراتيجي الوطني، امام تلك التحديات والاصطفافات الدولية والاقليمية والعربية، بعيدا عن مسارات التأثير العاطفي (العلاقات على اساس طائفي او عرقي او اعتبارات موروثة) او النفسي الحذر او حتى الشخصي، والعمل على بناء دولة الامة الامنة المستقرة المزدهرة، فكل الفجوات والثغرات المفتوحة في جسد الدولة هي من الممكن جديا ان تصبح مشروع للفتنة والحرب الاهلية او التقسيم والتشرذم، وجبهات مستعرة للنزاعات الداخلية الطويلة الامد.

 

مهدي الصافي

 

صالح الطائيتعرفت من خلال تجاربي الشخصية على عدة أساليب للنقد لم أعترض على أي منها، مع أن عدم اعتراضي على أحدها لا يعني موافقتي عليه أو تأييدي له، وكنت أرى مبررا لوجودها جميعها بلا استثناء، ولكني انزعجت بشكل يفوق الخيال حينما انبرى استاذان أكاديميان تربطني بهما علاقة صداقة للعمل سوية على نقد أحد مشاريعي البسيطة بعيدا عن حيادية النقد مع وجود رغبة واضحة للتخريب ومقصد حقيقي التدمير والتسقيط، ولم يتولد غضبي نتيجة أحكامهما التي كانت دون المستوى، ولا تمت للنقد بصلة، أو لأني أكره النقد، فأنا مع كل جلسة توقيع لأحد كتبي أردد كلمة: رحم الله من أهدى إلي عيوبي، وإنما لأني أعتقد أن النقد سلاح ممكن أن يستخدم للحماية وتأمين احتياجات الدفاع الشخصية، وممكن أن يستخدم للهجوم وارتكاب الجرائم، وبين أنواع النقد على كثرتها يبقى النقد البناء المبنى على مبدأ تقديم النصح والملاحظات البنائية الهادفة التي تسعى إلى تحسين الحال، من خلال الإشادة بالحسن، وتقديم النصح والإرشاد، والتأكيد على إبراز نقاط القوة والإشادة بها، ونقاط الضعف لغرض تجاوزها، يبقى هو المنهج الأكثر قبولا وعدلا وتفاعلا.

أما النقد الهدام بنوعيه الأعور الذي يركز على العيوب وحدها وينسى مجرد الإشارة البسيطة إلى وجود المزايا الحسنة، أو الذي يعمل على تضخيم العيوب البسيطة والتافهة التي لا يخلو منها أي عمل أدبي أو علمي أو عقائدي أو حتى سلوك فردي أو جمعي؛ ليجعلها تبدو أسوأ كثيرا مما هي عليه.

ومثله النقد الأحول الذي يعمل خلاف النقد الأعور، لمجرد الرغبة في تحقيق مصلحة شخصية كسبية على حساب الأمانة في ذكر الحقيقة، ومثلهما نقد الانتقام الذي تسببه العقد النفسية، والكراهية المتبادلة، والاندفاعات الفرقية والمناطقية والعقائدية، والركون للتراثية التي خلفتها سنين الصراع والنزاع التاريخي، فهي كلها معاول تهديم تتهدد الوجود الإنساني. وبين هذا وذاك أرى في أسلوب النقد التسقيطي المتبادل بين التيارات الدينية والجماعات العلمانية تهديدا مباشرا لهذا الوجود، بما يوجب عليهما تهدئة اللعب ووضع خطط بديلة يتاح لهما من خلالها التعاطي الإيجابي الإنساني مع الطرف الآخر من موقع الندية العقلية الحوارية البناءة وليس موقع الندية القتالية الحيوانية التوحشية، فالعالم لم يتقدم بالحروب، ولم ينتصر بالحروب، بل لم يدافع عن وجوده بالحروب إلا نادرا، والحروب كلها باستثناء العبثية المتهورة منها كانت عبر التاريخ الإنساني واحدة من آليات التأسيس، أو فرضت نتيجة ظرف قاهر، أو خطر جسيم يتهدد الوجود، وأدت دورها في مرحلة معينة ما كان لسواها أن يحسم الموقف فيها، وانتهى واجبها مع انتهاء تلك المرحلة، ومرحلة التأسيس، والحالة التي فرضتها، ليأخذ العقل دوره في البناء، فتمكن الفعل الإنساني المنتج من ترميم وإعادة بناء الخراب الذي خلفته الحروب، وإعادة بناء الإنسان؛ الذي قاد إلى التحضر والتمدن والرقي، لتصل الإنسانية إلى ما هي عليه اليوم.

وبناء على ما تقدم أرى أن من الأمور العقلائية والإنسانية الملحة جدا أن النقد المتبادل بين الأطراف المتصارعة حتى ولو كان ذاك الصراع خفيا مبعثه الحسد، يجب أن يأتي للبناء لا الهدم، وان يكون هدفه تهدئة الأمور وتبيان الحقائق لا الإسهام في خلق نزاعات جانبية. نعم أنا أرى أن ما يؤمن به الناقد، وما يضمره في قلبه للمنقود يتحكم بما سيدلي به، ولكن ما سيقوله في مثل هذه الحال لن يكون محايدا، ولن ينجح في تغيير الأمور نحو الأحسن.

من هنا أعتقد أن النقد الموزون والحقيقي والبنائي لا ينجح في مسعاه إلا بعد أن ينجح الناقد في فهم واستيعاب الموضوع المراد نقده، وان تكون هناك نوايا إصلاحية توافقية من وراء نقده، وخلاف ذلك لا يحقق النقد غاياته المرجوة، وقد يتحول إلى نقد ضدي يسيء للناقد نفسه قبل غيره، ويكشف عورات جهله، وتبعيته، وقصديته العدوانية. ومن سبل فهم واستيعاب الموضوع ذات التأثير الإيجابي هو الحوار مع الطرف المعني، واتخاذه طريقا لاستيعاب الأبعاد الحقيقية الخافية عن الطرفين كلاهما، بما يتيح له أن يبدع في مجاله دون أن يوجه له اللوم أحد من المؤيدين أو المعارضين. ولا يتخلى عن هذه المبادئ إلا الإنسان المغرض المصلحي المدفوع، أو الذي يضمر شرا، ويملأ قلبه الحقد والحسد، أو الذي قبض ثمن ما سيعلن عنه فعلا أو قولا، أو الأمي ذو الثقافة السطحية الفارغة، أو الذي يعاني من عقد نقصٍ وعقدٍ نفسيةٍ مرضيةٍ تسبب له أزمات الدونية.

إن الدونية التعويضية أو التعالي التعويضي كلاهما غير قادرين على تمكين الناقد؛ أي ناقد من إدراك الحقيقة كما هي، فالحقيقة هي التفاعل أولا مع الذات بإيجابية، والإيجابية تعني الاندفاع الذاتي الناشئ عن استقرار الإيمان والطيبة في القلب، وحب الإنسانية، والعمل من أجل صالحها، الإيجابية كذلك هي التي تمكن الإنسان من التكيف مع الواقع المحيط وفهمه، سعيا وراء تبديله وتغييره نحو الأحسن، وهي الحافز الروحي الذي يُمَكِّن الإنسان من أداء العمل الذي يروم إنجازه في سعيه للوصول إلى الغاية المنشودة. ومن ثم على الناقد الناجح الهادف الساعي إلى الإصلاح أن يتعاطى مع الآخر بنفس المقاييس الأخلاقية التي يؤمن بها، والنظر إلى إيمان الآخر على أنه بنفس قدسية إيمانه، فالإيمان هو القناعة الشخصية التي تخلقها التجارب المتراكمة والخبرات الواسعة، والإنسان عادة لا يغير قناعاته بيسر ولا يؤمن بالجديد ببساطة، فحتى الرسالات السماوية جوبهت بمعارضة شديدة لغاية أن تمكن الإيمان من تغيير النفوس، أما أن يُوَظف التعالي التعويضي؛ الذي هو الوجه الآخر للدونية لتحقيق مآرب آنية، فذلك حتى لو صدف ونجح، سيكون وقتيا لابد وأن ينهار أمام أرق نسمات العقل. بل سيكون دليلا كبيرا على عظيم أثر عقدة الدونية أو النقص (Inferiority complex) على سلوك الناقد، بما يفضح مقدار العجز الكامن في داخل روحه بطريقة تؤثر على مجمل سلوكياته وقراراته، وهي العقدة نفسها التي تدفعه إلى التجاوز والتعصب والانكفاء والضعة وحتى الجريمة.

من هنا أرى أن الكثير من المسميات الفاشية في مجتمعنا المعاصر لا أصل لها، ولا تمثل حقيقة حامليها لأنهم أصلا لا يملكون آليات ما وصفوا به، فلا ناقدهم ناقد ولا باحثهم باحث ولا مؤرخهم مؤرخ ولا أديبهم أديب إنما هي مجرد سمات فارغة لا أكثر.

 

الدكتور صالح الطائي

 

زينب عبدالحميد محسن

النظام السياسي للدولة العراقية

أولًا: الغزو الأمريكي للعراق: تداعيات:

قاد غزو العراق واحتلاله بقيادة الولايات المتحدة عام ۲۰۰۳، مع الفوضى الطويلة الأمد اللاحقة والمقاومة المسلحة المكلفة، إلى انحلال مؤسسات الدولة وتأسيس نظام سیاسی قائم على المحاصصة، أي توزيع مرافق السلطة وفق خطوط طائفية وعرقية وعشائرية، ثم اختلط أمر الهوية الوطنية العراقية وتحولت تدريجيًا نحو هويات طائفية وعرقية بعدما تراجعت الهوية الوطنية المجتمعية التي أرساها حزب البعث الحاكم القائمة على العروبة والقومية. والنظام السياسي الحالي القائم على الطائفية والقوى المهيمنة داخله هو إلى حد كبير نتاج الإحتلال الأمريكي والتدمير الذي أصاب الدولة. ولا تستطيع الهويات الطائفية المنفصلة أن تكون البديل الذي يبني عراقًا جديدًا. ولقد نجح «داعش، حقًا في إستثمار فشل النظام السياسي، ولكن ذلك لا يجعل منه قبلة التطلّعات السنّية. مع ذلك، فغزو العراق وإحتلاله اللذان قادتهما الولايات المتحدة، كانت اللحظة المناسبة لصعود الشعور بهوية سنّية شاملة في البلد... ورغم أنه ما كان بوسع تنظيم داعش، أن يفعل ما فعله من دون شعور سنّي متعاطف، إلا أنه من المشكوك فيه إعتبار الشعور السني الشامل هذا هوية دائمة للسنّة العراقيين، …وبالتالي فإن إنحلال مؤسسات الدولة سنة ۲۰۰۳ وإقامة نظام بدیل مبني على قاعدة طائفية زادا صراع الهويات حدة، الصراع الذي دمر - على الأرجح - العراق الحديث.

يَعكس عنف داعش الزائد التركة الموروثة المرّة لعقود من الحكم البعثي الذي مزق النسيج الإجتماعي للعراق وترك جراحة عميقة ما زالت نازفة إلى اليوم. وما فعله «داعش» هو أنه، بمعنی ما، إستعار في حربه الداخلية التكتيكات الخشنة للنظام البعثي التي طبعت بطابعها الدموي تاريخ العراق الحديث.

أن كُلًا من البغدادي وصدام حسين جاءا من قطبين آيديولوجيين متناقضين، سعى كلاهما إلى بناء نظام إستبدادي لا يحتمل أي معارضة بل يلجأ إلى كل أشكال العنف لإسكاتها. فالبغدادي أحاط نفسه بضباط جيش صدام وشرطته من الرتب الدنيا والعليا، وكان بعضهم مسؤولًا مباشرًا عن شراسة أساليب النظام البعثي، لكن هذا لا يعني أن تنظيم داعش، السلفي، الجهادي، كما يحلو لبعض المراقبين أن يزعموا، مرادف للبعث، صاحب الأيديولوجية القومية العلمانية. لم يقم البعثيون السابقون بإختطاف «داعش»، بل إن الأخير - بالأحرى - هو من جلب أولئك إلى قضيته.

ثانيًا: النظام السياسي العراقي المهشّم:

أحدث الإضطراب الناتج من غزو العراق وإحتلاله بقيادة الولايات المتحدة، وبخاصة تدمير مؤسسات الدولة، شرخًا عميقًا بين المسلمين السنّة والمسلمين الشيعة، وسهلّ بالتالي صعود داعش وتحوّله من مجرد فاعل هامشي خارج الدولة إلى دولة إسلامية. ويملأ «داعش» الفراغ الفكري والمؤسسي القائم، قفز إلى الواجهة مانحة الجماعة السنّية المقهورة إمكان إمتلاك هوية سنية شاملة (طائفية - إسلامية عابرة للقوميات والإثنيات والحدود)، وحاول البغدادي وجماعته إعادة بناء هوية سنّية مستعلية (عروبية وقومية) وفق خطوط طائفية (سنية شاملة)، متحديًا طبيعة الدولة - الأمة القائمة على القوانين والقواعد التي يفرضها المجتمع الدولي. فالطائفية هي الوقود الذي يتغذی منه «داعش»، وهي تتغذى من «داعش» في المقابل، وهو أمر يجب التوقف عنده والتفكير فيه بإمعان وما أتصل منه ببناء الهوية العربية السنّية وإعادة تعريفها. فقد سقط العراق منذ سنة ۲۰۰۳ في أزمة طائفية ممتدة، يغذّيها قلق السكان السنّة بعد تجريدهم من القوة مع تحوّل السلطة في النظام الجديد نحو الشيعة وتحت النفوذ الإيراني. ورغم مقاومة السنّة والتمييز الذي جرى ضدهم لسنوات، فإن ذلك لم يلق غير آذان صماء في بغداد وواشنطن. وأحدث تمزّق النسيج الإجتماعي على هذا النحو ممرًا ل «داعش» ليقفز إلى الواجهة مواجهًا الأغلاط التي يشعر بها السني العراقي ومُنصِبًا نفسه مدافعًا عنهم و(حاميًا) لهم. بالإضافة إلى تلاعب «داعش» الإستراتيجي، كما سابقوه القاعدة في العراق، والدولة الإسلامية في العراق، حظي التنظيم بالمزيد من الدعم بسبب من خطابه المعادي للولايات المتحدة، الذي أغرى الشباب السنّة الذين شعروا بمدى الأهانة والإذلال اللذين تسببت بهما الولايات المتحدة للبلاد. وعليه، فقد قدم هذا التهشيم المريع للنظام السياسي في العراق، مع تعطيل وظائفه وسقوطه في مذهبية متزايدة، الغذاء الآيديولوجي الذي كان يحتاج داعش إليه.

إنّ النخب السياسية الحاكمة التي تلت مرحلة صدام حسين مسؤولة عن الأخطاء الجسيمة التي سقط فيها العراق بعد عام ۲۰۰۳. ومع مسؤولية الغزو الذي قادته الولايات المتحدة ضد العراق عن تمزيق الدولة والمجتمع، إلا أن القادة الجدد يتحملون المسؤولية لتقاعسهم في تحسين الظروف الإجتماعية وتعزيز الوحدة الوطنية.

ما حصل بعد عام 2003 هو إنتشار تسييس الهويات المذهبية على نطاق جماهيري، بفعل إنفتاح المجال العام بلا قيود أو ضوابط حامية، وذلك نتيجة سقوط الدولة بوصفها جهازًا للحكم. وما حصل أيضًا بعد عام 2003، هو إنتقال الهويات الجزئية من إضفاء الطابع السياسي إلى العسكري، في أوضاع إحتلال أختلطت فيها ميول معارضة الإحتلال العسكري وتمازجت مع ميول التنافس والصراع بين الجماعات للسيطرة على عتلات السلطة والموارد المادية والرمزية المرتبطة بها. وبات توكيد الهوية المذهبية الشيعية حافزًا لتوكيد هوية سنّية معاكسة، مثلما باتت الهجمات المسلحة على الرموز والمناطق الشيعية محفزًا لتوكيد الهوية الشيعية. ما من فترة كهذه تعرضت فيها المساجد والمراقد للنسف والتدمير.

ثالثًا: أثر تفكك الدولة ومؤسساتها:

أفضى تفكك الدولة - خصوصًا حل مؤسسات العنف الرسمي من حيث الأساس - إلى شيوع الفوضى والخوف وسط النخب ووسط العامة، وهما أفضل أساس لنشدان الأمان في دفء روابط الجماعات الجزئية، أيًا كانت طبيعة هذه الجماعات، سواء أكانت أسرة ممتدة أم قبيلة أم فخذًا منها، أم حيًا سكنيًا، أم عصبوية مدينية، أم تلاحمًا طائفيًا، وهلُّمَ جرًا.

ويشتد هذا الميل في أوضاع تمزق الروابط المدنية أو ضعفها أو إنهيارها؛ هذا الصراع القاعدي - طالبًا للحماية والأمان أكسب الهويات الجزئية زخمًا هائلًا، تزایدَ حین أرتبط بصراع النخب في القمة على السلطة والموارد، وذلك لحظة شروع سلطة التحالف المؤقتة، بقيادة بول بريمر، في عملية تكوين الدولة الجديدة، وهي عملية - بحسب المقاربة المعتمدة في هذه الدراسة - متداخلة مع عملية بناء الأمة تداخلًا مكينًا من شأنه أن يدعم بناء الأمة أو يقوضه.

إلا أن هذا التداخل وهذا التفاعل بين تكوين الدولة /المؤسسات، وبين بناءالأمة/ إشراك الجماعات فيها، قام على إختلال جليّ، إقتصر على تفاهم شيعي - کردي - حاولت واشنطن تعديله مرارًا: على نحو جزئي من خلال عملية كتابة الدستور؛ وبصيغة أوسع بعد إنشاء «الصحوات»، وكانت هذه المحاولات الرامية إلى توسيع قاعدة التفاهم ضرورية، لكن محدودة، وعملت الوزارتان المالكيَّتان: الأولى والثانية على تفكيك الآليات المحدودة لتدعيم بناء الأمة التي أرسيت في الفترة ما بين عامي 2007 و2010 بموازاة عمليات تشكيل الدولة منذ عام 2003، وهو تفكيك نابع من ميول الاحتكار التسلُّطية، على قاعدة تأويل مقلوب لمفهوم الأغلبية: من كوْنه مفهومًا سیاسيًا، إلى كونه مفهوم أغلبية هوّياتيًا، والسعي لإحتكار تمثيل الأغلبية في حزب، ثم تمثيل الحزب بمجموعة قيادية ضيقة، تزّج شبكات القرابة والأتباع/الزُّبُن، مُقصِية ما عداها كله.

أثار هذا التفكيك اندلاع المعارضة من داخل الجماعات، واندلاع احتجاجات عنيفة في محافظات عراقية عدة (الأنبار ونینوی وصلاح الدين وديالى والمناطق السنية في بغداد)، وكُلِّل بتطويق الجيش مناطق الاحتجاج، وسفك دماء المتظاهرين في الحويجة - إحدى بلدات الاحتجاج - وانتهى بسقوط الموصل في 9 حزيران/ يونيو 2014 في إثر انسحاب مهين من طرف التشكيلات العسكرية الرسمية، كان أقرب إلى الهرب منه إلى أيّ شيءٍ آخر.

و سنطرق إلى أبرز التحديات الداخلية والخارجية التى تعرقل عملية بناء الدولة:

التحديات الداخلية:

أولًا- التحدّي الأمني: وتتمثل بغياب المركزية في القرار الأمني والعسكري، لوجود حالة من التنازع بين المؤسسات الحكومية الأمنية، نظرًا لوجود الكثير من الهياكل الأمنية التي تعمل خارج سيطرة الدولة، بالإضافة إلى ضعف التعاون والتنسيق وتبادل المعلومات الإستخبارية بين الأجهزة الأمنية العاملة على الساحة العراقية لأسباب مختلفة من بينها غلبة الإنتماءات والإستقطابات الطائفية والحزبية داخل هذه الأجهزة، وصعوبة التنسيق بين الحكومة المركزية في بغداد وحكومة أقليم كردستان؛ مما خلق فرصة لتنظيم داعش لينشط ويستقر في المناطق المتنازع عليها، ويُلاحظ إفتقار الأجهزة الأمنية إلى المهنية والحرفية في التعامل مع الأحداث، وغياب التحقيقات المهنية الموثوقة والعادلة.

ثانيًا- الفساد المالي والإداري: فقد استشرى في معظم مؤسسات ومرافق الدولة وأصبح يهدد مستقبل عملية بناء الدولة، (وما يثير الإنتباه هو أن الحكومات المتعاقبة في العراق لم تعمل في القضاء على هذه الكارثة بعد أن أخذ العراق يحتل المراكز المتقدمة قائمة الدول الفاشلة والأكثر فسادًا في العالم والتي تصدر كل سنة عن منظمة الشفافية العالمية بل إستمر في إحتلال مراتب متقدمة في التصنيفات العالمية مما يثبت أن الحكومات قد عجزت عن مكافحة الفساد المالي والإداري الذي أصبح تقليد إستشرى في مفاصل الجسد "الدولة"

ثالثًا- إختلاف الرؤى السياسية حول بعض القضايا الخلافية : ومنها المناطق المتنازع عليها وكركوك وتوزيع الصلاحيات بين المركز والأقليم.

رابعًا- عرقلة عملية إقرار مشاريع القوانين: بسبب الخلافات وتقاطع الإرادات بين الكتل السياسية داخل البرلمان ومقاطعة الجلسات.

التحديات الخارجية:

يعد التدخل في شؤون العراق الداخلية من أبرز التحديات التي تواجه عملية بناء الدولة في العراق ويبرز ذلك بصورة واضحة من خلال العديد من المعايير المتعلقة بالتوازن والصراع الإقليمي بين المحاور المختلفة المتواجدة على الساحة الاقليمية والدولية، فقد أدى الإحتلال الأمريكي للعراق إلى وقوع العراق بين المجال الجيوستراتيجي لأربع إستراتيجيات كبرى في المنطقة والعالم وهي الإستراتيجية الأمريكية-الإسرائيلية والإستراتيجية التركية والإستراتيجية الإيرانية والإستراتيجية السعودية، وقد عملت التطورات في سوريا على زيادة تعقيد الأوضاع وخطورتها إذ تشهد المنطقة العربية صراعًا حادًا بين هذه الإستراتيجيات وهذا مايؤثر بشكل كبير على العراق ومستقبله كدولة وأمّة كونه مجالًا حيويًا لتصادم الإستراتيجيات المذكورة بغية تحقيق المكاسب السياسية والإقتصادية وتمرير الأجندات لخلق أوضاع جيوسياسية جديدة تخدم مصالح الأطراف المتنازعة، لذا فإن أحاديث التقسيم العرقي والطائفي هي أدوات تستخدمها القوى الكبرى کون بقاء العراق ضعيفًا وممزق يخدم مصالحها، فبالنسبة لتركيا فقد تعددت إستراتيجياتها ازاء العراق سيما بعد صعود حزب العدالة والتنمية الى الحكم في انتخابات سنة 2002. وتتمثل إستراتيجياتها تجاه العراق في القضايا الرئيسية وهي: القضية الكردية وقضية كركوك والأقلية التركمانية وقضية المياه، فقد عملت تركيا على محاولة تقييد طموحات الأكراد في كردستان العراق بإعلان دولتهم المستقلة فنسبة الأكراد في تركيا أعلى من نسبة الأكراد في العراق وفي حال قيام دولة كردية في العراق سيؤثر ذلك مباشرة على تركيا، كما عملت على منع إنفجار الأوضاع في كركوك الغنية بالنفط ذات الأهمية الإستراتيجية والنقطة الرابطة بين الأناضول والعراق وإيران وسعت الى منع إنضمام كركوك الى إقلیم کردستان لأهمية المنطقة بأعتبارها المنفذ الأول في تصدير النفط إلى ميناء جيهان التركي لذا فإن وقوعها بيد أكراد العراق سيمكنهم من إقامة دولة كردية إقتصادية كبيرة مما يؤثر على الأمن القومي لتركيا ممثلًا في زيادة مطالبة أكراد تركيا بوضع مماثل، إضافة إلى محاولة تركيا بإضفاء الصفة التركية على نهري دجلة والفرات منطلقة من إعتبار مفاده أن هذه المياه تنبع من تركيا لذا فإن لتركيا سيادة على مياهها وترفض الإعتراف بحقوق العراق وسوريا من نهري دجلة والفرات معتبرة أن المياه سلعة تجارية، إضافة الى ذلك فهي تعمل في القضاء على حزب العمال الكردستاني (PKK) المحضور في تركيا والمتواجدة بعض عناصره في شمال العراق، أما بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي فقد كانت تنظر للحكومة العراقية مابعد الغزو بنظرة خاصة تتمثل في إدراكها بأن انتعاش الحياة السياسية في العراق سيحفز دول مجلس التعاون الخليجي سيما أبناء الطائفة الشيعية التي تعيش في حالة من التهميش بالرغبة في الدخول الى الحياة السياسية كما حصل في العراق إضافة إلى تزايد خشية دول الخليج من الهيمنة الإيرانية إذ ترجحت كفة الميزان لصالحها بعد غياب العراق عن معادلة التوازن الإقليمي وإستطاعت إيران أن تؤدي دورًا مؤثرًا في العراق سيما في دعم الوكلاء الشيعة فقد عملت إیران  على إستخدام العراق كورقة تستقوي بها في ملفاتها الأخرى وعلى رأسها الملف النووي الإيراني وقد أدى هذا إلى إشعال المنطقة في طائلة حروب الوكالة.

 أبرز الإشكاليات الإجتماعية التي تعرقل عملية بناء الدولة العراقية

أولًا- الإشكالية الطائفية والولاءات الفرعية: إن النظر إلى المجتمع العراقي يؤشر لنا الطبيعة الفسيفسائية المتضمنة للتعدد العرقي والتنوع المذهبي والاختلاف الديني، هذا التنوع الذي غالباً ما يجعل الدولة أمام فكرة الصراع والانقسامات الدائمة لا سيما إذا ما توفرت بيئة حاضنة أو شرارة للنزاع، مما يجعلنا أمام حالة اللاستقرار في الدولة. ولعل هذا التعدد في بعده الطائفي دفع إلى تحويل الطائفية الموجودة في المجتمع إلى خطر حقيقي يهدد التجانس الاجتماعي وكيان الدولة ككل، والسبب يعود في تعميق تلك الظاهرة إلى التنشئة السياسية الخاطئة التي مارستها السلطة السياسية ما بعد عام 2003، والتي بنيت على أسس طائفية ودينية وعرقية متناسية وحدة العراق الوطنية، إذ وجدت الأطراف المكونة للعملية السياسية في ترسيخ الانقسامات المجتمعية والطائفية مصلحة جوهرية لها وذلك من خلال علاقة الطائفية السياسية بالسلطة والثروة والنفوذ، على حساب مصلحة الوطن والمواطن.

ثانيًا- غياب الشعور بالمواطنة: إن تقسيمات البيئة الاجتماعية والتعدد الذي يتسم به المجتمع العراقي نقلت الولاء من الدولة إلى الولاءات الفرعية بحسب الإنتماء العرقي أو الطائفي أو المناطقي، ومن ثم تجاهلت المفهوم الوطني العراقي، الأمر الذي أضعف الشعور بالهوية العراقية وبالمواطنة العراقية، ولعل ما عمق من هذه الحالة هو فشل الخطاب السياسي العراقي بعد عام 2003 في إيجاد روابط مشتركة تعيد اللحمة الوطنية وتدفع بالمواطنة إلى الأمام، بل على العكس نراه عَمّقَ من الأزمة لأنه لم يستند إلى خطاب جامع واحد يصهر كل خصوصيات المجتمع العراقي وانتماءاتهم تحت الهوية الوطنية العراقية فالواقع يؤشر على أن هناك من روج للهوية الإسلامية كما هو حال الأحزاب الدينية، وهناك من روّج لمفهوم الأمة العراقية، وهناك من روج للعلمانية، وهناك من روج للهوية العربية وآخرون يتمسكون بالهوية الكُردية، ومن ثم أسهم هذا الارتباك والتخبط في الخطاب السياسي لمعظم القوى والتيارات السياسية بجعل المواطن العراقي لا يشعر بهويته الوطنية ومواطنته لأنه يراها أمام عينيه ضعيفة بفعل سيادة الولاء الحزبي الفئوي على الولاء الوطني، ولا شك فإن هذا الواقع الاجتماعي العراقي قد سُيس في بعض جوانبه ولم يعد يأخذ بعداً خالصاً متعلقاً بكون الاختلاف مدعاة لقوة الدولة بقدر ما أصبح الاختلاف أحد عوامل عدم الاستقرار المجتمعي، وأن هذه الأسباب تلاقت مع العوامل السياسية والاقتصادية وكونت سلسلة من القهر والحرمان جعلت المواطن العراقي يلتف حول تقسيماته الطائفية والعشائرية والقومية، الأمر الذي خلق حالة من عدم الاستقرار وإضعاف مرتكزات بناء الدولة العراقية.

ثالثًا- التكوينات القبلية والعشائرية: إن أحد أهم الإشكالات الاجتماعية المؤثرة في بناء الدولة في العراق هو تنامي دور العشائر، مما يؤثر في عملية التطور السياسي والديمقراطي إذا لم يوظف بشكله الصحيح، فضلاً عن تأثيره في البناء الحقيقي للمجتمع المتحضر إذ أنها تستقطب الولاءات الأعلى لقطاعات من المواطنين مما يؤثر سلباً على الولاء للدولة ذاتها سيما بعد التشويه الذي أصاب مفهوم الدولة من ناحية التفكك البنيوي لأجهزتها ومؤسساتها، كما أن تمدد نفوذها في داخل الأحزاب السياسية نفسها سوف يضعف قدرتها على استقطاب المواطنين استناداً إلى أطر فكرية وبرامج سياسية وطنية عابرة للحدود العرقية والطائفية والدينية، كما أنه يلغي بتأثيراته على العملية الانتخابية فتصبح في جانب منها محكومة بالتوازنات القبلية والعشائرية.

