ابراهيم أبراشبعد أيام من إحياء الفلسطينيين لذكرى وعد بلفور المشؤوم 2 نوفمبر 1917 ومطالبتهم بريطانيا بالاعتذار عن جريمتها التاريخية وتعويض الفلسطينيين عما لحقهم من أضرار بسبب هذا الوعد الذي قطعه وزير خارجية بريطانيا للحركة الصهيونية وهو القرار الذي ما كانت تقوم دولة الكيان الصهيوني بدونه، في هذا الوقت تُعلن وزيرة الداخلية البريطانية أنها تقدمت بمشروع قرار للبرلمان لتصنيف حركة حماس كحركة إرهابية بذريعة أن حركة حماس تعادي السامية وتهدد سلامة اليهود في بريطانيا.

يأتي هذا الموقف البريطاني الاستفزازي في معاداته للشعب الفلسطيني في وقت يتعاظم السلوك الإرهابي والاستعماري الصهيوني وفي وقت تعلن حكومة إسرائيل أنها لا تعترف بدولة للفلسطينيين ولا بأي حقوق سياسية ولن تتفاوض أو تجلس مع الرئيس الفلسطيني، وفي وقت تتزايد الانتقادات العالمية لإسرائيل والمطالبات بمقاطعتها وإدانتها دولياً بسبب جرائمها وانتهاكاتها للقانون الدولي والشرعية الدولية، وفي وقت تشرع فيه محكمة الجنايات الدولية بفتح ملفات الجرائم الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

تصنيف بريطانيا حركة حماس كحركة إرهابية دون أن يثبت على الحركة قيامها بأي نشاط إرهابي لا في بريطانيا ولا في أية دولة في العالم حيث النشاط العسكري لحركة حماس يقتصر على ممارستها للمقاومة ضد إسرائيل ،يؤكد أن وسم حركة حماس بالإرهاب هو استمرار لموقف بريطانيا الداعم لإسرائيل والحركة الصهيونية والمعادي للشعب الفلسطيني، وخصوصاً أن وزيرة الداخلية البريطانية صاحبة مشروع القرار تنتمي لليمين المحافظ في بريطانيا ومناصرة قوية لإسرائيل.

تجريم حركة حماس يعني تجريم حق مقاومة الاحتلال وهو حق تمنحه كل الشرائع الدينية والدولية للشعوب الخاضعة للاحتلال، وفلسطين كلها خاضعة للاحتلال والحصار الإسرائيلي كما هو الحال في غزة. وإن كان القرار يمس اليوم حركة حماس فسينسحب مستقبلاً على أية حركة فلسطينية تمارس مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.

كان من الممكن تفَهُم هذا القرار لو جاء في وقت تلتزم إسرائيل بالعملية السلمية وتنفذ ما عليها من التزامات حتى بمقتضى اتفاقية أوسلو التي رعتها واشنطن، ولو كانت بريطانيا تعترف بالحقوق السياسية المشروعة للشعب الفلسطيني بما فيها حقهم في دولة، وكانت حماس هي المعيقة للعملية السلمية، لو جاء القرار في هذه الأجواء لكان من الممكن تفهم هذا القرار، ولكن أن يأتي القرار مع توقف العملية السياسية بل ووقوف بريطانيا وأمريكا موقفاً معادياً حتى للسلطة الفلسطينية وللرئيس أبو مازن الملتزم بعملية السلام والذي يعترف بإسرائيل ويرفض العمل العسكري ضد إسرائيل ، فهذا يعني أن بريطانيا تقف موقفاً معادياً للشعب الفلسطيني بغض النظر عن توجهاته السياسية وهو نفس الموقف الإسرائيلي الصهيوني.

الموقف البريطاني تجاه حركة حماس ليس الأول أو الوحيد فقد سبقته مواقف من عدة دول بما فيها عربية صنفت حركة حماس كحركة إرهابية، ونعتقد أن إدانة دول عربية لحركة حماس وتطبيع دول أخرى مع إسرائيل شجع بريطانيا على الإقدام على هذه الخطوة، بالإضافة إلى انتهاء الدور الوظيفي لجماعة الإخوان المسلمين التي تنتمي لها حركة حماس، وهي الجماعة التي كانت تجد التأييد والدعم من بريطانيا، حيث تعاني هذه الجماعة من حالة انهيار وتفكك.

توقيت الإعلان عن تجريم حماس ما كان ليتم الآن دون تنسيق مع دولة الكيان، ولذا فإن أهدافاً أخرى غير المُصرح بها تقف وراء هذا الإعلان وتوقيته وهي:

1- يجب التذكير بداية بأن واشنطن وغالبية الدول الأوروبية صنفوا في السبعينيات منظمة التحرير الفلسطينية كحركة إرهابية ومع ذلك تم السماح لها بفتح ممثليات في هذه الدول، وتفاوضوا معها لاحقا كما تم دعوتها لحضور مؤتمر مدريد للسلام 1991 ثم توقيع اتفاقية أوسلو ويعترفون بسلطتها منذ عام 1994 . !!!!

