غانم المحبوبيلو تَمَعَنا في خارطة ألعراق السياسية (geopolotical) في محوريها الداخلي والخارجي، لوجدنا ما يميز العراق عن بقية، وعلى الأقل، الدول العربية هي صفة التعددية ذات الإختلاف الحاد. فمن الناحية الجغرافية يحيط بالعراق أربعة أقطاب ذات أصول أو أعراق ومعتقدات فكرية ودينية (مذهبية) متناحرة منذ مئات السنين ولحد الآن، ألا وهي الفرس الشيعة من الشرق والترك والتركمان السنة من الشمال والعرب السنة المعتدلة من الغرب والعرب الوهابية المتطرفة من الجنوب. هذا الفخ الجغرافي المتشنج ما كان له إلا وأن يعكس صورتَهُ المتناحرة في داخل المجتمع العراقي، أضف إلى ذلك وجود القوميات والأديان الأخرى كالأكراد والمسيحيون والآشوريونوالمندائيون والأيزيديون وغيرهم. كما بينا في مقال سابق، التعددية المتعايشة سلمياً (multiculturalism) هي من السمات الحسنة للمجتمعات المستقرة المتحضرة لما تنتجهُ من تراكم حضاري مهم. ولكن، في حالة التعددية المتخاصمة أي ألغير متعايشة على أساس المواطنة ظمن الدستور والقانون فلا بُدَ لهذه الحالة أن تؤدي إلى مجتمع متناحر تسوده الفوضى وفقدان الأمن كما هو الحال في العراق الحالي. لماذا أدت تعددية العراق لهذا الناتج السيء هو سؤال الإجابة عليه بالتفصيل خارج موضوعنا الحالي ويستحق أن نتناوله بمقال كامل آخر. أما ما يهمنا ألآن هو التأكيد على أن الحرية الغير منضبطة في ظلِ دولة ضعيفة الفكر والإرادة والقوة هي من أهم ما يؤدي إلى الإنفلات الولائي والأمني وهذا ما يتجسد ألآن في واقع العراق حيث تواجد المجاميع أو ما يسمى بالمليشيات المسلحة "المنفلتة" سواء كانت مرتبطة بولاء داخلي، عشائري كان أم مناطقي أو أجندات سياسية داخلية أو خارجية وما تقوم به من أعمال تقوض هيبة الدولة.

لماذا نشأت هذه المليشيات؟ بإختصار، يعيش العراق ومنذ أكثر من أربعين عام في سلسلة من الحروب والأزمات الحادة أدت الى تراجيديا التدهور والإنحطاط في الدولة والمجتمع العراقي مما جعل كل فئة من فئات التعددية العراقية تشعر بألخوف وألريبة من الآخر وفقدان الأمن. وعندما تكون الدولة ضعيفة وفيها مَن هوَ في موقع القيادة ويشارك الشعب بمخاوفه والريبة من الآخر، فلا يجد المواطن العراقي خياراً غير الإبتعاد عن مفهوم الولاء للمواطنة العراقية بل اللجوء إلى ذاته ومناطقيته وما يحميه ظمن معتقده الديني او القومي. ولكي يحافظ المواطن على ويحمي خصوصياته ومقدساته ويثبت تواجده وقدرته على ارضه توجبَ عليه ان يأخذ زمام المهمة الأمنية على عاتقه وذلك بتشكيل المجاميع المسلحة، وفي حالات كثيرة بمساعدة الدولة نفسها او مراكز الإستقطاب الإقليمي من دول الجوار أو الدول الأخرة المتنفذة. هذه المجاميع لا تثق بالدولة ولا تَكُن لها الولاء لذلك لا نجدها تنقاد لها في عملياتها المسلحة والعسكرية بل بما تملي عليها معتقداتها ومصالحها الخاصة ولا يهم ان كان مصدرها من داخل العراق أو خارجه.

وإذا رجعنا الى أحداث ٢٠١٤، سنشهد ولادة مجموعتين مسلحتين كبيرتين تشترك في دوافعها لحماية نفسها وفرض نفوذها ولكنها على طرفي نقيض في أحقيتها وشرعيتها وتمسكها بالمواطنة العراقية. المجموعة الأولى هي عصابات داعش المجرمة بحق الإنسان والحضارة وألتي سببت الكثير من الدمار وزهق الأرواح، بدوافع سياسية ولكن بغطاء عنصري طائفي بغيض. برأي الخاص، إن من أروع ما انجزه العراقيون منذ ٢٠٠٣ ولحد ألآن هو الدعوى الرائدة لتحشيد الشعب (الفتوى الجهادية الكفائية) من أجل الدفاع عن الوطن ضد عصابات داعش القبيحة وألإستجابة الطوعية الباهرة من قبل المواطنين لولادة المجموعة الثانية أو الحشد الشعبي المسلح وتضحياتهم بألغالي وألنفيس حتى تحقيقهم النصر. وألذي توج هذا الحدث الرائع هو قرار مجلس الشعب والدولة بعدم حل أو إلغاء هذا الجهاز الأمني العقائدي المهم وعدم تركه منفرداً كقوة شعبية مقوضة لقوى الأمن الوطنية بل وتوافقاً مع فحوى الفتوى الجهادية دمجه إليها مما وهب الفائدة لكل الأطراف. ولكن، يجب علينا أن لا نقدس الأشخاص من الحشد الشعبي مهما بلغوا من النزاهة والتقوى إذ ليسوا هم سوى أشخاص كبقية الناس وليسوا بملائكة. لهذا وجب على الدولة أن تتصدى لكل من يخرج منهم عن القانون وتعالج الأخطاء كحالات منفردة وعدم تعميم الفعل الشاذ على جميع من ينتسب إلى هذه المؤسسة المهمة. كذلك يجب على الدولة والشعب أن ينتبهوا للمحاولات المشبوهة والمستمرة للإسائة إلى العراق وللحشد الشعبي بألذات من أي جهة ومن ظمنها الأفراد أو الجماعات التي تسعى لتحقيق أهداف خاصة لا تصب في المنفعة العامة للوطن عن طريق تشكيل ميليشيات مسلحة أخرى وتحت غطاء الحشد الشعبي، مما يستوجب التصدي لهذه الميليشيات؟

كيف التصدي لهذه المجاميع المسلحة؟ بالتأكيد إن كل فئة من فئات المجتمع العراقي سوف تقيم شرعية  تواجد هذه الميليشيات، بناءاً على آراء ومصالح خاصة تعكس حالة الإستقطاب الحاد في مفهوم المواطنة عند هذه الفئات المتعددة. فهناك من يدعم او على الأقل يتعاطف مع قسم من هذه المجاميع المسلحة على أنها مقاومة عقائدية شريفة وربما مقدسة في دفاعها عن تربة الوطن والعرض والمقدسات وما إستخفافها بأوامر الدولة، ومن وجهة نظرها، إلا هو من صغائر الأمور قياساً بأهدافها العقائدية الكبيرة. من جهة أخرى، هناك من يذهب بعيداً في الإتجاه المعاكس ليُجَرِم هذه المجاميع لا بإعتبارها وحدها فقط خارجة على القانون بل بتعميم مثل هذا التجريم على كل فصائل الحشد الشعبي، وإن هو حالياً جزءاً من قوى الأمن العراقية الرسمية وحسب قانون من مجلس النواب العراقي. وكمثال على ذلك، في مقال له نُشر في "المثقف" بعنوان "هل الحشد الشعبي للعراق أم على العراق؟" يقول الدكتور كاظم حبيب "إن مهمات الحشد الشعبي بميليشياته الولائية، التي تشكل ٩٥٪ من قوام هذا الحشد غير الشعبي والمرتبطة عضوياً بالأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية ... هي الهيمنة الكاملة والفعلية على محافظات العراق في الوسط والجنوب وبغداد ... وبالتالي ممارسة عمليات التهديد والإبتزاز والإختطاف والإعتقال والتعذيب والقتل وفق ما يرد لها من أوامر (والمقصود من إيران)". وبين هذين القطبين المتطرفين في الرأي نسمع صوتاً آخر بينهما يتسم بشيء من الإعتدال كما جاء في مقال الدكتور عبد الخالق حسين بعنوان " أسلم طريق في مواجهة المليشيات المنفلتة" والمنشور في "المثقف"، " كذلك يجب التأكيد على التميز بين الحشد الشعبي الحقيقي الذي تأسس إستجابة لفتوى السيد السيستاني كما ذكرنا، والذي تم دمجه مع الجيش بقانون، حيث يأتمر بأوامر القائد العام للقوات المسلحة، وبين الميليشيات الحزبية الطائفية وبغطاء الحشد الشعبي." إن مثل هذه الآراء وإن إستحقت الإحترام والأخذ بنظر الإعتبار لكنها، وبرأي الخاص لا تُمثل الرأي الوطني العام لأنها تبقى آراء شخصية تستند على دوافع حزبية، ايديولوجية، وقد تكون قومية عرقية أو دينية طائفية أو غيرها ما لم تُدعم بتحليل وأدلة علمية ومُقنعة يتقبلها المواطن المُحايد والمتطلع لإستقرار البلاد الحقيقي، وهذا ما سنتناوله في القسم الثاني لهذا الموضوع.

 

الدكتور غانم المحبوبي

 

صادق السامرائيالصحافة عمل مسؤول يهدف إلى تحقيق السلوك الإنساني المتوازن والمقبول من المجتمع، لأنه يرعى مصالحه ويبني حاضره ومستقبله، وليس للصحافة بصلة أي عمل لا يهدف إلى إظهار الحقيقة، وتوعية الناس، وتسليط الأضواء على ما يراه الصحفي مهما لحياتهم وأمانيهم، فإغفال الحقيقة وطمسها عمل غير وطني، ومعرفتها حق إنساني مشروع لا يجوز التغاضي عنه.

وبسبب تعودنا أو تربيتنا على طمس الحقائق وتزييفها، فأننا نستشعر الخوف والتهديد من أي صحفي يحاول أن يكشف ما هو مستور وكاذب أمام الرأي العام، ويحسبه المسؤول القائم به  إعتداء عليه وكراهية له، ويبدأ بإستحضار آليات الدفاع من إسقاط وتبرير وغيرها، لكي يلوذ بنفسه من سوء عمله، وليؤكد بأنه لم يرتكبه والصحفي يدعي عليه أو يستهدفه.

وهذا السلوك يشيرإلى  أن المسؤول يفعل، وكأنه في صومعته وباحة نفسه التي ألغت أي رقيب عليها، وعندما تفاجأ بتسلل الرقيب الصحفي إلى داخل حدودها، تستعيد الرقيب الداخلي وتتحدث بلغته، وكأنها لم تفعل ما إرتكبته من أفاعيل يندى لها جبين الضمير.

ولهذا ترى الكثيرين يتهمون مَن يقول الحق ويسعى لكشف الحقيقة، فيقولون أن فلانا كذا وكذا ... وكذا لكي يزعزعوا ثقة المجتمع بما كشفه، وليحافظوا على ماء وجوههم ويبرروا فسادهم.

ومسؤولية الصحافة تنطلق من حرصها على ثوابت وطنية وإجتماعية، ذات قيمة فعالة في ديمومة التواصل والقوة والبناء، ولا يمكن للصحفي أن يكون مخلصا لمهنته إذا تفاعل بأساليب مضرة بالثوابت الوطنية والإجتماعية الصالحة، والتي تسعى على ضوئها معظم المجتمعات، ومن أبسطها، أن لا يساهم الصحفي في تمييع القيم الوطنية، وتقوية السلوك الفاسد وتشجيع التواطؤ والخيانة، والدعاية للكراسي ومؤازرة سلوكها لأنها تمنحه إمتيازات وتوفر له ما يريد من المتطلبات.

فعمل الصحفي أمانة ومسؤولية وطنية وتأريخية وإنسانية ذات تأثير مهم في بناء الحياة أو تخريبها، ولهذا فأن العمل الصحفي يحتاج لأن يتجسد في جمعيات أو نقابات تحافظ على التقاليد الصحفية المعمول بها في عالم الصحافة الحرة النزيهة، الساعية إلى الصدق وإظهار الحقيقة أمام أبناء المجتمع لكي يستنيروا ويقرروا لصالحهم، وأن لا يكونوا ضحية الخداع والتضليل والأكاذيب المنمقة.

وفي هذا الشأن تبرز أهمية الجمعية الصحفية أو النقابة الحرة المسؤولة، التي تحمل راية الصحافة بشجاعة وإقدام وجرأة، لا تضعف أمام أقوى التحديات وأشرسها.

كما أن مسؤولية الصحفي تتطلب أن يجتهد في توفير المعلومات الموثقة المستندة على بيانات لا يمكن تكذيبها أو عدم تصديقها، أي أن الخبر أو التقرير يجب أن يكون صادقا وصحيحا، وغير مصطنع من أجل توجيه آراء الناس نحو هدف معين يريده هذا الحزب أو ذاك.

ولهذا فأن ما تتناوله الصحافة لا بد أن يكون واقعيا لكي تكتسب الصحافة ثقة الناس، وتؤدي رسالتها في توعيتهم وتوفير المعلومات اللازمة لتحقيق مصالحهم.

وفي بعض المجتمعات هناك سياسات مدبرة من أجل زعزعة ثقة الناس بالصحافة، ومحاولة تشويش الأخبار وتمويه الحقائق وإتلاف الوقائع، وهذه الأساليب السياسية المنحرفة قد ترعرعت فيها، خصوصا التي يتم تسجيل الأعمال السيئة والجرائم فيها ضد مجهول، أو التي أوجدت قميصا أو أكثر ترمي عليه سيئاتها، وتبرر أفعالها وإجراءاتها.

أي أن هناك حركة مضادة لحرية الصحافة، وتوجهات لتدمير أركان العمل الصحفي المستقل، وتحويل الأقلام إلى لسان حال هذه الجهة أو تلك، وتسمي هذه الإنحرافات بالديمقراطية، مما يساهم في تشويش الوقائع والأحداث وإستلاب رأي الناس، وتمرير إرادة الكراسي ومراكز القوى التي تريد العبث بكل شيئ.

ووفقا لهذا فالناس لا تتمكن من التعبير عن خياراتها وإتخاذ قراراتها، وإنما ستسقط مرغمة في تيار التبعية والإستسلام للحركات والأحزاب، التي تتحكم بمصيرها وفقا لمصالحها وأهدافها الأنانية والغير وطنية.

وعليه فأن الصحافة ستكون ضحية وتابع، وكذلك أبناء المجتمع الذي تعمل فيه.

وفي المجتمعات الحرة، يكون موضوع علاقة الصحافة بالسلطة حساس جدا، ولا يمكن الوثوق بأقوال مريديها وأبواقها، وإنما يجب أن تتوفر الحقائق الموثوق بها والتقارير الصحيحة الصريحة، التي تؤكد أو تنفي الحالة التي في صدد الحديث.

وفي بعض المجتمعات تتضارب الأقوال عن أي مقال وتقرير ينشر في الصحف المتنوعة، وتثار حوله الشكوك والتهديدات والتخويف، والعديد من إجراءات الترهيب والترغيب والوعيد، لكي يتحقق الإيقاع بكاتبه ومن ثم تسخيره لغاية ما، يجدها هي الخيار الوحيد المتبقي أمامه، وبهذه الطريقة يتم إسقاط الصحفيين في شِباك الأحزاب والقوى السياسية.

ولهذا نقرأ العديد من المقالات والمواقف المتناقضة، والتي تهدف أصلا للتشويش وخلق حالة من الإضطراب وعدم الثقة والحيرة، التي تجعل الإنسان بلا قدرة على إمتلاك رأي أو فهم يؤسس لموقف مفيد.

ويظهر أن هناك جهود جادة ومدروسة ومبرمجة وذات خبرات متطورة تقوم بالإلتفاف حول أي تقرير، أو تحقيق صحفي يبين الحقيقة ويكشف المخفي والمدسوس، وهذه الجهود تعبّر عن دورها ومهاراتها الإعلامية، وقدراتها في بناء آراء الآخرين وفقا لنظريات معقدة، تستدعي من الصحفي الحر أن يتحلى بأعلى درجات الوعي المهني والثقافة، لكي ينتصر عليها ويمنع عنها أي منفذ يمكنها أن تتسرب منه لتقضي على ما جاء به.

والصحافة قد تعاني من هذا المرض الذي يتم بث جراثيمه في أوساطها، لكي تصاب بعدم الثقة بها، وتهميش دورها وتأثيرها في المجتمع، وتحويلها إلى أداة لحماية المسيئين، فتنتهي فيها معاني الصحافة الحرة وتتحول إلى لسان حال للسلطة وحسب.

 

د. صادق السامرائي

25\8\2009

 

بكر السباتينأعلن مؤخراً عن تشكيل "اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية" بغية المساعدة في استصدار قوانين إصلاحية لتطوير التنمية المستدامة ووضعها على المسار الصحيح ، رغم أن كثيراً من أعضائها خرجوا إلينا من تجارب سابقة لم تكن موفقة.. ولتمكينها من القيام بما أنيط بها من مهام، لا بد لها أن تدرس تاريخ خطط التنمية في الأردن منذ مائة عام للخروج بمعطيات واقعية للحل العملي في تنمية متعثرة تشهدها البلاد وفي ظل ظروف صعبة.

فقد شهدت مؤشرات التنمية الشاملة في الأردن منذ البداية بالتذبذب بينت نتائجها التباين بين التعثر والنجاح، ولتوضيح ذلك سنعرج إلى بداية خطط التنمية زمن الخطتين التنموييتين الثلاثية والخماسية في القرن الماضي حيث نجحتا نسبياً في إدارة الموارد الشحيحة لبناء البنية التحتية من صرف صحي ومياه وإيصال الكهرباء إلى جميع أنحاء المملكة، وبنية صناعية شملت المدن الصناعية وانتشارها في المحافظات، وبناء الإنسان كأهم مخرجات التنمية فالموارد البشرية الأردنية كانت تتمتع بجودة عالية تفتقر إليها التنمية المستدامة في وقتنا الراهن رغم توفرالإمكانيات الفنية اللازمة، إذ رفدت خطة التنمية المستدامة آنذاك بمعطيات النجاح، وساهمت في بناء دول الخليج العربي باقتدار الأمر الذي وفر لخزينة الدولة احتياطي كبير من العملات الأجنبية.. ثم تأتي خطط التنمية المستدامة وخاصة بعد تحرير التجارة من خلال اتفاقية الجات، والانطلاق نحو الشراكة التجارية مع أمريكا وتوقيع اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة عام 1997، والتي بموجبها استطاعت المنتجات الاردنية المصنعة في هذه المناطق (وغالبيتها من الالبسة والمنسوجات) من الوصول إلى الاسواق الأميركية.. وبعد عام 2010 أصبحت معظم السلع الأردنية معفاة من الرسوم الجمركية والقيود الكمية بموجب تلك الاتفاقية التي وقعت بين الجانبين الأردني والأمريكي عام 2000.. فالولايات المتحدة الأميركية كانت تُعد من اهم الشركاء التجاريين للأردن حيث زادت التجارة البينية بين الأردن وأميركا بنسبة 600 بالمائة حتى عام 2014 وكان القطاع الصناعي هو القطاع الرئيس في زيادة حجم الصادرات.

وبلغ حينها الحجم التراكمي للاستثمارات الأميركية في الأردن حوالي2.2 مليار دولار، تشكل ما نسبته 8 بالمئة من إجمالي الاستثمارات الأجنبية التراكمية في المملكة والتي تبلغ ما يقارب 28 مليار دولار في العام 2014.

ثم تأتي الشراكة الأردنية الصينية المتنامية والتي حققت نتائج مثمرة وفق ما صرح به السفير الصيني في عمان  بان ويفانغ  منتصف ديسمبر العام الماضي، في مؤتمر صحفي عقده في مقر السفارة أن العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين حققت تقدماً، حيث أصبحت الصين ثالث أكبر شريك تجاري للأردن وثاني أكبر مصدر للواردات، وانه في الأرباع الثلاثة الأولى من العام 2020 ، بلغ إجمالي حجم التجارة الثنائية بين الصين والأردن 3.103 مليار دولار أمريكي، بزيادة سنوية قدرها 27.70 %.. في حين بلغ الإجمالي لواردات الصين من الأردن 356 مليون دولار أمريكي، بزيادة كبيرة على أساس سنوي بلغت 129.61 ٪.

والأهم إستشرافياً هو ما توقعه السفير الصيني في أن يبدأ هذا العام 2021 تشغيلُ مشروع محطة العطارات لإنتاج الطاقة من الصخر الزيتي والذي تستثمر فيه الصين بقيمة 1.6مليار دولار امريكي، حيث سيلبي  10-15٪من حاجة الاردن للكهرباء.

 ومن الطبيعي أن ذلك من شأنه أن يُسَرّعَ من عجلة التنمية المستدامة لارتباط هذا النمو بالطاقة حيث سيقلل من اعتماد الاردن على مصادر الطاقة المستوردة (وقد يؤدي إلى إلغاء اتفاقية الغاز مع دولة الاحتلال الإسرائيلي بعد إيجاد مخرج قانوني بفعل الضغوط الجماهيرية بهذا الاتجاه)، ثم تقليص فاتورة الطاقة وضمان أمن الطاقة وثبات تزويدها للأردن.

وعليه فإن استراتيجية الشراكات التجارية الخارجية مع الأردن أدت إلى رفد خزينة الدولة بالعملات الأجنبية من خلال الاستيراد وجباية المستحقات الضريبة المتنوعة..

ومن منظور استشرافي، هناك أيضاً اعتماد "خطة التنمية المستدامة لعام 2030 الشاملة والمتكاملة والتحويلية"، والتي تم اعتمادها في سبتمبر 2015 من قبل جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بهدف القضاء على الفقر، ومكافحة عدم المساواة وتغير المناخ على مدى السنوات ال 15 المقبلة. وتقوم في الاساس على حقوق الانسان لتحقيق التنمية المستدامة.. وتركز على التنفيذ على المستوى الوطني حيث تأخذ الدول الاعضاء زمام المبادرة وتقوم بتكييف الخطة بما يتناسب مع احتياجاتها الوطنية.. وهي خطة قطع في تنفيذها الأردن شوطاً لا بأس به رغم العوائق الككثيرة التي تعترض طريق التنمية المستدامة حيث سنجملها في نهاية المقال.. حدث كل ذلك في غضون ال 100 عام التي شهد خلالها الأردن أزمات كبيرة في إقليم ملتهب تمكن من تجاوزها بحنكة واقتدار .. إذن لماذا هذا التذبذب في معدلات النمو الذي يشهده الأردن منذ بداية خطة التنمية المستدامة؟

هذا يقودنا للحديث عن المعوقات التي بدون البحث فيها لا يساعد "اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية" على بناء قاعدة للحل..والتي أجملها بما يلي:

أولاً- اتساع قاعدة الفقر والبطالة في ظل غياب العدالة الاجتماعية، وارتفاع الدين العام وعجز بالغ في موازنة الدولة، لأسباب موضوعية مثل تفشي ظاهرة الفساد في الدولة العميقة وانعكاس ذلك على التنمية، ومحدودية الموارد الطبيعية ما دفع بالإردن للاعتماد على الاقتراض وتلقي المعونات التي رهنت قراره في الشؤون الداخلية نسبياً للدول التي تقدم المساعدات الطارئة للأردن..

ثانياً- عدم وجود رؤية واضحة لتلك الخطط مما جعلها تخضع لكثير من القرارات الارتجالية دون التركيز على تحفيز الانتاج لزيادة الحصيلة الضريبية فانحصر التركيز على الجباية الضريبية دون العمل على توفير بيئة آمنة للإنتاج في ظل الأزمات المتفاقمة ومنها انتشار وباء كورونا، ثم الاعتماد على المساعدات الخارجية والدخول في أزمة خدمة الدين وإعادة جدولة الديون للاقتراض من جديد! لأن الاستمرار في زيادة الناتج سيكون بالتأكيد هو السبيل الوحيد لرفع معدل النمو وسد عجز الموازنة ، وليس من أموال الضمان أو من الضرائب أو إصدار سندات مالية، ورفع الأسعار للمحروقات والكهرباء مما أثر سلبياً على المستوى المعيشي للمواطنين حيث أسبح يشكل تهديداً للاستقرار السياسي والأمني للدولة والاجتماعي.

ثالثاً:- معاناة الاقتصاد الأردني من جملة تحديات كبيرة على رأسها:

- تفشي وباء كورونا وانعكاس ذلك على كل مفاصل التنمية سلبياً .

-أزمة اللاجئين العراقيين والسوريين المتفاقمة.

 -اتفاقية وادي عربة وانعكاساتها السلبية على كل نواحي الحياة ما أزم الثقة بين الشعب الأردني والحكومة.. والبدء بمعالجة أخطر مخرجاتها بإلغاء اتفاقية الغاز بعد تشغيلٌ مشروع محطة العطارات لإنتاج الطاقة من الصخر الزيتي في إطار الشراكة مع الصين والمزمع الشروع بتنفيذه هذا العام.

- محدودية السوق المحلي ، وخاصة الأسواق التقليدية للمنتجات الصناعية ، والارتفاع الحاد في محتوى الاستيراد للمنتجات الصناعية على حساب القاعدة الإنتاجية والتحفيز على المنافسة الإيجابية.. والارتفاع في كلّف التمويل لمدخلات الانتاج.

-التواضع في الإنفاق على البحث والتطوير والدراسات التقييمية والاستشرافية. وتوفير قاعد بيانية تساعد المستثمرين على التجاوب مع حزم القوانين التي تحفز على جذب المستثمرين من باب توفير البيئة الآمنة لهم.

