كريم المظفرتفاعل الأسواق بشكل عام بشكل إيجابي مع انتهاء المحادثة بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأمريكي جو بايدن عبر الأنترنيت، وارتفاع قيمة الروبل امام العملات الدولية إلى 73.89 للدولار، وانهاء سوق الأسهم الروسية التداول في منطقة إيجابية، حيث ارتفع مؤشر بورصة موسكو بنسبة 1.66٪ (إلى 3873 نقطة)، RTS - بنسبة 1.55٪ (حتى 1647)، أضافت بعض المشاعر الإيجابية، الى تطور العلاقات بين البلدين .

ويرى المراقبون إن الأخبار الإيجابية للسوق هي أن المشرعين قد أزالوا الحظر المفروض على اكتساب الأشخاص الأمريكيين لالتزامات الديون السيادية للاتحاد الروسي من ميزانية الدفاع الأمريكية، وأوضح قال جريجوري سوسنوفسكي، مدير الشبكة الإقليمية للعمل مع العملاء الأثرياء BCS World of Investments، أن هذه طريقة صارمة للعقوبات يمكن أن تغير موقف المستثمرين.، في حين أكد ميخائيل فاسيليف، كبير المحللين في سوفكومبانك، إن المحادثات التي جرت بين رئيسي روسيا والولايات المتحدة ستقلل من التوترات الجيوسياسية. ووفقا له، كل هذا يمكن أن يؤدي إلى تدفق رأس المال إلى الأصول الروسية.

وعلى ما يبدو ان بوتين و بايدن عزموا منذ اللحظة الأولى لبدء اللقاء بينهما (عبر الفيديو) الذي استمر لمدة ساعتين، على إضفاء الروح الإيجابية على لقاءهما، والابتعاد عن التشنج او التصعيد بينهما، وقال مساعد رئيس روسيا يوري أوشاكوف كانت المحادثة صريحة، وكان لها طابع تجاري، ولكن في نفس الوقت كان هناك مكان للنكات، لتبادل المجاملات، فبعد كلمة الترحيب التي قدمها الرئيس بوتين، جاء رد نظيره الأمريكي "مساء الخير!" وهو يلوح بيده للرئيس الروسي - وقال " لسوء الحظ، لم يكن علينا الاجتماع في اجتماع مجموعة العشرين، لكنني آمل أن نتمكن في المرة القادمة من الاجتماع وجهًا لوجه"، في حين وصف الكريملين بدوره هذه المحادثات بانها كانت صريحة وعملية. واتفق الرئيسان على أن روسيا والولايات المتحدة ستستمران في الحوار والاتصالات الضرورية، ما الوعود التي تم الإعراب عنها في الاجتماع وما الذي يمكن توقعه بعد المفاوضات.

في ختام اللقاء المطول بين الرئيسين (عبر الفيديو)، ووفقا للكريملين تحدث الجانبان بشكل خاص عن تنفيذ نتائج القمة الروسية الأمريكية التي عقدت في جنيف في يونيو 2021، والإشارة إلى أهمية التنفيذ المنسق للاتفاقيات التي تم التوصل إليها على أعلى مستوى والحفاظ على "روح جنيف" عند النظر في قضايا العلاقات الثنائية وغيرها من المشاكل الناشئة بين روسيا والولايات المتحد،  واستذكر الرئيسان في هذا السياق تحالف البلدين إبان الحرب العالمية الثانية، وأكدوا أنه لا ينبغي نسيان التضحيات التي قُدمت آنذاك، ويجب أن يكون التحالف نفسه نموذجًا لبناء الاتصالات والعمل معًا في واقع اليوم، في حين احتلت المكان المهيمن في المحادثة المشاكل المتعلقة بالأزمة الأوكرانية الداخلية وعدم إحراز تقدم في تنفيذ اتفاقيات مينسك لعام 2015، والتي تشكل الأساس الذي لا جدال فيه لتسوية سلمية، وأوضح الرئيس الروسي، وباستخدام أمثلة محددة، الخط " التدميري " لكييف، الذي يهدف إلى التفكيك الكامل لاتفاقات واتفاقات مينسك التي تم التوصل إليها في "شكل نورماندي"، وأعرب عن قلقه الشديد بشأن الإجراءات الاستفزازية التي اتخذتها كييف ضد دونباس.

من جانبه، شدد جوزيف بايدن على الطبيعة "المهددة" المزعومة لتحركات القوات الروسية بالقرب من الحدود الأوكرانية وحدد إجراءات العقوبات التي ستكون الولايات المتحدة وحلفاؤها على استعداد لتطبيقها في حالة حدوث مزيد من التصعيد للوضع، ورداً على ذلك، شدد فلاديمير بوتين على أنه لا ينبغي نقل المسؤولية إلى أكتاف روسيا، لأن الناتو هو الذي يقوم بمحاولات خطيرة لغزو الأراضي الأوكرانية ويبني إمكاناته العسكرية على" حدودنا"، لذلك، فإن روسيا مهتمة بجدية بالحصول على ضمانات موثوقة وثابتة قانونًا تستبعد توسع الناتو باتجاه الشرق ونشر أنظمة أسلحة هجومية في الدول المجاورة لروسيا، واتفق القادة على إصدار تعليمات لممثليهم للمشاركة في مشاورات موضوعية حول هذه القضايا الحساسة.

وعند تبادل وجهات النظر حول أمن المعلومات، أكد الجانبان على أهمية الحوار النشط والمتواصل حول هذا الموضوع، وأعربوا عن استعدادهم لمواصلة التعاون العملي في المجالات الجنائية الإجرائية والتشغيلية والتقنية لمكافحة الجريمة السيبرانية، كما تم النظر في الوضع المحيط بخطة العمل الشاملة المشتركة بشأن البرنامج النووي الإيراني، وأشار رئيس روسيا إلى أهمية تنفيذها الكامل ضمن الإطار المتفق عليه في البداية، وأعرب القادة عن أملهم في أن تعقد المفاوضات حول هذه القضية، التي استؤنفت في نهاية نوفمبر في فيينا، بروح بناءة وتسمح بالتوصل إلى قرارات مقبولة من جميع المشاركين.

ووفقًا للعالم السياسي الأمريكي، مدير مركز التحليل العسكري والسياسي في معهد هدسون، ريتشارد ويتز، فإن الاجتماع ككل سار تمامًا كما كان متوقعًا، دون أحاسيس، وقال إن الشيء الآخر هو أن محادثة الفيديو سمحت بتبادل صريح لوجهات النظر، الأمر الذي يجب أن يوضح مواقف كل طرف ويحدد المجالات المحتملة للاتفاقيات والخلافات المستقبلية، مضيفا لصحيفة "إزفيستيا"، ان "هناك أمل في أن يؤدي الاجتماع إلى تهدئة التوترات بشأن أوكرانيا، لكن المشاكل الهيكلية الرئيسية للأزمة الأوكرانية ستظل قائمة"، بالإضافة إلى ذلك، أشار ريتشارد ويتز إلى أن حقيقة أن القادة أثاروا قضية إيران مهمة أيضًا، لأنه إذا تمكنت واشنطن وموسكو من الاتفاق على كيفية المضي قدمًا في البرنامج النووي، فقد يصبح هذا دافعًا حاسمًا لحل مشكلة العودة للاتفاق النووي مع طهران، وبطريقة أو بأخرى، كما ذكر يوري أوشاكوف، من السابق لأوانه تلخيص النتائج، و"سيستغرق هذا وقتًا طويلاً، لأن العديد من المشكلات تراكمت بحيث يمكن حلها لأكثر من شهر، وربما حتى أكثر من عام واحد " .

كما تمت مناقشة القضايا الثنائية، وذكر بوتين أن التعاون مع الولايات المتحدة، لا يزال في حالة غير مرضية، ويتجلى ذلك، على وجه الخصوص، في الصعوبات التي واجهتها في عملهما البعثات الدبلوماسية "المقيدة" لكلا البلدين، مشددا في الوقت نفسه على أن كل هذا هو نتيجة لخط السلطات الأمريكية، التي بدأت قبل خمس سنوات في ممارسة قيود واسعة النطاق وحظر وطرد جماعي للدبلوماسيين الروس، وهو ما " نضطر إلى الرد عليه بطريقة تشبه المرآة"، واقترح الجانب الروسي إلغاء جميع القيود المتراكمة على عمل البعثات الدبلوماسية، والتي يمكن أن تعمل أيضًا على تطبيع جوانب أخرى من العلاقات الثنائي، وأعرب الرئيسان عن رأي مفاده أنه بالنظر إلى مسؤوليتهما الخاصة في الحفاظ على الأمن والاستقرار الدوليين، ستواصل روسيا والولايات المتحدة الحوار والاتصالات الضرورية، وبشكل عام، كانت المحادثة صريحة وعملية.

وقبيل اللقاء الفيديوي الذي جمع الرئيسان الأمريكي والروسي كان أحد الموضوعات الرئيسية للمحادثات، كما هو متوقع، الوضع حول أوكرانيا، والذي في الواقع ووفقًا للعديد من الخبراء، فإن العالم كان على وشك حرب جديدة واسعة النطاق، والتي قد تندلع، وجادلت وسائل الاعلام الغربية في الآونة الأخيرة، مرارًا وتكرارًا، ونقلاً عن مصادر في أجهزة المخابرات الأمريكية، بأن روسيا تخطط لغزو أوكرانيا في أوائل عام 2022، وتصف موسكو هذه الاتهامات بأنها بعيدة المنال وتؤكد أن كييف لا تمتثل لاتفاقيات مينسك وأنها تسحب العسكريين إلى خط الترسيم في دونباس.

البيت الأبيض يرى الوضع من منظور مختلف، فقد اعرب الرئيس الأمريكي وبحسب الخدمة الصحفية، عن قلق الولايات المتحدة والحلفاء الأوروبيين من حشد القوات الروسية بالقرب من حدود أوكرانيا، وفي الوقت نفسه أوضح الرئيس الأمريكي أن الولايات المتحدة وحلفاءها سيردون "بإجراءات اقتصادية حاسمة" وغيرها في حال حدوث تصعيد عسكري، بالإضافة إلى ذلك، لا تستبعد الولايات المتحدة توسيع المساعدة العسكرية لأوكرانيا في حالة تفاقم الوضع، ومع ذلك، فإن واشنطن مستعدة للمساعدة في دفع تنفيذ اتفاقيات مينسك، وقال البيت الأبيض في بيانه إن "الرئيس بايدن أكد من جديد دعمه لسيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها ودعا إلى وقف التصعيد والعودة إلى الدبلوماسية".

المراقبون الروس يرون إن إدارة بايدن لا تستطيع حتى التلميح إلى حل وسط، مع الأخذ في الاعتبار الضغط السياسي الداخلي من الجمهوريين، وقارنت شخصيات بارزة من الجمهوريين الاتفاقات المحتملة بشأن أوكرانيا تقريبًا باتفاقية ميونيخ، وقال ديمتري سوسلوف، نائب مدير مركز الدراسات الأوروبية والدولية الشاملة في المدرسة العليا للاقتصاد، من الواضح أنه في ظل هذه الظروف لا يستطيع بايدن إعلان تسوية، في ذات الوقت شدد فلاديمير بوتين على أن مسؤولية ما يحدث في أوكرانيا لا ينبغي نقلها إلى أكتاف روسيا، "لأن الناتو هو الذي يقوم بمحاولات خطيرة لغزو الأراضي الأوكرانية ويبني إمكاناته العسكرية على حدودنا"، وفي ظل هذه الخلفية، فإن موسكو مهتمة بجدية بالحصول على ضمانات موثوقة وثابتة قانونًا باستثناء توسع الناتو شرقًا ونشر أنظمة أسلحة هجومية في الدول المجاورة لروسيا، لكن البيت الأبيض، أوضح إن جو بايدن لم يمنح فلاديمير بوتين أي ضمانات بأن أوكرانيا ستبقى خارج حلف شمال الأطلسي، ومع ذلك، اتفق القادة على توجيه ممثليهم للمشاركة في مشاورات موضوعية حول هذه القضايا الحساسة.

وعشية القمة الافتراضية، أفادت وسائل إعلام أمريكية بأن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يفكرون في فرض عقوبات جديدة على صندوق RDIF والمصارف الروسية وشركات الطاقة، وكذلك على حاشية فلاديمير بوتين في حال تحركات موسكو العدوانية ضد أوكرانيا، وسيكون الخيار الأكثر جذرية هو فصل الاتحاد الروسي عن نظام الدفع المالي SWIFT، وحذرت شبكة CNN على وجه الخصوص من أن العقوبات الجديدة قد تؤثر أيضًا على الديون السيادية لروسيا.

ومع ذلك، وخلال المفاوضات، أصبح معروفًا أن المشرعين الأمريكيين أزالوا من مسودة ميزانية الدفاع المتفق عليها أحكامًا بشأن فرض عقوبات على نورد ستريم 2 و 35 روسيًا، كما أن الحظر المفروض على اكتساب أشخاص من الولايات المتحدة لالتزامات الديون السيادية للاتحاد الروسي قد اختفى من الوثيقة، في غضون ذلك، ينص مشروع الميزانية على تخصيص 300 مليون دولار للمساعدة العسكرية لأوكرانيا و 4 مليارات دولار لـ "مبادرة الاحتواء الأوروبية" - وهو برنامج لتعزيز التعاون العسكري بين الولايات المتحدة والحلفاء الأوروبيين، بدأته واشنطن في عام 2014 ردًا على إعادة توحيد شبه جزيرة القرم مع الاتحاد الروسي والصراع في دونباس ...

ويعتقد كثيرون أن استبعاد عدد من العقوبات من ميزانية الدفاع مرتبط بالمفاوضات، وانه من السابق لأوانه تنفيذها أو ملاءمتها في فواتير الميزانية، لان هذا من وجهة نظر سوسلوف، سيجعلها إلزامية، وذكر بان 300 مليون دولار أقل بعشر مرات من المساعدة العسكرية الأمريكية السنوية لإسرائيل، حيث تساعد واشنطن الدولة اليهودية بما يقارب 3.5 مليار دولار، - إذن فهي أكثر من مجرد لفتة رمزية، و إن هذا يشير إلى أن الولايات المتحدة لن تقاتل من أجل أوكرانيا ولا تنوي حتى تعديل التوازن العسكري بين أوكرانيا وروسيا، وفي الوقت نفسه قالت وزارة الخارجية، أن الولايات المتحدة لا تزال تدرس مع حلفائها خيار العزلة الكاملة للاتحاد الروسي عن النظام المالي العالمي.

في مواضيع أخرى، ناقش السياسيون الوضع حول خطة العمل الشاملة المشتركة بشأن البرنامج النووي الإيراني، هنا، لا توجد اختلافات واسعة النطاق كما في حالة الأزمة الأوكرانية بين الولايات المتحدة والاتحاد الروسي، وأعرب القادة، على وجه الخصوص، عن أملهم في أن تعقد المفاوضات حول هذه القضية، التي استؤنفت في نهاية نوفمبر في فيينا، بطريقة بناءة وتسمح بالتوصل إلى قرارات مقبولة لجميع المشاركين، وأثناء المفاوضات أيضا، أُعرب عن الاستعداد لمواصلة التفاعل العملي في المجالات الإجرائية الجنائية والتشغيلية التقنية لمكافحة الجريمة السيبرانية.

ووسط مناقشات القضايا الدولية، لم تُترك العلاقات الثنائية جانبا، وعلى وجه الخصوص، تمت مناقشة الأزمة الدبلوماسية بين روسيا والولايات المتحدة، ولم يتم حل النزاع على الممتلكات الدبلوماسية الروسية في الولايات المتحدة بعد، ولا تزال القنصليات الروسية العامة في سان فرانسيسكو وسياتل مغلقة، والبعثة التجارية الروسية في واشنطن، وكذلك فرعها في نيويورك، لا يعملان أيضًا، وشدد فلاديمير بوتين أيضا، على أن الوضع الحالي هو نتيجة لخط السلطات الأمريكية، التي بدأت قبل خمس سنوات في ممارسة قيود واسعة النطاق وحظر وطرد جماعي للدبلوماسيين الروس، وهو ما اضطر الاتحاد الروسي إلى الرد عليه في المرآة بطريقة شبيهة، في الوقت نفسه، اقترح الجانب الروسي إلغاء جميع القيود المتراكمة على عمل البعثات الدبلوماسية، والتي يمكن أن تعمل أيضًا على تطبيع جوانب أخرى من العلاقات الثنائية.

بشكل عام، يؤكد المسئولين الروس أن الاجتماعات الشخصية على أعلى مستوى يمكن أن تحقق نتائج أكبر من المفاوضات عبر الاتصال المرئي، وتحدث الرؤساء أنفسهم عن الحفاظ على "روح جنيف" - وأشاروا إلى أهمية التنفيذ المتسق للاتفاقات التي تم التوصل إليها في الصيف وأعربوا عن رأي مفاده أنه، مع مراعاة المسؤولية الخاصة للحفاظ على الأمن والاستقرار الدوليين، فإن روسيا والولايات المتحدة ستواصل الدول الحوار والاتصالات الضرورية.

أذن اللقاء بين بوتين و بايدن نجح في تخفيف التوتر، وشرعن خطوات كل منهما، فالولايات المتحدة حذرت من العقوبات " القاسية " في حال أقدام روسيا على " غزو " أوكرانيا، وهو الامر الذي نفته موسكو مرارا وتكرارا، وشددت على انها لا تقدم على مثل هكذا خطوة ضد شعب تجمعه وأياه علاقات تاريخية " عميقة "، وإن تحركات قطعاتها العسكرية في أراضيها، هي لمواجهة تحركات " الناتو " القريبة من حدودها، كما ان اللقاء كان فرصة ثمينة ليدلي كل من الرئيسين بوتين وبايدن بدلوهما في قضيتين دوليتين مهمتين أوكرانيا، وإيران وأكدوا أنه إذا تمكنت واشنطن وموسكو من الاتفاق على كيفية المضي قدمًا في البرنامج النووي، فقد يصبح هذا دافعًا حاسمًا لحل مشكلة العودة للاتفاق النووي مع طهران، لذلك لا يمكن اعتبار قمة الرئيسين فلاديمير بوتين وجو بايدن، لم تحدث انفراجا في العلاقات لكنها تبعث الأمل في ذلك، ومن المرجح أن تخفف التوترات بين روسيا والغرب المرتبطة بالأزمة الأوكرانية، أما بالنسبة للعقوبات المحتملة اعتبرها الرئيس الروسي، بأنها ليست جديدة، وهي تم تبنيها لفترة طويلة إلى حد ما، لكنها للأسف لا تعطي أي تأثير إيجابي سواء بالنسبة للولايات المتحدة أو بالنسبة لروسيا.

 

د. كريم المظفر

 

 

مهدي البنايأشارَ البنك الدولي في تقريره الاخير بخصوص العراق أن ما نسبته 25% من السكان هم فعلا تحت خط الفقر، وأن أثر الجائحة والتخفيض الاخير في العملة المحلية قد يضيفان حوالي 5 ملايين فقير آخر، وبغض النظر عن واقعية هذه البيانات،  فان مناقشة مسألة الفقر في بلد يشكل خامس احتياطي (مؤكد) من البترول في العالم، ويصدر أكثر من  3.25 مليون برميل يومياً، ويتمتع بامكانات بشرية وثروات طبيعية هائلة هي مسألة معيبة بحد ذاتها.

يتسم الاقتصاد العراقي بأنه اقتصاد السلعة الواحدة، وهو مرتبط بها عمليا، وبالتالي إنَّ اي ضرر يصيب انتاج وتسويق هذه السلعة سينعكس مباشرة على حياة الناس. فالحكومة هي المشغل الاكبر والمتحكم بالثروة، وقد اكتفت بدور (الموزع) وفشلت بلعب دور (المستثمر) أو (المنظم)، وإطمأنت لعوائد البترول بتحصيل ايرادها، وليس كما تفعل دول العالم باعتمادها على موارد اقتصادها الانتاجية، اعتمدت مبدأ (البئر المنتج) وليس (المجتمع المنتج)، خطورة هذه السياسة تكمن في ان انتاج ونقل وتسويق وتسعير ناتج البئر هو ليس بيد الحكومة ! وبالتالي فان ايراداتها رهن الخارج والسوق العالمية. فمن المؤكد ان ايراداتها ستتأثر جراء الجائحة والاغلاقات التي تبعتها، ومن ثم ستتأثر قدرتها على الوفاء بالتزاماتها للداخل والخارج.

الجائحة وما نتج عنها من اغلاقات وخفض الطلب على الطاقة أدت الى خفض معدل النمو بنسبة كبيرة، لان البترول يشكل 40% من الناتج القومي الاجمالي، ثم جاء موضوع تخفيض قيمة العملة المحلية ليشكل هماً اخر للمواطن الذي انخفض دخله الحقيقي بنسبة تزيد على 20%، وزيادة بالاسعار أدت الى ارتفاع التضخم، وبتنا نعاني من ركود اقتصادي وزيادة مستمرة بالاسعار، وإنخفاض معدلات النمو مع إرتفاع معدلات البطالة، وهو مايندر تواجدهم معا فى الظروف الطبيعية، أي بتنا في وضع (الركود التضخمي) Stagflation  وهو وضع سيئ سيعاني منه المخطط الاقتصادي لانه سيضعه اما احتمالات متضاربة، فلا هو قادر على معالجة جانب الطلب بزيادة المعروض النقدي لانه سيؤدي لمزيد من التضخم، ولا هو قادر على ممارسة سياسات تقشفية لان ذلك سيؤدي الى مزيد من الركود !!

عندما تزداد البطالة وترتفع الاسعار في نفس الوقت سيصعب احداث فرص عمل واستقرار بالاسعار معاً.

تُصَمم ستراتيجيات تخفيض مستويات الفقر عادةً بناءً على مفهوم معالجة أسبابه، سواءً كانت متعلقة بالفرد (ضعف التعليم، المرض، الاعاقة، عدد أفراد الاسرة، ضعف الرغبة بالعمل) او بالمجتمع (الوضع الاقتصادي العام، البطالة، تدني الاجور، التمييز العرقي او النوع الاجتماعي، فرص الحصول على عناصر الانتاج) او بالبيئة (تغير المناخ، الحروب والكوارث ..الخ)

يبدو من الواقع الاحصائي أن البطالة، وسوء توزيع الثروة، يشكلان السببين الرئيسيين في تفشي الفقر في العراق، وبالتالي تبرز أهمية التركيز على معالجة هذين السببين.

الفقر هو الناتج الابرز للبطالة، ويرتبط بها طردياً، ويتعاظم مع غياب دعم العاطلين عن العمل. لذا فان تفعيل النشاط الاقتصادي غير الحكومي يشكل حلا مستداما لمشكلة البطالة والفقر، يفوق في اهميته كل أشكال الدعم المباشر (العيني أو النقدي) للفقراء. فهناك خلط واضح بين الفقر الناتج عن البطالة، والفقر الناتج عن عدم القدرة على العمل، فالاول يعالج بتمكين الفقير القادر على العمل من فرصة العمل، والثاني يعالج من خلال شبكات الضمان الاجتماعي، ولا يصح ان يعالج الاثنان بنفس طريقة الاعانات.

على مدى 18 سنة الماضية اعتمدت الحكومة سياسة التوظيف الحكومي والاعانات والقروض الشخصية والمنح كسياسة لتوزيع الثروة أكثر منها سياسة لتوفير الخدمات العامة أو تعويض المتضررين. ولقد خدمت هذه السياسة أهدافاً أخرى من شانها تأمين الولاء والانصار، ولكنها لم تكن سياسة عادلة اذ افترضت أن جميع المواطنين موظفين، او ان جميع المواطنين غير الموظفين سينالهم نصيبا من الثروة الموزعة بهذه الطريقة وفق نظرية التساقط.

ان المنح المباشرة للفقراء لم تشكل يوما ما حلا مستداما لمشكلة الفقر في أغلب دول العالم، وبرأيي ما هو الا ترحيل مؤقت للمشكلة التي ستتعاظم وتشكل تحدياً أخطر في المستقبل.

الحلول المستدامة هي بتوفير فرص العمل، وفرص متاحة ومتساوية للحصول على عوامل الانتاج (راس المال، الارض، العمل، التنظيم) لتمكين الشباب من اقامة أعمالهم الخاصة، وتغيير طريقة التعليم ليكون تابعا للسوق وليس متعاليا عليه. (فجميع البشر هم رواد أعمال محتملون).

ان تخفيض العملة جاء كحل أخير لانقاذ الموازنة امام انهيار الواردات النفطية الى حد النصف تقريبا ! والخطأ كان ابتداءاً بتحميل الموازنة ما لا تطيقه من أعباء والتزامات لا داعي لها اقتصاديا واداريا .

ان القول ان التخفيض جاء لانقاذ الاقتصاد ودعم الانتاج المحلي قول لا اساس له، فسياسة تخفيض العملة لتنشيط القطاع الانتاجي تستلزم شروطاً اخرى ضرورية، منها (ان يكون القطاع الانتاجي المحلي مرنا بالاستجابة لهذا الاجراء، والحقيقة ان قطاعنا الانتاجي يفتقر لهذه الميزة، فهو قطاع شبه مشلول بسبب نقص الطاقة والتمويل والحماية) .

وكان من المفروض ان يرافق قرار التخفيض اجراءات السيطرة على المنافذ، وتوفير الطاقة، وضمان رأس المال للمشاريع الانتاجية.

وبات واضحا ان التخفيض كان سيئاً من حيث التوقيت، وغير ذي جدوى من حيث الاليات، ولكنه كان الحل الوحيد لانقاذ الموازنة الحكومية.

كان البلد يعاني من نسب فقر مقلقة قبل الجائحة، وقبل تخفيض العملة، لكنما الظرفان اديا الى تفاقم المشكلة.

أشرنا سابقا الى ان المعالجات المستدامة ينبغي أن تركز على أسباب الفقر وليس ظواهره. فاعادة النظر بهيكل الاقتصاد العراقي واصلاح اختلالاته اصبح ضرورة ملحة ومصيرية، لكن التخلص من الريع دفعة واحدة غير ممكن، واعتماد المساعدات والتوزيع غير مجدٍ ولا مستدام، والابتعاد عن سياسة تحريك الاقتصاد بالموازنة الحكومية التي أثبتت فشلها، واصبح لزاماً التوقف عن انتاج البطالة المقنعة وهدر الطاقات  بسياسة التوظيف الحكومي .

ان ستراتيجية معالجة الفقر ينبغي ان تركز على أمرين هما: الحد من الفقر واحتواؤه، فالحد من الفقر يتطلب اجراءات لخفض الفقر ومستويات عدم المساواة في آن واحد، واحتواء الفقر يتطلب تعزيز المنعة (أي خفض درجة التعرض) بضمان فرص مستدامة للعمل وشبكات حماية اجتماعية فاعلة وعادلة.

وبما ان السبب الرئيس للفقر في العراق هو (البطالة)  فالحل كما اراه هو في دعم سياسة المجتمع المنتج، بتوفير بيئة تمكن الاعمال الخاصة من النمو (حماية، رأس مال، طاقة) وربط مخرجات التعليم بحاجة السوق.

وتبقى ضرورة صيانة شبكة حماية اجتماعية لغير القادرين على العمل، تضمن الكفاية وعدالة التوزيع. وحتى هذا الدعم يجب ان يخرج من نطاق دعم الدخل للفقراء، الى نطاق دعم قدرة الفقراء على توليد الدخل، فقد اثبتت التجارب انه اذا لم ترتفع مستويات الانتاجية بين الفقراء في سن العمل، فمن المرجح ان تؤدي سياسات الحماية الاجتماعية الى نتائج عكسية.

 

د. مهدي البناي

 

قاسم حسين صالحتعدّ (الدوغماتية) احد أهم واخطر اسباب الأزمات السياسية والاجتماعية في العراق والعالم العربي.ومع ذلك فان السياسيين والاعلاميين يتعاملون معها كتعامل من ينشغل بوصف اعراض المرض ولا يلتفت الى تشخيص سبب العلّة..التي نكشفها لكم الآن.