2- تهضا القرار تحاول بريطانيا انقاذ إسرائيل من موجة الانتقادات والاحتجاجات وتراجع شعبيتها في بريطانيا وعبر العالم مقابل تزايد التأييد والتعاطف العالمي مع عدالة القضية الفلسطينية وهو تأييد يتعاظم في الأوساط الشعبية ومؤسسات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان بالإضافة إلى قرارات الشرعية الدولية، وهذا التأييد ظهر بوضوح خلال الهبة الشعبية والمواجهات على حدود قطاع غزة في أيار الماضي، أيضا القرار محاولة من اليمين البريطاني لإبعاد الانظار عن جرائم إسرائيل وممارساتها العنصرية.

3- التأثير على دول أوروبية أخرى لتحذو حذو بريطانيا لتصنيف حركة حماس وأية حركة مقاومة فلسطينية كإرهابية، وتشجيع الدول العربية على مزيد من التطبيع مع إسرائيل، أو تبرير تطبيعها.

4- التشويش على إجراءات محكمة الجنايات الدولية التي باشرت التحقيق في جرائم ارتكبتها إسرائيل في الأراضي المحتلة، بالزعم بأن الفلسطينيين أيضاً يمارسون الإرهاب.

5- يأتي هذا القرار في وقت تبذل مصر جهوداً للتوصل لهدنة بين حركة حماس وإسرائيل، وبالتالي تسعى بريطانيا للضغط على حماس ومحاولة ابتزازها للقبول بالشروط الإسرائيلية للصفقة.

6- هذا القرار محاولة لتعطيل أو قطع الطريق أي جهود تبذلها القيادة للمصالحة الوطنية أو للانتخابات أو لتشكيل حكومة وحدة وطنية، فكيف تجرى انتخابات أو يتم تشكيل حكومة وحدة وطنية مع حركة مصنفة إرهابية؟.

7- منح إسرائيل مبرراً إضافياً في حالة قيامها بأي حرب قادمة على قطاع غزة، وذلك بتهيئة الرأي العام بمزاعم أن إسرائيل تقاتل حركة إرهابية.

موقف بريطانيا الأخير بالإضافة إلى المواقف الأمريكية والأوروبية السلبية الأخيرة تجاه السلطة الفلسطينية والقضية الفلسطينية بشكل عام يتطلب من الكل الفلسطيني مراجعة استراتيجية شاملة تؤدي للوحدة الوطنية، ولا مبرر للانقسام والاختلاف حول نهج المنظمة السلمي ونهج حماس المقاوِم، لأن إسرائيل و حلفاءها لا يريدون أن يستعيد الفلسطينيون حقوقهم لا عن طريق المفاوضات والتسوية السياسية ولا عن طريق المقاومة، والقادم من الأيام لا يبشر بالخير.

 

د. ابراهيم ابراش

 

 

محمود محمد عليلن أنسي أنجيلا ميركل تلك المرأة الحديدية والتي جاءت قادمة من ألمانيا الشرقية وهي تحمل لقب عالمة أبحاث ألمانيا الشرقية، تحمل شهادة دكتوراه في الكيمياء الفيزيائية، ثم دخلت ميركل السياسة في أعقاب ثورات 1989، وذلك بعد تحطيم جدار برلين وتوحيد ألمانيا، في بداية التسعينات من القرن الماضي، تحولت، خلال ستة عشر عاماً من الحكم، إلى أيقونة سياسية ألمانية، طال تأثيرها الساحة الدولية.

يقول مثل شعبي إسباني: «المصارع الجيد يغادر الحلبة قبل أن تنطحه الثيران». ربما لذات السبب، قررت السيدة ميركل بمحض إرادتها، وفي أوج مجدها السياسي، العمل بتلك الحكمة الإسبانية.

وقبل أشهر، أعلنت ميركل استقالتها من رئاسة حزبها، وأنها ستعتزل السياسة نهائيا بعد نهاية الفترة التشريعية الحالية في 2021، لكن الوقت لم يمنحها الفرصة لاستكمال ولايتها دون قلاقل، وتتابعت المشاكل السياسية تارة والصحية تارة على المستشارة.

وتحظى ميركل المعروفة بحبها للموسيقى الكلاسيكية ومواظبتها على حضور حفلات الأوبرا بحب واحترام الجاليات العربية في ألمانيا، وأطلق عليها السوريون "ماما ميركل" بسبب قرارها فتح الأبواب أمام مليون لاجئ لدخول بلادها في 2015، معظمهم من سوريا والعراق، وتحملها تكلفة سياسية ألقت بظلال على شعبيتها في سبيل هذا القرار.