وللخروج من عنق الزجاجة لا بد من خارطة طريق إصلاحية تتشارك فيها كافة القطاعات من أجل تنمية حقيقة تقود البلاد إلى مشارف النجاح، وخاصة أن الزمن لا ينتظر أحداً والتنافس الدولي على أشده، والبقاء للأقوى.. والفرص متاحة لو أحسنت الدولة استغلال الموارد الممكنة ووظفت القروض في أبوابها الصحيحة وسدت المنافذ على الفساد، مستغلة دعم مشروع الأمم المتحدة للقضاء على الفقر بما يسمى "خطة التنمية المستدامة لعام 2030 الشاملة والمتكاملة والتحويلية، والتي تم اعتمادها في سبتمبر 2015 من قبل جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بهدف القضاء على الفقر، ومكافحة عدم المساواة وتغير المناخ على مدى السنوات ال 15 المقبلة ومعالجة ملف حقوق الإنسان وتطوير التعليم عن بعض من خلال توظيف التكنولوجيا، وزيادة التنسيق الفاعل بين وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بزيادة كفاءة شبكة الألياف الضوئية الوطنية بالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم، والتي تهدف إلى تنفيذ شبكة ربط التعليم الجامعي والبحث العلمي الجهات والمؤسسات الحكومية ودعم إنشاء الشبكة الحكومية الآمنة.. فالطريق أمام "اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية" عسير وطويل.. ولكن البداية الصحيحة لا بد وتنتحي بمخرجات يمكن بناء الإصلاحات المنشودة عليها.

 

بقلم بكر السباتن

 19 يونيو 2021

 

 

في كتابه "جوهر الفلسفة" يشير الفيلسوف الألماني "فيلهلم دلتاي" إلى ضرورة "ردم الهوة بين الذات والموضوع ـ وأن لا يكون "المنهج" من حيث جوهر القضية قابلاً للتأويل والاحتمالات".

في ظل احتدام الصراعات الحزبية واستمرار التجاذبات السياسية بالاتجاه المعاكس لما هو منشود، بالنسبة للمتظاهرين الذين يهمهم بالأساس، الكشف عن قتلة المتظاهرين وتقديمهم للعدالة، كمؤشر لامتحان مصداقية مؤسسات الدولة، التنفيذية والقضائية والتشريعية، وجهوزيتها لتحقيق مطالبهم الأخرى ومنها إقرار قانون الانتخابات وتشريع قانون الاحزاب وإعادة تشكيل مفوضية الانتخابات وحصر السلاح بيد الدولة. فالانتخابات ان كانت مبكرة أو متأخرة لاجل غير مسمى، لم تعد لاعتبارات محقة، أمرا حكيماً اذا لم تتحقق المطالب. وليس أمام المتظاهرين والقوى المدنية التي تنشد التغيير وتسعى اليه، من الناحية المنطقية والموضوعية، إلا اللجوء الى احتمالات مقاطعة الانتخابات على أرض الواقع والذهاب الى المؤسسات الدولية المعنية في مثل هكذا امور للاستعداد لعدم الاعتراف بنتائجها وقطع الطريق امام الاحزاب الطائفية من الاستمرار في الحكم. أيضا الضغط على رئيس الوزراء، ان كان جادا بتنفيذ شعاره الذي ما برح يردده: بأنه "رجل أفعال وليس أقوال"، أن يمارس صلاحياته الدستورية ومنها حل مجلس النواب واعلان حكومة انقاذ وطني لمعالجة الازمات المتراكمة ومواجهة التحديات التي تغذيها ميليشيات الاحزاب والعصابات الاجرامية الموالية لايران وولاية الفقيه.

ينظر القانون الدولي، للدولة، في البلدان المتقدمة: أجهزتها، شعبها، مناطقها، اشكالها، بانها مجموعة أسس ـ يرتبط بموجبها الناس بعضهم ببعض لحماية مصالحهم المشتركة. في شأن ذلك، يُعتمد على وجه التحديد، وفقا لعقيدة العناصر الثلاثة ـ الدولة والشعب والسلطة، على أهم الوقائع والمعايير الانتخابية، لضمان التوازنات المتبادلة بين الحقوق والواجبات داخل المنظومة البرلمانية وخارجها، للمشاركة في الإرادة السياسية للشعب وتحريك الرأي العام وتشجيع المواطنين على العمل في الحياة السياسية وحرية إشراك القادرين منهم على تحمل المسؤولية العامة. بيد ان ذلك من جانب آخر، يتطلب يقظة القوى المجتمعية الفاعلة مراقبة اجراءات اللجان العليا للانتخابات قبل وأثناء الانتخابات. واذا لم تشعر، اي تلك القوى، بالارتياح والطمأنينة، فمن حقها اذا ما ارادت، طلب اشراف دولي لضمان نزاهة الانتخابات وإبعادها عن التزوير وتهديد السلاح المنتشر لدى فرق الموت التابعة لميليشيات احزاب السلطة، وهو وفق السياقات الموضوعية والذاتية واحكام القانون الدولي حق مشروع ، وهناك أمثلة كثيرة كان للمنظمات الدولية دورا هاما تلعبه.  

لكن دعنا نتساءل ببساطة: ما هو الدور الايجابي غير التسويف، للأحزاب الحاكمة في العراق فيما يتعلق الامر بالنهضة وبناء الدولة المدنية الحديثة لاكثر من ثمانية عشر عاما عجاف ـ كي نصدق وعودها ؟. وكيف لنا ان نثق بها؟، لنحكم بينها وبين قراءة الاحداث السياسية والبنيوية المصيرية وما يحيطها من إشكاليات خطيرة هي سبب حدوثها أصلا؟. 

في دولة المؤسسات في البلدان الديمقراطية، الأحزاب، مهمتها الاساسية: تمثيل المصالح الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للشعب. لكي يتمكنوا ممثليها في المجالس التشريعية من أداء هذه المهمة، يتمتعون تبعاً للقواعد العامة خلال عملهم في السلطة بحقوق والتزامات خاصة لكنها تخضع للمراقبة الفعلية. ووفقا لاحكام "قانون الأحزاب"، فانها تعتبر من الجماعات المجتمعية التي تؤثر بشكل دائم أو لفترة محددة على صنع القرار السياسي وتمثيل الشعب في "البرلمان". بيد ان حرية تأسيس الأحزاب بالإضافة إلى حرية الحزب فيما يتعلق بأهدافه وبرنامجه ونشاط أعضائه في سياق العمل الحزبي ـ لا يجوز تبرير أعمال إجرامية بذريعة حرية النشاط الحزبي. فيما يحظر "القانون" في الدولة المدنية إجازة "الاحزاب" التي لها أذرع مسلحة ولا يسمح بمشاركتها في الانتخابات. كما يطالبها بيان مواردها المالية قانونياً، كيف ومن أين؟ كذلك طبيعة عملها وأماكنها المحددة وعدد أعضاءها. والاهم اعترافها بالقانون الاساسي للدولة "الدستور" وتقديم تعهداً ملزم لصيانة بمبادئه الاساسية حصرا.. في بلد كالعراق الامر مختلف، فالطبقة السياسية المتربعة على السلطة، تحميها ميليشيات، غير مكنرثة بالمباديء والقيّم، ولا معرفة في علم السياسة وإدارة الدولة المعاصرة!.

ان سياسة الهروب الى الوراء فيما يتعلق الامر بالتغيير والاصلاح في منظومة الحكم بالطريقة التي تمارسها احزاب السلطة لا جدوى منها على الاطلاق. وسياسة مسك العصى من الوسط ، الذي تمارسه أحزاب ايديولوجية ـ شعبوية خارج السلطة تجاه "النظام السياسي"، يشكل تداعيات سياسية ومصيرية خطيرة، غير مألوفة، تمس القضايا التي يتطلع لها الشعب العراقي بالصميم. كما ويترك أثرا سلبيا بالغا على المواطن ورغبته في المشاركة في الثورة لصناعة قرار التغيير، وبالتالي عدم استطاعة الانتفاضة من قلب الطاولة وانتاج خيارات جديدة لمواجهة التحديات المركبة والمربكة الناتجة عن ألاعيب قوى سياسية واحزاب ركبت موجة الثورة خوفا على مصالحها. ولعل أهم اساليب مواجهة هذه التحديات، لفرض ارادته، على الحراك المجتمعي رفض "العملية السياسية" برمتها، ومقاطعة الانتخابات ان لم تتحقق المطاليب. وعلى قوى الثورة وتنسيقياتها، يستوجب أيضا، تأسيس مساحة كافية لدراسة "طبيعة الأحزاب" على الساحة بالمجمل. وتقييم "مفهوم الانتخابات" في ظل نظام حكم طائفي لا يضع أهمية للانتماء والهوية الوطنية الذي تشكل الانتخابات أساسا لها، ليصبح بمقدورها صياغة البديل السياسي المنشود لنظام الحكم، والخروج من نظام المحاصصة الطائفية وعهدة احزاب فاشلة لا وزن لها في المعادلة السياسية منذ 2003 ، سوى تسويق نفسها في حلبة الصراع لاجل مصالح فئوية وحزبية ضيقة. 

 

عصام الياسري

 

عبد الجبار العبيديالوصية: هي وثيقة مدونة من جهة رسمية معينة، بأمر شخص معين لشخص اخر، يوصي بها حقوقا له وللاخرين.

والوصايا على نوعين مادية ومعنوية. فالمعنوية هي وصايا النصح والارشاد التي تعطى على سبيل العضة والاعتبار كوصايا القرآن الكريم للاباء في ابنائهم، "وتواصوا بالحق وتواصوا يالصبر، العصر3". ووصايا الخلفاء والملوك لابنائهم ومن يوصون له. أماالوصايا المادية هي وصايا الارث والتركات الموصى بها من شخص لاخر والمستحقين عليه، وهي ما يسمى بوثيقة تثبيت الحقوق المادية، والوصية المادية هي وصية ملزمة التنفيذ كما في قوله تعالى "ولا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق ذلكم وصاكم به".(1)

وللوصايا جملة فوائد منها، تحديد الحقوق للوارثين قطعاً للنزاع وبعداً للتخاصم فيما بينهم، لذا فأن الوصية في القرآن الكريم جاءت بعشرة آيات بينات ملزمة التنفبذ وهي مقدمة على الارث لقدرتها على تحقيق العدالة الخاصة المتعلقة بشخصٍ بعينه، وبوضعه المالي والاجتماعي والاسري، وبألتزاماته تجاه الاخرين..بينما الفقهاء قدموا الأرث على الوصية.. ان التماثل غير موجود في الوصية .أما في الارث فالتماشل موجود في الارث الناس متماثلون، والارث والوصية يمثلان جدلية التماثل والاختلاف(2). وبما ان المجتمع الانساني يقوم على التنوع في الشروط المعاشية والاسرية والاجتماعية والالتزامات، فقد تم تفضبل الوصية على الارث فقي القرآن الكريم"كتب عليكم اذا حضر احدكم الموت ان ترك خيراً الوصية للوالدين والاقربين بالمعروف حقاً على المتفين، البقرة 180"(3).

ان هذا الامر القرآني انسحب على جملة الوصايا الاخرى حتى عدت الوصية ركناً مهماً من اركان سياسة الخلفاء والملوك لحفظ المودة والرحمة بينهم وبين الابناء ومن يواليهم من الناس، لكن الكثير من هذه الوصايا كانت سبباً في الاقتتال بين الاخوة كما في وصية الرشيد لولديه الامين والمآمون.والتي ادت فيما بعد الى التنافس والتناحر وقتل الامين بيد اخيه المآمون في بغداد.، وسنحاول اعطاء نماذج من هذه الوصايا التي بها تم التوازن الاجتماعي والاسري والحقوق السياسية والاجتماعية .لكن الذي يعنينا هي وصايا الخليفة المنصور لابنه المهدي الذي اراد له ان يكون رشيداً من بعده حتى لا يسقط في حبال مؤامرات حاضرة الخلافة من بعده.

بعد ان اخذ المنصور البيعة لابنه المهدي، توجه له بالنصح والارشاد، ورسم له الخطوط العامة التي ينتهجها في حكم رعيته، لتكون بمثابة دستور لدولته، يتضمن الملامح الرئيسية والاساسية التي يرتكز عليها الحكم وتسير بموجبه الدولة، ولهذه الوصايا اهمية بالغة لانها تعتبر بحق حصاد خبرة الرجل وتجربته طوال حياته وسنوات حكمه.نتمنى لحكامنا اليوم وهم في محنة السلطة ان يقرأوا مثل هذه الوصايا ليأخذوا منها العضة والعبرة والدرس لتصحيح المسار علهم يصلوا الى ما يهدفون اليه من امر ولاية الدولة والامة..لا ان ينتقدوا ويخربوا أثار الستبقين حقدا عليهم..غير مبرر.

لقد ركز المنصور على وصايا المال والارشاد والمواعظ والوصايا السياسية وسنحاول اعطاء صورة واضحة لها:

الوصية المالية (4)

هذه الوصية تتعلق بأموال الدولة وديونه والتزاماته الاخرى فيقول:"... وأنظر هذه المدينة –يقصد بغداد المدورة-، وأياك ان تستبدل بها غيرها، وقد جمعت لك فيها من الاموال ما ان كسر عليك الخراج عشر سنين كفاك لارزاق الجند والنفقات للرعية ومصلحة الثغور، فأنت لاتزال عزيزا ما دام بيت مالك عامراً. أنظر من يحكمون اليوم كيف بددوا ثروة الوطن بين السرقة والتماهل في الحقوق..

وكأن المنصور اراد ان يقول له ان بغداد هي الام لوطنك العراق فلا تضحي فيها ابدا، هواؤها عليل، وماؤها كثير، وتربتها صالحة، واهلها نخب وشُهم.لقد كان حريصاً على اموال الدولة لحد انه وصف بالدوانيقي البخيل، لكنه لم يكن من هذا الطراز من الناس بل كان مؤمنا ان السراقات والتبذير والفساد سينهي دولة الخلافة، وكان ظنه صحيحاً. كما هم حكام بغاد اليوم..

وصايا الارشاد والمواعظ (5)

كانت صفة متداولة بين الخلفاء يقدمونها لمن يخلفهم في ادارة الدولة فيقول لابنه المهدي الذي لمس فيه ضعفا في شخصيته وتقصيرا في ادارته "يا ابا عبدلله استدم النعمة بالشكر، والمعذرة بالعفو، والطاعة بالتآلف، والنصر بالتواضع، ولا تنسى مع نصيبك من الدنيا نصيبك من رحمة الله، ولا ترفع اصبعك تكبراً على الاخرين، ولا تدعي علما لاتعلمه وامراً لاتدركه، ولا تبرم امر او عهدا حتى تفكر فيه، فأن فكر العاقل مرآته، تريه حسنه وسيئه،، ولا يصلح السلطان الا بالتقوى ولا تصلح الرعية الا بالطاعة، ولا تعمر البلاد بمثل العدل، ولا تجلس مجلسا الا ومعك من اهل العلم من يحدثك، ولا تقبل مستشاراً الا من اهل العلم والعدل والانصاف، وان جدك رسول الله(ص) قال ماخاب من استشار.

وصية بليغة كتبها البلغاء والعلماء واهل العقل، لان العقل هو اساس حياة البشر، ولان الاسلام دين العقل، فلا تهمل عقلك ولا تركن على غير ثقة ولا تقرب المنافقين والانتهازين واصحاب الوجوه المتقلبة، فأن كل عمل تعمله محاسب عليه اليوم وغداً وان حسبت الدنيا لك .فليقرؤا خونة الوطن اليوم..

الوصية السياسية:- (6)

أذا كانت تلك الوصايا والتعاليم التي خلفها المنصور لابنه المهدي تتسم بصفة الوعظ المستعجل والكلام الشفاهي الذي يقال في المناسبات العامة او الخاصة، فأن الوصية السياسية قد اعتنى بها وكتبها بعناية خاصة لانها تمثل حصاد خبرة الرجل في الحكم والسياسة، تلك الخبرة التي حاول مخلصاً ان ينقلها لابنه المهدي على شكل عبارات متلاحقة اشبه ما تكون بالقوانين والقواعد التي لا يراد لها ان تخرق. ونتمنى لقادتنا اليوم ان يقرأوا تلك الوصايا ليتعلموا منها الدرس قبل فوات الاوان. ان طول الوثيقة لا يسمح لنا المقال بنشرها، لذا سنحاول اعطاء مقتطفات منها والتعليق عليها

يقول المنصور فيها موجها كلامه لابنه المهدي:.

".يا بني....أتق الله فيما عهد اليك من امور الناس، .....اياك والدم الحرام، فانه حوَب عند الله عظيم، ......والزم الحلال وابتعد عن الحرام، ......ولا تسعى في الارض فسادا، .... وأقمع المارقين واقتل الخارجين الظالمين للناس، ... واحكم بالعدل ولا تشطط، واحفظ بيضة البلاد ولا تتهاون فيها لغريب او عدو، وأفتتح عملك بصلة الرحم والناس ولا تقهر واحدا ولا تظلم أخر، ... وأياك والاثرة، وتبذير اموال الرعية، ووسع المعاش وسكن العامة ولا تهجر واحدا منهم .واتق الله، فأن النوائب غير مأمونة، والحوادث غير مضمونة، ولا تؤخر عمل اليوم الى الغد.... وباشر الامور بنفسك، ولا تركن على غير ثقة، واسيء الظن بمن حولك وكتبابك ومستشاريك.... ولا تنم فأن أباك لم ينم منذ ولي الخلافة، ولا دخل عينيه غمض الا وقلبه مستيقظ، هذه وصيتي والله خليفتي عليك".

تبدأ الوثيقة بنبرة دينية هادئة، يحث فيها الوالد ولده على العناية بامور الناس والدولة، والابتعاد عن الحرام ولزوم الحلال، واقامة الحدود وعدم التفريط بالوطن، ثم ينتقل بوصيته بعدم الاعتماد على المارقين والمنافقين واصحاب الوجوه المتلونة، الذين لا يؤمنون الا بمصالحهم الشخصية بعيدا عن مصلحة العامة، وبكلمة أدق ان هذه الالفاظ المتعددة ليست الا ذات دلالات سياسية واحدة هي المناوؤن للدولة والخارجين على القانون، والذين يريدون اسقاط الحكم بالقوة، والخليفة يريد لدولته ان لا تسقط بعد ان بناها بالعرق والكفاح، وان يؤمنً الامن والامان والكفاية والعدل للناس، فهي تلك شروط الاسلام، وليكن حريصا على المال وبه يصان الوطن، وبكلمة معاصرة السياسة الاقتصادية للدولة، حين يحذره، اياك والتبذير لاموال الرعية، لان المال مال المسلمين لذا فقد اولى هذه الوصية الاهتمام وصاغ كلماتها من اهل الخبرة والاخلاص، فالاوطان فيها عزة الخلافة، وفي ارضاء الشعب المحبة والاستدامة .

لم تكن وصايا الخليفة المهدي هي الوحيدة التي راجت في ذلك الزمان، فتقف وصية الامام علي(ع) لابنه الحسن كالطود الشامخ في توجيهها وسر مفعولها حين يقول"يابني اجعل نفسك ميزاناً فيما بينك وبين غيرك، ولا تظلم كما تحب ان لاتظلم، ولا تقل ما ليس لك فيه علم، ولا تتخذعدو صديقك صديق، وتجرع الغيظ، وخذ على عدوك بالفضل، فأنه احلى الظفر، ولا تركن لخضوع واستكانة، فما اقبح الخضوع عند الحاجة. وكلمات ونصائح اخرى كثيرة على الحاكم والمحكوم ان يقرأها وينمعن فيها، ففيها صلاح الامة والنفس معاً..فاين الان من يحكمون ويدعون بولاية علي من هذا التوجه القانوني العام..؟

نعم ان وصية الخليفة المنصور تعد وثيقة ذات قيمة سياسية وادارية عالية في تلك الحقبة من عمر الدولة العباسية.صادرة من اب رشيد يريد لولده ان يكون رشيدا.نتمنى لمناهجنا الدراسية احتوائها لتتعلم منها الاجيال الحكمة والموعظة وحسن الخلق والالتزام..لا ان تهدمالاثار تلبية لأعداء الامة والوطن.

كل الوصايا القرآنية والانسانية سواءً من العلماء او الحكماء او الخلفاء او الامراء كان هدفها ارشاد الناس نحو الصلاح والفلاح والابتعاد عن الاعوجاج حتى تستقيم الحياة ويعطى كل ذي خق خقه بغض النظر عن تطبيق فلسفة الحكم والحاكم.لكن رغم الحكمة والوصايا الكثيرة فأن اغلب الناس لايتعضون، وخير مثال ما فعله العباسيون بأعدائهم حين سلطوا عليهم السيف والنطع ولم ينصاعوا لدين او حكمة او وصية حين قتلوا قادتهم ومن جاء بهم الى سلطة الحكم كأبي سلمة الخلال وابو مسلم الخراساني والبرامكة وبني سهل وغيرهم كثير.لكن الدراسات أثبتت ان هؤلاء تدخلوا في سلطة الدولة فأرادوا لهم دون عامة الناس.فأستحقوا العقاب. ولا زال حكامنا الى الان يتقاتلون على ما تقاتل عليه العباسيون فندموا.

وانا اكتب هذه السطور القليلة لكي اقول ذلك للناس، ليس هناك احسن ولا احلى من الصدق والاعتدال والالتزام بحقوق شرع الله، والا فالكل في خانة الخسارة المحتمة من الخاسرين، اجلا ام عاجلا، ويوم لا تنفعهم لا اموالهم ولا اولادهم ولا هم ما يكنزون.، فعلينا ان نعترف اننا لم نستثمر قرآننا واحاديث نبينا الا للاستهلاك المحلي في ارضاء انفسنا المريضة والبعيدة عن كل صلاح وفلاح.وسنبقى كذلك ان لم نعِ الاية والحكمة والوصية وننقلها من النظرية اللى التطبيق، ساعتها سنكون امة لها مقياس حضارة ابداً.

 

د. عبد الجبار العبيدي

.......................

المصادر المعتمدة:

1-القرآن الكريم

2- فقه المرآةص227

3- القرآن الكريم _سورة البقرة 180

4- أبن الاثير –الكامل في التاريخ ج6ص18

5- الطبري – الرسل والملوك ج8ص71-72

6- البلاذري - انساب الاشراف ج4 102

 

 

كريم المظفراختتمت الأربعاء 16 يونيو الجاري في في المدينة السويسرية الواقعة على ضفاف البحيرة والمعروفة باسم "مدينة السلام"، القمة الأولى للرئيسين الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأمريكي جو بايدن، والتي عقدت في، واستغرقت المحادثات فيها ما مجموعه 4.5 ساعات، منها محادثات استمرت أكثر من 1.5 ساعة على نطاق ضيق بحضور وزيري الخارجية الروسي سيرغي لافروف والأمريكي أنتوني بلينكن، والتي أكد سيرغي ريابكوف، نائب وزير الخارجية الروسي، على أن روسيا في إطار التحضير للقمة مع الولايات المتحدة، بذلت قصارى جهدها لتنتهي بشكل إيجابي، حيث ناقشت بالدرجة الأساس  الاستقرار الاستراتيجي والأمن السيبراني والنزاعات الإقليمية والعلاقات التجارية والتعاون في منطقة القطب الشمالي .

وشارك في المحادثات الموسعة من الجانب الروسي لافروف ونائبه سيرغي ريابكوف، ورئيس الأركان العامة فاليري غيراسيموف، ومساعد الرئيس يوري أوشاكوف، ونائب رئيس إدارة الرئيس الروسي دميتري كوزاك، والمتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، ومبعوث الرئيس الروسي الخاص إلى سوريا ألكسندر لافرينتييف، بالإضافة إلى سفير موسكو لدى واشنطن أناتولي أنطونوف، و في المقابل، شمل الوفد الموسع المرافق لبايدن كلا من بلينكن، ونائبة الوزير للشؤون السياسية، فيكتوريا نولاند، ومستشار الأمن القومي جيك سوليفان، والمسؤول المعني بشأن روسيا وآسيا الوسطى في مجلس الأمن القومي إريك غرين، وسفير واشنطن لدى موسكو جون سوليفان

وعلى الرغم من الأجواء التفاؤلية الحذرة من نتائج هذه القمة، وإشارة الرئيس الروسي إلى أن المحادثات عقدت "بلغة واحدة" (التي لم يتبادل فيها الرئيسان بوتين و بايدن دعوات لزيارة روسيا والولايات المتحدة، فقد اعتبرها الرئيس الروسي أنه من السابق لأوانه القيام بذلك)، وناقشت مواضيع الاستقرار الاستراتيجي والعلاقات التجارية والأمن الإقليمي والأمن السيبراني، إلا أن الكريملين أكد بشأن إمكانية استبعاد الولايات المتحدة من قائمة "الدول غير الصديقة" لروسيا، وقال الناطق الصحفي باسم الكرملين دميتري بيسكوف إنه "لا يوجد أي أساس" لمثل هذه الخطوة في الوقت الحالي، مشددا في الوقت نفسه على أن المحادثات بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأمريكي جو بايدن جرت كما توقعته موسكو تقريب، وقال بيسكوف، تعليقا على سير المباحثات، إنها "كانت مثلما توقعنا تقريبا، لكن الكل سيتوقف على كيفية استمرارها لاحقا"، مضيفا أنه من غير الواضح بعد من سيترأس الوفد الروسي الذي سيفاوض الجانب الأمريكي بشأن الاستقرار الاستراتيجي .