  تعني الدوغماتية: Dogmatism الجمود العقائدي، الجزمية الفكرية، القطعية،  العقيدية..غير ان اكثرها تداولا هو اصطلاح الجمود الفكري. ولقد انشغل الفلاسفة بتحديد مضمونها، فمنهم من وصفها بانها طريقة منغلقة للتفكير، يمكن ان تصاحب اية ايديولوجية بصرف النظر عن محتواها ما اذا كانت دينية او علمانية.ومنهم من وصفها بانها تنظيم معرفي مغلق نسبيا خاص بمعتقدات ولامعتقدات الشخص بخصوص الحقائق والوقائع والسلطة المطلقة،  فيما حددها آخرون بعدم قدرة الفرد على تغيير افعاله او اتجاهاته حتى لو تطلّب الموقف ذلك، وحددها آخرون بأقوال مطلقة من غير سند او برهان، وصنفها آخرون بانها صفة الأفراد الذين يسعون الى فرض آرائهم بالسلطة، او بالنفوذ، وانتهى آخرون الى انها الاعتقاد الجازم واليقين المطلق المستند الى مباديء تقليدية راسخة دون البحث عن وجه الحق في التسليم بها.

ولأن الجمود الفكري (الدوغماتية) يعدّ من وجهة نظر علماء النفس والاجتماع السبب الرئيس للخلافات السياسية التي غالبا ما تنتهي بحروب، وأنه (مرض)خالقي الأزمات من القادة السياسيين، فقد ظهرت حوله نظريات اشهرها نظرية روكيتش التي تناولها في كتابه (العقل المنفتح والعقل المنغلق). وعلى وفق هذه النظرية فأن الافراد منفتحي العقول (غير الدوغماتيين، غير المتطرفين)، هم الذين يقبلون التخلّي عن بعض معتقداتهم اذا ما اقتنعوا بخطئها، ويقبلون الافكار الجديدة اذا ساندتها ادلة قوية. اما الافراد منغلقي العقول (الدوغماتيون، المتطرفون) فهم الذين يرفضون الافكار الجديدة مهما كانت قوة الادلة التي تساندها،  ويتشبثون بمعتقداتهم القديمة حتى ان ثبت خطؤها.

وعلى وفق نظرية التصنيف الاجتماعي فان الناس ينزعون الى تصنيف عالمهم الاجتماعي الى صنفين ” نحن ” (أو الجماعة الخاصة بالفرد) و” هم ” (أو الجماعة الاخرى). وانهم يتحيزون لجماعتهم ويبالغون ويعظّمون ايجابياتها ويغمضون اعينهم عن سلبياتها،  فيما يعمدون الى تضخيم سلبيات الجماعة الاخرى وغضّ الطرف عن ايجابياتها، وهذا ما كنّا نحتنا له مصطلحا جديدا بعلم النفس بأسم (الحول العقلي)، واثبتنا ان حكّام العراق.. حولان في السياسة.

لقد توصلت الدراسات السيكولوجية الى ان الدوغماتي (الجامد فكريا) لا يسمع الا نفسه ولا يرى غيره ولا يتقبل الرأي الاخر، وليس هذا بسبب عدم كفايته الشخصية وانما بسبب شعوره بأنه منبوذ من قبل الآخرين، وهذا ما حدث لقادة احزاب الأسلام السياسي في العراق في انتخابات 2018 التي عزف عن المشاركة فيها اكثر من 80 بالمئة من الناخبين العراقيين.

ولك ان تراقب حكّام العراق تجد أن اغلبهم يسارع الى رفض أي دليل او مناقشة تتعارض مع معتقداتهم، وينظرون الى الامور الجدلية على انها ابيض واسود فقط، وغير قادرين على التخلي عن ارائهم حتى لو بدا لهم خطؤها، بعكس صاحب الفكر المنفتح الذي يتشوق لمعرفة الجديد سواء كان موافقا لما يرى ام مخالفا له.

والمفارقة ان صاحب الفكر المنغلق لا يشعرك بأنه شخص عقلاني منطقي، كقول من كانت امور العراقيين بيده بأن العلمانية كفر وزندقة، لأنه متخندق مع نفسه ومتبرمج على معتقدات ومفاهيم جاهزة وقطعية..يحفظها عن ظهر قلب، دون ادنى اعتبار لمشاعر الآخرين، سيما اذا كان الشعب متنوع المكونات والمعتقدات كالشعب العراقي الذي يحتاج الى حاكم منفتح عقليا.

والدوغماتية تفضي الى التعصّب وتعمل على تشكيل شخصية بمواصفات معينة، اوضحها..صلابة الرأي التي لا تسمح له بأن يتزحزح عنه، والميل الى التسلط والعدوان الذي يسقطه على الجماعات او الاشياء التي يتعصب ضدها.وسيكولوجيا، يجد المتعصبون في احقادهم على الاخرين تفسيرا مبررا عن دوافعهم ورغباتهم المكبوته بما فيها الانتقام، ويعدون التسامح مع الخصوم ضعفا او جبنا، ولك ان تتذكر ما حدث بين عامي (2006 و2008) التي راح ضحيتها الآف الأبرياء من العراقيين بسبب دوغمايتهم.

وللتاريخ، كانت الدوغماتية هي التي اسقطت (الأخوان) في مصر، وهي التي ادخلت في نفق مظلم فريقي الصراع في اليمن (الحكومة والحوثيون) اللذين تفاوضا في الكويت (نيسان-ايار 2016) والى الآن (2021) وما اتفقا!.

والمفارقة ان الدوغماتية كانت هي السبب في بقاء سياسيين عراقيين في السلطة ثمانية عشر عاما برغم انهم افشل وافسد من حكم العراق في تاريخه السياسي، لأنهم نجحوا في ايصال معظم العراقيين من ذوي الاصابع البنفسجية الى ان يكونوا في دوجماتيتهم مثل حصان العربة..لا يرون الا الذي امامهم، حتى اذا كان في حساباتهم احتمال ان يكون طريقهم الى..المقبرة!.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

 

جواد بشارةمن سيكون رئيس الوزراء القادم ورئيس الجمهورية القادم ورئيس مجلس النواب القادم بعد الانتخابات التشريعية؟ إنها لعبة الاحتمالات التي لا ترتبط بنتائج الانتخابات فكل شيء ممكن وجائز في جمهورية الموز العراقية. فالخاسر لا يقر بخسارته ويهدد بإلغاء نتائج الانتخابات بحجة أنها زورت كباقي الانتخابات السابقة، أو جر البلاد إلى مالا يحمد عقباه أي الصراع المسلح بين الميليشيات الولائية الإيرانية وتلك التابعة للتيار الصدري. السنة لديهم كتلتين واحدة فائزة هي تحالف تقدم بقيادة محمد الحلبوسي رئيس مجلس النواب الحالي الذي يأمل بتجديد ولايته لدورة ثانية، وتحالف عزم الذي تناور لحرمانه منها عبر لعبة تحالفات دنيئة. أما المكون الكردي فبحسب ما ورد من مصادر إعلامية وسياسية موثوقة ومقربة من مراكز القرار، فقد تم التوصل إلى اتفاق ضمني بين الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني لتقاسم المناصب الوزارية ومنصب رئاسة الجمهورية بينهما وفق تفاهمات جديدة.

مع إعلان النتائج النهائية للانتخابات النيابية الأخيرة في العراق، تتزايد التساؤلات حول المرشحين المحتملين لشغل مناصب عليا في جهاز الدولة، ولا سيما فيما يتعلق بالرئاسات الثلاثة الجمهورية ومجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء.

منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003 بعد غزو الولايات المتحدة الأمريكية للعراق، تم تقاسم المناصب العليا في العراق بين المكونات الأساسية في العراق على الطريقة اللبنانية، متبعة في ذلك عادة سياسية (غير رسمية في الدستور)، تسمى محليًا " نظام المحاصصة" التي صارت عرفاً سياسياً لا يمكن التخلص منه. وبحكم هذه العادة السياسية السيئة المدمرة، يشغل الشيعة رئاسة الحكومة والسنة رئاسة البرلمان بينما تخصص رئاسة الجمهورية للأكراد حيث يُنتخب رئيس الجمهورية بتصويت ثلثي أعضاء البرلمان (الذي يضم 329 نائبًا) ومدة ولاية الرئيس أربع سنوات، ما يعني أنه يتوجب على الكورد ضمان أصوات شيعية وسنية مسبقاً قبل تقديمهم لمرشحهم لهذا المنصب للحصول على موافقة البرلمان الجديد.

رئيس الجمهورية الحالي برهم صالح يأمل في التجديد له لولاية ثانية أيضاً ولكن حظوظه باتت شبه معدومة. فالتنافس على منصب رئيس الجمهورية محصور بين الحزبين الحاكمين في اقليم كردستان (شمال العراق). وهما الحزب الديموقراطي الكوردستاني PDK برئاسة مسعود بارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني UDK برئاسة بافل طالباني نجل الرئيس السابق الراحل جلال طالباني.

الرئيس العراقي الحالي برهم صالح هو أحد قادة الاتحاد الوطني الكردستاني الرئيسيين وأحد المرشحين المحتملين للعودة وإعادة تسميته كرئيس للعراق الاتحادي لكن المراقبين للشأن العراقي يعتقدون إن "برهم صالح ليس لديه فرصة لتأمين ولاية ثانية". فقادة الاتحاد الوطني الكردستاني الجدد لا يرغبون بالتجديد لبرهم صالح، لأن العلاقات بينه وبين القيادة الحالية للاتحاد الآن غير ودية". لا سيما وإن منصب رئيس الجمهورية لن يفلت هذه المرة من بيد الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يعمل على الحصول على هذا المنصب خلال الفترة المقبلة".

وفيما يتعلق بالمرشحين المحتملين الذين قد يقدمهم الحزب الديموقراطي الكوردستاني PDK لهذا المنصب فهم ثلاثة إذ من المتوقع أنه سيقدم ترشيح وزير الخارجية الحالي فؤاد حسين، ورئيس الدبلوماسية الأسبق هوشيار زيباري، وكذلك الرئيس السابق لـ برلمان اقليم كردستان عدنان المفتي، بعد أن تولى الاتحاد الوطني الكردستاني منصب رئيس الجمهورية منذ تنظيم أول انتخابات تعددية في العراق عام 2005.

وشغل زعيم حزب الإتحاد الوطني الكوردستاني الراحل، جلال طالباني، منصب رئيس الدولة لفترتين متتاليتين، بين 2005 و2014، تلاه أحد القياديين في الحزب نفسه فؤاد معصوم (2014-2018) ورئيس الدولة الحالي، برهم صلاح منذ 2018. وفي المقابل يتولى الحزب الديمقراطي الكردستاني رئاسة إقليم كردستان ورئاسة الحكومة بموجب اتفاق ضمني على تقاسم الحزبين المناصب العليا.

يسعى الحزب الديموقراطي الكوردستاني PDK هذه المرة للفوز بمنصب رئيس جمهورية العراق، بدافع قوي في ذلك من خلال حصوله على عدد أكبر من المقاعد في الانتخابات النيابية التي جرت في 20 تشرين الأول (أكتوبر) 2021، ومن خلال الاستفادة من الانقسامات الداخلية التي تنال من صفوف شريكه، الاتحاد الوطني الكردستاني. فقد حصل حزب PDK على 31 مقعدًا وفقًا للنتائج النهائية مقارنة بـ 25 مقعدًا في انتخابات 2018، بينما حصل حزب الاتحاد الوطني الكردستاني على 17 مقعدًا، على غرار 2018.

- انشقاقات الاتحاد الوطني الكردستاني

 

 

 

لعدة أشهر، عانى الاتحاد الوطني الكردستاني من الخلاف الداخلي الحاد بين قادته. وقد أدت هذه الخلافات إلى إقالة الرئيس المشارك للحزب، لاهور جنكي. وبحسب أحد قادة حزب PDK عبد السلام برواري ، فإن "القوى السياسية العراقية التي دعمت مرشح الاتحاد الوطني الكردستاني (برهم صالح) لم يعد لها نفس الثقل السياسي الذي كانت تتمتع به في الانتخابات الماضية".

ويشير برواري ، في مقابلة تلفزيونية ، إلى أن تحالف الفتح بقيادة هادي العامري، وهو المظلة السياسية للعديد من الفصائل الشيعية المسلحة المقربة من إيران ، خسر العديد من المقاعد في الانتخابات المبكرة بحصوله على 17 مقعدًا فقط ، فيما احتل هذا التحالف المرتبة الثانية في انتخابات 2018. مع 48 نائبا.

من جهة أخرى، فاز التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر في الانتخابات الأخيرة بـ 73 مقعدًا. وأضاف برواري أن "ترشيح أي شخصية بارزة من جانب الأكراد مرتبط بالتوصل إلى اتفاق مع القوى السياسية في بغداد". واعتبر هذا السياسي الكوردي أن " من المبكر جداً طرح هذا السؤال في ظل الخلافات بين الشيعة على رئاسة الوزراء وشكل الحكومة المقبلة". فالتيار الصدري يسعى بإصرار إلى تشكيل حكومة أغلبية وطنية وليس حكومة توافقية، وذلك لأول مرة منذ 2005. إلا أن مقاربته تواجه رفض القوى والتيارات الشيعية الأخرى التي خسرت عددًا كبيرًا من المقاعد والتي ترفض نتائج هذه الانتخابات، بدعوى تزويرها.

منذ منتصف تشرين الأول، يتظاهر أنصار القوى السياسية الخاسرة ومنتسبي الحشد الشعبي الذي تسيطر عليه تلك الأحزاب المهزومة وسط العاصمة بغداد وسط أجواء سياسية متوترة تتخللها محاولة اغتيال رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي في 7 تشرين الثاني. أدت إعادة الفرز اليدوي للأصوات في المكاتب المتنازع عليها إلى تغيير 4 مقاعد فقط. وقد صرح رئيس المركز الاعلامي للتنمية الاعلامية (ومقره بغداد) عدنان السراج بهذا الصدد إلى أننا نشهد تأخيرا من جانب الحزب الديموقراطي الكوردستاني في الكشف عن اسماء مرشحيه لمنصب رئيس الجمهورية" لأن "الأكراد ينتظرون حل المشاكل والتحالفات الشيعية في بغداد قبل تقديم أسماء مرشحيهم لرئاسة الجمهورية". وفيما يتعلق باحتمالية الاحتفاظ برهم صالح كرئيس للجمهورية، اعتبر السراج أن ولاية ثانية للرئيس المنتهية ولايته غير مرجحة لأسباب عديدة، بما في ذلك الفتنة الداخلية داخل الاتحاد الوطني الكردستاني ".

 ففي نفس الوقت، بدأ الحزب الديموقراطي الكوردستاني الضغط للحصول على هذا المنصب خلال الفترة المقبلة فهو لا يدعم ولاية ثانية لبرهم صالح كرئيس ويرغب في إسناد المنصب لقيادي في الحزب الديموقراطي الكوردستاني كما اتضح من التصريحات والمقابلات عبر القنوات التلفزيونية".

العقبة الكبرى تتمثل في اختيار شخص رئيس مجلس الوزراء الذي يريده التيار الصدري صدرياً قحاً بينما يطالب الإطار التنسيقي بأن يكون توافقياً يقبل به الجميع. ولقد وضع الإطار التنسيقي خطاً أحمر على تجديد ولاية رئيس مجلس الوزراء الحالي مصطفى الكاظمي الذي قد يقبل به مقتدى الصدر، حسب وعد سابق منه، كحل تسوية بديلاً عن الرئيس الصدري القح على مضض. وهناك شخصيات أخرى في جعبة التيار الصدري كمرشحين لهذا المنصب كجعفر الصدر نجل مؤسس حزب الدعوة محمد باقر الصدر الذي أعدمه صدام حسين في ثمانينات القرن الماضي وهو من بيت الصدر، وايضاً ربما إعادة ترشيح حيدر العبادي لقربه من الصدر ونجاحه النسبي في ولايته الأولى كمرشح تسوية يمكن أن يرضي جميع الأطراف بغض النظر عن عدد المقاعد البرلمانية التي يملكها وهي لا تتجاوز المقعدين.

 

إعداد د. جواد بشارة

 

محمد المحسنرغم التطورات الكُبرى التي شهدها واقع المرأة دولياً منذ عقود إلاّ أنه ما زال العنف ضد المرأة وصمة عار فى جبين الإنسانية، فواقع الإنسانية يقول: إنَّ من بين كل ثلاث نسوة في العالم تتعرض واحدة على الأقل في حياتها للعنف، وهناك أكثر من 60 مليون أنثى حُرمن من الحياة جراء عمليات الإجهاض الانتقائية الرامية إلى التخلص منهن ومن جنينهن.

ولا يمر عام إلا وتتعرض الآلاف من النسوة للاغتصاب على أيدي الأقرباء أو الأصدقاء أو الغرباء أو أرباب العمل أو الزملاء في العمل أو جنود وأفراد الجماعات الإرهابية المسلحة! وتحت مسميات أخرى ك”ملك اليمين” و”نكاح الجهاد” وغيرها.

أما العنف العائلي فقد صار هو الآخر بلاءً مستوطنًا في جميع أنحاء العالم والأغلبية الساحقة من ضحاياه هم من النساء والفتيات، وكثيرًا ما يربط بعض الناس العنف ضد المرأة بالدين الإسلامي إلا أنه كالإرهاب لا دين له فهو غير مرتبط بدين ولا بلد، ففي الولايات المتحدة -مثلاً- تشكّل النساء نحو أكثر من 80% من ضحايا العنف المنزلي، وضحايا الاغتصاب والإجهاض ليست ببعيدة عن مثل هذه البلدان.

أرقام مفزعة وأسباب مختلفة:استفحال ظاهرة العنف بتونس..ونواقيس الخطر تدَّق:

ظاهرة العنف استفحلت في تونس حتى أصبحت هاجسا يؤرق جزءا من التونسيين الذين فقدوا الإحساس بالأمان.كما أصبح العنف عقيدة الجزء الآخر من الشعب وآليته الوحيدة للتعبير،حتى أن الامر تطور وبلغ حد تصدير العنف إلى ساحات قتال خارجية

اللافت في ظاهرة العنف في تونس أنها امتدت على نسبة عالية من فئة الشباب،حتى أن العنف أصبح السمة الطاغية على هذه الفئة.وهو ما جعل الخبراء يدقون ناقوس الخطر إيذانا بضرورة التحرك لتطويق هذه الظاهرة والبحث في اسباب تشكّلها وآليات تفكيكها.

بعض الارقام والاحصائيات المتعلقة بهذه الظاهرة تؤكد أن نسبة قضايا العنف في تونس بلغت 25 بالمائة من مجموع القضايا في الفترة الممتدة من 2011 إلى 2017. حيث كشفت دراسة أنجزها المعهد التونسي للدراسات الإستراتيجية حول “العنف الحضري بتونس”،أن المجموع العام لقضايا العنف في تونس تجاوز في الفترة الممتدة من 2011 إلى 2017 أكثر من 600 ألف قضية مسجلة، أي بمعدل 25% من العدد الجملي للقضايا.وهو ما يعكس ارتفاع مؤشر العنف بالبلاد.

الباحث في علم الاجتماع ممدوح عزالدين يؤكّد ان منسوب العنف في تونس في استقرار ولم يصل بعد الى مستويات يمكن القول بأنها «مرضيّة « وتهدّد المجتمع. واكّد أن الأرقام المتعلقة بالعنف لم تتغير بشكل كبير مقارنة بسنوات ما قبل 2011.

وأضاف ممدوح عزالدين ان تسليط الضوء على ظاهرة جزئية او عابرة عبر وسائل الإعلام يجعلها تبدو في شكل ضخم. وشدّد على وجود تغيّر في نوعيّة الجريمة بعد 2011،مشيرا الى أن محمد البوعزيزي الذي أحرق نفسه في فضاء عام تعبيرا عن احتجاجه ومحاولة لرد اعتباره كان صورة تم استنساخها في ما بعد عديد المرات بأشكال مختلفة .

واضاف ممدوح عز الدين أن ما يُلاحظ هو وجود جرائم مجانية في الفضاء العام فيها الكثير من «المشهديّة « وهي جرائم مجانية بلا تاريخ او أسباب واضحة وتحمل الكثير من “السّادية”والتوحّش كما اعتبر ان ما أصبح يُميّز الجريمة هو تداخل المرجعيات فهناك جرائم لها مرجعية تقليدية مثل “جرائم العروشية “وهناك جرائم حداثية مثل قتل الاخ لأخيه وقتل الزوجة لزوجها والزوج لزوجته.. حيث تحوّلت العائلة من إطار يحمي الفرد من الجريمة إلى مصدر للجريمة .

واعتبر المختص في علم الاجتماع محمد الجويلي في تصريح اعلامي أن العنف جزء من التركيبة البشرية.واشار الى ان ظاهرة العنف في تونس تفاقمت خلال السنوات القليلة الماضية ملاحظا أن العنف كان موجودا قبل الثورة ولكن الدولة كانت قادرة على إخفاء جزء منه لتكون بذلك هي الأكثر احتكارا لهذه الظاهرة.واضاف أنه كلما تفاقمت ظاهرة العنف في مجتمع معين فإن ذلك يعكس ضعف الدولة.

من جهته،قال وزير الشؤون الدينية،أحمد عظّوم،”إن للخطاب الديني التوعوي دورا كبيرا في التصدّي لكل أشكال العنف الذي قد يُسلّط على المرأة”.ولاحظ أحمد عظوم خلال ندوة إقليمية عقدت في الأشهر القليلة الماضية ببنزرت حول “حماية المرأة من العنف في المنظومة القيمية والقانونية” أن تونس لها جذور ضاربة في القدم في رفض هذه الظواهر المجتمعية”.

وأضاف أن مسؤولية مناهضة العنف ضد المرأة مسؤولية جماعية لوزارة الشؤون الدينية دور فيها،بالتعاون مع بقية أجهزة الدولة والمكونات المجتمعية.

يشار إلى أن الندوة انتظمت ببادرة من وزارة الشؤون الدينية ووزارة شؤون المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن وبالتعاون مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة بحضور ثلة من الخبراء في المجال القانوني والمهتمين بقضايا المرأة عموما،من ولايات بنزرت وتونس وجندوبة وباجة وأريانة والكاف..

وإذن؟

أن مسألة العنف المسلط على النساء إذا،ظاهرة خطيرة وتتطلب النظر فيها بأكثر جدية،وأغلب ضحاياه يكشفن عن العنف المادي وقد لا يتحدثن عن بقية أصناف العنف،ذلك أن العنف بمعناه الشامل والذي يشمل العنف والتحرش الجنسي والعنف الاقتصادي والسياسي لا يزال التبليغ عنه ضعيفا،ومن هنا لم نصل بعد إلى درجة الوعي للمعالجة والإحاطة بالنساء المعنفات والمتابعة النفسية لهن ولأطفالهن.

وهنا أضيف:

ان تحديد العنف لا يزال طبق التعريف القديم الكلاسيكي،وهو ما تعكسه الأرقام الحالية، فقانون مناهضة العنف ضد النساء،جاء ليكون أشمل ولحماية النساء والأسرة إلا أننا بعيدون عن الأهداف التي وضع من أجلها،ذلك أن الأرقام تكشف حقيقة مفزعة،وهو ما يستدعي معالجة ظاهرة العنف والإحاطة بالنساء أكثر،ومحاولات إيواء الضحايا وتوفير المعالجة النفسية لهن لأن هذا هو المطلوب،خاصة وأن ظاهرة العنف تؤثر على التنمية وتمس الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان،وبات بالتالي من الضروري تطبيق الدستور التونسي ووضع الآليات لحماية الحقوق الاقتصادية للنساء..

على سبيل الخاتمة:

إعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة في 20 ديسمبر 1993 بموجب القرار عدد 48/104 وعَرَفتْ المادة الأولى منه مصطلح « العنف ضد المرأة » بأنه » كل فعل عنيف تدفع إليه عصبية للجنس ويترتب عليه,أو يرجع أن يترتب عليه أذى أو معاناة للمرأة ,سواء من الناحية الجسمانية أو الجنسية أو النفسية بما في ذلك التهديد بأفعال من هذا القبيل أو القسر أو الحرمان التعسفي من الحرية ,سواء حدث ذلك في الحياة العامة والخاصة.

 

محمد المحسن

................. 

هوامش: 

*تنظم وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن بالتعاون مع جامعة منوبة يوم الثلاثاء 7 ديسمبر 2021 بالعاصمة ندوة علميّة حول "العنف الممارس ضد الفتيات والنساء بين سطوة المتخيل وضغط الواقع".

**يحتفل العالم في الثامن من مارس باليوم العالمي للمرأة،الذي دشنت من أجله منظمة الأمم المتحدة للمرأة حملة باسم “أنا جيل المساواة: إعمال حقوق المرأة”.

ويذكر موقع المنظمة أن العام 2020 “محوري للنهوض بالمساواة بين الجنسين في جميع دول العالم”، وعلى رأسها بالطبع الدول العربية.

لامساواة بين الجنسين:

وتقيّم المنظمةالتقدم الذي أحرزه العالم (سنة 2020) في ما يتعلق بحقوق المرأة والمساواة بين الجنسين، وذلك بمناسبة مرور 25 عاما على إعلان بكين في المؤتمر العالمي الرابع المعني بالمرأة، والذي يعتبر خارطة الطريق للنهوض بأوضاع النساء والفتيات.

وتقر المنظمة بأنه رغم إحراز بعض التقدم، “إلا أن التغيير الحقيقي كان بطيئا بشكل مؤلم بالنسبة لغالبية النساء والفتيات في العالم.” وأنه “لا يمكن لبلد واحد أن يدعي أنه حقق المساواة بين الجنسين بالكامل.

 

 

 

علاء اللاميسأورد في هذا النص تصحيح معلومة للسيد وزير الموارد المائية الاتحادي ضمن خبر قيام إيران بقطع نهر سيروان 100% عن العراق وتحويها نهري الزاب الأعلى والأسفل الى داخل أراضيها: أعلنت وزارة الزراعة والموارد المائية في الإقليم قبل أيام أن إيران قطعت مياه نهر سيروان بنسبة مائة بالمائة، وحولت مجريي نهري الزاب الأعلى والأسفل الى الداخل الايراني، وأن المنطقة تواجه خطرا شديدا بعد ظهور أثر واضح لهذه الإجراءات الايرانية. المتحدث باسم الوزارة في الإقليم قال إن هذا الموضوع من مسؤوليات الحكومة الاتحادية في بغداد وطالبها بالتدخل، وبهذا الصدد يمكن تسجيل الآتي:

*لا يمكن بأي شكل من الأشكال تبرير هذه الإجراءات الايرانية وحتى لو كانت ايران - كما يقول البعض - تعاني من ضائقة بسبب شحة المياه -وهو قول صحيح - فحتى في حال كهذه فإن على إيران أن تستجيب لطلب العراق بتطبيق مبدأ تقاسم الضرر الناتج عن ظروف طبيعية كما فعلت السلطات التركية والسورية وعدم تحميل العراق وشعبه تبعات هذا الظرف الاستثنائي واتخاذ إجراءات غير طبيعية تفاقم الكارثة الطبيعية على العراقيين.

*صحيح أن تركيا مجبرة على إطلاق كميات من المياه جنوبا لتوليد الطاقة، ولكنها بالنتيجة أطلقت كميات منها لتقاسم أضرار الجفاف والشحة المائية الحالية وهذا ما فعلته سوريا كما قال الوزير الحمداني، وينبغي ان يكون هذا الواقع القاسي حافزا لدفع تركيا لتوقيع اتفاقية دولية ملزمة لتقاسم المياه مع دولتي المصب سوريا والعراق والبدء عراقيا وسوريا بتدويل المشكلة في حال استمرار الرفض التركي.