وقبل اعتلائها كرسي المستشارية عام 2005 عُرفَ عن الناخبين الألمان، في الانتخابات النيابية، عزوفهم عن الإدلاء بأصواتهم لأشخاص، وحرصهم على التصويت لأحزاب. طبيعة النظام السياسي الألماني، ونظامه الانتخابي القائم على مبدأ التمثيل التناسبي (Proportional Representation)  حتّم عدم انفراد حزب بالسلطة، بجعل الحكم ائتلافياً. وبعد وصولها إلى قيادة ألمانيا، تغيّر الحال. وصارت شخصية المستشارة أنجيلا ميركل الحصان الرابح، من قاد المحافظين الألمان، ممثلين في الحزب الديمقراطي المسيحي إلى السلطة أربع مرات متتالية.

السيدة القادمة من ألمانيا الشرقية، بعد تحطيم جدار برلين وتوحيد ألمانيا، في بداية التسعينات من القرن الماضي، تحولت، خلال ستة عشر عاماً من الحكم، إلى أيقونة سياسية ألمانية، طال تأثيرها الساحة الدولية. يقول مثل شعبي إسباني: «المصارع الجيد يغادر الحلبة قبل أن تنطحه الثيران». ربما لذات السبب، قررت السيدة ميركل بمحض إرادتها، وفي أوج مجدها السياسي، العمل بتلك الحكمة الإسبانية.

وفي آخر كلمة تلقيها إلى الشعب بمناسبة حلول عام جديد، قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إن عام 2020 كان الأصعب على الإطلاق خلال قيادتها ألمانيا على مدى 15 عاما، لكن بدء التطعيم للوقاية من مرض كوفيد-19 جعل عام 2021 يبشر بالأمل.

وفي تعبير نادر عن مشاعرها، نددت ميركل بحركة احتجاج معارضة لإغلاق المؤسسات وإجراءات العزل العام، وقالت إنها ستتلقى اللقاح عندما يكون متاحاً على نطاق واسع.

وقالت: "دعوني أقل لكم شيئا شخصيا في الختام: بعد تسعة أشهر ستجرى انتخابات برلمانية ولن أترشح مرة أخرى... ومن ثم فإن اليوم في جميع الحالات سيكون آخر مرة ألقي عليكم فيها كلمة بمناسبة العام الجديد".

وأضافت "أظن أنني لا أبالغ عندما أقول: لم يحدث قط على مدى الخمسة عشر عاما الماضية أن كان العام المنصرم بهذا القدر من الثقل. ولم يحدث قط، رغم كل المخاوف وبعض الشكوك، أن كان تطلعنا إلى العام الجديد بهذا القدر من الأمل".

وقادت ميركل (66 عاما) ألمانيا والاتحاد الأوروبي خلال أزمات منها الأزمة المالية في عام 2008 وأزمة الديون اليونانية في العام التالي وأزمة المهاجرين قبل خمسة أعوام.

وسيكون لرسالتها صدى لدى غالبية الناس في بلد يعاني من زيادة في الإصابات والوفيات بفيروس كورونا وحيث تؤيد الغالبية إجراءات الإغلاق وتوزيع اللقاح باعتبارهما أفضل سلاحين في مواجهة الفيروس.

وميركل فيزيائية كانت إدارتها للجائحة موجهة بالمشورة العلمية. وقد حظيت بإشادة لسيطرتها على الموجة الأولى، لكن ذلك تحول إلى انتقاد وسط إحساس بفشلها في التعامل مع الموجة الثانية.

وتجري ألمانيا، أكبر اقتصاد في أوروبا، انتخابات في سبتمبر/ أيلول 2021. وستسلم ميركل، المتوقع أن يفوز حزبها المحافظ بمعظم مقاعد البرلمان، القيادة على الأرجح لواحد من ثلاثة رجال يتنافسون على قيادة حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي.

وإذا امتدت عملية بناء التحالف الحاكم بعد الانتخابات حتى ديسمبر/ كانون الأول فستبقى ميركل هي المستشارة في حكومة مؤقتة في عام 2022 إلى أن يتم تشكيل حكومة جديدة.