ووفقا للإعلان المشترك للرئيسين والذي صدر في ختام قمتهما في جنيف أكد الطرفان تمسكهما بالمبدأ القائل إن الحرب النووية لا يمكن أن يكون فيها منتصر ويجب ألا يتم شنها أبدا، وأن التمديد لمعاهدة "ستارت 3" بين موسكو وواشنطن يدل على تمسك البلدين بمراقبة الأسلحة النووية، وأنه ومن أجل تحقيق هذه الأهداف ستطلق روسيا والولايات المتحدة في أقرب وقت الحوار الثنائي الشامل حول الاستقرار الاستراتيجي والذي سيكون جوهريا ونشطا.

وأوضح الرئيسان أنهما يسعيان من خلال إطلاق هذا الحوار إلى "وضع أساس للمراقبة المستقبلية للأسلحة والإجراءات لتخفيض الأخطار"، وأشار بوتين و بايدن في الإعلان المشترك إلى أن روسيا والولايات المتحدة سبق أن أظهرتا أنهما قادرتان - حتى في فترات التوتر - على تحقيق تقدم في إنجاز الأهداف المشتركة في ضمان قابلية التنبؤ في المجال الاستراتيجي وخفض أخطار نشوب نزاعات مسلحة وتهديد حرب نووية، وأعلن الرئيسان عن قرارهما إطلاق حوار ثنائي حول الاستقرار الاستراتيجي، مؤكدين تمسك موسكو وواشنطن بضرورة منع شن حرب نووية، وتأمل موسكو في صياغة تفاصيل الحوار الروسي الأمريكي المقبل حول الاستقرار الاستراتيجي بوتيرة متسارعة، بالاتفاق مع واشنطن، وأشار نائب رئيس وزارة الخارجية الروسية، عضو الوفد الروسي، سيرغي ريابكوف إلى أنه في الوقت الحالي لا يمكنه الإجابة على السؤال الخاص بالمجموعات المواضيعية المحددة التي سيتم إنشاؤها في إطار الحوار الثنائي.

وبسبب الرفض الأمريكي، واخفاق إدارات الرئيسين في التوصل الى اتفاق، بشأن فكرة عقد مؤتمر صحفي مشترك، لان بايدن يفضل أن يتحدث للصحافة على انفراد، وبدوره خرج الرئيس بوتين إلى وسائل الإعلام، وبذلك عقد الرئيسان مؤتمرا صحفيا منفصلا، تبادلا كليهما كلمات الاطراء لبعضهم البعض ، فالرئيس فلاديمير بوتين وصف نظيره الأمريكي بالمحاور البناء، وانه قد " اقتنع مرة أخرى أن الرئيس بايدن شخص ذو خبرة كبيرة، وهذا واضح تمامًا"، إلا ان الرئيس الروسي ابى ان يترك هذه المناسبة للرد على تصريحات نظيره الأمريكي السابقة والتي ووصفه بها ب(القاتل )، وتساءل من هو القاتل الذي يتسامح بقتل المدنيين سواء في أفغانستان والعراق ؟، في حين اكد الرئيس الأمريكي أن بوتين لا يسعى لحرب باردة، مؤكدا في الوقت نفسه أهمية عقد لقاء شخصي بينه وبين الرئيس بوتين، وإنهم يعملون على رؤية حيث لديهم مصالح مشتركة، وأشاد الخبير في الشؤون الروسية في معهد كينان التابع لمركز وودرو ويلسون (واشنطن) بالقمة واعتبر انعقادها مهم جدا، ولكن الى أي مدى كان يكون افضل بكثير، لكن عدم انعقادها " كان من الممكن أن يكون أسوأ بكثير" .

وكما جرت العادة فقد سارع الخصم السياسي لبايدن في واشنطن، الجمهوريون، إلى مهاجمة الرئيس الديمقراطي بالانتقاد، الذي برأيهم كان يجب أن يكون أكثر تصادمية، وشدد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في حديثه لسكاي نيوز، على إن واشنطن لم تتلق شيئًا من القمة مع روسيا، وأن الاجتماع سار بشكل جيد بالنسبة لموسكو، وقال "لم نحصل على شيء، أعطينا المسرح لروسيا، ولم نحصل على شيء "، مشددا في الوقت نفسه على أن الولايات المتحدة غير قادرة على إيقاف نورد ستريم 2، وهو أمر مهم، و أن القمة عقدت لصالح الاتحاد الروسي، وأضاف: "أعتقد أنه كان يومًا جيدًا لروسيا".

ويجمع المراقبون على ان اهم اتفاق تمخضت عنه القمة هو إعادة السفراء الى بعثاتهما الدبلوماسية، (وتوقع نائب وزير الخارجية الروسية سيرغي ريابكوف عودة سفيرهم الى واشنطن أناتولي أنطونوف الذي وصل إلى موسكو يوم 21 مارس لإجراء مشاورات، نهاية الشهر الحالي) وتقرر أيضًا أن تبدأ وزارة الخارجية الروسية ووزارة الخارجية الأمريكية مشاورات حول النطاق الكامل للتعاون على المسار الدبلوماسي، وان "هناك شيء نتحدث عنه، لقد تراكمت الكثير من المعوقات، وبدا لي أن كلا الجانبين مصمم على البحث عن حلول" بحسب تعبير الرئيس بوتين .

وحول سير القمة لم يلاحظ فيها بتعبير بوتين و بايدن "أي عدائية، او ضغوطات " من قبل أي من الطرفين، وان اللقاء جرى في سياق مبدئي، على الرغم من وجود مواقف وتقديرات مختلفة تماما حول الكثير من القضايا، لكن كلا الطرفين كما اكد الرئيس الروسي أبديا رغبة في فهم بعضهما بعضا وإيجاد سبل لتقريب المواقف، و "ان الحديث كان بناء بما فيه الكفاية، ونتاج ذلك تم الاتفاق على بدء مشاورات حول قضية الهجمات السيبرانية، والتي استنادا إلى مصادر أمريكية إلى أن أغلب الهجمات السيبرانية في العالم تنفذ من داخل الولايات المتحدة، وتأتي بعدها كندا، ومن ثمن أمريكا اللاتينية وبعدها بريطانيا، بينما روسيا ليست في قائمة الدول الأولى من حيث عدد مثل هذه العمليات، وكما أوضح الرئيس الروسي.

أما القضية الأوكرانية، كانت حاضرة في مباحثات القمة، وكما نقل عن مصدر امريكي رفيع، فقد تحدث القادة عما إذا كانت "هناك فرص لمحاولة فك مسار عملية مينسك"، وعلى الرغم من كلمات الرئيس الأمريكي بأن بلاده تؤيد وحدة أوكرانيا ودعمها لكييف، فان الرئيس الروسي بدوره اكد ان لدى بلاده التزام واحد حول أوكرانيا وهو الإسهام في تطبيق اتفاقات مينسك لتسوية الأزمة، وفي حال استعداد الطرف الأوكراني سلك هذا السبيل" فإننا سنتجه عبره"، ومثل هذا الاتفاق لم يرق الى أوكرانيا، وأكد ميخائيل بودولاك، مستشار رئيس وحدة العمليات الخاصة الأوكرانية، أن " السيد بوتين " أصر مرة أخرى على التطبيق الحرفي لاتفاقيات مينسك، وهناك مشكلة هنا، إن النص الكلاسيكي لـ "مينسك" وتسلسل النقاط المقترح هناك يلعبان بالتأكيد لصالح الاتحاد الروسي، وقال "نحن نعرف ما تقوله اتفاقيات مينسك بالفعل، لكننا لا نريد الوفاء بها".

ولم تغفل القمة الخطوط الحمراء، التي تهدد بها واشنطن موسكو بين الفينة والفينة، وحصول تفاهم لدى روسيا والولايات المتحدة حول مسألة الخطوط الحمراء، وبين الرئيس الروسي أنه لم يتم مناقشة القضايا خلال المحادثات من هذه الزاوية، مؤكدا في الوقت نفسه إمكانية توصل البلدين إلى توافقات حول قضية تبادل السجناء، في حين شدد الرئيس الأمريكي وخلال مؤتمره الصحفي، على وجود "آفاق حقيقية لتحسين العلاقات" مع روسيا، وأن علاقات الولايات المتحدة مع روسيا يجب أن تكون مستقرة وقابلة للتنبؤ، وعلى البلدين إيجاد مجالات للتعاون، مشيرا إلى أنه يجب أن تكون هناك "قواعد أساسية" لتلتزم بها موسكو وواشنطن في العلاقات بينهما.

وحاول الرئيس الأمريكي التقليل من خطواته المعادية تجاه روسيا، وأكد أن أجندته ليست معادية لروسيا أو أي دولة أخرى، واعتبر بايدن أن الخطوات التي تنسبها الولايات المتحدة لروسيا تقلص من سمعة البلاد على الساحة الدولية، وإنه حدد 16 قطاعا حيويا، ستعتبر واشنطن استهدافها بهجمات إلكترونية غير مقبول، وأنهما ( أي في القمة ) اتفقا على تكليف الخبراء في البلدين بالعمل على تفاهمات معينة بشأن "ما الذي يتخطى الحدود" في المجال السيبراني، مؤكدا بوضوح أن الولايات المتحدة لن تتسامح مع "محاولات الاعتداء على السيادة الديمقراطية الأمريكية"، وسترد على أي محاولة للمساس بمصالحها أو مصالح حلفائها.

وفيما يتعلق بالقضايا الدولية، أشار بايدن إلى أنه عبر في حديثه مع بوتين عن قلقه إزاء الوضع في بيلاروس، وأنهما بحثا ضرورة فتح الممرات الإنسانية في سوريا لنقل المساعدات الغذائية، وناقشا الملف الإيراني، حيث اتفقا على العمل من أجل ضمان عدم حصول طهران على أسلحة نووية، وبشأن أفغانستان، أشار بايدن إلى أنه بحث مع بوتين ضرورة توحيد الجهود لمنع انتعاش الإرهاب في أفغانستان، وأن بوتين عرض على واشنطن المساعدة في هذا المجال.

اما في موضوع مثير للخلافات بين روسيا والولايات المتحدة، قال بايدن إنه تطرق إلى ملف حقوق الإنسان مع الرئيس الروسي، مشيرا إلى أنه ستكون هناك "عواقب مدمرة" بالنسبة لروسيا في حال توفي في السجن المعارض الروسي أليكسي نافالني، الذي أدين في قضية اختلاس أموال قبل عدة سنوات، ودعا بايدن كذلك لإطلاق سراح المستثمر الأمريكي مايكل كالفي المحكوم عليه بالسجن في روسيا، وربط بهذه القضية بمصير الاستثمارات الأمريكية في روسي، وردا على ذلك قال الرئيس بوتين، ردا على سؤال حول "المعارضة غير النظامية في روسيا" وقضية المعارض المعتقل، إنه( أي نافالني) كان علم بأنه انتهك القانون الروسي وأن عليه التسجيل لدى الجهات المعنية كشخص محكوم عليه بالسجن مع وقف التنفيذ، لكنه تجاهل هذا المطلب وغادر روسي، وأشار إلى أن نافالني وصل إلى روسيا من ألمانيا، التي سفر إليها لتلقي العلاج، وهو كان على علم بأنه في قوائم المطلوبين، معربا عن اعتقاده : " أنه أراد أن يكون معتقلا".

كانت الاجتماعات، أقصر من أن تسمح بأي شيء يتجاوز تعداد المطالبات من كلا الجانبين، وأعلان بايدن وبوتين أن الحدث كان ناجحًا، يرجع ذلك أساسًا إلى أنهما كانا قادرين على الالتقاء على الإطلاق في وقت كانت فيه العلاقات بين أكبر قوتين نوويتين في العالم في أدنى مستوياتها منذ الحرب الباردة، وهو ما اجمع عليه المراقبون أيضا، وعلى أنه على الرغم من الخلافات العديدة واستحالة الصداقة الشخصية، ستتمكن موسكو وواشنطن دائمًا من إيجاد لغة مشتركة في حل جميع المشكلات.

 

بقلم الدكتور كريم المظفر

 

طارق الكنانيفي بداية ادراكنا وتحملنا المسؤولية في هذه الحياة جعلتنا نمر بمواقف متعددة ومختلفة وفي كل موقف كانت تتوفر لدينا قناعات ومواقف منها، بحيث كنا نعتقد ان هذه القناعات نهائية وغير قابلة للتغيير مهما مرّ الزمن، ولكننا نكتشف بعد فترة ان مواقفنا السابقة كانت متطرفة وغير صحيحة وقد بُنيت على موقف عاطفي آني ولا يستند الى منطق معقول فنبدأ نراجع مواقفنا من اشخاص واحداث كثيرة فرحنا فيها حيث كانت هي مبعث للحزن واصابنا الحزن الشديد في مواقف معينة ثم ادركنا ان هذه الاحداث لا تعنينا من قريب او من بعيد وهي احداث لا تبعث على الحزن بل العكس. كنت في زيارة الى جمهورية مصر مع رفيقي الأثير حمودي الكناني فذهبنا الى القلعة لزيارة المتحف العسكري وهناك رأيت صور كثيرة للزعماء المصريين ولكن ما لفت انتباهي صورة السادات رحمه الله وقد كتب عليها صانع النصر والسلام والحقيقة هو كذلك، تذكرت حينها مؤتمر بغداد الذي انعقد بشكل طارئ لغرض عزل مصر عن الأمة العربية بسبب زيارة السادات الى اسرائيل، والغريب كنت يومها اشعر بالحزن العميق لهذا الموقف والبغض الشديد لشخص السادات الذي اعتقدت في حينها انه اذل العرب واضاع قضيتهم المركزية، والاعتقاد لا يخلو من صحة، ولكن حين اكتشفت ان الملوك والرؤساء الذين شاركوا في المؤتمر اغلبهم كانوا يرتبطون بعلاقة حميمية مع اسرائيل هم من ادان السادات، وعندما رأيت جلالة الملك حسين وزوجته نور وهما يذرفان الدموع على جنازة اسحق رابين ويصفه بخطابه شقيقي العزيز، ادركت وتيقنت بأني قد ظلمت السادات، الرجل الذي باعه العرب وجعلوه يقف لوحده بمواجهة امريكا في حرب استنزاف جعلت المصريين يعانون ويكابدون الجوع والفقر، وادركت ايضا ان ما فعله هو استعادة الاراضي المصرية المحتلة كالعريش وسيناء التي اضاعها بطل العروبة المرحوم عبد الناصر. وادركت كم كنت مخطئا عندما فرحت باغتياله على يد الاسلامبولي.

لو راجعنا هذه المواقف وتعدادها في حياتنا لوجدناها تمتد على طوال اعمارنا، وسنرى كمية المواقف التي تخلينا عنها، وكم من قناعة تبدلت لدينا، مهما كان هذا الانسان حريصاً بالثبات على مواقفه ولا يظهر انه غيّرها ولكنه في دواخله قد تجاوزها وادرك يقينا انه كان مخطئا او على اقل تقدير يدرك ان موقفه كان نتيجة ردة فعل او موقف عاطفي ليس إلا .

يعتقد الباحثون أن الشخصية تتغير مع ازدياد عمر الفرد، ولكن ذلك يعتمد على تعريف التغيير. هناك نوعان محددان جدا من التغيير يميل الباحثون إلى التركيز عليهما:

التغيير في ترتيب النظام.

والتغيير على المستوى المتوسط.

هناك عوامل وآليات مختلفة تؤدي إلى التغيير في الشخصية. هناك أيضا العديد من الطرق المختلفة لقياس بعض سمات الشخصية التي تميل إلى التغير في حين تميل بعض السمات الأخرى إلى الاستقرار. وهنا اقصد الاستقرار النسبي وليس المطلق .

هناك العديد من التغييرات التي تطرأ على الشخصية وتؤدي بدورها الى تغيير المواقف منها تغييرات بايولوجية منها البلوغ او ولادة الطفل الأول عند المرأة ومنها تغييرات اجتماعية او سياسية، وكذلك الاحداث الغير متوقعة تؤدي الى ابراز الصفات الموجودة بالفعل لدى الفرد .وكذلك السياق التاريخي للعمر هو كفيل بتغيير قناعات كثيرة . لنعد الى التجربة الشخصية على الصعيد المحلي، لدينا في العراق عدة تجارب وليكن نموذج التجربة عاما وليس خاصا، فمثلا عملية دخول الكويت واحتلاله، قوبلت هذه العملية من اغلب افراد المجتمع العراقي بالترحاب في بداية الأمر، ولكن سرعان ما تغيرت هذه المواقف عندما ادرك العراقيون حجم الكارثة الحقيقية، وهم بعد انتهاء المعركة وقيام الحلفاء بتحرير الكويت تغير الموقف الجمعي العراقي تجاه الحاكم فكان هناك تمرد وثورة عارمة ضد النظام وقد كلفت هذه الثورة المجتمع العراقي وبالأخص الوسط والجنوب اكثر من خمسمائة الف ضحية على يد قوات النظام، وبدأ المجتمع في هذه الرقعة الجغرافية يتوق لتغيير النظام للتخلص من هيمنة الحزب الحاكم ودكتاتورية النظام، ففرح الكثير منهم بالاحتلال واطلقوا عليه اسم تحرير، ولم يدركوا ان كيان الدولة التي اظلتهم قد انتهى، ولكنهم بعد مرور اعوام على ذلك ادركوا هذه الحقيقة وهذا التغيير، فأصبح الحنين الى ظل الدولة حتى وان كانت بقيادة الدكتاتور نفسه حلم بعيد المنال، وتجسدت هذه المواقف بالتظاهرات الرافضة لنظام الحكم والطبقة السياسية. من خلال هذه التجربة نجد ان القناعات قد تغيرت عدة مرات والذين غضبوا عند احتلال الكويت غيروا قناعاتهم الان بعدما ادركوا الدور الخبيث الذي لعبته هذه الدويلة في تدمير العراق .فالاتجاهات والمواقف هي معتقدات وسلوكيات مرتبطة بشيء ما. كما أنها غير مستقرة وغير ثابتة، وبسبب الاتصال والتواصل ومشاهدة سلوكيات أشخاص آخرين، فإنها عرضة للتغيير بفعل التأثيرات الاجتماعية، وكذلك بدافع الفرد للحفاظ على الاتساق المعرفي عندما يحدث التنافر المعرفي حينما يحدث تصادم بين موقفين أو موقف وسلوك. المواقف هي اقترانات من المكونات العاطفية والمعرفية. ويمكن الاقتراح: بأنه يمكن تغيير التكوين الهيكلي للشبكة الترابطية بتفعيل عقدة واحدة. وعلى هذا، فمن خلال تفعيل عقدة عاطفية أو معرفية، فإن تغيير الموقف قد يكون ممكنا. وفي العربية، مَنْ يغير آراءه يقال له “أبو البَدَوات”، أي هو يغير رأيه كلما بدا له شيء جديد. وفي الفقه يسمى البداء ففي قوله تعالى : ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35) سورة يوسف ……..

 

طارق الكناني

 

كاظم الموسويبعد كل عدوان سافر، وبعد كل جرائم حرب وضد الإنسانية وإبادة جماعية، تحاول الإدارة الأمريكية الاعلان عن تشكيل لجان تحقيق دولية، عبر المنظمات الاممية، كالأمم المتحدة او توابعها، مثل مفوضية حقوق الإنسان التابعة لها، وغيرها.. وتسعى في الوقت نفسه إلى تنشيط علاقاتها الدبلوماسية في محاولات الالتفاف على النتائج والوقائع والمجازر الوحشية التي ارتكبت من الأطراف المدعومة من الإدارة الامريكية، بوكالة عنها، او التي هي السباقة إليها، مع استغلال العدوان وجرائمه لفرض سياساتها الإمبريالية من شباك اخر، بعد طردها من باب المنطقة المبتلية بجرائمها المعروفة بها واختراقاتها للقانون الدولي وانتهاكاتها الصارخة لحقوق الإنسان والمواثيق والأعراف الدولية. وأصبح أمرا معلوما أن أغلب المنظمات الدولية ومنها الأمم المتحدة أصبحت بشكل أو آخر تابعة لدائرة من دوائر وزارة الخارجية الأمريكية أو واجهة لأعمال مخططة من أجهزة الإدارة الأمريكية الاخرى، وهو ما يعني ان ما يصدر عنها، لاسيما في العقود الاخيرة، لا يكون الا في إطار المخططات الإمبريالية وسياسات الهيمنة والسيطرة وانتهاك القانون الدولي والمعاهدات الدولية، في الاعم الاغلب. وهذا الأمر أصبح موضوع تهكم على قرارات تلك اللجان والمنظمات وعلى الصمت الذي يصاحبها من جهات أو أطراف فاعلة أخرى في المجتمع الدولي، ويعطي انطباعات سلبية عن فهم العلاقات الدولية أو العدالة الإنسانية عموما.

اخر ما عرف عن تشكيل لجنة تحقيق دولية عن جرائم الكيان الإسرائيلي الأخيرة في عدوانه الأخير على قطاع غزة، والتي تمت بصعوبات عديدة قبل الاتفاق والتصويت عليها، وهي ليست الأولى، والخوف عليها مطروح  قبل بدئها، كما يتوقع لها أو ما تنتهي إليه. وسبقتها لجان تحقيق واصدرت تقارير ختامية وحددت الجرائم التي ارتكبت ودعت إلى محاكمة المجرمين واخذت مجالا لها في بعض الاعلام أو بعض الدوائر المنكوبة، ومن ثم رفعت الى الرفوف اذا لم تدفن في سراديب الملفات والتحقيقات والإدارات وامثالها دون أية إجراءات أو محاكمات أو اعلانات واضحة بادانات قانونية مثبتة، كي يمكن العودة إليها في زمن اخر، أو تبقى على الأقل في حكم الإقرار والقبول حتى يأتي لوقت الضمير الإنساني عهد أو فرصة ما له.

وقبل اعلان تشكيل لجنة التحقيق هذه هوجمت من قبل مسؤولين صهاينة، أمريكيين  واسرائيليين، ومتخادمين معهم. وكالعادة حصلت مناوشات خطابية ومساع لحرف توجهاتها أو تمرير مسالتها دون قرار ملزم لها. وقد جرى ذلك في الاجتماع الاستثنائي الذي عقده مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، لبحث تشكيل "لجنة تحقيق دولية حول المعركة بين الاحتلال الإسرائيلي والفلسطينيين". كما سمته وثائقه.

أعلنت الأمم المتحدة في 20 أيار/مايو الماضي في بيان أن الدول ستبحث خلال الاجتماع في "وضع حقوق الإنسان الخطر" في الأراضي الفلسطينية المحتلة بما في ذلك في القدس الشرقية، وفي إسرائيل.(!). وطلب مشروع القرار أن تنظر اللجنة في "كل الانتهاكات المفترضة للقانون الإنساني الدولي وكل الانتهاكات والتجاوزات المفترضة للقانون الدولي لحقوق الإنسان" التي أدت إلى المعركة الأخيرة بين "إسرائيل" والفلسطينيين.(!). ويتركز التحقيق على "إثبات الوقائع" و"جمع الأدلة على هذه الانتهاكات والتجاوزات وتحليلها" و"تحديد المسؤولين قدر الإمكان بهدف التأكد من أن مرتكبي الانتهاكات يخضعون للمحاسبة". حيث ورد في النص أن "إفلاتا منهجيا من العقاب (...) قوّض جميع الجهود من أجل التوصل إلى حل عادل وسلمي".

اعلن في الختام عن قرار تشكيل اللجنة، بعد تصويت المجلس،  بتأييد 24 دولة ومعارضة 9 وامتناع 14، ونص الاعلان: بناء على طلب السلطة الفلسطينية وباكستان بوصفها منسقا لمنظمة التعاون الإسلامي- لصالح تشكيل لجنة دولية مستقلة للتحقيق فى الانتهاكات للقانون الإنساني وللقانون الدولي في الأراضي الفلسطينية خلال العدوان الأخير  على قطاع غزة منذ نيسان/ ابريل الماضي.

ورغم التصويت الإيجابي وصدور القرار بتشكيل اللجنة بما يتعلق بالقضية الفلسطينية، تبقى الخشية قائمة مما بعد القرار، وهو الأمر الأساس في مثل هذه اللجان وظروفها والقوى المؤثرة فيها. فالتجربة لا تخبر كثيرا مهما كانت النتائج وتتطلب لمثل هذا القرار والمواقف المصاحبة له ضرورة المتابعة والإصرار  على تنفيذه.

بالتاكيد رحبت الأطراف الداعية والتي صوتت لقرار تشكيل اللجنة، كتعبير عن موقف المجتمع الدولي واصراره على المضي قدما فى مسار المساءلة والمحاسبة وتنفيذ القانون وحماية حقوق الإنسان الفلسطيني. ورأت وزارة الخارجية الفلسطينية، "أن الدول التى لم تدعم القرار أقلية غير أخلاقية تقف على الجانب الخاطئ من التاريخ، وتكيل بمكيالين، وتنافق وتدعي التزامها بحقوق الإنسان، وتنحاز لجرائم الكيان إلاسرائيلي وتشجعه"، وتزوده بمعداتها، حتى المحرمة منها.