نشاط وتحرّكات تنظيم داعش في العراق في ظل الواقع والمعطيات المتاحة:

من المحتمل أن يرى تنظيم "الدولة الإسلامية" العراق على أنه جائزة أكبر من سوريا بسبب اقتصاده الأكبر ولأنه يضم ظاهريًا مجموعة أوسع نطاقًا من المقاتلين المحتملين، وحتى الآن، لم يصل التنظيم إلى نفس مستويات القوة في العراق التي تفاخر بها في عام 2014، عندما سيطر على مساحات شاسعة من الأراضي، ولا في عام 2013 حين كان يستعد لانتشاره الكبير (على سبيل المثال، نفذ التنظيم 6,216 هجومًا في العراق عام 2013، مقارنة بـ 1,669 فقط في 2019)، وشهدت المحافظات التي تتعاون فيها قوات التحالف والقوات المحلية انخفاضًا في العنف، وخاصة كركوك. ومع ذلك، بدأت ديالى وجنوب صلاح الدين وبعض أجزاء حزام بغداد تشهد المزيد من الهجمات ولقد أنشأ التنظيم البنية التحتية المادية للتمرد، بإستخدامه الكهوف لتخزين المئات ـ إن لم يكن الآلاف ـ من المخابئ التي تحتوي على أسلحة وذخائر ومتفجرات ومعدات أخرى. كما أعاد التنظيم بعض الكوادر الرئيسية من سوريا إلى العراق، علما بأن إعادة إلحاق هؤلاء العناصر (العراقيون بشكل رئيسي) تؤثر على القيادة التكتيكية على المستوى المحلي ـ بما في ذلك تصنيع القنابل على جانب الطريق واستخدامها، ويتوجّه التنظيم إلى المناطق التي تضم أقل عدد من السكان في البلاد، ويعمل على إخلائها أكثر من سكانها، فيتحّدى أساسًا القوات العراقية وقوات التحالف الدولي على التحرك إلى داخلها، ويتحرك التنظيم ميدانيًا في:

 المنطقة الصحراوية الفاصلة بين محافظتي ديالى وصلاح الدين.

- مناطق بحيرة الثرثار والزوية والطرابشة، شمال محافظة الأنبار.

- مناطق غرب وجنوب محافظة كركوك.

- جزيرة كنعوص  وزنكوبة جنوب محافظة نينوى.

- المثلث الجغرافي الرابط  بين شمال عاصمة بغداد ومحافظات كركوك وديالى وصلاح الدين.

و لذلك فمن المستبعد أن ينهار تنظيم الدولة بشكل نهائي في المدى المنظور، فإلى جانب تواجده في مناطق جغرافية معينة  فإنّ ذراعه الإعلامية أيضًا لا تزال قوية وهو مازال يبث أدبياته عشرات المنشورات يوميًا، وسيكون كمون التنظيم حاليًا كتراجعٍ تكتيكيٍ لمنظومة الإرهاب " التي تتطور مع بقاء مضخات إنتاجها الفكرية والتمويلية، وأيضًا المناخ السياسي العام الذي ما زالت قضايا المنطقة معه عالقة إلى أجل غير منظور"

و خلاصة القول، فأنه على الرغم من تحقيق النصر العسكري على تنظيم داعش، فإن الحرب ضده لم تنتهي بشكل نهائي، وأصبح واضحًا الضعف الذي يعانيه التنظيم وذلك يتطلب الضغط المستمر عليه وتواصل العمليات الإستخبارية لملاحقة خلاياه السرية.

"مستقبل تنظيم داعش في العراق"

أولًا: آليات وإستراتيجيات الدولة العراقية لمواجهة تنظيم داعش:

-إتبعت القوات الحكومية بعد القضاء على تنظيم الدولة، إستراتيجية عسكرية تضمنت العديد من العمليات العسكرية لملاحقة فلول التنظيم وحماية المدن ومنعه من العودة إليها، وقد تم تنفيذ الإستراتيجية الحكومية من خلال ما يلي:

أ-العمل الإستخباري: أعتمدت أجهزة الإستخبارات الحكومية على جمع المعلومات من المصادر، والسكان المحليين، ووسائل الإعلام، والعملاء والجواسيس، والاعتقالات العشوائية، ومنظومة المراقبة الإلكترونية لقوات التحالف الدولي. ومع هذا لم يكن العمل الإستخباري بالأجهزة الحكومية بمستوى التحديات، كونها تفتقر إلى منظومة مراقبة شاملة لرصد تحركات التنظيم، بما فيها المراقبة الجوية، والأرضية، والإلكترونية، وكان ذلك من بين أسباب محدودية النجاح في عمليات ملاحقة التنظيم والحد من عملياته الهجومية.

ب-العمليات العسكرية: وحيث أن القوات المشتركة العراقية أعلنت النصر على تنظيم داعش عسكريًا نصرًا خسرت به داعش أرض التمكين وقدرتها على رفع رايتها على أي بناية مدنية أو حكومية أو عسكرية على أرض  العراق، وتحوّلت إلى فلول تسكن البوادي والصحاري والجبال والتلال والمناطق الزراعية الوعرة، تعمل على تمويل نفسها ذاتيًا، وإنهاك القوى القتالية الماسكة للأرض والمرابطة في الطرق الرابطة بين المحافظات، وعلى أطراف المدن والقرى والحدود، فصارت تستهدف المواطن العراقي على الهوّية مرة وأخرى على الولاء السياسي والمذهبي، بالإضافة إلى ما قام به التنظيم من عمليات تفجيرية هددت أمن العاصمة وتسبب بسفك دماء الأبرياء، ولهذا إنطلقت عمليات عسكرية واسعة والتي - ما زالت مستمرة - لملاحقة فلول التنظيم وحققت نتائج جيدة أصابت القيادات المهمة في التنظيم.

ج-عمليات إستباقية: تعتبر العمليات الإستباقية عملًا نوعيًا وجزءًا من العمل الإستخباري الناجح، كونها تحقق المباغتة، وتمنع الهجمات قبل وقوعها، وتشمل تنفيذ عمليات الإغتيال، وإلقاء القبض، وتدمير مواقع القيادة والسيطرة، ومراكز البحث والتطوير، ومعامل التصنيع العسكري، ومراكز الاتصالات، وقد نفذت "قوات التحالف الدولي" بالإشتراك مع"المخابرات العراقي" و"القوات الحكومية"، أغلب العمليات الاستباقية النوعية الناجحة، والتي يمكن وصفها بأنها أصابت تنظيم داعش بضرر بالغ.

ثانيًا: مواجهة تنظيم داعش إعلاميًا وعبر مواقع التواصل الإجتماعي :-

فيُعتبر مواقع التواصل الإجتماعي من الإستراتيجيات المهمة لدى التنظيم لجذب الإفراد للإنضمام إلى صفوفها، أو لإحداث حالات الفزع والرعب بين المواطنين والسعي لزعزعة هيبة الدولة ومؤسساتها أمام الرأي المحلي والعالمي، وتستخدم تنظيم داعش مواقع التواصل الإجتماعي للتعبير عن وجهات نظرها وإستثارة عواطف الجماهير والتلاعب بمعتقداتهم والتأثير عليهم بأساليب مختلفة بالإضافة إلى كون مواقع التواصل الاجتماعي تمثّل الحاضنة الآمنة للتواصل بين أفراد التنظيم بعيدًا عن المنظومة الأمنية، لذلك فمن الضروري فرض رقابة على وسائل التواصل الأجتماعي لأنها تُعتبر أكثر الوسائل إستخدامًا من قبل أفراد التنظيم في تحقيق أهدافها الدعائية والتنظيمية، اذًا فإن فرض الرقابة على وسائل الإعلام ومواقع التواصل الإجتماعي وشبكات الأنترنت وأصبحت وسيلة ضرورية للكشف عن الخلايا النائمة ومراقبة البيانات ومواقع تواجدهم.

ثالثًا: مواجهة تنظيم داعش آيديولوجيًا:

بعد القضاء على تنظيم داعش عسكريًا، ستكون المعركة الأخيرة هي معركة فكرية وعقائدية وهي المعركة الأهم، لأن بداية كل شيء مادي مجرد فكرة ثم معتقد ثم إيمان فرد ينتقل أو يؤثر على مجموعة أفراد بغض النظر عن ماهية الفكرة سواء كانت إيجابية أو سلبية فهي تهدف إلى تحقيق غرضٍ ما.

ويميل بعض الباحثين والدارسين عند وصف الإرهاب الديني إلى الارتباك والتشوش، وتصوير الدين بإعتباره غاية لا وسيلة، وفي الحقيقة، إن الإرهابيين يتحركون بإسم الدين، لكنهم يسيئون إستخدامه، حيث يبقى الهدف النهائي هو الوصول إلى السلطة. وعليه فإن الهدف الأساسي في الأصل هو جوهر سیاسي لكن هذا لا ينفي تطويعه لنصوص دينية ومقدسة من أجل تجنيد أتباعه، لكن بمرور الأيام تصاعدت التفسيرات الدينية للظاهرة الإرهابية.

ولأن تنظيم داعش، لا يمكن مواجهتها بالصواريخ والرصاص، دون أن تواجه بالأفكار والعقائد والحرب الناعمة، حتى لو كان الجزء الأبرز من داعش هو كونه عدوًا عسكريًا يجيد إستعمال القنص والتفجير والتفخيخ، تبقى للمواجهة الثقافية معه الدور الأكبر، من خلال فهم آيديولوجيته ودراستها إذ لا يمكن أن تقاتل عدوًا لا تعرفه وتنتصر عليه...وحتى لو وصلنا إلى النهاية العسكرية لتنظيم داعش، فإن المعركة الفكرية لم تنته بعد، وعلى حد تعبير أحد الباحثين بأن الإرهاب الملتحف بالدين يعيش منظومة قيم متناقضة، بين الديني والعلماني، حيث يعمل الإرهابيون الذين يتخذون البعد الديني ضمن إطار سياسي وثقافي متناقض. فهم يريدون الفوز وإلحاق الهزيمة والضرر بالنظام السياسي الذي يقمعهم، وربما يسعون إلى تدمير البنى الإجتماعية، فهم يرغبون في تصحيح الوضع، ثم يفضلّون إيجاد الحلفاء بدلًا من قتل الأعداء، أما الإرهابيون الجهاديون فلا تكبّلهم هذه القيود، وهم يرون العالم میدان حرب بين قوى الخير والشر، والنور والظلام، إذًا يجب تدمير العدو تدميرًا كاملًا؛ ولعل الأخير ما يميز تنظيم داعش، وعندما نقول إن ظاهرة داعش ليست منفصلة عن البيئة العربية، نعني أنها لم تكن وليدة اليوم، وإذا قرأنا المجتمع بعيون علم الإجتماع وراجعنا سجل التاريخ لوجدنا ذلك التاريخ الممزوج بالدم، على مستوى السلفية الجهادية، أو النسخ المختلفة للتنظيمات الإرهابية مثل داعش وغيرها، ونعتقد أن المعادلة أدناه هي من صنعت داعش: (فکر سلفي متطرف + دولة فاشلة + استبداد + فقر + صراع إقليمي = داعش)، وعمومًا لا يمكن دراسة داعش وغيرها من التنظيمات الإرهابية، دون فهم السلفية الجهادية وأسباب نشأتها.

أبرز الآثار الذي خلّفه تنظيم داعش:

أولًا: أثر تنظيم داعش على الوحدة الوطنية والهوية العراقية :-

أختلف أغلب الباحثين والرأي السائد بأن داعش أحدث شرخ في موضوع الوحدة الوطنية، وعلى العكس تمامًا أرى أن داعش هنا هو بمثابة "الضارة النافعة" التي وعت المخيال الوطني وأصحت الشعب على حقيقة التنظيم

الذي اظهر عداءه لكل المواطنين مستثنية مفهوم المذهب والطائفة، وتجلّت أثر التنظيم على الوحدة الوطنية أنه وحدَّ الصف المحلي ورص الوحدة الوطنية وتحالف قوى الحشد الشعبي مع الحشد العشائري والأهالي في طرد التنظيم من المناطق التي سيطر عليها والتي اضعفت قوى التنظيم الإرهابي إلى جانب مشكلاته وتراجع الدعم المحلي لها، والنظرة الفاحصة لخارطة العراق اليوم تعطي انطباع إيجابي على خفض الأعمال الإرهابية للتنظيم قياسًا بأعوام ما قبل 2014، وهو إشارة واضحة لإمكانية بناء وحدة وطنية حقيقية على أنقاض مخلّفات التنظيم.

و هكذا إكتسبت الهوية العراقية زخمًا فيما تراجع الطائفية،  وفقًا لنتائج الإستطلاع الوطني (للمعهد الديمقراطي الوطني، يميل العراقيون، بمعدل أربعة أضعاف أكثر من غيرهم، إلى التعريف عن أنفسهم كعراقيين أولًا عوضًا عن ذكر دينهم أو طائفتهم، في الواقع، إن الإنقسامات تغذّيها السياسة والفجوة بين المواطنين والدولة. مع أن العراقيين يتمتعون بهوية مشتركة ويشعرون أن العلاقات بين الشيعة والسنة تتحسن، يبقى الشعور بالإنقسام مهيمنة على البلاد، فقد أفادت أكثرية تبلغ ٦٤% أن البلاد منقسمة لا موحدة. وحدها بغداد، وهي المنطقة الأكثر تنوعًا، عبرّت فيها الأكثرية عن الوحدة، في حين أن أكثريات كبيرة في الجنوب والغرب وإقليم كردستان أفادت أن البلاد أكثر انقسامًا، ومَرّد هذا الشعور بالإنقسام إلى النزاعات المتعلقة بالسياسة والسياسيين، كما تبين الاستطلاعات، أنه لا يلاحظ هذا التوّجه في الإنقسامات وفقا لإعتبارات دينية أو إثنية بالضرورة، بل قد يكون عبارة عن إنقسام ما بين المواطن والحكومة أحيانًا. فقد أفاد أكثر من النصف ٥٢% أن أحد أبرز الإنقسامين اللذين يواجههما العراق هو الإنقسام بين الأحزاب السياسية، في حين أعتبر ٣٢% أن الإنقسام الأكبر هو بين السياسيين والمجتمع، فضلًا عن ذلك صرّح ٣٩% آخرون أن أحد أبرز الإنقسامين الذين بواجههما العراق هو الإنقسام بين البلدان التي تبسط نفوذها على العراق، كالولايات المتحدة وإيران، في المقابل، يقول ٢٨% فقط إن الانقسام الأكبر هو ما بين السنة والشيعة..

ثانيًا: أثر تنظيم داعش على القوات العراقية العسكرية:

كان لسقوط الموصل عسكريًا أثرًا سلبيًا على الروح المعنوية للقوات المسلحة العراقية وعندما نتحدث عن المرحلة التي أعقبت أحداث سقوط الموصل لا يمكننا أن نتحدث بعيدًا عن الدعم الكبير الذي قدّمهُ المرجعية الدينية في النجف متمثلة بفتوى الجهاد الكفائي التي أفرزت إعلان ولادة الحشد الشعبي الذي تم ربطه بالمؤسسة الأمنية العراقية وأصبح المنقذ الحقيقي آنذاك إضافة الى الدور الكبير الذي قام به شيوخ القبائل العراقية المختلفة فقد شعر أبناء المجتمع العراقي بأن الحشد الشعبي هو المنقذ لإحتمال سقوط الدولة العراقية وإمتد هذا الشعور ليشمل المؤسسات الرسمية ودوائر الدولة مما أدى الى تغيّر المخططات التي كان تنظيم داعش والأطراف الداعمة له تتأمل تحقيقها، إذ أن دخول الحشد الشعبي الى المعركة شكّل فاصلة تاريخية من الإستجابة القوية والحس الوطني العالي مما غيّر موازين القوى لصالح القوات الأمنية العراقية فحققت القوات الأمنية والحشد الشعبي انتصارات عسكرية كبيرة، ولقد أنتجت الحرب ضد تنظيم داعش عقيدة قتالية لدى التشكيلات العراقية المسلحة وهي العقيدة القائمة على الشراكة والتعاون بين القوات العسكرية والحشد الشعبي فبينما تقوم القوات العسكرية بالهجوم فإن الحشد الشعبي يصبح الطرف الأقرب في المناورة مع الجيش ومن ثم مسك الأرض.

وعلى أثر تحقيق هذا النصر فإننا نجد القوات العراقية في منحنى تصاعدي تمكنت خلاله إستعادة الروح المعنوية والقتالية للجنود العراقيين، كما أن بروز الحشد الشعبي كقوة قتالية أفضى إلى معطيات واقعية على الأرض ولا سيما بعد إسهاماته الحقيقية في تحرير الأراضي العراقية وإستعادته لها من قبضة داعش وهذه الأمور جعلت القوة العسكرية تميل لجهة القوات العراقية والحشد الشعبي الذي أصبح موازنًا لعمليات المعارك التي تتطلب إشراكه فيها

و هنا يتوّجب علينا أن نجيب على السؤال الأهم وهو؛ ما هو مستقبل تنظيم داعش في العراق؟

وذلك يعتمد على أكثر من متغير، في مقدمتها العملية السياسية، فإذا ما تطورت العملية السياسية وتمكنت من إدماج السنة والتخفيف من مشاعر الإقصاءّ والتهميش، والحد من الحالة الطائفية، لصالح نمو سياسات وطنية توافقية تحكم المؤسسات السياسية والأمنية، فإن هذه ستكون ضربة قوية مؤثرة سلبًا على قدرة التنظيم على التجنيد والدعاية، إذ لطالما إرتكز في خطابه السياسي والعالمي على "الأزمة السنية"

ويرتبط بذلك أيضًا متغير السياسات الإقليمية والدولية، فمن المعروف أن هزيمة تنظيم داعش لم تتحقـق، إلا عندما تواطأ الجميع على ذلك، الأمريكيين والروس والإيرانيين والأتراك والحكومات المحلية والأكراد، فكانت المفارقات مثلًا في العراق أن الطائرات الأميركية تقصف من الجو... فالجميع اتفقوا على إنهاء دولة داعش، لكن السياسات نفسها عادت إلى الإختلاف والصراع... ما يعني العودة إلى الظروف والشروط السابقة التي إستثمرها داعش وساهمت في صعوده، لا يعني ذلك بالضرورة تكرار التجربة، لكنه يعني إعطاء التنظيم الفرصة بدرجة أفضل لإعادة الهيكلية والتكيف والنظر في إستراتيجياته القادمة.

ويجب على الفاعلون المحليون والدوليون إزالة المسببات التي أدت إلى ظهور تنظيم "داعش" عبر بناء نظم سياسية بعيدة عن الاقصاء والتهميش والتمييز في السلطة والموارد على أسس الانتماء العرقي أو الطائفي.

و في الختام، فإنه على الرغم من هزيمة تنظيم داعش سنة 2017، وإنهاء دولة التمكين، إلا أنّ ذلك لا يُعني إنتهاء تهديد وخطر التنظيم على الدولة العراقية، فلا يزال التنظيم موجودًا (فكرًا وممارسة) ؛ متمثلة بالخلايا النائمة وإنّ العمل على القضاء عليها بالقوة العسكرية فقط لن يُحقق النتائج المرجوة ما لم تُرافقها إستراتيجيات سياسية وإقتصادية وإجتماعية  ولتحقيق أقصى فائدة من تطبيق تلك الإستراتيجيات يجب توّفر الإرادة السياسية وبيئة ديمقراطية تُذوّب بها حدة الخلافات والإنقسام الطائفي، فصعود تنظيم داعش مرتبط بأزمة فشل بناء الدولة وعجزها عن تحقيق مطلبين أساسيَّيْن وهما الإنفتاح الديمقراطي وقبول التعددية، فإنحسار التطرف والعنف يعتمد على قدرة الحكومات بالسماح لأفرادها بمختلف إنتماءاتهم بالمشاركة في العمليات السياسية والإقتصادية وشعورها بالرضا والعدل؛ إذ بات من المعروف أن الحركات المتطرفة تنمو في الدول الغير مستقرة سياسيًا والمجتمعات المنغلقة فكريًا.

وبناءًا على ما سُبق، فإن تنظيم داعش هو نتاج الإنقسام بين طائفة (السنّة والشيعة) المسلمَيْن، وهذا الإنقسام هو نتاج سياسة الدولة في تفضيل طرف وتهميش طرف آخر، أي يُمكن إنْ نعتبر تنظيم داعش هو نتاج للفوضى السياسية والإنقسام الطائفي، ولذلك إستغل التنظيم الفوضى السياسية والإنقسام الطائفي لتحقيق مآربه عن طريق فرض نفسها كوْنها المنقذ لطائفة السنّة بالرغم من رفضهم للتنظيم وأفعاله الإرهابية، ولهذا ما كُتِبَ لتنظيم داعش أن تُهزَم إلا على أرض العراق وعلى أيدي إبناء العراق بإختلافاتهِم كافة، وهذا ما دَفع التنظيم فيما بعد للقيام بعمليات غير مركزية وإنتشار ظاهرة الذئاب المنفردة.

وبالرغم من إمتلاك تنظيم داعش لأغلب مقوّمات الدولة، فإن ذلك لن يجعلها دولة بالمفهوم المتعارف عليه بل انها تنظيم ارهابي ليس إلا، وهذا يبدو واضحًا جدًا، فمسلحو التنظيم صوروا أنفسهم وهم يقطعون رؤوس أسراهم، كما نهبوا المدن والقرى التي إستولوا عليها وقتلوا أو هددوا بقتل كل من يخالف نظرتهم المتشددة للإسلام. وقد سرقوا ثلث أراضي العراق. لذا، فليس هناك أي احتمال بأن يحصل هذا التنظيم على عضوية منظمة الأمم المتحدة او أي منظمة دولية اخرى.

 

زينب عبد المحسن حميد

...........................

الهوامش:

(١)فواز جرجس، داعش إلى أين؟:جهاديو ما بعد القاعدة، الطبعة١، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ٢٠١٦.

(٢)  فالح عبدالجبار، دولة الخلافة:التقدم إلى الماضي: داعش والمجتمع المحلي في العراق، الطبعة١، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، ٢٠١٧.

(٣) محمد أبو رمان، مستقبل داعش: عوامل القوة والضعف...ديناميكيات"الخلافة الإفتراضية" وفجوة إستراتيجيات مكافحة الإرهاب، عمان: مؤسسة فريدريش إيبرت، ٢٠٢٠.

(٤) ياسر عبدالحسين، الحرب العالمية الثالثة: داعش والعراق وإدارة التوّحش، الطبعة ١،شركة المطبوعات، بيروت، ٢٠١٥.

(٥) حسن عليوي المفرجي، داعش في العراق: بين فشل الدولة المدنية والسياسة الحكومية الأمنية(دراسة تحليلية)، كلية القانون والعلوم السياسية، المجلد ١، العدد٣، ٢٠١٩.

(٦)شمس عبد حرفش، العراق في مواجهة الأفكار والمخططات الإرهابية وتحديات المستقبل بعد هزيمة داعش، جامعة تكريت، كلية طب الأسنان، ٥/٥/٢٠١٩.

(٧) ناظر دهام محمود، نشأة التطرف الديني في الفكر السياسي وأثرهُ على الوحدة الوطنية في العراق بعد صعود داعش، جامعة تكريت، كلية العلوم السياسية،٤/١١/٢٠٢٠.

(٨)إستراتيجية تنظيم داعش في العراق، مركز الإمارات للدراسات، ٥/١/٢٠٢١، الموقع : https://epc.ae/ar/topic/isis-strategy-in-iraq   ، تاريخ الزيارة: ٣١/٣/٢٠٢١

(٩) ادمون فيتون براون، التهديد المستمر من تنظيمي «الدولة الإسلامية» و«القاعدة»: وجهة نظر الأمم المتحدة، معهد واشنطن،٦/٢/٢٠٢٠، الموقع: https://tinyurl.com/yy 3t8r9r ، تاريخ الزيارة: ٥/٤/٢٠٢١.

(١٠) حاتم الفلاحي، تصاعد نشاط تنظيم الدولة: المخاطر وفرص المواجهة،مركز الجزيرة للدراسات، ١٠/٢/٢٠٢١، ص٨، الموقع: https://studies.aljazeera.net/ar/article/4911  تاريخ الزيارة: ١٥/٣/٢٠٢١.

(١١) رائد الحامد، "مستقبل داعش" بعد إعلان هزيمته بالعراق وسوريا، وكالة الأناضول، ١/٤/٢٠١٩، الموقع:

 https://www.aa.com.tr/ar/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%B1/%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%A8%D9%84-%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%86-%D9%87%D8%B2%D9%8A%D9%85%D8%AA%D9%87-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D9%88%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7/1439369  ، تاريخ الزيارة: ٦/٤/٢٠٢١.

(١٢) . معوقات بناء الدولة في العراق{2}..قراءة في الإشكاليات الإجتماعية، مركز المستقبل للدراسات الإستراتيجية، ٢٠١٩، الموقع:

http://mcsr.net/news519، تاريخ الزيارة : .٣١/٣/٢٠٢١

(١٣) هشام الهاشمي، تنظيم داعش عام٢٠١٨ العراق إنموذجًا، المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات، ١٨/١٠/٢٠١٨، الموقع:

 https://www.europarabct.com/%d8%aa%d9%86%d8%b8%d9%8a%d9%85- %d8%af%d8%a7%d8%b9%d8%b4-%d8%b9%d8%a7%d9%85-2018-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a7%d9%82-%d8%a3%d9%86%d9%85%d9%88%d8%b0%d8%ac%d8%a7-  %d8%a8%d9%82%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84 تاريخ الزيارة: ٢٥/٤/٢٠٢١.

(١٤) https://www-alhurra-com.cdn.ampproject.org/v/s/www.alhurra.com/different-angle/the- islamic-states-resurgence in-the-covid-era-from-defeat-to-renewal?amp_js_v=a6&amp_gsa=1&amp&usqp=mq331AQHKAFQArABIA%3D%3D#aoh=16172126991534&referrer=https%3A%2F%2Fwww.google.com&amp_tf=%D9%85%D9%86%20%251%24s&ampshare=https%3A%2F%2Fwww.alhurra.com%2Fdifferent-angle%2Fthe-islamic-states-resurgence-in-the-covid-era-from-defeat-to-renewal،   ٥/٦/٢٠٢٠، تاريخ الزيارة :٣١/٣/٢٠٢١.

(١٥) Sean Kane, The Coming Turkish-Iranian Competition in Iraq , United State Institute of Peace , Special Report, Washington, 2011.

.(١٦) Hasan Turunc, Turkcys global strategy: Turkcy and Iraq , the London school or cconomics and Political science, UK, 2011.

 

 

 

عدي عدنان البلداويفي النظم الديمقراطية يتم تربية الصغار وتدريبهم على مناقشة المشكلات وخلق الحلول الايجابية لمعالجتها بالاضافة الى تدريب الطفل خلال سنوات تعليمه على الكيفية التي يعبّر بها عن رغبته وحاجته وكيف يصوّت عندما يحين دوره في الإدلاء بصوته في العملية الانتخابية، ويقوم البعد التربوي في اختيار الحكومة المناسبة على تمكين المواطن من تحقيق كسب مالي يضمن له معيشته بشكل لا تتعرض فيه شخصيته وكرامته وامنه وسلامته الى الاذى ويتحمل النظام الحاكم مسؤولية كاملة في تحقيق نمو ثقافي اجتماعي نفسي لافراد المجتمع، فقد سجّل علم النفس فارقاً بين نظرة وسلوك فرد في مجتمع غير ديمقراطي ونظرة وسلوك فرد اخر في مجتمع يصوّت لاختيار الاقدر على تحقيق حالة الاستقرار والاستمرار لشؤون الحياة الآمنة المنتجة .

كيف ينظر المواطن الى علاقته بالحكومة ..؟

الحكومة في تصور عدد كبير من الناس هي الجهة القادرة على انجاز مشاريع كبيرة مكلفة يعود ريعها على الجميع، لا تستطيع الجهود الفردية انجازها، وعلى وفق هذا التصور تملك الناس شعور كبير بالاحباط بعد ان اخفقت الحكومات المنتخبة في انجاز مثل هكذا مشاريع كبيرة على الرغم من خروج الناس الى المشاركة في الانتخابات لاكثر من دورة انتخابية .