والجدير بالذكر والمقارنة أن السيدتين تاتشر وميركل لم تدرسا علم السياسة أو الفلسفة أو القانون أو الاقتصاد، مثل أغلبية السياسيين، بل درستا العلوم التطبيقية. السيدة تاتشر درست الكيمياء في جامعة أكسفورد. لكنها ندمت فيما بعد على ذلك، حين اعترفت مرّة بأنها تمنّت لو درست القانون، حتى تتهيأ بشكل أفضل للعمل في السياسة، التي شغفت بها مبكراً. لكن السيدة ميركل تميزت بمواصلة دراستها العليا إلى حين حصولها على شهادة الدكتوراه في كيمياء الكم (Quantum Chemistry). الاثنتان جاءتا من خلفية اجتماعية تكاد تكون متشابهة، ومحافظتان، حظيتا بثقة الناخبين في بلديهما. السيدة تاتشر قادت المحافظين إلى ثلاث نجاحات انتخابية هائلة، وجلست في مقعد القيادة لمدة أحد عشر عاماً من دون منافس، وصارت علماً على مرحلة مهمة في التاريخ البريطاني المعاصر، ما زالت آثارها ملحوظة حتى اليوم. وميركل قادت الديمقراطيين المسيحيين إلى الفوز بأربعة انتخابات، وسيطرت على مقاليد الساحة السياسية الألمانية، من دون منافس، لمدة ستة عشر عاماً. وأتوقع أن تظل تأثيرات مرحلة السيدة ميركل قائمة لفترة زمنية طويلة مستقبلاً. ما يفرقهما اختلاف في الجوهر والأسلوب: تاتشر امرأة حديدية لا تلين ولا تتراجع، ودرامية، بينما السيدة ميركل متسقة ومتواضعة. آمنت تاتشر بالحرية الاقتصادية للفرد، وصرّحت علناً بعدم وجود مجتمع، وتخلصت من الممتلكات العامة ببيعها للقطاع الخاص، وشنت حرباً ضروساً ضد الجامعات، وحرمتها من نسبة كبيرة من التمويل المخصص للبحوث. ولذلك، وعلى عكس العادة المتّبعة مع رؤساء الحكومات البريطانيين، رفضت الجامعات البريطانية في عام 1985 منحها شهادة الدكتوراه الفخرية. في حين أن ميركل ترأست دولة كانت تنفق ثلث ميزانيتها على التعليم، وبعينين راعيتين للفقراء وحريصتين على توفير احتياجاتهم، وتمكنت من تحويل ألمانيا إلى قوة اقتصادية هائلة عالمياً. السيدة تاتشر دُفعت خارج السلطة، ولدى سقوطها من القمة، تنفست أوروبا الصعداء ارتياحاً. السيدة ميركل غادرت المسرح طواعيةً، وبخر.

ولم يكن إعلان المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل تخليها عن قيادة الحزب الديمقراطي المسيحي مفاجئاً. التراجع الكبير الذي مُني به هذا الحزب في انتخابات ولاية هيسن، حيث فقد 11 نقطة دفعةً واحدة، جعل موقفها أكثر ضعفاً. لكن التراجع الذي سبقه في الانتخابات البرلمانية العامة (على المستوى الفيدرالي) في سبتمبر 2017، كان نقطة التحول التي جعلت خروج ميركل من الساحة السياسية عموماً، وليس تخليها عن قيادة حزبها فقط، مسألة وقت. فرغم احتفاظ حزبها بالمركز الأول، كانت نتيجة هذه الانتخابات هي الأسوأ بالنسبة إليه منذ عام 1949. وعندما حدث التراجع في أول انتخابات محلية خاضها حزبها، بعد تلك الانتخابات، أصبح عليها أن تجيب عن سؤال ظل مطروحاً منذ أواخر العام الماضي، وهو: هل تنسحب تدريجياً، أم تتخلى عن قيادة حزبها أولاً، أم تنتظر اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العامة 2021؟ كان عليها أن تجيب بسرعة، لأن المؤتمر العام لحزبها سيُعقد في 7 و8 ديسمبر المقبل في هامبورج. وأجابت بالفعل عندما أعلنت أنها ستتخلى عن قيادة الحزب أولاً، وبالتالي لن تسعى إلى تجديد انتخابها في هذا المؤتمر، لكنها ستحتفظ برئاسة الحكومة حتى عام 2021.

ليس سهلاً تقييم قرار ميركل، من زاوية مدى قدرتها على الاحتفاظ برئاسة الحكومة حال انتخاب رئيس للحزب يختلف مع توجهاتها. لكن مؤدى قرارها هو تجنب خوض انتخابات داخلية باتت صعبة داخل حزبها. والأرجح أنها توقعت أن يزداد موقفها ضعفاً إذا فازت في انتخابات الحزب بصعوبة، أو بفرق طفيف، ناهيك عن أن تخسرها. لذلك فضلت تجنب خوض هذه الانتخابات والتخلي عن قيادة الحزب بإرادتها.