 وكانت رئيسة مجلس حقوق الإنسان التابع للامم المتحدة ميشيل باشليه قد قالت: "إن الضربات الإسرائيلية على قطاع غزة ترقى إلى جريمة حرب"، واعترفت في كلمتها بما حصل على الأرض. وأوضحت باشيليه، أنه إذا تبين أن هذه الهجمات استهدفت بطريقة عشوائية وغير متناسبة مدنيين، وأهدافا مدنية، فإنها قد تشكل جرائم حرب". وأضافت باشيليه، أن استهداف المدنيين وتدمير البنية التحتية يثير القلق، ويشير إلى أن "إسرائيل" لم تراع التناسبية، ومثل هذه الأعمال تعد جريمة حرب وانتهاكا للقانون الدولي. وأكملت «لم نر دليلا فى هذا الصدد على أن المباني المدمرة فى غزة كانت أهدافا لحركة حماس». كما ادعت الآلة الحربية الصهيونية، بينما فضحت الوقائع على الأرض مواقف المسؤولين عن جرائم العدوان والحرب والدمار والإبادة، وكشفتها الصور ووسائل الإعلام المباشر.

 أكد المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان أن كيان إسرائيل استخدم مئات الأطنان من القنابل شديدة الانفجار فى هجماته الأخيرة على قطاع غزة، دون اعتبار لسلامة المدنيين فى القطاع الذى يعد من أكثر الأماكن اكتظاظا وكثافة سكانية فى العالم. وحذرت تصريحات لوزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، من تحول كيان إسرائيل إلى نظام فصل عنصري على غرار النظام السابق فى جنوب إفريقيا إذا استمر الاحتلال الإسرائيلي.

قرار تشكيل لجنة تحقيق دولية وكتابات وتصريحات مسؤولين غربيين عن وحشية الكيان وانتهاكاته للقانون الدولي وعن عنصريته وجرائمه، وبالرغم من كل محاولاته ضدها، تصب في خدمة القضية الفلسطينية الآن ولا بدّ من التأكيد عليها ومتابعتها حتى تحقيق أهدافها.

 

كاظم الموسوي

 

 

رائد الهاشميبدات أسعار النفط العالمية في الأشهر الماضية تتعافى تدريجياً وتستمر بالصعود حتى وصلت في اليومين الماضيين الى حوالي 72,41 دولاراً للبرميل لخام برنت و70,24 دولاراً لخام غرب تكساس, ولقد جاء هذا الصعود طبيعياً بعد فترة ركود كبيرة شهدتها أسواق النفط العالمية بسبب جائحة كورونا وما خلفته من ركود في الاقتصاد العالمي وقلة في الطلب على النفط , وحسب المؤشرات الاقتصادية لمراكز الدراسات المختصة وإدارة معلومات الطاقة الأمريكية فان الأسعار ستستمر بالصعود في الفترة القادمة خلال هذا العام مع بقاء توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط ثابتة إلى حد كبير وقد جاءت التوقعات بصعود الأسعار لعدة أسباب منها أنه سيكون هناك  انخفاضاً في مخزونات النفط العالمية في النصف الثاني من عام 2021، مما يعزز التوقعات بانتعاش يقوده الطلب والسبب المهم الآخر هو التخفيف في إجراءات الحظر بسبب جائحة كورونا والتي بدأت الكثير من الدول اتباعها وخاصة في إجراءات السفر والأمور الاقتصادية الأخرى مما سيساهم في ارتفاع أسعار النفط العالمية خلال الفترة القادمة.

من خلال ذلك وبقراءة بسيطة لموازنة العراق لعام 2021 والتي تم إقرارها مؤخراً والتي تضمنت إجمالي نفقات بلغ 129 تريليون دينار (نحو 88 مليار دولار), فيما سجلت عجزا قدره 28 تريليونا (نحو 19 مليار دولار) حيث تم احتساب الإيرادات المخمنة من تصدير النفط الخام على أساس معدل سعر للبرميل 45 دولارا، ومعدل تصدير قدره 3,250 مليون برميل يوميا.

ومن حقنا كشعب عراقي أن نحاسب الحكومة والبرلمان على فرق السعرين حيث لايخفى على أحد الفرق الشاسع بين السعر الذي تم اعتماده لسعر برميل النفط في الموازنة والسعر الحقيقي الذي وصل اليه وهو فارق كبير جداً والايرادات التي تحققت وستتحقق في الأشهر القادمة كبيرة جداً ولايمكن السكوت عنها وهي فرصة كبيرة أن تتحسن فيها حالة المواطن العراقي الذي يعاني دائماً من نقص هائل في الخدمات الأساسية في حياته اليومية ويعاني من بطالة كبيرة ونقص في القدرة الشرائية ويعجز عن تلبية ابسط الحاجات الأساسية له ولعائلته,وهو الأحق في أن يحصد النتائج الحقيقة لهذا الفرق الكبير بين السعرين.

الحكومة مطالبة في هذا الظرف أن تستشعر دورها الحقيقي أمام شعبها وأن تحافظ على هذه الأموال من السرقة والفساد الذي استشرى بشكل مخيف في جميع مفاصل الدولة وأن تضرب بيد من حديد على كل يد تحاول أن تمتد لهذه الأموال الخاصة بالشعب وأن تحميها من التلاعب والتسرب الى الدعايات الانتخابية للكتل السياسية التي تتحكم بمقدرات البلد واقتصاده ,وعليها أن تسارع لاستثمار هذه الأموال الكبيرة في خدمة المواطن سواء بتحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية والتي تعاني من نقص كبير أو من خلال تحسين مفردات البطاقة التموينية وكذلك من خلال النهوض بالواقع الصناعي والزراعي في البلد والذي يشهد تدهوراً كبيراً لم يشهده طوال تأريخ العراق, وفي اعتقادي ان النهوض بهذين القطاعين هو الأهم لأنه سيحقق نمواً ملحوظاً في الاقتصاد العراقي وسيوفر الآلاف من فرص العمل لشبابنا العاطلين وسيوفر علينا ملايين الدولارات التي تنفق على استيراد البضائع من الخارج, وكذلك على الحكومة العمل على مساعدة القطاع الخاص بشكل فعلي في المشاركة بالنهوض بالقطاع الصناعي والزراعي وإعادة صناعتنا المحلية الرائدة الى عهدها الذهبي لكي ينهض اقتصادنا المنهك بشكل ملحوظ وينتعش ولكي يجني المواطن المسكين جزء من ثمار هذا الانتعاش في حياته اليومية وهو حق مشروع لكي يعوض جزء بسيط من الكم الهائل من المعاناة والآلام التي يعانيها طوال عقود طويلة من الزمن والذي حصل بسبب سوء الأداء الحكومي, فهل ستقوم حكومتنا بما مطلوب منها ؟ وهل ستؤدي دورها الوطني المطلوب؟ وهل ستعمل لخدمة المواطن العراقي .والاجابة على هذه التساؤلات متروك للأشهر القادمة,ولو انني شخصياً أملي ضعيف بذلك.

 

رائد الهاشمي

باحث وخبير اقتصادي

 

قاسم حسين صالحيعدّ الأسلام بداية تحولات كبرى في العالم العربي الذي كان موزعا بين دولتي الروم والفرس، لكنه شهد حروبا وصراعات منذ نشأته، ففي عهده الراشدي الأول.. انتهت حياة ثلاثة منهم بالقتل (عمر، عثمان، علي).. وانتهى الصراع المسلح على السلطة بمبادرة من الحسن بن علي الذي تولى الخلافة بعد والده، ثم تنازل لمعاوية، ليتولى الأمويون الحكم تسعين عاما حكم فيه (14) خليفة بدأت بمعاوية (حكم 21سنة) وانتهت بمقتل مروان الثاني. وفي العهد العباسي بعصره الأول مات معظم خلفائه الأحد عشر قتلا بضمنهم المتوكل الذي قتله ابنه!. وقتل الكثير من قادة الأمويين وأنصارهم، فيما قتل معظم خلفاء العصر الثاني التسعة والعشرين، آخرهم المتوكل الذي قتله المغول.اما آخر الخلافات في الأسلام (الدولة العثمانية) فقد كان الحكم فيها وراثيا في خط الأبناء، ويطبّق فيها حالة غريبة إذ كان يقتل جميع إخوان السلطان أو يسجنون في أقفاص في القصر حتى يموتوا أو يخرج أحدهم من القفص ليصبح سلطانا إذا دعت الحاجة لذلك.. واستمرت إلى عام 1924م ليقام بدلا عنها النظام الجمهوري العلماني، ويجري تقسيم العالم العربي الى دول:

المغرب التي حكمها الأدارسة وقضى عليهم امويو الأندلس، ومصر وسوريا التي حكمها الطولونيون، والجزيرة التي حكمها الحمدانيون الذين اعتنقوا المذهب الشيعي ودخلوا بمعارك مع البويهيين ثم مع البيزنطيين، والفاطميون في مصر الذين اطاحوا بحكم الأغالبة ثم الأدارسة، وتعاونوا مع البيزنطيين لمواجهة السلاجقة، ثم انقسموا الى طائفتين، لتنتهي دولتهم على يد صلاح الدين الأيوبي، واخيرا وسط العراق الذي حكمه المزيديون الذين ينتمون لقبيلة بني اسد العربية التي تعتز بمذهبها الشيعي ودخلوا بسلسلة من التحالفات والصراعات مع العقيليين والفاطميين والسلاجقة.

ان الاسلام لم يوص بنظام سياسي معين للحكومة، ولم ترد "الحكومة" في العقائد الاسلامية، ولا يوجد دليل على ان الحكومة هي حكم من احكام الدين كما جاء في الصلاة والزكاة، وانه كان في جوهره..  يعتمد أهم مبدأ في الديمقراطية.. (العدالة الأجتماعية)، فيما واقع تاريخ الحكام في الاسلام يشير الى ان السلطات التي توالت على الحكم (الأموية والعباسية والعثمانية) انتجت قائمة طويلة من حكام طغاة، قتلة، قساة، وسفهاء، وفاسقين يشعرون بالدونية، ولم تنتج (السلطة في الاسلام) حكاّما قدوة الا الندرة، نخّص منهم:

- عمر بن الخطاب، صاحب مقولة: (لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله تعالى عنها لما لم تمهد لها الطريق ياعمر؟)، والذي التزم المساواة في الشريعة والعدل بين الرعية.

- علي بن ابي طالب ، صاحب مقولة: (الناس صنفان اما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق)، والمؤتمن على مال المسلمين والذي كان يلبس لباس الفقراء ويأكل اكلهم.

-  عمر بن عبد العزيز، المحب للعلم والعلماء الذي اعاد للعلويين حقوقهم والمؤتمن على مال المسلمين ايضا، ولك ان تستشهد بحكاية عمته التي جاءت اليه تطلب زيادة على راتبها من مال المسلمين فوجدته يأكل عدسا وبصلا.

والذي حدث ان عمر وعليّا.. قتلا، ومات عمر بن عبد العزيز بالسم ولم يكمل في الحكم سنتين ونصف.. ما يعني أن الحاكم النزيه في تاريخنا الاسلامي.. يقتل، حتى في العصر الحديث للديمقراطية.. ولكم في عبد الكريم قاسم مثالا!.

والمفارقة، أن الغالبية المطلقة من الحكام في تاريخ الاسلام لم يلتزموا بتطبيق القيم الأخلاقية المنصوص عليها في القرآن، بل ان السلطة اضطرتهم، أو هم اضطروها، الى استخدام مبدأ " ميكافيللي" في التحرر من أي قيد اخلاقي او ديني بما فيها ان ينكث عهدا او اتفاقا ان كان فيه مصلحته.. ولك في مواثيق الشرف بين قادة احزاب اسلامية في العراق.. مثالا!.

ومع أن الايمان في صحيح الاسلام هو قرار اختياري، وتقديس المعتقد وتقديس الآخر اختياري ايضا، فأن الحكاّم ما كانوا يسمحون للفرد ممارسة حقه في هذا الاختيار.. بل أنهم يضطهدون من يطالب بهذا الأختيار، أبشعها ما ارتكبه حكّام العراق (الأسلاميون!) الذين تعاملوا مع متظاهري انتفاضة تشرين وكأنهم غزاة اعداء فقتلوا المئات من الشباب وجرحوا الآلاف.

والأخطر، أن هؤلاء الحكّام مستعدون لمواصلة المشوار في الانتخابات المقبلة، لأن ميكافيللي الشرير صار نبيهم الذي علمهم أن على الحاكم ان يجمع بين خداع الثعلب ومكر الذئب وضراوة الاسد، وان لا يخجل في اختيار اي اسلوب مهما تدنى ليبقى في الحكم الى ما شاء الله. اما ما يقوله الاسلام فهو عنده مكانه الفضائيات، مستلهما تعاليم ميكافيللي بأن يظهر لهم كم هو ملتزم بالأسلام (لتعطي شعبك الانطباع بانك رحيم، نزيه، انساني، مستقيم، ومتدين)، وضامرا حقيقة ثمينة اهداها له ميكافيللي بأن (الناس متقلبون، مراؤون، شديدو الطمع.. وانهم سيمجدونك حين تكون مرهوب الجانب شديد العقاب!).

الله عليك ياميكافيللي..  كيف تنبأت أن ما قلته في ايطاليا قبل خمسمئة سنة تحقق الآن في العراق!

 

أ. د. قاسم حسين صالح

 

يحيى علوانوهل هناك إمكانية فعلية للتغيير في عراق اليوم؟!

سؤالٌ أطرحه على نفسي قبل غيري من المهتمين بالشأن العام .. فإذا كان الجواب إيجاباً،

ما هي مقومات التغيير؟ ومن هي حوامل التغيير الفعلي؟

" ليس هناك أسئلةٌ حمقاء، بل أجوبة حمقاء !"قولٌ / أفوريزم لأوسكار وايلد، وكان يريد به - كما أحسَب - أنَّ التطامُنَ مع الواقع لا يُنتجُ أسئلةً قد تُفضي إلى تغييرٍ إنعتاقي، يقود نحو الأفضل، بل إلى ركوده وتأبيده(الواقع). بمعنىً آخر، هي دعوةٌ إلى إعمال "العقل"، مقابل خُمول "النقل" / المُسلّمات . وهو ما فعلَته المُعتزَلة وشيخها الألثغ واصل بن عطاء، التي نادت بإعمال العقل دون النقل . ففي ذلك ما يتصل بحياة الناس السياسية والإجتماعية . بعبارة أخرى، يمكننا القولُ أنَّ ما من شيءٍ يستعصي على المساءلة والتحرّي عن حقيقته وبالتالي مشروعيته وفقاً للممارسة والخبرات الإنسانية المتراكمة ..إلخ

عليه فأن هذه المادة ليست تَفَكُّهاً نظرياً أو لغوياً، كما قد يتراءى لقاريءٍ عجول ! بل إنها عينُ الجدِّ،تستحثُّ الغيارى على العراق وأهله للتأمُّلِ في ما يجري، بغية "توصيفه" أولاً، ومن ثمَّ محاولة التوصل، إلى حل للأزمة الشاملة، التي تطحنُ العباد والبلاد، دون أنْ يلوحَ في الأفق المنظور مخرجٌ عمليٌّ لها ...

وقبل "إجتراح" الحل المُرتجى لا بدَّ من توصيف الحال الجاري منذ الإحتلال عام 2003 !

إنها محاولة للإفصاح عما تفكر به جمهرة من الناس، قد لا تكون كبيرة – وهو أمرٌ لا يُقلِّلُ من شأنها ولا من قيمة ما تفكّرُ به، ذلك أنَّ الفيصل في الأمر، هنا، ليست الأرقام العددية.. - لكنها (الجمهرة إيّاها) تتردّد في المجاهرة به، لأنه قد لا يتماشى مع كليشيهات الخطاب السياسي المعهود ! في بَلَدٌ جرى تطيّيفه، يَتَعنصرُ (من عنصرية) حُكّامه ليس لديانةٍ ، بل لمذهب واحدٍ أحد، بلَدٌ ما عادَ بحاجة لمثقفين، مفكرين وعلماء وباحثين ..! ذلك أن الحقيقة "المُطلقة!" موجودة في "كتابٍ" واحد ..!! وبالتالي تنتفي الحاجة إلى أي سؤال عندما تكون الإجابة جاهزة وحاضرة – يقين - !! عليه فإنَّ المستقبل مرفوضٌ لصالح إعادة إستنساخ سَلَفية الماضي الديني/ المذهبي .. بَلَدٌ يُشرعَنُ فيه الشرَّ، التمييز والقتلَ والإختطاف والتعذيب والترويع، ناهيكم عن نهب ماله بتخريجة "فقهية" على أنه مال لا صاحب له يجوز التصرف به/ إقرأ نهبه / ويصبح حلالاً بعد دفع الخُمس ..إلخ، بَلَدٌ يوجعِكَ العيشُ فيه، لأنه لا يوفر لك فيه عيشاً آمنا، بلدٌ يتستّرُ على اللصوص النَهّابينَ والقَتَلَة، ليبرهنَ على إمكانية تعدُّدِ الجُناة، وبالتالي إستحالة التعرّف والإمساك بفاعل عينيٍّ ..، وإنْ إستلزم الأمر - كما في حالة قاسم مصلح مؤخراً - لا يخجل الحاكمون من توضيف القضاء لحماية المتهم بالقتل العمد، بلدُ صادر حُكّامه ومشغّلوهم، في الخارج، كل شيءٍ ولم يُبقوا للناس إلاّ الفُقرَ والتديُّن والخرافة والخنوع ..!!

بلدٌ يحتاج جهداً سيزيفياً وعملاً تراكمياً بطيئاً لإنشاء وعي إجتماعي جديد ومتماسك ..!

***

لقد أَلِفَتْ الناس وتداولت مصطلح " النضال من أجل التحرر الوطني " خلال مرحلة الإستعمار بصيغته القديمة، حين كانت حفنة من الدول الإستعمارية تحتل وتُسيطر على العديد من بلدان العالم ... وإستمرَّ ذلك الحال حتى تَفتُّتِ الكولونياليات في القرن الماضي . فلم يبقَ من ذلك النظام الإستعماري ومستعمراته سوى نظام الأبارثيد العنصري بجنوب إفريقيا، الذي أزيلَ في مطلع التسعينات من القرن المنصرم، وإسرائيل التي تختلف عن سواها من أشكال الإستعمار، كونها إستعمار إستيطاني يقومُ على إلغاء ونفي و"تطهير" البلاد من اهلها .. إذْ يكمن الخلاف في أنَّ الإستعمار التقليدي قام على إحتلال بلدٍ ما لنهب ثرواته وإستعباد سكانه ليخدموا مصالح المستعمر، فإنَّ الشكل الإسرائيلي يقوم على إلغاء الآخر / الفلسطيني، تماماً كما جرى للسكان الأصليين في إستراليا وامريكا ... لقد إنتهى الإستعمار المباشر نتيجة للتغيرات الإقتصادية والجيو - سياسية التي أصابت العالم إثر الحربين العالميتين وظهور قطب منافس للغرب تمثَّل بقيام ثورة أكتوبر في روسيا، مما ألهب نضال الشعوب من أجل التحرر من ربقة السيطرة الإستعمارية ... إلخ

قد يقولُ قائلٌ " أن توصيف حالنا اليوم بمرحلة "تحرّرٍ وطني" فيه مغالاةٌ وإبخاسٌ لما جرى في البلاد منذ ثورة 14 تموز / يوليو 1958 .." سأقول وأحاول البرهنة على ما أَدّعي، وفق منظوري الشخصي، الذي لا يُلغي إمكانية التفكُّرِ وحتى النقض في سجالٍ فكري – ثقافي بهدف التكامل مع رؤىً وإجتهادات أخرى على أسسٍ علمية .

***

"..عُدنا والعَوْدُ أسوأُ !"، [مع الإعتذار من إبن المُعتز والأخطل !]

إذا كان توصيف الحال آنذاك بـ" مرحلة النضال من أجل التحرّر الوطني" حين كان العهد الملكي تابعاً ومرتهناً للمستعمر البريطاني، ويشكل،عضوياً، أداةً من أدواته السياسية والإقتصادية والعسكرية في المنطقة والعالم، فأنه أبقى على هوامش إجرائية سياسية وإقتصادية - إجتماعية وغيرها، بغية الحيلولة دون تفاقم الأوضاع وإنفجارها دفعة واحدة، مما يُهدِّدُ بفقدان السيطرة عليها .. فإنَّ عهد ما بعد 2003 قد جاء بما هو أسوأ !

إذ لم يقم النظام الحالي، بعد 18 عاما، بعشر معشار من بناء وخدمات قام بها النظام الملكي!

ذلك أنَّ ما أُقيم على أنقاض نظام البعث، جاءَ محمولاً على أكتاف/ دبابات اليانكي المُحتل وبمباركة وتأييد من قِبَلِ "آيات الله" و"حرّاسُ الثورة"في الجارة اللدودة شرقاً ! ذلك أنَّ نظام البعث الدكتاتوري بأرهابه وبسياساته الهوجاء والإستبدادية، على مدى عقود، أفقرَ وأنهك المجتمع سياسياً وفكرياً وحتى أخلاقياً، مما أَفضى إلى أنْ يكونَ "التديُّن" سياسة بديلة في ضوء خلوِّ الساحة من بديلٍ سياسي نتيجة للإرهاب والحروب العبثية . وجاء الحصار الظالم لمدة 13 عاما وتجويع الناس ليكمل ما فعله نظام صدام ... في حين لو توفرت سياسة عقلانية مستدامة، لأمكن للقوى العلمانية والديمقراطية المتحررة من ربقة الغيب والخرافة، على عِلاّتها، أن تكون بديلاً للبرنامج "الإسلاموي"، الذي لم يولِّد إلاّ الخراب، بمعناه الأشمل، والخيبة . ذلك أنَّ مجتمعنا ليس محكوماً بأن لا يُنتجَ إلاّ سياساتٍ دكتاتورية خرقاء أو إسلاموية منغلقة طافحة بالغِلوّ ...

هكذا جرى الحال عندنا بعد إسقاط نظام البعث، مثلما جرى بُعَيدَ الثورة الإيرانية حين إختطف الملالي الثورة ونكّلوا بالقوى الديمقراطية والعلمانية، وأمعنوا في تصفية منافسيهم فإستفردوا بالسلطة وأقاموا نظامهم الثيوقراطي المتخلف رغم أنف الجميع ! وهو ما أسالَ لُعابَهم للتمدُّد ونقل نموذجهم البائس إلى دولٍ أخرى وتوسيع رقعة نفوذهم، سعياً وراء حلم إستعادة "الإمبراطورية الفارسية " بغطاء مذهبي ...!

وعلى الضد مما إتبعه النظام الملكي، ومن ورائه الإستعمار البريطاني وهذا ليس إمتداحاً أو نوستالجيا وحنيناً لذلك العهد!]، إزدرى الحُكام الجدُد، تحت ناظر المحتل الأمريكي، الدولة بمؤسساتها بعد حل الجيش والقوات المسلحة وجرى تهميشها ومسخها لصالح "دولةٍ عميقة" تتحكّم برقاب المجتمع وما تبقّى "وشلةً" من مؤسسات، كان يمكن لها أن تكون وسيطاً بين الدولة والمجتمع، لرعاية "عقد إجتماعي جديد" فاعل لتنظيم الحياة السياسية والإجتماعية والقانونية والثقافية في البلاد ! فراحت(الدولة العميقة) تُسيّر كل أمور البلاد خارج القوانين، وإعتمدت في ذلك على أذرعها الميليشياوية المسلحة وتجييش الطائفية - التحاصصية إستراتيجيةً للهيمنة المطلقة من خلال عناصرها وإختراق كل المؤسسات والأجهزة . فالنظام الحالي لا يعترف بالدولة ولا بـ"الوطنية" و"المواطنة"، لأنه يؤمن بـ "الأمة" بديلاً عن الدولة ككيانٍ ضابطٍ لحركة المجتمع، لأنه (النظام) يريد العودة إلى " الماضي" يستنبط منه حلولاً لتسيير الحاضر وصياغته بما يتّفقُ ورؤاه .. وبالتالي فهو يسخَرُ من الحاضر والمستقبل معاً لصالح إعادة إنتاج الماضي وتأبيده في حاضرٍ مختلف تماماً عمّا كان قبل 1500 عام ... فالإسلامويون، بكل مذاهبهم، لا يعملون من أجل الديمقراطية والمساواة مع غيرهم – بل يستغلونها شعاراً يطوونَ رايته حال وثوبهم للسلطة (إيران، أفغانستان، السودان، مصر، تونس جزئياً ..) - بل يستبطنون نزوعاً نحو السيطرة والإستبداد . وهو إستمرارٌ لنهج "الفتوحات" وتحكيم شَرعهم الفئوي/ المذهبي .. وبذلك فأنهم لا يعملون ليكونوا قوة سياسية كحال الآخرين في مجتمع متعدد المشارب السياسية والمذاهب والأقوام والأديان والثقافات .. وهو دليلٌ على أنهم لم يُجروا قطيعة مع مخيلة فصامية / إمبراطورية تقوم على "فتح البلدان" من أجل توسيع رقعة الإسلام ..كذا"

* [إنْ إستطعتَ إقناع ذبابة بأنَّ الزهرة أفضل من القمامة، حينها تستطيعَ

إقناعَ "ولائي"بأنَّ حبَّ الوطن أثمن من أنْ يكون أجيراً للأجنبي !!]

لقد تم تغييب، بل إلغاء إمكانية نشر العلم وفهم العالم على أساس علمي وتطوير الحياة الثقافية المدنية ... حتى غدا أي تساؤل منطقي نقدي من "المحرمات"! مما أفضى، إلى جانب إفقار شرائح واسعة من الشعب، وأدى إلى إنتشار الجهل والغيب والخرافة، بل حتى الشعوذة وإنعاش وتغذية طقوس أشبه بالطوطمية ...إلخ في مسعىً لمحاربة التغيير صوب مستقبل إنسانيٍّ .. وبذلك غدت الطائفية شكلاً معتمداً للصراع الإجتماعي ولإلغاء المواطنة .