* أما بخصوص إيران التي تتمنع وتماطل في الجلوس الى طاولة المفاوضات كما قال الوزير العراقي - الاتحادي - المختص مهدي رشيد الحمداني، في لقاء معه أجراه التلفزيون الرسمي قبل بضعة أيام وإن نسبة الوارد المائي من إيران بين عشرين وثلاثين بالمائة؛ فينبغي أولا تصحيح المعلومة الأخيرة حول هذه النسبة التخمينية الفضفاضة والتي لا يمكن أن نتوقعها من الوزير المختص بشؤون المياه وذات الفرق الكبير بين حديها 20 و30، إذ تؤكد كل الإحصاءات الموثقة في المراجع العلمية ومنها كتاب الأستاذ فؤاد قاسم الأمير "الموازنة المائية في العراق وأزمة المياه في العالم" هي بين 11.8 و 12% دون حساب مياه الكارون التي اعتبرت هي والنهر ضمن الأراضي الإيرانية بعد أن أهداها صدام حسين للشاه في اتفاقية الجزائر سنة 1975، وفي السنوات اللاحقة "أغلق عملياً مصب الكارون في شط العرب، وحول مساره ليسير في موازاة شط العرب ليصب في الخليج" فلم يعد يعتبر من الأنهار الصّابة في المياه العراقية وهي أصلا، وقبل ذلك، كانت مفيدة فقط في صد اللسان الملحي الصاعد في شط العرب والذي دمر غابات النخيل العراقية على جانبيه، ولم تكن تستغل في الزراعة او الشرب إلا قليلا جدا،  وحتى بحساب مياه الكارون، فلن تصل النسبة إلى عشرين بالمائة أما المياه التي تغذي دجلة مصدرها الأراضي العراقي فتصل الى 32%. غير أن نسبة 12% الواردة من إيران هي نسبة مهمة جدا، خصوصا وانها تؤثر بقوة على مناطق محددة وخصوصا في محافظة ديالى والسليمانية، وإذا كان لدى الوزير مصدر آخر للنسبة التي ذكرها فليتفضل ويطرحه على الرأي العام. وينبغي ثانيا، مواجهة إيران دبلوماسيا واقتصاديا بشكل أقوى وعدم الاكتفاء بالتهديد بعرض المشكلة دوليا وانتظار أن تفرج الخارجية العراقية عن مذكرة رسمية نائمة -ضد إيران فقط - في أدراج الوزير بهذا الخصوص، ومن أساليب المواجهة الدفاعية مع إيران وقف أو تخفيض المستوردات الضخمة منها، واتباع أساليب دبلوماسية نشطة وقوية بهذا الصدد، حتى تستجيب لمبادئ الحق والعدل وحسن الجوار فمصلحة العراق وشعبه هي الأولى أولا وأخيرا.

إن اكتفاء السلطات العراقية بالتفرج والتلميح بالتدويل لن يفضي الى نتيجة وسيؤدي الى كارثة تلو اخرى وسينتهي النصف الآخر من الزراعة العراقية التي قررت الحكومة انهاء نصفها هذا العام وستحاسب هذه السلطات إذا تفاقم الوضع على تهاونها وفشلها في ادارة هذا الملف الخطير الذي يتعلق بحياة الملايين.

*أما اعتبار سلطات الإقليم هذه المشكلة من مسؤولية الحكومة الاتحادية فهو كلام حق يراد به باطل،  فهذه السلطات العائلية الإقطاعية الفاسدة التي تشكك حتى بوجود وكيانية العراق وتعتبره كيانا مصطنعا كما قال مسرور البارز اني قبل أيام تتحمل كامل المسؤولية عما آل اليه وضع محافظات الإقليم منذ انفصلت عمليا "سياسيا  إداريا وأمنيا" عن الدولة العراقية الاتحادية ولم تُبقِ على شيء منها سوى على المطالبة بحصة الاقليم من الموازنة العراقية العامة المتأتية في مجملها  من عائدات نفط الجنوب العراقي فيما تثري العوائل السياسية المتسلطة من نفط الاقليم المصدر بشكل لا دستوري وبالتواطؤ مع الساسة الشيعة الفاسدين المهيمنين على المنظومة الحاكمة بحماية التوافق الاميركي الايراني.

استدراك: قبل أن أنشر هذا المنشور بساعات اطلعت على تصريح للمتحدث باسم موارد المائية الاتحادية السيد عون ذياب كرر فيه نسبة المياه الواردة من إيران إلى العراق كما وردت في كتاب الأستاذ فؤاد قاسم الأمير سالف الذكر وقال ذياب (إن 66% من مياه دجلة والفرات تصل من تركيا، وترفد إيران النهرين – الأدق دجلة فقط – بـ 12% والباقي من داخل العراق/ الرابط أدناه). نأمل أن يكون الرقم الذي ذكره السيد الوزير مجرد لِبْسٍ بسيطٍ وزلة لسان بريئة وليس وراءه أسباب أخرى قد تكون سياسية.

 

علاء اللامي

.........................

*رابط لخبر تصريح المتحدث باسم وزارة الموارد المائية:

https://baghdadtoday.news/ar/news/174898/%D9%88%D8%B2%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%B1%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D9%83

 

 

هاشم نعمةترجمة: د. هاشم نعمة

الترجمة عن:

2021 NRC Handelsblad 14 Oktober

كانت أهوار جنوب العراق مهد الحضارة الإنسانية، إلا أن تغير المناخ و"الإدارة السيئة للمياه" يهددان هذا النظام البيئي الفريد.

رعد حبيب الأسدي يحدق إلى الأمام مباشرة وهو ينزلق بزورقه الخشبي عبر هور الجبايش. يعلم الناشط المناخي العراقي أن هناك ثعابين سامة بين القصب، ولكن هناك أنواع من الطيور يتوق إلى رؤيتها. "هناك، هناك،  الطائر الرفراف!" يصرخ بحماس. "وهل تراه هناك؟ هذا هو طائر القصب البصري، الذي يسبت في كينيا ".

كل حيوان يجعل قلب الأسدي ينبض بسرعة. في الشهر الماضي، كما يقول، رأى، لأول مرة، فأر نسوكيا المهدد بالانقراض (نيسوكيا بوني). قال الرجل البالغ من العمر 29 عامًا ذو اللحية والعيون الداكنة: "لم أصدق عيني". "كنا نبحث عن هذا الجرذ لمدة أربعين عامًا. والآن لدي صورته، هذا دليل على أنه لا يزال موجودا!"

عند سؤاله عن مصدر حبه للأهوار، ظل الأسدي صامتًا للحظة. ثم قال: "إنها رابطة صوفية". "لا يمكنك أن تفهم ذلك حتى تكون قد ولدت مثلي بين الجاموس. إذن فأنت تنتمي إلى الماء وإلى الحيوانات ".

يعتبر الأسدي نفسه من عرب الأهوار، وهم أقلية عرقية في جنوب العراق. عاش أسلافه في هذه الأهوار منذ آلاف السنين، حيث يلتقي نهرا دجلة والفرات. حتى أنهم قد ينحدرون من السومريين الذين اخترعوا  الكتابة وأنشأوا أول حضارة بشرية (حوالي 4000-2000 قبل الميلاد). في عام 2016، أضيفت أهوار بلاد ما بين النهرين، بما في ذلك هور الجبايش، إلى قائمة اليونسكو للتراث العالمي.

في الوقت نفسه، لهذا التراث التاريخي قيمة بيئية لا تقدر بثمن. تعتبر هذه الأهوار هي الأكبر مساحة في الشرق الأوسط وهي ضرورية للنظام الهيدرولوجي العراقي وللنظام البيئي البحري للخليج العربي. لا يعيش هنا أكثر من 30,000 من الجاموس فحسب، بل يعيش أيضًا عدد لا يحصى من الأنواع المحمية من الأسماك والثعابين والقوارض. بالإضافة إلى ذلك، تكون الأهوار مكان استراحة للطيور المهاجرة من جميع أنحاء العالم.

حقول النفط

لكن كل هذا معرض لخطر الزوال، كما يتضح عندما يبحر الأسدي بزورقه إلى أطراف الهور ويربطه في سهل جاف. شقوق عميقة تشق الأرض المحروقة. يلوح عمود طويل من الدخان في الأفق. يقول الأسدي: "هذه هي حقول النفط في غرب القرنة". "من هنا تبدأ مشاكلنا".

يقرع الأسدي باب العائلة الوحيدة التي ما زالت قادرة على البقاء هنا. مجموعة من الجاموس تحت أشعة الشمس أمام كوخها المسقوف بالقصب. في الداخل، يرقد عجل جاموس حديث الولادة على الأرض. بجانبه، امرأة ترتدي ثيابًا سوداء تجلس بين أواني حليب الجاموس، الذي تصبه في إناء كبير لصنع الجبن. بدأت مئات من الذباب الصغير بالفعل بالتذوق.

"الحياة صعبة هنا" تتمتم المرأة التي تقدم نفسها على أنها أم أياد. تعجن بمهارة حليب الجاموس السميك في خصلات طويلة من الجبن. "قبل بضع سنوات كانت المياه مباشرة أمام منزلنا ، لكنها الآن تجف وتصبح أكثر ملوحة. إنها ستقتل جاموسنا وتنتج حليبًا فقيرًا. يمكنك تذوق ذلك من الجبن ".

في زاوية الكوخ، يجلس سجاد يونس البالغ من العمر 19 عامًا على سجادة ويحدق إلى الأمام مباشرة. شعره ممشط إلى الخلف بالجيل. يقول المراهق بفخر عن تسريحته: "لقد عملتها في المدينة". "يعيش العديد من أصدقائي الآن هناك. يتعين علي البقاء هنا لمساعدة  والدّي. ولكن سأغادر في أسرع وقت ممكن".

انحسار المياه

ليست هذه هي المرة الأولى التي تجف فيها الأهوار، كما يقول الأسدي. ويشير إلى هضبة حجرية على بعد مسافة قليلة. يقول: "كانت المدرسة التي درس فيها والدي موجودة هناك". "هذه جزر صغيرة بها مبان من القصب في كل مكان، تمامًا مثل البندقية! حتى أنه كان هناك قارب يعمل كمستشفى يأتي لزيارتك ".

صدام حسين وضع حد لذلك. لم يثق ديكتاتور العراق بالثوار الشيعة الذين بدأوا هنا خلال الحرب العراقية- الإيرانية (1980-1988) وقرر معاقبة عرب الأهوار بشكل جماعي. في أوائل التسعينيات، قام بتجفيف المنطقة عن طريق تحويل مياه نهري دجلة والفرات بشبكة واسعة من السدود والقنوات. في الوقت نفسه، قام بقصف السكان.

فر تقريبا كل عرب الأهوار، ما يقرب من ربع مليون شخص. وجفت 90 في المائة من الأهوار ومات حوالي 100,000 من الجاموس. لم يجرؤ والدا الأسدي على العودة حتى عام 1999 وكانوا من الأوائل. يتذكر قائلاً: "كنت آنذاك في الثامنة من عمري. كانت المنطقة تبدو صحراء."

ومع ذلك، عادت الحياة ببطء. بعد سقوط صدام عام 2003، فتح عرب الأهوار السدود وبدأت المنطقة تغمر مرة أخرى. اتضح أن بذور النبات الجافة كانت قادرة على الإنبات. وفي وقت قصير جدًا، خرج القصب من القاع مرة أخرى، وتبعت بقية الطبيعة ذلك.

لكن الأسدي يخشى أن تختفي الأهوار، هذه المرة،  إلى الأبد. يقول خبير البيئة، الذي قام بحملة من أجل الأهوار منذ أن كان عمره 16 عامًا وأسس منظمته الخاصة لهذا الغرض في عام 2015: "كان الدمار الذي سببه صدام مروعًا، لكننا على الأقل تمكنا من إعادة توجيه المياه في ذلك الوقت". "أما الآن فهذا غير ممكن، لأن المياه العذبة تنفذ ببطء."

هذا النقص في المياه العذبة له أسباب عديدة. إذ ترتفع درجات الحرارة في العراق سبع مرات أسرع من أي مكان آخر في العالم. ونتيجة لذلك، يقل تساقط الأمطار وتتبخر المياه من الأهوار بشكل أسرع، مما يؤدي إلى الجفاف والتملح. هذا الأخير يعززه ارتفاع مستوى سطح البحر في جميع أنحاء العالم، مما يتسبب في تقدم المياه المالحة من الخليج العربي نحو الأهوار.

مشاريع السدود

كان عام 2021 أيضًا عامًا جافًا بشكل استثنائي في المنطقة بأكملها. في إيران نزل الناس إلى الشوارع للمطالبة بمياه الشرب النظيفة، وفي العراق ارتفعت درجة الحرارة بشكل منتظم فوق 50 درجة مئوية في الصيف، وفي سوريا سُجل أسوأ جفاف منذ 70 عامًا. وحذرت وكالات الإغاثة هذا الصيف بأن في البلدين الأخيرين وحدهما، يواجه 12 مليون شخص خطر ندرة المياه والمحاصيل المخيبة للآمال.

في العراق وسوريا، تفاقم الجفاف بسبب مشاريع السدود الكبيرة في إيران وتركيا. على سبيل المثال، فإن سد إيلسو في جنوب شرق تركيا، والذي دخل حيز التشغيل في عام 2020، يمكن أن يخفض مياه نهر دجلة بشدة لدرجة أن العراق يفقد نصف إمداداته المائية، وفقًا لوزير الموارد المائية العراقي السابق. قال الأسدي "هذا لا يحدث فقط في العراق". انظر فقط إلى معركة المياه بين مصر والسودان. في كل مكان نرى أن الجفاف يؤدي إلى بقاء الأصلح ".

لكن وفقًا لتون باينينس، وهو ناشط مناخي بلجيكي مقيم في العراق وأحد مؤسسي مجموعة عمل "أنقذوا نهر دجلة"، يرى أن الحكومة العراقية كثيرًا ما تلقي اللوم في مشكلة المياه على السدود الأجنبية. يقول: "هذه أيضًا طريقة للتهرب من المسؤولية الخاصة". المشكلة الأكبر هي إدارة المياه السيئة في العراق. يمكن لبنية تحتية أفضل أن تحدث فرقًا حقًا، لكن هذا لا يحدث، كل مرة، بسبب الفساد والافتقار التام لرؤية بعيدة المدى".

ومع ذلك، فإن باينينس أكثر تفاؤلاً قليلاً من الأسدي في ما يخص مستقبل الأهوار. وأن السنتين الماضيتين، وفقًا له، أقل جفافا نسبيًا مقارنة مع الجفاف الشديد لهذا العام. علاوة على ذلك، يعتقد أنه يمكن توفير الكثير من المياه بسلسلة من الإجراءات غير المعقدة للغاية، مثل إدخال تقنيات زراعية أكثر اقتصادا، وإعادة استخدام المياه الصناعية وإنشاء محطات تحلية المياه.

السياحة البيئية

فمن المهم بشكل خاص أن لا يغادر عرب الأهوار بشكل جماعي. "إن  هذا النظام البيئي يعتمد على السكان الذين اعتنوا به منذ آلاف السنين"، كما يقول باينينس، الذي يدعو بالتالي إلى السياحة البيئية، على نطاق صغير، في المنطقة لتزويد السكان المحليين بمنظور اقتصادي. وهناك ميزة إضافية تتمثل في أن عرب الأهوار يمكنهم أن يعلموا الزائرين كيفية التعامل مع الطبيعة. هذا بالتأكيد ليس ترفا لا لزوم له في العراق ".

خارج بلدة الجبايش، المستوطنة الصغيرة التي تقع في قلب الأهوار، بدأ الأسدي بالفعل متحفه الخاص. يعرض في قاعة كبيرة من القصب جميع مجموعاته من السنوات الست الماضية، من الزوارق القديمة والملابس التقليدية إلى الطيور المحنطة. أمام المتحف ترى تمثالا لجاموس، وفي الخلف علق لوحات للجاموس. يضيف : "يبقى  حيواني المفضل."

لم يتلق الأسدي أي مساعدة من الحكومة حتى الآن. ويقول أن السلطات المحلية تسخر منه بالأخص وتحاول الحصول على المال بمجرد أن يستقبل زوارًا أجانب. ويقول الناشط: "إنهم لا يفهمون لماذا يعد تغير المناخ هاما. لهذا السبب قاموا بنشر إشاعات بأنني مهووس بالجاموس".

يبدو أن الأسدي لا يهتم لذلك. ويخلص إلى أن "هؤلاء الناس يعتقدون أن الله خلق العالم ولذا فإن كل شيء  سيكون على ما يرام، لكنني أفضل أن أفكر أن الله أعطانا دماغًا حتى نتمكن من حماية مخلوقاته".

 

علاء اللاميبابا الفاتيكان فرنسيس على يسار الشيوعيين والاشتراكيين الإسميين المجوفيين ؛ البابا يهاجم الرأسمالية المتوحشة ويدعو إلى تغيير نظامها هيكلياً في العالم كله: فقرات من كتاب "رأسمالية الليبرالية الجديدة/ ص 53 وما بعدها" تأليف الباحث العراقي فؤاد قاسم الأمير:

* إن البابا فرنسيس أرجنتيني الأصل من مواليد 17.12.1936، انتخب بابا في 13.03.2013. وهو من دعاة نصرة الفقراء والدفاع عنهم، حاله حال الكثيرين من رجال الدين في أميركا اللاتينية ممن كانوا قريبين من شعوبهم الفقيرة وأحيانا يسمون "الكهنة الحمر". (وقد سُمي تيارهم المكافح تيار "لاهوت التحرير"، ورفع بعضهم السلاح وقاتلوا واستشهدوا مع الثوار اليساريين الماركسيين ضد الأنظمة الحاكمة العميلة للولايات المتحدة كالأب كاميلو توريز وعدد من زملائه وزميلاته من رجال الدين اليساريين الثوار. ع. ل). كذلك أصبح البابا فرنسيس داعية لحماية البيئة والأرض من التلوث والاحتباس الحراري وهو بهذا خلق له ولأفكاره أعداء كثيرين واتهم بالماركسية والشيوعية.

* قال البابا في مقابلة مع صحيفة "لاستمبا" الإيطالية في 14.12.2013، "إن الأيديولوجية الماركسية خاطئة، ولكنني التقيتُ في حياتي الكثير من الماركسيين وهم أشخاص طيبون ولا أشعر بأن أحداً قد أساء إليَّ... الماركسيون سرقوا راية الدفاع عن الفقراء من المسيحية، إذ أن الفقر هو مركز الدعوة المسيحية". (هنا يمكن ان نتساءل؛ هل فعلا سرق الاشتراكيون الماركسيون راية الفقراء من المسيحية أم أن المسيحيين "المسيحيين الأغنياء الذين طردهم يسوع المسيح من المعبد وصرخ بهم : «مَكْتُوبٌ: بَيْتِي بَيْتَ الصَّلاَةِ يُدْعَى. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ!»" (إنجيل متي 21: 13)"، أم هم الذين تخلوا عنها قبل آلاف السنين فرفعها الاشتراكيون المعاصرون عاليا. ع.ل) وقال البابا يصف ما يسميها "الرأسمالية الجامحة المتوحشة" ووعودها الزائفة "كان هناك وعد منها بأنه عندما يمتلئ الكأس بالكامل سوف يفيض ويعود بالنفع على الفقراء، ولكن ما حدث أنه عندما امتلأ الكأس أخذ يكبر بشكل سحري، ومن ثم لم يفض منه شيء من أجل الفقراء"

* وأضاف "فيما تتضخم إيرادات الأقلية على نحو هائل، تتسع الهوة بين الغالبية المعدَمة والازدهار الذي تتمتع به الأقلية... إنَّ انعدام التوازن هو نتيجة الأيديولوجيات التي تدافع عن الحرية المطلقة والمضاربات المالية...هكذا تولد دكتاتوريات جديدة غير مرئية تفرض دون كلل قوانينها وقواعدها الخالصة ... إنَّ التعطش للسلطة والتملك لا يعرف حدودا هنا ... هذا النظام يميل إلى نهش كل شيء يقف في طريق زيادة الأرباح، ويصبح كل ماهو هشٌّ مثل البيئة ضعيفا منهكا أمام سوق مؤهلة تحولت إلى القانون الوحيد".

* في خطاب للبابا فرنسيس في 09.07.2015 في بوليفيا أعلن الحرب على النظام الرأسمالي الحالي وعربته التي تقوده باسم العولمة، وأعلن "إنَّ هذا النظام لم يعد يفيد وعلينا تغييره" وأضاف "إن الرأسمالية الجامحة المتوحشة قد احتكرت الإعلام لفرض أنماطها الفكرية الاستهلاكية" وتساءل في خطابه هذا "هل نشعر أن هناك خطأ ما، بحيث نجد مزارعين بلا أرض يمتلكونها، وعمال بلا حقوق، وعائلات بلا سكن، وكرامة الناس والشعوب تداس؟ هل نجد خطأ ما في أن هناك حروب عديدة بلا معنى؟ هل نحن نعلم عن سوء استخدام الموارد الطبيعية والأرض والماء والهواء بل والكائنات الحية التي أصبحت مهددة باستمرار بالانقراض. إذا كان الأمر كذلك فنحن بحاجة إلى التغيير. بل أنا أصرُّ على أن أقولها بدون خوف، وبأعلى صوتي: نريد تغييرا حقيقيا في هيكلية النظام الحالي، فالنظام الحالي أصبح لا يطاق. نحن بحاجة إلى تغيير النظام على مستوى العالم، حيث أن الترابط بين الشعوب في عصر العولمة بحاجة إلى حلول عالمية".

* إلى اللقاء في وقفة أخرى مع هذا الكتاب المرجعي الموسوعي وشكرا لمؤلفه الأستاذ فؤاد الأمير. 

 

علاء اللامي

 

 

حرية الصحافة في الرأسمالية، تعني حرية الاثرياء، في رشوة الصحافة حرية أستخدام ثروتهم لتكيف وصياغة ما يدعي بالرأي العام . لينين لعبت الصحافة العراقية دورا مهما في الحياة السياسية والمجتمعية منذ أول صدور لجريدة (الزوراء) وهي أول صحيفة تصدر في عاصمة الرشيد بغداد، وذالك في 15 من حزيران عام 1869، وكان الوالي مدحت باشا قد جلب مطبعة من باريس وكانت الزوراء تصدر وتطبع بالغتين العربية والتركية، وكانت تصدر باربع صفحات من الحجم المتوسط، واستمرت بالصدور ما يقرب 50 عاما، وقد ساهم بتحريرها، أحمد عزت الفاروقي، وطه الشواف، ومحمود شكري الالوسي، وفهمي المدرس، وعبد المجيد الشاوي، وجميل صدقي الزهاوي، وبعد احتلال القوات البريطانية للموصل عام1918 تحولت إلى لسان حال السلطات البريطانية، وبعد ذلك صدرت صحف أخرى بأسم المدن مثل جريدة البصرة، وكذلك جريدة الموصل، ومن الجديد بالذكر، أن يوم الصحافة العراقية، أصبح يوم الخامس عشر من حزيران وهو يوم إصدار أول جريدة في العراق هي الزوراء، كانت الزوراء تنشر الأوامر والفرامين التي تصدر عن الادارة العثمانية، وكذلك المنجزات التي قام بها مدحت باشا من اعمال في بغداد، وبعد الحرب العالمية الأولى، وانهزام الدولة العثمانية على يد الحلفاء الانكليز والفرنسين، ومجيئ المحتل البريطاني للعراق بثقافة أخرى وبدء إنشاء ادارة الدولة واهتم بالمدارس وكذلك الصحة بنشاء مستشفيات ومستوصفات، ولكن كما قال شاعرنا معروف عبد الغني الرصافي : للانكليز مطامع في بلدنا لا تنتهي حتى تتبلشفوا، فعلا الانكليز كان جل تفكيرهم ينصب على على الثروات العراقية من النفط والمعادن واضافة لوادي الرافدين في الزراعة بوجود نهري دجلة والفرات وانهار اخرى، وكذلك معرفتهم التاريخية بحضارات أكد وسومر وبابل واشور، وجرى التنقيب في هذه الحضارات ونقلوا الكثير من التماثيل إلى متاحفهم التاريخية، وقد قدم لهم للعهد الملكي الكثير من متطلباتهم في محالات عدة ومنها القواعد العسكرية وكذلك التمثيل على النفط، ويتأثير ثورة اكتوبر الأشتراكية العظمى عام 1917 في روسيا ظهر مثقفين عراقيين تطلعوا على الفكر الاشتراكي، ووضعوا البنات الأولى لتأسيس أحزاب، وصحافة سرية منها الحزب الشيوعي العراقي وكذلك حزب الاستقلال، والوطني الديمقراطي، وحزب البعث العربي الأشتراكي والحزب الدينقراطي الكردستاني، وحركة القومين العرب .وهذه التنظيمات السرية منها والعلنية طرخت افكارها في صحفها لكسب الجماهير لعضوية هذه الأحزاب، ومن هنا كان للصحافة دورا هاما لما يجرب في كواليس النظام الملكي، ولعبت دورا مهما في تثوير الشارع العراقي ضد المعاهدات الطائرة وانتفاضات الشعب مثل وثبة كانون المجيدة وكذلك انتفاضة تشرين وتظاهرات الشعب دعم الشبقة مصر ضد العدوان الثلاثي ولا يمكن نسيان ماسمي بصورة رشيد عالي الميلانين وحركة مايس والضباط الأربعة . وقدم شعبنا الكثير من الشهداء والجرحى وزج المناضلين في السجون والمعتقلات . وكذلك كان للصحافة الأحزاب دورا في معارك فلسطين ضد الصهاينة مختصبي الأرض العربية . وبعد ذلك شكلت جبهة الاتحاد الوطني عام 1957من الأحزاب الوطنية الفاعلة في الساحة العراقية، الحزب الشيوعي العراقي، وحزب الاستقلال والحزب الوطني الديمقراطي وحزب البعث العربي الأشتراكي وكذلك علاقة ثنائية بين الحزب الشيوعي والحزب الديمقراطي الكردستاني لرفض القوى القومية لمشاركته في الجهة .ولعبت الجهة واحزابها زصحافتها دورا مهما في تشكيلة الضباط الاحرار والممهدة لثورة الرابع عشر من تموز المجيدة عام 1958 . وبعد الثورة ظهرت الصحافة في بغداد ومدن العراق منها اليومية والاسبوعية والشهرية فقد صدرت صحيفة الحزب الشيوعي العراقي (أتحاد الشعب) صاحب الامتياز عبد القادر البستاني وصوت الاحرار، وصحيفة البلاد، والثبات والرأي العام لمحمد مهدي الجواهري شاعر العرب الاكبر والذي أنتخب نقيب للصحفين العراقيين بعد ثورة تموز، وكذلك صحيفة ازادي وخابات الكرديتين، وصحيفة الانسانية للشاعر كاظم السماوي، والحرية لقاسم حمودي، وكذلك مجلة المثقف ومجلة 14 تموز والثقافة الجديدة، وصحيفة الثورة ليونس الطائي وهو قاسمي الانتماء، كان لهذه الصحف دورا مهما في الحياة السياسية حيث انحازت كل صحيفة إلى جهة حزبية في طرح ارائها الفكرية وكذلك مطاليب الشعب بما ينسجم ونهجها .وقد كتب الكثير عن تاريخ الصحافة العراقية ومن ما كتب كتاب فائق بطئ عن الصحافة ويعتبره الكثير مرجع تاريخي. وفي العههود الاحقة فرضت على الصحافة نهج الحزب الواحد وصيقة حرية الكتابة في مجالات متعددة من العمود السياسي وكذلك الشعر والقصة القصيرة والنقد . ان حرية الصحافة هودليل على ديمقراطية البلد والصحافة تأخذ على عاتقها طرح مشاكل المجتمع ومطاليبه.

 

  محمد جواد فارس

 

 

فارس حامد عبدالكريمامتدت الحضارة والديمقراطية ودولة المؤسسات الى شعوب كانت تعيش حياة بدائية في مجاهل وغابات افريقيا وشرقاسيا حتى مطلع العشرين، ومنها لم يكن يعرف حتى شكل الملابس، وكانت الامراض والملاريا خاصة تفتك بالآلآف منهمسنوياً، لكنها سرعان ما عرفت اليوم طريقها وخلاصها الاجتماعي والسياسي وبنت دول حديثة هي دولة المؤسساتالديمقراطية وبدأت تتسلق ادراج الحضارة بعزم وثبات.

بينما شعب العراق وريث اقدم حضارة ومدنية ودولة عرفها التاريخ البشري لم تنقل له حضارته العريقة تلك سوىالخرافات والأساطير ولازال مدعي السحر والمشعوذين يجدون لهم مكاناً لائقاً حتى بين خريجي وخريجات الجامعاتالعلمية الرصينة!!