لكن هل فكرت ميركل في تداعيات انتخاب رئيس جديد يختلف مع توجهاتها على نحو قد يؤثر سلبياً على أدائها في رئاسة الحكومة؟ يصعب تصور أنها لم تفكر في ذلك. لكن ربما وجدت أنها تستطيع احتواء آثار مثل هذا التطور حال حدوثه اعتماداً على مكانتها السياسية في أوروبا، وليس في ألمانيا فقط.

غير أن استمرار ميركل في رئاسة الحكومة الألمانية حتى 2021 لم يعد أكيداً، لأنه سيتوقف على نتيجة الانتخابات الداخلية في ثمانية مؤتمرات حزبية وصولاً للمؤتمر العام الشهر المقبل، وتوجهات الفائز بزعامة الحزب. ورغم أنها لم تعلن انحيازها لأي من الطامحين لخلافتها، فهي تأمل أن تفوز الأمين العام للحزب إنجريت كارينباور التي تتبنى توجهاتها وخطها السياسي.

لذلك توصف في ألمانيا بأنها " ميني ميركل"، لكن التنافس في هذه الانتخابات قوي، وقد بدأ فور إعلان ميركل تخليها عن قيادة الحزب، لأن الوقت الباقي حتى موعد إجرائها قصير للغاية. فرصة كارينباور التي يتيح فوزها استمرار ميركل في رئاسة الحكومة من دون منغصات من داخل حزبها، ليست قليلة، رغم أن شخصيتها تبدو باهتة. ميركل نفسها كانت أميناً عاماً للحزب، مثل كارينباور الآن، بين نوفمبر 1998 وأبريل 2000، أي أن وجودها في هذا الموقع فتح لها الطريق إلى القيادة.

لكن منافس كارينباور الأول، فريدريش ميرتيز، يملك فرصة كبيرة هو أيضاً. ورغم أن لديه ثأراً مع ميركل التي أزاحته عن طريقها للصعود إلى قيادة الحزب، ثم انتزعت منه رئاسة كتلته البرلمانية عام 2002، فهو يبدو حريصاً على ألاَّ يخسرها مؤقتاً، إذ أثنى عليها عند إعلان ترشحه.

لذلك في الانتخابات البرلمانية القادمة ، لن يكون اسمها ضمن قائمة أسماء المتنافسين. وقد لا يكون مهماً اسم مَن سيجلس بعدها على كرسي المستشارية في السنوات الأربع القادمة، ومن أي الأحزاب، لكن هل سيتمكن من ملء كرسي المستشارية بجدارة كما كانت تفعل هي، وهل سينجح في الحفاظ على ما أنجزته لألمانيا، والمراكمة عليه؟ وقد يكون السؤال الأهمّ: هل سنكون شهوداً على مرحلة سياسية جديدة في ألمانيا، مثل تلك التي حدثت في بريطانيا بعد خروج السيدة مارغريت تاتشر من المسرح؟

ويتنافس ثلاثة مرشحين على المنصب، هم المعتدلان أرمين لاشيت، الذي يرأس منطقة شمال الراين وستفاليا، والخبير في السياسة الخارجية نوربرت روتغن، إضافة إلى الليبرالي فريدريش ميرتس، خصم ميركل التاريخي والداعي إلى نهج أكثر يمينية.

وأسفرت نتائج التصويت عن حصول أرمين لاشيت على نسبة 77،5 بالمئة، وفق ما أفاد مشاركون، بينما حصل زودر على 22,5 بالمئة.

وقال متحدث باسم الحزب المسيحى الديمقراطى إن 31 من أعضاء المجلس دعموا لاشيت وصوت تسعة لصالح منافسه ماركوس زودر رئيس الحزب المسيحي الاجتماعي البافاري. وامتنع ستة أعضاء عن التصويت.

يشار أن المنافسة كانت قد اشتدت بين لاشيت رئيس وزراء ولاية شمال الرين ويستفاليا على دعم قيادة حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي ضد ماركوس زود الذي رفض الانسحاب، مشيراً إلى أنه يتمتع بشعبية أكبر بين الألمان إضافة إلى دعم نواب التحالف المسيحي له .

يذكر أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل سوف تنتهى ولايتها في سبتمبر القادم وسيتم إجراء انتخابات برلمانية واختيار مستشار جديد لألمانيا وسيتم خروج ميركل من السلطة بعد 16 عاماً من الحكم .

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل

........

الهوامش

1- جمعة بوكليب: أنجيلا ميركل... أوان المغادرة.. مقال منشور بالعربية بتاريخ السبت 23 ربيع الأول 1443 هـ - 30 أكتوبر 2021.

2- بول كيربي: الانتخابات الألمانية: فوز الحزب الاشتراكي الديمقراطي على حزب ميركل بفارق ضئيل.. مقال منشور بتاريخ 27 سبتمبر/ أيلول 2021.