لا نغالي إن قلنا أنَّ النظام الحالي فاقد للمصداقية الوطنية . إنه نظام "أستزلامي" تابع لولاية الفقيه الإيراني، لاعبوه نكرات تسيّدَوا المشهد السياسي، إستباحوا الدولة ومؤسساتها، أمعنوا بنهب البلاد

وهدروا ثرواتها لصالح "الغير"، ويواصلون محاربة مَنْ لا يوافق هواهم السياسي والمذهبي .

*[يساورني"حدس" أن الإنتخابات القادمة ستدفع نحو بقعة ضوء صغيرة، بعد أنْ أنهكتنا العتمة، بتشكيل تحالف إجتماعي واسع من أجل "التحرر الوطني" بهدف تحرير العراق من النظام الإستبدادي وتبعيته المقيتة للمحتل الإيراني والأمريكي، وبناء دولة المواطنة الحقّة بإلغاء "الزبائنية" القائمة على الفساد وتحاصص، ليس أجهزة الدولة حسب .. بل كذلك تحاصص حتى المحافظات والوحدات الإدارية ..إلخ]

ما دام العراق محاطاً بدول لا تكنُّ أنظمتها وِدّاً له، ولها فيه مصالح وأطماع إمبراطورية (تركيا وإيران) وأخرى لا تريد له أن يكون سيداً على مقدراته وثرواته .. نقول ما دام الوضع بهذا التوصيف، ولا يمكن تغيير الجغرافيا بإستيراد جيرانٍ آخرين !! لا بدَّ من تركيز النضال الشعبي بإتجاهين أساسييّن، ضد الطغيان الإسلاموي وضد المستعمرين الأجانب، أيَّاً كانت جنسياتهم وتصفية قواعدهم العسكرية والإستخبارية تمهيداً لبسط سيادة الدولة على كامل التراب الوطني . وهذا ما يستلزم إقامة جبهة عريضة تضم كل القوى الوطنية المنظمة في أحزابٍ أو غير منظمة .. شخصياتٍ وهيئات وفاعليات ومثقفين ينبغي أنْ تكون مشاركتها أساسية في صياغة برنامج للتحرر الوطني . مثل هذا البرنامج تحتاجه البلاد .. إذ تتشارك فيه هذه القوى في الكثير من الأهداف، وفي المقدمة منها دولة مواطنة مدنية .

على أنه يجب عدم إغفال حقيقة أنَّ هناك تناقضات وتقاطعات ثانوية تظل قائمة بين هذه القوى، مما يستلزم تأجيلها لصالح التناقض الأرأس بين الشعب والطغم الحاكمة من جهة، ومع المحتل الأجنبي من جهة أخرى، في سبيل بناء الدولة ومؤسساتها لتكون ضابطاً للخلافات بين مكونات الشعب لصالح وحدته وسيادته الوطنية، فوق المكونات والتشكيلات ما دون الوطنية، فتظل الفوارق والإختلافات مؤطّرة ضمن وحدة واحدة هي حركة التحرر الوطني .

*[الدولة المدنية ومؤسساتها كيانٌ لا دين له، وظيفته تنظيم وإدارة شؤون المجتمع سياسياً وإجتماعياً وإدارياً وثقافياً على أسس علمية، وتقف على مسافة واحدة من كل أفراد المجتمع بغض النظر عن الهويات الفرعية ما دون الوطنية .. دينية / مذهبية أم قومية / إثنية ...إلخ كيانٌ يقوم على مبادىء الشراكة الحقّة بين كل المواطنين على أُسس من التكافؤ الكامل وإحترام الآخر وموروثه ، ومعتقداته لضمان الحقوق المدنية والقومية للجميع، دون تمييز .. تحت مظلّة الحرية والعدالة الكاملين . ذلك أن التقسيم الديني مدمّرٌ للمجتمع، تتلاشى فيه الدولة حين يتم ربطها بأولوية الهوية الدينية . فالتنوع الفكري والإجتماعي والثقافي لا ينبني على عامل الدين وحده، لأن الديانات مهما تعدّدَت، فكلها تمتلك بنىً فكرية متماثلة، وتفرض رؤىً وجودية / لاهوتية ومعايير أخلاقية – تشريعية متماثلة أيضاً . بل أنَّ الممارسة التأريخية بيَّنت أن المؤسسات الدينية تتعاضد فيما بينها بوجه الآراء والتيارات الفكرية الأخرى كالتيارات الفلسفية مثلاً !]

* * *

وكي لا يتهمنا أحد بأننا ننحو منحىً إلغائياً للأسلاميين، نقول عليهم، أياً كان مذهبهم، أن يكونوا ساسةً، إنْ أرادوا الأشتراك في العمل السياسي ويتركوا الدين في دور العبادة . لكن ذلك يتطلب منهم :

ا) أنْ يتخلّوا عن فكرة الدولة الإسلامية، لأنها فكرة تمييزية كالفكرة الصهيونية، التي ترفض وجود ضحية غيرها، وترفض فكرة العدالة لسواها !! لا سيما المخالفين لها ... إسرائيل تدفع، عملياً بأتجاه "النظام الإسلامي" كي يكون حجة تستخدمها لتبرير "يهودية الدولة" تمهيداً لتهويد البلاد ...!

ب) أن يُقرّوا بحاجة العراق إلى دولة دستورية ومدنية، تحمي حقوق كل أبناء الشعب، دون "المطلق" الغيبي اللا دستوري، وتقف على مسافة واحدة من الجميع في ظل قانون نافذ يحترم الجميع، مع الحفاظ على حق الفرد في أنْ يؤمن بما يعتقده هو، دون إبتداع " أحقيّة "! في فرض رؤاه على الآخرين .. لأن الإيمان أو عدمه قضية فردية تخصُّ الفرد ذاته، لا دخَلَ للدولة فيه ..

ج) أن يتخلّوا عن نزوعهم لأن يحلوا محل الدولة في إحتكار القوة والعنف وعدم الإهتمام بشرعية هذا العنف.. وأن يتبرأوا من ممارسة التعذيب وإنتزاع الإعترافات بالقوة. 

 

يحيى علوان

 

 

صلاح حزامحجم الخراب المادي والنفسي الذي اصاب العراقيين منذ العام ٢٠٠٣، أضافة لما قبلها من سنوات اسماها أحد الكتّاب المحترمين (سنوات الحريق)، أصبح جسيماً ومتجذّراً الى الحد الذي يجعل علاجه مستحيلاً على المدى المنظور حتى لو توفّرت الارادة.

من يستطيع إخراج سكّان العشوائيات والحواسم؟ استحوذوا على رقع واسعة كانت قواعد عسكرية ومطارات ومعسكرات الخ ... وشيدوا بيوتهم بكل اطمئنان !!!

من يستطيع إقناع الاخوان الفاسدين شركاء الوطن، ان الفساد حرام وان الله لايقبل وان مرتكب جريمة الفساد في النار؟ سيقول لك انه مال مجهول المالك ويمكن ان يذكّى مثل ما يذكّى الصيد، وانه سأل مؤذن الجامع القريب وافتى بجواز ذلك . وأنه يؤثر الاكتفاء بهذه الفتوى الشريفة لأن المراجع الكبار يميلون الى تعقيد الاشياء البسيطة ويقطعون رزق الناس بالتحريم المبالغ فيه !!!

من يستطيع منع كل موظفي الدولة من ممارسة الواسطة؟ سيقال لك ان الله اوصى بسابع جار، ورُبَّ أخٍ لك لم تلده أمك !! إنه لايستطيع رد الاصدقاء.

التقيتُ صدفة بشخص يزوّر وثائق رسمية للجالية العراقية في أحدى الدول، سألته لماذا تفعل ذلك؟

أجابني : في سبيل الله، لأني أسهّل أمر ناس محتاجين !!

قلت له : هل تأخذ شيء مقابل ذلك؟

قال: انهم يتركون لي هدايا في البيت دون موافقتي (يعني حيلة شرعية)!!!

هدايا وليست رشوة !!

نيتشة يقول : الرحمة خيانة، واعتقد انه يقصد هذا النوع من الرحمة حتى لو كانت بدون مقابل لانها تُفسِد النظام العام وتخرّب المعايير والقواعد.

من يُجبِر الناس على إنهاء تجاوزهم على الطريق وعلى الارصفة (بعض الناس وسّع بيته على حساب الرصيف ومنع الناس من استخدام الرصيف).

من يستطيع هدم عشرات ومئات آلاف المحلات التجارية التي تم بنائها في شوارع كانت غير تجارية وجعلوها بالقوة تجارية ونشأت فيها أسواق ومصالح لأعداد كبيرة من الناس؟

من يستطيع إقناع او إرغام الباعة الذين احتلّوا الارصفة وجعلوا السير متعذّر عليها؟ انهم اعداد كبيرة ويستطيعون تنظيم مظاهرة هائلة ضد الحكومة!!

كيف تعالج أية حكومة، ذهاب هيبة الاجهزة الحكومة والاعتداء عليها والاستهانة بها الى الحد الذي جعل أحد شيوح العشائر يُعلن ان طائرات الجيش العراقي لايحق لها التحليق فوق أرض القبيلة وانه ورجاله قادرين على اسقاطها؟ هل سمعتم بهكذا استهتار؟ الا يستحق هذا الجاهل الاحمق أشدَّ العقوبات تأديباً له ولأمثاله؟ لكن الحكومة إن عاقبته فسوف يخرج الآلاف من الجهلة ضد الحكومة.

سمعت من جدّي حكاية تُشيد ببطولة وعظمة أحد الشيوخ السابقين، حيث قال عنه: حتى الحكومة كانت تخاف من ذلك الشيخ !! والظاهر ان هذا الشيخ الجديد اراد ان يُصبِح بطلاً قومياً تخاف منه قوات الجيش الحكومي!!

أضافة الى الصعوبات التنفيذية الناتجة عن ضخامة أعداد المُخالفين، فأن النظام الديمقراطي سوف يجعل المتنافسين السياسيين يستغلون ذلك لإحراج الحكومة واسقاطها وتحريض المتضررين من سياسة الحكومة الاصلاحية حتى لو كان الثمن مصلحة الوطن .

وماذا عن الخراب النفسي؟ كيف يمكن للحكومة ومؤسسات المجتمع المدني ان تصلح النفوس والعقول؟

هل يكون ذلك هن طريق التعليم، وكم يستغرق؟ وهل جعل الانخراط في التعليم الابتدائي الزامي؟ بمعنى هل تستطيع الدولة إلزام الآباء بتسجيل ابنائهم في المدارس؟ وهل ان عناوينهم معروفة ومسيطر عليها؟ وماذا لو كان الطفل يعمل لاعالة اسرته ولايستطيع الذهاب للمدرسة !! هل هنالك مدارس تكفي الجميع؟؟

وماذا عن المناهج؟ من يعدّها ويغيّرها لتتلائم مع التغيير المنشود؟

وماذا عن الكبار المتعلمين، حاملي الشهادات السليمة والمزورة على حدٍّ سواء،والذين يمارسون الفساد والرشوة والتزوير وإهدار المال العام، كيف يتم تعليمهم واصلاح نفوسهم؟؟

المهمة شاقة جداً إن لم تكن مستحيلة..

 

د. صلاح حزام

 

عبد الخالق حسينحقاً نحن نعيش في عالم اللامعقول، ففي كل يوم نسمع العجائب والغرائب عما يفعله البعض من العراقيين بأنفسهم وبشعبهم كما يفعل العدو بعدوه. فآخر الأنباء في هذا الصدد تفيد أن "توافد جموع من المحتجين حول مرقد ابو حنيفة النعمان بمنطقة الأعظمية، بعد دعوات للتظاهر امام المرقد لغرض تهديمه، وسط انتشار أمني كثيف... وقد رفعوا شعار "لا مكان لأعداء أهل البيت".(1)

وقبل ذلك بأيام قرأنا في الإعلام عن "تهديدات في بغداد بإزالة تمثال أبي جعفر المنصور [الخليفة العباسي الثاني، وهُو المؤسس الحقيقي للدولة العباسيةِ، وباني بغداد،].. وسبق أن قامت جماعة مسلحة بنسف نصب أبي جعفر المنصور بعبوة ناسفة في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2005، لكن الحكومة العراقية أعادت تشييده."(2). كذلك نسمع بين حين آخر عن نشر صور للقيادات الإيرانية : الخميني وخامنئي وقاسم سليماني في الأعظمية وغيرها من المناطق ذات الغالبية السنية، في عملية واضحة الغرض منها استفزاز أهل السنة وبالتالي إشعال الفتنة الطائفية البغيضة التي مازال العراق يئِّن من شرورها، مما اضطر رئيس الوزراء السيد مصطفى الكاظمي بتوجيه أوامر تقضي بإزالة هذه الصور.

والسؤال هنا، من وراء هذه الأعمال الإجرامية التخريبية، وما هي أغراضها؟

غني عن القول أن العراق يمر في أخطر مرحلة تاريخية بسبب الصراعات الدموية بين مكوناته بعد خلاصه من أعتى نظام دكتاتوري عرفه التاريخ، وبسبب التدخلات الخارجية في شأنه. فقد أعتاد العراقيون خاصة، والعرب عامة بإلقاء اللوم في جميع ما يصيبهم من كوارث على أمريكا والصهيونية، ويبرؤون أنفسهم من أي خطأ، و دورهم في تدمير بلادهم. ولا شك إن قولنا هذا سيضعنا في خانة المدافعين عن أمريكا والصهيونية، النغمة النشاز التي يكررها هؤلاء ليل نهار.

لا شك عندي إطلاقاً أن وراء هذه التحركات المشبوهة هم ألد أعداء الشعب العراقي. لماذا؟

لأن منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 على أسس طائفية، وعزل الشيعة عن المشاركة في حكم بلادهم، حيث انطلقت دعوات من بعض الجهات بوصف الشيعة بـ(الشعوبية)، أي العداء للعروبة.. وبأنهم من بقايا الساسانيين، أو جلَبهم القائد العربي محمد القاسم الثقفي من الهند مع الجواميس... إلى آخر الأسطوانة المشروخة، والفرية التي الغرض منها الإمعان في تفتيت الشعب العراقي إلى فئات متصارعة. لذلك فالغرض من المطالبة بتدمير تمثال أبي جعفر المنصور على أيدي شيعة جهلة مغرر بهم، هو إثبات التهمة بأن الشيعة شعوبيون.

فلو أردنا محاسبة وإزالة الشخصيات التاريخية من أمثال أبي جعفر المنصور، لما بقيت رموز تاريخية إلا القليل. فهذه الشخصيات تبقى رموزاً تاريخية تشهد على عظمة تاريخ الأمة، وليس هناك إنسان كامل خال من أية شائبة... فتدمير النصب التاريخية، هو عملية تدمير التاريخ، وبالتالي تدمير الهوية الوطنية العراقية، وجعل المواطن العراقي بلا تاريخ وبلا هوية... وهذه جريمة لا تُغتفر، تقدم خدمة لا تقدر لأعداء العراق.

أما المطالبة بتدمير مرقد الإمام الأعظم أبو حنيفىة، فلا تصدر إلا من أناس من ألد أعداء الشعب العراقي، و أشدهم حقارة وخسة ودناءة وجهلاً وغباءً، بل لا توجد كلمة في اللغة لوصف انحطاطهم وجهلهم وغبائهم. لأنهم أثبتوا بأنهم لا يعرفون أي شيء عن هذا الإمام الثائر ضد الظلم، والذي ضحى بالكثير في سبيل أهل البيت الذين يدعي هؤلاء الجهلة أنهم من شيعتهم.

فمن هو أبو حنيفة الذي يراد هدم ضريحه، وهل حقاً هو من أعداء أهل البيت؟

هو (النعمان بن ثابت بن مرزُبان الكوفيّ (80-150 هـ/ 699-767م) فقيه وعالم مسلم، وأول الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة، وصاحب المذهب الحنفي في الفقه الإسلامي. اشتهر بعلمه الغزير وأخلاقه الحسنة، حتى قال فيه الإمام الشافعي: «من أراد أن يتبحَّر في الفقه فهو عيال على أبي حنيفة»)(موسوعة ويكيبيديا).

تؤكد كتب التاريخ أن معظم أهل العراق، سنة وشيعة (عدا الخوارج)، كانوا من أنصار الإمام علي وأهل بيته، إذ يقول الدكتور علي الوردي في هذا الخصوص: "قد يستغرب القارئ إذا علم بأن كلتا الطائفتين كانتا في أول الأمر من حزب واحد، وإن الذين فرَّقوا بينهما هم السلاطين ووعاظ السلاطين. ففي عهد الدولة الأموية كان الشيعة وأهل السنة يؤلفون حزب الثورة. إذ كان الشيعة يثورون على الدولة بسيوفهم، بينما كان أهل السنة يثورون عليهم بأحاديثهم النبوية - هؤلاء كانوا ينهون عن المنكر بألسنتهم، وأولئك ينهون عنه بأيديهم."(3)

ويضيف الوردي: فأبو حنيفة النعمان الذي يُلقّب بـ "الإمام الأعظم" كان علوي الهوى ثورياً من طراز فذ. وينقل عن الزمخشري قوله: "وكان أبو حنيفة يفتي سراً بوجوب نصرة زيد بن علي، وحمل الأموال إليه، والخروج معه على اللص المتغلب المتسمى بالإمام والخليفة- ويقصد الخليفة الأموي هشام بن عبدالملك " وقال عنه أي زيد (ضاهى خروجه خروج رسول الله يوم بدرٍ.) (أنظر: الزمخشري، الكشاف، ج1 ص64). 

ولما ثار محمد بن عبد الله الحسني في المدينة، ضد المنصور بايعه أبو حنيفة. وظل على تلك البيعة بعد مقتله إذ كان يعتقد بموالاة أهل البيت. (الشهرستاني الملل والنحل ج1 ص79). وكتب أبو حنيفة إلى إبراهيم، أخي محمد، يشير إليه بقصد الكوفة سراً ويعلمه بأن في الكوفة من الشيعة من يستطيع دعمه. كما ونعرف من التاريخ أن الإمام الأعظم أبو حنيفة (رضي الله عنه) قد درس الفقه فترة على الإمام جعفر الصادق في الكوفة، وكان من أقرب الناس إلى الإمام موسى الكاظم (ع)، فكلاهما عانى السجن والاضطهاد معاً وبواسطة  الحاكم نفسه، ومن أجل القضية ذاتها. ويقول الوردي: لو أدرك الشيعة حقيقة الأمر لعرفوا أن أبا حنيفة هو أحد أئمتهم، كما هو أحد أئمة أهل السنة، لأنه وجد قبل انقسام المسلمين إلى سنة وشيعة، وكان من أنصار أهل البيت.(نفس المصدر)

 

نعم إنها لمؤامرة قذرة، القصد منها إشغال الشعب العراقي بالمزيد من الحروب الطائفية، لتدمير طاقاته، وتفتيت نسيجه الاجتماعي بإشعال الفتن الطائفية، وإضفاء القداسة الدينية عليها. ولكن من المستفيد منها؟

 لا شك إن إيران هي المستفيدة من هذا الدمار، فتاريخ إيران في عهد الحكم الصفوي معروف في هدم ضريح أبي حنيفة، وقتل أهل السنة وحرق مكتباتهم، ليأتي بعده السلطان العثماني فيقتل الشيعة ويحرق مكتباتهم أيضاً، والخاسر في جميع الأحوال هو الشعب العراقي. ولذلك ردد العراقيون: (بين العجم والروم بلوة ابتلينا). وإلا لماذا لا يدين قادة إيران وأنصارها من العراقيين هذه الأعمال الإجرامية؟ فكل ما يحاولونه هو تبريرها وتعليقها على شماعة أمريكا وإسرائيل... نعم إسرائيل مستفيدة من هذه الأعمال التخريبية، ولكنها بريئة منها براءة الذئب من دم يوسف.

حقاً ما قاله ابن رشد: "التجارة بالأديان هي التجارة الرائجة في المُجتمعات التي ينتشر فيها الجهل، فإن أردتَ التحكم في جاهل، عليك أن تُغلّف كلّ باطل بغلافٍ ديني"

 

د.عبد الخالق حسين

...............................

روابط ذات صلة

1- بعد تمثال أبو جعفر المنصور... محاولة تهديم مرقد أبو حنيفة في الأعظمية

https://iraqicp.com/index.php/sections/news/52931-2021-06-12-15-27-31

2- الشرق الأوسط:  تهديدات في بغداد بإزالة نصب أبي جعفر المنصور

https://aawsat.com/home/article/3015166/%D8%AA%D9%87%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D8%AA-%D9%81%D9%8A-%D8%A8%D8%BA%D8%AF%D8%A7%D8%AF-%D8%A8%D8%A5%D8%B2%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D9%86%D8%B5%D8%A8-%D8%A3%D8%A8%D9%8A-%D8%AC%D8%B9%D9%81%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%B5%D9%88%D8%B1

 3- علي الوردي، وعاظ السلاطين، دار كوفان، لندن، ط2، 1995، (ص 232-233).

 

 

ابراهيم أبراشمنذ انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة منتصف الستينيات مع حركة فتح وفصائل منظمة التحرير إلى اليوم والمقاومة الفلسطينية وخصوصاً المسلحة منها تتعرض لحملات تشويه وتشكيك. لم يتوقف الأمر عند الكيان الصهيوني وحلفائه في الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية حيث تم وصف المقاومة بالإرهاب وتم إدراج منظمة التحرير ولاحقا حركتي حماس والجهاد الإسلامي على قائمة الحركات الإرهابية، بل يتعدى ذلك إلى أطراف عربية وإسلامية تشكك بالمقاومة سواء الوطنية أو الإسلامية حيث تتهمها أيضاً بالإرهاب أو بأنها مأجورة لجهات خارجية كما هو الحال مع حركة حماس والجهاد الإسلامي، ولم ينجو من التشكيك حتى عمليات المقاومة التي يقوم بها شباب من حركة فتح أو فصائل منظمة التحرير أو شباب غير منتمين حزبياً حيث تطاردهم تهمة الإرهاب أو التشكيك بالنوايا والأهداف أو التهوين من شأن هذه العمليات.

شرعية المقاومة مستمدة من عدالة القضية ومن كل الشرائع الدينية والوضعية لأن من حق الشعب الذي يخضع للاحتلال ممارسة حق الدفاع عن النفس، والمقاومة بكل أشكالها تندرج في سياق الدفاع عن النفس، وهذا ما جعل المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال تحظى بدعم وإسناد من غالبية شعوب ودول العالم، فكيف يمكن قبول مزاعم دولة الاحتلال ومستوطنيها بأنهم يمارسون حق الدفاع عن النفس وفي نفس الوقت نكران هذا الحق على الشعب الخاضع للاحتلال؟ كما ليس كل الدول والشعوب التي تدعم الشعب الفلسطيني ومقاومته المسلحة لها أجندة ومصالح خاصة تتعارض مع المصلحة الوطنية الفلسطينية.

صحيح، إن بعض الدول والجماعات لها مصالح وتحاول توظيف القضية الفلسطينية وبعض فصائل المقاومة لخدمة مصالحها القومية والإقليمية، ولكن أن تتقاطع مصالح المقاومة الفلسطينية أو بعض فصائلها مع مصالح دول وجماعات، أو تتعارض استراتيجية بعض فصائل المقاومة مع استراتيجية وسياسة السلطة ومنظمة التحرير، فإن هذا ليس مبرر للتشكيك بالمقاومة من حيث المبدأ أو التعميم بأن كل من يقاوم الاحتلال مأجور لأطراف خارجية وينفذ سياساتها.

 مع تحفظنا على ممارسة المقاومة بطريقة فصائلية دون استراتيجية وطنية ومع تحفظنا على أي حديث عن نصر إن لم يكن انتصاراً للشعب ويصب في صالح القضية الوطنية بشكل عام، ومع افتراض وجود علاقة تقاطع مصالح بين القيادات العليا لبعض الفصائل الفلسطينية مع هذه الجهة أو تلك، إلا أنه لا يجوز التشكيك بكل من يمارس المقاومة أو التشكيك بمبدأ المقاومة، لأن شعبا خاضعا للاحتلال ولا يقاوم الاحتلال بكل ما يملك من أدوات نضالية إنما يشكك بحقه بالأرض و بالحرية والاستقلال.

ودعونا نتساءل: هل شهداء الثورة الفلسطينية وشهداء الانتفاضتين وشهداء موجات العدوان على غزة وشهداء عمليات الطعن والدهس وقنص جنود الاحتلال في الضفة والقدس كانوا إرهابيين أو عملاء لأجندة خارجية؟ هل الطفل فارس عودة ،إبراهيم أبو ثريا، مهند الحلبي، عمر أبو ليلى، أحمد جرار، منتصر شلبي، وجميل العموري ورجال أمن السلطة في جنين الذين استشهدوا معه، والكثير الكثير من الشهداء والجرحى، هل كان هؤلاء ينفذون أجندة خارجية؟ وهل الشباب الذين كانوا يسهرون الليل بالنهار في الخنادق والأنفاق في غزة لصناعة الصواريخ التي قصفت إسرائيل كانوا يعملون لخدمة أجندة خارجية أو كانوا يتلقون تعليماتهم من أطراف خارجية أو حتى يعلمون بوجود هذه الأجندة والأطراف الخارجية؟ وهل أكثر من خمسة آلاف أسير وقبلهم ما يفوقهم عددا كانوا ينفذون أجندة خارجية؟ و أية أجندة خارجية كانت وراء الشهداء والجرحى في حي الشيخ جراح في القدس وفي الضفة وأم الفحم واللد وبقية مناطق 48 و أكثر من 270 شهيدا في قطاع غزة خلال الانتفاضة الأخيرة؟ وهل كان الشهيد أبو عمار ومن سبقه ومن تبعه من القادة من كل الفصائل ينفذون أجندة خارجية؟!!.