ان وجود المجتمع في وسط مضطرب سياسياً وامنياً واقتصادياً لفترة طويلة من الزمن كالتي مرّت على بلادنا من شأنه ان يعرّض بنية المجتمع الى التفكك، لأن القلق او الفوضى المستمرة تعرّض الشخص الى صراع ذاتي في غياب التنسيق، ويظهر الخطر المحدق بالمجتمع جرّاء هذه الفوضى مع نشوء الصغار وبلوغهم وقد قضوا فترة طفولتهم في اجواء مضطربة غير مستقرة وغير امنة . ان هذا الجيل مهدد باضطراب في الشخصية، وترجع كثرة المشاكل الاجتماعية اليوم الى ذلك، فصرنا نستغرب سلوكيات ومواقف تبدر من اشخاص لا يوحي ظاهرهم بأنهم يعيشون حالة تأزم وقلق داخلي . لقد خلق الله سبحانه وتعالى الخير وترك لنا حرية استخدامه فهناك من اجاد استخدام الخير وهناك من اساء . الانتخابات خطوة مهمة ومتطورة في طريق الوصول الى السلطة عندما تمنح المواطن حق الاختيار لكن كثيرين لم يعودوا يرونها كذلك بعدما انتجت اشخاصاً تنصلوا عن وعودهم وتصريحاتهم خلال حملاتهم الدعائية قبل الانتخابات وهذا ما ترك انطباعاً سيئاً لدى الناس إذ ازدادت المشاكل وتولّد عند كثيرين شعور بالتراجع في نواحي الحياة اجتماعيا وثقافيا ومعاشيا وصحيا وتربويا وتسبب ذلك الشعور في انعدام الثقة او ضعفها وهو ما تسبب فيما بعد في غياب التفاؤل فمن شأن التفاؤل ان ينمّي الحسّ الجمعي ويقوّي ارادة المواطن بما يجعله يفكر بجدية وفاعلية في المشاركة المثمرة في الانتخابات، والاخطر من ذلك هو عكس التفاؤل فعندما يخيم التشاؤم على المشهد الاجتماعي لحياة الناس سينشأ الاطفال وهم يفتقدون الى الثقة بالمركزية وبالحكومة وبالمسؤول، فيتولد في نفوسهم شعور بالإعتماد على المجهود الذاتي كمصدر للقوة وهذا الشعور يضعف من قوة تماسك المجتمع . ان التربية لا تقتصر على التعليم والأسرة، ان للعملية الانتخابية الحصة الاكبر في ذلك وقد رأينا كيف تدنى مستوى التعليم في المدارس وكيف غاب الذوق العام في الشارع وكيف انحسرت القيم والمثل العليا . ان من شأن العملية الانتخابية ان تساعد المواطن على تكوين نظرة تفاؤل وامل تمتد الى القادم من ايامه وايام اولاده . لقد اصطبغت العملية الانتخابية في المراحل الماضية بصبغة سيئة إذ انتجت اشخاصاً يبحثون عن منافعهم الشخصية ويستخدمون المنصب لمزيد من الكسب الخاص تدفعهم الانانية فيستخدمون لغة تمويهية لخداع الناس من اجل الإبقاء على اوهامهم وعندما تسيطر الأنانية على مدارك وسلوك العاملية في السلطة لا يعود في العملية الانتخابية ما يشد المواطن اليها وربما تصبح مصدراً للشرّ والفساد والفوضى وعندما تصاب السلطة بالفوضى يتحتم على المجتمع حماية نسيجه وبنيته وعافيته من خلال الاهتمام والتركيز والعمل على المصالحة بين افراده وتمكين اصحاب الامانة والمعرفة . لا شك ان امام المجتمع خيارات صعبة جداً لكن لا يهم كيف ستجري العملية الانتخابية وعن ماذا ستسفر نتائج الاقتراع ولا يهم ان كانت العملية الانتخابية مهددة بالتزوير او الاختراق، المهم هو الطريقة التي سيشارك بها الناس في الانتخابات، ان ما يؤسف له ان السنوات العجاف الماضية تركت آثارها في سلوك وتفكير كثير من الناس وبدت مداركهم محدودة غير واضحة الرؤية والهدف فقد دخلت المصالح الشخصية على خط العلاقة بين المواطن والسلطة . ان من مساوىء وصول اشخاص فاشلين الى السلطة ومرور وقت طويل على هذا الحال ان ذلك سيدفع المواطن باتجاه اعتياد وجود الفشل والمصلحة في المسؤول وينتج عن هذا التصور وجود اشخاص في المجتمع يحملون نزعة السيطرة على الاضعف والخضوع للاقوى ويترتب على ذلك ارتفاع في معدلات العنف والعنف الاسري الذي وصلت معدلاته الى 80% حسب مصادر، إذ يضطر رب الأسرة خلال تواجده في اماكن العمل وفي الشارع الى ممارسة شكل من اشكال المجاملة وفي بعض الاحيان الى الخضوع اذا اضطره الموقف وهو ما يرفع حدة التأزم الداخلي لدى البعض فيندفع الى تعويض هذا الاضطرار السلوكي خارج البيت الى تسلط داخل البيت يقع ضحيته الزوجة والاولاد، ولا تتوقف تداعيات ذلك التأزم على السلوك فقط بل تتعداها الى التشتت الذهني وضعف القدرة على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب .

ان طبيعة العلاقة بين الحكومة والشعب تقوم على ثنائية الادارة والارادة حيث ينبغي ان تكون الإرادة بيد الشعب بينما الإدارة بيد الحكومة وعندما تفشل العملية الانتخابية في فرز اشخاص يتمتعون بقدر عالي من المقدرة على تفعيل الدور الطبيعي لهذه الثنائية سيتعرض القانون الى التراجع في نظر الناس لأن تطبيقه من قبل اشخاص فاشلين من شأنه ان يضعف حضوره في النفوس لافتقار ذلك التطبيق الى العدالة والمساواة وهو ما دفع الناس الى حماية انفسهم وممتلكاتهم ومصالحهم بالشكل نفسه الذي كانت عليه الحال في عهد الدكتاتورية وهو مؤشر على ان العملية الديمقراطية لم تأخذ تعريفها وتطبيقها الصحيحين في احداث المشهد العراقي طيلة السنوات الماضية .. ان عسر العملية السياسية التي تشهدها البلاد جاء من تقاطع المفاهيم وتداخل تطبيقاتها، فمع ان نظام البلاد يعتمد القانون في دستوره يجد المواطن غياباً للمساواة في تطبيقه. يرى الفيلسوف الفرنسي فيليب ان علاقة قوية تجمع التربية بالديمقراطية من حيث ان التربية تعطي الفرد اهمية عظمى كما تعطيه الديمقراطية وبالنتيجة فإن (التربية الديمقراطية من اجل الديمقراطية تعني التربية للجميع فهي تربية من اجل الفرد في المجتمع.) ويقول (ويجب على المواطن في الديمقراطية ان يتعلم التفكير الذكي في السياسة الاجتماعية وان يختار اختياراً حكيماً اولئك الذين يجب ان يمثلوه ويجب عليه كذلك ان يتعلم احترام القانون وفهم مبادئه الاساسية ..). ان القانون لا يستطيع ان يحكم ما لم يوجد شخص مؤهل للقيادة، بعد اكثر من عشر سنوات على العملية الانتخابية اشتبه على كثيرين حقيقة مؤهلات القيادة واخذت التفسيرات الشعبية والمحلية دورها في تصورات الناس بعد ان اسهم الزمن في استنساخ نفس النمط في كل مرحلة وهو ما ترك انطباعاً لدى كثيرين انه امر مألوف فصار الأقوى، الأغنى، صفات غالبة على تحديد الاختيار من قبل كثيرين وهنا سنواجه مشكلة كبيرة هي ان الاطفال الذين ينشأون في مجتمع يحكمه الاقوى والأغنى سيكبرون وفي دواخلهم رغبة جادة في البحث عن مصادر المال والقوة من اجل السيطرة بينما الاطفال الذين ينشأون في مجتمع تحكمه الكفاءة والمهنية النظيفة سينمو في نفوسهم حب المعرفة واحترام والتزام القيم والابتعاد عن الظلم مثل هكذا بيئة آمنة من شأنها ان تنتج جيلاً راغباً في التغيير ..  

 

عدي عدنان البلداوي

 

علي المؤمنللمرة الثالثة أشاهد بتأمل فيلم (Brave Heart) الذي جسد فيه الممثل الأمريكي "ميل جيبسون" شخصية القائد الاسكتلندي "وليام والاس"، الذي فجّر حرب الاستقلال الاسكتلندية الأولى ضد المحتل الانجليزي. وفي كل مرة أكتشف أشياء جديدة في الرواية، وأعود لأطابقها مع المدونات التاريخية التي كتبها الاسكتلنديون المقهورون من جهة والبريطانيون المنتصرون من جهة أخرى.

وإذا كانت مشاهدتي الأولى للفيلم في العام 1996، دفعتني تلقائياً لإسقاط دروسه ومداليله على واقعنا العراقي والإقليمي والإسلامي؛ فإن مشاهداتي له بعد العام 2003؛ جعلتني أستشعر التطابق في كثير من المداليل والأحداث المريرة مع الواقع العراقي خصوصاً، والشيعي عموماً.

كان "والاس" قائداً ستراتيجياً شجاعاً، مخلصاً لقضيته الأسكتلندية حتى الموت، ولذلك؛ استطاع كسب الشعب الاسكتلندي الى جانبه، وحقق لمسار الاستقلال والتحرير والبناء انجازات كبيرة. وفي بداية الحراك شارك أغلب حكام المقاطعات والنبلاء الاسكتلنديون مع "والاس"، إلّا أنهم أخذوا يستشعرون خطره عليهم وعلى نفوذهم ومصالحهم الشخصية، بسبب ماحققه من إنجازات، والتفاف أكثر رعابا هؤلاء النبلاء حوله. وبرغم يقينهم أن حراك "والاس" يصب في مصلحة اسكتلنده وشعبها ومستقبلها؛ إلّا أنهم قرروا التضحية بمصالح البلاد والشعب من أجل ضمان بقائهم ومصالحهم؛ فاتفقوا مع المحتل الانجليزي على الإطاحة بالقائد "والاس"؛ مما تسبب في خسارته بعض معاركه، وقد استغل النبلاء هذه الخسائر لبث الدعايات ضده وتأليب الناس عليه، ثم كانت خيانتهم الكبرى، عندما اتفقوا مع ملك انجلترا على استدراجه عبر إمرأة من البلاط كانت تساعده وتظهر له الود؛ فوقع في مصيدة الانجليز، وألقي القبض عليه، وأعدم في لندن، بعد جولة من التعذيب البشع.

مايهمني في هذه الأحداث التي وقعت في نهاية القرن الثالث عشر الميلادي، هي سياقات تدوينها، ووجهات النظر حيالها؛ فالمدونات الانجليزية القديمة وصفت ""والاس" بقاطع الطريق والمتمرد ورجل العصابات، بينما وصفته مدونات النبلاء الاسكتلنديين بأنه دكتاتور ومستبد، وتسبب في قتل كثير من الاسكتلنديين، أما مدونوا حروب الاستقلال الاسكتلندية فقد وصفوه بالقائد العظيم وشجاع القلب، وهي الصفات التي تبناها "مل جبسون" منتج فيلم (Brave Heart) ومخرجه وبطله الذي جسد شخصية القائد "وليام والاس".

وقد أثار انتباهي تبني "جيبسون" للرواية الاسكتلندية الثورية لشخصية "وليام والاس"؛ بل تبني الفيلم بكل تفاصيله، من إنتاج وإخراج، وكذلك تمثيل شخصية "والاس" بأداء مذهل، وهو ما كان يريد "جيبسون" إيصاله من رسائل. وقد وجدت أن السبب يكمن في أصول "جيبسون" الايرلندية وموقف أسرته من الاحتلال البريطاني الفعلي للجزء الشمالي من إيرلنده، والأهم من ذلك مذهبه الكاثوليكي المناهض للكنيسة الانجليكانية البريطانية.

2813 فلم سينمائي

وقد عزز عندي إنصاف "جيبسون" للقائد "والاس" وكشفه خيانة نبلاء اسكتلنده ووحشية الاحتلال الانجليزي؛ حقيقة أن التاريخ مهما تعرّض للتزوير والحرف، ومهما حاول المنتصرون وأصحاب النفوذ؛ إعادة توجيهه؛ فإن عجلة الزمن ستقيض يوماً شخصاً أو أشخاصاً، ولو بعد مئات السنين؛ لكشف الحقيقة وإعادة عرض التاريخ بإنصاف، وهو ما شاهدناه أيضاً في أفلام ومسلسلات معاصرة مهمة، كالرسالة ويوم الواقعة والمختار والقائد الوحيد والإمام الرضا وغيرها.

وعود على بدء؛ أرى أن أحداث العراق ولبنان وإيران والشرق الأوسط برمتها، وخاصة ما بعد العام 1979؛ تتعرض لأبشع أنواع التشويه والحرف والتزوير، بسبب قدرة ماكنات التسقيط الداخلية والخارجية العملاقة، والتي تتفوق ـــ بما لايمكن قياسه ـــ على قدرة مؤرخ أو راوٍ أو باحث على توثيق الأحداث وتحليلها بواقعية، والمحافظة على مساراتها ومفاصلها وتفاصيلها.

والأنكى من ذلك؛ أن الواقع العراقي والإقليمي والشيعي، سواء في عهد صدام والمعارضة العراقية، أو في عهد ما بعد العام 2003؛ لايتحمل من الباحث قول الحقيقة وتحليلها بواقعية وعرضها بشفافية بالأسماء والتفاصيل؛ لأن في ذلك محاذير كثيرة تتعلق بالمصلحة العليا أحياناً، وبمصير الباحث أحياناً أخرى، وبمصير نتاجاته ثالثة، وهي عوامل لاتنفع معها شجاعة ولاجرأة ولاتضحية.

هذا الواقع المرير؛ لا نزال نعيشه بكل تفاصيله منذ أربعة عقود وحتى اللحظة؛ ففي كل كتاباتي، وخاصة التاريخية، كانت تواجهني هذه العناصر الضاغظة، وتجعلني أحجم عن ذكر كثير من الأسماء والأحداث؛ مراعاةً للمصلحة العامة، ولكن دون التضحية بالأمانة التاريخية طبعاً؛ بل لاتزال هذه العناصر تمنعني من نشر كتاب كلّفني أربع سنوات من عمري، هو "سنوات الرماد"، ثم كتاب "رزية 2014"؛ لأن فيهما من المعلومات والرؤى والتحليلات؛ ما أعتبر الكشف عنها وتبنيها من قبلي؛ مضراً في المرحلة الحاضرة.

ولا يقتصر الأمر على هذه جزئية نشر الحقائق؛ بل يتعداها الى جزئيات أخرى، التوثيق الفني للأحداث، وهو أمر مقدورٌ عليه عملياً، لكنه لم يتحقق حتى الآن؛ بسبب عدم شعور كثير من المتصدين وقادة الحركات الإسلامية وأصحاب رؤوس الأموال العراقيين الشيعة؛ بأهمية توثيق المرحلة درامياً وسينمائياً، وهو التوثيق الأقرب الى البقاء والى مزاج الناس وعقولهم، وهو ما تنبّه إليه الإيرانيون منذ العام 1980؛ إذ انتجوا آلاف الأفلام والمسلسلات التي توثق لثورتهم الإسلامية والحرب والشأن السياسي الداخلي والتحديات الأمنية والاجتماعية التي تواجه البلاد والشعب، ولم يكتفوا بذلك؛ بل عكفوا على إعادة كتابة التاريخ الديني والإسلامي، وعرضه سينمائياً بأساليب مذهلة.

وكتجربة شخصية؛ فقد حاولت منذ سنين طويلة، تحويل رواية "عروس الفرات" الى فيلم سينمائي ومسلسل درامي، حتى قبل طباعتها ورقياً؛ لقناعتي بأن هذه الرواية تختصر وحشية النظام السابق وما تعرض له الشعب العراقي وحركته الإسلامية، ومقاومتهما ضد النظام، وهو عمل فني سيكون أمام أنظار الجيل الذي لم يعش تلك المرحلة، وأمام انظار الأجيال القادمة، إلّا أنني لم أجد شخصاً يتبنى المشروع؛ بل واجهني بعضهم بكلمات مؤلمة؛ رغم قدرتهم المالية واللوجستية والمعنوية على إنتاج مائة فيلم ومسلسل، وليس مسلسلاً واحداً. وهذا يعني بوضوح أن المشلكة ليست في المال والتمويل؛ بل في فهم أهمية التدوين والدراما والسينما في حفظ الحقائق والتاريخ.

ولربما يظهر "جيبسون" عراقي وإسلامي مستقبلاً، ليتبنى هذه المشاريع، لكي نضمن المحافظة على حقائق تاريخنا، وعرض صورة "وليام والاس" العراقي بإنصاف وعدالة. ولا شك عندي أن مرحلة ما بعد العام 1979 وحتى الآن، أفرزت أكثر من "والاس" عراقي، وهو مادونته بأمانة في كتبي ودراساتي التي أوصيت أن تنشر بعد وفاتي.

 

د. علي المؤمن

 

زينب عبدالحميد محسنمقدمة: في العاشر من حزيران ٢٠١٤، قام تنظيم داعش بإسقاط محافظة الموصل بالكامل ثم إمتد نفوذه فيما بعد إلى ثلث أراضي العراق ليعلن التنظيم دولته وإقامة الخلافة الإسلامية، إلا أنّ تنظيم داعش الإرهابي لم يَهنأ بإعلان دولته سوى ثلاثُ ليالٍ وانتهت عمليًا في ١٣/٦/٢٠١٤، فقد هبَّت القوات العراقية والبيشمركة والحشد الشعبي والعشائري بالإضافة إلى الإسناد الجوي للتحالف الدولي إلى تحرير الأراضي الذي كان يسيطر عليها التنظيم ودحره منه وبعد إعلان النصر العسكري على التنظيم في ٢٠١٧ وإنهيار دويلة داعش وتعرّضه إلى خسائر جسيمة في السيطرة والأموال والزعامات والمقاتلين بصفوفه، إلتجأ التنظيم إلى إستراتيجيات أخرى للبقاء ومقاومة الفناء سوف نقوم بتوضيحها في سياق البحث.

و يجدر بنا الإشارة إلى أنّ خسارة التنظيم في جبهات القتال لا يعني بالضرورة إنتهاء خطره وتهديده للأمن الوطني والنظام والقانون في العراق، فهو كما وصفه المنظر الأمريكي جوزيف ناي: " أنَّ داعش كيان ثلاثي الأبعاد؛ فهو مجموعة إرهابية عابرة للحدود الوطنية، وشبه دولة، وآيدولوجية سياسية ذات جذور دينية".

وعليه أصبح من الضرورة الملّحة دراسة هذا التنظيم وعقيدته الآيديولوجية والعسكرية المتطرفة والكشف عن نشاطه الإعلامي وكيفية إستخدامه لمواقع التواصل الإجتماعي وقوته في الدعاية والتجنيد في كل أنحاء العالم، بالإضافة إلى دراسة كلا العاملين الداخلي والخارجي اللذيْن وّلدا تنظيم داعش، وبالرغم من الضربات التي تلّقتها تنظيم داعش وتقلّص نفوذها وتحطم خلافتها المزعومة، إلا أن هناك مخاوف من عودة التنظيم عسكريًا بسيناريوهات جديدة مستقبلًا، فالعمل العسكري لا يكفي لمحاربة التنظيم الإرهابي فبجانب نشاطاته العسكرية الإرهابية هناك جانب آيديولوجي فكري، والجانب الأخير هو الاصعب في مواجهته لذا فإنّ مكافحته تتطلب مسؤولية سياسية وأمنية وفكرية وترسيخ هوية ثقافية تُذوِب الثقافات الفرعية الأخرى كالمذهبية والعرقية والعشائرية وماشابه.

و سوف نُلقي الضوء في هذه الدراسة على نشأة التنظيم ومصادر تمويله بالإضافة إلى دراسة دوافع التنظيم للإنتقال إلى مرحلة جديدة بقيادة الزعيم الجديد للتنظيم وتوضيح إستراتيجيته والإستراتيجية المضادة له وسبل مواجهته.

هدف البحث:

يهدف هذا البحث إلى دراسة كل ما يتعلق بتنظيم داعش: (البنية الهيكلية الجديدة وأهم مصادر التمويل ومناطق تواجده) بالإضافة إلى كيفية مواجهته بإستراتيجيات عدة من قبل الدولة العراقية.

أهمية البحث:

تتجلى أهمية موضوع البحث كوْن تنظيم داعش يشكّل تهديدًا للدولة العراقية على المستوى السياسي والأمني والذي يؤثر سلبًا على إستقرار الدولة وعلى مؤسساته وأفراده.

إشكالية البحث:

إن مستقبل تنظيم داعش في العراق يعتمد على عدة متغيرات وإن إزدياد نشاطاته الإرهابية في الفترات الأخيرة يؤدي بنا إلى التساؤل حول:

- ما هو مستقبل تنظيم داعش في العراق في ظل الأوضاع السياسية للدولة؟!

- كيف ستواجه الدولة العراقية تنظيم داعش؟!

- ما هي الآثار الذي خلّفه تنظيم داعش؟!

فرضية البحث:

إستطاع العراق وبنجاح هزيمة تنظيم داعش ولكن خطر التنظيم وتهديده لأمن الدولة قائمة، ومن هنا يسعى البحث إلى:

- أن السيناريوهات المستقبلية لتنظيم داعش تتوقف على الإصلاح السياسي في الدولة العراقية.

- إمتلاك تنظيم داعش لأغلب مقومات الدولة لا يُعني تحقيق فكرة إقامة دولته المزعومة.

منهجية البحث:

لقد تم الإعتماد في هذا البحث بالأساس على المنهج الجيني والذي يبحث عن كيفية نشأة الأحداث من حيث أول تكوينها عبر وضع الأسئلة الآتية: كيف ولماذا ومتى؟!

بالإضافة إلى الإعتماد على المنهج التحليلي حيث يقوم على تقسيم أو تجزئة الظواهر إلى العناصر الأولية التي تُكَوِّنها؛ لتسهيل عملية الدراسة، وبلوغ الأسباب التي أدَّت إلى نُشوئها للوصول إلى نتائج دقيقة.

نشأة تنظيم داعش

أولاً: من أين أتى داعش؟

(الدولة الإسلامية في العراق والشام) وتُقرأ إختصارًا (داعش)، هي حركة إرهابية مسلحة تتبنى الفكر السلفي الجهادي(التكفيري)، وهي تتشابه بشكل کامل مع الوهابية والعاملين عليها، وقد وضعت هدف نهائي لها يتمثل في تشكيل الخلافة الإسلامية وتطبيق الشريعة في العراق وسوريا.. وقد دمجت هذه الحركة مجموعة من الحركات الإرهابية مع بعضها البعض

ظهر التنظيم لأول مرة تحت اسم جماعة التوحيد والجهاد في شهر سبتمبر ۲۰۰۳م، بقيادة أبو مصعب الزرقاوي، وفي أكتوبر ٢٠٠٤م، أعلن الزرقاوي البيعة لزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن وقام بتغيير إسم جماعته لتنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين، وعلى الرغم أن التنظيم لم يدعُ نفسه بتنظيم القاعدة في العراق، إلا أن هذا الإسم ظل متداولًا بين الناس.

كثف التنظيم من عملياته إلى أن أصبح واحدًا من أقوى التنظيمات في الساحة العراقية، وبدأ يبسط نفوذه على مناطق واسعة من العراق, إلى أن جاء في عام ۲۰۰6 ليخرج الزرقاوي على الملأ في شريط مصور معلنًا عن تشكيل مجلس شوری المجاهدين, بزعامة عبدالله رشيد البغدادي. بعد مقتل الزرقاوي في نفس الشهر, جری إنتخاب أبو حمزة المهاجر زعيمًا للتنظيم. وفي نهاية السنة تم تشكيل دولة العراق الإسلامية بزعامة أبو عمر البغدادي، وفي يوم الإثنين الموافق 19 أبريل۲۰۱۰ شنّت القوات الأمريكية والعراقية عملية عسكرية في منطقة الثرثار إستهدفت منزلًا كان فيه أبو عمر البغدادي وأبو حمزة المهاجر وبعد أشتباكات عنيفة بين الجانبين وإستدعاء الطائرات تم قصف المنزل ليُقتلا معًا وتم عرض جثتيهما على وسائل الاعلام، وبعد حوالي عشرة أيام إنعقد مجلس شورى الدولة ليختار أبو بكر البغدادي خليفة له والناصر لدين الله سليمان وزيرًا للحرب. في 8 أبريل ۲۰۱۳، توسع التنظيم إلى سوريا، وتبني إسم الدولة الإسلامية في العراق والشام وأطلق عليه إسم داعش اختصارًا من أولى حروف إسمه.. حيث ظهر تسجيل صوتي منسوب إلى أبو بكرالبغدادي يعلن فيها أن جبهة النصرة هي إمتداد لدولة العراق الإسلامية وأعلن فيها إلغاء إسميّ جبهة النصرة ودولة العراق الإسلامية تحت مسمى واحد وهو الدولة الإسلامية في العراق والشام

و في نهاية أكتوبر ٢٠١٩ أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقتل البغدادي في غارة أمريكية في شمال غرب سوريا على بُعد كليومترات قليلة من حدود الدولة العراقية، وكان التنظيم الجهادي أعلن بعد مقتل زعيمه أبو بكر البغدادي إختيار "خليفة للمسلمين" هو أبو إبراهيم الهاشمي القرشي

ثانيًا: البناء الهيكلي لتنظيم داعش:

يعتبر تنظيم الدولة الإسلامية من أكثر الحركات الجهادية العالمية تطورًا على المستوى الهيكلي التنظيمي والفعالية الإدارية فقد تطورت بنيته التنظيمية بإستناد إلى المزاوجة بين الإشكال التنظيمية الإسلامية التقليدية التي تكونت مع مؤسسة الخلافة وتنظيرات الفقه السلطاني الذي يؤسس لمفهوم الدولة السلطانية، إذ يقوم على مبدأ الغلبة والشوكة والإمارة إلى جانب الإشكال التنظيمية الحداثية لمفهوم الدولة الذي يستند للجهاز العسكري امني وآخر ایدولوجي بيروقراطي

- الخليفة: يقوم الهيكل التنظيمي للدولة الإسلامية على أسس فقهية شرعية وضرورات حداثية؛ إذ يتولى "الخليفة" الذي يجمع شروط الولاية كالعلم الشرعي والنسب القرشي وسلامة الحواس، سائر الوظائف الدينية والدنيوية المذكورة في التراث السياسي الإسلامي السني وفقه الأحكام السلطانية، كقائد ديني وسياسي له حق الطاعة بعد اختياره من قبل مجلس الشورى وأهل الحل والعقد)٥)، ويتعامل التنظيم في إدارة شؤونه وتدبير حكمه باعتباره دولة إسلامية مكتملة الأركان والشروط، وكان الأمير السابق للتنظيم أبو عمر البغدادي هو من أرسى الهيكلية العامة لـ"الدولة الإسلامية"، وقد عمل الزعيم "أبو بكر البغدادي"، على تطوير البناء الهيكلي من خلال ترسيخ مبدأ البيعة والطاعة؛ الأمر الذي يضمن مركزية التنظيم وسيطرة الخليفة على كافة مفاصل التنظيم، وتعتمد البنية التنظيمية لـ"الدولة" على هيكلية هرمية يعتبر "الخليفة" رأسها، ويُشرف إشرافًا مباشرًا على "المجالس"، وهي تسمية استخدمها أبو بكر البغدادي عوضًا عن تسمية الوزارات التي اعتمدها سلفه أبو عمر البغدادي، وتُعتبر "المجالس" المفاصل الأساسية لتنظيم الدولة التي تشكِّل "القيادة المركزية"، ويتمتع الخليفة بصلاحيات واسعة في تعيين وعزل رؤساء المجالس بعد أخذ رأي "مجلس الشورى"، الذي تبدو استشارته معلِمة وغير ملزمة؛ فالقرار الأخير والفصل النهائي بعد التداول للخليفة...، فهو صاحب "الأمر والنهي" في معظم القرارات الحاسمة.

- مجلس الشورى: ويعتبر من أهم المجالس التابعة للتنظيم وعلى الرغم من التطورات التي تشهدها المجلس منذ إمارة الزرقاوي مرورًا بأبو عمر البغدادي وصولًا إلى أبو بكر البغدادي. مجلس الشوری كانت حاضرة دومًا ويتسع المجلس ويضيق بحسب الظروف والحاجة كما يجتمع للنظر في القضايا المستجدة واتخاذ القرارات المهمة ورسم السياسات العامة، وترأس مجلس الشورى جمعة عواد البدري، بالإضافة إلى 5 أعضاء آخرين هم: أبو محمد المصري، أبو هاشم الجزراوي، أبو سعد الليبي، أبو صالح الجزراوي، وأبو عبد الله القاضي الغلامي

- مجلس الأمن والاستخبارات: وترأسها أبو علي الأنباري، ضابط استخبارات في الجيش السابق، ومن مهامه انه مسؤول عن أماكن وتنقلات الخليفة ومواعيده، ومتابعة القرارات التي يقرها ومدى الجدية لدى الولاة في تنفيذها. يشرف أيضًا على تنفيذ أحكام القضاء وإقامة الحدود وصيانة التنظيم من الاختراق، ولديه مفارز في كل ولاية تقوم بنقل البريد وتنسيق التواصل بين مفاصل التنظيم في جميع قواطع الولاية. وأيضًا لديه مفارز خاصة للاغتيالات السياسية النوعية والخطف وجمع الأموال.

- المؤسسة الإعلامية: أي المجلس الإعلامي وترأسها أبو حمزة القرشي المهاجر ويعاونه العديد من الخبراء في مجالات الإعلام ومواقع التواصل والدعاية، وينقسم الإعلام الداعشي إلى قسمين، إعلام رسمي ويضم المؤسسات التابعة للديوان المركزي للإعلام بتنظيم"داعش"، والذي يُعد بمثابة وزارة إعلام " الدواعش"، ويبلغ عدد مؤسساته ٤٥ مؤسسة ومركز إعلامي، والقسم الثاني: إعلام غير رسمي، ويتمثل في المؤسسات والمراكز الإعلامية غير الرسمية. ومن أهم مؤسسات الإعلام الرسمي:

 أ.مؤسسة "الفرقان" وهي أقدم مؤسسات داعش وأهمها وتركز على تقديم الرسائل السياسية والعسكرية للتنظيم.

ب.مؤسسة "الاعتصام" وهي مسؤولة عن الإصدارات السريعة اليومية أو شبه اليومية من خلال المقابلات والرسائل الدورية.

ج.مؤسسة "الحياة" وهي مسؤولة في الترويج لداعش في الغرب وبعدة لغات أجنبية، ولدى التنظيم مؤسسات الإنتاج المقروء وأهمها "وكالة أعماق" و"مجلة دابق" و"مؤسسة البتار"، بالإضافة إلى مؤسسات الإنتاج الصوتي ومنها: "مؤسسة أجناد" و" إذاعة البيان".

منصات إعلامية غير رسمية للتنظيم:

أ. التلبجرام: حظي تطبيق التليجرام بشهرة واسعة بين عناصر التنظيم، لدرجة أنه إحتل المرتبة الأولى في حشد أنصار التنظيم إليه لمتابعة كل ما هو جديد لحظة بلحظة، خاصة مع ما يتمتع به هذا التطبيق من حماية وأمان أكثر من غيره من التطبيقات الأخرى، ليستحق لقب"الملاذ الآمن".