حتى تاريخ العراق المجيد استلمناه نصوص وحجارة ولم نعرف كيف نخلق منه سياحة اثرية يندر وجود مثلها الا فيدول محدودة تدر عليها الملايين من السياح والثروات على مدار السنة وتخلق فرص عمل متنوعة للآلآف من الشباب، بلان الاجنحة العراقية الاثرية في المتاحف العالمية تدر مبالغ طائلة على الدول التي تتواجد فيها.

واذا كانت الدكتانورية المقيتة قد افرغت سمومها في جسد العراق أرضاً وشعباً، فما أن سقطت الدكتاتورية وشطحتالأحلام الذهبية بخيال الشعب الواسع الى بناء دولة الديمقراطية والعدالة والقانون ولكنه سرعان ما أكتشف انديمقراطيته المزعومة كانت مجرد وهم بعد ان افرغتها المحاصصة السياسية والقومية والطائفية والقبلية من محتواهاومضمونها الذي تفتخر به كل شعوب الأرض عدا العراق ودول متفرقة أخرى، بل إن الفساد السياسي والمالي والإداري،الذي يقود حتمياً وعلمياً الى فساد إجتماعي تخلفه الفوراق الطبقية مما يؤكد علماء الإجتماع والعلوم النفسية، قد جعلالكثير من ابناء الشعب يكرهون الديمقراطية ويلعونها، ولكن ينبغي لفت نظرهم الى ان مايحصل في العراق ليس (ديمقراطية) بمعناها الحقيقي بل ان غالبية من يعمل تحت عنوانها لايؤمن بها أصلاً، وينتهز اسمها البراق لخداعالجماهير وتضليلها لتحقيق مأربه ومصالحه الشخصية الضيقه التي لاتتعدى حدود عائلته وبعض المقربين.

ومن هنا تبرز المفارقات الإجتماعية، فتجد عائلة سياسية هي في الأصل ثرية تدفع من خلال نفوذها الى تعيين جميعابنائها في وظائف مميزة وبرواتب مميزة، وهذه ظاهرة انتشرت بشكل واسع غير مسبوق في تاريخ الوظيفة. بينما يجدعوائل فقراء الناس صعوبة بالغة في الحصول على الوظائف ولو الدنيا منها تلك التي تتطلب جهوداً شاقة وتضحية بالنفس.

وغالبا ما يكون الانتهازي ذو شخصية مثيرة ومحل للجدل حول صفاته ومبادئه، وهو في انتهازيته هذه يبحث عنالأشخاص الملائمين لممارسة تسلطه بأقصى ما يمكن من الانتهازية، فيسارع بمجرد ما ان يمسك بالسلطة الى عزلالأكفاء والموهوبين والمخلصين النزهاء ليحل محلهم الفاسدين والجهلة والمزورين ممن يأتمرون بأمره دون جدل اومناقشة او حتى مجرد تساؤل.

ان المشكلة العراقية تتلخص، كما لاحظ الملك فيصل الأول مؤسس الدولة العراقية الحديثة، في انعدام الولاء الوطني لدىالعديد من الافراد، وإذا انعدمت الوطنية حلت محلها الانتهازية لامحال، والإنتهازية صفة شخصية وجماعية مدمرة تنالاول ما تنال من المبادئ والقيم الخلقية في المجتمع وتحول المنافسات وتضارب المصالح بين افراد المجتمع التي يفترض انتكون مشروعة ومضبوطة بالقيم والأعراف وتضارب المصالح الى اعمالاً ومنافسات غير مشروعة يبتلع فيها الفاسدوالمحتال حقوق الناس دون وازع من ضمير او أخلاق.

وعندما تنتقل اللاوطنية والإنتهازية الى الساحة السياسية، يكون العمل السياسي بلا ادنى ضوابط وتصبح محاولةالحفاظ على الدعم السياسي، أو إلى زيادة التأثير السياسي بطريقة تتجاهل المبادئ الأخلاقية أو القواعدالسياسيةالمتعارف عليها.  فتنتشر ظاهرة الفساد على نطاق واسع وتصبح المشاريع الوهمية والوعود الكاذبة اداة أساسية فياستقطاب أصوات الجماهير  واستدراجها الى صناديق الإنتخاب.

وومع تفشي الإنتهازية في العمل السياسي تبرز ظاهرة الإغتيالات السياسية كممارسة دورية يمارسها الخصومالسياسيون بدم بارد ولكنهم يتبادلون الإتهامات بكل حماس وضجيج.

ولاشك ان الانتهازية تجد ملعبها الواسع في أحضان الفقر والجهل والصراعات القومية والطائفية والعمل على تأجيجهافي الأوقات الإنتخابية.

ومن البديهي، حسب سياق الأمور، ألا يكون للإنتهازية موقف صريح وواضح، لأن مواقفها وآراءها لا تنبع من معتقداتوقيم راسخة غير موجودة أصلاً، بل من مصالحها المتقلبة حسب ظروف الزمان والمكان، فهي تدعي اليوم ما تنكره أوتنقضه غدا قولاً أو فعلاً وتقول ما تتخلى عنه بعد غد، وهي لا تطرح آراءها بشكل نظرية متكاملة بل بشكل مواقف آنية.

واذا كان العمل السياسي ينطوي تاريخياً على قدر من الإنتهازية، كالإستفادة من اخطاء الخصوم ونقاط ضعفهموفشلهم في قضية محددة مثلاً، ولكن السؤال هو الى اي مدى يمكن ان تخرق المبادئ؟ هل يكون ذلك لدرجة التحالف معالشيطان؟!، أم إن هناك حدوداً لاينبغي تجاوزها بأية حال من الأحوال، كما لا ينبغي الخلط بين الانتهازية و"اقتناص الفرص" كما هي أو "الاستفادة من الفرص عندما تظهر". ولكن تشيرالانتهازية إلى طريقة معينة للتجاوب مع الفرص، حيث تتضمن عنصر  الأنانية الشخصية إلى جانب التغاضي عنالمبادئ الأخلاقية أو الأعراف ذات الصلة. ومن الوصف المتقدم ينهض معيار التمييز بين الوطنية والإنتهازية.

فإذا أردنا ان نميز بين الوطني والإنتهازي، فان معيار التمييز بينهما واضحاً وضوح الشمس، فالسياسي الوطنيبمجرد ان يفشل في تحقيق أهدافه لسبب أو لآخر تراه ينسحب من الساحة دون دعوة من أحد بل يعلن عن استقالتهويعتذر وينسحب بهدوء، اما الانتهازي فلا يستقيل ولاينسحب ولو تهدم البلد وحل به الخراب ولاحقته لعنات الناسأجمعين، لانه ليس من طبع الإنتهازي الخجل أو الإعتراف بالخطأ بل التمسك بالمنصب ولو بأي ثمن يدفعه الشعب.

 

فارس حامد عبد الكريم - استاذ جامعي

 

كريم المظفرتأتي أهمية زيارة العمل الى نيودلهي التي بدأها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اليوم الاثنين، ليس فقط بجدول المباحثات التي سيجريها مع رئيس وزراء جمهورية الهند ناريندرا مودي، وهو الثاني الاجتماع الثاني للقادة وجهاً لوجه، بعد لقاء نوفمبر 2019 على هامش قمة البريكس في برازيليا، وعلى مدى العامين الماضيين، وبسبب الوباء، حافظ الرئيس بوتين ومودي على اتصالات منتظمة عن بُعد، من خلال التحدث عبر الهاتف، وشاركوا معًا عبر رابط الفيديو في جلسة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حول الأمن البحري برئاسة ن. مودي، بالإضافة إلى مؤتمرات قمة منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة البريكس ومجموعة العشرين، لكنه أيضا مهمة بحسب ما أعلن عنه الكريملين، فانه من المتوقع أن يتم التوقيع على عدد من الوثائق الثنائية، بما في ذلك في مجال التجارة والاستثمار، وفي مجال الفضاء والثقافة، في ظل تطور فاعل وناجح مع نيودلهي في جميع المجالات، بما في ذلك المجال الأمني، والتجارة، والعلاقات الاقتصادية والعسكرية والتقنية، والاتصالات العلمية والثقافية والإنسانية.

وقوبل قرار بوتين بزيارة الهند برد فعل إيجابي واسع في الصحافة المحلية، أولاً، تشير صحيفة (Print) إلى أن أهمية الزيارة "إلى بلدنا"، على الرغم من حقيقة أن حالة العدوى في روسيا لا تزال خطيرة، فان الرئيس الروسي مستعد للمخاطرة من أجل تأكيد أن موسكو مهتمة بالهند كشريك موثوق وقوي ومستقل، وهذا مهم بشكل خاص على خلفية حقيقة أن بعض المعلقين في كل من الهند ودول أخرى يثيرون ضجة مفادها أن روسيا أصبحت شيئًا تابعًا للصين، و إن زيارة الهند يجب أن تضع حداً لمثل هذه التكهنات.

وبالإضافة إلى المناقشات المباشرة مع رئيس الوزراء ناريندرا مودي، ستجرى أيضًا مفاوضات بين وزيري الخارجية ووزارة الدفاع، أي أن الاتحاد الروسي والهند يعيدان إحياء الاتصالات بتنسيق 2 + 2، تتواصل الهند مع الولايات المتحدة بتنسيق مماثل، وهذا يعني وكما تقول صحيفة " نيزافيسيمايا غازيتا " أن واشنطن فشلت في تحويل نيودلهي إلى حليف عسكري، على الرغم من انضمامها إلى تحالف الرباعي غير الرسمي، الذي يضم أمريكا واليابان وأستراليا.

وكما متوقع فانه خلال المحادثات سيتم مناقشة قضايا تعزيز الشراكة الاستراتيجية الروسية الهندية ذات الامتيازات الخاصة، بادئ ذي بدء، من المخطط النظر في خطوات لزيادة التدفقات التجارية المتبادلة، حيث تعافت التجارة تمامًا بعد تراجع معين بسبب جائحة الفيروس التاجي واستمرت في الارتفاع، ففي الفترة من يناير إلى سبتمبر، ارتفعت بنسبة 38.1٪ لتصل إلى 8.8 مليار دولار (في عام 2020، انخفضت بنسبة 17.6٪ إلى 9.26 مليار دولار).

وإن أهم آلية لتعزيز العلاقات الثنائية في المجالات الاقتصادية والاستثمارية هي اللجنة الحكومية الدولية للتعاون التجاري والاقتصادي والعلمي والتقني والثقافي (التي يشترك في رئاستها نائب رئيس الوزراء يوري بوريسوف ووزير خارجية الجمهورية، حيث عقدت الدورة السابقة للجنة الدولية للبراءات في سبتمبر 2018 في موسكو.

ويعطي الجانبان الروسي والهندي الأولوية للتعاون في مجال الطاقة، في ظل توسع صادرات الهيدروكربونات الروسية إلى الهند، حيث تتعاون Rosneft بنشاط مع شركاء هنود، مع الأخذ في الاعتبار الطلب المتزايد باطراد على الغاز الطبيعي المسال في سوق الطاقة الهندي، فضلاً عن المصلحة المشتركة للبلدين في تنفيذ مشاريع الغاز الطبيعي المسال المشتركة، فإن التعاون بين غازبروم ونوفاتك مع الشركات الهندية المتخصصة له آفاق كبيرة، حيث يجري استكشاف فرص التطوير المشترك للهيدروكربونات على الجرف القطبي الشمالي والشرق الأقصى الروسي.

كما ان المشروع الرائد في مجال الطاقة النووية السلمية هو بناء محطة كودانكولام للطاقة النووية في الهند، حيث تعمل الوحدتان رقم 1 ورقم 2 بشكل طبيعي، ويجري العمل حاليا على إنشاء المرحلتين الثانية (البلوكين رقم 3 ورقم 4) والثالثة (البلوكين رقم 5 ورقم 6)، بالإضافة الى تطور التعاون في الفضاء بين مؤسسة روسكوسموس الحكومية ومنظمة أبحاث الفضاء الهندية، وبادئ ذي بدء، الحديث هنا عن التنسيب المتبادل للمحطات الأرضية GLONASS وكوكبة الأقمار الصناعية الهندية "NavIK"، وكذلك عن الأنشطة المشتركة في إطار برنامج فضائي مأهول.

واتفق صندوق الاستثمار المباشر الروسي مع الشركات الهندية على إنتاج مئات الملايين من الجرعات من اللقاحات الروسية Sputnik V و Sputnik Light، لاستخدامها في الهند ولإعادة تصديرها إلى دول ثالثة، وكذلك التبادل الثقافي والإنساني مجال مهم للعلاقات الروسية الهندية، ففي عام 2019، زار 180 ألف من المواطنين روسيا، وبالعكس سافر 200 الف مواطن روسي إلى الهند، وفي عام 2020 كانت المؤشرات 46 ألفا و 84 ألفا، وفي عام 2021 - 60 ألفا و 6.5 ألف، وبسبب الوباء والإجراءات الوقائية، لم يكن من الممكن إقامة مهرجان الثقافة الروسية في الهند في عام 2020، على الرغم من إقامة عدد من المعارض عبر الإنترنت، ومن المقرر تنظيم المهرجان العام المقبل، بطبيعة الحال، مع مراعاة حالة الوباء.

وتهدف المحادثات إلى تبادل وجهات النظر حول قضايا الساعة الدولية، ومن بين الموضوعات المحتملة للمناقشة قضايا الاستقرار الاستراتيجي، ومكافحة الإرهاب، والوضع في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، والوضع في أفغانستان، ويعتبر الجانبان التنسيق بين روسيا والهند على الساحة الدولية عامل مهم في الحفاظ على السلم والأمن العالميين، ويتم تنفيذ تعاون ناجح في إطار صيغ متعددة الأطراف كبيرة - الأمم المتحدة، ومجموعة العشرين، ومنظمة شنغهاي للتعاون، واتحادات البريكس ومركز المعلومات الإقليمي.

الأختلاف في مواقف موسكو ونيودلهي بشأن الصين لا يفسد من ودهما، ووفقا للمراقبين فانه سيناقش القادة واحدة من القضايا الرئيسية في العلاقات الثنائية، وهو موضوع الصين، يبدو للمراقبين أنه لن يكون من الممكن الاتفاق على أي شيء، لكنهم سيتحدثون في الموضوع، ولن يتم الإعلان عن ذلك رسميا، فالاختلافات واضحة، حيث تعتبر الهند ان الصين خصمها الرئيسي، لكن روسيا تعتبرها كحليف رئيسي لها، ويكاد يكون من المستحيل التوفيق بين هذه المواقف في هذه المرحلة، على الرغم من أن الهند ستقول إنها تدعم تنسيق RIC ، وهذا لا يعني دخول الهند إلى المجموعة الرباعية وأنها خضعت لسيطرة الولايات المتحدة.

وتعتبر الهند نفسها قوة عظمى، ولن توافق أبدًا على منصب الأخ الأصغر، لإقامة تحالف عسكري مع أي شخص، والآن هناك ارتفاع في القومية في البلاد، ومع ذلك، فإن الهند توازن بين مراكز القوة الأخرى، وفيما يتعلق بمنح البلاد مقعدًا كعضو دائم في مجلس الأمن، أعلنت روسيا مرة أخرى في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين أنها تؤيد هذا الاقتراح، لكن الهند وحدها لا يمكن أن تُمنح مثل هذا الوضع، وخلص الأستاذ MGIMO سيرجي لونيف، إلى أن هناك خلافات حول المتقدمين الآخرين بين الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن.

وتشارك الهند وروسيا معًا في منتديات مثل بريكس (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا) و RIC روسيا والهند والصين ومنظمة شنغهاي للتعاون، ويعتقد أن روسيا جلبت الهند إلى منظمة شنغهاي للتعاون كقوة موازنة للصين، التي دعت بدورها باكستان، وتعمل روسيا والهند على تنسيق السياسة في أفغانستان، وتعملان على منع البلاد من أن تصبح ملاذاً للإرهابيين ومورد المخدرات الرئيسي في العالم.

كما وستناقش المحادثات المقبلة مسألة إمدادات الأسلحة الروسية، ووفقا لنائب وزير الخارجية الهندي، هارش شرينغلا، إنه بدون قطع الغيار والدعم الفني الروسي "لن تبحر سفننا ولن تطير طائراتنا"، الآن، ووفقًا للجنرال، 65 ٪ من معدات القوات المسلحة الهندية من أصل روسي، وأشار المتحدث باسم وزارة الخارجية الهندية، أريندام باجشي، إلى أن أوضح مثال على أهمية الزيارة سيكون بدء تسليم مكونات نظام الدفاع الجوي الروسي إس -400، ومن المتوقع أن يتم الانتهاء من نقل القسم الأول هذا العام.

ووفقا للمراقبين الروس فإن الاتفاق على S-400 يجري تنفيذه على الرغم من محاولات الولايات المتحدة لتعطيل الصفقة، كما سيتم خلال الزيارة مناقشة أنظمة أسلحة أخرى، ويشدد رسلان بوخوف، رئيس مركز تحليل الاستراتيجيات والتقنيات على ان الهنود ليسوا مفاوضين سهلين، ولديهم أيضًا نظام صنع قرار معقد للغاية، وفي بعض الأحيان، على المستوى السياسي، "اتفقنا"، ولكن بعد ذلك يجب توقيع العقد بالأحرف الأولى، ودخوله حيز التنفيذ، ودفع سلفة، والآن هناك يقين مائة بالمائة أنه سيتم توقيع على عقدين - للتجميع المرخص لبنادق كلاشينكوف الهجومية في الهند وتوريد أنظمة Igla S المحمولة المضادة للطائرات، كما يمكن إبرام عقد لتوريد مروحيات خفيفة متعددة الأغراض من طراز Ka-226 "،

وتقول صحيفة Times of India ذات النفوذ، أن القوات الهندية بحاجة ماسة إلى هذه الطائرة، لأنه بعد كل شيء، لم يتم حل النزاع على الحدود مع الصين، لذلك، تريد وزارة الدفاع استبدال المروحيات القديمة بأخرى حديثة، وبعبارة أخرى، التناقضات بين شريكي موسكو الرئيسيين في آسيا - دلهي وبكين - حقيقة واقعة، فهل يمكن أن تحاول موسكو التهدئة بينهما؟ ويترتب على تصريحات المتحدث باسم وزارة الخارجية أن بوتين ومودي سيناقشان المشاكل الإقليمية والعالمية الرئيسية، بما في ذلك منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وسوريا.

 

بقلم: الدكتور كريم المظفر

 

 

كريم المظفركما كان متوقعا في أوساط المراقبين والمحللين السياسيين الروس، فقد أختتمت المكالمة الهاتفية التي جرت الجمعة بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب أردوغان، بالتركيز بحسب بيان الكريملين على عدة محاور رئيسية، في مقدمتها كانت النظر في عدد من القضايا المطروحة على جدول الأعمال الثنائي، بما في ذلك الجوانب العملية للتعاون في قطاعي الطاقة والزراعة، والاتفاق على تكليف الإدارات المعنية بالمشاركة الفعالة في التحضير للدورة القادمة لمجلس التعاون على أعلى مستوى والتي يمكن أن تعقد مطلع العام المقبل، بالإضافة الى المواضيع السياسية الخاصة بملف ناغورنيا قره باغ وسوريا وليبيا .

أما الملف الأهم الذي تناولته وسائل الاعلام خلال الفترة الماضية وبشكل مكثف، هي تلك التي أعلن خلالها الرئيس التركي استعداده للقيام بالوساطة بين روسيا وأوكرانيا وعقد قمة ثلاثية تجمعهما والرئيس الأوكراني، فقد قال الكريملين في بيانه، انه وأثناء مناقشة الأزمة الأوكرانية، تم التأكيد على ضرورة التنفيذ الكامل للإجراءات المتفق عليها في مينسك عام 2015، وغيرها من الاتفاقات، بما فيها بصيغة نورماندي"، ان الرئيس الروسي لفت إلى أن كييف تواصل نهجها الهدام الهادف إلى إحباط اتفاقات مينسك، بدليل النشاط الاستفزازي للقوات الأوكرانية في منطقة النزاع، واستخدامها طائرات "بيرقدار" المسيرة، في حين أشار الرئيس أردوغان  إلى أهمية دور الوساطة الذي يقوم به الاتحاد الروسي، مؤيدًا زيادة تنسيق الجهود، بما في ذلك استخدام قدرات المركز الروسي التركي للسيطرة على وقف إطلاق النار وجميع الأعمال العدائية في منطقة الصراع، دون أن يشير البيان الى ردة فعل الرئيس الروسي خلال المكالمة على هذه البادرة، مكتفيا بمقاله نظيره التركي فقط.

المراقبون الروس يرون في هذه النقطة، أن موسكو كانت فاترة بشأن وساطة أردوغان، وأوصلت قبل المكالمة الهاتفية الأخيرة، رسائل عدة الى الرئيس التركي حول رأيه بمبادرة الوساطة التركية، فقد رفض المتحدث باسم الرئاسة الروسية، دميتري بيسكوف، التعليق على تقارير حول اقتراح أنقرة لوساطتها لعقد قمة تجمع الرؤساء الثلاث لحل النزاع في جنوب شرق أوكرانيا، وشدد بالقول " لا.. لا أعلق على ما تتناقله المصادر أبدا.. كل ما في الأمر أن روسيا ليست طرفا في النزاع الجاري في دونباس، ولن يكون ممكنا إيجاد سبل لحل المشكلة في مثل هذه القمة، والطرفان في النزاع هما كييف من جهة، وممثلو الجمهوريتين المعلنتين من جانب واحد (في دونيتسك و لوغانسك) من جهة أخرى"، في حين جاءت الرسالة الثانية على لسان وزير الخارجية سيرغي لافروف الذي أشار هو الآخر إلى أن تركيا "لها موقف خاص" بشأن الوضع في أوكرانيا وتعلن باستمرار على المستوى الرسمي عدم جواز احتلال شبه جزيرة القرم، وفيما يتعلق بقضية دونباس، يعلن الجانب التركي عن الحاجة إلى التنفيذ الكامل لاتفاقيات " مينسك "، لكنه "يضع معنى محددًا للغاية في هذه الدعوة"، مما يعني في هذه الرسالتين أنه من غير الممكن إيجاد حل، لأن الكرملين يشدد على أن كييف بحاجة إلى التحدث مع ممثلي جمهوريتي دونباس و LPR .

ويؤكد المراقبون ومن بينهم فلاديمير أفاتكوف، باحث أول في IMEMO RAS، أستاذ مشارك في الأكاديمية الدبلوماسية بوزارة الخارجية الروسية، أنه بعد الصراع في جنوب القوقاز (في ناغورنو كاراباخ -)، شعرت القيادة التركية بفرصة التأثير في هذا الفضاء والتدخل في العمليات الجارية هناك، ومن ناحية أخرى، لدى أردوغان رغبة في إرضاء الغرب، وإظهار أنه يقوض فضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي ويمزقه بعيدًا عن روسيا، ومن ناحية أخرى، لديه الرغبة في اعتراض جدول الأعمال في فترة ما بعد الاتحاد السوفيتي، مع التركيز على نفسه ضمن أيديولوجية المحور - كمركز الاتصال لتركيا الجديدة لأردوغان، التي تحاول التأثير على المناطق المجاورة وتشكيل عوالمها الخاصة.

واعرب بوغدان بيسبالكو، عضو مجلس العلاقات بين الأعراق برئاسة رئيس الاتحاد الروسي من أن روسيا ستستغني عن وساطة أردوغان، لأنه من الواضح أن أردوغان حليف كييف أكثر من كونه وسيطًا محايدًا، فهو بالنسبة إلى كييف، سيكون مثل هذا الوسيط أكثر ملاءمة من أي وسيط آخر، لكن روسيا، من حيث المبدأ، ليست بحاجة إلى وسطاء الآن، " لدينا صيغة مينسك، صيغة نورماندي، لدينا صيغة شتاينماير، هناك فرنسا وألمانيا، اللتان تعملان كضامن لعملية التفاوض، لماذا نحتاج إلى وسيط آخر - تركيا؟

من الواضح أن الرئيس التركي أردوغان، من وجهة النظر الروسية، انه قد أدرك جيدا أن الغرب لا يمكنه أن يدخل حربا ضد روسيا من أجله ومن أجل خططه الإقليمية المتطرفة، فقرر التوجه إلى كييف ليجرب خلط الأوراق لعله يستثمر مغامرات المجموعة الحاكمة هناك والتي يدعهما صقور الولايات المتحدة وحلف الناتو لأسباب لا تتعلق إطلاقا بالتوجهات الإسلامية المحافظة لأردوغان وحزبه الحاكم في تركيا، وربما كانت زيارة المسئولين الاتراك لكييف والإدلاء بتصريحات قصيرة النظر ضد روسيا، وتشجيع مجموعة الليبراليين الجدد في عدائهم لروسيا وللروس، ربما كانت أكثر إساءة لأنقرة نفسها عندما تضع نفسها جنبا إلى جنب مع المجموعة الحاكمة في كييف، بل ويذهب الاتراك في تصريحاتهم إلى الإعلان عن دعم سلطة كييف، نكاية في روسيا ومواقفها، والتطرق إلى شبه جزيرة القرم ليخلط الأوراق بشكل مثير للسخرية والتساؤلات في آن واحد، والتأكيد في الوقت نفسه على أن أنقرة لن تعترف بما أسماه الاحتلال الروسي لشبه جزيرة القر، وفي حقيقة الامر، فان تركيا تضع نفسها في مآزق تاريخية عندما تعتمد مثل هذه الأساليب السياسية البدائية التي لا تراعي تحولات المستقبل والتقارب بين الدول، و إنها ببساطة تحرق الجسور ليس فقط مع روسيا، وإنما مع دول أخرى من أجل الأيديولوجيا الإسلامية المحافظة التي يعتمدها حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

بالإضافة إلى ذلك، تنتهج تركيا بحسب المراقبين الروس، سياسة غير محايدة بشكل واضح تجاه كل من روسيا وأوكرانيا، وتحاول تركيا توسع التعاون العسكري مع أوكرانيا، ولا تعترف بسيادة روسيا على القرم، ويتذكر الروس كيف أن أردوغان نفسه استقبل حرس الشرف الأوكراني بعبارة "المجد لأوكرانيا!" و يتساءلون هل مثل هذا الشخص، او مثل هذه الدولة تحاول الدخول في العلاقات الروسية الأوكرانية كوسيط؟ ويشيرون أيضا الى الفضائح الأخيرة المتعلقة بالخرائط المعروضة على التلفزيون أو المقدمة لأردوغان من قبل رئيس حزب الحركة القومية أيضا لا تحسن الموقف تجاه تركيا تجاه أردوغان، فالخرائط، التي يتم تظليل العديد من المناطق الروسية عليها، بما في ذلك شبه جزيرة القرم، باعتبارها منطقة نفوذ تركي أو جزء من تركيا تقريبًا، بغض النظر عن التأليف، "تلهمنا بشعور من الحذر تجاه أردوغان "، بالإضافة إلى ذلك، تتقاطع تركيا مع روسيا في سوريا وليبيا وآسيا الوسطى والقوقاز، وبالطبع سيطالب هناك بتنازلات، لكن هذه المرة ذات طبيعة عسكرية سياسية، علاوة على ذلك، يقوم بتزويد كييف بطائرات بدون طيار من طراز Bayraktar، والتي تم استخدامها أو يمكن استخدامها ضد سكان جمهوريات دونباس الشعبية، والكثير منهم مواطنون روس.

ويشدد ستانيسلاف تكاتشينكو، أستاذ قسم الدراسات الأوروبية، كلية العلاقات الدولية، سانت بطرسبرغ جامعة الولاية، خبير نادي فالداي، على ان روسيا ليست بحاجة فعلاً إلى مثل هذا الوسيط، وقال " لم ندعو أردوغان بهذه الصفة، وروسيا ليست بحاجة إلى وسطاء على الإطلاق " ويشير الى هناك عدد من الاتفاقيات - اتفاقيات مينسك، تحتاج فقط إلى التنفيذ، وانه من أجل أن يأتي السلام إلى دونباس، يلزم إجراء مفاوضات مباشرة بين كييف ودونيتسك، و تدفع روسيا باستمرار كييف نحو ذلك، لذا فإن وساطة أردوغان في هذا الوضع غير مناسبة.