3- متى تنتهي حقبة المستشارة أنغيلا ميركل؟ | سياسة واقتصاد – DW بتاريخ Apr 24, 2019.

4- حسام حسن: أنجيلا ميركل.. هل تنتهي حقبة المرأة الحديدية في 2020؟.. مقال منشور بالعين الإخبارية بتاريخ  الأحد 2019/12/22 10:56 ص بتوقيت أبوظبي.

5- وحيد عبد المجيد: هل تبقى ميركل حتى 2021؟.. مقال منشور بجريدة الاتحاد بتاريخ السبت 23 ربيع الأول 1443 هـ - 30 أكتوبر 2021.

 

 

محمد المحسنبعد استفحالها كظاهرة خطيرة تؤرق المجتمع التونسي

قد لا أجانب الصواب إذا قلت أن إستفحال ظاهرة العنف ببلادنا أصبحت تبعث على الخوف والحذر، إذ غدت هذه الظاهرة (العنف) أحد الملامح الأساسية للمجتمع التونسي مؤخرا. تجسّمت في عنف لفظي اكتسح الفضاء العام وغيّر آليات الخطاب بين الناس،  وعنف مادي يُهدّد الجميع في أي مكان .

ظاهرة العنف استفحلت في تونس حتى أصبحت هاجسا يؤرق جزءا من التونسيين الذين فقدوا الإحساس بالأمان. كما أصبح العنف عقيدة الجزء الآخر من الشعب وآليته الوحيدة للتعبير،  حتى أن الامر تطور وبلغ حد تصدير العنف إلى ساحات قتال خارجية.. (بؤر توتر في كل من ليبيا العراق وسوريا..إلخ)

اللافت في ظاهرة العنف في تونس أنها امتدت على نسبة عالية من فئة الشباب، حتى أن العنف أصبح السمة الطاغية على هذه الفئة.وهو ما جعل الخبراء يدقون ناقوس الخطر إيذانا بضرورة التحرك لتطويق هذه الظاهرة والبحث في اسباب تشكّلها وآليات تفكيكها.

في هذا السياق، كشفت دراسة أنجزها المعهد التونسي للدراسات الإستراتيجية حول "العنف الحضري بتونس"، أن المجموع العام لقضايا العنف في تونس تجاوز في الفترة الممتدة من 2011 إلى 2017 أكثر من 600 ألف قضية مسجلة،  أي بمعدل 25% من العدد الجملي للقضايا. وهو ما يعكس ارتفاع مؤشر العنف بالبلاد.

وبحسب التقرير السنوى لمؤشر الجريمة العالمي الذي نشره موقع موسوعة قاعدة البيانات “ناميبو” فقد احتلت تونس المرتبة 10 عربياً و53 دولياً من مجموع 125 دولة في ارتفاع نسبة الجريمة للعام 2017، وتشمل الجريمة القتل والسطو والسرقة والاغتصاب.

بعد الثورة دخل المجتمع التونسي مرحلة انتقال جذري ليس سياسيا فقط بل الأهم اقتصاديا واجتماعيا والمعروف ان الشعوب في المراحل الانتقالية تمر بمعضلة تتعلق بالقيم والأخلاق خاصة مع ضعف المنظومة الأمنية و الدولة.

والسؤال الذي ينبت على حواشي الواقع:

هل أن عشر سنوات لم تكن كافية ليعود المجتمع التونسي لاستقراره وتوازنه؟

الجواب في العموم ان التوازن الامني يسير بخطى ثابتة لكن هذا لا يكفي لان المسألة لا تطرح من جانبها الامني فقط.

يمكن العودة أولا لإحصائيات تعتبر متكاملة متعلقة بالجريمة في تونس ومعدلاتها هي ارقام العام 2016 حيث تم إحصاء حوالي 59500جريمة في الثلث الاول فقط منها قرابة الالف اعتداء عنيف على نفس بشريةو92جريمة قتل عمد .

هذه الارقام رغم أنها مرتفعة الا ان الظاهرة تزايدت بعد ذلك رغم تحسن الأداء الأمني خاصة في 2018 و 2019 وهو ما يعني أن تزايد العنف ونسبة الجرائم ليس سببها تقصير أمني أو ضعف المنظومة بل يمكن ربط الامر بتدهور الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية

يرى المختصون في علم الاجتماع انه لا يمكن الفصل بين ارتفاع معدل الجريمة في بلادنا ومنها البراكاجات وتزايد نسب البطالة لدى الشباب وايضا الفقر فهناك فئة من الشباب او حتى الكهول يجدون انفسهم في وضعيات مادية صعبة مع انغلاق كل امل في تحسينها فيلجؤون الى الخيارات الاسهل لكنها تكلف غاليا للمعتدي وايضا للمعتدى عليه.