ب.البال توك: "الصندوق الأسود" لتنظيم داعش، لإحتوائه على عدد من الأسرار التي يبوح بها الأعضاء بشكل مباشر وتلقائي، حيث يتميز هذا التطبيق بالدردشة الصوتية المباشرة بين عناصر التنظيم من ناحية وبينهم وبين المخالفين لهم والمختلفين معهم ممن يصفونهم بالمرتدين من عناصر الشيعة.

- المجلس العسكري: ويعد المجلس الأهم في تنظيم داعش والذي ترأسها أبو احمد العلوي وليد جاسم محمد ومعه ثلاثة من ضباط الجيش السابق؛ رئيس المجلس العسكري يتم اختياره بواسطة الخليفة ولكن قبل ذلك يطلب الاستشارة من مجلس الشورى بخصوصه ويتكون المجلس العسكري من رئيس مجلس وثلاث أعضاء مهمتهم التخطيط وإدارة الأمراء العسكريين في ولايات التنظيم ومتابعة نتائج غزوات الخليفة في الولايات.

- الهيئات الشرعية: واحدة من الأركان المهمّة في تنظيم داعش، نظرًا للطبقة الدينية وترأسها أبو عبد الله القاضي الغلامي(١).مهمّة هذه الهيئات شرح خطب البغداديّ وأوامره، وشرح الأفلام والأناشيد والمواد الإعلامية المتعلِّقة بالتنظيم، ولها دور مهمٌّ في رفع الروح المعنويّة لعناصر التنظيم.

- بيت المال: تكمن مهمته في جمع الأموال اللازمة لتمويل الأنشطة والضرائب والغنائم، أو ما يعرف بالمجلس الاقتصادي الذي يعني بالمدخول الضخم الذي تجنيه خزينة الدولة الإسلامية من عائدات النفط والضرائب التي يتم جنيها على الحواجز ومن الاتاوات التي غالبًا ما يتم جنيها نتيجة توفير الحماية للمؤسسات التجارية وأيضًا من غنائم الحرب. كما يشرف المجلس على إدارات مسؤولة عن المحافظة على البنية التحتية وتشغيلها بما في ذلك إصلاح الطرف تأمين التغذية بالطاقة وجمع القمامة وخدمات البريد.

ثالثًا: مصادر تمويل داعش:

يعتقد (لورتا نابوليوني)، الخبير في شؤون الإرهابيين المالية، أن أهم وأكبر مصدر لثروة الإرهابيين هو تجارة المخدرات، وبالطبع، هناك نشاطات وتجارات أخرى غير قانونية يمارسها الإرهابيون للحصول على المال، إذ يوضح (مویس نعیم) وهو معاون رئيس المؤسسة الأمريكية للسلام الدولي، في أحد كتبه، أن الإرهابيين يلجؤون إلى بيع العملات المزورة وغسيل الأموال للحصول على ثرواتهم، وسرقة البنوك مصدر آخر من مصادر ثروة المسلحين، فعلى سبيل المثال، هجمات تنظيم داعش على المدن، وسلبه أموال الدولة، بما فيها سرقة البنوك، أدى إلى تأمين مصدر مالي كبير له. يعد المال بالنسبة إلى (داعش) مهمًا جدًا، فمن بنك الموصل وحده، سرق ٥٠٠ مليون دولار، وكثيرًا من الذهب، وسرق أموال الناس، وأمر عناصره الناس بالخروج بلباسهم فقط، وما تبقى هو غنيمة ل (داعش). كما قتلوا كثيرًا من المسلمين والمسيحيين والإيزيديين، وغيرهم، ووضعوا أيديهم على منابع النفط، کما تعد تجارة الآثار والتحف الفنية المسروقة من العراق وسوريا، في أنحاء العالم كله، من أهم مصادر ثروة الإرهابيين، فدائمًا ما كان كثير من المجموعات الإرهابية يظهر في الأماكن الأثرية، ويعمل على سرقة الآثار وتهريبها، لتأمين مصدر الثروة، وبذلك أصبحت ثروات عظيمة تحت تصرّفهم، وأصبحوا بذلك قادرين على اجتذاب الأفراد من كلِّ الأنحاء.

إنَّ أهم نقطة بالنسبة إلى المحلّلين، هي امتلاك (داعش) مخزونًا ماليًا كبيرًا يجعله جاهزًا لحرب طويلة الأمد (حسب صحيفة الغارديان، نحو ملياري دولار) حتى لو لم يجد لنفسه نظامًا سياسيًا مشروعًا أو مقبولًا من العالم، وبذلك هو لن ينتهي من الوجود بفضل مخزونه المالي الكبير.

رابعًا:إستراتيجية داعش تجاه العراق بقيادة الخليفة الجديد للتنظيم

الزعيم الجديد للتنظيم:

إن مقتل البغدادي التي رأى البعض أنها انهت فكرة الخلافة کإستراتيجية للتنظيم، الا أنّ الأمر، كما يبدو، لم يفت تنظیم داعش، حيث عبّروا عن وجودهم وارتباطهم بمسمى الدولة الاسلامية والخلافة بطريقة رمزية واضحة، فما إن اعلنت وكالة أعماق الناطقة بإسم تنظيم داعش عن مقتل البغدادي مع قياديين آخرين، وتبعتها باقي مواقع التنظيم، حتى كان الإعلان سريعًا عن بديله وخليفته الشخصية الغامضة حتى الآن، نائبه "الحاج عبد الله" أو مايعرف ب"ابو إبراهيم الهاشمي القرشي"، وهو ما اشيع أنه المسؤول العملياتي والضابط السابق في الجيش العراقي المنحل اثر الإحتلال الأمريكي للعراق، ومن الأشخاص الذين لم يظهروا صورهم، أو أصواتهم في الاعلام. فكان لمسماه "الهاشمي القرشي" دلالة على أحقيته بالخلافة على أساس ديني إعتمادًا على الحديث النبوي الشريف " الأئمة من قريش"، وأنه من سلالة النبي(صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم)، في حرص واضح من التنظيم "على بقاء إستغلال موضوعة "القرشية"، للتأكيد على مشروعه في بعث الخلافة، وفق الشروط والضوابط للخليفة المستمدة من الفقه السلطاني وأدبياته التراثية، بمعنى آخر يصرّ التنظيم على نهج الخلافة وانشاء الدولة مميزًا طريقه عن تنظيم "القاعدة"، وباقي التنظيمات (الجهادية)، كما أن إختيار شخصية غير ذات كاريزما معروفة وليس لها ظهور إعلامي، وكأن التنظيم "يحاول الإنتقال من الإعتماد على البروباغندا الإعلامية إلى الإنتقال إلى مرحلة الكمون والعمل السري".

ولا غرابة في صعود شخصية غير ذات کاریزما لتزعّم أخطر تنظيم في العالم، فبقاء الأفكار المتطرفة ينتج شخصيات يمكن أن تأخذ طريقها إلى القيادة بسهولة مع توافر الإمكانات والظروف، وهو ذات الأمر الذي حصل في صعود شخصية مجهولة كالبغدادي الذي كانت بداياته لا تشي بتزّعمه للتنظيم، فلم يكن سوى متطرف ذو تأثير محدود، وحلّال للمشاكل بعد إحتجازه في السجون الأمريكية، وهي القصة التي ستبقى غامضة في اقبية لايمكن الوصول اليها حاليًا.

الإستراتيجية الجديدة للتنظيم:

إن الكثير من القراءات تذهب إلى إحتمالية توسيع التنظيم لاستراتيجية ما يسمى(الذئاب المنفردة) أو العمليات غير المركزية، الا أن هنالك توقعات تشير إلى أن إستراتيجية التنظيم تقوم حاليًا على الانتقال الى جغرافيات إستراتيجية بديلة، فهنالك آراء تتحدث عن أن التنظيم "دشن بالفعل، منذ فترة، عاصمة بديلة وبشكل سري في مدينة البعاج العراقية، ويوجد في تلك المناطق مواقع زراعية غنية، تزرع الحبوب والحنطة، وحتى مخدرات القنب الهندي، و"فيها أراض صحراوية شاسعة، وشقوق أرضية كثيرة تصلح كمخازن عسكرية ولوجستية، وتصلح كمعسكرات للتدريب، ومتداخلة عشائريًا مع مدن الحد السوري الشرقي، في عمق ما يعرف ببادية الشام والعراق، أي أنها في عمق الصحراء العراقية الغربية، والصحراء السورية الشرقية.

ومن أبرز أهداف الإستراتيجية الجديدة للتنظيم تجاه العراق:

١- إستنزاف القوات العراقية الرسمية وحلفائها من الحشود، من خلال اتباع تكتيك "الكر والفر".

٢- استثمار التوتر الطائفي في المحافظات المختلطة سنياً وشيعياً، كمحافظات ديالى وصلاح الدين وكركوك، من خلال القيام بأعمال قتل طائفي أو تفجيرات، في مناطق سنية أو شيعية، تؤدي إلى إشعال صراعات طائفية.

٣- إبقاء مناطق الغرب والشمال في اضطراب أمني ما يؤدي إلى إضعاف موقف الحكومة العراقية أمام الرأي العام المحلي.

٤- ترهيب أبناء المكون السّني العاملين في الدولة ومع الأجهزة الأمنية، وتصفيتهم جسدياً أو تفجير منازلهم، كما حصل في محافظات كركوك وصلاح الدين ونينوى، حيث تمكن تنظيم "داعش" في هذه المناطق في الأشهر الأخيرة من اغتيال عدد من المخاتير وشيوخ العشائر والمسؤولين والضباط.

وبالإضافة إلى ما ذُكر يتبنى التنظيم أيضًا استراتيجية "إعادة بناء" شبكاته على شكل "مجموعات متنقلة" في مناطق متفرقة جغرافيًا، ويحاول التنظيم على المدى القريب ربط تلك المجموعات ببعضها البعض، بما يتيح لقادة التنظيم التهيئة لمزيد من الهجمات "العنيفة" التي قد تتعدى أهدافها قتل عناصر القوات الأمنية أو الحشدين الشعبي والعشائري إلى مواصلة استنزاف القدرات القتالية والمالية لهذه القوات وإضعافها إلى الحد الذي يسمح للتنظيم بإعادة فرض السيطرة على جغرافيات حيوية لديمومة التنظيم وتوفير ملاذات آمنة لمسلحيه. 

خامسًا: إستراتيجية داعش في الإتصالات بين الولايات وآلياته في وسائل التواصل الإجتماعي:

يواصل تنظيم داعش استخدام بعض الأساليب القديمة نفسها للاتصالات الداخلية. على سبيل المثال،ما بين وسائل الاتصال الكتابي المشفّر، والشفهي الفوري عبر مكتب يُعرف بـ«ساعي بريد الولايات»,ويتفرّع منه «ساعي بريد الولاية»، و«ساعي بريد القواطع».

 يُعرف الأشخاص المسؤولون عن إرسال الرسائل السرية باسم “الرابط”، ويعتبر نقطة الضعف التي لا يمكن للهيكل التنظيمي أن يتجاوزها، وهي سبب دماره في كل مراحله السابقة، إذ تسببوا في تأخير إيصال المعلومات داخل التنظيم وكذلك في القبض على كبار قادتها أو قتلهم؛ وبالتالي شدد تنظيم داعش آلياته لتسهيل الاتصالات الداخلية وقيّد استخدام التكنولوجيا.

 ١- تسمية الأشياء بما يناسب وسياسة التنظيم: فالمتابع للشأن، والمواقع الإخبارية للتنظيم، بإمكانه تمييز خطاب داعش وكيفية تسمية الأشياء بغير مسمياتها لجذب إنتباه أكبر عدد من الأفراد والتأثير على وعيهم من خلال البث الإعلامي المؤثر في العقول على المدى البعيد، ووفق ما يناسب رؤاه العقائدية، ومثال على ذلك إطلاق تسميات على أفراد الجيش والحشد الشعبي بالميليشيات أو العصابات أو الجيش الرافضي.

٢- تسويق المحتوى: لم تعد الخطة الاستراتيجية لتسويق محتوى داعش أو "حرب المحتوى" سرية، الاختلاف الوحيد هو - بدلاً من تسويق مستحضرات التجميل، والملابس والسيارات - تستخدم داعش خطة تسويق المحتوى هذه لنشر الإرهاب. ويستهدف محتوى داعش العديد من فئات الأشخاص بنفس المستوى من الدقة من خلال إنشاء فراغ معلوماتي في فترة يقظتهم، حيث يزيد عدم وجود معلومات بديلة من تمكين نطاق معلوماتهم، فبالنسبة للجهاديين المحتملين، يتردد صدى هذا المحتوى لديهم من خلال الاندماج في الروايات الثقافية واللغوية والدينية وفي أغلب الأوقات الاقتصادية التي تثير مشاعر الغضب لتحرك قلوب المحاربين وتنمي الشعور بالانتماء إلى الأمة العالمية،أما بالنسبة للآخرين - وبالتأكيد لغالبية العالم الإسلامي - قد يكون لنفس هذا المحتوى تأثيرًا محرضًا على مشاعر الإرهاب والخوف. فعلى المستوى المحلي، تتسبب حرب المحتوى تأثير حاسم، يؤدي إلى ترويع الناس ويدفعهم للفرار من بيوتهم أو ترك أماكنهم في قوات الأمن أو القوات المسلحة

٣- إعتماد أسلوب التخويف والترهيب: : من خلال الحرب النفسية ونشر الشائعات حول أفعال ونشاطات التنظيم في مناطق تواجدها وقبيل سيطرتها على مناطق أخرى، والذي يكوّن وعي جمعي بناءًا على الخوف والذعر وهو ما يحتاجه تنظيم داعش ويتغذى عليه للبقاء لأطول مدة ممكنة.

آليات تنظيم داعش لإستقطاب المقاتلين وتخويف الأعداء:

- النجاح: تمكن التنظيم من ادعاء قدرته على إعادة تأسيس دولة خلافة إسلامية وتمييز نفسه عن منافسيه مثل تنظيم القاعدة الذي عانى من انتكاسات عديدة وحقق إنجازات أقل، يفاخر تنظيم الدولة الإسلامية بإستمرار نجاحاته، هو الذي سيطر في أوجه عام 2014 على مساحة بلغ حجمها حجم إنجلترا تقريبًا. وعمد في حملته الدعائية بإستمرار على إظهار الأعداء القتلى والهجمات الانتحارية ومقاتلي التنظيم يسيرون إلى جانب دباباته

- العنف المفرط: يعمّد تنظيم الدولة الإسلامية إلى تسجيل ونشر الصور العنيفة والصادمة على نحو منتظم، مثل إعدام الأعداء ورمي الشاذين جنسيًا من أعلى المباني وعمليات قطع الرؤوس العديدة، يلقى هذا العنف التصويري نفور العديد من المسلمين وانتقاد العديد من الجهاديين أيضًا(٣)، إلا أنه يستهوي فئة أساسية من الذكور الشباب ويخلق هوية عنيفة يحرص التنظيم على تنميتها. وعلى الرغم من أن الهدف الرئيسي لذلك يتجسد بتخويف الأعداء،إلا أنه يرسل كذلك رسائل إلى الأعضاء الحاليين حول عواقب خيانة التنظيم.

- الطائفية: مما لا شك فيه، أنّ الزرقاوي هو من شكّل الإطار الفكري لتنظيم داعش، فقد إمتاز أسلوب الزرقاوي بالوحشية كطريقة لفرض نفوذه، فكانت هجمات الزرقاوي على المساجد والأسواق الشيعية، وما نجم عنها من مجازر طائفية وكذلك الحال بالنسبة لتنظيم داعش الذي يرى في الزرقاي ملهمها، فيستهدف عملياته التفجيرية والهجومية (العدو القريب) المتمثل بالشيعة أو ما يسميهم بالروافض وهذه محاولة للعب بالورقة الطائفية وهي سياسة لم يعد يستجيب لها أحد، فجميع العراقيين بإختلافاتهم كافة شاركوا بمعارك تحرير الأراضي العراقية ووقفوا بخط واحد ضد تنظيم داعش.

- نهاية العالم: ركز تنظيم داعش على خطاب نهاية العالم، مستمدة هذه الأفكار من المراجع الفكرية المتطرفة الذي يعتمد عليه التنظيم، وتدّعي التنظيم إيمان العديد من المسلمين بقرب عودة المسيح ونهاية الزمان، بالإضافة إلى مشاركة المسلمين في معركة كونية ضد مجموعة من الأعداء في معركة، سوريا ساحتها ويكون المتطوعون فيها الطليعة التي ستنصر الإسلام في المعارك الأخيرة.

يأتي في القسم الثاني من البحث

 

زينب عبد المحسن حميد

......................

 الهوامش:

(١). بشير الوندي، الذئاب المنفردة (المجندون بالإلهام)، الطبعة ١، الجزء الأول، دار الصفار للنشر، بغداد، ٢٠١٩.

(٢). سيد رضا صدر الحسيني، داعش: النشأة والبنية والأهداف، ترجمة: أيهم علي حسون ومحمد عبداللطيف علي، مراجعة:نزار مرجة وحسام شعيب، ب.ط، دمشق، الهيئة العامة السورية للكتاب، ٢٠١٧.

(٣). عبدالباري عطون، الدولة الإسلامية: الجذور والتوحش والمستقبل، الطبعة١، بيروت، دار الساقي، ٢٠١٥.

(٤). هشام الهاشمي، عالم داعش: تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، ب.ط، (لندن: دار الحكمة،بغداد: دار بابل)، ٢٠١٥.

(٥). راضية مويسي، سمية سهلي، أثر التنظيمات الإرهابية على الأمن الدولي - داعش نموذجًا- ، جامعة العربي التبسي - تبسة- ، كلية الحقوق والعلوم السياسية، ٢٠١٦، ص ٥٢ .

(٦). الهاشمي يكشف عن هيكلية داعش الجديدة في٩نقاط...من هم أبرز قادة التنظيم،

https://www.nasnews.com/view.php?cat=31773

(٧).باسم الطويسي، مقال:ماذا بعد الرقة؟،الغد الأردنية، ٢١/١٠/٢٠١٧، الموقع

https://alghad.com/%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7- %d8%a8%d8%b9%d8%af- %d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%82%d8%a9%d8%9f/ تاريخ الزيارة: ٢٩/٤/٢٠٢١.

(٨).تقرير يكشف عن إستراتيجية جديدة لبقايا تنظيم داعش في العراق، ٦/١/٢٠٢١، الموقع:

 https://www.nasnews.com/view.php?cat=49553،

(٩). حسن أبو هنية، تنظيم داعش: النشأة، البناء الهيكلي والتمويل، مركز بيروت للدراسات الإستراتيجية، ١٨/١/٢٠١٥،،الموقع: http://www.beirutme.com/?b- 6975، تاريخ الزيارة: ١٣/٣/٢٠٢١.

(١٠). سيث ج. جونز، وآخرون..، مؤسسة RAND، دحر تنظيم الدولة الإسلامية، ٢٠١٧، تاريخ الزيارة : ٣٠/٣/٢٠٢١، الموقع: https://www.rand.org/content/dam/rand/pubs/research_reports/RR1900/RR1912/RAND_RR1912z1.arabic.pdf

(١١). صحيفة تكشف الهوية الحقيقية للخليفة أبو بكر البغدادي، ٢١/١/٢٠٢٠، الموقع:

https://amp.dw.com/ar/%D8%B5%D8%AD%D9%8A%D9%81%D8%A9- %D8%AA%D9%83%D8%B4%D9%81- %D8%A7%D9%84%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9- %D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%82%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A9- %D9%84%D8%AE%D9%84%D9%8A%D9%81%D8%A9- %D8%A3%D8%A8%D9%88- %D8%A8%D9%83%D8%B1- %D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%BA%D8%AF%D8%A7%D8%AF%D9%8A/a- 52082393

(١٢).صحيفة المدى:

http://ansaskelata.weebly.com/5871604158716061574/htm

ت.ن: ١٥/٦/٢٠١٤، تاريخ الزيارة: ١٣/٣/٢٠٢١

(١٣) فائق الشمّري، المركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية، ملحق الرصد١٨، ٢٠١٦، ص١٧،الموقع:

 https://iicss.iq/?id=2709

تاريخ الزيارة:١٨/٢/٢٠٢١.

(١٤). نيكول ماتيجيك، ب.ت، حروب المحتوى: إستخدام داعش المتطور لوسائل الإتصالات، مجلة ناتو، الموقع: https://www.nato.int/docu/review/2016/Also- in- 2016/wars- media- daesh- communications- solis/AR/index.htm تاريخ الزيارة: ١٨/٣/٢٠٢١.

(١٥). هشام الهاشمي،داعش الإرهابي في ٢٠٢٠:الكشف عن الهياكل والقادة الجدد في العراق١/٦/٢٠٢٠،مركز البيان للدراسات والتخطيط، الموقع:

 https://www.bayancenter.org/2020/06/6064/، تاريخ الزيارة: ١٧/٣/٢٠٢١.

(١٦). هشام الهاشمي، قادة داعش الجدد، مركز صنع السياسات، ١٧/٥/٢٠٢٠،الموقع:

https://www.makingpolicies.org/ar/posts/NewISISleaders.php،

تاريخ الدخول: ١٤/٣/٢٠٢١

(١٧). يوسف الديني، ما بعد البغدادي: خطة داعش والإنتشار الأفقي، جريدة الشرق الأوسط، العدد١٤٩٥٢، ٥/١١/٢٠١٩، تاريخ الزيارة:٢٥/٤/٢٠٢١. الموقع:

 https://aawsat.com/home/article/1976681/%D9%8A%D9%88%D8%B3%D9%81- %D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86%D9%8A/%D9%85%D8%A7- %D8%A8%D8%B9%D8%AF- %D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%BA%D8%AF%D8%A7%D8%AF%D9%8A- %D8%AE%D8%B7%D8%A9- %C2%AB%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4%C2%BB- %D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%B4%D8%A7%D8%B1- %D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%81%D9%82%D9%8A

(١٨). Winter, Charlie, Documenting the “Virtual Caliphate,” London: Quilliam Foundation, October 2015.

 

 

كريم المظفرلم يتبق على بدأ التصويت في الانتخابات البرلمانية الروسية سوى يوم واحد، حيث تبدأ في روسيا غد الجمعة السابع عشر من سبتمبر الجاري، عملية التصويت الالكتروني للانتخابات البرلمانية لاختيار أعضاء مجلس الدوما الروسي (البرلمان)،  والتي ستستمر حتى يوم التصويت المباشر للانتخاب الذي سيجري في يوم الاحد التاسع عشر من سبتمبر الجاري، والتي ستجري هذه المرة بمشاركة 14 حزبا وتكتلا سياسيا روسيا والمسجلة رسميا في لجنة الانتخابات المركزية، وفي مقدمتهم الأحزاب السياسية السبعة المنضوية الان تحت قبة البرلمان الحالي.

ولعل أهم الاخبار التي ترددت قبيل هذه الانتخابات التي تشكل فيها وبحسب إيلا بامفيلوفا رئيسة لجنة الانتخابات المركزية  الروسية نظام مراقبة بالفيديو شامل لمتابعة سير عمليات التصويت خلال انتخابات والتي تغطي كاميرات الفيديو نحو  96٪ من مراكز الاقتراع في مختلف أنحاء البلاد ، حيث سيتم خلال  الانتخابات، انتخاب أعضاء مجلس الدوما لمدة خمس سنوات، وفقا لنظام انتخابي مختلط: يتم انتخاب 225 نائبا وفق القوائم الحزبية، و 225 نائبا آخر عبر الدوائر الانتخابية ذات المقعد الواحد، في جولة واحدة، في حين تم ترشيح ما مجموعه 2296 مرشحًا في 225 دائرة انتخابية ذات ولاية واحدة، وحتى الرابع من  سبتمبر / أيلول، تم تسجيل 2035 منهم، لكن إجراءات المحكمة جارية بشأن تسجيل عدد من المرشحين، ولكن أهم من كل هذا هو استدعاء السفير الأمريكي في موسكو جون سوليفان، وتسليمه أدلة " دامغة " على التدخل في الشؤون الداخلية لروسيا الاتحادية، وخاصة الانتخابات.

نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، شدد للسفير الأمريكي  على أن موسكو تملك "أدلة دامغة تثبت مخالفة القانون الروسي من قبل شركات أمريكية رقمية عملاقة في سياق تحضير وإجراء انتخابات مجلسي دوما والاتحاد"، وناقش معه تدخل شركات أمريكية في الانتخابات البرلمانية التي ستجري في روسيا نهاية الأسبوع الجاري، ووفقا لبيان الوزارة فأن ريابكوف وصف أي تدخل في شؤون روسيا بأنه غير مقبول إطلاقا، مضيفا أن الجانبين بحثا أيضا بعض المسائل الأخرى المطروحة على الأجندة الثنائية، ومن جانبه أوضح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إن السفير الأمريكي لدى موسكو جون ساليفان وعد بدراسة الوثائق التي قدمتها له الخارجية الروسية والخاصة بتدخل شركات أمريكية في الانتخابات الروسي، وتابع قال (السفير) إنهم لا يملكون معلومات حول أن أحدا ينتهك التشريعات الروسية"، لكن البيانات التي نقلت له "خطيرة إلى حد كبير".

ووفقا للإعلان الروسي فأن الشركات التي قامت بدور في وضع تطبيق "التصويت الذكي" المزعوم على علاقة بالبنتاغون، وأوضحت إن استدعاء السفير الأمريكي جون ساليفان إلى وزارة الخارجية الروسية جرى بسبب دعم واشنطن مشروع "التصويت الذكي" الذي وضعه "صندوق مكافحة الفساد" (المحظور في روسيا)، وذلك بهدف التدخل في الانتخابات البرلمانية الروسية المقبل، وأن جميع الشركات الضالعة في وضع هذا المشروع مرتبطة بشكل أو بآخر بوزارة الدفاع الأمريكية، كما أن معظم عناوين بروتوكولات الإنترنت والخوادم التي تدعم تطبيق "التصويت الذكي" على الهواتف النقالة تتواجد في الولايات المتحد، بحسب المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا .

وأكدت روسيا من خلال تصريحات مسئوليها عن وجود محاولات لتنفيذ عدد من الاستفزازات ضد روسيا عشية الانتخابات، وقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، إنه يتم حاليا عبر أوكرانيا، تنفيذ العديد من الاستفزازات ضد روسيا عشية انتخابات مجلس الدوما، وقد أصبح معروفا بالفعل أنهم أرسلوا إلى جميع البلدان تعميما بأن يذهب السفراء إلى المسؤولين الحكوميين ويصرون على عدم إرسال مراقبين إلى الانتخابات، وجرى ذلك في بيلاروس، مشددا على ان هذا الأمر مضحك في الواقع، ما علاقة أوكرانيا بالانتخابات الروسية؟".

الهيئة الفيدرالية الروسية للرقابة في مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ووسائل الإعلام ("روس كوم نادزور") أفادت بأنه تم حجب الوصول إلى موقع "التصويت الذكي" بسبب استخدامه لمواصلة أنشطة "صندوق مكافحة الفساد" المنشأ من قبل المعارض الروسي " ألكسي نافالني "، والمحظور في روسيا بموجب قرار قضائي، بعد تصنيفه "منظمة متطرفة" و"عميلة أجنبية"، و"التصويت الذكي" عبارة عن أسلوب وضعه أنصار " نافالني "بغرض إضعاف الفرص الانتخابية لحزب "روسيا الموحدة" الحاكم، وذلك عبر حث الناخبين على التصويت لصالح أوفر مرشحين حظا عن أي حزب غير الحزب الحاكم.

الأحزاب الروسية ال(14) التي ستشارك في الانتخابات، تحركت بشكل محموم في عموم البلاد الواسعة، لكسر حاجز التفوق  والاغلبية الذي يتمتع به الحزب الحاكم " روسيا الموحدة " داخل البرلمان الحالي، في حين اعرب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، عن أمله في أن يحافظ "روسيا الموحدة" على موقعه المرموق في البرلمان بعد انتخابات مجلس النواب (الدوما) وقال "أملي كبير في أن يحافظ (حزب) روسيا الموحدة على موقعه وأن يتمكن من اتخاذ قرارات ضرورية على المستوى التشريعي لخدمة مصالح البلاد"، وأشار إلى أن ما أنجزه الحزب خلال الفترة الأخيرة سمحت لروسيا بمواجهة أزمة كورونا بشكل أنجع وأكثر فعالية من دول متطورة كثيرة، مضيفا في الوقت نفسه "لقد أعدنا اقتصادنا عمليا إلى مستواه ما قبل الأزمة (الجائحة)، وهذا يوفر لنا أساسا جيدا لحل المشكلات التي ظهرت في الأونة الأخيرة".

قائمة " روسيا الموحدة " التي سيدخل في هذه الانتخابات بمشاركة خمس شخصيات مهمة في قائمته هم، وزير الدفاع سيرغي شويغو، ودينيس بروتسينكو كبير الأطباء في مستشفى كوموناركا، وآنا كوزنتسوفا أمينة مظالم الأطفال، ويلينا شميليوفا الرئيسة المناوبة لقيادة الجبهة الشعبية، بالإضافة الى وزير الخارجية سيرغي لافروف الذي أكد ان بلاده ستعمل دائما انطلاقا من المصالح الأساسية لشعبها، وينطبق هذا أيضا على انتخابات مجلس الدوما المقبلة، التي يرغب "الزملاء الغربيون " كذلك بالتأثير على نتائجها، وهم يحاولون الآن إثارة الشكوك حول موضوعيتها والتشكيك في نتائجها.

هيئة الاستخبارات الخارجية في روسيا ورئيسها  سيرغي ناريشكين،  هي على علم بالتحضيرات الجارية في الخارج للقيام باستفزازات أثناء انتخابات عامي 2021 و2024 في البلاد، وأوضح ناريشكين في تصريحات متلفزة أن الحديث يدور، أولا: عن انتخابات مجلس النواب والعمليات الانتخابية الأخرى التي ستجري في روسيا في الفترة من 17 حتى 19 سبتمبر، وثانيا: عن الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها عام 2024، وقال أن الاستخبارات الروسية "على علم بالنقاط التي سيتم استهدافها".