استمعت لوصية الشهيد من حركة الجهاد الإسلامي حمزة الهور من مخيم النصيرات في قطاع غزة والذي استهدفته طائرات الاحتلال مع رفاق له في جولة التصعيد الاخيرة، وكانت رسالة بقدر ما فيها من قوة الإرادة والعزيمة بقدر ما كانت تمزق نياط القلب وهو يتحدث عن والديه وإخوته شاكرا لهم فضلهم ومفسرا لهم سبب إقدامه على الانخراط في المقاومة المسلحة ومعتذراً في نفس الوقت عما سيسببه استشهاده من حسرة وألم، وتساءلت هل كان هذا الشاب الهادئ والخلوق الذي بالكاد تجاوز العشرين عاماً يتواصل مع جهات خارجية وينفذ اجندة إيرانية أو إخوانية أو حتى يعرف بهذه الاجندة؟ أم كان في ممارسته للمقاومة في حركة الجهاد الإسلامي يمارس فلسطينيته ويعبر عن حبه لفلسطين والقدس ورفضه لحالة الهوان والحصار المفروضة على أهله وشعبه في قطاع غزة وكل ربوع فلسطين؟.

في الوقت الذي نحذر فيه ممن يوظفون حالة عدم التوافق الفلسطيني على استراتيجية موحدة للمقاومة وحالة الانقسام ليطعنوا في مبدأ المقاومة و يشككوا بالمقاومين وبحركات المقاومة، خصوصاً بعد أن اغلقت إسرائيل الباب أمام أية تسوية سياسية عادلة وبعد أن تغول الاستيطان وعربد المستوطنون في الضفة والقدس دون رادع يردعهم، فإننا في نفس الوقت نؤكد أو بالأحرى تُعيد التأكيد على ما يلي:

1-  ضرورة وجود استراتيجية وطنية للمقاومة بكل أشكالها ولا يجوز ممارسة المقاومة وخصوصاً العسكرية بارتجاليه و لحسابات حزبية ضيقة.

2-  إن المقاومة لا تقتصر على العمل العسكري، فكل أشكال التصدي للاحتلال مقاومة سواء كانت عسكرية أو بالحجارة والدهس والطعن أو بالمقاومة السلمية والعمل الدبلوماسي .

3- إن المقاومة المسلحة لم تبدأ مع ظهور حركتي حماس والجهاد بل لها تاريخ طويل يبدأ بهبة البراق 1929 وثورة عز الدين القسام 1935 والثورة الفلسطينية الكبرى 1936- 1939، وعبد القادر الحسيني وجماعته قُبيل حرب 1948، وشباب الثأر وأبطال العودة بعد النكبة مباشرة، إلى الثورة والعمل الفدائي مع حركة فتح وفصائل منظمة التحرير منذ منتصف الستينيات والمتواصل حتى اليوم بدرجات متفاوتة.

 

4- أن يرفع المقاومون شعارات القومية العربية أو الإسلام أو الأممية... لا ينتقص أو يضير المقاومين وفعل المقاومة ما دامت وجهتهم فلسطين ومرجعيتهم فلسطينية.

 

إبراهيم أبراش

 

مهدي الصافيالخلافة الراشدة.. الامويين والعباسيين.. المذاهب والفرق الاسلامية.. الاعراق العرب والفرس والترك والاكراد والاقليات

يعد عصر الحضارة الالكترونية الفضائية الحالي محطة الانطلاق نحو اللحاق بأطراف القرية الكونية (العالمية الانسانية الحضارية) لدول العالم الثالث (او العالم الذي نطلق عليه بالرابع وهو معني بالدول المضطربة الفاشلة البدائية)، هناك دول اقليمية وحتى عربية وضعت اقدامها على الطريق الصحيح للتنمية والنهوض من ركام الماضي واثاره، والابتعاد عن المراكز المتأخرة في التصنيف الدولي للدول الفقيرة او الفاشلة (اصبحت داخل دائرة الدول الناشئة او النامية)،

مع ان بعضها لديه مشاكل وازمات داخلية نائمة (كمشكلة الاقليات العرقية والاثنية غير المندمجة تماما في دولة الامة، ولها تأريخ يعد منفصلا عن تأريخ تشكيل الدول الحديثة اثناء فترة الاستعمار والترتيبات التي تمت بعد رحيله)،

ولكنها تعمل بجد على تحويل النظرة الاجتماعية الداخلية الى الدولة ليس على اساس عرقي او طائفي، انما على اساس الازدهار الاقتصادي والتنمية الوطنية الشاملة الناجحة، على غرار تجارب الدول المتحضرة الحديثة، المتعددة الاعراق والاديان والثقافات (امريكا وكندا واستراليا وبعض دول اوربا)،

الا ان تجار الدين والحروب يعملون عكس ذلك، فتجارتهم لاتزدهر، الا بأثارة الفتن والنزاعات والخلافات التاريخية الميتة

 (الفتنة نائمة لعن الله من ايقظها)

ذكرنا في عدة مقالات ومنشورات سابقة ان الاسلام دين بلا مذاهب، وان المتابع لمسيرة نشوءها يراها مجرد محاولات واجتهادات شخصية، انحرفت كثيرا وتغيرت بمرور الزمن عن الاسلام المحمدي الاصيل، واصبحت دكاكين للمتاجرة وكسب الجاه والسلطة الاجتماعية الدينية والمنافع المادية،

وبالاخص بعد انطلاق شرارة ثورات الربيع العربي، وسقوط عدد من الانظمة الشمولية، فتم استغلال الفرصة بفتح بؤر ارهابية ممولة من عدة دول ومنظمات وجماعات انتهازية، لتنفيذ اجندات خارجية ومشاريع امبريالية خبيثة في المنطقة،

هذه الجماعات الارهابية المأجورة تقاتل في عدة جبهات، وتحت رايات وشعارات واباطيل عقائدية سلفية وهابية خارجة عن الدين والفطرة والاخلاق الانسانية،

تارة تقاتل الشيعة وتعتبرهم مرتدين، وتارة اخرى تقاتل من يختلف مع توجهاتهم من اهل السنة والجماعة، بأعتبارهم مرتدين ايضا، لانهم اعوان للحاكم الكافر (لانهم لايؤمنون بمحاربة الحاكم المسلم الظالم احيانا، لهذا يبحثون في قاموس التكفير عن فتاوى تكفيرية لاضفاء شرعية على اعمالهم الاجرامية)،

رد الفعل هذا ينتج اثارا طائفية قريبة من افكارها، لكنها في الجبهة والخندق المقابل، فمع وجود ولاية الفقيه في ايران (دولة الحاكم والفقيه والرأي الواحد المقدس)، دفعت الفرق الشيعية الصغيرة الضالة الى اقتباس جزء من منظومة التكفير الوهابية الداعشية، حتى بات لدى المسلمين مدرسة ارهابية للتدعيش، او مانطلق عليه بالدعشنة السنية الشيعية

 (ليس السنة فقط يمتلكون امير للجماعة، الان اصبح كل رجل شيعي معمم له اتباع، يمكنه ان يدعي انه مرجع مجتهد واجب الطاعة، حتى لو كان عمره لايسمح له بهذا الادعاء، لعدم وجود مؤسسات دينية معنية بهذا الاختصاص)،

بعض هذه الفرق الشيعية هي طقوسية مغالية، قد لا تملك فتاوى تكفير علنية، لكن المتتبع لخطابها المنبري يجد انها تكفر من لايؤمن بعقائدهم (من السنة والشيعة)، استغلت حالة الفوضى وغياب سلطة الدولة وتسيد الاسلاميين الشيعة بعد 2003في حكم العراق، فجاءت جماعات منها (من ايران وسوريا والكويت ولبنان وبقية المنافي) لتعيد تأسيس تواجدها في بلاد المذهب الجعفري الاثني عشر،

وقامت بالفعل بفتح مدارس وحسينيات خاصة بها، وزجت بمواكبها الطقوسية الغريبة في مراسم عاشوراء (مواكب التطبير وضرب السلاسل والتطيين والكلاب والرقص على انغام اللطميات الخ.)،

وبدأت الان تختلق قصص واحداث تاريخية لاثارة الفتنة الطائفية، لاستعادة التخندق والتموضع الاجتماعي المذهبي، وزيادة شعبيتها داخل حضيرتها المفككة بعد انطلاق ثورة تشرين الشبابية،

التي ساهمت بنشر ثقافة الوعي السياسي، بتحمل المسؤولية الوطنية والاخلاقية الكاملة لاستعادة الوطن من ايدي الفاسدين واعداء البلد،

وهي متحالفة اي هذه الفرق المنحرفة ضمنا مع الاسلام السياسي الفاسد (الشيعي والسني)، الذي يعتبر الاصطفاف الطائفي تجربة ناجحة لبقاءه في السلطة والهيمنة عليها،

لهذا هم اقرب اليها من المؤسسات الدينية الرصينة، وهي حالة غير مسبوقة من تداخل المصالح المتبادلة فيما بينهم (كما تفعل الحكومات عبر تخصيص اموال طائلة في الموازنة لمؤسسات الوقف او غيرها) .....

المذهب الجعفري الشعبي انحرف بعيدا عن الاصولي العقائدي، وكذلك المذهب الوهابي السلفي هو ايضا بات لايمثل المذاهب الاسلامية الاربع، بل خارج عليها (ومكفر لبعضها احيانا)،

الاصول العقائدية الشيعية هي اجتهادات اسلامية محمدية علوية فقهية، اذ من النادر جدا ان يتطرق مرجع شيعي حقيقي الى الخلافات المذهبية، الا بمايخدم التقارب والالتقاء وتقليل الاحتقان والاحقاد واخماد الفتن الطائفية،

 (وكذلك عند المدارس الاسلامية السنية المعتدلة)، حيث ذهب البعض منهم الى انكار ورفض ماذهب اليه بعض مراجع الشيعة المغالين ايام العهد الصفوي (رفض بعض ماجاء في مجلدات الشيخ المجلسي)،

بينما ازدات في الاونة الاخيرة قوة التشيع الجعفري الشعبي في الشارع (فرق الاخبارية والشيخية والعلوية النصيرية والحسنية والزيدية والاسماعيلية والشيرازية، والمهدوية الجديدة، الخ.)،

التي تعتمد في برامجهها على خطباء المنابر الحسينية (الروزخون) والرواديد، وكتاب الروايات المختلقة،

وهؤلاء شريحة وملة قادرة على ابتداع دين، او مفاهيم شيعية شعبية جديدة، وتمريرها او اشاعتها بين اتباعهم، وبين الطبقات المسحوقة بسهولة (كما يحصل في ظاهرة بناء المراقد المجهولة الاصل، او اطلاق طقوس المشي من المحافظات الى المراقد المقدسة، او بدعة مسيرات تشييع الائمة السنوية الخ.)،

وهي تسبب حرج كبير للمدرسة الجعفرية العقائدية الاصيلة

 (وقد تسببت بالفعل بهذا الامر في ايران الاسلامية من قبل، وللامانة وقف السيد الخميني رحمه الله بحزم ضدها، وكذلك السيد الخامنئي، الا انها تتعكز على شماعة المذهب وضرورة حمايته ونشره، واحياء لسنة ال البيت ع في تذكر قصص الاضطهاد والتصفية الخ.) ....

المذهب الجعفري الشعبي هو شريك الوهابية السلفية في احياء الفتن الطائفية،

 ما الداعي وما الحاجة الى اعادة تكرار احياء الخلافات والتوترات الاسلامية الاولى، بعد ان تحولت الدول والمجتمعات الى الحياة العصرية المتحضرة،

هذه الامور التاريخية مكانها الجامعات والكليات التراثية المعنية بهذه المجالات وتلك الاختصاصات....

لماذا يعاد ذكر احداث السقيفة والخلافة الراشدة امام العامة،

اين الحاجة الفقهية او الضرورة الشرعية لهذه الاحاديث والروايات (المشكوك بصحتها)،

ماذا يستفيد الفلاح والعامل والكاسب والانسان البسيط من لعن معاوية او السيدة عائشة او ابوجعفر المنصور، او هدم قبر ابو حنيفة او غيره، !

اذا كان القول من اجل التذكير بمظلومية ال البيت ع،

ولكن هل من انجازات وثورات العلويين وال بيت الرسول محمد ص هي توارث قصص المظلومية،

ام هي كانت دعوة خالصة لوجه الله تعالى لاستعادة الاسلام المحمدي المستغل سياسيا من قبل الامويين ثم العباسيين تحت راية الخلافة الاسلامية الكاذبة،

 (اني لم اخرج أشرا ولابطرا ولا مفسدا ولاظالما وانما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدي ص)،

الغاية والهدف هو الوصول بالمسلمين الى درجة الايمان،

لماذا يغيب القران الكريم وتفسير اياته من فوق تلك المنابر، مقابل الضخ الهائل للروايات والغيبيات الاسطورية الشعبية،

هناك كم هائل من الاسئلة؟

التي يجب ان يسألها كل شيعي او مسلم حول هذه الظاهرة المتخلفة، اي الانطواء والانغلاق والتراجع والعودة الى الماضوية،

وامامهم الادلة الكافية عن اسباب تقدم الامم والشعوب العلمي والحضاري، بعد ان تخلت اغلبها عن فكرة التوقف طويلا عند بوابات التراث المقدس الثقيل، وجعلته ارثا حضاريا انسانيا محترما، لايمكن استحضاره واسقاطه بالمجمل على الواقع،

او فرضه بالقوة على الحياة الاجتماعية الطبيعية الحالية،

فالتطور العلمي وفق الرؤية الاسلامية السليمة هو نتاج الارادة الالهية والعقلية الانسانية المفكرة،

فهل يعقل او يقبل ان الله عزوجل ينقل البشرية الى هذه النقلة النوعية التاريخية التكنولوجية، ثم تأتي جماعة معينة معاندة تريد العودة بهم الى جهنم الحياة القروية البدائية!

المنطقة العربية والاسلامية امتزجت فيها الاعراق والطوائف والثقافات والاقليات منذ القدم، في تداخل وتشابك ونسيج اجتماعي وثقافي وديني متوارث،

كيف يمكن لاهلها ان تتقبل وجود تلك الاصوات المنافقة النشاز، المطالبة بأعادة ترتيب الاوضاع على تلك الاسس البدائية الهمجية، في حين ان اغلب دول العالم تتجه الى بناء دول تنموية متعددة الثقافات والحريات والاديان (وهذا الامر ينطبق ايضا على الدعوات التركية باعادة احياء الامبراطورية العثمانية او حدود ولاياتها السابق، وكذلك عودة امتدادات النفوذ للامبراطورية الفارسية او النظام الملكي السابق)

حيث نرى في المقابل هناك اصوات اخلاقية علمية تدعو الى اعتبار ان الدين الاسلامي دين سماوي ثالث، معترف به في دول الاتحاد الاوربي او هو يعد جزء من الهويات الاجتماعية الحديثة في تلك الدول (بعد انطفاء ثورة الاسلاموفوبيا) ...

البيئة (طبيعة الارض وموارد الدولة، تركيبة المجتمع قبليا او طائفيا او عرقيا، المهن والحرف والصناعات، الحضارة والتاريخ والتراث، الفكر والادب والفنون والابداع، التاريخ السياسي الحديث واثاره، الاستعمار والغزو الثقافي، واليوم تعد للثورة التكنولوجية تأثيرات مهمة في البيئة الاجتماعية، الخ.)

والظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية النسبية، والطاقات الانسانية الفكرية والابداعية المحلية، هي عوامل رئيسية في بناء شخصية الفرد والامة، تصاعد قوة هذه المقومات الاجتماعية يمنع هيمنة قوى التجهيل والتطرف على الشارع،

وتضعف كثيرا امام تحالف الانظمة الفاسدة مع القواعد الشعبية الانتهازية، وتختفي تماما عندما يلتحق بهذا التحالف الاسلام السياسي (وتجار الدين)، لانها تدخل في منعطفات ومسارات عقائدية خطيرة، لاقدرة لها على مواجهتها او الصمود طويلا امامها (لان سلاح الحكم بالتكفير، بالردة او الالحاد او ازدراء الاديان كافية لاثارة الحمقى، لتنفيذ الحدود كما يدعون) ...

وهذه ظاهرة اجتماعية عالمية (البيئة وتأثيراتها في المجتمع) مع الفارق، اي عندما ارادت الامبريالية الرأسمالية العالمية خلق ازمة صدام الحضارات، بدأت بعد احداث 11 سبتمر الارهابية في الولايات المتحدة الامريكية، استطاعت الماكنة السياسية والاعلامية المأجورة ان تغطي مساحات شعبية واسعة حول العالم، وان تصنع صورة هائلة عن الارهاب الديني المزعوم عن الشعوب المسلمة (لازالت تبعاتها قائمة حتى الان، وان خفت حدتها كثيرا)،

وتمكنت بالفعل من اقناع الملايين من الشعوب الغربية (المفترض انها متحضرة) برواياتها الاحادية المتطرفة،

مما سمحت دون قصد بنشر الاسلام وتعاليمه السمحة، فأرتد مكرهم عليهم،

من جهة اخرى لم تتوقف عجلة التقدم في تلك البلدان، او ترجع الى البدائية كما يحصل في بلادنا من حين لاخر، لان المقومات الاساسية للبيئة الاجتماعية، ومنظومة القيم الانسانية والاخلاقية والفلسفية والعلمية الراسخة، استطاعت ان تعيد الاوضاع والاسس العقلانية الى مسارها الطبيعي، وان تمسك بزمام المبادرة لاستعادة الوعي الشعبي من حالة التغييب، واخراجها من النفق المظلم المحصورة فيه (من بقايا تلك الظاهرة السلبية صعود الاحزاب اليمينية المتطرفة في الغرب) ...

الدولة والنخب من المفكرين والمثقفين تقع على عاتقهم مسؤولية كبيرة، لابعاد المجتمع عن الصدام، وعن اية افكار او ممارسات اودعوات طائفية او اثنية لاشعال الفتن والحرب الاهلية، بالتثقيف المستمر لمخاطر تلك التوجهات، وبالتشريعات القانونية المتشددة تجاه اصحاب تلك النوايا السيئة،

فالدولة او الوطن لم يعد ضيعة او قرية او ارض لطائفة او عرق، انما هو البيت الكبير لكل من يحمل جنسيته او يقيم ويعيش على ارضه..

فكل دعوة لاحياء الخلافات التاريخية وان كان اساسها عقائدي او عرقي هي سهام مسمومة لزعزعة الامن والسلم الاجتماعي، لابد من التصدي بحزم لها..

والشيعة كما السنة ليس عليهم واجبات شرعية في اعادة الترويج للسرديات التاريخية،

لاحداث ومجتمعات وشخصيات مر عليها قرون طويلة، او اعتلاء المنابر وادخال البسطاء من الناس في دوامة الصراعات المذهبية، والتحشيد الطائفي، او ابعادهم عن احتياجاتهم الروحية الاسلامية والايمانية الفعلية...

الاسلام

القران الكريم والسنة النبوية والايمان بما جاء فيهما،

الصلاة والصوم والزكاة

الحج والامر بالمعروف والنهي عن المنكر

لاضير ان تكون عند الشيعة عقيدة الامامة كما عند السنة عقيدة الصحابة العدول، ولكن ماذا تحتاج امتنا او شعوبنا ودولنا اليوم، مذاهب او اسلام محمدي اصيل معتدل،

فبلادنا من اسوء البلدان،

فساد مالي واداري واخلاقي،

لايرى اية انجازات او تطبيقات عملية للاسلام في الشارع،

هناك فشل وجهل وعصبيات قبلية وعشائرية واثنية،

وانتشار للامية والبطالة، وزيادة نسبة التوحش والجرائم وتعاطي المخدرات، والظلم والفقر والتحرش الجنسي واغتصاب الاطفال، والمتاجرة بالبشر واعضاءهم، والهجرة، الخ.

اين ذهبت قاعدة الاولويات والضرورات امام هذه الكوارث السياسية والاجتماعية....

بالعلم والمعرفة، وبالابتعاد عن المحاكم التاريخية والماورائيات، ومسلسل تأنيب الضمير اوالشعور بعقدة الذنب، والاستعلاء الاجوف من اننا احسن الامم، وبالعودة للعقل والمنطق والعمل المنتج، وبالاسلام الثابت والمتغير عقليا وعلميا، يمكن ان يجد الناس طريقا معبدا صالحا من بين هذه الطرق الوعرة المحيطة بهم..

ان لايسلم المسلم عقله ورقبته لتجار الحروب والازمات والصراعات الدينية او الاثنية المسيسة...

 

مهدي الصافي

 

 

كريم المظفراسمحوا لنا في البداية ان نلقي الضوء على قصة مهمة في تاريخ السياسية الخارجية الروسية الحديثة، والتي كان بطلها، شخصية عرفها العالم بحكمتها وحنكتها في معالجة قضايا الشرق الأوسط، هي تلك التي حدثت في 24 مارس 1999، والتي يسميها الكثيرون بانها واحدة من أروع خطوات الدبلوماسية الروسية، عندما قرر رئيس وزراء الاتحاد الروسي الأسبق يفغيني بريماكوف، وهو يحلق على متن طائرته الحكومية في سماء (منطقة جزيرة نيوفاوندلاند)، إلى إلغاء زيارته الرسمية للولايات المتحدة وإعادة طائرته إلى الوراء الى موسكو، معربًا بذلك عن احتجاج روسيا على اندلاع عملية الناتو العسكرية ضد يوغوسلافيا، وأصبحت هذه الحادثة بالنسبة للغرب، رمزًا لحقيقة أنه يجب حساب روسيا مرة أخرى، وعبر عنها العديد من المحللين على أن تصرف بريماكوف، الذي رفض بشكل واضح وظاهري زيارة رسمية إلى الولايات المتحدة، بانه يمثل بداية السياسة الخارجية الحديثة متعددة الاتجاهات لروسيا التي ينتهجها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

لهذه الشخصية السياسية الروسية المرموقة، رؤى مستقبلية لواقع السياسة الخارجية الروسية، ليس على مستوى الشرق الأوسط وحده، بل أيضا في العلاقات مع الغرب والناتو، وقضايا دولية مهمة، وتحرص وزارة الخارجية الروسية بالتعاون مع (منتدى بريماكوف، والذي يعتبر واحدا من أكثر المنصات الدولية موثوقية، للحوار المهني) وتنظيم حلقات نقاشية حول الدور الروسي في القضايا الدولية المختلفة، ومع زخمة التناقضات بين روسيا والولايات المتحدة والغرب، حرص وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف على اطلاع المشاركين فيها على الصورة الواضحة والحقيقية للسياسة الخارجية الروسية الدولية والتي ساهم في إرساء دعائمها يفغيني بريماكوف .

وفي نظرة على حديث الوزير لافروف فان جميع القراءات الحالية للسياسة الخارجية في روسيا  ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتراث الفكري لرجل الدولة يفغيني بريماكوف، فخلال فترة توليه منصب وزير خارجية الاتحاد الروسي، تم وضع مبادئ السياسة الخارجية الحديثة لروسيا -كالاستقلال، والبراغماتية، والنهج متعدد الاتجاهات، واحترام القانون الدولي، والانفتاح على التعاون مع كل شخص مستعد للقيام بذلك على أساس المساواة والاحترام المتبادل، والتي شكلت هذه المبادئ فيما بعد أساس مفهوم السياسة الخارجية للاتحاد الروسي، والذي تمت الموافقة عليه في عام 2000 بعد انتخاب فلاديمير بوتين رئيسًا لروسيا وتم تعديله لاحقًا، ورغم التعديلات التي أجريت على مبادئ السياسة الخارجية الروسية، لكن ظلت كل هذه المبادئ، والتي صاغها الأكاديمي إي إم بريماكوف، تحافظ على استمراريتها.

وبالنسبة لروسيا، تكمن ميزة مهمة في حقيقة أن هذه المبادئ تسمح لها بضمان إمكانية التنبؤ واستقرار سياسها الخارجية، وهذا وكما أوضح الوزير لافروف مهم بشكل خاص في الظروف التي يمر فيها النظام العالمي بأكمله بمرحلة متناقضة للغاية من تطوره، وهو في حالة اضطراب متزايد، ولكن، كما تقول الحكمة الصينية، فإن اللحظة الحالية تفتح فرصًا كبيرة مهمة لاستخدامها لصالح تنمية التعاون لصالح جميع شعوب العالم، لذى فان روسيا تركز على تعزيز الاتجاهات الإيجابية، وبادئ ذي بدء، في هذه السلسلة هي تعزيز مراكز النفوذ الاقتصادي والسياسي الجديدة، وإضفاء الطابع الديمقراطي على العلاقات بين الدول بشكل عام، ومثل هذه العملية، بالمناسبة، "تنبأ بها" يفغيني ماكسيموفيتش في منتصف التسعينيات في مفهومه عن تكوين عالم متعدد الأقطاب.