من جهته، أكد المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية، أهمية تعزيز الخطة الوطنية للدفاع الاجتماعي،  ودعم الإحاطة بالفئات الاجتماعية ذات السلوكيات الخصوصية،  والعمل على توحيد قاعدة بيانات حول ظاهرة العنف وتوفير الإحصائيات في الغرض،  بالإضافة إلى تكثيف المراقبة الأمنية بمختلف وسائل النقل،  وتفعيل السياسة الجنائية في مقاومة العنف من خلال التطبيق الصارم للقانون.

ومن التوصيات التي رفعتها المصالح الأمنية،  التفكير في اتخاذ إجراءات عاجلة من خلال فرض احترام القانون والتراتيب والمناشير وعدم الخضوع للابتزاز وتطبيقها حينيا في جميع الوزارات وتفعيل الدور الأساسي لوزارة التربية، وتنقية محيط المؤسسات التربوية إضافة إلى تجهيز الفضاءات العمومية تقنيا (شبكة الكاميرا) وتفعيل السياسة الجنائية في مقاومة العنف من خلال التطبيق الصارم للقانون وكذلك تفعيل دورالأجهزة الأمنية (حرس وشرطة ..) خاصّة في المجال العلائقي للحفاظ على السلم الاجتماعية وإلزامها على العمل على فض الإشكاليات مع اقتراح تربصات عمل في المجال الاجتماعي ضمن حلقات التكوين.

أما بالنسبة للأطراف المتداخلة في المجال الاجتماعي، فقد دعت إلى إدراج برنامج الوقاية من العنف ضمن البرامج الوطنية ودعم الطب المدرسي والجامعي والوقاية من السلوكيات المحفوفة بالمخاطر وتنظيم حوار مجتمعي بمشاركة جميع الأطراف المتداخلة والعمل على إستراتيجية وطنية لمكافحة العنف وتعزيز الدور الوقائي من خلال تطوير المشهد الثقافي والعمل على مزيد الانتداب والتعاقد مع أخصائين نفسانيين مع معالجة الزمن المدرسي لتوفير مساحات زمنية لتعاطي الأنشطة الثقافية والرياضية إلى جانب التنسيق مع المصالح الأمنية قصد حماية الطلبة المقيمين من التعرّض إلى العديد من الانتهاكات من قبل بعض المنحرفين بالأحياء المجاورة للمبيتات الجامعية خاصة في الأحياء الشعبية ودعوة كل الطلبة إلى الإبلاغ عن الحالات المرضية التي تهدد بالعنف حتى يتم التدخل العلاجي الوقائي في الوقت المناسب والتكثيف من المراقبة الأمنية بمختلف وسائل النقل وغيرها من التوصيات.

بدوره، أرجع المختص في علم الاجتماع سامي نصر تنامي ظاهرة العنف والجريمة في المجتمع التونسي خلال السنوات الأخيرة إلى 3 عوامل لخصها في اكتساح الثقافة العنفية سلوك الأفراد وانتشار المخدرات وغياب السياسة الردعية.

وأشار نصر في تصريح صحفي، الى أن"الجرائم تطورت اليوم لتصبح عنفية خاصة على ضوء تنامي عمليات التنكيل وارتكاب جرائم خطيرة لأتفه الأسباب” (هنا نستحضر الجريمة التي هزّت الرأي العام التونسي مؤخرا:مقتل الشاب آدم بوليفة بإحدى الفضاءات السياحية التونسية)،  موضحا ان “العنف يتطور عبر 3 مراحل اذ ينطلق من سلوك أو ردة فعل فردي ليصبح في مرحلة ثانية ظاهرة اجتماعية ثم يتطور من خلال “المغذيات” ليصبح ثقافة عنفية “. وأشار إلى أنّ تفشي الجريمة ببلادنا يعود إلى غياب السياسة الردعية في القانون التونسي منها تمتع مرتكبي جرائم السطو و”الزطلة” باجراءات استثنائية منها العفو وتخفيف مدة العقوبة،  مشددا على انه من المفروض أن تسلط على مرتكبي هذه العمليات أقسى العقوبات حتى لا يتطور سلوكهم العدواني الى جرائم ابشع.