الخارجية الروسية هي الأخرى ترى إن الغرب سيواصل هجماته الإعلامية على روسيا قبيل الانتخابات، وموسكو مستعدة لذلك، وقالت المتحدثة بأسمه  "نحن نفهم ذلك تماما، أن الهجمات ازدادت الآن واشتدت عدة مرات في المجال الاعلامي والسياسي، وستستمر لكننا مستعدون لذلك"، مشيرة الى أن حوالي 250 مراقبا من 50 دولة ومن 8 منظمات دولية، سيراقبون سير الانتخابات القادمة في روسيا، وشددت على أن كل الأمور على ما يرام فيما يتعلق بالمراقبة الدولية للانتخابات الروسية.

وبحسب استطلاعات الرأي، فإن جميع الأحزاب التي لها حضور في الدوما السابع الحالي، وهي - روسيا الموحدة، والحزب الشيوعي لروسيا الاتحادية، والحزب الليبرالي الديمقراطي، وروسيا العادلة، ستتغلب على حاجز الخمسة بالمائة، ووفقًا لبعض علماء السياسة وبعض استطلاعات الرأي، فإن (الحزب الروسي للمتقاعدين من أجل العدالة الاجتماعية ويابلوكو والناس الجدد) لديهم فرص نظرية للدخول إلى البرلمان.

 

بقلم الدكتور كريم المظفر

 

 

 

احمد عزت سليممزاعم الثبات التلفيقى الصهيونى الإجرامى

يتحرك الثبات التلفيقى الصهيونى على امتداد الزمن والمساحة الجغرافية والكونية نافيا بذلك طبيعة الحركة الإنسانية والكونية من امتداد وتفاعل وتواصل أو انفكاك وصراع، باطنى وظاهرى، وأن الثبات مؤقت وعابر ونسبى، وأن الحركة مطلقة لا يحدها حد ولا يوقفها عامل، ولكنها مع الزعم اليهودى تجرى بإرادته وتنطلق منها، فقد أوقف يوشع الشمس والقمر، وأصبحت اللحظة اليهودية كما يتوهم حقيقة سرمدية قد خلق من أجلها الأجنبي (الأغيار) على هيئة إنسان ليخدم أنبياؤها، أفراد القبيلة الذهبية، حيث لا تقبل هذه الحقيقة المزعومة إلا من شعبها المختار فقط، أى من القلة وليس المجموع ولا من الكثرة (الأغيار) كما هو متعارف عليه، بل وعلى هذه الكثرة التسليم والانخضاع لهذه الحقيقة العنصرية الإلهية لحلول الإله فيها بذاته وفى أفرادها فى اتساق ووحدة داخلية ثابتة تبدو وهمياً وظاهرياً كذلك، فى حين تجمع فى باطنها كل تناقضات الواقع وتناقضات عناصره الميتافيزيقية بما تثيره من مزاعم مفترضة لا مبرهنة، وبما تثيره من عنصرية مقيتة تقوم على النص الدينى بمستوياته المتراكمة والمتنوعة باعتباره قومية خالصة تجمع بين العنصر واللون والنوع والعقيدة والأصل والوطن والأصل الاجتماعى، فتنهض كل هذه العوامل شاخصة فى وحدانية ذاتها، فالأسود اليهودى حلت فيه روح الإله بينما الأسود من الأغيار انخلق من الروح النجسة لخدمته، وهكذا تسير للأمور مع كل العناصر السابقة، وكما يوضح الحاخام راشى:ـ أنه من العدل أن يقتل اليهودى الأجنبي لأنه عندما يسفك دماء هذا الأجنبي فإنه يقرب قرباناً إلى الإله، وإذا لم يقتل الأجنبي فإنه يخالف الطبيعة ... هكذا يصبح اللون والعنصر والنوع (ذكراً وأنثى) والعقيدة والأصل والوطن والأصل الاجتماعى تحت سيف الإله اليهودى الذى حل فى شعبه المقدس الذى اختاره لنفسه إلهاً، ويصير مصيرهم عبر الزمن محكوم عليه فى نهايته بالحكم الدموى، فالوجود من أجل الوجود اليهودى النهائى المسيانى لهذه الجماعة المزعومة كجماعة فريدة مقدسة سوف تسود العالم عند نهايته .

هكذا يتم إرجاع العينى الملموس إلى الماورائى الذى ترجع إليه العلة والبرهان ويرجع إليه الكمال والتمام، وإلا فالحكم الدموى هو مصير الأغيار المحتوم، لأنهم يسيرون نحو النقصان بينما اليهودى هو الإنسان الكامل التام الذى يتأكد تمامه ليس بنقصان الآخر فحسب ولكن بفضيلة التخلص منه وإيداعه نهايته الحتمية وصولاً إلى حتمية حكمه المسيانى، ولذا تسير حرية الأغيار وحركتهم منذ قيامها إلى نهايتها إلى قدرها المحتوم بوصول اليهودى إلى النهاية التى يحكم فيها العالم، فرب الجنود يطرد " هؤلاء الشعوب من أمامك ويدفع ملوكهم إلى يدك لتمحو اسمهم من تحت السماء ... ويبيدهم ويذلهم أمامك فتطردهم وتهلكهم سريعاً كما كلمك الرب " .

ويقول الحاخام جيتسبرج:ـ إن قتل اليهود لغير اليهود لا يعتبر جريمة تبعاً للديانة اليهودية، وأن قتل العرب الأبرياء بغرض الانتقام يعتبر فضيلة يهودية (1) كما أعلن الحاخام يوسف عن أن اليهود لديهم واجب دينى يتمثل فى طرد جميع المسيحيين من دولة إسرائيل " (2) وجاء فى التلمود الجحيم أوسع من النعيم ستين مرة لأن الذين لا يغسلون سوى أيديهم وأرجلهم كالمسلمين والذين لا يختتنون كالمسيحيين الذين يحركون أصابعهم (يفعلون إشارة الصليب) يبقون هناك خالدين " (3) وذكر فى التلمود أنه:ـ " إذا مات أحد الجدود مثلاً تخرج روحه وتشغل أجسام نسله حديثى الولادة... وأن هذا التناسخ قد فعله الرب رحمة باليهود لأنه أراد أن يكون لكل يهودى نصيب فى الحياة الابدية. (4)، ويعتقد اليهودى ما سطره لهم حاخاماتهم من أن اليهودى جزء من الرب كما أن الابن جزء من أبيه وأنه لو لم يخلق اليهود لانعدمت البركة فى الأرض، ولما خلقت الأمطار والشمس، ولما أمكن باقى المخلوقات أن تعيش (5) .

صيرورة العالم ـ إذن ـ من صيرورة اليهودى وهذه الصيرورة المزعومة قد صارت من قبل الوجود مطلقاً لا تتأثر بأية أحداث على الأرض مهما كانت فهى ثابتة راسخة لا تتغير ولا تتحول ولا تتبدل، مستقلة لا ترتهن بالآخر، خالية من أية تناقضات متفردة- عنصرية، تدرك ذاتها بذاتها الإلهية وتدرك نفسها المتعالية بإدراك تدنى الآخر الملعون المدنس " حيث نطفة غير اليهودى هى كنطفة باقى الحيوانات " (6)، وذلك فى مقابل نطفة اليهودى المقدسة التى تؤدى إلى ذات اليهودى المقدسة المنبعثة منها الأفعال المقدسة كمصدر أولي وإلهي لها مهما كانت دموية، فكما قال الحاخام أرئيل وهو يرثى على حد زعمه - الشهيد المقدس باروخ جولد شتاين الذى ارتكب مذبحة الحرم الإبراهيمي عام 1994- والذى أصبح بفعلته الإجرامية شفيع إسرائيل فى الفردوس، وكما يرى أن اليهود يرثون الأرض ليس فقط من خلال معاهدة سلام ولكن فقط من خلال إراقة الدماء، وحياه الحاخام دوف ليور لأنه طهر اسم الإله المقدس، وأن أرواح غير اليهود تأتى من الجانب المؤنث من الكرة الشيطانية، ولهذا السبب فإن أرواح غير اليهودى شر، وليست خيراً، وخلقت دون علم إلهى " – يقصد بمعرفة الشيطان، كما أن قوة الفيض، تبارك اسمه شاء أن يكون هذا الشعب على هذه الأرض يجسد جوانب الفيض الإلهى الأربعة، وهذا الشعب هو الشعب اليهودى الذين اختيروا لكى يجمعوا معا العوالم الإلهية الأربعة هناك على الأرض " (7) .

لقد نقل الإله عن داود الخطيئة، وأمات الطفل الوليد وأطلقت القبالاة على الوليد الحية، كالحية التى يصارعها الإله، ومن ثم نقلت الخطيئة عن كل اليهود بقتل داود نتاج الخطيئة / الحية، وبالتالى فمهما كانت الممارسات التى يمارسها الشعب الكهنة أو كهنة مملكة الأنبياء، داعرة أو فاسقة أو فاسدة أو شاذة أو منفضحة أخلاقياً أو تخريبية وإرهابية أو تمتهن كرامة الأغيار العبيد فهى فى نهايتها ونتائجها واجبة الحدوث والوجود كوجود اليهودى فى العالم، وكما فسر الحاخام اللوبوفيتشرى فى تفسيراته القبالية أن الخلق بأكمله (لغير اليهود) يوجد فقط من أجل اليهود ولذلك كله فهذه الممارسات مبررة لوجوده ذاته حتى يتقدس ويعلو، فالروح اليهودية تنبع من القداسة، والروح غير اليهودية تأتى من ثلاث دوائر شيطانية وأجسادها لا احترم لها وروح الجنين غير اليهودى تختلف عن روح الجنين اليهودى (8) كما وضح التلمود وبين، وقد خلق الرب ستمائة ألف روح يهودية كما جاء فيه لأن كل فقرة من التوراة لها ستمائة ألف تأويل وكل تأويل يختص بروح من هذه الأرواح، وفى كل يوم سبت تتجدد عند كل يهودى روح جديدة على روحه الأصلية وهى التى تعطيه الشهية الأكل والشرب (9)، هكذا أرواح اليهود لها تجدد مقدس وديمومة مقدسة.

 

بقلم :ــ أحمد عزت سليم

عضو إتحاد كتاب مصر

......................

المراجع:

1 ـ إسرائيل شاحاك، نورتون ميزفينسكى: الأصولية اليهودية فى إسرائيل، ترجمة ناصرعفيفى، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة ، الطبعة الأولى 2004، ج2، ص 110 .

2 ـ نفسه ص 67 .

3 ـ عبد العظيم إبراهيم المطعنى، المسيحيون والمسلمون فى تلمود اليهود، مكتبة وهبة، القاهرة، ص33 .

4 ـ نفسه ص 32 .

5 ـ نفسه ص 36 .

6 ـ نفسه ص 36 .

7 ـ الأصولية اليهودية، ج2، ص 42 .

8 ـ نفسه ص 45 .

9 ـ المسيحيون والمسلمون فى تلمود اليهود، ص 31 .

 

كريم المظفرمرة أخرى يفاجأ الكريملين وسائل الاعلام المحلية والخارجية، بلقاء جمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ونظيره السوري بشار الأسد في الكريملين يوم الاثنين، واعلن عنه في اليوم التالي، في زيارة لم يعلن عنها مسبقا، بررها المتحدث باسم الكريملين ديميتري بيسكوف، بان عدم الإعلان عن الزيارة جاءت بسبب اعتبارات أمنية معينة كان يجب اتباعها وهي واضحة تماما، وانه وانطلاقا من هذه الاعتبارات طبعا لم يتم الإعلان عن الزيارة وتم توفير المعلومات لوسائل الإعلام بعد عودة الرئيس السوري إلى بلاده .

تهنأة الرئيس بوتين للرئيس الأسد بالنتائج التي وصفها بالجيدة في الانتخابات الرئاسية السورية، وقال له مخاطبا "بأنها تؤكد أن السوريين يثقون بك"، وانه وعلى الرغم من كل الصعوبات والمآسي التي شهدتها السنوات السابقة، فإنهم "يعولون عليك" في عملية العودة إلى الحياة الطبيعية، حملت في طياتها رسالة روسية بثبات موقفهم في دعم الرئيس السوري ونتائج الانتخابات الرئاسية التي جرت في سوريا مؤخرا وفاز فيها الرئيس السوري .

أما الرسالة الثانية التي حاول الرئيس بوتين ايصالها، هي ما قاله عن الرئيس الأسد بأنه يفعل الكثير لإقامة حوار مع المعارضين السياسيين السوريين، وتعني ان السبيل الوحيد للمعارضة هو إيجاد لغة مشتركة مع الرئيس السوري باعتباره رئيسا شرعيا للبلاد للخروج من الازمة السورية التي طالت بسبب تشتت أطراف المعارضة السورية وصعوبة إيجاد موقف موحد لهم في الازمة التي لازالت تراوح في مكانها منذ 11 عاما.

أما بشأن الجهود المشتركة التي اوضحها الرئيس بوتين في كلماته خلال اللقاء، والتي من خلالها، كانت هذه الجهود بمثابة الضربة التي قسمت ظهر الإرهابيين، وسيطرة الجيش السوري الان على أكثر من 90٪ من أراضي البلاد، كانت الرسالة المهمة التي أراد الرئيس بوتين ان يركز عليها بصورة غير مباشرة، عندما اعرب ( أي بوتين ) عن أسفه بانه لا تزال هناك جيوب مقاومة للإرهابيين الذين لا يسيطرون فقط على جزء من الأراضي، بل ويواصلون ترهيب المدنيين أيضا، وبالتالي فإن روسيا لن تقف مكتوفة الايدي تجاه هذه المجاميع الى ما لانهاية. ومن جهته، وصف الأسد العقوبات المفروضة على سوريا بأنها لا إنسانية ولا شرعية، وأشار إلى أن جيشي سوريا وروسيا حققا نجاحات ملموسة في القضاء على الإرهاب.

روسيا والتي تعمل بشكل حثيث لإنهاء الازمة السورية، ترى ان المشكلة الرئيسية، في سوريا اليوم تكمن في أن القوات الأجنبية موجودة في مناطق معينة من البلاد، غير مصرح بها من قبل الأمم المتحدة او الحكومة السورية، وهو ما يتعارض بشكل واضح مع القانون الدولي، و لا يعطي لسوريا فرصة بذل أقصى الجهود لتعزيز وحدة البلاد ومن أجل المضي قدما في طريق إعادة إعمارها بوتيرة كان من الممكن تحقيقها لو كانت أراضي البلاد بأكملها تحت سيطرة الحكومة الشرعية.

الرئيس السوري بدوره، يرى ان التواجد الأجنبي ساهم بشكل مباشر في توقف العمليات السياسية لتحقيق الاستقرار النهائي للوضع في سوريا بشكل شبه كامل، وانه على مدى السنوات الثلاث الماضية، وكما أوضح الرئيس السوري، بان هناك أسباب معينة لذلك، وهناك دول معينة تؤثر بشكل مدمر بكل الطرق الممكنة على إمكانية إجراء العمليات السياسية، وهناك أيضا عوامل أخرى، " لكننا نفهمها تمامًا ونحاول بذل كل ما في وسعنا لحل هذه المشاكل الملحة"، وأشار إلى أن بعض الدول فرضت عقوبات على دمشق وصفها بأنها "معادية للإنسان ومعادية للدولة ومعادية للشرعية"، وعلى هذه الخلفية، أعرب الأسد بشكل منفصل عن امتنانه لوزارة الخارجية الروسية، التي تحمي مبادئ القانون الدولي.

الجانب الاقتصادي وتطوره، هو الاخر كان له رسالة لم تقل أهمية عن الجانب السياسي، و كان أيضا حاضرا في مباحثات الرئيسين، واشير خلال بحث العلاقات الثنائية، بما في ذلك التجارية والاقتصادية الى تطور مستوى التبادل التجاري بين روسيا وسوريا، ووفقا للرئيس الروسي فانه ازداد بمقدار 3.5 مرة في النصف الأول من العام الجاري، كما أنه تم تسليم أولى شحنات لقاحات "سبوتنيك V" و"سبوتنيك لايت" لسوري، في حين أعرب الأسد عن امتنانه لروسيا على مساعدتها بلاده في مكافحة تفشي فيروس كورونا وتقديم مساعدات أخرى، بما في ذلك إمدادات للمواد الغذائية.

كذلك عقد اجتماع للجنة الحكومية الروسية السورية المشتركة، وذلك بالتوازي مع القمة بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والسوري بشار الأسد، برئاسة يوري بوريسوف نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس اللجنة عن الجانب الروسي، وبرئاسة منصور عزام وزير شؤون رئاسة الجمهورية رئيس اللجنة عن الجانب السوري، وتم إجراء تقييم عميق لصيغ ومشاريع التعاون الاقتصادي بين البلدين الصديقين وكذلك مناقشة عدد من الاتفاقات والمشاريع المشتركة في مجالات الزراعة والصناعة والطاقة والمياه وتكنولوجيا المعلومات إلى جانب الإجراءات المتخذة بهدف تسهيل وتعزيز التبادل التجاري بين البلدين مع التأكيد على الدور المحوري لقطاع الأعمال في البلدين في هذا المجا، كما تناولت المحادثات واقع وآفاق توفير البيئة المناسبة لتشجيع الاستثمارات المشتركة في المشاريع التي تخلق قيماً مضافة تصب في مصلحة البلدين والشعبين الصديقين والتحضيرات الجارية لعقد الدورة الثالثة عشرة للجنة الحكومية المشتركة حيث عبر الجانبان عن ارتياحهما للجهود المبذولة في سياق تطوير العلاقات الاقتصادية.

الزيارة التي قام بها الرئيس السوري الى موسكو، أثارت تساؤلات عديدة من بينها السبب الرئيس التي حملت بشار الاسد تحمل عناء السفر للقاء الرئيس بوتين؟ وان كان الخبراء الروس قد نفوا ارتباط هذه الزيارة بتفعيل مكافحة المسلحين في إدلب، لكنهم أكدوا انه بدلا من ذلك، خصص الاجتماع لتسوية قضايا العلاقات الدولية والمشاكل الاقتصادية الداخلية للدولة الشرق أوسطية، ويعتقد المؤرخ والعالم السياسي فلاديمير موشيغوف أن فلاديمير بوتين وبشار الأسد ناقشا، في ضوء مستوى الاجتماع، القضايا الجيوسياسية – وكذلك «كيفية علاج المرض وأعراضه" .

الموضوع الرئيسي للمحادثات بين قادة القوتين كان القضية التركية، وطموحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان العالية للغاية، وحلمه باستعادة الإمبراطورية العثمانية، واعتبار أراضي الدول المجاورة تركية، واتباعه سياسات غير مناسبة، وانه وبالعودة إلى عام 1938، استلمت تركيا جزءًا من سوريا على شكل ضم جمهورية هاتاي السورية المتمتعة بالحكم الذاتي، وبقيت شهية أنقرة مفتوحة، ولم تكن

راضية عن ذلك، فقد ضم الأتراك اليوم مناطق واسعة من سوريا متاخمة للحدود السورية التركية، بالإضافة إلى ذلك، هناك توتر اقتصادي مفهوم تمامًا في البلاد، وبحسب الخبير السياسي موشيغوف فأن بشار الأسد طلب من فلاديمير بوتين تسوية العلاقات مع تركيا بطريقة أو بأخرى، فلا أحد يستطيع التعامل مع هذا.

أما آخرون، فقد أشاروا إلى ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة: فالوضع غير المستقر في البلاد والعقوبات الاقتصادية الخارجية للدول الغربية ضد سوريا تتدخل، وإلى أن معظم حقول النفط في سوريا لا تزال تحت سيطرة الولايات المتحدة، والتي تستخدمها الجماعات المسلحة الكردية لهذا الغرض، وهذا وفقا للخبير العسكري ورئيس تحرير مجلة الدفاع الوطني إيغور كوروتشينكو، لن يكون من السهل إيجاد حل للمشكلة، وربما بحثًا عن إجابات لهذه الأسئلة، توجه الأسد إلى رئيس روسيا، لأنه من الواضح أن روسيا تعمل وفق خوارزمية مستخدمة منذ عدة سنوات، وتتفاعل مع جميع أطراف النزاع، بما في ذلك مع دول ثالثة مهتمة بالعمليات السورية.

 

بقلم الدكتور كريم المظفر

 

بعث لي السيد "غريغوريو ميرابال"، وهو من السكان الاصليين لحوض نهر الامازون، ويقدم نفسه كقائد وممثل لاكثر من 500 جماعة من جماعات السكان الأصليين، بعث لي رسالة من خلال منظمة "أفاز"، وهي منظمة حملات انسانية تضم اكثر من 65 مليون عضو حول العالم، كما بعث لالوف غيري بنسخة منها، ممن سبق وان شاركوا في حملات هذه المنظمة، رسالة تتضمن الدعوة الى التوقيع على عريضة تطالب بوقف تدمير البيئة والحفاظ على التنوع البيئي الذي “ يدمره السياسيون الذين لا يعبأون بحلول حقيقية، طويلة الاجل، لرعاية الكوكب “،على حد تعبيره، مما يهدد شعبه ومعظم الشعوب الاصلية، في حوض الامازون، وغيره بالانقراض ...

وبالطبع وقعّت على العريضة وعقلي وقلبي مع السيد غيرغوريو ومشروعية حملته الانسانية وجدارة نداءه الواعي بالتضامن والمساندة، لكن هذا اعاد اليّ هاجسا اخذ، منذ فترة ليست بالقصيرة، يلّح على خاطري ويقترب اكثر فاكثر من ان يصبح واقعا عليه شواهد مهمة وحقيقة تنهض في دعمها المزيد من الدلائل والاشارات ....

وقعّت على نداء السيد غيرغوريو وانا اتمعّن في كلماته واردد: ومن هو المُهَدَد بالانقراض اكثر، بالمعنى الحرفي للكلمة، ياصديقي ميرابال، هل هو حوض الامازون وحياته الطبيعية وانواعه والذي كان وما يزال، يسترعي ما يسترعيه من اهتمام غربي وعالمي، ومنذ مدة ليست بالقصيرة، ام العراق والعراقيين الذين، على العكس تماما، تتظافر عوامل خارجية كثيرة ومؤثرة مع عوامل داخلية مدمرة، يسهمون هم ايضا، في خلقها وتحفيزها، بنشاط وحمّية، على السير بهم الى التلاشي والانقراض الفعلي ؟!

من المؤكد ان التأثير على النظام البيئي وعدم الاهتمام بعناصرحفظه وتوازنه واستمراره سيقود الى نتائج مؤثرة سلبا بل وخطيرة على انماط الحياة فيه بما في ذلك الحياة الانسانية ونظمها الاجتماعية والثقافية لكن معظم الوقائع المؤرخة والمعروفة تشهد ان الحياة الانسانية والمجتمعات والحضارات بادت وفنيت، في اغلب الحالات ، ليس بفعل عوامل طبيعية مدمرة، كثورات البراكين او الزلازل اوالفيضانات او حتى التغيرات الايكولوجية التي يشير اليها السيد ميرابال في حملته، الاّ من خلال وقائع محدودة جدا، ومحصورة مكانيا . فقد تزول مدينة او تتحجر بفعل الصهارة او الرماد البركاني مثل مدينة " بومبي "، او قد تغمر المياه مساحات واسعة كما كان يحصل في وادي النيل او وادي الرافدين ..ولكن ذلك لم يكن ليقضي على مجتمعات او يدمر مجموعات سكانية كبيرة بكاملها، والتي، كانت تنجح، غالبا، في تجنب الاثار المدمرة للكارثة الطبيعية، ثم تتكيف وتستعيد نشاطها وحياتها بقدر من الخسائر او ربما تجددت دورة الحياة فيها وانبعثت على نحو اكثر نشاطا وتنوعا وغنى بالحياة، كما كان الحال في اعقاب كل فيضان مدمر شهدته وديان الانهار الكبرى مثلا، او كما يحصل من خصب وتنوع للحياة في اثر كل ثورة بركانية ...

اما اذا كان التدمير ناتجا عن فعل انساني مثل الغزو والاجتياح من قبل اقوام اخرى، ومهما بلغت اعدادهم وقسوة اساليبهم وهمجيتهم فقد برهنت الوقائع التاريخية، عبر امثلة ملموسة، على ان الشعوب والحضارات ان لم تتمكن من صدّ موجات الغزو وكسرها فانها، في اغلب الاحيان، كانت تستوعب الصدمة وتتمثل الغزاة، ولربما انصهروا في بوتقتها وتلاقحوا مع حضارتها وثقافاتها واصبحوا، لاحقا، جزءا عضويا من تكوينها كما كان الحال في اغلب موجات الغزو البربرية التي شهدتها الحضارات المعروفة وغزوات المغول مثال واضح على ذلك بل ان وادي الرافدين نفسه، كان طوال قرون، مسرحا لغزوات ومعارك مستمرة بين الفرس والترك، ورغم انهم تركوا بعض الآثار المحدودة في ثقافة العراقيين، لكنهم لم يتمكنوا من محق هويتهم الخاصة او انهاء وجودهم ...

لكن الاخطر، على الاطلاق، والذي قدم الواقع امثلة كثيرة، وعبر التاريخ، على اثره المزلزل وعقابيله المدمرة وآثاره الماحقة هو الانحلال الداخلي، نتيجة فقدان عناصر ومقومات الوجود والاستمرار او تآكلها واضمحلالها، وان حصل طبعا، وفي اكثر الاحيان بمحفزات خارجية ...

وتعالوا الان نتكلم بصراحة ونحسبها بهدوء وبحساب " عرب " ودون حذلقة النصف الملآن من الكأس ، الذي يراه المتفائل ونصفه الفارغ الذي لا يرى غيره المتشائم ، ولنكن، ابتداءا، " متشائلين " فقط، على حدّ تعبير المرحوم " اميل حبيبي " في روايته الشهيرة التي كان هذا التعبير جزءا من عنوانها، بمعنى حياديين ومبتعدين عن الهواجس والعواطف والامنيات ، ما امكن، ولنسأل:

مالذي بقي لدى العراقيين كدولة وكمجتمع، او كوطن وشعب، بصيغة اخرى، من مقومات الوجود والاستمرار حقا؟

وهل للعراق والعراقيين مستقبل، وما هي طبيعة هذا المستقبل وضماناته؟

 واعني بالطبع، مقومات ملموسة وواقعية مما يؤيده العقل وتدعمه التجربة ويؤكدعليه العلم ... فلا يحدثني احد عن " الغيرة العراقية " مثلا، تلك التي نستنجد بها، كلما كان على المنتخب العراقي لكرة القدم ان يواجه فريقا خصما في بطولة او نهائيات دوري اقليمي او عالمي، بلا امكانات حقيقية ودون ان تدعمه اي من مستلزمات الفوز الى حد الافتقار حتى الى الشعور بوحدته كفريق، فاذا حصل وفاز بفعل المهارات الفردية للاعبيه وشيئا من الحظ هتفنا للغيرة العراقية ولأسود الرافدين الذين لن يقهروا، اما اذا خسر، اتجهنا الى التخوين والتشكيك بنزاهة وولاء اللاعبين والاداريين ونسينا تعويذة " الغيرة العراقية " !

ولا يبحث احد، كذلك، عن الطمأنينة في افكار سديمية مثل افكار ميشيل عفلق عن " قَدَر الأمة " فيطمئن نفسه بأن " قَدَر العراقيين " سيلد المعجزات من رحم المعاناة، او ان نهدهد انفسنا بالحديث عن ان ارض الانبياء والاولياء تحفظ مالها وما عليها بقدرة الواحد القهار، فالانبياء والرسل وكذلك الاولياء والاصفياء كانوا يعدون للامور عدتها ويهتمون لحسابات الواقع وممكناته ولم يعتمدوا او يركنوا الى عبارات لا تقول شيئا مثل "قدر الامة" او "روح التاريخ" او "رسالة" شعب من الشعوب!

هل هو التشاؤم والسوداوية التي قد تنبع عن العجز؟

ربما ...

ولكن على من يرى ذلك ان يتفحص حياته اليومية وحياة اقرب المحيطين به وليستعرض مفرداتها واحدة واحدة، هل يجد فيها مايطمئنه ويؤمنّه ويلبي حقوقه او شيئا منها ويعده بحاضر آمن ومستقبل افضل، او حتى ممكن، له ولعائلته؟

فان كانت الاجابة بنعم فانا اعتذر عن سوداويتي وتشاؤمي، اما اذا كانت الاجابة بالايجاب فاسأله ماذا نحن فاعلون اذن اتجاه وجودنا ومصيرنا ومستقبل اولادنا ؟

هل نستمر في وضع رؤوسنا في الرمال ونتجنب التفكير الجاد والمسؤول بحل حقيقي، ام نضع يدنا في يد السيد " غريغوريو ميريبال " ونفعل شيئا اتجاه ما يهددنا من تلاش وشيك وانقراض مؤكد، اذا استمر الحال على نفس المنوال، فنهتف تباً للامبراطور الجاهل العاري الذي يضحك علينا، ويعيد السخرية منا، منذ ثمانية عشر عاما، حتى اليوم، فيستعرض امام انظارنا، في كل مرة، " ملابسه الجديدة " التي لا تفلح في ستر عريه الذي بات يعرفه حتى اطفالنا فيهتفون ببراءتهم المعهودة ... ولكنه عار ومفضوح ولا يرتدي شيئا، كما هو شأنه في المرات السابقة !