أما سيرغي إرماكوف، الخبير في مركز تنسيق الأبحاث RISS،، فقد أشار الى إن اقتراح أردوغان يبدو وكأنه واجب، لأنه لا توجد أسباب للمفاوضات مع أوكرانيا خارج صيغة اتفاقيات مينسك، وستقف أوكرانيا إلى جانب موقفها ولن تجري عادة حوارًا مع روسيا، وأكثر من ذلك، وسيُعرض علينا إجراء ذلك من خلال دولة الناتو أيضًا، وبما أن الاتحاد الروسي ليس طرفًا في النزاع، فليس من الواضح ما الذي يمكن مناقشته بهذا الشكل "، في حين قال فلاديمير شابوفالوف، نائب مدير معهد التاريخ والسياسة في جامعة موسكو الحكومية التربوية، إن أردوغان مفرط في النشاط في السياسة الخارجية ويسعى لتوسيع نفوذ تركيا، وفي هذه الحالة، يعتبر عرض الوساطة من بين مبادرات أخرى للقيادة التركية، تهدف إلى تعزيز مواقف أنقرة على طول محيط واسع إلى حد ما من المناطق المجاورة، وتحاول تركيا الاستفادة من ضعف الدولة الأوكرانية وفقدان الاهتمام الواضح من جانب الاتحاد الأوروبي في كييف، وتسعى لملء هذا المكان - مكانة الدول الغربية - وجعل أوكرانيا محمية لها.

ويشدد الروس على ان الآن الأهم من ذلك بكثير بالنسبة لأردوغان أن يحل المشاكل الداخلية لتركيا، لأن الوضع الاقتصادي يترك الكثير مما هو مرغوب فيه، لديه موارد أقل وأقل للتأثير الخارجي بسبب الوضع السياسي الداخلي الصعب، وتعرضه الآن لانتقادات شديدة بسبب سلوكه على الساحة الدولية والشرق الأوسط وأفريقيا، وداخل البلاد يواجه مشاكل كبيرة جدا مع المعارضة على خلفية انهيار الليرة، وانه في حالة وجود أزمة عملة وتضخم متسارع في البلاد، فإن أي زعيم يحتاج إلى هذا النوع من الأخبار الإيجابية.

كما ان العقبة الأخرى في الحوار الروسي التركي هي تصرفات أنقرة لتزويد كييف بالأسلحة، ولا سيما طائرات بيرقدار الهجومية، وأشارت موسكو مرارًا وتكرارًا إلى أنه من خلال بيع هذه الأسلحة إلى كييف، يغذي الجانب التركي المشاعر العسكرية الأوكرانية، وشدد الكريملين في هذا الصدد على أن إمداد الجانب الأوكراني بالأسلحة يؤدي إلى زعزعة استقرار الوضع على خط التماس في منطقة الصراع، وقد أعربت أنقرة بالفعل عن استيائها من توجيه انتقادات لها بسبب إمدادها بالسلاح للدولة، حيث يستمر الصراع العسكري، وهكذا، طالب وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو بعدم ربط الطائرات بدون طيار التي حصلت عليها أوكرانيا ببلده، بالمناسبة، سيبدو أردوغان في دور جندي حفظ سلام برأيهم " مضحكًا للغاية"، بالنظر إلى أن تركيا تقاتل الآن في سوريا وليبيا ومنطقة القوقاز وتهدد ببدء تشغيلها في قبرص، يريد أن يلعب دور الوسيط من أجل السلام، لكنه في نفس الوقت يشن الحروب في كل مكان.

قد يتمتع أردوغان بعلاقات جيدة مع كل من القادة الأوكرانيين والروس، ولكن هناك فارق بسيط لا يريده الاتحاد الروسي ولن يتواصل مع الجيل الحالي من القادة الأوكرانيين، وتحديداً مع فلاديمير زيلينسكي لذلك نعتقد أن مبادرة الرئيس التركي عديمة الجدوى إلى حد ما، وهو على الأرجح يهدف ببساطة إلى تذكير المجتمع الدولي بنفسه من خلال إضافة بعض الملاحظات الإيجابية إلى صورته في الخارج، ويشك الروس في ان حتى أردوغان نفسه يؤمن بنجاح هذه الفكرة، فمن الناحية النظرية، وفي مثل هذه المواقف الأوكرانية، هناك حاجة حتى إلى وسيط، وكقاعدة عامة، هذا هو دور الدولة المحايدة، والتي من الأفضل البحث في مكان ما في سويسرا أو النمسا أو فنلندا، فما بال أردوغان الذي هو ليس لاعبا محايدا في نظر روسيا، ولديه موقفه الخاص من شبه جزيرة القرم وقضايا أخرى، وهو ما لا يناسب روسيا على الإطلاق، إذن هو ليس وسيطًا مثاليًا، لكن بالنسبة لأوكرانيا، هذا يناسب تمامًا

المبادة التركية هي جزء من سياسة أردوغان، التي أوضحها في كتابه عالم أكثر عدلاً ممكن، ففي الواقع، هذه محاولة لبناء عالم عادل "على حد تعبير أردوغان"، يكون فيه هو الذي سيحل القضايا بين روسيا وأوكرانيا، وأن بيان الرئيس التركي موجه أكثر نحو الجمهور الداخلي، فيه يوضح أردوغان مدى نشاط تركيا ويحاول حماية مصالح الأتراك في جميع أنحاء العالم، خاصة في ظل الركود الاقتصادي وانخفاض قيمة الليرة التركية، فالرئيس البيلاروسي الكسندر لوكاشينكا لم يعمل كوسيط، فقد قدم منصة للمفاوضات، وهو نفسه لم يشارك فيها ولم يكن من أفراد حفظ السلام، إذا تمكن أردوغان من الدخول كوسيط بين روسيا وأوكرانيا، فسيستخدم هذا لزيادة الضغط على روسيا من أجل الحصول على نوع من المكافآت الاقتصادية أو العسكرية، سواء في بناء محطتين للطاقة النووية - او ربما سيطالب بخصم أو بقرض، وربما سيطالب بخصم على الغاز الروسي.

 

بقلم : الدكتور كريم المظفر

 

 

علاء اللاميهذا السؤال يحاول أن ينصف تاريخ وتراث هذا الحزب العريق الذي تأسس في 31 آذار/مارس 1934، وقدم خيرة قادته شهداء على أعواد مشانق النظام الملكي الرجعي والأنظمة الانقلابية في العهد الجمهوري، وفي طليعتهم مؤسسيه الشهداء الثلاثة يوسف سلمان ومحمد حسين الشبيبي وزكي بسيم وزعيمه سنة 1963 حسين أحمد الرضي الذي أعدم من قبل انقلابيي 8 شباط تحت التعذيب من أجل حرية واستقلال العراق وسعادة كادحيه وفقرائه.

* تصادف وجودي في بغداد مع انعقاد المؤتمر الوطني الحادي عشر للحزب، واطلعتُ بعُجالة على وثائق المؤتمر في صحافته فكانت مخيبة للآمال. لستُ في معرض تحليل ونقد شاملين ومسهبين لهذه الوثائق الآن، فهذا مسعىً يتطلب وقتا وجهدا، ولكني سأطرح ملاحظات سريعة وموجزة كمواطن وكاتب اشتراكي ماركسي مستقل يهمني هذا الشأن العام:

* إن هذه الوثائق السياسية النظرية أشبه ما تكون بوثائق حزب ليبرالي - أقرب إلى الوسط منه إلى اليسار اللبرالي ذي النكهة الاجتماعية - وثائق لا علاقة لها بالشيوعية ولا الاشتراكية كما يعرفها الناس، وهي تستهدف بالدرجة الأولى تبرير أخطاء وارتكابات قيادة الحزب منذ سنة الاحتلال الأميركي 2003 وحتى اليوم، ومنها مشاركته في مجلس حكم بريمر، ولجنة كتابة الدستور الاحتلالي وغيرهما من أجهزة الاحتلال السياسية والتنظيمية، والحكومات القائمة على الطائفية السياسية التي تشكلت لاحقا. وكانت وثائق المؤتمرات السابقة لما بعد 2003 قد طرحت هذه التبريرات القشرية وهي تكررها في كل مؤتمر، وهذا يعني أن الحزب باق على ماهو عليه من تقوقع وانسداد وهامشية ونهج يميني فاقع. 

*هل يمكن ان يتصور المرء أن حزبا يسمي نفسه "شيوعيا" وهو لا يذكر أي شيء عن برنامجه أو هدفه في التحول الاشتراكي أو الشيوعي حتى لو ذكرها بشكل عام وعلى سبيل التذكير به كأفق مستقبلي، ولا يطالب بالتغيير الجذري وإعادة كتابة الدستور الذي ساهم في كتابته، وتجريم وتحريم الطائفية السياسية التي عمل وشارك في الحكم من خلالها، وينادي باستعادة استقلال العراق بإلغاء اتفاقية "الإطار الاستراتيجي" مع الولايات المتحدة، وإخراج القوات الأجنبية وانتزاع السيادة الوطنية كاملة وعمليا على الأرض والماء والسماء والعائدات المالية، وهذه أهداف ليبرالية أيضا وليست اشتراكية أو شيوعية قطعا، فلماذا لا تتبناها قيادة الحزب ولا تذكرها أو تروج لها في برامجها ومؤتمراتها؟ لماذا تستمر بحمل اسم الشيوعية وهي تجتر أطروحاتها المائعة والإنشائية التي يكررها الجميع حول العدالة الاجتماعية والدولة المدنية الديموقراطية الجامعة كما جاء في خطاب سكرتير اللجنة المركزية للحزب في المؤتمر (إقامة دولة المواطنة الديمقراطية الاتحادية الجامعة، الخالية من العنف والتطرف والإرهاب ومنظماته، والتي تُحترم فيها حقوقُ الانسان، وفقا للدستور والمواثيق الدولية وتتعزز فيها الوحدةُ الوطنية / جريدة الحزب)، وتشجيع الاستثمار الأجنبي والقطاع الخاص وحصر السلاح بيد الدولة في حين أن الدولة فاسدة ومنقوصة السيادة وتُفرَض عليها قوات عسكرية أجنبية وتسلِم عوائد نفطها الى البنك الفيدرالي الأميركي ليتصدق عليها بفتات منه لتمشيه أمورها اليومية يختلس أغلبه وتُجرى فيها مهزلة انتخابات كل أربع سنوات بإشراف وإدارة أحزاب الفساد الحاكمة نفسها ثم صار رؤساء حكوماتها ولأكثر من مرة لا يأتون نتيجة هذه الانتخابات بل نتيجة عقد صفقات داخلية وخارجية وتوافق أميركي إيراني! لماذا لا يغيرون اسم الحزب إلى نادي اجتماعي أو حزب ديموقراطي أو ليبرالي، هل هذا الاسم أصبح ماركة تجارية لا يريدون التنازل عنها مجانا رغم أنهم يبعدون عنها وعن أمجاد مؤسسيها بالدماء والعرق والدموع مئات السنوات الضوئية؟

*وقد يقال إن الوقت والظرف العام ليسا مناسبين لطرح أهداف ومهمات اشتراكية، وان الوضع الطبقي والسياسي في العراق لم ينضج طبقيا واجتماعيا الى الحد الذي يسمح بطرح هذه الأهداف؛ والسؤال الداحض لهذا التحفظ هو: هل كان الوضع الطبقي والاجتماعي في روسيا أو الصين أكثر نضوجا من الوضع العراقي عشية ثورة أكتوبر وحرب تحرير الصين والبدء بعمليات البناء والتغيير الاشتراكي؟ ألم تكن روسيا التي كان ماركس يسميها في القرن التاسع عشر "كيس البطاطا المترهل وقلعة الرجعية الأوروبية" تضم شعبا من الحفاة والجياع والتخلف الثقافي والاقتصادي والحضاري الشامل عشية الثورة؟ ألم تكن الصين أكثر تخلفا من أي بلد أفريقي نهبه الإمبرياليون الغربيون الهمج وتنوء تحت ثقل المجاعات الدورية والإدمان الشامل والمفروض بريطانيا على الأفيون؟ وأخيراً، ما فائدة ومغزى أن تسمي حزبك "شيوعيا" وأنت تكرر كلاما تقوله جميع الأحزاب السياسية البرجوازية اليمنية والإسلامية الطائفية والقومية العنصرية والجمعيات الخيرية وشيوخ العشائر ونوادي الموظفين حول العدالة الاجتماعية والدولة المدنية الديموقراطية الجامعة والوحدة الوطنية وحماية السلم الأهلي؟

* نسجل أيضا أن وثائق المؤتمر لم تتوقف بالمراجعة والنقد والاعتذار عند المحطات التي عاشتها قيادة الحزب في فترة ما بعد الاحتلال وحتى قبلها، ولم تعتذر عن مواقفها وأخطائها الكثيرة والكبيرة وآخرها موقفه المناوئ لانتفاضة تشرين 2019 في يومها الأول، لكنه تراجع سريعا عن هذا الموقف بعد انخرط أعضاؤه في القواعد الحزبية فيها واستشهد بعضهم برصاص القمع الوحشي إلى جانب مئات الشهداء من أبناء شعبهم الكادح!

* الباعث على شيء من الأمل - وأقول هذا بحذر- هو أن الأصوات الجذرية الشجاعة موجودة في قواعد هذا الحزب، وخصوصا لدى الشباب، ولكن وجودها تنطبق عليه عبارة "أصوات غامضة في البرية" للأسف وقد يكون بعضها أصوات أكثر ليبرالية ويمينية، ثم أن هؤلاء الشباب لا تسمح لهم آليات الانتقاء المنحاز التي تديرها نخبة عجائز الحزب بالوصول الى قاعة المؤتمر. ومن الطريف بهذا الصدد، وبما يؤكد تفاؤلي النسبي بوجود الأصوات المختلفة والمخالفة للخط الليبرالي السائد أن بعض منظمات الحزب كما قيل وخصوصا في الجنوب أكثر حياة وحركة وقربا من الناس ومشاكلها وهمومها من قيادة الحزب في بغداد. وفي هذا السياق ومن طريف ما سجلته شخصيا ويصلح لتأكيد هذه الفرضية، أقول إنني لم أكن أتخيل أن منظمة الحزب في البصرة قد نشرت في مجلتها الفكرية "الغد" العدد 33 الفصل الأول سنة - 2021 / ص 53 -الصورة، مقالة بقلمي عن "الفرهود وتهجير اليهود العراقيين...قراءة جديدة في الخلفيات" نقلا من صحيفة أخرى حاولت أن أكشف فيها خطط الكيان الصهيوني بالتحالف مع الحكم الملكي الهاشمي في العراق لتهجير اليهود العراقيين، رغم أنني انتقدت بقوة هذه المقالة أحد الكتاب المقربين من قيادة الحزب والقيادي السابق فيه الراحل كاظم حبيب قبل وفاته؟ آملُ أن لا أتسبب ببعض الأذى للرفاق البصرين بذكري لهذه الواقعة هه!

وأخيرا، وعما دار في دهاليز المؤتمر المذكور أدرج أدناه رابط مقالة لأحد الأعضاء من شباب الحزب هو مازن الحسوني بعنوان "حقيقة التغيير"، والحسوني - كما يظهر من المعلومات الواردة في مقالته- هو ممن يعرفون "البير وغطاه" كما يقال، ولكني أسجل على المقالة أنها لم تقل شيئا مهما في الميدان السياسي والفكري، ولم تقترب من ضرورة القطع مع الخط اليميني الليبرالي الذي تنتهجه القيادة، ولم تقل لنا كيف ينظر هذا الرفيق ومن معه إلى ما تقدم من أمور تتعلق باستقلال العراق وطرد القوات الأجنبية والطائفية السياسية الحاكمة والتبعية للولايات المتحدة والنفوذ الإيراني وتجاوزات سلطات أربيل وخرقها المستمر للدستور. وأخيرا فالإجابة المتاحة بالنسبة لي على سؤال العنوان "ما الذي تبقى من هذا الحزب هي: تبقى منه تراثه الكفاحي الطبقي والوطني المضيء وشباب القواعد القريبون من الناس والفكر الاشتراكي الكفاحي الجذري الحقيقي.

 

علاء اللامي

.......................

أدناه رابط يحيل الى النص الكامل لمقالة مازن الحسوني:

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=739484

 

 

ابراهيم أبراش(أوهام السلام الإبراهيمي)

المراقب سرعة وكثافة الاتفاقيات في مختلف المجالات وخصوصاً الأمنية والعسكرية ما بين إسرائيل والمغرب وقبلها مع الإمارات العربية والبحرين يعتقد أن هذه الدول كانت مُحَاصرة ومعزولة وأمنها القومي مهددا وجاءت إسرائيل لفك الحصار والعزلة عنها ولتحمي وتُحصِن أمنها القومي ! .

في الواقع فإن هذه الدول المطبِّعة حديثا معروفة بعلاقاتها التاريخية مع أمريكا والغرب عموماً وهي صديقة ومنفتحة على كل دول العالم وفي استطاعتها الحصول على كل ما تحتاجه من أسلحة وتكنولوجيا متطورة ومساعدات من هذه الدول، ولا يوجد عند إسرائيل أكثر أو أفضل مما يوجد عند دول العالم وخصوصاً أمريكا والغرب، كما يوجد في جميع هذه الدول المُطبِعة قواعد أمريكية وبينها وبين أمريكا اتفاقات أمنية، كما أن كل من الإمارات والمغرب تعرف استقراراً ونهضة وتطور داخلي يحسدها عليه الجيران وهي ليست محل تهديد وجودي حقيقي.

 فماذا يوجد عند إسرائيل ولا يوجد عند دول العالم؟ وما الذي ورطها بالتطبيع مع إسرائيل وخلق كل هذه الضجة داخليا ومع دول الجيران؟.

مع تقديرنا واحترامنا للدول المعنية كدول ذات سيادة من حقها إقامة علاقات مع من شاءت من دول، ومع عدم انكارنا لدور هذه الدول في دعم الشعب الفلسطيني، إلا أن مسألة التطبيع مع إسرائيل والاتفاقات الأمنية والعسكرية معها تتجاوز حدود الدول المعنية لتمس القضية والشعب الفلسطيني وأمن واستقرار المنطقة العربية برمتها .

  فما الذي يكمن وراء اتفاقات التطبيع  وعلاقتها بالقضية الفلسطينية وأمن واستقرار المنطقة العربية؟ وإن كانت واشنطن وطوال عقود من تحالفها الاستراتيجي مع الدول المطَبِعة لم تساعدها في صيانة أمنها القومي وحمايتها من التهديدات الخارجية، إن كانت مهدَدة بالفعل،  فهل ستنفع إسرائيل هذه الدول من خلال ما يسمى (اتفاقات إبراهيم) وتنجز لها ما عجزت عنه أمريكا والغرب؟ وما علاقة (اتفاقات إبراهيم) بالقضية الفلسطينية؟ وهل اتفاقيات السلام بين الدول المُطَبِعة وإسرائيل ستؤدي بالفعل إلى سلام في الشرق الأوسط؟ وكيف يتحقق سلام في الشرق الأوسط بدون الفلسطينيين وحل قضيتهم التي هي أساس الصراع في الشرق الأوسط ؟.

ارتبط مصطلح الصراع في الشرق الأوسط تاريخياً بالصراع العربي الإسرائيلي وفي جوهره الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ومنذ الربع الأول من القرن الماضي فإن المؤتمرات والندوات والاتفاقات ومشاريع التسوية داخل الأمم المتحدة و خارجها كان محورها وموضوعها الصراع العربي/الفلسطيني الإسرائيلي، والحديث عن مشاريع تسوية منذ قرار التقسيم 1947، بل قبل ذلك، ثم مشروع روجرز 1970 ومشروع الملك فهد 1982  و مؤتمر مدريد 1991 والمبادرة العربية للسلام 2002 وعشرات مشاريع التسوية ... كان هدفها  تسوية هذا الصراع، كما أن الحديث عن مؤتمر دولي للسلام كان يعني دائما حل القضية الفلسطينية بطريقة سلمية، وداخل أروقة الأمم المتحدة فإن أي مناقشات أو اجتماعات أو قرارات تحت عنوان الصراع أو النزاع في الشرق الأوسط كان المقصود به إنهاء النزاع أو الصراع المترتب عن الاحتلال الصهيوني الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية. 

انطلاقاً من هذا التعريف والتحديد لطبيعة الصراع فإن الأطراف الرئيسة له هم الإسرائيليون والفلسطينيون والدول العربية الحدودية التي دخلت في حروب مباشرة مع إسرائيل، مصر والأردن ولبنان وسوريا وهي الدول التي يشملها قرار مجلس الأمن رقم 242 لعام 1967 والقرار 338 لعام 1973 والقرارات والتوصيات اللاحقة الصادرة عن مجلس الأمن والجمعية العامة وغيرها من المنظمات الدولية المتعلقة بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وحقه في دولة خاصة به، أما الدول العربية الأخرى فكانت مساندة وداعمة أو مشاركة جزئياً كما هو الأمر مع عديد من دول العالم التي تقف مع عدالة القضية الفلسطينية و تقاطع إسرائيل أو لا تعترف بها.

وبالتالي فإن أي اتفاقات سلام في الشرق الأوسط تتجاهل الشعب الفلسطيني ولا تتضمن الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة وتطبيق قرارات الشرعية الدولية ذات الشأن ستكون مجرد تزوير وقلب للحقائق وهروب من جوهر الصراع  ولن تُحقق السلام بل ستزيد التوتر في المنطقة، وليس من حق الدول العربية التي شاركت فيما تسمى (اتفاقات إبراهيم) أو (السلام الإبراهيمي) أن تتحدث نيابة عن الشعب الفلسطيني أو تزعم أن الاتفاقات التي وقعتها مع إسرائيل ستجلب السلام للمنطقة وللشعب الفلسطيني.

كانت (اتفاقات إبراهيم) التي وقعتها الإمارات العربية مع إسرائيل في أغسطس 2020 ثم البحرين بعد شهر ولحق بهما السودان والمغرب، هذه الاتفاقيات ليست حدثاً تاريخياً وانجازاً عظيماً للسلام في الشرق الأوسط والعالم كما زعم الرئيس الأمريكي ترامب عند عقد هذه الاتفاقات ثم كرر وصفها بهذه الصفة رئيس وزراء إسرائيل في ذكرى مرور عام على توقيع هذه الاتفاقات، بل هي أكبر عملية تزوير للتاريخ وتحايل على حقائق الواقع في الشرق الأوسط وأكبر خدمة قدمتها واشنطن والدول العربية المطبِعة لإسرائيل، وهي لن تحقق أي سلام بل ستزيد التوتر وفرص الحرب ليس في فلسطين فقط بل أيضا في منطقة الخليج والمغرب العربي كما نشاهد اليوم سواء فيما يتعلق بالملف الإيراني أو العلاقات الجزائرية المغربية .

مارس الرئيس ترامب أكبر عملية تغرير وخداع للدول المطبعة ولشعوب المنطقة، فلو كانت الإدارة الأمريكية صادقة في مساعدة دولة الإمارات العربية ودول الخليج لساعدت دولة الإمارات على استعادة جزرها المحتلة من طرف إيران منذ 1971 – طمب الصغرى وطمب الكبرى وأبو موسى - ولو كانت واشنطن معنية بأمن دول الخليج ما تركت العربية السعودية تتورط في اليمن وتركت الحوثيين يهددون أمنها القومي ويستبيحون أراضيها بالصواريخ،  والسعودية أكبر وأهم حليف استراتيجي لأمريكا والغرب في المنطقة وقدمت لأمريكا في عهد ترامب فقط مئات المليارات، ولو كانت واشنطن معنية بأمن دولة الامارات والبحرين من الخطر الإيراني فإن قواعدها العسكرية المتواجدة في هاتين الدولتين وفي كل دول الخليج قادرة على ذلك ولا يحتاج الأمر لسلاح إسرائيلي أو قواعد إسرائيلية في الإمارات.

وبالنسبة للمغرب فهو حليف وصديق للغرب، ومشكلة الصحراء ،التي ساوم عليها ترامب المغرب في معادلة الاعتراف بمغربية الصحراء مقابل التطبيع مع إسرائيل، موجودة منذ 1974 وهي تقريبا كانت محسومة لصالح المغرب وعدد الدول التي تعترف بمغربية الصحراء تتزايد يوما بعد يوم، وطوال 47 سنة كان في استطاعة واشنطن والغرب حل المشكلة لو رغبوا في ذلك ولكنهم لم يفعلوا لأنهم معنيون باستمرار التوتر والصراع بين المغرب والجزائر وينتظرون لحظة الحرب بينهما لأن استراتيجية أمريكا هي إدارة الصراعات وليس حلها ما دامت خارج أراضيها،  واعتراف واشنطن بمغربية الصحراء وتطبيع المغرب مع إسرائيل لن يساعد في حسم مشكلة الصحراء أو تعزيز الأمن القومي للمغرب بل ستتصاعد حالة التوتر ،وهي بالفعل تصاعدت، وقد يؤدي الأمر لحرب بين المغرب والجزائر وقد تتورط بها دول أخرى، آنذاك لن تنفع المغرب لا أمريكا ولا إسرائيل .

ليس هدف واشنطن وإسرائيل من اتفاقات إبراهيم أو السلام الإبراهيمي تحقيق السلام لا في فلسطين ولا في الشرق الأوسط عموماً، وليستا معنيتين بدعم وحماية الأمن القومي للدول المطبِعة، بل هي جزء من صفقة القرن الترامبية أو الشق العربي والإقليمي منها، وهي تهدف لتعميم (الفوضى الخلاقة) إلى بلاد المغرب العربي والخليج العربي، وتأجيج الصراعات الإقليمية و داخل الدول المطبِعة نفسها حيث ستعمل إسرائيل على إثارة النزعات الجهوية والعرقية .

وأخيرا، ستكتشف الدول المُطبعة أنها بفتح أبوابها للإسرائيليين سيكون حالها كحال (الذي أدخل الدب إلى حديقة منزله)، وأن المكاسب الأمنية التي ستحققها من خلال الاتفاقات الموقعة مع إسرائيل ستكون أقل بكثير من الخسائر التي ستؤدي إليه هذه العلاقات وتزايد التهديدات الأمنية عليها سواء الداخلية أو الخارجية.

 

د. ابراهيم أبراش

 

 

محمد المحسن"ليس بين الدّم.. والدمع مسافة.. هذه تونس التي تتحدّى.. وهذا الوعي نقيض الخرافة.." (مظفر النواب.بتصرف طفيف)

كيف يمكن للغة أن تنجو من لغوها، وهي يحك بعضها بعضاَ، في محاولة يائسة للتعبير عما انطبع وينطبع في الذات من مشاعر وخواطر، يثيرها ويركض أمامها حدث الروح التونسي الأعظم: الثورة؟ !

وبعيدا عن التجريد المشخصن الذي آلت إليه كلمة ’الثورة’ وعن تصدرها قائمة أسهم الخطاب في بورصة العجز العربي الثرثار، بل بعيدا حتى عما تفجّره من تداعيات معنوية وحلمية، أجدني أميل إلى العودة إلى التجسيد، إلى القبض على الشيء والمعنى بالحواس المتأتئة، قبل أن تقتنصهما التسمية، وتحبسهما في أقفاصها الرنانة.

وما كنت لأجرؤ على مجازفة كهذه، لولا أنني كنت على الأرض التي انتفض لحمها البشري في السابع عشر من شهر ديسمبر 2010، فشاهدت وشهدت، وإن كانت مشاهدة لم تخرج من حيز الشهود-أسفا-إلى فضاء الاستشهاد !.

ثمة سؤال أبله يدور في خلدي، قد يصلح ليكون بداية، وإن كانت فجة، للملامسة المقصودة هنا: لماذا يجب على الشعراء (وأزعم أني واحد منهم) أن يكتبوا شعرا أو نثرا، عن الثورة؟ !

هو سؤال أبله كما ترون، ولكنه، ككل أبله، يلح في طلب إجابة شافية، وككل أبله لن ترضيه الإجابات المخاتلة، أو تلك المبنية على الركون إلى البدهيات والأعراف.

والوجوب المفترض عن الشعراء-أو المفروض عليهم !-هو إما نابع من ضمير الشاعر نفسه، من ضيقه بما احتشد في وجدانه من مشاعر وانفعالات صاخبة، لن تهدأ حتى يخرجها كلمات على الورق، أو أنه نابع من إحساس الشاعر بواجبه في التعبير عن مشاعر وانفعالات الآخرين ممن حرموا القدرة على الكتابة، وفي كلتا الحالتين يراد منه أن يكون اسهاما في الفعل الذي جرى على الأرض-الثورة.