وستساهم روسيا بنشاط في استمرار التغييرات السلمية في اتجاه تعددية المراكز على أساس القيادة الجماعية للدول الرائدة في حل المشكلات العالمية، وبما ان روسيا واقعية ولا يمكنها تجاهل الإحجام العنيد، للغرب في الاعتراف بهذه الحقيقة الموضوعية كما هي، لكن موسكو في نفس الوقت لا يمكنها تجاهل رغبة الغرب الجماعية في تأمين لنفسه موقعًا متميزًا في الساحة العالمية، مهما كانت التكلفة، وسيكون مؤشر الحالة الذهنية في الدول الغربية الرائدة هو نتائج القمم القادمة لمجموعة السبع وحلف شمال الأطلسي وفي تنسيق الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ولكن ليس فقط روسيا، ولكن أيضًا في العديد من الآخرين يواجهون حقيقة أن ممثلي الغرب ليسوا مستعدين لحوار نزيه قائم على الحقائق، ويفضلون التصرف بروح "الإعجاب رفيع المستوى"، و هناك العديد من الأمثلة على هذا النهج، وهذا بلا شك يقوض مصداقية فكرة الحوار كطريقة لحل الخلافات ويقوض إمكانيات الدبلوماسية كأداة أساسية للسياسة الخارجية.

إن الحماسة التي يبديها "زملاؤنا" الغربيون  كما يشدد عليها وزير الخارجية الروسية، في الترويج للمفهوم السيئ السمعة لـ "نظام عالمي قائم على القواعد"، وللتذكير فأن ميثاق الأمم المتحدة هو أيضًا مجموعة من القواعد، لكنها قواعد مقبولة عالميًا، ومتفق عليها من قبل جميع أعضاء المجتمع الدولي، ولا يطرحها أحد على أي تساؤل، هذا يسمى القانون الدولي، و ميثاق الأمم المتحدة هو الجزء الرئيسي من القانون الدولي وأساسه، ولكن عندما يبتعد الغربيون عن استخدام مصطلح "القانون الدولي" ويستخدمون تعبير "النظام العالمي القائم على القواعد"، فإنهم يعنون شيئًا مختلفًا تمامًا، ومن أجل الحقيقة المطلقة ... يتم اتخاذ مثل هذه الإجراءات في مجال الأسلحة الكيميائية، في مجال الصحافة، في مجال الأمن السيبراني، والقانون الإنساني الدولي، و هناك منظمات عالمية معنية بكل هذه القضايا، لكن وفي المقام الأول في الاتحاد الأوروبي وكذلك في الولايات المتحدة، يريدون الترويج لمفهومهم في كل مجال من هذه المجالات، وبالتالي فمن الصعب جدًا الترويج لبعض المبادرات، للوصول إلى اتفاقيات في شكل عالمي، حيث لا يوجد أعضاء "مطيعون" في النادي الغربي فحسب، بل هناك روسيا والصين والهند، البرازيل والدول الأفريقية.

وأمام كل هذا فإن روسيا تؤيد التعاون مع الجميع، لكن على أساس الاحترام المتبادل والمساواة والبحث عن توازن المصالح، لأنها ترى قيمة مستقلة في كل شريك دولي - سواء في الشؤون الثنائية أو في المجالات المتعددة الأطراف، وتقدر الصداقة مع كل من يرد بالمثل ومستعدة للبحث عن اتفاقيات صادقة، وليس محاولة العمل مع الإنذارات والمطالب من جانب واحد، وتغطي القضايا التي تعلن روسيا عن استعدادها لمناقشتها جميع المجالات ذات الصلة بحياة الإنسان تقريبًا: الأمن والتجارة وحماية البيئة وحماية المناخ والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وغير ذلك الكثير.

فروسيا تروج لمقارباتها في الفضاء الأوراسي، وتعمل مع رابطة الدول المستقلة (CIS) ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي (CSTO) والاتحاد الاقتصادي الأوراسي (EAEU) ومنظمة شنغهاي للتعاون (SCO) وفقًا للمبادئ التي ذكرناها، لأن هذه المؤسسات مبنية حصريًا على مبادئ التطوع والمساواة والمنفعة المشتركة، ولا يوجد هنا "رؤساء" و "مرؤوسون"، وكل هذه المنظمات تعمل لأغراض بناءة وليست موجهة ضد أي شخص، ناهيك عن التظاهر بنشر ما يسمى، قيم مصاغة بدقة للعالم بأسره، تتطلب مراعاتها من جميع الدول دون استثناء، كما نلاحظ في عدد من هياكل التكامل الأخرى.

كما إن تعزيز المشاركة الشاملة مع الصين من بين أولويات السياسة الروسية الغير المشروطة، ويحتفل هذا العام بالذكرى العشرين للمعاهدة الثنائية الكبرى بشأن حسن الجوار والصداقة والتعاون، في نفس الاتجاه، تعمق روسيا شراكتها الإستراتيجية المميزة بشكل خاص مع الهند، وهذه برأي الوزير لافروف هي الطريقة التي يطلق عليها في الوثائق التي تم اعتمادها على أعلى مستوى، وإن روسيا أيضا بصدد توسيع التعاون مع أعضاء الآسيان ودول أخرى في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، تماشياً مع الفلسفة الموحدة التي تقوم عليها المبادرة التي طرحها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتعزيز تشكيل الشراكة الأوروبية الآسيوية الكبرى، و إنه مفتوح للجميع، دون استثناء، الدول الأوراسية المشتركة، والتي تنتمي إليها تزيد بشكل كبير من المزايا النسبية في عالم تنافسي للغاية لجميع البلدان الأوروبية الآسيوية على أساس أنها ستستمتع بهذه المزايا الطبيعية التي وهبها الله، و لا تحاول رسم خطوط فاصلة جديدة في القارة وتعميق الخطوط القديمة.

وبما أن المنتديات مثل قراءات بريماكوف هي منصات مثالية لمناقشة الأفكار التي تنشأ في هذا الصدد  بالتأكيد، قد تكون هناك بعض الأساليب البديلة، لكن المطلوب هو أن تتحول المناقشة إلى المستقبل لصالح جميع بلدان هذه المنطقة الشاسع، لذلك ستواصل روسيا الإسهام بنشاط في حل النزاعات الدولية، وهي تعمل في سوريا، وتساعد في استعادة الحياة السلمية بعد أن أوقفت إراقة الدماء في ناغورنو قره باغ، وهي تعمل بنشاط على تعزيز الجهود الدولية في أفغانستان وليبيا وحول إيران وشبه الجزيرة الكورية والعديد من "النقاط الساخنة" الأخرى، وان الحديث عن هذا لا من أجل لفت الانتباه إلى إنجازاتها، فروسيا ليست لديها عقدة نقص (مثلما لا توجد "عقدة فائدة" في السياسة العالمية)، لكنها دائمًا على استعداد لتقديم المساعدة لمن يحتاجونها. هذه هي مهمتها التاريخية،والتي تعود إلى قرون من تاريخها لذلك، فانها ستواصل، بما في ذلك المشاكل التي تبدو غير قابلة للحل مثل التسوية في الشرق الأوسط، وتسعى بنشاط إلى استئناف عمل اللجنة الرباعية للوسطاء الدوليين في أقرب وقت ممكن، والعمل على تعزيز مفهوم ضمان الأمن الجماعي في منطقة الخليج، وعقد اجتماعات قادة إسرائيل وفلسطين في موسكو مفتوحة لأقرب تنظيم ممكن، رغم تجاهل تذكيراتها المتكررة والدائمة بأنه من المستحيل الترويج لمفهوم تطبيع العلاقات بين إسرائيل والعرب على حساب المشكلة الفلسطينية، والتي وصفها الوزير لافروف بانها " واحدة من أخطر المشاكل التي ستزداد سوءًا ".

كما تعمل روسيا بنشاط على تعزيز مهمة الاتفاق، بالفعل في شكل متعدد الأطراف، في إطار الأمم المتحدة، على قواعد السلوك المسؤول في فضاء المعلومات، وتعزز التعاون في مكافحة فيروس كورونا، وعلى على عكس ما يحاول الغرب أن ينسبه إليها، فموسكو مهتمة دائمًا بعلاقات عملية وذات منفعة متبادلة مع أي شخص، بما في ذلك الغرب نفسه - سواء كان الولايات المتحدة أو حلفاء الناتو أو الاتحاد الأوروبي، وتشجع سلسلة كاملة من المبادرات لمنع الانهيار الكامل للاتفاقيات والتفاهم في مجال نزع السلاح والحد من التسلح وعدم الانتشار بعد أن دمر الأمريكيون الكثير، كما هي مستعدة للعمل مع أي شريك، لكن لن تكون هناك "لعبة من جانب واحد"، فلا العقوبات ولا الإنذارات النهائية جيدة لمحاولة التحدث إليها والتوصل إلى نوع من الاتفاق.

واليوم يستذكر الجميع بريماكوف، الذي أكد " على عدم جواز ربط روسيا القوية اليوم بتهديد الاستقرار في العالم، وانه فقط الجمود في التفكير يمكن أن يؤدي إلى استنتاج حول الخطر النابع من روسيا "، لذلك لن تبتعد روسيا أبدًا وفق مفهوم سياستها الخارجية، وعن قيمها الأساسية، وستكون مخلصة لأصولها الروحية ودورها في الاستقرار في السياسة الدولية، وستواصل بذل كل ما هو ضروري لتعزيز مصالحها الوطنية بحزم ولكن بدون مواجهة، وإقامة تعاون مع أوسع مجموعة من الدول، وان الشيء الوحيد الذي تؤكده موسكو أنها لا ينبغي أن تتعامل مع استعدادها للحوار مع أي شريك على أنه ضعف، فقد أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منذ وقت ليس ببعيد، رداً على الإنذارات الغربية، " أننا أنفسنا سنحدد الخطوط الحمراء في العلاقات مع الشركاء الأجانب، وقبل كل شيء، سندافع عن آرائنا حول النظام العالمي"، وحول كيفية تطوير العلاقات الدولية، بالامتثال الكامل للمبادئ والقيم التي لا تنص عليها وثائق متفق عليها بشكل ضيق، ولكن في ميثاق الأمم المتحدة .

 

بقلم الدكتور كريم المظفر

 

 

عباس علي مرادفتحت حكومة سكوت موريسن البازار الإنتخابي بعد أن قدمت ميزانيتها السنوية الشهر الماضي والتي لاقت إستحسان قطاعات واسعة من المواطنين.

لكن رياح حملة تلقيح المواطنين الأستراليين لم تجرِ كما تشتهي سفن الحكومة بعد ان تبخرت وعود موريسن بتلقيح جميع الأستراليين مع نهاية تشرين الأول القادم، هذا الفشل الذي استطاعت المعارضة البناء عليه وتحقيق مكاسب سياسية بالإضاءة على فشل الحكومة التي هرب رئيسها إلى الأمام محاولاً تحميل الولايات المسؤولية، وظهر ذلك جلياً بعد الموجة الرابعة من جائحة كورونا التي تفشت في ولاية فكتوريا.

يواجه موريسن مشكلة أخرى في مقاربة مسألة التغييرات المناخية والتي لها بعدين الأول داخلي حزبي والآخر خارجي.

داخلياً، يدرك موريسن أن التخلي عن إنتاج الفحم الحجري سوف يشكل كارثة سياسية له قد تأتي على زعامته لأن صقور اليمين داخل حزب الأحرار لم يتزحزحوا قيد أنملة عن موقفهم من إنتاج الفحم، ولم يتوانوا عن الانقلاب الذي شارك فيه موريسن للإطاحة بمالكوم تيرنبول من رئاسة الوزراء عام 2018 لأنه كان ينوي التخلي عن إنتاج الفحم مستقبلاً. وقبل ذلك كانت هزيمة حزب العمال الذي فرض ضريبة على الكربون التي ألغاها طوني أبوت بعد فوزه بإنتخابات عام 2013.

خارجياً، موريسن الذي شارك في إجتماعات مجموعة الدول السبعة ما زال يغرد خارج السرب ولم يحدد موعداً زمنياً للوصول إلى نسبة صفر لإنبعاث الكربون علماً ان الحكومة البريطانية حددت عام 2050 موعداً للوصول الى هذه النسبة وهذا ما تصبوا إليه الإدارة الأميركية الجديدة برئاسة جو بايدن. هكذا موقف قد يعرض الإقتصاد الأسترالي لعقوبات وصعوبة المنافسة في حال قررت الدول الأخرى فرض ضرائب عالية على الدول التي لا تلتزم بتخفيض نسبة إنبعاث الكربون.

العلاقات الصينية الأسترالية لم تغب عن الحسابات الإنتخابية لموريسن ووزرائه الذين يقرعون طبول الحرب مع الصين التي فرضت عقوبات إقتصادية قيمتها ما يقارب  20  مليار دولار على عدة منتجات أسترالية،  بينما تدعو المعارضة إلى مقاربة مختلفة للعلاقات مع الصين من ضمن الثوابت الوطنية.

حكومة الأحرار التي وصلت إلى السلطة عام 2013 ما زالت تنتهج سياسية متشددة ضد طالبي اللجوء خصوصاً القادمين عبر البحر، وأرسلت الذين نجحوا في الوصول إلى البر الأسترالي إلى جزر مانوس ونوروو وبابوانيو غينيا وعقدت اتفاقية مع الإدارة الأميركية لترحيلهم إلى الولايات المتحدة وكانت تهدف من وراء ذلك إيقاف عمليات تهريب البشر حيث نجحت هذه السياسة بشكل كبير.

الأسبوع الماضي عاد موضوع طالبي اللجوء إلى الواجهة بعد ان تحولت قضية العائلة السيرلانكية المعروفة بعائلة بيلوئيلا والتي تطالب باللجوء الى أستراليا إلى قضية سياسية وإنسانية.

القصة بدأت عام2012 بعد ان وصلت العائلة إلى أستراليا عبر البحر هرباً من الحرب الأهلية في سيرلانكا واستقرت في بلدة بيلوئيلا خلال النظر بوضعهم القانوني  وقد انجبت العائلة طفلتين خلال وجودها في أستراليا.

في 5 أذار عام 2018 حوالي الساعة الخامسة صباحًا داهمت قوات من الشرطة وحرس الحدود منزل العائلة ونقلتهم إلى أحد مراكز إحتجاز طالبي اللجوء في ملبورن تمهيداً لترحيلهم خارج البلاد، ولكن بفضل جهود المدافعين عن طالبي اللجوء تأخر ترحيل العائلة بعد عرض قضيتهم على المحكمة العليا التي ثبتت قرار الترحيل.

في 19 آب 2019 تم ترحيل العائلة ولكن المدافعين عن قضايا اللاجئين نجحوا في إعادة الطائرة بعد تقديم إستئناف للمحكمة الفيدرالية، فاضطرت الحكومة التي لم تتراجع عن قرار الترحيل لنقل العائلة إلى مركز إحتجاز اللاجئين في جزيرة كريسمس بإنتظار الفصل في قضيتهم.

تعيش العائلة ظروفاً غير إنسانية وتُمنع من الإختلاط مع السكان وإذا سمح لهم بالخروج من المركز ترافقهم فرقة من الحراس، وقد أنفقت حكومة سكوت موريسن حتى الآن مبلغ 6.7 مليون دولار على إقامة العائلة في المركز، الاسبوع الماضي نقلت البنت الصغرى إلى مستشفى الأطفال في مدينة بيرث على عجل بسبب معاناتها من مرض التهاب رئوي شديد بعد معاناة لأكثر من اسبوع في الجزيرة.

بعد نقل الطفلة إلى البر الأسترالي لتلقي العلاج زادت الدعوات للحكومة لإعادة العائلة إلى بلدة بيلوئيلا ومنحهم حق اللجوء، لكن الحكومة اعتقدت انها وجدت ظالتها الإنتخابية فاتخذت موقفاً متشدداً ورفضت النظر بالقضية لاعتبارات سياسية خوفاً من عودة اللاجئين عبر البحر إلى أستراليا. اللازمة التي كانت ترددها الحكومة دائماً وما كررته وزيرة الشؤون الداخلية كارن أندروز قائلة انها لا تريد رؤية الناس يموتون وهم يحاولون القدوم إلى أستراليا عن طريق البحر، مضيفة انها لن تفتح الباب أمام مهربي البشر.

و كانت الوزيرة كارن آندروز تدرس إمكانية ترحيل العائلة إما إلى نيوزيلندا او إلى الولايات المتحدة لكنها عادت وتراجعت عن هذه الفكرة، رغم ان وزيرة الخارجية ماريس باين كانت قد قالت ان الحكومة تدرس هذا الخيار.

رئيس المحكمة العليا السابق  السير جيرارد برينان انتقد  "القسوة المتعمدة" وحذر الحكومة من معاقبة الأهل بتعريض الأطفال للأذى وأضاف انه يشعر بالخجل من معاملة الأسرة بعد إجلاء إحدى بناتها ، إلى بيرث لعلاج إلتهاب الدم المشتبه به.

وحذر رئيس وزراء  ولاية غرب أستراليا مارك ماجوان الحكومة الفيدرالية  من ارتكاب خطأ "محرج دوليًا" لأستراليا وقال يجب إصلاح الخطأ بالسماح للأسرة بالإستقرار بشكل دائم في أستراليا.

يقول إن  النائب كين أودوويد عضو الحزب الليبرالي الوطني عن مقعد فلين  حيث تقع قرية بيلوئيلا الأمر يعود إلى مجلس الحزب للنظر بالموضوع، وأضاف إن القضية أصبحت تشكل إحباطًا متزايدًا لزملائه في مجلس النواب الذين احتفظ معظمهم حتى الآن بآرائهم ولم يصرّحوا بها.

كان هذا قبل ان يخرج ثلاثة نواب من حزب الاحرار الحاكم عن صمتهم والدعوة الى الإفراج  الفوري عن عائلة التاميل من الاحتجاز وإعادتهم الى أستراليا والنواب هم كاتي ألين وجيسون فالينسكي وترينت زيمرمان الذي قال :"لقد كانت حالة صعبة  ويجب أن تنتهي". "لقد حان الوقت لإعادتهم الى البر الأسترالي والسماح لهم بالاستقرار في المجتمع الذي احتضنهم ".

نهار الجمعة وقعت تسع مجموعات طبية رسالة إلى وزيرة الشؤون الداخلية كارين أندروزقالوا فيها أنهم:"قلقون للغاية" بشأن استمرار إحتجاز الأسرة لان ذلك يمثل خطرًا شديدًا وغير مقبول على صحة الأطفال ونموهم وصحتهم العقلية وقد تكون العواقب طويلة الأمد أو دائمة.

وغرد زعيم حزب الأحرار الأسبق الدكتور جان هيوسن داعياً الى إعادة نظر شاملة بسياسة الهجرة ليس فقط النظر بقضية العائلة السيرلانكية، ويعتقد هيوسن ان هذه السياسية أستغلت انتخابياً لوقت طويل ولأول مرة تصبح مضرة انتخابياً للحكومة.

زعيم المعارضة الفيدرالية انطوني البانيزي اعتبر أن القضية تسيئ لصورة أستراليا ودعى الحكومة السماح للعائلة بالعودة إلى أستراليا.

إذن 6.7 مليون دولار كلفة إحتجاز عائلة من 4 أشخاص حتى الان، هذا من الناحية المادية، أما من الناحية الإنسانية، فأين إنسانية حكومة سكوت موريسن ومتى سيكف رئيس الوزراء عن مناوراته الانتخابية ويقدم الاعتبارات الإنسانية على الإعتبارات السياسية والإنتخابية؟!

 

عباس علي مراد

 

 

 

 

علاء اللاميهذه الإلماعة التوثيقية التراثية السريعة موجهة الى البعض من شبابنا المضللين طائفيا قبل غيرهم، فهم الذين أصبحوا ضحية للمحرضين الجهلة من الشيرازيين وأمثالهم في أحزاب الفساد، أولئك الذين حرضوهم بالأمس على الدعوة إلى هدم تمثال أبي جعفر المنصور، وهاهم يحرضونهم اليوم على الإساءة الى الإمام أبي حنيفة النعمان وإبعاد ضريحه عن ضريح الإمام الكاظم، وكان حريا بهم أن يدعوا إلى تطهير ضريح الإمام الكاظم من جيفة أحمد الجلبي المدفون فيه. أدرج أدناه بعض المعلومات عن هذا الإمام النبيل الشجاع:

* ولد الإمام أبو حَنِيفة بالكوفة سنة 80 من الهجرة النبوية، الموافق لسنة 699 من الميلاد لعائلة ميسورة الحال فقد كان أبوه بائعا لقماش الخز، وورث عنه هذه المهنة التي ساعدته كثيرا في الحفاظ على استقلاليته كعالم ومثقف وفقيه حر وشجاع. عاش الإمام أبو حنيفة اثنين وستين عامًا من حياته في العصر الأموي وثماني عشرة عامًا في العصر العباسيّ.

* صلابته ضد ولاة بني أمية: "قالت له امرأة؛ أشرتُ على ابني بالخروج "بالثورة" مع إبراهيم ومحمد ابني عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب حتى قتل، فقال ليتني مكان ابنك. وكان يقول في المنصور وأشياعه: لو أرادوا بناء مسجد وأرادوني على عدّ آجرِّه لما فعلت".

المرجع: ورد في كتاب "الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل " للزمخشري - دار الفكر - ج1/ص309.

* طلب الوالي الأموي على الكوفة ابن هُبَيْرَة من أبي حنيفة أن يكون مسؤولا عن القضاء فأبى وامتنع، فحلف ابن هُبَيْرَة إِن هو لم يفعل ليضربنه بالسياط على رأسه. فقيل لأبي حنيفة ذلك فقالَ: ضربُهُ لي فِي الدُّنْيَا أسهلُ عليّ من مقامع الحديد فِي الْآخِرَة، وَاللهِ لَا فعلتُ وَلَو قتلني، فَحُكِيَ قولُه لابن هُبَيْرَة فقال: بلغ من قدره أن يُعَارض يَمِيني بيمينه، فَدَعَاه، فقال شفاهاً: وحلف له إِن لم يَلِ ليضربنّ على رأسه حتَّى يَمُوت، فَقَالَ لَهُ أَبُو حنيفَة: هِيَ موتةٌ واحدة، فأمَرَ به فضُرِبَ عشرين سوطًا على رَأسه، فقال أبو حنيفَة: اذكر مقامك بَين يَدي الله فإنّه أذلّ من مقَامي بَين يديك، ولا تهدّدني ؛ فأومأ الوالي إلى الجلاد أن أمسِكْ "كفَّ عن ضربه"، وبات أبو حنيفة رضي الله عنه فِي السجن، فأصبح وقد انتفخ وجهه ورأسه من الضَّرْب.

المرجع: أخبار أبي حنيفة وأصحابه للصميريّ، 68. وانظر أيضاً: تاريخ الإسلام للذهبيّ، 9/307.

* رُوِيَ عن عبد الله بن مالكٍ بن سليمان، قال: "أرسل الإمام زيدٌ بن علي بن الحسين إلى الإمام أبي حنيفة يدعوه إلى البيعةِ "قبل ثورته ضد الأمويين"، فقال أبو حنيفة لرسول زيد: لو علمتُ أنّ الناس لا يخذلونه كما خذلوا أباه لجاهدتُ معَهُ، لأنّه إمامٌ حقٌّ، ولكنّي أعينُهُ بمالي، فبعث إليه بعشرةِ آلافِ درهمٍ، وقال للرسول: ابسط عذري عنده".

المرجع: الجواهر المضيّة في طبقات الحنفيّة، للقرشيّ، 1/496.

* "وكان أبو حنيفة رحمه الله يفتي سرا بوجوب نصرة زيد بن علي رضوان الله عليهما، وحمْلُ المال إليه والخروج معه على اللص المتغلب المتسمي بالإمام والخليفة، كالدوانيقي وأشباهه". اقتبسه د. بدر الدين شيخ رشيد في مقالة له بعنوان "موقف أئمة الفقهاء من الحكم الأمويّ والعباسيّ".

المرجع: كتاب "تفسير البحر المحيط" لأبي حيان الأندلسي ج1/ص549/ دار الكتب العلمية، لبنان/ بيروت.

* قال الإمام أبو حنيفة النعمان عن خروج زيد بن علي بن الحسين "لقد ضاهى خروج زيد بن علي بن الحسين خروج رسول الله يوم بدر. فقيل له: لم تخلفت عنه؟ فقال: حبسني عنه ودائع الناس، وقد عرضتها على ابن أبي ليلى فلم يقبل فخفت أن أموت مجهلا".

المرجع: كتاب "الإمام زيد: حياته وفكره وآراؤه وفقهه" تأليف الشيخ محمد أبو زهرة. ص 74/ طبعة دار الفكر العربي 2005. متوفر على الانترنيت.

* وصلابته ضد بني العباس: "عن عبد الله بن الحسن عن بشر بن الوليد، قال: كان أبو جعفر المنصور أشخص أبا حنيفة إليه، وأراده على أن يولّيه القضاء، فأبى، فحلف ليفعلنّ، فحلف أبو حنيفة لا يفعل، فقال الربيع بن يونس الحاجب لأبي حنيفة: ألا ترى أميرَ المؤمنين يحلف؟ فقال أبو حنيفة: أمير المؤمنين أقدرُ مني على كفّارة أَيمانِهِ، فأبى أن يتولى القضاء، فأمر المنصور به إلى السجن، فمات في السجن ودُفن في مقابر الخيزُران رحمةُ الله عليه)

المرجع: الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء، لابن عبد البرّ، 171.