 

عارف معروف

 

حسن الحضريتحرص المنظومات السياسية في الدول النامية، على التدخل في توجيه المنظومات الأخرى، نحو السَّير في رِكابها، ولا تسمح أبدًا لأيَّة منظومة أن تسير في طريق مغاير، أو تسْبح ضد تيار النظام السياسي القائم، الذي يعكف على وضع خطَّته التي يرى أنه يمكنه السيطرة من خلالها، وأنها هي السبيل لضمان بقائه في سُدَّة الحكم، ثم يستغل منظومته الإعلامية، في الدَّعاية لِما يرى من أفكار وتوجُّهات.

فالأنظمة السياسية يهمُّها في المقام الأول، الاطمئنان على طريقة التعايش الفردي والجماعي داخل مجتمعاتها، وطريقة التعايش هذه ما هي إلا جزء من العملية الثقافية، وبالتالي تسعى تلك الأنظمة السياسية إلى تشكيل منظومة ثقافية توافق أهواءها وتحقق طموحها، في سير العملية الثقافية شكلًا ومضمونًا، بحيث تستطيع من خلالها توجيه أفراد المجتمع وجماعاته إلى فهم الأمور والتعامل معها بالطريقة التي يريدها النظام السياسي في ذلك المجتمع.

ولا شك أن ما تفعله تلك الأنظمة السياسية في الدول النامية، يلاقي خضوعًا تامًّا لدى جهلاء الناس، الذين يرون في النظام الحاكم قدوة لهم دون أن يسألوا عن حق أو باطل؛ فهم بِحُكمِ تعاقُبِ الأنظمة السياسية الفاشلة عليهم، أصبحوا لا يدركون شيئًا من هذه الأمور، وكل ما يعتقدونه أن ذلك نظامٌ حاكمٌ، وأن ما يقوله هو الصواب، وهو الذي تجب طاعته والانقياد له، بل إن بعض أولئك العامة يتطوعون بقناعة تامة منهم، في نشر أفكار تلك الأنظمة السياسية، والقيام بدور المُخبِر السِّرِّي الذي يرشد عن معارضيها، والكارثة أن أولئك العامة يتوهمون أحيانًا أنهم أوصياء على الناس، فيحاولون الحجر على آرائهم، ويصل بهم الأمر إلى حدِّ استعمال العنف في مواجهة المعارضين؛ من أجل إرضاء النظام الحاكم، دون تمييزٍ بين عالم وجاهل، أو مُصلحٍ ومفسد، وكأنهم أصبحوا يمثِّلون نظام الحكم ويتحدثون باسمه، وهو واقع مؤلم حقًّا لكنه يعبِّر عن النتيجة الحتميَّة لما تفعله تلك الأنظمة العابثة.

ومن هنا يتبيَّن لنا أن تلك الأنظمة السياسية تدرك تمامًا أنها لن تبذل جهدًا في تحقيق أهدافها؛ لأن تراكم الخبرات والتجارب قد أوجدتْ لها مجتمعاتٍ مستسلمة لِما يُفرَض عليها، ليس لديها رغبة في التغيير؛ لأن ثقافتها قائمة على نظرية الخضوع والاستسلام.

ولذلك تحرص الأنظمة السياسية في الدول النامية على تهميش الوزارات والمؤسسات الحيوية، التي ينبغي أن يكون لها دورها الفعَّال في إِحداث نهضة تنموية شاملة، لو تم دفْعُها في مسارها الصحيح؛ مثل وزارة الثقافة، التي تحرص أنظمة الدول النامية على أن يتولاها أناسٌ ممن تشبَّعت أفكارهم بأن الثقافة تنحصر في الفن، ولا علاقة لها بالعلم والفكر والإبداع والأدب والنقد وغير ذلك من مجالات العلوم، التي ينبغي أن تكون وزارات الثقافة قد أنشِئت من أجل النهوض بها ورعاية القائمين عليها؛ فالفكر السياسي في تلك الدول النامية لا يريد شيئًا من ذلك؛ فليس من المستغرَب في هذا الواقع المؤسف أن تأتي الأنظمة السياسية في تلك الدول بعازفة أو راقصة وزيرًا للثقافة؛ حتى يضمنوا نجاح مخطَّطهم وتحقيق أهدافهم، التي في مقدمتها القضاء على الوعي المجتمعي.

وحين ننظر إلى المنتَج الثقافي، في تلك الدول؛ نجد أن المؤسسات الثقافية الرسمية لا تقدِّم سوى العبث؛ من خلال مشروعات وبرامج ساقطة لا تناسب غير واضعيها ومنفِّذيها، ومطبوعات رديئة تحتوي معلومات مغلوطة وأفكارًا خبيثة وخواطر هزليَّة، يشغلون بها الناس عن النظر في أمور حياتهم وما آلوا إليه في ظل أنظمة متسلِّطة فاشلة، تعلم علم اليقين أنه لن يُكتَب لها البقاء إلا في ذلك المناخ السيئ، الذي تصطنعه اصطناعًا، وتُغْرق فيه مجتمعاتها التي لا تُبدي أي نوع من المقاومة.

والأمر لم يقتصر على المؤسسات الرسمية؛ فقد اصطنعت الأنظمة السياسية عملاء لها، وافتتحت لهم مؤسسات ثقافية خاصة، تَظهر أمام الناس بمظهر المعارِض، وفي الباطن ترعى برامج الأنظمة التي صنعتها، وتعكف على خدمة مصالحها وتحقيق أهدافها، والترويج لمخططاتها، فيبدو الأمر لمن لا يعلم، وكأنَّ هذه هي ثقافة المجتمع التي تعبر عن هويَّته، بينما هي في الواقع مخططات خبيثة لأنظمةٍ أشد خبثًا.

والفارق بين تلك الأنظمة الفاشلة وبين نظيرتها الناجحة؛ أن الأولى تسعى إلى تطويع المجتمع لِما يناسب عجزها وضعفها، أما الأنظمة الناجحة فتسعى إلى تطوير أدائها وتنمية رؤاها، والدفع بمؤسساتها إلى ما يحقق النجاح والاستقرار؛ فمعايير النجاح ثابتة جوهريًّا، لكن الأنظمة الضعيفة تعجز عن التعايش معها، فتصطنع معايير أخرى تناسب فشلها، وتسعى إلى تعميمها في التعايش المجتمعي.

وهذا يفسر سعي تلك الأنظمة إلى استقطاب الضعفاء في كل مجال، وإسناد أمور الوزارات والمؤسسات إليهم، ومحاربة كل من يوجِّه إليهم شيئًا من النقد، واتهامه بعرقلة النظام، وعقابه على جرأته وقوله كلمة الحق؛ حتى يكون عِبرة لغيره، ويتخذ الناس جانب اللامبالاة، وكأنهم يعيشون داخل دولة لا يَعنِيهم مِن أمرها شيء، رغم أن كل ما يدور حولهم يتعلق بمصالحهم ويؤثر عليهم سلبًا.

ومن الجرائم الثقافية والاجتماعية لتلك الأنظمة؛ اتخاذ مجموعة من السياسات الاجتماعية، تحاول من خلالها فرض ثقافةٍ بعينها في التمييز بين الناس باعتبارات مخالفة تمام المخالفة لِما ينبغي أن يكون؛ من خلال إضفاء نوع من المهابة والاحترام والتقدير نحو فئات بعينِها في المجتمع، دون أن تستحق شيئًا من ذلك بأي اعتبار من الاعتبارات الصحيحة، وفي المقابل تقوم بتهميش واحتقار فئاتٍ أخرى هي الأجدر بالاحترام والتقدير، وفي مقدمتهم العلماء والمفكرون والمبدعون باختلاف مجالاتهم وتعدُّدها؛ وهذا الفكر السياسي الأهوج قد جعل عامة الناس يتَّجهون في تربية أولادهم إلى أن يكونوا من الفئات ذات الحظوة عند تلك الأنظمة، والأولاد الصغار أنفسهم قد أدركوا هذه الحقيقة المؤلمة، فأصبحوا يسيرون نحو ذلك الاتجاه، من خلال مقوِّماته التي يتطلَّبها، وفي مقدمتها الفشل الدراسي، وسوء الخُلق؛ تَماشيًا مع الثقافة العامة التي قررت رفعة هؤلاء ووضاعة غيرهم.

ولا شك أن أجهزة الإعلام في الدول النامية، لها دور كبير في هذا العبث؛ فمِن خلالها يتم تطبيق تلك المفاهيم الثقافية المزيفة، ولذلك فإن الأنظمة السياسية في الدول النامية لا يفوتها أن تصطنع لنفسها أجهزة إعلامية توائمها وتحقق أغراضها، إضافة إلى استقطابها بعض الإعلاميين مِن ذوي المصالح، إما بالترغيب وإما بالترهيب، وحتى تضمن تلك الأنظمة استمرار موالاة أنصارها؛ فإنها تقوم بتسريب اتفاقيَّاتهم المبرمة بينهم؛ حتى يشعر أولئك أن مصلحتهم باتت في يد النظام الحاكم، وأنه لا مجال للتراجع.

وبعض العوام لا يستجيبون إلا لِما يصل إليهم باسمِ الشريعة؛ تحاشيًا للوقوع في أخطاء قد تقودهم إليها ثقافات دخيلة، إلا أنهم يقعون في براثن أنظمتهم السياسية، التي تغزو فكرهم من هذا الجانب، فتنتقي مسائل دينية بعينِها، وتقوم بتفسيرها حسب أهوائهم، وتُلقِي بذلك التفسير إلى بعض صنائعها ممن يروِّجون لأفكارهم باسم الدين من مرتزقة الإعلام، الذين يتأوَّلون ما يروق لهم باعتباره حقيقة راسخة ينبغي التسليم بها، وهم يعلمون تمام العلم أنهم مُغرِضون.

وقد استطاعت تلك الأنظمة أن تنشر في دولها النامية أنواعًا غريبةً من الثقافات الهدَّامة؛ أوَّلها: ثقافة الرعب؛ وهو رعب فردي ورعب مجتمعي؛ فأما الرعب الفردي فيعني خوف كل فرد في المجتمع من سياسة القمع الأمني، التي يمارسها النظام الحاكم ضد خصومه ومعارضيه؛ وأما الرعب المجتمعي فهو خوف المجتمع عمومًا من أن يَلقَى مصير هذه الدولة أو تلك، من الدول التي يتخذها النظام الحاكم مثالًا تحذيريًّا لتخويف شعبه، وكأنه يمنُّ عليهم إذْ لم يلاقوا ذلك المصير السيئ، متجاهلًا أن وظيفته هي الحفاظ على أمنهم، والبعد بهم عن ذلك المصير.

والنوع الثاني هو ثقافة التسويف، التي اكتسبتها الدول النامية من حكامهم، الذين يعِدون بالإصلاح، ثم يستنزفون مقدَّرات دُوَلِهم في مشاريع بعضها وهميٌّ لا وجود له، وبعضها فاشل، وبين الحين والآخر يجدِّدون وعودهم الكاذبة تحت راية التسويف.

أما النوع الثالث فهو ثقافة التدليس والتشويه؛ التي تنتهجها الأنظمة الحاكمة في الدول النامية، تجاه معارضيها، فبينما كانت تلك الأنظمة بالأمس القريب تمدح أشخاصًا بأعينهم؛ نجدها الآن تكِيل لهم الذَّم، وتُلصِق بهم النقائص، وتتحدث عن رموزهم وأَعلامهم حديثها عن المغمورين غير المعروفين؛ ولا سبب لذلك غير أنهم انشقُّوا على تلك الأنظمة أو واجهوها بمثالبها، أو قالوا كلمة حقٍّ في أمرٍ ما؛ وتذكِّرنا مواقف الأنظمة السياسية هذه بموقف اليهود من عبد الله بن سلام [ت: 43هـ] رضي الله عنه، حين أسلم، حيث «قال: يا رسول الله؛ إن اليهود قومٌ بُهتٌ، إنْ علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بَهَتوني عندك؛ فجاءت اليهود، ودخل عبد الله البيت، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: أيُّ رجلٍ فيكم عبد الله بن سلام؟، قالوا أعلَمُنا وابنُ أعلَمِنا، وأخيَرُنا وابن أخيَرِنا؛ فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: أفرأيتُم إنْ أسلَمَ عبد الله؟!، قالوا: أعاذه الله من ذلك!!، فخرج عبد الله إليهم فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله؛ فقالوا: شرُّنا وابن شرِّنا؛ ووقعوا فيه» [أخرجه البخاري في صحيحه (4/ 132/ 3329)].

وإذا كان من الواجب على الأنظمة الحاكمة، أن تدرك خطورة الغزو الثقافي الذي يأتيها من الخارج؛ فإن الدول النامية يتم غزوها ثقافيًّا من الداخل؛ من قِبَل أنظمتها الحاكمة، التي لا تستطيع التعايش في ظل المعايير الصحيحة للمجتمعات البشرية، فتضع لنفسها منهجًا خاصًّا يوافق إمكاناتها وتوجُّهاتها، ومِن ثَمَّ تقوم بفرضه على الأفراد والجماعات كثقافةٍ عامة يجب الالتزام بها وعدم الخروج عليها، وهو الأمر الذي يقود تلك الأنظمة نفسها قبل مجتمعاتها إلى عثراتٍ يصعب جبرها.

 

حسن الحضري

عضو اتحاد كتاب مصر

 

السادة الكرام تحدثنا في مقالتنا السايقة عن حقيقة ما حدث ويحدث لدولة صديقة لبلادنا وشعبنا وحددنا نقاط نعتقد بانها صحيحة على الرغم من اعتراض بعض السادة المتابعين الكرام وتحفضهم على ارائنا وهو حق مشروع يمارسة كل  من شاء ان يمارسه فهذا الحق ليس منة من احد ولكنه امتياز ممنوح للاحرار تصونه وتحترمه شرائع البلاد التي نعيش فيها حاليا والتي افتقدناه كثيرا بسبب انظمة تشابه ما يتواجد اليوم في افغانستان المبتلاة بطالبان. لقد خلقنا احرارا وتعلمنا ان نحترم الفكر والفكر المقابل وان نتقبل النقد البناء وهذا هو السبيل الوحيد للوصول الى الحرية اكانت عقائدية ام سياسية او مذهبية دينيةولا يهمنا ان رضى الاخرون بما نؤمن به او لم يرضوا فلهم دينهم ولنا دين. وكما قلنا ايها السادة الكرام ان السياسة الامريكية والتي في حقيقة الامر عاشت فترة تداعيات دللت في اغلبها على ضعف الاداء التي ابداه من تسيد البيت الابيض ومن صانعي السياسة الامريكان في الكونغرس واكثرهم من الهواة غير المحنكين في امور ادارة الازمات فهم ليسوا الا كما يقال صوت سيدهم المال السياسي يدارون كما تدارالخواتم في الاصابع او كما يقول العراقيون خراعات خضرة لاغيروهذا يشمل حتى القابعون فوق اعلى المناصب السيادية ابتداء من رئيس البلاد والى اغلب صانعي السياسة الضاهرية في الولايلت المتحدة الامريكية. سادتي الكرام كنا قد تحدثنا بما نعتقده هو الصواب في الجزء الاول من خطابنا وحللنا بحسب قناعاتنا استنادنا الى فترة زمنية طويلة قضيناها هنا في امريكا وعاصرنا فيها عدة رؤساء وشخصيات فاعلة في صنع القرار الامريكي ووصلنا في قناعاتنا ان من يمكن له ان يصل الى سدة الرئاسة المريكية يجب ان يكون مدعوما من الناخبين والذين هم نسخ متطورة من ناخبي بلادنا  العربية ، فالجميع يباع ويشترى وبمختلف الوسائط لافرق اكانت طائفية او مستفزة دينيا او الاعبين على مزامير وطبول دول الجوار مدفوعين بانفاس طائفية كريهة واخرى تباع وتشترى بالاموال المسروقة من ثروات الوطن المهان او بقوة التهديد بالقتل والاختطاف والارهاب والتزوير. وغيرها من الوسائل التي خبرها شعبنا العراقي على سبيل المثال لا الحصر. اما ماهو الفرق بيننا وبين الناخبين الامريكان فهولاء كذلك تسيرهم لوبيات مختلفة متعددة الاهداف والمصالح وكلها تتحكم في توجيه مسارات تفكيرهم عن طريق شبكات هائلة من الاعلام الممنهج  القادر على قلب الحقائق وتحويل الانضار عن المسائل الخطيرة وتوجيه الاهتمام الىقضايا جانبية لصرف الانظار عن القضايا الجوهرية  التي تمس صلب العمل السياسي في داخل البلاد وللتلاعب بافكار وتطلعات الغالبيةالانتخابية التي تقلب النتائج بسبب التاثيرات على الناخبين الامريكان وبسبب الدعايات الكاذبة والمضللة، وبلا شك فهو عبث خطير لايقل ان لم يزيد في خطورته عن لوبيات التخلف في العالم الثالث. وعليه فان التلاعب في نتائج الانتخابات لاتقل خطورته عن التلاعب في فكر وتوجهات الناخب الامريكي والعبث القاتل بمستقبل الناخبين الامريكان في اختيار ممثليهم بحرية وديمقراطية. ولعل ما وقع في انتخابات 2020 الرئاسية  الامريكية تعطي موشرا حقيقيا للممارسات التي قد تكون ابتعدت كثيرا عن السلوك الديمقراطي  وبغض النظ رعن الطرف الذي اتهم الطرف الاخر اكان محقا  او مخطئا فيها.                                           

نعود الى الحديث عن النقاط التي اسهمت في ما حصل من فاجعة في افغانستان  فنقول في خامسا.- ان اي مراقب سياسي مهما كانت اتجاهاته الفكرية وولائاته السياسية، لابد انه قد شعر بان هناك عملية مررت من تحت الطاولة ما بين الفرقاء المتفاوضين  والكل ممن ساهموا على انجاح  هذه المفاوضات الامريكية- الافغانية عملوا وبشكل واضح بتغطية من دول ذات مصالح همها عدم سقوط افغانستان مجددا بيد قوى رادكالية حقيقية متطرفة كالقاعدة وداعش مثلا وعودة انفتاح ارض افغانستان لتكون مسرحا وملاذا للارهاب العالمي مرة اخرى وهذا الامر كان سيتسبب وبلا شك في كارثة كبرى لكل من الباكستان وايران وازبكستان وغيرها من الدولالحليفة لروسيا والمجاورة لافغانستان ولا بد من اشراك تركيا في تلك المشكلة واثار تواجد قوى ارهابية وعلى راس تلك الدول تقف روسيا ومشاكلها مع قوى الارهاب العائد من سوريا كداعش مثلا  ولابد ان ناخذ بنظر الاعتبار الصين والتي لها مشلكل كبرى مع الاسلاميين من جماعة الايغور ومن سكان منطقة اخرى يعتقد انها لاتنتمي للعنصر الصيني اصلا ويشكل المسلمون فيها الغالبية العظمى وسكانها من الكارهين للحكم الصيني عليهم. لقد استلم الرئيس بايدن تركة ثقيلة من سلفة ترامب ولكن الوفد الامريكي بقي كما كان منذ عهد ترامب ولم يتبدل اي لاعب فيه سوى استبدال جورج بومبيو بانتوني بلينكن وكلاهما يقتصر  دورهما في اجرائات بروتكولية،وبقي الرجل الاخطر والاهم وهو الافغاني الاصل زلماي خليل زاد والعضو المفاوض الرئيس في الوفد الامريكي لاكمال ما بداء به ترامب وبومبيو سابقا ولاكمال المشوار- بايدن وبلينكن .

 نتائجه ما يلي نشرحها كنقطة سادسة. سادسا – على الرغم من عدم نشر اي ملاحق او اخبار تتعلق بالاتفاقية التي صار الاتفاق عليها فيلاحض اي شخص لديه الحس الامني شعر او يشعر ان مؤامرة تافهة رخيصة قد احكمت خيوطها بين الامريكان وبين جبهة وانصار طالبان ، تقتضي بعدم تحرك طالبان وتغير مناطق السيطرة والنفوذ الا بامر امريكي ولذلك فنحن نسسال العقلاء وخاصة من اصحاب الاختصاص ان كانت طالبان قد امتلكت القدرات على الاستيلاء على البلاد واجتياحها وبالسرعة التي تم  بها الامر فلماذا لم تبادر طالبان الى عمل ماقامت به من التسللل بمعرفة قوى الامن الداخلي وعناصر الحكومة ولكن واوكد على كلمة ولكن بعد مدة محددة من زيارة قائد القيادة الوسطى الامريكية وبقائه في كابل وحواراته مع القادة الميدانيين وقادة الاركان في الجيش الافغاني وسلاح الطيران، افلا يذكر هذا الامر بما قام به الجنرال هاوتزر لامريكي في الايام الاخيرة من حكم الشاه  محمد رضا بهلوي واتصالاته التي اجراها في طهران وتم فيها اقناع جنرالات الشاه بعدم الممانعة في انهاء واسقاط نظام الشاه؟ لقد تم تحييد القيادة العسكرية الايرانية وجعلها تلتزم جانب الحياد وهذا الحياد بدوره اعطى الضوء الاخضر للخميني وبطانته للتحرك باتجاه طهران وكان من نتائج العمل  الذي ادى الى هذا التحييد سقوط النظام في طهران وادى كذلك الى اعدام اغلب القيادات العسكرية الايرانية بعد ان اعطوا الوعود بالابقاء على حياتهم مقابل عدم التدخل في مسالة اسقاط الشاه. وهكذا فان الديمقراطيين في سلوكياتهم السياسية المتخاذلة كما في حالة جيمي كارتر الديمقراطي عام 1979 وسلوك جو بايدن عام 2021 قد جروا الوبال على حكومة الولايات المتحدة وكذلك ادى سلوكهم غير الاحترافي هذا الى تدمير مصداقية امريكا وانهاء اي احتمالية مستقبلية  في الايمان بما قد تقدمه امريكا من وعود الى من سيبقى حليفا مجبرا معها. لقد ادرك قادة الجيش الافغاني ان الدرس الايراني وكذلك الدرس الذي تلقاه نجيب الله رئيس وزراء افغانستان ابان الاحتلال الروسي وبعد انسحاب السوفيت من افغانستان والذي اعدمته  شنقا حركة طالبان تحت جذع شجرة، فكان درسا لاينسى استفادت منه قيادات عسكرية ومدنية افغانية فسارع هولاء بعد افتضاح امر المؤامرة الخبيثة الى الهروب الى خارج البلاد تجنبا من المصير الذي ينتضرهم وبعد ان استوعبوا حجم التامر مابين امريكا وطالبان فكان ان هرب اغلب قادة الجيش بواسطة طيارات القوة الجوية الافغانية الى دولة طاجكستان المجاورة مع اعداد كبيرة من العسكريين كذلك.  حيث بلغ عدد الطيارات التي تم الهروب بها مايزيد عن 60 طيارة. لقد ادرك رئيس الجمهورية اشرف غني بان مصيره سيكون اجلا ام عاجلا معلقا هو كذلك على جذع شجرة كسلفه نجيب الله فاثر الانسحاب والهروب بما خف حمله وغلا ثمنه والى دولة منحته الامان.                                   

سابعا- لم يبداء تحرك طالبان باتجاه مراكز العواصم الاقليمية الا بعد ان اعلن الامريكان في انهم سينسحبون من افغانستان في زمن محدد وهو اواخر شهر اب وانهم سيتوقفون عن اداء اي دور قتالي في افغانستان ووهي دعوة صريحة لطالبان في الوقت عينه بدائت ماتبقى من القوات الافغانية في القاء السلاح والاستسلام وتوقفت عن الدفاع عن شي ما عاد موجودا وهو الدولة الافغانية الشهيدة المغتالة بايدي حلفاتها المفترضين،                       

ثامنا – نعتقد ان خيوط المؤلمرة وضحت اكثر عندما نسمع من قادة الحلفاء ان الدولة الافغلنية لم تعد تمتلك الحد الادنى من التماسك وهي دعوة صريحة للقوات العسكرية الى القاء السلاح والدليل الاهم هو عدم وقوع اي صدام مابين القوات الامريكية المحتشدة في المطاروقوت طالبان التي سيطرت على الشوارع المحيطة وسهلت عمليات الاجلاء والتخلص من كل الذين لايقبلون بالخضوع لاملائات طالبان وازاله عبئ كبيرعن كاهل زعامات طالبان فهل بقي هناك اي شك في لعبة الاستلام والتسليم.

تاسعا- في منضورنا ان طالبان قبلت بكل الشروط الامريكية وخاصة ما يتعلق بالاسلحة الامريكية المتروكة’   فامريكا ترامب التاجر كانت بلا شك تتفاوض على الطريقة التي سيدفع بها الحكام الجدد عند وصولهم الى السلطة ثمن واقيام هذه الاسلحة المشترات من قبل الافغان ولم تكن حكوماتها قد دفعت اقيامها وهو امر متروك لحصافة القاري الكريم . عاشرا- من كل هذل الشرح الموجز والذي قد نكون فيه مخطئين نصل الى قناعة الى ان الخاسر الوحيد سيكون الشعب الافغاني الكريم وقواه  المتمدنة، وان ما تحقق في ضرفية الاعوام العشرين من الانفتاح على العالم سوف لن ينتهي كما تشتهيه سفن طالبان. ان رياح التغيير اتية لا ريب ومها حاولت قوى التخلف فلا الباكستان بمشاكلها التي لاتنتهي قادرة على  نجدة طالبان ولا قطر ستتمكن من الاستمرار من دفع رواتب نفر عاطل لم يتعلم الا صنعة الحرب فمتى لم يجد هولاء من يقاتلونه فانهم سيقاتلون بعضهم البعض والدولة او الامارة الاسلامية التي شكلتها طالبان لم يمكنها العيش على مورد الحشسش وزراعة المخدرات، فلسنا نعيش اليوم في دولة حسن الصباح وامارة الحشاشين، وانما نعيش في عالم تحكمه قوانين واحكام ملزمة وشرعة امم دولية فهل نحن مقدمين على رؤية تحالف دولي جديد للقضاء على دولة طالبان الحشاشية الجديدة وتعاد المسخرة مرة اخرى من جديد حفضكم الله من شرور التخلف والمتخلفين.

 

م. صباح وزير

 

ابراهيم أبراشمقدمة: مؤشرات عديدة كانت توحي بتراجع حزب العدالة والتنمية إسلامي التوجه في الانتخابات المغربية التي جرت في الثامن من الشهر الجاري، حتى من داخل الحزب كانت التخوفات واردة بعدم تبوء الحزب مكان الصدارة في الانتخابات كما جرى في الدورتين الانتخابيتين 2011 و 2016، إلا أن لا أحد كان يتوقع أن تكون الهزيمة مريعة بالشكل الذي تم.

ما جرى مع حزب العدالة والتنمية جرى مع حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية يساري التوجه قبل ذلك عندما حصل على أعلى الأصوات في انتخابات 1997 وبعد سنوات من المشاركة في الحكومة تراجعت شعبيته بشكل كبير وعانى من أزمات ومشاكل داخلية كبيرة. في الحالتين وبالرغم من وجود بعض الاختلاف في الظروف السياسية التي جاء فيها كل منهما واختلاف التجربة النضالية والخلفية الفكرية يمكن القول إن النظام كان معنياً بجلبهم للمشاركة في السلطة من خلال صناديق الانتخابات، وفي الحالتين فإن منتسبي الحزبين ينتمون للطبقة الوسطى والفقيرة، كما أن الذين حلوا محلهما أحزاب ليبرالية ومحافظة تقودها شخصيات من الطبقات الغنية وميسورة الحالة .

وحتى نلم بما جرى في الانتخابات الأخيرة يجب وضع العملية الانتخابية في سياقها التاريخي وخصوصيتها النابعة من خصوصية التجربة الديمقراطية المغربية ومركزية المؤسسة الملكية باعتبارها راعية وموجهة المسار الديمقراطي، بل يمكن اختزال نتائج الانتخابات بالقول: أنهزم (الإسلاميون) وانتصر أمير المؤمنين.

أولاً: خصوصية النموذج المغربي للديمقراطية

في الوقت الذي تغيب فيه الديمقراطية كلياً عن بعض الدول العربية التي ما زالت ترى في الديمقراطية ومستلزماتها من انتخابات وتعددية سياسية وحزبية ودستور الخ تعارضاً مع الدين الإسلامي ومع الخصوصية الثقافية والمجتمعية أو تهديدا لهيمنة الطبقة أو الطائفة المهيمنة، ويتعثر المسار الديمقراطي أو يسير ببطء في الدول الأخرى التي مارست العملية الديمقراطية وبعضها كان رائداً في هذا المجال كلبنان، وفي الوقت الذي تواجه فيه كل الدول العربية تقريباً تحديات اقتصادية وسياسية وأمنية خطيرة وبعضها يعاني من حروب أهلية، في هذا الوقت يواصل المغرب مسيرته الديمقراطية بانتخابات تشريعية هي الخامسة في عهد الملك الحالي محمد السادس وسبقها تسع جولات انتخابية في عهد الملك الحسن الثاني كانت أولاها في 1963، مما يعني أن خيار التعددية السياسية والديمقراطية أصبحت ثابتاً من ثوابت الحياة السياسية في المغرب، حتى المحاولتان الانقلابيتان اللتان جرتا في بداية السبعينيات وما سبقهما وصاحبهما من قمع والتحديات الناتجة عن مشكلة الصحراء والخلاف مع الجزائر لم تدفع النظام السياسي والمؤسسة الملكية للتراجع عن هذا المسار.

من السابق لأوانه القول بأن المغرب أصبح منتمياً لنادي الديمقراطيات العريقة كما هو في بلدان الغرب واليابان وغيرها، ففي الديمقراطية المغربية شيءٌ من عيوب الديمقراطيات العربية التي يُعيقها الموروث الثقافي والديني والوضع الاقتصادي والفساد الإداري وسيطرة مرجعية عليا تسمو على المؤسسات المنتخَبة وتراقب وتوجه الأمور، حتى يجوز القول بأن الحكومة التي تفرزها الانتخابات والعملية الديمقراطية في البلدان العربية لا تحكم بالفعل بل تُسيِر وتَدبر الأمور الحياتية للمجتمع، أما رسم السياسات الكبرى ووضع الاستراتيجيات فتبقى في يد المرجعية العليا- الرئيس /الملك وبطانته أو المؤسسة العسكرية أو المؤسسة الدينية- وفي المغرب المؤسسة الملكية.