وكأني بالشاعر ما يزال يعتبر نفسه، ويعتبره الأخرون، صوت أمته، وضميرها الحي، الحامل لهمومها وأفراحها وآلامها، المعدّد لمناقبها، الممجّد لإنتصاراتها، الرائي لقتلاها، الشاتم لأعدائها.. وربما هو كذلك، أو كان كذلك، في جاهلية انقضت (أو هكذا حسبناها !)، قبل أن تخرج الأمور عن مجرد نزاعات قبلية بالسيف والرمح عن مرعى وكلأ، وقبل أن تتعقّد العلوم والإختصاصات، فيتولى آخرون فيما بينهم تلك المهام التي كانت منوطة بلسان الشاعر وفصاحته، وأعني بهم علماء الإجتماع وعلماء السياسة وعلماء الإقتصاد وعلماء التاريخ وعلماء الحرب وعلماء النفس وعلماء الإعلام..حتى علماء الكلام !.

لكن الناس ينتظرون من الشاعر، الشاعر وحده، أن يقول ويكتب ! وهو في داخله يحس أنها مهمته هو، دون غيره ! وكأنه راسخ في وهمه أنّ حركة التاريخ، وسيرورة الواقع، ورياح التغيير مرهونة بما سيسيل به قلمه على لوح الأقدار المكشوف، هذه المرة، لا المحفوظ ! وكأننا ما نزال ننظر إلى وجودنا نظرة شاعرية، تستبدل الحركة والفعل الناتجين عن الدرس والتحليل والرصد الموضوعي، بإنثيالات عاطفية، وتهويمات مدغدغة، وبلاغات لفظية، لا تعمل على تحويل الدم إلى حبر فحسب، بل أيضا على تحويل الشهادة إلى رمز، والألم البشري إلى مجاز، والفجائع اليومية إلى استعارات .. !

والسؤال الأبله السابق يلد أسئلة أخرى ليست أقل بلاهة:هل تعد قصائد الشعراء وكتابات الكتّاب وخطابات الخطباء مشاركة في الثورة، أم أنها ليست سوى تعويض مرض عن العجز عن المشاركة الحقيقية فيها..؟

وبسؤال مغاير أقول:هل من شأن هذه الكتابات أن تسهم في التأسيس للديموقراطية، الحرية والعدالة الاجتماعية، أم أنّ جدواها تقتصر على تحرير ضمير كاتبها من وطأة الإحساس باللا نفع، وإراحة ضمائر متلقيه من الرهق الذين يرين عليها، بسبب ما تعانيه من شلل شامل؟ !

وحين يستعمل أحدهم لغته لتصوير رمية حجر أو نظرة غضب أو مصرع شاب أو نواح أم…هل يكون في روعه أنّ صوره أصدق وأبلغ وأبعد أثرا من صورة الحقيقة التي رآها عيانا، أو عبر ما بثته أجهزة الإعلام إبان المد الثوري الخلاّق..؟ !

وهل في ظن أحدهم أنّ أولئك البسطاء الواقعيين، ولا أقول الأسطوريين، الذين ثاروا على القهر، الظلم والظلام، قرؤوا قصائده، أو فهموها، أو اتخذوا من تكاثرها وتراكمها ذخيرة لهم في مواصلة نضالهم، وهم الذين ما انتظروها حين أشعلوا الثورة التونسية الخالدة واشتعلوا بها؟ !

وإذا كانت هذه القصائد موجهة إلى بقية الشعب والجماهير والحكّام العرب وصنّاع القرار، أن’تنبهوا واستفيقوا أيها..فلماذا لم تصل رسالتها بعد، على الرغم من تلال القصائد المتلّلة، التي تكرّر الفحوى ذاتها دون هوادة، بالألفاظ ذاتها دون هوادة، عبر عشر سنوات من عمر الثورة التونسية..وأقل بقليل من عمر ما يسمى ب"الربيع العربي"..؟ !

أما إذا كان يراد من هذه القصائد والكتابات أن تكون أعمالا فنية جمالية، تسعى، بأدوات دقيقة ومحترفة، إلى استلهام الحدث لتخليده، وجعله عبرة وراقة وجدانية أصيلة، تنفعل بها وتتعلّم منها الأجيال القادمة، فلعمري ألا تكفي قصيدة جيدة واحدة، أو بضع قصائد لتلبية هذا المطمح؟

أجل، إنها أسئلة بلهاء، لا أظنها ترد على خاطر كثير من الشعراء وغيرهم من ممتهني الحرف، وهم يحاولون صياغة تجليات الثورة في قصيدة شعرية ترقى إلى حجم الحدث..؟

ولعل هذه أن تكون احد شؤون الثورة التونسية وغاياتها، أن تكشف فنيا بلاهتنا، وتفضح ادعاءاتنا وأكاذيبنا على صفحة مرآة صدقها الجارحة، وتثير فينا شهية، الثورة، بدورنا، على ما تواتر واستتب حتى أصبح أعرافا وتقاليد، وتحرّك فينا ما أسن من أفكار وأساليب، علها تتنفّس هواءها الطازج.

 

محمد المحسن - تونس

 

محمد المحسنوالتأسيس لثورة طليعية في مجال الأدب وحقل الفن وميدان الثقافة عموما..

هل تخلى النقد عن النقد وترك المهمة للصحافة، فخطفت هذه الأخيرة خيرة النقّاد وحوّلتهم إلى صحفيين..؟!

وهل غدا النقد الجاد نسخة لما ينشر في الصحف وهذا أمر يثير تحفظات كثيرة، بإعتبار أنّ الصحافة تستجيب لأهواء إثارية عابرة، بما يجعلها تهتم بالشاعر مثلا، دون الشعر، تهتم-بصفة-النجم لا بإشراقات الإبداع، ومن ثم تتجلى على السطح مقومات أخرى لا علاقة موضوعية بينها وبين الشاعر والشعر والقصيدة، وتسطو ”النجومية” على ما عداها من قيم الفن والنقد...

ألا يبدو التباين واضحا بين الصحافة والنقد الجاد بحيث تبرز أسماء أخرى وقيم أخرى ومعايير مختلفة، فيصبح المشهور صحفيا في حجمه الحقيقي نقديا، إلا أنّ لا أثر له على الإطلاق بين صفحات النقد الجدير بهذا الإسم، عكس المجهول صحفيا وهو الجدير بأعمق الدراسات النقدية..؟

وإلى أي مدى يمكن للصحافة والحال هذا، أن تؤثّر في إختيار الكتاب أو سماع محاضرة، أو الإشتراك في ندوة؟

وبسؤال مغاير: إلى أي مدى نستطيع القول بأنّ”النجم الأدبي” في الإعلام العربي الراهن، هو نفسه نجم القراءة؟

على أية حال يبقى النقد إختيارا ومسؤولية، وأقصى درجات الإلتزام هي الحرية..

ومهما قيل عن صحافة مجتمع الإستهلاك والإذاعة والتلفزيون فإنّه ليس صحيحا على سبيل المقارنة أنّ هذه”الوسائل” قد أضعفت من موقف”الكتاب”في الغرب، وليس هناك من يقول بهذا الضعف في سوق الكتاب العربي..

ولكن ليس هناك أيضا من يضع يده على أسرار إنحسار أو انكسار جدلية العلاقة بين الإبداع والنقد، أو بين النص الإبداعي والمتقبّل.إلا أنّ البعض من المنابر الثقافية المتقدمة تقوم بدورها لردم هذه الهوّة غير المرئية، كذلك البرامج الأدبية الهادفة بالإذاعات والفضائيات الأمر المضاد تماما لبعض الصفحات”الأدبية” الإستهلاكية التي تستبعد”النقد” كعلم وفكر أصيل بتركيزها عليه كتعليق خبري مطوّل، لا يحتاج إلى نقّاد، بل إلى “محررين” حتى ولو لم يكن ميدانهم الأصلي النقد..

إنّ مواكبة النقد للأدب العربي الحديث في ظل الإنتاج الأدبي الراهن تبدو ضعيفة إن لم تكن معدومة، ولعل لهذه الحالة ما يبررها إذا عرفنا أنّ معظم النقّاد العرب يعملون في الصحافة، كما أنّنا لم نعد في عصر طه حسين والعقاد والمازني ومحمد مندور..

وأخيرا علينا الإعتراف بأنّ البعض من نقادنا يقيم الآن في الخارج والبعض الآخر من الذين هنا - داخل المنطقة العربية - اختطفتهم مثلما ذكرنا الأضواء الصحفية فتماهوا مع إغراءات بريقها اليومي، وانحسر تبعا لذلك النقد الأدبي ذو المنحى العلمي ليفسح - للنقد الإنطباعي - الذي لا يخلو في مجمله من محاباة ومجاملة بإعتباره يحوم حول الشعر من خارجه دون ولوج العالم الداخلي للقصيدة، بما يجعله يستند على موقف الشاعر من قصيدة ما أو موروث جمالي ما، ويستهدي بهذه القيم الخارجية في تقويم القصيدة وينآى بذلك عن نقد الشعر بأدواته الخاصة وينساق بالتالي مع تلك القيم سوى كان معها أو ضدها، وسوى كانت منظومة شعرا تقليديا أو حديثا، وهذا يعني الإنزياح العفوي مع تداعيات النص الشعري، الأمر الذي يفضي إلى عرض الإنطباعات الجزئية دون إستخلاص المعيار.

إنّ ما نرومه، هو أن يكون النقد حاضرا حضورا”صداميا” وليس ساكنا أو مخاتلا..

نرومه حركة منفعلة ومتفاعلة داخل القصيدة لا يبحث في خباياها-مثلا-عن عناصر الأسطورة بل عن أدوات الشاعر في تجسيد الأسطورة..في تحويلها من الخيال المحلّق والذاكرة المكتنزة إلى فعل، وذلك من خلال تحليل النص الشعري إلى عناصره الأولية وإعادة تركيبه-بالخلق-في صياغة نقدية موضوعية، تستلهم المادة الشعرية نسيجها وأدواتها من ناحية، وتستلهم “الفكر الحضاري” نسيجه وأدواته من ناحية أخرى، بما يجعله -ونعني النقد-يتسع موضوعيا لمختلف الإبداعات أي بتحوّله عن الهوامش والحواشي والشرح على المتون، إلى كينونته المستقلة ذات الجسور مع الشعر والحياة وجمهرة القراء، فيخرج تبعا لذلك من دائرة ”الإنطباعات” إلى حرية البناء الموضوعي الرحيب، ويتحوّل بالتالي من كونه”هامشا” أو حاشية للعمل الشعري، إلى خلق وإبداع تنتظمه كافة مراحل وتفاعلات العمل الفني سواء على صعيد التكوين النفسي أو على صعيد التجربة الجمالية بمختلف ظواهرها وخفاياها، ويصبح نتيجة لهذا وذاك علاوة على دوره الإجتماعي المباشر في تثوير النهضة وتجذير الحضارة قائما بدوره المتكامل في نحت ملامح المستقبل والتأسيس لثورة طليعية في مجال الأدب وحقل الفن وميدان الثقافة عموما..

 

محمد المحسن - ناقد تونسي

 

 

كريم المظفر"يكفي أن نرى مدى اقتراب البنية التحتية العسكرية لحلف شمال الأطلسي من الحدود الروسية، وهذا أكثر خطورة بالنسبة لنا، وفي هذه الحالة نتخذ إجراءات عسكرية تقنية مناسبة، لكن، أكرر، لسنا نحن من يهدد شخصًا ما، ويلومنا على ذلك، مع مراعاة الحالة الحقيقية للأمور، أي تحويل اللوم، كما نقول، من رأس مؤلم إلى رأس سليم، غير مسؤول على الأقل ".

بهذه الكلمات أوضح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الاحتفال الذي أقيم في الكريملين لتسلم أوراق أعتماد 20 سفيرا، ومن بينهم سفراء البرازيل وإسبانيا والهند وسلوفاكيا ونيجيريا، موقف بلاده الواضح والصريح من تطورات الأوضاع على حدود روسيا الغربية، وتحديدا في البحر الأسود، وكذلك حث أوكرانيا ودعمها عسكريا، لاستفزاز روسيا، وأقتراب البنى التحتية ل (الناتو) من الحدود الروسية .

وأمام هذه التطورات فإن روسيا تنوي المطالبة بضمانات قانونية بأن الناتو لن يتوسع شرقًا، لأنه وبحسب الرئيس بوتين، فإن نهج البنية التحتية العسكرية لحلف شمال الأطلسي يشكل تهديدا خطيرا للاتحاد الروسي في المجال الأمني، وسيكون من الصعب تحقيق مثل هذه الاتفاقات، في حين يشدد الخبراء، على انه لن تكون العلاقات الصعبة بين روسيا والشركاء الغربيين فقط هي التي يمكن أن تعرقل ذلك، وفي ظل الوضع الحالي،فإن روسيا موسكو تعتزم تقديم اقتراحات في أقرب وقت بشأن اتفاق على عدم توسع حلف الناتو إلى الشرق، كما تعتزم روسيا السعي في حوارها مع الولايات المتحدة وحلفائها، وفقا للرئيس بوتين، إلى وضع اتفاقيات محددة من شأنها استبعاد أي تحركات أخرى لحلف شمال الأطلسي نحو الشرق ونشر أنظمة أسلحة تهدد روسيا على مقربة شديدة من أراضيها، وقال فلاديمير بوتين "نقترح بدء مفاوضات جوهرية حول هذا الموضوع، وأود أن أؤكد أننا بحاجة إلى ضمانات قانونية وقانونية، لأن زملائنا الغربيين لم يفوا بالتزاماتهم الشفوية "، وعلى وجه الخصوص، يدرك الجميع هذه التأكيدات الشفوية بأن الناتو لن يتوسع شرقًا، لكن كل شيء تم على عكس ذلك تمامًا، في الواقع، تم تجاهل المخاوف الأمنية الروسية المشروعة ولا يزال يتم تجاهلها الآن، وهو ذات الأمر الذي أكد عليه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف خلال اجتماع لمجلس وزراء خارجية الدول الأعضاء في منظمة الأمن والتعاون في أوروبا بستوكهولم، أن موسكو ستصر في حوارها مع الولايات المتحدة وحلفائها على وضع اتفاقيات تستبعد توسع الناتو باتجاه الشرق ونشر أنظمة أسلحة على مقربة شديدة من أراضيها تهدد روسيا، مضيفا "في المستقبل القريب، سنقدم مقترحات ذات صلة، ونتطلع إلى النظر فيها بجدية ودون أعذار، ونعتقد أن منظمة الأمن والتعاون في أوروبا يمكنها أن تلعب دورا مفيدا للغاية في ذلك".

وتقول موسكو إنها ملتزمة بالتعاون المتبادل المنفعة والمتساوية في الساحة الدولية وهذا ضروري لحل المشاكل العالمية المعقدة، وعلى وجه الخصوص، فإن الحديث يدور عن مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتغير المناخ، بالإضافة إلى ذلك، هناك حاجة إلى التعاون الوثيق من أجل مكافحة جائحة كوفيد -19 بشكل فعال، ومع ذلك، بحسب قول الرئيس السوري، فإن المجتمع الدولي لا يزال يتصرف بشكل غير متماسك ولا يمكنه الاتحاد لحل المشاكل المهمة، وتحاول بعض الدول كبح التطور في روسيا على الإطلاق، وتصعيد التوتر على حدودها والضغط على العقوبات، وإنه في ظل الوضع الحالي ومع الموقف الحالي لكل من الولايات المتحدة وعدد من أعضاء الناتو الآخرين تجاه روسيا، لا يمكن للمرء أن يتوقع تقديم مثل هذه الضمانات، كما يقول يوري روغوليف، مدير مؤسسة فرانكلين روزفلت للأبحاث الأمريكية في جامعة موسكو الحكومية، الذي قال أيضا " إذا تعاملنا مع هذه القضية من زاوية مختلفة قليلاً، أعتقد أن أعضاء الناتو، بما في ذلك الولايات المتحدة، يدركون أن قبول أوكرانيا وجورجيا سيكون محفوفًا بفضيحة ومشاكل كبيرة".

ومن وجهة النظر الامريكية، فإن أعضاء حلف شمال الأطلسي لن يعترفوا بذلك رسميًا أبدًا، لأنهم ينطلقون من افتراض أن عملية الانضمام طوعية، وأوضح بافيل شاريكوف، الباحث في معهد أوروبا التابع لأكاديمية العلوم الروسية أن البلدان نفسها تعبر عن رغبتها ولا يمكن إعاقتها إذا استوفت جميع معايير الانضمام إلى الناتو، وانه من أجل تقديم ضمانات قانونية، سيتعين على الكتلة العسكرية السياسية تعديل ميثاقها وإلغاء ما يسمى بمبدأ الأبواب المفتوحة، ووفقا لذلك، يمكن للدول أن تنفذ بشكل مستقل بعض إجراءاتها الداخلية والتقدم بطلب العضوية، وأنه لا يوجد شيء من هذا القبيل يجبر الناتو شخصًا ما على الانضمام إليه، وان - كل التوسع شرقا الذي حدث في السنوات السابقة كان بالأحرى مبادرات من هذه الدول.

ان افتراضات الناتو حول "عدوان روسي" مستقبلي لا أساس لها من الصحة كما قال مجلس الاتحاد (الشيوخ)، وان الحلف يحاول استخدام هذه البيانات لتقوية نفسه على حدود روسيا، وانه في الاجتماع الأخير لوزراء خارجية دول المنظمة، توصل الوزراء إلى نتيجة مفادها أنه في حالة نشوب نزاع مسلح بين الاتحاد الروسي وأوكرانيا، والذي، في رأيهم، يمكن أن تبدأه موسكو، فهم على استعداد لفرض عقوبات عليها، وتطالب روسيا بدورها ألا يتوسع الناتو شرقاً وأن يضع بنيته التحتية في أوكرانيا - كما قال فلاديمير بوتين، فإن موسكو تحتاج إلى ضمانات مضمونة قانونياً، و واكد نائب رئيس مجلس الاتحاد كونستانتين كوساتشوف ان الناتو يستخدم التكهنات بشأن "عدوان روسي" على أوكرانيا لتبرير اندفاعه شرقًا، وإن الشكل الوحيد للحوار الذي يسمح به التحالف الآن هو محادثة ازدراء، يُسمح فيها بكل شيء، بينما لا يُسمح لموسكو بأي شيء، وعلى الرغم من تصريحات الأمين العام ينس ستولتنبرغ حول الانفتاح على الحوار، إلا أن وزراء دفاع الناتو اتفقوا على خطة جديدة لمواجهة الاتحاد الروسي.

الحوار الممكن من وجهة النظر الروسية هو عندما لا تتعارض الأفعال والخطابات، وطالما كان هذا هو الحال، فإن موسكو مستعدة على تطوير علاقاتها مع الناتو، وتشير الى انه في مرحلة ما، بدأ هذان العنصران في التحالف يتباعدان، وأصبح الخطاب أكثر عدائية، وبقيت بعض عناصر الدعوة للحوار، ولكن في الممارسة العملية لم يتم فعل أي شيء لملء هذه المحادثة بمحتوى ملموس، علاوة على ذلك، تم عمل كل شيء لجعل هذا الحوار مستحيلا، ففي السنوات الأخيرة، اتخذ الناتو نهجًا مزدوجًا تجاه روسيا، فهو يجمع بين "الاحتواء والحماية" والرغبة في "حوار دوري وهادف حول قضايا محددة"، وانه في هذا الصدد، تتوافق استراتيجية الكتلة مع موقف الاتحاد الأوروبي، الذي صاغ في عام 2021 نهجًا ثلاثي الأبعاد هو "صد، وقيد، واشترك"، وقال نائب وزير خارجية الاتحاد الروسي ألكسندر غروشكو " ان الناتو يفضل دبلوماسية مكبر الصوت، ويدلي بتصريحات بأنهم نادمون على قرارنا، وكأنه سقط من السماء، ولم يكن بسبب خطواتهم غير الودية علنًا"، مشددًا على أن شروط التفاعل مع الحلف اليوم لا .

ويتبادل الحلف وموسكو البيانات غيابيًا حول التهديدات العسكرية من بعضهما البعض، وعلى سبيل المثال، شدد ينس ستولتنبرغ على أن روسيا طورت في السنوات الأخيرة صواريخ تفوق سرعة الصوت، ووسعت ترسانتها بشكل كبير، ويعتبر الناتو هذا تهديدًا للمنطقة الأوروبية الأطلسية، ولمناقشة هذا الموضوع، من المقرر عقد اجتماع لمجموعة التخطيط النووي للتحالف، حيث سيقرر الوزراء كيف يمكن للمنظمة "ضمان ردع نووي آمن وموثوق وفعال"، في حين قال وزير الدفاع الروسي سيرجي شويغو، متحدثًا في الكلية المشتركة لوزارتي الدفاع الروسية والبيلاروسية، إن حلف شمال الأطلسي يزيد من وجوده العسكري، ويجري تحسين بنيته التحتية العسكرية ومخزون الأسلحة والمعدات العسكرية والأموال المادية وإجراءات نقل القوات على حدود دولة الاتحاد، وبحسب الوزير، فقد زادت القوات الأساسية للناتو مؤخرًا من 25 ألفًا إلى 40 ألفًا عسكريًا، كما زاد عدد الرحلات الاستطلاعية بنسبة 30٪، ويتم إجراء أكثر من 30 تدريبات سنويًا بالقرب من حدود الأمن العام، بناءً على سيناريو المواجهة مع روسيا، و في كثير من الأحيان تشارك فيها الدول التي ليست أعضاء في التحالف - جورجيا وأوكرانيا والسويد وفنلندا، وبدأت أراضي دول البلطيق وبولندا ومنطقة بحر البلطيق تُستخدم بنشاط أكبر في المناورات"، مشددًا على أن قاطرة الحلف، الولايات المتحدة، تقوم الآن بتحديث أسلحتها النووية التكتيكية وتخزينها في مواقع في أوروبا.

وتتحدث هذه التصريحات عن سباق تسلح وتزايد التنافس العسكري في أوروبا، ومع ذلك، في الواقع، لا يوجد شيء جديد في هذا، كما يقول الخبراء، وأوضح ديمتري ستيفانوفيتش، الباحث في مركز الأمن الدولي التابع لـ IMEMO RAS، المؤسس المشارك لمشروع Vatfor، "كان هناك دائمًا" تهديد "صاروخي نووي محتمل من روسيا إلى دول الناتو، و كان تعديل القنابل النووية الأمريكية من طراز B61-12 معروفًا منذ فترة طويلة، و "لم يشك أحد في ظهورها في أوروبا"، و من الواضح أن البنية التحتية لحلف الناتو تتعزز، كما أن روسيا لا تظل مكتوفة الايدي، وعلى ما يبدو، فإن ظاهرة بسيطة نسبيًا مثل "المعضلة الأمنية" لا تزال غير مفهومة تمامًا - ما يراه أحد الطرفين على أنه يعزز دفاعه، بينما يعتبره الآخر تهديدًا، ولحل هذه المشكلة ومنع "السقوط" في قمع التصعيد، يلزم إجراء حوار موضوعي على جميع المستويات، ولسوء الحظ، يقوم الناتو حاليًا بكل ما يمكن تخيله لمنع مثل هذا الحوار.

روسيا سجلت مرارا وعلى جميع المستويات الممكنة افتقارها إلى أي نوايا هجومية استباقية في الاتجاه الأوكراني، وان كل شيء آخر يُنسب إلى روسيا ليس أكثر من وضع الأساس لمبادرة الناتو وأعماله الهجومية، وهذه ظاهرة جديدة في الجغرافيا السياسية لكنها، للأسف، أصبحت ممارسة يومية للتحالف، يُنسب فيها لروسيا الفضل في النوايا الخبيثة ومدفوعين بالإجراءات العملية التي تعزز الوجود العسكري لحلف الناتو والأنشطة العسكرية غير المنضبطة على طول الحدود الروسية، ويقول ستيفانوفيتش "منذ أن بدأت هذه اللعبة، لا شك في أنها ستستمر في المستقبل، ويجب أن نكون مستعدين لذلك"، وفي هذا الصدد، قال السياسي إن روسيا لديها القدرة على ضمان أمنها القومي، ودعم الحلفاء وحماية مواطنيها، إذا لزم الأمر.

 

بقلم: الدكتور كريم المظفر

 

 

علي المؤمنفي ظل النتائج المعلنة للانتخابات العراقية، وما اكتنفها من تعقيدات واتهامات ومعالجات، والمخاضات العسيرة التي سترافق ولادة الحكومة الجديدة؛ لا يبدو أن هناك خياراً أمام الفرقاء السياسيين العراقيين، سوى التحلي بالواقعية السياسية، والاذعان للحقائق الضاغظة، وترتيب أوراقهم على أساسها.

وما أطرحه هنا ليست مقترحات ولا نصائح ولا عرضاً لخيار أمام خيارات أخرى؛ بل أعرض الخيار الوحيد الذي تفرضه أعراف العملية السياسية، في إطار توصيف موضوعي للواقع السياسي، بعيداً عن مزايدات الفرقاء والشعارات والكلام الاستهلاكي الدعائي، سواء أحببنا مشاهد هذا التوصيف أو كرهناها. ويتمثل هذا التوصيف بالمشاهد الرئيسة الثلاثة التالية:

1- إن نوري المالكي ومقتدى الصدر باتا قطبي الساحة السياسية الشيعية؛ بل محوري العملية السياسية في العراق وتفاهمات الكتل، وخاصة ما يرتبط بتسمية الرئاسات الثلاث وتشكيل الحكومة الجديدة. وإن أية محاولات لإلغاء هاتين المحوريتين ودورهما، هو ضرب من الوهم، وستبوء بالفشل إلزاماً، سواء من خلال تصور إمكانية إنفراد أحدهما بتشكيل أكثرية عددية تتجاوز الأكثرية العددية للآخر، أو إمكانية سحب حلفائهما بالاتجاه المقابل.

ربما تكون هذه المحاولات ممكنة من الناحية النظرية ونقاشات المجالس وحملات الضغط النفسي والإعلام ومقولات وسائل التواصل الاجتماعي، ولكنها من الناحية الواقعية والميدانية، لايمكن أن تتحقق.

قد يتصور بعضهم أن المالكي مع حلفائه يمتلك ما يقرب من (85) مقعداً، وأن الصدر لديه مع حلفائه (82) مقعداً تقريباً، ويستطيع أي منهما أن يتفق منفرداً مع بعض الفرقاء الشيعة أو السنة والكرد والمستقلين، ويشكل كتلة يزيد عددها على ثلثي مقاعد البرلمان (220 مقعداً). نعم هذا الأمر ممكناً في حسابات التنظير فقط، لكنه على المستوى العملي سيواجه بثلاثة جدران فولاذية، تسد عليه الطريق:

أ- إن أياً من الطرفين إذا أراد أن يتحالف منفرداً مع أحزاب السنة والكرد؛ فإنها ستفرض عليه شروطاً باهضة الثمن، ومن شأنها كسر ظهر الشيعة والمزيد من ضياع مقدرات أهل الوسط والجنوب، وهو خط أحمر لن يسمح به إطلاقاً حكماء الشيعة ورعاة الواقع الشيعي، وخاصة النجف والجمهورية الإسلامية، سواء رضينا بهذا التدخل أو لم نرض؛ فنحن نتحدث عن واقع قائم.

ب- إن أياً من الطرفين لايمكنه - منفرداً - جمع (220) مقعداً، لعقد صفقة شاملة تشمل الرئاسات الثلاث، مهما قدّم من تنازلات للكتل الأخرى، الكبيرة والصغيرة أو المستقلين؛ لأن انتخاب رئيس الجمهورية بحاجة الى ثلثي أصوات مجلس النواب، حداً أدنى.