* قال الربيع: "رأيتُ أبا جعفر المنصورَ يُكلّم أبا حنيفة في أمر القضاء، وأبو حنيفة يقول له: اتّق الله ولا تُرعِي في أمانتك إلا من يخافُ الله، والله ما أنا بمأمونِ الرضى، فكيف أكونُ مأمونَ الغضب؟ ولو اتّجَهَ الحكمُ عليّك ثم تهدّدني على أن تُغرِقَني في الفرات أو أُزِيلَ الحُكْمَ لاخترتُ الغرقَ. ولك حاشيةٌ يحتاجون إلى من يُكرمهم لك، ولا أصلحُ لذلك، فقال له المنصور: كذبتَ! أنت تصلح، فقال له أبو حنيفة: قد حكمتَ لي على نفسك، فكيف يحلّ لك أن تُولّيَ القضاء من يكون كاذبًا؟".

المرجع: الجواهر المضيّة في طبقات الحنفيّة، للقرشيّ، 1/504، وانظر: مرآة الجنان وعبرة اليقظان، لليافعيّ، 1/243، ووفيّات الأعيان، لابن خلكان، 5/406 -407.

* وتوفّي أبو حنيفة النعمان ببغداد، وقيل في السجن لأنه رفض أن تَكُونَ قُضَاةُ الْإِسْلَامِ من تحت أمره، والطالبُ له هو المنصور، فامتنع فحبَسَه، وكان يُخرج كلّ يوم فيضرب عشرة أسواط، وينادى عليه في الأسواق، ثمّ ضُرِبَ ضربًا موجِعًا، حتّى سال الدم على عقِبيه، ونودي عليه وهو كذلك، ثمّ ضُيّق عليه تضييقًا شديدًا حتّى في مأكلِهِ ومشرَبِه، فبكى وأكّد الدعاء! فتوفّي بعد خمسة أيّام. وروى جماعةٌ أنّه دُفِعَ إليه قَدَحٌ فيه سمّ فامتنع، وقال: لا أعين على قتل نفسي، فًصُبّ فيه قهرًا، وقيل: إنّ ذلك كان بحضرَةِ المنصور!! وصحّ أنّه لمّا أحسّ بالموت سجَد فمات وهو ساجد. قيل: والسببُ في ذلك أنّ بعضَ أعدائِهِ دسّ إلى المنصورِ أنّه هو الذي أثار إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهم الخارج عليهِ بالبصرَةِ، فطلبَ منه القضاءَ مع علمِهِ بأنّه لا يقبلُهُ؛ ليتوصّل إلى قتلِهِ …)

المرجع: ردّ المحتار على الدرّ المختار، لابن عابدين، الدمشقيّ، الحنفيّ، (ط2، 1412 هـ -1992 م)، دار الفكر، بيروت، 1/166.

* صورة قديمة لجامع الإمام أبي حنيفة النعمان ببغداد. بُني المسجد الجامع عام 375 هـ 985 م بجوار قبر الإمام، ثم في عام 459 هـ/ 1066م بني مشهد وقبة على القبر وكذلك مدرسة كبيرة، وتعتبر مدرسة أبي حنيفة الفقهية من أقدم المدارس وتسمى كلية الإمام الأعظم، وهي واحدة من ثلاث أقدم جامعات على مستوى العالم، حيث سبقتها جامعة القرويين في مدينة فاس بالمغرب وبنيت في عام 859م، والجامع الأزهر في مصر الذي تأسس في عام 972م. أما أول الجامعات الأوروبية فقد بنيت بعد ذلك في عام 1088م، وهي جامعة بولونيا في إيطاليا.

 

علاء اللامي

 

حسن العاصيلطالما حظيت حقوق الإنسان بدعم دولي واسع، على الورق على الأقل. لكنها تواجه أيضاً معارضة متزايدة، ليس فقط على المستوى الملموس في شكل انتهاكات لحقوق الإنسان، ولكن أيضًا على المستوى النظري والفلسفي. بعض الانتقادات التي وجهت ولا تزال موجهة إلى حقوق الإنسان هي:

1- إنها متناقضة، وبالتالي لا يمكن تحقيق كل شيء في نفس الوقت. من الضروري تحديد الأولويات، على سبيل المثال  بين الجيلين الأول والثاني من الحقوق.

2- لقد تمت صياغتها على أساس التقاليد الغربية وبالتالي فهي غير صالحة عالمياً ولجميع الدول والثقافات. وبالتالي فإن الالتزام بهذه الحقوق يشكل شكلاً من أشكال الإمبريالية الثقافية الغربية.

3ـ إنها لا تتوافق مع الأعراف والقيم الدينية لأنها تضع الإنسان وليس الله في المركز ولا تكملها سلسلة من الواجبات.

4-هي تتعارض مع تقاليد ثقافية معينة وبالتالي تنتهك حق مجموعات معينة في تقرير المصير الثقافي.

5- يتم استخدامها كذريعة لانتهاك حق تقرير المصير وسلامة الدول المستقلة، على سبيل المثال في شكل ما يسمى "التدخلات الإنسانية"، مما يؤدي إلى عدم الاستقرار.

كيف يمكن أن تتعارض حقوق الإنسان؟

يعتقد بعض العلماء والمناظرين أن هناك تناقضاً بين الأجيال المختلفة لحقوق الإنسان، وأنه لا يمكن تحقيقها في وقت واحد، لأن الجيل الأول يطالب بأن تكون الدولة محدودة السلطة، بينما يطالب الجيل الثاني والثالث بأن يكون للدول والمؤسسات الأخرى دور كبير.

أي يحق للسلطة ويمكن لها أن تمتلك جميع الموارد المتاحة لهم تقريباً. يقول النقاد إن ذلك سيتطلب التعدي على حرية الفرد، على سبيل المثال حقوق الملكية، وبالتالي ينتهك بعض حقوق الجيل الأول.

من ناحية أخرى، يؤكد آخرون أن الأجيال الثلاثة لحقوق الإنسان متساوية في الأهمية وأنهم يدعمون بعضهم البعض. وترد الحجج ضد الجيل الثاني من الحقوق في موضوع حقوق الإنسان على الموقع الإلكتروني لإدارة حقوق الإنسان وفي كتاب المناقشة "النضال من أجل حقوق الإنسان" صادر باللغة الدنماركية Kampen om menneskerettighederne

كيف يمكن أن تكون حقوق الإنسان تعبيرا عن الإمبريالية الثقافية الغربية؟

وفقًا لبعض النقاد، لا يمكن نشر حقوق الإنسان عالمياً، لأنها تعبير عن طريقة تفكير فردية التوجه، ولا تتوافق مع التقاليد الثقافية السائدة في أجزاء كبيرة من العالم، بما في ذلك آسيا وأفريقيا.

عندما تمت كتابة الإعلان العالمي، لم يكن هناك سوى أربع دول أفريقية أعضاء في الأمم المتحدة، وبالتالي لم تلعب القيم والتقاليد الأفريقية أي دور تقريباً في تشكيل الإعلان.

وهكذا فإن الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان لعام 1986 يتحدث عن الحقوق والواجبات، مثل واجب العمل ودفع الضرائب واحترام الوالدين. شارك في العمل فلاسفة وفقهاء أفريقيون. السياسيين الآسيويين تحدثوا عن وجود القيم الآسيوية كبديل لحقوق الإنسان. تم ذكروا القيم الآسيوية في كتاب "حقوق الإنسان - من منظور تاريخي وفلسفي وديني واجتماعي" حيث يتم تعريفها على أنها "احترام السلطة والأسرة كأساس للضمان الاقتصادي والاجتماعي، تقديس التعليم، الادخار كفضيلة، العمل الجاد كفضيلة، الإيمان بالعمل الجماعي والتماسك، التركيز على إعطاء الناس بعض المصالح في بلدهم من خلال السماح لهم بامتلاك منازلهم، والتزام الحكومة بالحفاظ على بيئة صحية أخلاقياً حيث تكون مناسبة لتربية الأطفال، وأخيراً الصحافة الحرة، لكن الصحافة يجب أن تتصرف بمسؤولية ".

أشار الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (1926-1984) إلى أن حقوق الإنسان في شكلها الحالي هي بناء تاريخي، وبالتالي ذات طابع عالمي. كان فوكو إيجابيًا بشأن حقوق الإنسان، لكنه لم يعتقد أنه يمكن للمرء أن يطالب الآخرين بالانضمام إليها.

كيف يمكن أن تتعارض حقوق الإنسان مع القيم والأعراف الدينية والثقافية؟

تنص المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن "لكل فرد الحق في حرية الفكر والوجدان والدين. يشمل هذا الحق حرية تغيير الدين أو المعتقد والحرية، سواء كانت عامة أو خاصة، للتعبير عن دينه أو معتقده من خلال التعليم والتدريب والعبادة ومراعاة التعاليم الدينية.

وهكذا يحتوي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على حماية للمعتقدات والممارسات الدينية، كما تشير الجماعات الدينية في أجزاء كثيرة من العالم إلى حقوق الإنسان عندما يتعرضون للاضطهاد بسبب عقيدتهم. تعتمد معظم الأديان أيضاً على النصوص والمعتقدات، والتي تتماشى في نواح كثيرة مع حقوق الإنسان.

لكن في الوقت نفسه، قد تتعارض التقاليد والتفسيرات الدينية مع هذا. بعض الأمثلة هي:

أـ يعتقد بعض المسلمين أن ختان بناتهم واجب ديني. لكنه انتهاك لحق الفتيات في الصحة والسلامة وبالتالي انتهاك لحقوق الإنسان.

ب ـ يعد انتهاكاً لحقوق الإنسان عندما تقوم الأنظمة الدينية في المملكة العربية السعودية وأفغانستان وإيران، من بين دول أخرى، بسجن أو إعدام الأشخاص الذين يعتنقون ديناً غير الإسلام.

ج ـ تتميز أديان العالم عادة بالواجب وليس القانون. على سبيل المثال، على اليهودي واجب مساعدة الأضعف في المجتمع، لكن ليس للضعيف الحق في الحصول على المساعدة.

د ـ في التفسيرات التقليدية لكل من اليهودية والإسلام والهندوسية، فإن إمكانيات الفرد في بعض الحالات تتفوق عليها مصالح المجتمع. على سبيل المثال، وفقًا لنظام الطبقات الهندوسية، يُطلب من الأفراد أداء أدواراً معينة مرتبطة بالطبقة الفردية.

هـ ـ وبنفس الطريقة، هناك عناصر في كل من اليهودية والمسيحية والإسلام والهندوسية يتم تفسيرها تقليدياً على أنها تعني أن النساء والرجال لا يتمتعون بفرص متساوية وحقوق متساوية.

إنها تشكل انتهاكاً لإصرار حقوق الإنسان على أن يتمتع جميع الأفراد بحقوق متساوية، بغض النظر عن الجنس.

و ـ يجادل بعض المتدينين أيضًا بأن الفكرة الكاملة القائلة بأنه يمكن للناس تبني مجموعة من القواعد التي تتفوق من حيث المبدأ على إرادة الله هي فكرة لا يمكن الدفاع عنها لاهوتياً. إنهم يعتقدون أن حقوق الإنسان يتم تحويلها إلى "دين جديد". من بين هؤلاء النقاد عالم اللاهوت الدنماركي والسياسي البرلماني السابق "سورين كراروب" Søren Krarup الذي يشرح نقده لتفكير حقوق الإنسان في تأريخ بيرلينجسكي "رقصة حقوق الإنسان" والذي كان أيضًا عنوانًا لأحد كتبه.

ما هي حالة حقوق الإنسان اليوم؟

حقوق الإنسان كمفهوم معروفة في جميع أنحاء العالم، وهناك عموماً التزاماً واسعاً نسبياً بالمبادئ الكامنة وراء اتفاقيات الأمم المتحدة. ومع ذلك، لا يزال هناك طريق طويل لتقطعه الحقوق من النظرية والورقة إلى التطبيق. حيث يتم انتهاك حقوق الإنسان كل يوم - ربما إلى حد أكبر من أي وقت مضى. هذه إحدى الحجج في كتاب المناظرة "النضال من أجل حقوق الإنسان" حيث إنه لم تكن حقوق الإنسان أكثر أهمية مما هي عليه اليوم من قبل. على مدار الخمسين عاماً الماضية، انتقلت حقوق الإنسان من كونها كلمات رائعة على الورق إلى أن يكون لها تأثير ملموس على كل جانب من جوانب حياتنا تقريباً. ولكن مع أهمية أكبر تبع ذلك المزيد من المعارضات. لقد ولت المعتقدات العمياء للماضي في التعاون الدولي والنمو المستمر للحريات والحقوق.

يتعرض مشروع حقوق الإنسان اليوم لانتقادات من عدة جهات. يشير المثاليون إلى أن الكلمات والقرارات الرفيعة لا تترك الكثير من الفرص في السياسة الواقعية المحسوبة بهدوء والتي تسود بين السياسيين ورجال الأعمال ذوي النفوذ. على العكس من ذلك، يعتقد الكثيرون أن التطور قد قطع شوطاً مهماً، وأن المحاكم الدولية على وجه الخصوص تتحدى السيادة الوطنية.

من الدول الأوروبية مثل المجر إلى الدول الآسيوية مثل الصين وحتى مع القوة العظمى للولايات المتحدة، فإن حقوق الإنسان هي شيء موضع تساؤل - وإلى حد أكبر مما كان عليه قبل عقد أو عقدين فقط.

تم تقديم نفس الملاحظة في كتاب "حقوق الإنسان - من منظور تاريخي وفلسفي وديني ومجتمعي" والذي نُشر حتى في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين: "لقد أشارت حكومة الولايات المتحدة بوضوح إلى أن الإرهابيين المشتبه بهم لا يمكنهم توقع الشيء نفسه من حقوق للآخرين، عندما يتعلق الأمر باليقين القانوني. هذا انتهاك أساسي لحقوق الإنسان الأساسية.  في الوقت نفسه، يقدر المؤلفان أن "انتهاكات حقوق الإنسان في الماضي كانت شيئاً مرتبطاً بالصين ودول آسيوية أخرى أو مذابح في إفريقيا.

اليوم، يعد النقاش حول حقوق الإنسان جزءًا أساسياً من المجتمع الغربي. وحقوق الإنسان أصبحت أكثر وضوحا على جدول أعمال المجتمع الدولي على الرغم من النكسات الكبيرة.

يشير كتاب حديث أيضاً إلى أن حقوق الإنسان قد تتعرض لمزيد من التحدي في عالم رقمي متزايد. الكتاب يسمى "حقوق الإنسان في عصر المنصات" باللغة الدنماركية المؤلف "ريكي فرانك يورجنسن" Rikke Frank Jørgensen يؤكد على سبيل المثال، أن الكتاب يطرح تحديات جديدة عندما تكون الشركات الخاصة هي التي يجب أن تعتني بحقوقنا. تحدث أجزاء كبيرة من الحياة العامة على المنصات الرقمية. فالشركات الخاصة هي التي تقف وراءها، مما يخلق مفارقة في المصالح. على المنصات الرقمية يتم تحديد حقوقك وإنفاذها على أساس المعايير التجارية.

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدنمارك

 

جورج كتنيسعى محمد الجولاني قائد هيئة تحرير الشام التي تسيطر على المنطقة الخارجة عن سلطة النظام السوري في محافظة ادلب وريف حلب الغربي لاظهار منظمته الجهادية بانها تختلف عما تتصورها اطراف محلية وخارجية. ف"الهيئة" التي كانت تسمى جبهة النصرة والمصنفة على قائمة الارهاب الدولية، هي انشقاق عن الدولة الاسلامية التي هي بدورها احد فروع منظمة القاعدة. انضم الجولاني لقاعدة العراق في العام 2003 الذي شهد احتلال اميركا وانهاء حكم صدام حسين. عمل تحت قيادة ابو بكر البغدادي في العراق حيث سجن لخمس سنوات ثم ارسله البغدادي مع اموال ورجال لسوريا بعد اندلاع الانتفاضة الشعبية السورية. لكنه انشق عن البغدادي عندما اعلن هذا الغاء اسم كل من جبهة النصرة والدولة الاسلامية في العراق ودمجها في "الدولة الاسلامية في العراق والشام" (داعش). واعتبر الجولاني منظمته في سوريا التي توسعت وضمت الآلاف مبايعة لزعيم تنظيم القاعدة ايمن الظواهري. وعاد مرة اخرى لينشق عن القاعدة لتصبح "الهيئة" سورية بلا ارتباط باية جهة جهادية خارج سوريا.

عمل الجولاني لاظهار انه تغير في تصريحات واجراءات شكلية مثل محي انصاره لشعارات متطرفة من على جدران في ادلب او ارتداء الجولاني لبدلة كخروج عما يعتبره المتطرفون الاسلاميون تقليدا محرما للغرب الكافر. لكنه في حديثه المطول الاخير مع صحفي اميركي ركز اكثر على تميزه عن المنظمات الجهادية وبالدرجة الاولى ان المنطقة التي يسيطر عليها، وتضم 5 ملايين، لا تشكل تهديدا لامن اوروبا واميركا  وللمجتمع الغربي عموما، ليقول ان "الهيئة" لا ولن تنفذ عمليات خارجية وهي ضد قتل المدنيين الابرياء في اي مكان بالعالم، وانه حتى عندما كان في منظمة القاعدة كان يعارض العمليات الخارجية، وان هذا كان موقفه في 11 ايلول عندما هاجمت القاعدة برج التجارة العالمي في نيويورك رغم انه لم يخف "سعادته!" لضرب اميركا التي يعتبر ان سياستها في الوقوف الى جانب الصهاينة ضد المسلمين ومع الانظمة الطاغية ضد شعوبها، سياسة خاطئة ينتقدها دون قبول قتل المدنيين الابرياء كما حدث في "غزوة نيويورك". اراد ان يقنع الغرب باعتدال "الهيئة" لرفعها من قائمة الارهاب العالمية رغم انه دافع عن العمليات الاستشهادية على انها وسيلة وليست غاية بحد ذاتها ولكنه نفى استهدافها للمدنيين!

ورأى الجولاني انه يمكن تطبيع العلاقات مع الغرب والتلاقي حول قاسم مشترك هو وقف تدفق اللاجئين السوريين الى اوروبا ووضع حد للازمة الانسانية في سوريا، فالسوريين في منطقته يحتاجون لكل شيء، الماء والدواء والغذاء والكهرباء، وحتى طالب بالتنسيق مع الامم المتحدة في هذه المجالات. كما اعتبر هيئته جزءا "كبيرا!" من الثورة السورية ضد حكم ظالم  دون ان يوضح ما طبيعة الحكم الذي يحبذه فيما اذا سقط النظام. دافع عن الشريعة الاسلامية التي يتبناها فقط من زاوية انها تقبل بوجود تجمعات من ديانات ومذاهب مختلفة عن الاسلام، وان تطبيق الشريعة لا يعني استبعادهم. واكتفى بمدح الشريعة بالعموميات بانها "عادلة"، دون الخوض في الدفاع عن تمييزها مثلا ضد المرأة، او ضد الطوائف الاخرى التي رغم عدم استبعاد افرادها ليست لهم جميع حقوق المسلمين في مجالات مختلفة، ففي ظل حكم الشريعة هم مواطنون من الدرجة الثانية. كما لم يتعرض لتكفير الشريعة، كما يفسرها عادة الجهاديون، للديمقراطية وتحليلها قتل الذي يغير دينه، المرتد وغير ذلك ...

كما نفى الجولاني تصفية الفصائل المسلحة التابعة للجيش الحر لتأمين هيمنته الكاملة على المنطقة، بل انه صفاها باعتبارها مجرد عصابات  لصوص وقطاع طرق! وهي بالاضافة لتهم التبعية لداعش او العمالة للنظام او لروسيا او التحالف الدولي اوشتم الذات الالهية، تهم يمكن ان توجه لاي معارض ضمن منطقته لتكون حجة لتصفيته. كما نفى تعرض هؤلاء للتعذيب والمعاملة الوحشية في سجونه المتعددة ومنها سجن العقاب في جبل الزاوية وسجن حارم وسجن ادلب المركزي. كما تجاهل الاعدامات دون محاكمات والدفن في مقابر جماعية التي وثقتها "الشبكة السورية لحقوق الانسان" ومنظمة العفو الدولية. حتى انه نفى ان لديه سجون ك"هيئة" !! فهي جسم عسكري بحت فيما السجون تابعة للاذرع المدنية للهيئة "حكومة الانقاذ"، والجسم القضائي كأنها هيئات مستقلة وليس هو الذي عينها كهيئات صورية تتلقى اوامرها من قيادات "الهيئة". ولم يكتفي الجولاني بالهيمنة العسكرية من خلال تصفية من يعارضه او لا يتحالف معه، ولا بالهيمنة السياسية من خلال تعيين حكومة انقاذ تتبع لسلطته، بل طال الامر الهيمنة الاقتصادية حيث وضعت "الهيئة" يدها على جميع الموارد الاقتصادية في المنطقة وطردت االمنافسين، فاحتكرت المحروقات والمطاعم والمنتزهات والمولات ومقالع الحجر والتجارة الخارجية ما جعلها التاجر والصناعي الاول في المنطقة.

هل ستعتبر التصريحات وبعض الاجراءات  بالنسبة للغرب والعالم على انها تغييرا في سلوك "الهيئة"؟ سيكون الجولاني ومن يواليه سذج ان ظنوا انها ستغير من نظرة العالم له او لمنظمته فتشطبه من قائمة الارهاب ويتم الكف عن ملاحقته. ما يجري لن يعتبر اكثر من محاولة تلميع لصورته البشعة ولن تقنع احدا وليست تغييرا في العمق لآراء ومواقف الجماعة الموصومة بالارهاب عن حق وحتى لو لم تقم بعمليات خارجية فيما تستمر في عملياتها الارهابية في المناطق التي تسيطر عليها بقوة السلاح. لا شيء يضمن ان لا يكون هذا موقفا مرحليا الى ان تتمكن الجماعة اكثر، فمقاتلة العالم الكافر جزء من الشريعة الاسلامية التي تدعي هيئة الجولاني انها تطبقها او ستطبقها مستقبلا.

لن يغير كثيرا من صورة "الهيئة" ادعاء انها جزء اساسي من الثورة السورية للاختلاف الكبير بين اهداف الثورة الشعبية التي نادت بالحرية واستبدال النظام الديكتاتوري الاسدي بنظام ديمقراطي علماني يعطي السلطة للشعب من خلال ممثليه المنتخبين بحرية وشفافية . فاذا كان انتماء الجولاني وهيئته للثورة اتى عن طريق العمل لاسقاط الحكم الظالم، فذلك جزء من اهداف الثورة ولا يصل الى اقامة النظام الديمقراطي. فالشريعة التي سيطبقها الجولاني لن تختلف عن النظام الحالي الا بالشكل حيث سيستبدل استبداد يعتمد على حكم الشخص بحكم استبدادي آخر يعتمد على نصوص يعتبرها مقدسة فيما هي غير صالحة للعصر وتتناقض في معظمها مع حقوق الانسان كما ضمنها الاعلان العالمي لحقوق الانسان والعهود الدولية المتممة له.

التغيير الذي يمكن ان يعتبر حقيقيا، وهو على الارجح شبه مستحيل، يبدأ بتبني اقامة نظام ديمقراطي مدني كبديل عن النظام الاستبدادي الاسدي ليبدأ تطبيقه بقدر ما تسمح به ظروف المواجهة العسكرية في منطقة ادلب وغرب حلب، باطلاق سراح جميع معتقلي الرأي في سجون الهيئة والسماح بتشكيل الاحزاب والتكتلات السياسية والنشاط السياسي بحرية ودون قيود في كافة ارجاء المنطقة والكف عن ملاحقة معارضي "الهيئة" وتشكيل مجلس اداري محلي انتقالي يمثل كافة الاطراف السياسية الى ان تسمح الظروف باجراء انتخابات حرة ونزيهة، يمثل مواطني المنطقة في المفاوضات مع الاطراف الاخرى من اجل حل سياسي للحرب الاهلية في سوريا حسب القرارات الدولية.

لتغيير حقيقي، لا بد ايضا لل "الهيئة"، ان تكف عن تطبيق الشريعة فعلا او المطالبة بتطبيقها لكونها غير صالحة للعصر ولتعارضها مع حكم الشعب وممثليه المنتخبين، الذي اصبح من غير الممكن لاي بلد في العالم ان يستغني عنه من اجل تطوره وازدهار مواطنيه. فحاكمية الله التي يروجها الجولاني وامثاله من منظمات الاسلام السياسي نظرية خيالية تعطي السلطة لمن يدعي انه يمثل الله على الارض، ونتيجتها حكم استبدادي لقلة من ما يسمى "علماء" تتستر بنصوص فات اوانها وتقيم استبدادا مماثلا للاستبداد الاسدي وقد يكون اسوأ منه. ومن امثلتها نظام دولة البغدادي الداعشية المنقرض ونظام ملالي ايران الاسلامي الراهن. كما لا بد من انشاء جسم قضائي مستقل من قضاة مدنيين لا "شرعيين" كما هم حاليا يجرون المحاكمات بناء على الاجراءات المتفق عليها في البلدان المتحضرة، لتكن اولى محاكماتها لجميع مرتكبي جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية لاي طرف انتموا.

بدون مثل هذه التغييرات الحقيقية لن تفلح عملية تلميع الجولاني و"هيئته" لصورتهم امام المجتمع الدولي والاقليمي والمحلي. وسيكون الجولاني كمن يضحك على نفسه او يخادعها فيظن انه بمثل هذه المسرحية يمكن ان يزيل اسمه واسم منظمته من قائمة الارهاب وما يتبعها من ملاحقة.

 

جورج كتن

 9 حزيران 2021