وفي سياق الحديث عن الخصوصية فإن اختيار المسار الديمقراطي كان إرادة ملكية منذ بداية الاستقلال حيث رفض الملك آنذاك طلب حزب الاستقلال تطبيق نظام الحزب الواحد على البلاد، ويبدو ان الملك كان يفضل أن يكون الشعب ضمان حماية الملكية والبلاد حتى لا يكون مرتهنا للحزب القوي آنذاك وهو حزب الاستقلال الذي شارك الملك محمد الخامس في حرب التحرير.

المؤسسة الملكية في المغرب غير مقتصرة على الأسرة الملكية أو العائلة العلوية، فهذه الأخيرة قليلة العدد بل هي أصغر أسرة مالكة في العالم، فباستثناء الملك محمد السادس لا يتولى أحد من العائلة المالكة مناصب سياسية أو سيادية، وهذا عكس الملكيات في الدول الأخرى وخصوصاً العربية حيث عدد أفراد العائلة المالكة يُقدر بالآلاف ويشغلون أهم المراكز القيادية والسيادية السياسية والاقتصادية والعسكرية. وتكمن قوة المؤسسة الملكية في المغرب بعمقها الشعبي واحتضان الشعب لها حيث تدين لها كل الطبقات والفئات والأحزاب السياسية بالولاء لأنهم لا يشعرون بثقلها المباشر عليهم، وما كان للملكية في المغرب أن تستمر طوال أكثر من 1200 سنة لولا هذا الارتباط بين الشعب والعرش بالإضافة إلى الصفة الدينية التي يتمتع بها الملك كأمير المؤمنين.

بالرغم مما حققه المغرب من تقدم في مسار الديمقراطية إلا أن انتقادات يوجهها الناشطون في حقوق الإنسان وبعض قوى المعارضة عن وجود انتهاكات لحقوق الإنسان وعدم مساواة في توزيع الثروة ووجود امتيازات متوارثة لبعض الشرائح المجتمعية وقوة تأثير وتدخل الدولة العميقة أو المخزن كما يسميها المغاربة في الحياة السياسية، أيضاً الاحتجاجات في منطقة الريف شمال المغرب، إلا أن هذه الانتقادات في عهد محمد السادس أقل مما كانت في عهد والده الحسن الثاني، كما حدث تغيير في علاقة الملك بالمؤسسات المنتخبة منذ عام 2011 عندما تم تعديل الدستور وتم تقليص بعض صلاحيات الملك ليصبح الحكم أكثر ملكية دستورية، وجاء هذا التعديل اتقاء لوصول لهيب فوضى الربيع العربي للمغرب.

بالرغم من كل الانتقادات للتجربة الديمقراطية المغربية إلا أن هذا المسار ساعد على توفير استقرار سياسي لعقود وأسس لنظام سياسي يجمع أو يوفق بين الأصالة والمعاصرة، بين حق الشعب في التعبير عن رأيه وإرادته ووجود مؤسسة ملكية تسمو على كل المؤسسات والملك أمير مؤمنين والممثل الأسمى للأمة كما تنص المادة 19 من الدستور ، كما وحدت الشعب بكل أعراقه حول القضايا الكبرى وحول التمسك بالمسار الديمقراطي حيث شارك في الانتخابات الأخيرة غالبية الأحزاب السياسية الفاعلة- 31- ومن مشارب وأيديولوجيات متعددة، دينية ويسارية وشيوعية وقبلية، تنافست على 395 مقعداً في البرلمان بالإضافة إلى مقاعد المجالس الجهوية والمحلية، وفاقت نسبة المشاركة 50% ممن يحق لهم حق التصويت وعددهم 18 مليون تقريباً، وكانت مشاركة الشباب واضحة وكأن هناك إرادة شبابية بالتغيير وإزاحة الطبقة السياسية المشكِلة للحكومة.

ثانيا: سقف الديمقراطية وحدود صلاحية الحكومة التي ينتخبها الشعب

قبل التعقيب حول نتائج الجولة الأخيرة من الانتخابات التي جرت في الثامن من سبتمبر الجاري يمكن القول بأن هذه الانتخابات تشكل من حيث الأهمية وما سيترتب عليها من تداعيات على المسار الديمقراطي المحطة الثالثة أو المنعطف الثالث في المسار الديمقراطي حيث لا تقل أهمية عما جرى في عامي 1998 و 2011 .

قبل عام 1998 كانت الحياة السياسية تتسم بالرتابة وتُحيط الشكوك بالعملية الديمقراطية وكانت الانتخابات تجري بين أحزاب أغلبها من صناعة النظام وموالية له (أحزاب المخزن) أو الأحزاب الإدارية كما كانت تسميها قوى المعارضة، وكانت المعارضة وعلى رأسها حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية يساري التوجه تُقَاطِع الانتخابات وتشكك في نتائجها، وكانت العلاقة بين النظام والمعارضة متوترة لدرجة أن حَمل بعض أطراف المعارضة السلاح في مواجهة النظام، وكان الرد مزيداً من الاعتقالات والقمع بل واتهمت المعارضة النظام المغربي باغتيال قيادات من المعارضة، المهدي بن بركة في باريس 1965 وعمر بن جلون في الدار البيضاء 1975 ، كما صدرت أحكام بالإعدام على قيادات أخرى ومنهم قيادات في الاتحاد الاشتراكي.

التحول في العلاقة بين الطرفين جرى عندما هندس ورعى وزير الداخلية الأسبق والرجل القوي في النظام إدريس البصري شكلاً من المصالحة بين القصر وقوى المعارضة اليسارية واصدار الملك عفواً عن المعارضين السياسيين وعاد كثير منهم إلى المغرب، وقرر حزب الاتحاد الاشتراكي خوض غمار الانتخابات عام 1997، وشكل حكومة التناوب (من 1998 إلى 2002) التي ترأسها زعيم الحزب عبد الرحمان اليوسفي –كان يعيش في المنفى في فرنسا وحُكم عليه بالإعدام إلا أن الملك الحسن الثاني أصدر عفواً عنه في عام 1980 وعاد إلى المغرب- واستمرار الحزب مشاركاً في الحكومتين المواليتين، حكومة التكنوقراطي إدريس جطو (2002- 2007) وحكومة الاستقلالي عباس الفاسي (2007- 2012).

هذه المشاركة كانت منعطفاً ليس فقط في المسار السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي وفي علاقة المعارضة بالنظام بل في المسار الديمقراطي بشكل عام، حيث أدى فشل الحكومات التي ترأستها المعارضة اليسارية أو شاركت فيها في إحداث انجازات ترضى عنها الجماهير الشعبية التي كانت المعارضة تتحدث باسمها، أدى لتراجع شعبية حزب الاتحاد الاشتراكي وتفكك في جبهة اليسار في مقابل تحسين صورة النظام السياسي والمؤسسة الملكية، ولأن الأحزاب الإدارية أو المخزنية كانت في حالة رثة وتنخرها الصراعات والخلافات الداخلية فقد سعى النظام أو شجع على قيام أحزاب سياسية جديدة بقيادة شبابية ومن المقربين من الملك محمد السادس وكان حزب الأصالة والمعاصرة أبرز هذه الأحزاب.

هذا التراجع لليسار والقوى التقدمية واحتدام خلافات داخل الكتلة الديمقراطية، التي تشكلت عام 1993 (الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب الاستقلال وحزب التقدم والاشتراكية ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي) فتح المجال أيضاً لصعود الجماعات الإسلامية المعتدلة خصوصاً حزب العدالة والتنمية وممارسة نشاطها بعلنية وبقبول من النظام، واستمر هذا الصعود بتواطؤ من النظام وتعزز عند اندلاع ما يسمى بالربيع العربي وركوب جماعات الإسلام السياسي لموجته وامتداد هذه الموجة لشواطئ الحياة السياسية في المغرب حيث كانت الحاجة لواجهة إسلامية لامتصاص غضب الجماهير.

كانت المحطة الثانية في المسار الديمقراطي مرتبطة بتخوفات من النظام المغربي من وصول رياح فوضى الربيع العربي للمغرب وخصوصاً بعد قيام تظاهرات واسعة في المدن الكبرى (حراك 20 فبراير) تطالب بالتغيير بل ورفع بعض المتظاهرين شعار إسقاط النظام، فاستبق النظام ما هو أسوأ فتم تعديل الدستور من خلال استفتاء جرى في الأول من يوليوز 2011 ثم انتخابات في نوفمبر فاز فيها حزب العدالة والتنمية إسلامي التوجه، وشكل الحزب حكومة برئاسة عبد الإله بنكيران بمشاركة خمسة أحزاب : العدالة والتنمية والتجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي والاتحاد الدستوري، واستمر حزب العدالة على رأس الحكومة لولايتين تشريعيتين مع تغير في التحالفات وداخل قيادة حزب العدالة.‎

أصاب التيار الإسلامي ما أصاب حزب الاتحاد الاشتراكي وقوى اليسار من تراجع في الشعبية واتهامات بالعجز عن تنفيذ الشعارات التي كان يرفعها الإسلاميون وهم في المعارضة سواء فيما يتعلق بتدبير الشأن العام وخصوصاً في المجال الاقتصادي أو في السياسة الخارجية حيث تم التطبيع مع إسرائيل في عهد حكمهم وبموافقتهم وهم الذين كانوا يقودون مظاهرات ترفع شعارات "الموت لإسرائيل"، وتم ما يمكن تسميته (مخزنة) الحزب كما جرى مع حزب الاتحاد الاشتراكي وكل حزب يشارك في الحكومة.

ما جرى في منعطف 1998 ومنعطف 2011 من تراجع للأحزاب اليسارية والتقدمية والإسلامية بعد أن تم مخزنتها سيؤدي لأن تتحول الانتخابات الأخيرة إلى منعطف جديد ظهرت أهم ملامحه في تزايد إقبال الشباب على المشاركة وكثرة عدد الأحزاب المشاركة وبروز واضح لمشاركة المرأة في التصويت والترشيح، والأهم من ذلك إحساس متزايد عند الشعب بمركزية وأهمية المؤسسة الملكية كضامن وحارس للاستقرار والأمن في البلاد وللمسار الديمقراطي، كل ذلك أدى لصعود الأحزاب الليبرالية والمحافظة حيث حصد حزب التجمع الوطني للأحرار بزعامة عزيز اخنوش وهو حزب ليبرالي مقرب من القصر وتنتمي قيادته للطبقة الثرية 102 مقعداً، ويليه حزب الأصالة والمعاصرة برئاسة عبد اللطيف وهبي 87، حزب الاستقلال برئاسة نزار بركة 81، أما حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية برئاسة إدريس لشكر فحصل على 34، حزب الحركة الشعبية 28، حزب التقدم والاشتراكية 22، الاتحاد الدستوري 18، أما حزب العدالة والتنمية فكانت خسارته فادحة وفاضحة حيث حصد 13 مقعداً فقط حتى زعيم الحزب ورئيس الحكومة سعد الدين العثماني لم يفز في دائرته الانتخابية، الأمر الذي أدى لأن تقدم الأمانة العامة للحزب استقالتها.

قد يكون ما جرى أمرا عاديا في الحياة الديمقراطية وقد جرت أمور مشابهة في تجارب ديمقراطية أخرى، حيث لا حزب يُخلد في السلطة وإلا تفقد الديمقراطية معناها باعتبار قيمتها تكمن في التداول على السلطة، إلا أنه بالنسبة للمغرب فإن المشاركة في الانتخابات والحكومة لا يعني ممارسة الحكم الفعلي، كما أن المعارضة التي تشارك في المسار الانتخابي والديمقراطي لا تعارض النظام بشكل عام بل تعارض الحكومة وأحزابها، أما النظام الذي عنوانه المؤسسة الملكية والملك بصفتيه الدنيوية والدينية كأمير المؤمنين فهو القاسم المشترك الذي يجمع كل المغاربة وليس محل محاسبة أو انتقاد أو منافسة حتى يجوز القول بأن الديمقراطية في المغرب ديمقراطية أمير المؤمنين، وهو بالنسبة لغالبية المغاربة ضامن الاستقرار والأمن، وكل حزب يشارك في العملية الديمقراطية ينصهر في النظام أو تتم عملية (مخزنته) بوعي منه أو بدون وعي .

أسباب وعوامل متعددة كانت وراء هزيمة حزب العدالة والتنمية وتقدم الآخرين ، ولكن من الممكن ذِكر بعض هذه الأسباب والعوامل :

1- حداثة حزب العدالة والتنمية في ممارسة السلطة وعدم توفره على أطر وقيادات وازنة يمكنها شغل المناصب المفصلية في دوائر الحكم، ومن هنا اعتمدوا كثيراً على شركائهم في الائتلاف الحكومي.

2- تحميلهم مسؤولية الفشل في تدبير الملفات الاقتصادية والاجتماعية ومواجهة تداعيات جائحة الكورونا والتطبيع مع إسرائيل بالرغم من أن رسم ووضع الخطوط العريضة لهذه الملفات كانت تُصنع من طرف الدولة العميقة والمؤسسة الملكية خصوصاً.

3- غياب التنسيق الكامل والثقة بين مكونات الائتلاف الحكومي حيث كان الائتلاف بإيحاء من الملك دون أن تتوفر قواسم سياسية أو أيديولوجية مشتركة بين مكوناته.

4- غياب قيادة كارزمية عند حزب العدالة والتنمية وخصوصاً بعد خروج عبد الإله بنكيران من قيادة الحزب.

5- تشكلت شعبية الإسلاميين عندما كانوا في المعارضة ولعبهم على ورقة الدين والطهرية السياسية ودعم الشعب الفلسطيني ومعاداة إسرائيلـ وانتعشوا مع هبوب رياح ما يسمى الربيع العربي، وعندما أصبحوا في السلطة وتمتعوا بالامتيازات التي تتمتع بها الطبقة السياسية فقدوا ورقة نظافة اليد الذي ميزتهم وهم في المعارضة، كما فقدوا ورقة توظيف الدين حيث لم يُسمح لهم بلعب هذه الورقة في ظل وجود أمير المؤمنين الذي يشكل المرجعية الدينية، أيضا كان للتطبيع مع إسرائيل دور في تراجع شعبيتهم.

6- لم تكن موافقة النظام على إشراك الإسلاميين في الانتخابات والمسار الديمقراطي نابعة من قناعة ذاتية لأن مشاركة حزب إسلامي في الانتخابات وفوزه بالسلطة يشكك بوحدة المرجعية الدينية وهي إمارة المؤمنين، وكان السماح لهم نتيجة وساطة بل وضغوط امريكية مارستها السفيرة الامريكية في الرباط منذ 2006 ليشارك الإسلاميون في الانتخابات المقررة عام 2007 وجاء ذلك في إطار مشروع الشرق الأوسط الكبير لإشراك الإسلام السياسي في السلطة، ثم أضطر النظام للتعامل معهم لاحقا اتقاء من فوضى الربيع العربي عام 2011 وحصوصا بعد ان أصبح لهم تمثيل في البرلمان.

7_ كل القوى السياسية المغربية لم تكن مستريحة لانتصارات (الإسلاميون) في الانتخابات وكانت لديهم شكوك في النوايا الحقيقية لحزب العدالة الذي كان متهما بأنه احد أفرع جماعة الإخوان المسلمين، حتى حلفاء الحزب في التحالف الحكومي كانوا يتعاملون بحذر شديد مع الحزب.

الخاتمة

يمكن القول بأن ما جرى في المغرب ليس بعيداً عما يجري عربياً وهو تراجع الأحزاب الأيديولوجية وجماعات الإسلام السياسي تحديداً التي حاولت التوفيق بين المتناقضات واللعب بورقة الدين والقداسة وركوب موجة الحراك الشعبي الغاضب، فتهديدات فوضى الربيع العربي تراجعت والجمهور والرأي العام أصبح أكثر واقعية واهتماماً بمن يملك القدرة على توفير المتطلبات الحياتية وتأمين الاستقرار وأصبح عند الشعب وعي ولم يعد ينخدع بالشعارات ولا بالخطاب الديني.

قد تكون الاتهامات التي وجهها حزب العدالة والتنمية بحدوث خروقات في الانتخابات صحيحة، ولكن لا يمكن إرجاع هذا الفشل المدوي لبعض حالات التزوير أو تأثير المال السياسي، وخطاب التزوير وتأثير المال السياسي سبق وأن سمعناه في كل الانتخابات السابقة، والمطلوب أن تعيد الأحزاب العقائدية إسلامية كانت أو يسارية النظر في برامجها وبنيتها المؤسسية وهويتها بدلاً من التموقع في مربع المظلومية. كما نأمل من الحزب الفائز في الانتخابات ومن النظام بشكل عام التعامل بعقلانية مع جميع القوى السياسية ومع المشاكل التي يواجهها المغرب وخصوصاً تحدي الخلاف مع الجزائر، لأن أي انزلاق نحو الحرب لا سمح الله سيبدد كل انجازات المسار الديمقراطي.

 

ا. د. ابراهيم أبراش

 

عبد الجبار العبيدييقول آنشتاين العالم الرياضي الشهير: (انه لمن الحماقة ان تعتقد أنك ستحصل على نتائج مختلفة وأنت تكرر الشيء نفسه).. وهذا ما حصل فعلا بعد التغيير في العراق عام 2003.

حين التحدث عن الحداثة والمعاصرة في عالمنا العربي وفي العراق خاصة الذي طغت عليه الافكار الدينية الديموغوجية الغامضة والتي بأسمها قتلوا الناس وأستباحوا القيم، وحصنوها بحصن التقديس الذي لا يُخترق..، هي في حقيقة القول لا تحمل اية صفة قدسية بعد ان خلا النص المقدس منها، لذا وبدون اختراقها لا يمكن تجديد الفكر العربي الأسلامي بعامة والعراق بخاصة.. ونقله من حالة الجمود والأنغلاقية الفكرية الى حالة الانفتاح والتجديد .

ان طروحات التجديد للفكر الحضاري العربي لا تأتِي بثمارها او بنتائجها المثمرة مالم يتم أختراق ما سمي بالاصول التي ولدت لنا من تفسير النص الديني خطئاً، وفق نظرية الترادف اللغوي القديمة، بعد ان أنتهت رسالات السماء وتوقف الايحاء الرباني للانبياء والرُسل، لذا فان التجديد لابد ان يكون انسانيا وليس ربانيا كا يدعي اصحاب نظريةالاصول الفقهية التي لا تُخترق حسب رأيهم.. وفق الصيرورة الزمنية، ومالم نكتشف خطأ النظرية في المعرفة والتطبيق سنكون عاجزين عن التحر ك التاريخي لها ونبقى أبداً ضد منطق التاريخ.

لاشك ان الانسان الحضاري اليوم لم يصل الى هذه النقلة الحضارية والتقدم العلمي والثقافي والتكنولوجي الا بهذه النقلة المعرفية التي استخدمت فيه المعرفة الاصولية العلمية وفق نظرية "الحقيقة والسند أو النظرية والبرهان "ووفق معرفة الحد الفاصل بين الخيال والحقيقة، فأصبح الأنسان يتصرف بعقله للتغلب على الظروف غير المواتية بدلا من الرضوخ لها وتركها تشكله كيف شاءت، والذي لازال الفكرالديني يلفه الغموض بتفسيره القدسي في مجتمعاتنا العربية حتى اصبحنا لا نعي حركة التقدم العالمية . وما دامت جامعاتنا الدينية تخرج لنا كل عام الألاف من النصيين الراضين لصيرورة التاريخ في التغيير، كما في جامعة الازهروالنجف والزيتونة من اصحاب "العنعنة " دون سند وبين العنعنة والسند أكثر من 150 عاماً سنبقى تحت الكابوس المظلم دون تحريك.

كل الذي جاءت به رسالات السماء كان جديدا على الناس من حيث فرضية التطبيق عند نزولها، فالرق والعبودية وحقوق المرأة في الزواج والطلاق والرعاية الاجتماعية كان قديماً يخضع للمتعارف عليه من العادات والتقاليد، ولم يقيد بنصوص قدسية لا يجوز اختراقها ولا السماح بتأويلها لان طبيعة الحياة كانت تقتضي ذلك، .هنا كان المنهج المتبع عندهم - ان كان لهم منهج - يختلف تماما عن المنهج الجديد لما بعد الرسالات وحركات التحرر، التي جاءت بمبدأ التطبيق لا منهج التلفيق، ولان الفقهاء والمفسرين كانت نظرياتهم الفكرية العلمية محدودة ولا زالت قريبة بعهدٍ التغيير، فقد فسروا النص بما ينسجم وتلك العقليات المحدودة التي افرزت لنا افرازات فقهية لم تعد صالحة اليوم، ان لم نقل كان يجب ان تخترق منذ بداية افرازات العصور الحديثة للنهضة لفتح الطريق امام التغييرعند المسلمين حتى لا نبقى على ما نحن عليه الى الان من خمود الهمة وجمود العقل والتصرف المنغلق خدمة لحاكم الدولة المنفرد بالنص الديني المبهم والفقيه يدجل لمصلحته دون الناس.

ان النصوص الدينية في غالبيتها ماعدا نصوص الاحكام هي نصوص ايمانية بحاجة الى دليل لاثبات مصداقيتها، ونحن لا نشك ان الدليل نزل معها لكن من أنيط به تفسيره تنقصه الخبرة والكفاءة العلمية في معرفتها، لكن مصلحة السلطة تقتضي التعتيم، لذا ظلت مبهمة لا سبيل الى تطبيقها غير الادعاء بحرمة اختراقها دينياً كما في "آلوا الامر منكم "حين فسرت خطئاً حين عدوها ولي الأمر.. ونحن من حقنا ان نعرف تأويلها حتى لا نبقى نرددها كالببغاوات لا نعرف منها الا الصوت والصورة كما درج الملالي على تعليم القرآن للتلاميذ على طريقتهم القديمة المتخلفة بالانحناءات والحفظ دون المعنى والفهم له.. وهذا ماتعودنا عليه في مناهجنا الدراسية ولاغير.

ان التاريخ الانساني في مسيرته العلمية من حقه ان يتعامل مع النص بروح التحليل العلمي وكشف المصداقية ليتمكن من التعامل معه في مسايرة روح التطور الحضاري الحالي.، فما كان مجيء النص المقدس ليُخلف العقول ويربطها بمصلحة الحاكم، انما جاء من اجل مصلحة الانسان ثمناً لما يملأ نفسه من طموح . ان كل الوجود المادي وقوانينه هي من الطبيعة الالهية المقدرة سواء علوم التطبيق ام علوم الاجتماع، أذن ما المانع من محاورة النص المنزل من خالقه، وهل من احد يستطيع ان يمنع التلميذ من محاورة الاستاذ قبل ان يعتقد بصدق ما يقول في كل كلماته، يقول الحق:(وتمت كلمات ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم، الانعام 115).

وفي مكان اخر، يقول الحق: (وان أحد ُمن المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله، التوبة 6) معنى ذلك ان مفاتيح المعرفة مكنوزة به فلمَ لا نعرفها لنأجرها للاخرين. مصطلحات كثيرة وردت في القرآن لا زالت في طي الكتمان لا هم يعرفونها ولا نحن نعرفها، وأحرف في أول السور القرآنية مجهولة الهوية لانحن نعرفها ولا هم فسروها سوى على الحدس والتخمين.. واذا ناقشتهم فيها قالوا حرام.. اذن ما الفائدة من نزولها ؟، ومن يدريك من ان الايات التي قالوا عنها لاتفسر او منسوخة والحروف التي جاءت بأول السور ما كانت مفاتيح للمعرفة لا زلنا نجهلها مثلما هم يجهلونها الى اليوم. فالمحرمات التي جائتنا بالرسالة أغلقت بنصوصها الواضحة وكل ما أفتي به ويفتى به اليوم من بعد الرسالة فهولاقيمة له من الناحية الشرعية والعملية. لذا من هذا الباب نحن نطالب وطالبنا بألغاء فتاوى مرجعيات الدين التي جلبت لنا المصائب التي لا تخويل لها في النص المقدس، واحلال القانون محلها لندُخل عليه كل جديد مع الزمن. والا سنموت ونحن عنها من الجاهلين.

ان السُنن الرسولية والنبوية ماهي الا اوامر يجب تنفيذها لايوجد فيها محرمات اطلاقا، وكلمة الحلال والحرام هم جاؤا بها لامتصاص الامر الرباني وجعله كيفي التنفيذ، بل جاءت نصوصها مُحكمات ونواهي ولا غير، فالاسلام الذي يقوم باركانه الأساس على هذه المسلمات والعمل الصالح والسلوك العام والقيم العليا ليس وقفا على المؤمنين برسالة محمد(ص) بل هو ملكا للبشرية عبر الزمن كالبر بالوالدين والصدق واحترام النفس الانسانية وتحريم قتلها وعدم الغش والامانة ورفض الخيانة والتزوير والسرقة، جاءت كلها في حضارات الاقدمين ومن يطلع على شريعة آور نمو السومرية، وقانون حمورابي البابلي والمدونات الآشورية وفلسفة اليونان والرومان يجدها مدونة لا لبس فيها . اما ماجاء به القرآن ما كان الا توكيدا لها وليس نصاً مفروضا منه علينا.لذا نرى الشهادة بالوحدانية بالله والرسول ماهي الا توكيدا لقانون العدالة التي جاء بها الله للناس أجمعين، فالله جلت قدرته رب العالمين وليس رب وعاظ السلاطين.

اما الرسل والهيئات التشريعية فليس من حقها التحريم بل من حقها الامر والنهي(وما اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فأنتهوا، الحشر 7). فالامر والنهي ظرفي زمان ومكان ولا علاقة لهما بالحلال والحرام، فلم يكن محمدا الا مجتهدا في الرسالة ومعصوما في تبليغها للناس وهو ليس بمعصوم فقد رده القرآن في مواقع كما في الأعمى وسورة التوبة اية 43، يقول الحق :( يا ابها الرسول بلغ ما انُزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس، المائدة 67) فالعصمة في الرسالة وليست به، لذا لايمكن خلط ما آُمر به الرسول(ص) وما قام به شخصياً من اعمال سواء.. وهؤلاء هم رجال الصفوة الذين لا يحول بينهم وبين القيام بدورهم في السير بالجماعة الى الامام .

اننا بحاجة ماسة لتصحيح اركان الاسلام ليتماشى من حاجة الزمن في التغيير، وبحاجة ماسة لان نفصل بين الحاكم في امره وبين امر الله، فهو ليس من حقه اصدار القوانين والشريعات المخالفة للاوامر والنواهي وفق التفسير الفقهي الخاطىء لها لمجرد تحقيق مصالحه الشخصية . هنا وقعنا في خطا التقدير واصبح الحاكم وكانه سدرة المنتهى يحكم وينفذ دون رادع من ضمير (فضاع عندنا الخطأ والصحيح) كما نراهم اليوم بعنجهيتهم دون رادع من ضمير.. "قتل وسجن وتغيب وسرقة ومخالفة للقانون دون رقيب او حسيب"من قال لنا ان رجل الدين المرجع الفقيه هو المخول باصدار تشريعات الحرام والحلال، فاذا كان ذلك ليس من حق حتى الرسل والانبياء فهل من حقهم هذا التكليف.

الاسلام فطرة والايمان تكليف وهم ونحن كلنا في الخط سواء. من هنا جاءت كلمة العدل المطلق في القرآن وحق الشريعة واجبة التنفيذ لا بالفرقة المذهبية المخترعة منهم وتنفيذ ما يراه الفقيه خطئا فاماتوا الفقه والاسلام فينا معا.فالقرأن لا يعترف برجال الدين، ولا يخولهم حق الفتوى نيابة عن الناس، ولا يميزهم بلباس معين كما فعل كتاب العهد القديم ومن يعترض فليأتينا بنص مبين.، أنما هذه الهاله صنعوها هم لانفسهم ولا دخل للقرآن والدين فيها ابدا لدرجة انهم احاطوا انفسهم بالاسرار المقدسة "قدس سره"والقرآن يرفض فرضيتهم في التقديس، يقول الحق :"انالذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمناً قليلاً أولئك ما يأكلون في بطونهم الا النا ر ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب آليم، البقرة 174. والنص هو الشاهد لما نقول.

ان الصفوة الجديدة التي حكمتنا بعد وفاة الرسول (ص) في السنة الحادية عشرة للهجرة والى اليوم هي بعيدة تماما عن هذه الصفات، واذا كانوا يريدون ان ينفردوا بتطبيق الشريعة والشرعية العادلة ليبنوا وطنا للمؤمنين والمسلمين، عليهم ان يتبعوا الاصول في معرفة الحقوق والشورى في التطبيق وليس القانون الذي يخيل اليهم او يقترحونه وهم يجهلون ما يكتبون ويطبقون . .كما فعلوا بعد التغيير في 2003 وكتبوا الدستور فلا زال البون شاسعا بين ما يعتقدون وما يجب ان يكون وخاصة في المادة الثانية من الدستور حين نصت على :"لايجوز سن قانون يتخالف مع الشريعة"ولا ندري أية شريعة يقصدون ؟. اي عليهم الضبط والدقة والامانة وتحري الصدق فيما يعملون ويقولون ويكتبون والمجتمع مختلف الديانات والعقائد يدينون، ساعتها سيصدقهم الناس حين يكونون حكاما شرعيون على الناس ويتقدمون.. لا بانتخابات مزورة هم بها يعترفون.. وعندما يعارض الشعب يُقتلون، فكيف يحق للمزور تشريع القانون، وهو لا يعرف كيف سيكون، لان معايير الاحكام يجب ان تُفهم للناس علناً حتى يكونوا على علم بماهم فيه يعتقدون..