ت- إن السنة والكرد لن يتجاوزوا الأعراف التي قامت عليها العملية السياسية، وخاصة ما يرتبط باحترام إرادة كل مكون، من خلال كتله التقليدية مجتمعةً، في ترتيب بيتها والاتفاق فيما بينها على تسمية رئيس السلطة التي تمثل حصة المكون، أي أن الكرد والسنة لن يتحالفوا مع طرف شيعي دون غيره في تشكيل الكتلة الأكبر وتسمية رئيس الحكومة، وكذلك الأمر بالنسبة لتحالفات الشيعة مع بعض كتل الكرد والسنة دون غيرها، لتسمية رئيسي الجمهورية ومجلس النواب.

هذه الجدران الثلاثة؛ تمنع أية محاولة لأحد طرفي الثنائية الشيعية لعزل الطرف الآخر، وسيكون التفرد بالتحالف مع الكتل المكوناتية الأخرى من أجل تسمية الرئاسات الثلاث؛ بمثابة انتحار سياسي واجتماعي.

وهناك ثلاث دورات انتخابية سابقة، تمثل تجارب واضحة في هذا المجال؛ فائتلاف دولة القانون برئاسة المالكي، حصل على (89) مقعداً في العام 2010، وعلى أكثر من (102) مقعد في العام 2014؛ إلا أنه لم يذهب الى تشكيل الحكومة بمفرده، بمعزل عن التفاهم والتحالف مع الكتل الشيعية الأخرى. وهو ما حصل أيضاً في العام 2018؛ حين أخفق كل من التحالفين الشيعيين (البناء والإعمار) في تشكيل الحكومة منفرداً، بالرغم من دخول كل منهما في تحالفات منفردة مع الكتل السنية، وما لبثا أن اضطرا الى الدخول في تفاهمات ومحاصصات من أجل تشكيل الحكومة.

فإذا كانت واقعية المالكي حالت دون ذهابه الى تشكيل حكومة أغلبية في العامين 2010 و2014، وهو يمتلك (89) مقعداً في الأولى و(102) مقعداً في الثانية؛ فكيف يمكن الآن لأي من الطرفين تشكيل حكومة أغلبية، وهو يحوز على عدد أقل بكثير من المقاعد؟!

2- إن محمد الحلبوسي وخميس الخنجر باتا قطبا الساحة السياسية السنية، ولا خيار لدى السنة سوى تفاهمها على تسمية رئيس مجلس النواب وتنسيب حصة السنة ومرشحيهم للوزارات. وهو ما حصل بالفعل، بعد تدخل المحورين التركي ــ القطري والسعودي ــ الإماراتي؛ ما يدل على سرعة المحورين في وعي ما يفرضه الواقع وأعراف العملية السياسية ومصالح المكون السني.

3- إن مسعود البارزاني وبافل طالباني هما قطبا الساحة السياسية الكردية، ولا خيار لدى الكرد سوى تفاهمها على تسمية رئيس الجمهورية وتنسيب حصة الكرد ومرشحيهم للوزارات. وقد أذعن القطبان لهذه الواقعية كعادتهما بعد كل دورة انتخابية، ورتبا البيت الكردي بدعم أمريكي؛ بما يحقق مصالح أحزابه.

هذا التوصيف الواقعي، يؤكد أن الحل والربط في تحديد مستقبل الدولة القريب، هو بيد المالكي والصدر بالدرجة الأساس، ومعهما الحلبوسي والخنجر والبارزاني والطالباني، ويستحيل إلغاء (فيتو) أي من هؤلاء الستة، ولا يمكن تسمية الرئاسات الثلاث وتشكيل الحكومة دون إجماعهم، حتى وإن أجمعت الدول ذات الاهتمام على خلاف ذلك.

وهذا لا يعني إلغاء دور الائتلافات الأخرى والمستقلين وحقوقهم في الرأي والمناصب؛ بل يعني العمل وفق ما يفرضه الواقع؛ بهدف تغليب المصالح العليا للبلد والإسراع في تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، وإلّا ستطول مفاوضات الكتل لأجل غير مسمى.

أما الخطوات العملية التي تفرضهما هذه الواقعية؛ فتتمثل بما يلي:

1- الاتفاق المفصلي بين المالكي والصدر على تشكيل الكتلة الأكبر، بوصفه الخيار الأفضل، أو التفاهم على مرشح رئاسة الوزراء، وحقوق المكون الشيعي وائتلافاته في المسؤوليات الوزارية وغيرها، بالتشاور مع حلفائهما، كخيار بديل، وهو التفاهم الذي يسبق كل الاتفاقات الأخرى بين الكتل المكوناتية. ولا يملك البيت الشيعي ورعاته غير الالتئام، لدفع القطبين (المالكي والصدر) نحو خيار التفاهم. مع الإشارة الى أن هذا التفاهم لا يعني الصلح الحقيقي أو التحالف بالضرورة؛ بل يعني التوصل الى اتفاق على خطوات مشتركة عملية لتشكيل الحكومة، وضمان استحقاقات المكون الشيعي ومصالح العراق.

2- الاتفاق بين الحلبوسي والخنجر على تسمية مرشح رئاسة مجلس النواب، وحقوق المكون السني وكل ائتلاف سني في المسؤوليات الوزارية وغيرها، بالتشاور مع حلفائهما.

3- الاتفاق بين البارزاني والطالباني على تسمية مرشح رئاسة الجمهورية، وحقوق المكون الكردي وكل ائتلاف كردي في المسؤوليات الوزارية وغيرها، بالتشاور مع حلفائهما.

4- انعقاد الطاولة السداسية، التي تجمع الزعماء الستة المذكورين، والاتفاق على المبادئ الأساسية، ومنها الاتفاق على مواصفات الرؤساء الجدد، وأسماء المرشحين، وتحديد حقوق الائتلافات في تسميتهم وفي المسؤوليات الوزارية وغيرها.

وهنا؛ لا بد من الإشارة الى قضية واقعية وقائمة، لكنها تثير حساسية الرأي العام العراقي، وتتعلق بتدخل الدول الأخرى في التسميات والترشيحات، وهو ما يسمونه بالوساطات وتقريب وجهات النظر، وهو أمر لا بد منه بين الكتل داخل المكون الواحد؛ بالنظر لحجم الخلافات النفسية، وخاصة داخل المكون الشيعي.

وقد نجح المحوران التركي ــ القطري والسعودي بتوحيد رؤى الكتل السنية؛ بهدف ضمان حقوق المكون السني وكتله، ودخولها متفاهمة الى الجلسة الاولى لمجلس النواب. وهو ما يحصل أيضاً للمساعي الامريكية لتوحيد رؤى الإئتلافات الكردية. وتبقى الكتل الشيعية بحاجة الى طرف شيعي أبوي للتقريب بين وجهات نظرها وتوحيد خارطتها، ويتمثل هذا الطرف إلزاماً في النجف والجمهورية الإسلامية.

وفيما لو تم الاتفاق بين الثنائية الشيعية، وانتهت التفاهمات الأولية مع الثنائيتين السنية والكردية الى عقد الطاولة السداسية؛ فإن انعقاد الجلسة الأولى لمجلس النواب، واختيار الرئاسات الثلاث، وتصويت المجلس على تشكيل الحكومة الجديدة؛ لن يطول أكثر من شهر واحد، وهو ما سيحفظ مصالح المكون الشيعي، و لا يضطره الى تقديم مزيد التنازلات، كما سيحقق للمكونين السني والكردي ما يصبوان اليه من مطالب معقولة، وصولاً الى تشكيل حكومة متوازنة ومقبولة، ويمكنها العمل بهدوء نسبي حتى نهاية دورتها.

أما إذا انتهت مداولات الثنائية الشيعية الى طريق مسدود، وكان هناك اصرار على ذهاب إحداهما الى المعارضة؛ فإن الحكومة ستولد عرجاء، وسيضطر الطرف الشيعي الحكومي الى استنزاف مصالح أهل الوسط والجنوب، كما ستسقط الحكومة في مستنقع الاستجوابات والعراقيل وفوضى الشارع، ولن تستطيع إكمال دورتها، بما لايقبل الشك.

 

د. علي المؤمن

 

علاء اللاميكتب الصديق الأستاذ ماجد علاوي مقالة بعنوان "أيها السادة: لقد وصلتم إلى نهاية الطريق" يكشف فيها عن خروقات حكومة بغداد لدستورها، ويناقش قراراتها الخرقاء في مواجهة عناد وخروقات حكومة أربيل المحلية في موضوع استخراج وتصدير النفط من طرف واحد ثم فشلها في حل مشكلة ديون الشركات الأجنبية التي ورطتها معها وأخيرا محاولتها رمي تلك الديون على عاتق العراق فوجدت في حكومة بغداد المَطية المطيعة لتنفيذ أهدافها على حساب ثروات العراق ولقمة عيش العراقيين. أدرج أناه الفقرات التي بدت لي أهم من غيرها قبل مناقشة الفكرة الرئيسية فيها:

كتب الأستاذ ماجد "لم تألُ الحكومة الاتحادية جهداً في الخرق المتعمد والمتكرر للدستور، وبإصرار غريب، لأمرار مشروع قانون الموازنة لسنة 2021 المالية، رغم كل التحذيرات المتكررة، والتي من أهمها توصيات الدائرة القانونية للأمانة العامة لمجلس الوزراء في مذكرتها(1) 2172س في 16/12/2020".

وأضاف " لم تكتف رئاسة الوزراء بعدم الأخذ بتوصية دائرتها القانونية بمخالفة هذه القروض للمادة 110 من الدستور، وإنما أضافت للمادة 11 (ثالثاً – أ) من مشروع الموازنة نصا لم تحلم به حكومة الإقليم في كل مفاوضاتها مع الحكومة الاتحادية. النص المضاف: "القروض والالتزامات المالية التي ترتبت بذمتها (ذمة حكومة الإقليم) نتيجة عدم تحويل الحكومة الاتحادية لمستحقات الإقليم في الموازنات العامة الاتحادية خلال السنوات 2014 - 2018". هذه الإضافة أقرّوا فيها كل ادعاءات حكومة الإقليم بمسؤولية الحكومة الاتحادية عن عدم دفع رواتب موظفي الإقليم ومن ثم لجوئها إلى القروض وما ترتب عليها من التزامات مالية". هذا النص إذا أقر بقانون سيلزم الحكومة الاتحادية قضائيا، في حالة مقاضاة حكومة الإقليم لها، بدفع كافة ما ستدّعيه من اضرار سبّبها عدم تحويل الحكومة الاتحادية لمستحقات الإقليم. هذا نص لا يمكن لعاقل ان يضعه في قانون موازنة، ويمكن أن تترتب عليه جنبة جنائية."

ثم خلص الكاتب إلى القول "إن الطريق الوحيد المفتوح حقاً، هو قيام الحكومة الاتحادية بإعادة تحريك الدعوى ٥٩/اتحادية/ ٢٠١٢ التي أقامها وزير النفط في الحكومة المركزية إضافة لوظيفته ضد المدعى عليه وزير الثروات الطبيعية في إقليم كوردستان اضافة لوظيفته للطعن بعدم دستورية استخراج اقليم كُردستان النفط من الاقليم وتصديره مباشرة، ومستفيدة من سابقة القرار 66/اتحادية/2018 المشار إليه، وقيام حكومة إقليم كردستان بسحب طعنها بالدعوى".

واستدرك أخيرا قائل "قد يتم وصف هذا المقترح بالتبسيط وعدم أخذه بالحسبان الشبكة الهائلة للمصالح والقوى التي تتحكم بقرارات حكومة الإقليم، ولا أقلها القواعد العسكرية الأمريكية والتركية والوجود العسكري والاستخباري لمختلف الدول الغربية، والوجود الاستخباري والعلاقات مع الكيان الصهيوني، والقرار الواضح لقوى الهيمنة بإبقاء العراق دولة عاجزة، بدون نسيان المصالح الشخصية العميقة لأصحاب القرار في الإقليم. هذا صحيح؛ ولكن الموازي له في الصحة ولكن أكثر إلحاحاً هو الصرخة التي أطلقها من بعيد مايكل نايتس، الباحث الأمريكي في معهد واشنطن، والتي تصب نتائجها العملية في نفس الاتجاه: "أنّ الأكراد لا يملكون أيّاً من هذه الخيارات [الاعتماد على الاحتياطيات السيادية؛ الاقتراض الخارجي] تحت تصرفهم"، ونصحهم "نصف نصيحة" ﺒ"البدء بعملية نقل جزء من تسويق النفط إلى بغداد".

*تعقيبي: أعتقد أن المقترح الذي يطرحه الصديق ماجد في نهاية مقالته – مع تقديري العالي لجهده الكبير في طرح هذه المشكلة الخطرة – والذي مفاده إلزام الإقليم بعدم تصدير النفط مستقبلا عن طريق تحريك الدعوى ضده بهذا الخصوص وتحميل ديون الإقليم للعراق فيه مقدار كبير من التساهل مع قيادة الإقليم، وهو سيؤدي إلى تحميل العراق مسؤولية كل الديون والحماقات التي ارتكبتها قيادة آل البارزاني. صحيح أنه ليس هناك خيار جذري وعادل آخر في الوقت الحاضر، ولكني أعتقد أن هذه الصيغة بحاجة الى تشديد تجعل من عودة البارزاني الى تصدير نفط الإقليم مستحيلة أو شبه مستحيلة مستقبلا وتحميله مسؤولية ماتراكم من ديون، أما كيف يتم ذلك فالأمر بحاجة الى تفكير وتدبر عميقين كأن يتم تحميل حصة الإقليم من الموازنة نسبة من تسديد هذه الديون أو اعتبار الديون كلها من النفقات السيادية التي تطرح من المجموع العام، وهذه مجرد اقتراحات أولية لا أقطع بصوابيتها. وقد أكد الصديق ماجد صحة هذه المخاوف في حواري معه حيث قال (سأوضح صحة ما ذهبت إليه من أن المقترح الذي قدمته فيه مقدار كبير من التساهل مع قيادة الإقليم، والسبب هو أنني لم أكن في وارد المحاججة وكشف كل خروقات الإقليم وتواطؤ حكومات المحاصصة معهم. أن الهدف في حينه كان تقديم حل عملي يمكن البناء عليه وتتقبله جميع القوى المعنية ومن خلال المحكمة الاتحادية وفيه مصلحة وطنية، ولو أخذ به فأنه لن يؤدي إلى تحميل العراق مسؤولية كل الديون والحماقات التي ارتكبتها قيادة البارزانيين لأنه سيكون عبر قرار المحكمة الاتحادية بأن إجراءات تصدير حكومة الاقليم للنفط غير دستورية وكذلك الأمر مع عمليات الاقتراض التي قامت بها حكومة الاقليم والتي هي من الاختصاصات الحصرية للحكومة الاتحادية وبالتالي فأن كل التزام بني على ذلك التصدير وما قامت به حكومة الاقليم من الاقتراض من الخارج لا يلزم الحكومة الاتحادية وهو لاغ بالنسبة لها فما بني على باطل هو باطل، وموقف الحكومة اتجاه تركيا بشأن هذه الديون وكذلك اتفاقية الخمسين سنة - مع تركيا - سيكون قويا ولا تتحمل الحكومة الاتحادية تبعات مخالفة حكومة الاقليم للدستور بموجب قرار المحكمة الاتحادية المفترض).

 

علاء اللامي

....................

رابط يحيل الى النص الكامل للمقالة:

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=706011

 

جواد بشارةتم هذا الاغتيال في 3 كانون ثاني 2020: عن طريق غارة أمريكية بطائرة مسيرة قصفت موكب الجنرال سليماني الذي كان برفقة الرجل الثاني من الحشد الشعبي العراقي، وقائد حزب الله العراقي، أبو مهدي المهندس وعشرة مرافقين إيرانيين وعراقيين في الجوار من مطار بغداد. وكان الجنرال الإيراني قد وصل لتوه على متن طائرة من دمشق وكان من المقرر أن يقوم بزيارة رسمية إلى بغداد. وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عملية الاغتيال.

فيما يتعلق بالجرائم المرتكبة، من حيث القوانين المحلية، يجب أن أقول إن القتل كان مع سبق الإصرار والترصد على شكل مساعدة ومشاركة ميدانية لتنفيذ عمل ضد أمن الجمهورية الإسلامية الإيرانية القومي هذا ما تمثله قضية اغتيال سليماني. وعلى الصعيد الدولي، فإنه يشكل انتهاكًا لاتفاقية مكافحة الإرهاب والقرار 1556. كما أن هناك اتفاقية صداقة بين العراق والولايات المتحدة في هذا الشأن، كما أشار السيد فرهادي نيا، حسب ما نقله التلفزيون الإيراني الناطق بالعربية موقع العالم.

والذي أضاف: "تم التعرف على 124 متهمًا في قضية مقتل الشهيد قاسم سليماني. وتم إعداد الملف في 1300 صفحة ولكن لم يتم الانتهاء منه بعد ".

وتابع السيد فرهادي نيا "في هذه القضية صدرت مذكرات توقيف بحق 43 شخصاً، وتم تنظيم 13 لقاء متخصص وتم عقد 700 جلسة وجمع 700رسالة، وبالطبع تم تمثيل 9 دول في المحكمة لمتابعة هذه القضية".

وحول أسباب عدم تنفيذ مذكرات التوقيف بحق الـ 43 شخصًا قال قاضي التحقيق: أصدرنا مذكرة توقيف بحق المتهمين الذين يجب أن يمثلوا أمام المحكمة، لكن يجب الحصول على مساعدة شرطة الإنتربول بالقبض على هؤلاء الأشخاص، والإرادة الدولية مطلوبة في هذا الصدد "كما نوه القاضي سعيد فرهادي نيا. من جهته، قال رئيس دائرة الشؤون الدولية بالقضاء الإيراني علي رضا السعيدي، إن بلاده أوفدت حتى الآن ممثلين إيرانيين إلى 5 دول لإجراء التحقيقات في الاغتيال. منوهاً بأن وفداً زار بغداد بعد تنفيذ الهجوم هناك لإجراء تحقيقات مشتركة مع الحكومة العراقية والمسؤولين القانونيين.

وقال إن "جزء من هذه القضية يتعلق بدائرة العقوبات التي تشرف عليها محكمة طهران والمحكمة الجزئية العشرين المعروفة باسم المحكمة الخاصة للشؤون الدولية".

بالإضافة إلى الجانب الجنائي لهذه القضية، "تم تشكيل قضية حقوقية لإصدار قرار إلى القسم 55 بوزارة العدل في طهران، حيث طالب العديد من الأشخاص والأسر والأفراد بالتعويض عن الخسائر الناتجة عن تلك الجريمة ".

انعقد، يوم الأحد، 28 تشرين الثاني (نوفمبر)، الاجتماع الأول للجنة القانونية العراقية الإيرانية المشتركة في بغداد. وأصدرت بيانا أكدت فيه أن جريمة القتل تشكل "انتهاكا للسيادة الوطنية لجمهورية العراق، وانتهاكا للقانون الدولي وحقوق الإنسان"، وشددت على "ضرورة معالجة عدم إفلات الجناة من العقاب" في هذه الجريمة الدولية وضرورة تنفيذ حكم العدالة ضد مرتكبيها” بمعنى آخر ضد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي أصدر أمر الاغتيال. وأكدت أنه "سيتم اتخاذ جميع الإجراءات القانونية الممكنة لمحاكمة الجناة والعناصر المتورطة في الاغتيال، وأنها ستستخدم جميع الإمكانيات والقدرات المتاحة لتوفير واستكمال المعلومات المطلوبة وفقًا للاتفاقية. بشأن التعاون القانوني والقضائي في المسائل الجنائية بين حكومة جمهورية العراق وجمهورية إيران الإسلامية، فضلاً عن الدعاوى القانونية المتخذة " حسب قناة المنار التابعة لحزب الله اللبناني.

"كيف قضت الولايات المتحدة وإسرائيل على سليماني؟ «بحسب موقع إسرائيلي؟

نظرت ثلاث فرق من مشغلي قوة دلتا من خلال نظاراتهم من مواقع مخفية في مطار بغداد الدولي في كانون الثاني (يناير) الماضي، في انتظار هدفهم: قاسم سليماني، أقوى قائد عسكري في إيران. متنكرين في زي عمال الصيانة، اتخذ المشغلون مواقع سرية في المباني القديمة أو في المركبات على جانب الطريق.

كانت ليلة باردة وغائمة وكان الجانب الجنوبي الشرقي من المطار مغلقًا في غضون مهلة قصيرة لإجراء تدريبات عسكرية - على الأقل هذا ما أعلنته الحكومة العراقية. وتمركزت فرق القناصة الثلاثة على بعد 600 و900 متر من "منطقة الدمار"، طريق الوصول من المطار، استعدادًا لتحديد هدفهم عند خروجه من المطار، بواسطة واحد من القناصة حيث كان لدى النخبة منظار رصد مزود بكاميرا ملحقة تم بثها مباشرة إلى السفارة الأمريكية في بغداد، حيث كان يتمركز قائد قوة دلتا الأرضية مع أفراد الدعم.

تتضمن مهارة الرماية بعيدة المدى التحقق من مجموعة متنوعة من المعلمات البيئية، بما في ذلك الرياح، لكن فرق دلتا لم تعتمد على التخمين. ساعدهم عضو في مجموعة مكافحة الإرهاب (CTG)، وهي وحدة كردية نخبوية في شمال العراق لها علاقات عميقة مع العمليات الخاصة الأمريكية، من تحت الشاطئ.

هبطت الرحلة القادمة من العاصمة السورية دمشق، أخيرًا بعد منتصف ليل 3 يناير / كانون الثاني 2020، متأخرة عدة ساعات. حلقت ثلاث طائرات أمريكية بدون طيار في سماء المنطقة. عندما غادرت الطائرة المدرج، باتجاه الجزء المغلق من المطار، قام أحد العملاء الأكراد، متنكرا بزي أفراد على الأرض، بتوجيه الطائرة إلى التوقف على المدرج. عندما نزل الهدف من الطائرة، كان مشغلو CTG الأكراد الذين تظاهروا بأنهم من حاملي للأمتعة حاضرين للتعرف عليه على وجه اليقين. كان سليماني قد وصل لتوه إلى مطار بغداد الدولي. واستقل الجنرال الإيراني والوفد المرافق له مركبتين وتوجهوا إلى منطقة القتل حيث كان قناصة دلتا فورس ينتظرون. توجهت السيارتان، إحداها تقل سليماني، إلى الشارع للخروج من المطار. كانت فرق القناصة الثلاثة التابعة لقوة دلتا جاهزة، وأدار أفراد الأمن بنادقهم الطويلة، وكانت أصابعهم مسترخية برفق على مشغلاتهم. وفوقهم حلقت الطائرات الثلاث في سماء الليل، اثنتان منهما مسلحتان بصواريخ شديدة الانفجار.

في الساعات الست التي سبقت صعود سليماني إلى دمشق، قام الجنرال الإيراني بتغيير هاتفه المحمول ثلاث مرات، وفقًا لمسؤول عسكري أمريكي. وفي تل أبيب، عمل ضباط الاتصال في قيادة العمليات الخاصة الأمريكية المشتركة مع نظرائهم الإسرائيليين للمساعدة في تتبع أنماط الهواتف المحمولة لسليماني. وقام الإسرائيليون، الذين تمكنوا من الوصول إلى أرقام سليماني، بنقلها إلى الأمريكيين، الذين تتبعوا سليماني وهاتفه الحالي إلى بغداد. (لم ترد السفارة الإسرائيلية في واشنطن العاصمة على طلب للتعليق). شاركت إسرائيل الهواتف الخلوية للجنرال الإيراني سليماني مع المخابرات الأمريكية قبل هجوم الطائرات بدون طيار في الساعات التي سبقت إطلاق طائرات مسيرة أمريكية صواريخ هيلفاير على الجنرال الإيراني.

يلقي هذا التقرير الضوء على الدور الذي لعبته إسرائيل في مقتل سليماني، الذي قالت وزارة الخارجية إنه مسؤول عن مقتل مئات الجنود الأمريكيين كقائد لفيلق القدس التابع لحرس الثورة.

قال المسؤول العسكري إن أعضاء من وحدة الجيش السري المعروفة باسم Task Force Orange كانوا على الأرض في بغداد تلك الليلة، حيث قدموا "أزرار دوارة" - خبراء في الاستخبارات الكهرومغناطيسية. من مسافة قريبة - للمساعدة في التركيز على إلكترونيات سليماني من أجل العملية التكتيكية كجزء من العملية.

أثناء تحرك السيارتين عبر منطقة التدمير على طريق المطار، أطلق مشغلو الطائرات بدون طيار النار على الموكب. سقط صاروخان من طراز هيلفاير على سيارة سليماني ودمرها في الشارع. ضغط سائق المركبة الثانية على دواسة الوقود للهروب. قطع السائق حوالي 100 متر قبل أن يغلق المكابح عندما اشتبك قناص من دلتا فورس، وسحب السيارة. وبمجرد أن توقفت السيارة، ضرب صاروخ ثالث من طراز هيلفاير السيارة الثانية وفجرها.

لقد مر الآن أكثر من عام على مقتل سليماني في 3 يناير، الذي كان يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه الرجل الثاني بعد آية الله علي خامنئي نفسه في التسلسل الهرمي للحكومة الإيرانية، ولا تزال عواقب هذا الإقصاء مستمرة. ومع ذلك، فإن العديد من التفاصيل وراء الأحداث التي أدت إلى اغتياله محاطة بالسرية. يكشف هذا المقال، الذي يستند إلى مقابلات مع 15 من المسؤولين الأمريكيين الحاليين والسابقين، عن تفاصيل جديدة حول غارة سليماني ومداولات إدارة ترامب المطولة بشأن مقتل الجنرال الإيراني وغيره من كبار المسؤولين والوكلاء الإيرانيين. إنه يصور عملية كانت أكثر تعقيدًا، مع قائمة أكبر من الأشخاص الذين يُحتمل استهدافهم للقتل، مما كان معروفًا في السابق. ووصف التهديدات التي لم يتم الإبلاغ عنها ضد المسؤولين الأمريكيين في أعقاب الضربة.

في السراء والضراء، كان اغتيال سليماني أحد أهم قرارات السياسة الخارجية لإدارة ترامب، مع آثار يتردد صداها لسنوات عديدة. سيعكس هذا على الأرجح البيئة الاستراتيجية التي يواجهها الرئيس بايدن الآن في المنطقة. في التسجيل الصوتي الذي تم تسريبه في أبريل، قال وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف إن ضربة سليماني كانت أكثر ضررا على إيران مما لو دمرت الولايات المتحدة مدينة إيرانية بأكملها. ووفقًا لمسؤول كبير سابق في وكالة المخابرات المركزية كان قد أيد جريمة القتل، فقد كان "إصلاحًا دراماتيكيًا للشرق الأوسط كما رأيناه منذ 50 عامًا، وقد حدث في غضون ساعات." لقد غيرت هذه العملية قواعد اللعبة.

ربما هزت أنباء مقتل سليماني العالم، لكن خطط قتل الجنرال الإيراني تعود إلى الأيام الأولى لإدارة ترامب. بعد وقت قصير من تولى مايك بومبيو منصب رئيس وكالة المخابرات المركزية في عام 2017، قام بتجميع مجموعة مختارة من المديرين التنفيذيين للوكالة، بما في ذلك مركز مهام مكافحة الإرهاب التابع لوكالة المخابرات المركزية ومركز أنشطتها. وقال المسؤول الكبير السابق في وكالة المخابرات المركزية إن الهدف من الاجتماع هو مناقشة كيفية "إزالة قاسم سليماني من مجلس القيادة الإيراني". قال المسؤول السابق إن مسؤولي وكالة المخابرات المركزية، الذين أرادوا إخفاء الأثر الأمريكي في مثل هذه العملية، ناقشوا مختلف الخطط المحتملة لقتل سليماني. في العام نفسه، أثار بومبيو، في اجتماعات مجلس الأمن القومي، موضوع مقتل كبار العسكريين الإيرانيين، وعدد من قادة الميليشيات التابعة لإيران، كجزء من استراتيجية محتملة لقطع رؤوس القادة. وقد أوقف مسؤولون آخرون في مجلس الأمن القومي الخطط، التي يُزعم أن الجيش الأمريكي متورطاً فيها، في ذلك الوقت، وكان بعضهم قلقًا بشأن مشروعية مثل هذه الأعمال.

لكن آخرين أشادوا بالعدوانية الجديدة. قال المسؤول السابق نفسه إن نهج بومبيو "السماء الزرقاء" تجاه إيران كان متحررًا بعد عهد أوباما الأكثر تقييدًا. "قال بومبيو، لا تقلق بشأن ما إذا كانت قانونية؛ هذا سؤال للمحامين ". وقال المسؤول السابق بالوكالة إن مسؤولي وكالة المخابرات المركزية اعتبروا المحادثات جادة بشكل خاص لأنهم يعرفون مدى قرب بومبيو من الرئيس. شرعت وكالة المخابرات المركزية في وقت لاحق في تخطيط مجزأ للغاية لخطط سرية لقتل سليماني. (لم يرد بومبيو ولا وكالة المخابرات المركزية على طلب للتعليق). في البيت الأبيض، استؤنفت المحادثات حول مقتل سليماني في صيف 2018، في الوقت الذي أعلنت فيه الإدارة رسميًا انسحابها من الاتفاق النووي الموقع في عهد أوباما، وأعادت فرض العقوبات على إيران كجزء من استراتيجية "الضغط الأقصى". ولكن بحلول ذلك الوقت، كان مخططو مجلس الأمن القومي يتطلعون إلى وحدات العمليات الخاصة في البنتاغون، وليس القوات شبه العسكرية التابعة لوكالة المخابرات المركزية أو وكلائها، لقيادة الضربة وتنفيذها.

ومع ذلك، كانت هناك مقاومة داخل وزارة الدفاع. استذكرت فيكتوريا كوتس، نائبة مستشار الأمن القومي للشرق الأوسط، أن الرئيس "أراد خيارات، لكن البنتاغون لا يزال يخفف من حدتها". وقالت كوتس إن قتل سليماني كان أحدهم، لكن "البنتاغون لطالما ربط الأمر بالحرب النووية وقال إنه سيكون هناك رد فعل عنيف". اتخذت الأمور منعطفًا أكثر خطورة في منتصف نوفمبر / تشرين الثاني 2019. مع تصاعد التوترات في المنطقة، تلقى مسؤولو مجلس الأمن القومي "مكالمة من أعلى جهة أنهم بحاجة إلى ضمان أن الخيارات كانت من أجل" قتل سليماني في ذلك الوقت، كما تتذكر كوتس. "تابعنا سليماني عن كثب، بمجرد أن سافر إلى أي مكان وحدثت أشياء سيئة للغاية في الولايات المتحدة"

مجموعة صغيرة تضمنت ، إلى جانب كوتس ، مستشار الأمن القومي روبرت أوبراين ؛ نائب مستشار الأمن القومي مات بوتينجر؛ روبرت جرينواي ، كبير مديري الشرق الأوسط ؛ برايان هوك ، الممثل الخاص لوزارة الخارجية في إيران ؛ كيث كيلوج ، مستشار الأمن القومي لنائب الرئيس بنس ؛ بدأ كريس ميلر ، كبير مسؤولي مكافحة الإرهاب في مجلس الأمن القومي ، الاجتماع بانتظام لمناقشة الخيارات المحتملة لقتل الجنرال الإيراني. قال مسؤولون كبار سابقون في الإدارة الأمريكية إن هذه الخطط أُرسلت إلى مكتب ترامب بعد هجوم صاروخي شنه وكلاء إيرانيون من الميليشيات العراقية الولائية التابعة لإيران، أسفر عن مقتل متعاقد أمريكي في شمال العراق أواخر ديسمبر / كانون الأول 2019. كان مقتل مواطن أمريكي على يد إيران بمثابة خط أحمر بالنسبة لترامب وساعد في ترسيخ قرار قتل سليماني، وفقًا لمسؤولين سابقين. أعطى مسؤولو قيادة العمليات الخاصة المشتركة لمسؤولي مجلس الأمن القومي أربع خيارات لقتل سليماني: يمكنهم استخدامها تأخذ نيران قناص بعيدة المدى؛ توظيف فريق تكتيكي في الميدان لمهاجمة سيارته؛ تدبير انفجار باستخدام أداء موجه بعبوة ناسفة؛ أو تنظيم غارة جوية لقتل الزعيم الإيراني، بحسب المسؤول العسكري الحالي ومسؤول سابق في الإدارة. وسرعان ما استقر المسؤولون على خيار الضربة الجوية، الأمر الذي فاجأ أولئك الموجودين في قيادة العمليات الخاصة المشتركة. استغرقت الأسئلة المتعلقة بمكان قتل سليماني - في العراق أو في أي مكان آخر في المنطقة - وقتًا أطول للمناقشة أكثر من الوقت الذي تستغرقه في ذلك.

بينما يؤيد بعض مسؤولي وكالة المخابرات المركزية بشكل أساسي قتل سليماني، فقد أعربوا عن قلقهم بشأن الرد الإيراني الأوسع. يتذكر مسؤول سابق في الوكالة أن وكالة المخابرات المركزية لم تكن "خائفة من الإيرانيين"، لكنها اعتقدت أن القتل "قد يخلق مشاكل أكثر مما يحلها". وقال المسؤول السابق: "كان القلق على نطاق أوسع" من أن فيلق القدس سيحاول "قتل أفراد من عائلات ملكية سعودية أو إماراتية"، أو شن "هجمات على البنية التحتية النفطية، أو" إثارة انقلابات "في المنطقة بعد الحكم على سليماني بالموت. وقال المصدر إن بعض مسؤولي وكالة المخابرات المركزية يعتقدون أن الإدارة كانت تحاول فرض تصعيد إيراني، مما سيسمح للولايات المتحدة بالرد بقوة أكبر على طهران.

في حين أن الهدف لم يكن التصعيد، إلا أن العملية كانت في الواقع أكثر طموحًا من القضاء على جنرال واحد. قال القائم بأعمال وزير الدفاع السابق كريس ميللر، الذي كان مسؤول مكافحة الإرهاب الرئيسي بمجلس الأمن القومي في الفترة التي سبقت هجوم سليماني مباشرة، إن هناك "قائمة كاملة بالأشخاص" الذين خطط الجيش الأمريكي لقتلهم. وقال ميللر، الذي أيد العملية، إن العملية التي قتلت سليماني كانت "نهجا لقطع الرؤوس لإسقاط أكبر عدد ممكن من المعادين لأمريكا".

كان اغتيال سليماني أحد أهم الإجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط منذ سنوات. قال وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف، في شريط سُرب إلى صحيفة نيويورك تايمز الشهر الماضي، إن وفاة سليماني ألحقت أضرارًا بالبلاد أكثر مما لو دمرت الولايات المتحدة مدينة بأكملها. في غضون ذلك، اتخذ الرئيس بايدن نهجًا مختلفًا عن نهج ترامب، حيث عرض استئناف المحادثات مع إيران بشأن إعادة الاتفاق النووي الذي انسحب منه ترامب في عام 2018. ولن يتأقلم بايدن أبدًا مع مكانة ترامب في هذا الشأن.

لعبت إسرائيل دوراً فعالاً في اغتيال الجنرال قاسم سليماني كما كشفت حيثيات التحقيق لاحقاً.

في الأسبوع الماضي ، حاول الجنرال هيرزي هاليفي ، عضو في جيش الدفاع الإسرائيلي ، إبعاد إسرائيل عن مسؤولية مقتل الجنرال سليماني. وقال في مؤتمر صحفي في القدس إن الاغتيال "جزء من القتال بين إيران والولايات المتحدة للسيطرة على العراق".

وبينما أشارت صحيفة نيويورك تايمز إلى إبلاغ بنيامين نتنياهو بالقرار الأمريكي، نفى الأخير أي تورط في العملية. ومع ذلك، هناك الآن دليل - مع أدلة داعمة - على أن أجهزة المخابرات الإسرائيلية كانت متورطة عن كثب في الاغتيال.

وفقًا لتحقيق أجرته قناة NBC News الأمريكية، لعبت إسرائيل دورًا أساسيًا في تأكيد وجود الجنرال سليماني في 3 يناير على متن رحلة دمشق-بغداد على متن طائرة إيرباص A320 تابعة لشركة أجنحة الشام للطيران.وكالة المخابرات المركزية تتسلل إلى أجهزة الأمن في مطاري دمشق وبغداد وجاءت المعلومات من جواسيس جندتهم وكالة المخابرات المركزية في جهاز أمن المطار. جولة بالقوة لأن اسم الجنرال واسم أفراد مرافقته لم يكونوا مدرجين في قائمة الركاب، وأودع الإيرانيون في أسفل الممشى على متن الطائرة مباشرة.

كل ما كان على الأمريكيين فعله هو تتبع طائرة إيرباص عبر الأقمار الصناعية وإطلاق طائرات بدون طيار قاتلة متوقفة في قاعدة عين الأسد في منطقة الأنبار. من بينها، طائرة بدون طيار MQ-9 Reaper مسؤولة عن إرسال، في الوقت الحقيقي، إلى البنتاغون ووكالة المخابرات المركزية مسار التقدم المحرز في العملية.

ثم أكد جواسيس أمريكيون آخرون تسللوا إلى مطار بغداد موعد هبوط طائرة إيرباص، ويمكن القول إن أبو مهدي المهندس - زعيم حزب الله العراقي والرقم 2 في الحشد الشعبي – جاء ليرحب بالجنرال. و الباقي بات معروفاً: عند مغادرة المطار، أطلق صاروخان من طراز Hellfire رشًا على عربة مصفحة كانت تقل قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، وأخرى تقل حراسهما الشخصيين.

في دمشق وبغداد، تم اعتقال مشتبه بهم. في العراق، يحقق فالح الفياض - مستشار الأمن القومي ومنسق الحشد الشعبي - على أمل تفكيك الشبكة الموالية للولايات المتحدة المشاركة في العملية.

فما هي آخر تطورات التحقيق في اغتيال الجنرال سليماني وأبو مهدي المهندس بطائرة مسيرة قاتلة أميركية قرب مطار بغداد في 3 كانون الثاني 2020؟.

في جامعة طهران، قال إبراهيم رئيسي، رئيس السلطة القضائية الإيرانية السابق ورئي الجمهورية الإسلامية حالياً، في الذكرى السنوية الأولى لوفاة الجنرال: "لا تعتقدوا أن شخصًا مثل رئيس أمريكا، الذي يصادف أنه قاتل أو يأمر باغتيال، يمكنه أن يفلت من العقاب (...) أبدا ". "أولئك الذين لعبوا دورًا في جريمة القتل هذه لن يكونوا بأمان في أي مكان على هذه الأرض".

هل شركة الأمن G4S متورطة؟

أضاف المدعي العام الإيراني على القاسي مهر إلى قائمة المتواطئين في جريمة قتل سليماني أشخاص عاملين في القاعدة الأمريكية في رامشتاين في ألمانيا، والتي كان من الممكن أن تكون بمثابة تتابع لتوجيه الطائرة القاتلة بدون طيار.

واتهم إدارة شركة G4S الأمريكية البريطانية، المسؤولة عن أمن مطار بغداد، بالتورط في جريمة القتل، وهو ما نفاه المتحدث باسمها في لندن على الفور بإعلانه أنها "تكهنات لا أساس لها من الصحة". ولكن هذا ليس رأي قيس الخزعلي، الأمين العام لميليشيا عصائب أهل الحق الموالية لإيران. في "الرحلة الأخيرة"، وهو فيلم وثائقي يذاع في العراق، ادعى أن كاميرات المراقبة G4S أتاحت متابعة تحركات الهدف [سليماني] أثناء مغادرته صالة كبار الشخصيات. وأضاف: "عادة عندما تهبط طائرة في المطار، تتواجد G4S في مكان محدد بالقرب من موقع الهبوط، ولكن في ليلة الاغتيال، كانت سيارة الشركة متوقفة على وجه التحديد على طريق الركاب، والتي يمكن ترجمتها أن لديها مهمة معينة لإنجازها ".

في العراق، الاتهامات الموجهة ضد G4S من قبل المليشيات الشيعية ليست جديدة كما هي ردود فعلهم عنيفة في بعض الأحيان: في 3 سبتمبر 2020 ، ألقت طائرة مسيرة عبوة ناسفة على مقرها في بغداد مما تسبب في أضرار كبيرة ، ولكن دون وقوع إصابات وكان المشتبه به هو فصائل "المقاومة" الميليشيات الشيعية العراقية الولائية التابعة لإيران - أي مجموعات صغيرة مجهولة الهوية - لم تتحمل مسؤولية الهجوم.

"إيقاف G4S": تم تقديم G4S في العراق في عام 2010 ، في ظل حكومة نوري المالكي ، في الوقت الذي اتُهمت فيه الشركة البريطانية ببيع "أدوات تعذيب" للإسرائيليين.

على الرغم من الحملة الدولية "أوقفوا G4S" التي أطلقتها حركة BDS (المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات) على إدارتها للفلسطينيين المعتقلين في السجون الإسرائيلية، تم تجديد عقدها في العراق من قبل خلفاء المالكي وحيدر العبادي وعادل عبد المهدي. هناك الكثير لطرح الأسئلة. من المؤكد أن شركة G4S قد انسحبت على ما يبدو من السوق الإسرائيلية، ولكن فقط ليتم تكليفها بأمن الحج في المملكة العربية السعودية تحت اسم Al Majale G4S وهو بمثابة برنامج كامل!

في العراق، يتساءل المرء دون وهم ما إذا كان مصطفى الكاظمي، رئيس الوزراء الحالي، سيجرؤ على إنهاء عقد G4S. لقد تم السماح للطائرة القاتلة بدون طيار بالتحليق فوق العراق فمن الذي سمح لها بذلك؟

اتهم رئيس الوزراء العراقي الأسبق حيدر العبادي، في 12 كانون الأول / ديسمبر 2020، الحكومة العراقية المؤقتة - بقيادة خليفته عادل عبد المهدي - بالسماح للطائرة المسيرة بالتحليق فوق البلاد التي قتلت الجنرال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس نائب زعيم الحشد الشعبي.

في آب / أغسطس 2019، أصدر عادل عبد المهدي أمرًا يمنع الطائرات الأجنبية - بما في ذلك طائرات التحالف - من التحليق فوق العراق دون موافقة مسبقة من قيادة العمليات المشتركة العراقية، وهي وكالة مسؤولة مباشرة أمامه.

وقال العبادي إن جبار عبيد كاظم، قائد الدفاع الجوي العراقي، أخذ التصريح لثلاث طائرات أمريكية بدون طيار لدخول المجال الجوي لبغداد والتوجه إلى المطار. نظرًا لأن هذه كانت عملية سرية، فمن الواضح أن البنتاغون لم يخطر مركز العمليات المشتركة (JOC) بالغرض من مهمته ...

اوامر الاعتقال:

في يونيو الماضي، أصدر المدعي العام علي القاسي مهر مذكرة توقيف بحق دونالد ترامب، و 35 من العسكريين والمسؤولين الأمريكيين المشتبه في تورطهم في اغتيال الجنرال سليماني. في أوائل ديسمبر، ارتفع عدد المتهمين المشتبه بهم إلى 48.

في 3 كانون الثاني (يناير) 2021، أعرب آلاف العراقيين عن غضبهم من مكان مقتل الجنرال سليماني وأبو مهدي المهندس. وفي ساحة التحرير ببغداد تظاهر المئات من منتسبي الحشد الشعبي وأعضاء الميليشيات المسلحة، ووبخوا رئيس الوزراء الحالي مصطفى الكاظمي وهددوه واتهموه بأنه عميل أمريكي.

وخوفا من أعمال انتقامية عنيفة، خفضت الولايات المتحدة عدد موظفي سفارتها في بغداد إلى النصف. من المرجح أن تحدث ردود أفعال أخرى على اغتيال الجنرال سليماني في الأسابيع والأشهر المقبلة. في الشرقين الأدنى والأوسط أيضًا، الانتقام هو أفضل طبق يؤكل باردًا كما يقول المثل الذائع.

ترامب ضد سليماني: رئيس الاغتيالات يروي:

خلال لقاء مع مانحي الحزب الجمهوري في مار الاغو (فلوريدا، الولايات المتحدة الأمريكية) ، تحدث دونالد ترامب ، بطريقته الخاصة ، كيف قتل جيشه الجنرال الإيراني ، قاسم سليماني وافاً غياه بسخرية "كان من المفترض أن يكون لا يقهر".

تمكنت قناة CNN الأمريكية، السبت 18 يناير 2020، من الحصول على تسجيل صوتي يستحضر فيه دونالد ترامب تصفية قاسم سليماني. عدة كاميرات "أميال في السماء"، عد تنازلي ثم "بوم" ... لخص ترامب على وجه الخصوص تلك العملية، حسب تقارير الصحافة الفرنسية.

وللتذكير، قُتل الضابط الكبير في الحرس الثوري، الجيش الأيديولوجي للجمهورية الإسلامية الإيرانية، في 3 كانون الثاني / يناير في مطار بغداد مع مرافقه العراقي أبو مهدي المهندس. "كان من المفترض أن يكون لا يقهر"، هكذا قال الرئيس الأمريكي.

وفقا لرئيس الدولة، قبل الضربة، "كان يقول أشياء سيئة عن بلدنا" ... "كان يقول، مثل،" سنهاجم بلدك، سنقتل شعبك. " "كم من الوقت لا يزال يتعين علينا الاستماع إلى هذا القرف؟" ". ثم أعاد دونالد ترامب إنتاج المشهد بتقليد الجنود الذين تحدثوا إليه وهو يتابع العمليات مباشرة من الولايات المتحدة.

اثنان بسعر واحد: "قالوا له، سيدي - كما تعلمون، إنها من كاميرات على بعد أميال في السماء. إنهما معًا، سيدي (...) لديهما دقيقتان وإحدى عشرة ثانية للعيش. تابع دونالد ترامب قصتهم: "إنهم في السيارة. إنهم في عربة مصفحة تتحرك. سيدي، لديهم حوالي دقيقة للعيش، سيدي ... 30 ثانية، 10، 9، 8 ..." ثم فجأة، "بوم". "لم يعودوا هنا بعد الآن، يا سيدي" ".

ويسعد دونالد ترامب بالإطاحة بــ "اثنين بسعر واحد". لكنه اعترف بأن هذه الضربة هزت العالم لكنها كانت ضرورية ...

اغتيال قاسم سليماني أثبت أن الاغتيال بات سياسة دولة بالنسبة لأمريكا:

مع اغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني وسبعة آخرين بطائرة مسيرة في مطار بغداد الدولي في الساعات الأولى من صباح الجمعة، نفذت إدارة ترامب عملاً إجرامياً من إرهاب الدولة أذهل العالم بأسره.

قتل واشنطن بدم بارد لجنرال في الجيش الإيراني ورجل يوصف على نطاق واسع بأنه ثاني أقوى شخصية في طهران هو بلا شك جريمة حرب وعمل حرب مباشر ضد إيران.

قد يمر بعض الوقت قبل أن ترد إيران على جريمة القتل هذه. لا شك في أن طهران سترد، في الواقع، خاصة في مواجهة الغضب الشعبي من مقتل شخصية لها عدد كبير من المؤيدين.

لكن لا شك في أن إيران ستولي اهتماماً أكبر بكثير لردها مما أولته واشنطن لعملها الإجرامي. اجتمع مجلس الأمن القومي في البلاد يوم الجمعة، وعلى الأرجح سيناقش المسؤولون الإيرانيون مقتل سليماني مع موسكو وبكين، وعلى الأرجح مع أوروبا. يبدو أن المسؤولين الأمريكيين ووسائل الإعلام الرأسمالية يريدون انتقامًا فوريًا لمصالحهم الخاصة، لكن لدى الإيرانيين العديد من الخيارات.

إنها حقيقة سياسية أن اغتيال سليماني أشعل فتيل حرب شنتها الولايات المتحدة ضد إيران، البلد الذي يبلغ حجمه أربعة أضعاف عدد سكان العراق وأكثر من ضعف عدد سكانه. إن مثل هذه الحرب من شأنها أن تهدد بانتشار الصراع المسلح في جميع أنحاء المنطقة، وفي الواقع، في جميع أنحاء العالم، مع عواقب لا تحصى.

هذه الجريمة، مدفوعة باليأس المتزايد للولايات المتحدة بشأن موقعها في الشرق الأوسط والأزمة الداخلية المتزايدة داخل إدارة ترامب، مذهلة في درجة تهورها وانعدام القانون. إن لجوء الولايات المتحدة إلى مثل هذا العمل الشنيع هو شهادة على حقيقة أنها فشلت في تحقيق أي من الأهداف الاستراتيجية التي أدت إلى غزو العراق في عامي 1991 و2003.

مقتل سليماني هو تتويج لعملية طويلة لتجريم السياسة الخارجية الأمريكية. "الاغتيالات المستهدفة"، مصطلح تم إدخاله في القاموس السياسي الأمريكي. لقد استخدمت إسرائيل الأيديولوجية الإمبريالية العالمية من قبل الإمبريالية الأمريكية ضد الإرهابيين المشتبه بهم في دول تمتد من جنوب آسيا إلى الشرق الأوسط وأفريقيا لما يقرب من عقدين من الزمن. ومع ذلك، فمن غير المسبوق أن يأمر رئيس الولايات المتحدة بقتل مسؤول كبير والمطالبة به في زيارة قانونية ومفتوحة لدولة ثالثة.

سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإسلامي في إيران، لم يكن أسامة بن لادن أو أبو بكر البغدادي. بل على العكس من ذلك، لعب دورًا مركزيًا في هزيمة قوات القاعدة والدولة الإسلامية داعش(IS) ، التي قادها هذان الشخصان اللذان اغتالتهما فرق الموت التابعة للعمليات الأمريكية الخاصة.

امتلأ مئات الآلاف من الناس في شوارع طهران والمدن الأخرى في جميع أنحاء إيران يوم الجمعة حدادًا واحتجاجاً على مقتل سليماني، الذي كان يُنظر إليه على أنه رمز القومية الإيرانية ومقاومة هجمات الإمبريالية الأمريكية على البلاد منذ عقود.

في العراق، تم إدانة هجوم الطائرات بدون طيار الأمريكية بشدة باعتباره انتهاكًا لسيادة البلاد والقانون الدولي. من بين ضحاياه ليس سليماني فحسب، بل أيضًا أبو مهدي المهندس، الرجل الثاني في قيادة قوات الحشد الشعبي العراقية، تحالف المليشيات الشيعية المكونة من 100000 مقاتل الذين يُعتبرون جزءًا من القوات المسلحة للحشد الشعبي العراقي.

يسخر هذا الرد من التصريحات الجاهلة المارقة لترامب ومستشاريه. الرئيس الأمريكي، متحدثا من منتجعه في مارالاغو ، فلوريدا ، وتفاخر بأنه "قتل الإرهابي الأول في العالم". وتابع أن "سليماني كان يخطط لهجمات وشيكة وشريرة على دبلوماسيين وعسكريين أميركيين، لكننا ضبطناه متلبساً بالعملية وقضينا عليه".

واتهم ترامب الجنرال الإيراني بـ "القيام بأعمال إرهابية لزعزعة استقرار الشرق الأوسط لمدة 20 عاما". قال: "ما فعلته الولايات المتحدة بالأمس كان يجب أن يتم منذ وقت طويل. كان من الممكن إنقاذ العديد من الأرواح ".

من يعتقد الرئيس الأمريكي أنه يخدع بخطابه المافيوي هذا؟ شهدت السنوات العشرون الماضية تدمير الشرق الأوسط من خلال سلسلة من التدخلات الإمبريالية الأمريكية. الغزو الأمريكي غير الشرعي للعراق عام 2003، على أساس أكاذيب حول "أسلحة الدمار الشامل"، أودى بحياة أكثر من مليون شخص، بينما قضى على واحدة من الدول الأكثر تقدمًا في العالم العربي. مع حرب واشنطن التي استمرت 18 عامًا في أفغانستان وحروب تغيير النظام التي انطلقت في ليبيا وسوريا، أطلقت الإمبريالية الأمريكية العنان لأزمة إقليمية أودت بحياة الملايين وأجبرت العشرات منهم على الفرار من ديارهم.

سليماني، الذي اتهمه ترامب بـ "جعل موت الأبرياء شغفه المرضي" – وهذا وصف مناسب ينطبق عليه - ترقى لقيادة الجيش الإيراني خلال الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات وأودت بحياة حوالي مليون إيراني.

أصبح معروفا للجيش الأمريكي والاستخبارات والجهاز الدبلوماسي في عام 2001، عندما قدمت طهران معلومات استخباراتية لواشنطن لمساعدتها في غزو أفغانستان. خلال الحرب الأمريكية في العراق، أجرى المسؤولون الأمريكيون مفاوضات غير مباشرة مع سليماني حتى عندما كان فيلق القدس التابع له يساعد الميليشيات الشيعية التي تقاوم الاحتلال الأمريكي. لعب دورا مركزيا في اختيار السياسيين الشيعة العراقيين الذين قادوا الأنظمة التي نصبت تحت الاحتلال الأمريكي.

واصل سليماني لعب دور قيادي في تنظيم هزيمة الميليشيات المرتبطة بالقاعدة التي هاجمت حكومة بشار الأسد في الحرب التي دبرتها وكالة المخابرات المركزية لتغيير النظام في سوريا، ثم في حشد الميليشيات الشيعية لهزيمة نسل القاعدة.، داعش، بعد أن اجتاحت داعش نحو ثلث أراضي العراق، ودحر قوات الأمن والجيش التي دربتها الولايات المتحدة.

إن وصف مثل هذه الشخصية بـ "الإرهابي" لا يعني إلا أن أي مسؤول حكومي أو قائد عسكري في أي مكان في العالم يتدخل في مصالح واشنطن والمصارف والشركات الأمريكية يمكن تسميته واستهدافه بارتكاب جريمة قتل. يظهر هجوم مطار بغداد أن قواعد الاشتباك قد تغيرت. كل الأمور تشير إلى أنه تم تجاوز "الخطوط الحمراء". من الآن فصاعدًا، قد يكون الهدف جنرالًا أو حتى رئيسًا في روسيا أو الصين أو في الواقع أي عاصمة لحلفاء واشنطن السابقين.

بعد هذا الاغتيال الذي تم الاحتفال به علنًا - أعلن رئيس أمريكي صراحة مسؤوليته عنه دون حتى مظهر من مظاهر الإنكار - هل هناك رئيس دولة أو شخصية عسكرية بارزة في العالم يمكنه مقابلة المسؤولين الأمريكيين دون التفكير في أنه إذا لم تسر الأمور على ما يرام، فقد يُقتل أيضًا؟

شبهت صحيفة "دي تسايت"، إحدى الصحف الألمانية الرائدة، اغتيال الجنرال سليماني في بغداد، باغتيال الأرشيدوق النمساوي فرانز فرديناند عام 1914. وكما في الحالة السابقة، قال: "العالم كله يحبس أنفاسه. وانتظار بفارغ الصبر ما قد يحدث " وقد اندلعت الحرب العالمية الأولى جراء ذلك.

يحمل هذا العمل الإجرامي خطر الحرب العالمية والقمع الديكتاتوري داخل حدود الولايات المتحدة. لا يوجد سبب للاعتقاد بأن الحكومة التي تبنت القتل كأداة للسياسة الخارجية ستمتنع عن استخدام نفس الأساليب ضد أعدائها المحليين.

اغتيال سليماني هو تعبير عن الأزمة الأليمة واليأس من نظام رأسمالي يهدد بإلقاء الإنسانية في الهاوية.

تكمن الإجابة على هذا الخطر في النمو العالمي للصراع الطبقي. إن بداية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين لا تشهد فقط الدفع باتجاه الحرب، بل تشهد أيضًا صعود ملايين العمال في جميع أنحاء الشرق الأوسط وأوروبا والولايات المتحدة وأمريكا واللاتينية وآسيا وجميع أنحاء العالم في محاربة عدم المساواة الاجتماعية والاعتداء على الحقوق الاجتماعية والديمقراطية الأساسية.

إنها القوة الاجتماعية الوحيدة التي يمكن أن تقوم عليها المعارضة الحقيقية للحملة الحربية للنخب الرأسمالية الحاكمة. إن الرد الضروري على خطر الحرب الإمبريالية هو توحيد هذه النضالات المتزايدة للطبقة العاملة من خلال بناء حركة اشتراكية، دولية وموحدة مناهضة للحرب.

 

إعداد وترجمة د. جواد بشارة

........................

* المصدر: L’info.re

* المصدر: WSWS