بهذه الصفاة تكون الصفوة الحاكمة التي ارادها القرآن والرسول للناس اجمعين، حين قال (خلوا بيني وبين الناس ولا تنقلوا عني غير القرأن، ومن كتب عني فليمحه أنظرمسلم، الزهد والرقائق حديث رقم 5326 )، أنها فلسفة الاسلام التي ما أدركها الفقهاء والوعاظ، فظلوا يرددونها دون معرفة من علم وصدق من يقين. وهنا تكمن اشكالياتنا الحياتية القاتلة اليوم.. حينما اصبحت لهم كل الحقوق والناس عليهم كل الواجبات بلا حقوق. وبدونها نتقدم ونعيش بلا منغصات، وهي من صفوة من رجال آمنوا بالله والكتاب وحقوق الناس وحتى لوكان بينهم اختلاف في الرأي والتطبيق كما قالوا اصحاب المذاهب المتعارضة الذين حولوا الاسلام الى اديان لادين واحد، فهذا النقد لا يقلل من قيمة العقيدة لا بل يثريها علما ومعرفةً.. يريهم الخطأ من الصحيح، و لايقلل من قدرهم ولا يحول بينهم وبين القيام بدورهم في السير بالجماعة الى الامام. فهم مثلنا في الحقوق وليسوا مخولين من رب العالمين.

فالصفوة المختارة المؤمنة بالعدل والقانون هي التي تخلق الجماعة المتحدة فلا خوف عليها ان تفرقت لان البنيان الاصيل قوي لا يتصدع. هنا كان ولا زال مقتلنا في العدل والحقوق.

لكن الخوف كل الخوف عندما تصاب هذه الصفوة بالتصدع والتدهورويقع الشقاق بين افرادها، وتعجزعن القيادة السليمة، تضيع الهبية وتسقط قوتها وتفقد احترامها فهو ايذان لها بالزوال كما نراها اليوم في مجتمعاتنا وكما هي في العراق تقر بالفساد ولا تستحي حتى من الاخرين والمقربين، حين يقع بينها الشقاق فتفرق كلماتها فتعجزعن القيادة فضاعت هيبتها وسقطت قيمها و قوتها وفقدت دورها في القيادة والتوجيه، لذا لا حجة لديها الاالسيف والقتل واغتصاب السلطة بالعنف والتعنيف "المليشيات المسلحة مثالاً".. وهذا ما حصل بالضبط في قيادة الوطن بعد التغييرفي 2003 حين جاءت متحدة لكنها في غالبتها كانت فاسدة ليس في رأسها الوطن والشعب، بل المال والجاه والمنصب هي ومن وقف ويقفمعها الى اليوم، لذا اخلت واخترقت الثوابت الوطنية ومن عارض قتل وشرد ومن سكت خضع ونفذ، لكننا دوما نقرأ في فلسفة التاريخ ان هناك من يبقى في اخر النفق ينتظر حتى اذا سنحت له الفرصة وثب وهذا ما نلاحظه اليوم في وثبة ثوار تشرين الجديدة فهل وعوا الدرس ليحصنون أنفسهم بالمخلصين.. لكن من اوغل في الخطأ اصبح التراجع عنه بنظره مستحيل..

وحتى لا يقول الناس اننا منظرين، نقول للحاكمين اسمعوا ما يقول لكم التاريخ والمؤمنين :الصفوة لا غنى عنها فتمسك بها، فأهل القُدرة على القيادة والعمل السياسي قلة، وكذلك اهل التفوق الاجتماعي قلة، فأذا كان الناس سواسية امام القانون فهم ليسوا سواسية في المواهب والقيادة للجماعة، فلا تقل لست ادري، الدولة اليوم تُأكل من كل جوانبها من الذين فسدوا ويُفسدوا الاخرين، فلا معاهدات تعقد الا بالقانون، ولاحدود تحدد الا بالقانون، ولا تعويضات باطلة تدفع الا بالتحري والقانون، ولا رواتب تعطى وتحدد الا بالقانون، ولا جزاء ينفذ الا بالقانون، ولا وزير يعين الا بالكفاءة والقانون، ولا امر يصدر الا بالقانون، وهذا الذي نادت به الصفوة في بداية الامر وهو ابتعدوا عن كل هذه الاصول.. قبل ان يلهيهم الحاكم المحتل للوطن بدولاراته التي أسالت لعابهم فنسوا الله والرسول والقرآن وحقوق الناس والوطن بتضليل.. هذا ما ينبغِي على المسئولين واصحاب القلم عدم التغاضي عنه، فهنا التاريخ لا يرحم ويسجل عليهم كل صغيرة وكبيرة ليوقعهم في شرك المسائلة القانونية، فلا احد دائم في وظيفته ولا احد يبقى قويا قوة القانون( لو دامت لغيرك ما وصلت أليك) فهل يدركون . ان الذين ضحكوا على الناس بالمعارضة الوطنية البارحة اليوم وخانوها فهم نادمون.. ؟ ولكن.. ؟

لكن المشكلة الاساس اذا كانت صفوة القيادة ليست في الحقيقة صفوة، انما هي صفوة زائفة، وهنا همها الوحيد الأمتيازات ومظاهر الفساد وليس العدل والقانون.. وهي مستعدة لان تبيع حتى "الذي لايباع " من اجل بقائها واستمرارها في حكم البلاد كما نراهم اليوم.. لكنهم مادروا ان الفوضى في حكم الناس تقودهم الى البدائية وترد الجماعة الى العدم.. والفوضى تعني زوالها.. لذا هي اليوم ترتمي بأحضان المجاورين للانقاذها ولكنها غبية لا تدرك ان وقف الأجنبي معها اليوم يخفي خلف ظهره غداً سكينا لقتلها متى حانت له الفرصة وأنتهت الأغراض منها.

ان الحياة الانسانية هي الحرية، وهي العدالة، وهي القيم العليا المقدسة وهي الأيمان بالأوطان فيها تكمن عبادية الناس لله القدير، وهي كلمة سبقت لاهل الارض، والعبودية والتصرف الفردي واستغلال السلطة واموال الدولة والناس نقيض لما جاء ت به كتب السماء، ولولا هذه القيم لضاعت الدول وأختفى القانون.. وأعلم ان ما دامت الحقوق مهدورة وبيد مغتصبيها، فهل ستستطيع تطبيق ما قالته النصوص التي تدعي انها من رب العالمين ؟.. ولك الخيار؟

ان هؤلاء الحكام الجهلة الذين يحكمون اليوم قد نسوا او تناسوا ان الحياة لا تملك الا مذهبا واحدا هو مذهب الحق والعدل وهو الله.. لذا عليهم ان يتحدوا ولا يتفرقوا.. يعدلوا ولا يظلموا ويفسدوا.. لأن العدول هم الباقون.. وليس الظالمين.. هؤلاء الحقانيون الذين سيملكون خصال المُلك والرحمة.. ساعتها ستجتمع فيك ايها المخلص للوطن والناس امور الدين والحياة معاً. فلا تتحقق العدالة في المجتمع الا بجهد جمعي، عندما تتحد الارادات وتتوحد الغايات.. ولكن ليس بكتل نفعية لا تعرف الله والوطن هنا يتحقق التغيير في الفكر والثقافة والرفاه والأمان تمهيداً لظهور دولة أهل الخير.. هذا هو الاسلام الذي لا يعرفونه من جاؤا الية برفقة الظالم والناكر للقيم واللاهين الناس بولاية الفقيه والمهدي المنتظر وكل خزعبلات مؤسسة الدين.. فهل يدركون..؟

هذه هي القوانين - وهم عنها من المغفلين .

 

د. عبد الجبار العبيدي

 

بكر السباتينحالة من الجدل علي مواقع التواصل الاجتماعي عقب إطلاق الحكومة الإماراتية حملة "الإمارات العالمية المتحدة"، وهي حملة إعلامية عالمية منظمة تهدف شكلياً إلي التعريف بالمميزات الاقتصادية والاستثمارية في دولة الإمارات.. بينما يرتبط مشروع "تغيير الاسم" بمحاولة تفكيك العروبة وتحويل الشرق الأوسط إلى دويلات علمانية غير ديمقراطية تدور في فلك الأقوى اقتصادياً في المنطقة، وهي مكانة تطمح إليها ما تسمى ب"إسرائيل"! التي حظيت بتجنيس عشرة آلاف إسرائيلي أماراتياً.

كذلك لا استبعد الهند عن هذه الأطماع نظراً لأن الهنود يشكلون نسبة عالية من سكان الإمارات وينتشر تواجدهم في كل القطاعات منذ اكتشاف البترول في الإمارات، ونسبة المجنسين منهم عالية.. وقد شيدت لهم المعابد الكبرى في البلاد.. ولا نريد أن نقول إيران لحساسية العلاقة التاريخية بين البلدين منذ أن كانت الإمارات تسمى "ساحل عمان المتصالح" رغم تواجد عدد كبير من الإماراتيين الفاعلين في التنمية الإماراتية من ذوي الأصول الإماراتية.

ويبدو أن ملامح العالمية -وفق تغريدات منتقدي هذا التوجه- تجلت بالمظاهر التالية:

1- التخلص من النسب إلى العروبة بتبني اسم "العالمية" خلافاً للتبريرات التي يحاول العاملون على الحملة تسويقها في أن كلمة "الإمارات" تشير إلى العروبة" أما "العالمية" فتشير إلى عالمية التوجه الإماراتي في كافة الصعد التنموية. وهذا تبرير ساذج، وشطب كلمة "العربية" لا يعني إلا التبرؤ من العروبة.. فهل حصل اختلال في تركيبة السكان هناك استرعت هذا التغيير المزمع تنفيذه في وقت لاحق أو بانتظار مناسبة ما!،

2- شطب الهوية الدينية الإسلامية باعتماد اسم غير معلن يتجلى بالديانة الإبراهيمية التي تضم الديانات السماوية الثلاث، وهي:

الإسلام والمسيحية، بالإضافة إلى اليهودية التي اخترقت المجتمع الإماراتي بمنح عشرة آلاف إسرائيلي الجنسية الإماراتية.

وأعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة مؤخراً عن خطط لبناء صرح يجمع بين الديانات السماوية الرئيسية الثلاثة، أي المسيحية، واليهودية، والإسلامية، وهو يُدعى بيت العائلة الإبراهيمية. ومن المقرر تشييده في جزيرة السعديات بالعاصمة الإماراتية أبوظبي. وغاية المشروع في الظاهر، تعزيز الحوار بين الأديان بينما في باطنه، التمهيد للتطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي.

وكانت اللجنة العليا للأخوة الإنسانية- القائمة على المشروع- قد عقدت اجتماعها العالمي الثاني في مدينة نيويورك الأمريكية في 20 سبتمبر من عام 2019، وفقاً لما نقلته وكالة الأنباء الإماراتية "وام".

أيضاً الانفتاح على الديانات الأخرى مثل البوذية والهندوسية.. حيث تم بناء أكبر معبد هندوسي في الإمارات وذلك في منطقة الوثبة بإمارة أبوظبي.

ونصب تمثال بوذا الضخم بارتفاع عشرة أمتار على الطريق السريع بين دبي وأبو ظبي.. وذلك في إطار النسخة الثانية من "متحف الطريق السريع".

وفي الحقيقة أن التنوع مطلب حداثي، لولا تكشف النية باتجاه تغيير الهوية الإماراتية بالتدريج.. والخطوات على الأرض تشير إلى ذلك.

3- تغريب المجتمع الإماراتي الذي كان يتسم بالأصالة ويتمتع بالعادات والتقاليد المتوارثة كابراً عن كابر؛ وذلك بالانفتاح الاجتماعي الواسع وتقبل بعض الظواهر التي لا تنسجم مع الأخلاق الإسلامية الحميدة، مثل انتشار الدعارة والشذوذ الجنسي، مع أن ذلك يخالف نصوص القوانين الاتحادية الإماراتية، حيث تفرض المادة 177 من قانون العقوبات في دبي عقوبة السجن لمدة تصل إلى 10 سنوات للمتهمين بممارسة أفعال جنسية مثلية. بينما تنص المادة 359 من قانون العقوبات الاتحادي الإماراتي، على أنّه "يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة وبغرامة لا تزيد على عشرة آلاف درهم (حوالى 2700 دولارا أميركيا) أو بإحدى هاتين العقوبتين من تعرض للأنثى على وجه يخدش حياءها بالقول أو الفعل في طريق عام أو مكان مطروق .

ويذكر أنّ الزنا والفسق جريمتان يعاقب عليهما بالإعدام، ويمكن أيضاً محاكمة الشخص المدان بالمثلية الجنسية بتهمة الزنا إذا كان متزوجاً من شريك من الجنس الآخر.

إذن كيف تفسر الظواهر التالية على ضوء هذه القوانين؟ هل هي ازدواجية أم خطوات تمهيدية نحو تطويرها أو تغييرها.

دعونا نستعرض في عجالة بعض هذه الظواهر والتوجهات:

أولاً: تخفيف الاعتماد على الشريعة الإسلامية

ففي 11 يناير 2021، ذكر موقع "LGBTQ Nation" بأن "هناك توجه إماراتي بتحديث النظام القانوني وتخفيف الاعتماد على الشريعة الإسلامية وجعل المجتمع أكثر انسجاماً مع الدول الأخرى".

وأضاف أنّ "تعديلات قانونية حصلت مؤخراً، أبرزها فيما يخص تخفيف القيود على شراء الكحول، تغيير قوانين الطلاق والزواج، وتوفير حماية أكبر للنساء".

السماح بتغيير الجنس بتدخل طبي.

ثانياً: ظاهرة الشذوذ الجنسي

في سبتمبر 2016، أصدرت الحكومة المرسوم الاتحادي رقم 4، سلسلة من التغييرات للحد من المسؤولية الجنائية للأطباء. يسمح القانون الجديد للأطباء بإجراء التدخل الطبي على الأشخاص ثنائيي الجنس من أجل "تصحيح" جنسهم، وإزالة الأعضاء التناسلية الذكورية أو الأنثوية بشكل فعال.

رعاية مؤتمر الشذوذ الجنسي في مايو 2021 بتنظيم الأكاديمية العالمية للعلوم والهندسة والتكنولوجيا ويهدف المؤتمر إلى الجمع بين كبار العلماء الأكاديميين والباحثين لتبادل خبراتهم ونتائج أبحاثهم حول جميع جوانب الهوية الجنسية وحقوق المثليين.

ثالثاً: الدعارة والاتجار بالبشر

في عام 2007، وضعت وزارة الخارجية الأمريكية دولة الإمارات العربية المتحدة في خانة "المستوى 2" في تقاريرها السنوية عن الاتجار بالأشخاص، مما يعني أنها لا تلتزم التزامًا تامًا للحد الأدنى من معايير القضاء على الاتجار بالبشر، ولكنها تبذل جهودًا كبيرة للقيام به وبالتالي. تعد الإمارات العربية المتحدة بلد مقصد وعبور للنساء اللائي يتعرضن للاتجار بالجنس. بعض النساء، ومعظمهن من أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى، وجنوب شرق آسيا وشرق إفريقيا والعراق وإيران والمغرب، يتعرضن للدعارة القسرية في الإمارات العربية المتحدة. في عام 2016، عُرضت 22 قضية تتعلق بالاتجار بالجنس على المحاكم.

مع أن الدعارة في الإمارات العربية المتحدة غير قانونية، حيث تشمل العقوبات المفروضة على ممارسة الدعارة غرامات كبيرة والسجن، مع ترحيل العاهرات الأجانب عادةً، إلا أن الدعارة منتشرة على نطاق واسع، خاصة في دبي وأبو ظبي. حيث تغض عنها السلطات النظر عمومًا بشرط أن تبقى بعيدة عن الأنظار العامة.. وهذه سمة تشترك فيها معظم الدول العربية ولكنها في الإمارات مستفحلة جداً

رابعاً: غسيل الأموال والملاذ الآمن للمجرمين

قالت منظمة الشفافية الدولية في مايو 2020"إن دولة الإمارات العربية المتحدة تعد جزءاً من منظومة عالمية لغسل الأموال، مؤكدة أن تقرير مجموعة العمل المالي الأخير بشأن غسل الأموال وتمويل الإرهاب في الإمارات يؤكد ارتباطها بفضائح فساد كبرى عابرة للحدود".

وأكد التقرير " أن الإمارات لا تفعل ما يكفي لمنع غسل الأموال، رغم تحقيقها تقدماً في الآونة الأخيرة".

وكانت البنود أعلاه مادة غنية تناولها مغردون عبر منصات التواصل في سياق الرد على حملة "الإمارات العالمية المتحدة".

وذهب كثيرون إلى أن ذلك يحصل بعيداً عن التشاور مع الإمارات الأخرى الرافضة لبعض هذه التوجهات، مثل الشارقة التي تمنع قوانينها الطارئة استقبال أي إسرائيلي حتى لو كان حاملاً للجنسية الإماراتية، تحت عنوان رفض التطبيع.. رغم أن دولة الإمارات ظلت تنفذ مشروع هوية وطنية منذ عقود يهدف إلى توحيد إماراتها السبع، والأسر الحاكمة، والعائلات والقبائل المتباينة في دولة قومية واحدة.

وقد تم تصميم مشروع الهوية الوطنية في البداية لمنع تفكك "الإمارات العربية المتحدة" المحتمل إلى دول مستقلة خلال السنوات الأولى بعد الاستقلال في 1971. ومنذ ذلك الحين، تمت إعادة صياغة المشروع للتأكيد على السمات الوطنية.

ولكن إمارة أبو ظبي تقوم بخلاف ذلك، ففي تقرير نشره موقع "ستراتفور" الأمريكي في 7 أوغسطس 2021، يقول:" إن إمارة أبو ظبي تعطي الأولوية لنفسها على حساب بقية الإمارات الأخرى بدولة الإمارات العربية المتحدة، الأمر الذي يهدد بتقويض مشروع الحكومة الفدرالية".

وقال: "إن ثروة أبو ظبي، المدعومة باحتياطيات نفطية عميقة وصندوق ثروة سيادي تبلغ قيمته حوالي 900 مليار دولار، ستسمح لها بإبعاد نفسها عن التفاعلات التجارية العادية، والتجارة والسياحة التي تعتمد عليها الإمارات الأخرى للحفاظ على استمرارية اقتصاداتها خلال الأزمات".

وهذا يمنح أبو ظبي القوة الكافية للاستحواذ على القرارات الفيدرالية الخارجية من خلال ممارسة سياسة الاستقواء والتنمر على الإمارات الأخرى حيث تتحول اعتراضاتها إلى مجرد وجهات نظر لا يؤخذ بها عند القرارات المفصلية.. فيما يرى كثيرون أن ذلك من شروط الاتحاد.

لذلك لجأ القائمون على حملة "الإمارات العالمية المتحدة" إلى طرح تغيير "الإمارات العربية" إلى "الإمارات العالمية" على مواقع التواصل الاجتماعي لتهيئة الرأي العام الإماراتي بالدرجة الأولى، والعربي بالدرجة الثانية لتقبل الفكرة وفق تفسير الرؤية الإماراتية لها بعيداً عن التأويلات المحتملة.

هذه سابقة غير معهودة في دولة حارس الهوية الإماراتية العربية، الراحل الشيخ زايد بن سلطان، التي نكن لها الاحترام من باب الهوية العربية وبعيداً عن سياساتها الخارجية.. فلماذا إذن لا تتأسى هذه الدولة بدول أخرى تقدمت في كافة الصعد مع أنها كانت متخلفة، اقتصادياً وعلمياً دون أن تتخلى عن هويتها العرقية والدينية بدءاً من سنغافورا متعددة الأعراق، ورواندا الأفريقية التي كانت تعاني من الفقر والمجاعات والحروب العرقية الطاحنة لتتحول إلى المرتبة السابعة عالمياً من حيث النمو الاقتصادي السليم القائم على محاربة الفساد وغسيل الأموال، ورغم ذلك حافظت على أصالتها وثقافتها الوطنية. وتحتاج الإمارات إلى الكثير حتى تتهيأ لنمو اقتصادي سليم وبعيد عن الشبهات وفي جو ديمقراطي صحي.. وهي قادرة على ذلك فالموارد البشرية وحجم الصندوق السيادي الضخم والخبرات المتنوعة والإمكانيات اللوجستية والفنية متوفرة.

إن التقدم ليس لقباً يضاف إلى اسم الدولة حتى تصبح مزدهرة وذات حداثة ورؤية مستقبلية، وليس ترفاً شكلياً؛ بل جوهراً يقوم على الجمع بين الأصالة والحداثة، وفعلاً يرتكز على مقومات مادية ومعنوية كالموارد الاقتصادية والبشرية وقيم العدالة الديمقراطية والأخلاقية.

فهل تضع الإمارات كل ذلك بالحسبان؟ هذا ما نتمناه حتى نشهد قطراً عربياً مزدهراً ينأي بنفسه عن الشبهات.

 

بقلم بكر السباتين

13 سبتمبر 2021

 

 

عامر صالحكان لهزيمة الأسلام السياسي في المغرب بعد الانتخابات التشريعية التي اجريت في 8 سبتمبر وقعها الكبير على مختلف الأصعدة وخاصة على الصعيد المغربي الداخلي وعلى الصعيدين الأقليمي والعالمي فقد رأى الكثير من المحللين السياسين والخبراء الأستراتيجين أنها بداية حقبة انهيار الاسلام السياسي بعد ان انتعش نسبيا بعد احداث الربيع العربي في العام 2011 والتي جرت في مصر وتونس وليبيا وسبقها قبل ذلك انتعاش الاسلام السياسي في العراق بعد سقوط الدكتاتورية على أيدي الاحتلال الأمريكي في العام 2003 والتي قام على أثرها الأسلام السياسي وبتشجيع من المحتل بملئ الفراغ السياسي الذي تشكل بعد سقوط الدكتاتورية وعدم وجود قوى سياسية مدنية مؤهلة لملئ الفراغ بغعل عوامل القمع والأضطهاد والملاحقات التي مارسها النظام الدكتاتوري مما اخلى الساحة السياسية لبدائل تستنفر عواطف الناس وتدغدغ انفعالاتها عبر توظيف الخطاب الديني وزجه في آتون السياسة والذي ادى في محصلته النهائية الى افساد في السياسة والدين.

مني حزب العدالة والتنمية في المغرب بهزيمة كبيرة اعتبرت صفعة لتنظيم الأخوان المسلمين الدولي، حيث حصل فقط على 12 مقعدا في الوقت الذي حصل فيه في الانتخابات التشريعية السابقة بحدود 125 مقعدا وكان مهيمنا على المشهد السياسي والحكومي لحقبة ما بعد 2011، وكانت الهزيمة عبر انتخابات فيها قدر كبير من النزاهة والشفافية وقد بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات بحدود 54% ممن يحق لهم المشاركة في التصويت، واذا كانت صناديق الاقتراع هي من اسقطت الأسلامويين في المغرب فأن الأمر مختلف في مصر وتونس حيث تم ازاحتهم من المشهد بعمليات جراحية سريعة لا تخلوا من اشكاليات كثيرة او اخلال للممارسة الديمقراطية ولكن على ما يبدوا ان تسابق الزمن وقدرات الاسلام السياسي على التحايل وتفريغ الديمقراطية من محتواها لم يدع مجالا للأنتظار لتتم ازاحتهم على الطريقة المغربية.

عمل الأسلام السياسي في ما بعد "الربيع العربي " وفي أماكن سيطرته وما قبلها في العراق بعد 2003 على تفريغ الدولة من محتواها ووظائفها الاساسية في الحفاظ على الأمن العام، وتطبيق القانون ونشر العدالة الى جانب الأخلال بوظائفها الاساسية المالية والاقتصادية والاخلال بوظائف الدولة الخارجية من علاقات سليمة والامتناع عن التبعية الأقليمية وتنفيذ اجندة خارجية، وقد غاب مشروع التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الشاملة وحل مكانها الفساد وسرقة المال العام وانعدام الخدمات الانسانية الاساسية، الى جانب ضعف هيبة الدولة وارتهانها لعصابات الاسلام السياسي والمسلحة منها بشكل خاص، وباتت سرقة المال العام ثقافة شائعة تجد شرعيتها في فتوى المرضى من الاسلامويين الذين يرون في سرقة الدولة واموالها حلال في حلال.

بالتأكيد ان هزيمة الاسلام السياسي في المغرب في الدورة الانتخابية التشريعية لا يمكن قراءتها بأنها خسارة مطلقة وبدون عودة فهذا امر غير صحيح لأن حاضنة الاسلام السياسي موجودة من خلال انشطة الأسلامويين الخفية في كافة القطاعات الاجتماعية ونحن نعرف ان الخطاب الاسلاموي العاطفي له انصاره في اوساط الفقراء والمعدوميين وخاصة عندما لا تقترن الحياة السياسية القادمة بمزيدا من اجراءات محاربة الفقر والبطالة وتحقيق مزيدا من العدالة والمساواة الاجتماعية وتحسين الخدمات، ولا تعني ان هزيمتهم انهم لم يعودوا ثانية بنفس الكثافة الى قبة البرلمان والحكومة، ولكن المهم هو تفويت فرصة عودتهم من خلال الارتقاء بمستوى الحياة العامة واضعاف خطابهم الديني السياسي الذي يحرض على التعبئة القطيعية المضرة للممارسة الديمقراطية، ولكن المطمئن في الامر انهم ازيحوا بعملية ديمقراطية نزيهة بقدر كبير تعكس مدى تبلور الوعي المجتمعي صوب خياراتهم الانتخابية، والاهم من ذلك ان العملية الانتخابية جرت في ظل استتاب الامن المجتمعي ووحدة اجهزة الدولة وأدائها الوطني وفي قدر من عدم زج الدين في السياسية في الدعاية والعملية الانتخابية.

الأستفادة من الدرس الانتخابي المغربي للحد من نفوذ الأسلام السياسي عبر صناديق الأقتراع يرتبط اساسا في توفير مقومات الحدود المعقولة من بيئة انتخابية ملائمة لحرية الاختيار والأدلاء بصوت الناخب بعيدا عن الضغوطات الدينية السياسية والعشائرية والمناطقية والشللية الحزبية الى جانب توفير فرص العدالة لكل القوى السياسية لخوض غمار المنافسة الانتخابية الشريفة وعدم افساد ارادة الناخب في الضغط على خيارته.

في العراق لا تتوفر بيئة انتخابية آمنة رغم الأدعاء الحكومي بتوفيرها فهناك سلاح منفلت يعرف الجميع عائديته، وهناك مال حرام يتم استخدامه من قبل الاحزاب الفاسدة في تمويل الحملات الدعائية للأنتخابات، وهناك قوى اللادولة والمتمثلة في الدولة العميقة التي تنافس الدولة وتصارعها وتفرض اجندتها السياسية والعقائدية وتعمل على حرف مسارات وأداء وظائف الدولة،  بل ان تلك القوى تعمل في سياقات معرقلة لكل استقرار سياسي ولا تؤمن بالديمقراطية ولكنها "تؤمن" فقط بصناديق الاقتراع كغاية لذاتها لممارسة الفرهود الانتخابي.

عدا ذلك وهو الأهم ان العملية السياسية في العراق بنيت على اساس المحاصصة الطائفية والأثنية وتقاسم مناطق النفوذ الأثنو طائفي جغرافي وقد أسس الحكم على ثلاثية قاتلة لا يمكن ان تتغير: " رئيس جمهورية كردي، رئيس وزراء شيعي ورئيس برلمان سني، ويتبع ذلك توزيع لمغانم الدولة ومواردها كتحصيل حاصل، والأقبح من ذلك ان هذا الثلاثي ينبذ المحاصصة في خطاباته المعلنة ولكنه متمسك بها.

الانتخابات العراقية البرلمانية القادمة في 10 اكتوبر لا نعتقد وكما هي توقعات غيرنا ان تسهم في نقلة نوعية نحو اعادة بناء اصطفافات سياسية تنقذ البلاد من من مستنقع الطائفية السياسية والأثنية، وان توقعات عودة الأسلام السياسي بقوة الى المشهد السياسي حاضرة، حيث انعدام مقومات انتخابات نزيهة وعادلة بعيدا عن الترهيب والأكراه والتزوير حاضرة جدا. فالحكومات التي تخشى الكشف عن قتلة المتظاهرين والجهات السياسية والمليشياوية التي تقف ورائهم لا تكون قادرة على حماية العملية الانتخابية، والحكومة التي تمتلك ملفات الفساد ورموزه ولا تستطيع الأجهار بها نعتقد ستكون ضعيفة امام حماية الناخب وصوته، الى جانب ان العملية الانتخابية ستجري في ظل عدم المسائلة عن مصادر تمويل الحملات الانتخابية الى جانب قانون انتخابي غير عادل شرعن لبقاء الكتل الفاسدة واعادة انتاجها، الى جانب مفوضية انتخابات ليست مستقلة كما ينبغي.

انتقال أثر الانتخابات المغربية الايجابي على الانتخابات العراقية غير وارد في اقصاء الأسلامويين من السلطة او اعادة انتاج خارطة سياسية جديدة يضعف فيها الأسلام السياسي، فالدولة في العراق كما هي الحكومات فيها مبنية بكل اجهزتها الدفاعية والأمنية والمخابراتية على اساس المحاصصة الطائفية والأثنية وان التعامل مع الدولة كغنيمة بين الاحزاب هو السائد، الى جانب مخرجات ذلك في فساد ينخر مؤسسات الدولة من اعلاها الى اسفلها وتلك مقومات لا تساعد على التأسيس لعملية ديمقراطية وتداول سلمي للسلطة، وستفرض ارداة القوي بفساده على الضعيف. المقارنة بين التجربة الانتخابية المغربية والعراقية هي مقارنة في تفاوت الارادات السياسية الحاكمة والبيئات الانتخابية وفي القناعة بالديمقراطية كطريق وحيد للتدوال السلمي للسلطة. نعتقد ان المغرب قطع شوطا في الممارسة الديمقراطية السليمة" بغض النظر عن فلسفة الحكم المغربي العامة " اما في العراق فلا يزال المخاض عسير.

 

د.عامر صالح