بدوره، يقول المحامي منير بن صالحة إنّ ارتفاع نسبة الجريمة في تونس لا يعود الى غياب الردع فالقانون التونسي يتضمن ما يكفي من الفصول الردعية ويعاقب بالسجن وبعقوبات شديدة تصل إلى الإعدام في بعض الجرائم،  بل يعود إلى الشعور السائد لدى كثيرين بأنّ القانون لا يطبق، وأنّ في الإمكان الإفلات من العقاب، وبالتالي يوحي أنّ السلطة ضعيفة. يضيف أنّ وجود مثل هذا الشعور لدى العموم يخلق نوعاً من الاستهتار بالجريمة التي أصبحت ترتكب بكلّ سهولة وبساطة،  مبيناً أنّ “هناك جرائم بشعة ترتكب لأسباب بسيطة،  فأحياناً تزهق سيجارة روح إنسان، ومن أجل مبلغ مالي بسيط قد يقتل شخص، وبهدف سلب هاتف جوال قد تغتصب النساء”.

وأوضح بن صالحة أنّ انتشار المخدرات والممنوعات ساهما أيضاً في ارتفاع نسبة الجريمة،  وبالتالي، لا بدّ من التفكير في إصلاح عميق نفسي واجتماعي وقانوني للجريمة والعنف في تونس. كما يدعو أيضاً إلى ضرورة إصلاح السجون التونسية التي تعاني من الاكتظاظ وقد لا تؤدي دائماً إلى الإصلاح بل قد تساهم في تكوين المجرمين.

على سبيل الخاتمة:

إن معالجة هذه الظاهرة لا يمكن اختزالها فقط من خلال ما تقوم به الأجهزة الأمنية بل يجب على المؤسسات التربوية والدينية والتعليمية وغيرها ان تقوم بدورها المأمول في معالجة هذه الظاهرة، فهذه الظاهرة تدل على وجود ازمة ثقافية قيمية وظاهرة العنف في مجتمعنا يجب أن تعالج ثقافياً وتربوياً ودينياً وعشائرياً واجتماعياً من خلال اطلاق المبادرات الخلاقة، ورسم البرامج التعليمية الاستراتيجية الهادفة إلى تكريس ثقافة المحبة والأخوة ونبذ العنف في نفوس أبنائنا وشبابنا.

 

محمد المحسن - كاتب صحفي تونسي

 

 

كريم المظفربعد انقطاع منذ عام 2018 حضر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الاجتماع الموسع لهيئة رئاسة وزارة الخارجية الروسية، وحاول الرئيس الروسي في كلمته، التي تحتاج الى عدة مقالات تحليلية للأوضاع الدولية التي تنظم العلاقة بين روسيا والعالم، وكذلك مهمة عمل البعثات الدبلوماسية خلال المرحلة المقبلة، ولكننا سنحاول بهذا الاستعراض أن نسلط الضوء على بعض القضايا المهمة، في المقدمة منها العلاقة مع الولايات المتحدة، التي يعتمد عليها، كما هو معروف، بالحفاظ على الأمن والاستقرار العالميين إلى حد كبير، لكن الرئيس بوتين حاول تلطيف الكلمة التي يمكن ان يوصف بها هذه العلاقات الآن، وقال انها " في حالة غير مرضية، ودبلوماسيو البلدين يواجهون مشاكل كبيرة، ولا يمكن للسفارات المقطوعة أن تعمل بشكل طبيعي، ناهيك عن المشاركة بشكل منهجي في تطوير العلاقات الثنائية، هذه هي نتائج الخط الاستفزازي للسلطات الأمريكية، التي بدأت قبل خمس سنوات بممارسة عمليات حظر وتقييد واسعة النطاق للدبلوماسيين الروس.

اما العلاقات بين روسيا ودول الناتو أصبحت فهي "محبطة"، وفرص التعاون مع الاتحاد الأوروبي "تضيق"، والتفاعل مع الولايات المتحدة "في حالة غير مرضية" بعد طرد الدبلوماسيين، وأشار الرئيس بوتين الى أنه منذ وقت ليس ببعيد، كانت العلاقات بين روسيا والدول الغربية، بما في ذلك الولايات المتحدة، "فريدة من نوعها ببساطة"، لكن الوضع تغير بشكل كبير، ووفقًا للرئيس، يتحمل الغرب وحده اللوم في ذلك، حيث أجرى الناتو "عدة موجات من التوسع"، وتقع البنية التحتية للكتلة بالقرب من الحدود الروسية، ونشر مضادات للصواريخ، يتم نشر أنظمة الدفاع في رومانيا وبولندا، والتي، وفقًا لموسكو، يمكن استخدامها لأغراض الصدمة.

كما ان الشركاء الغربيون فاقموا الموقف من خلال إمداد كييف بأسلحة حديثة مميتة، وإجراء مناورات عسكرية استفزازية في البحر الأسود، وهذا يتجاوز بشكل عام حدودًا معينة: تحلق القاذفات الاستراتيجية على مسافة 20 كيلومترًا من حدود روسيا وهي تحمل أسلحة خطيرة للغاية،ويواصل الاتحاد الأوروبي، بحسب الرئيس الروسي، "صدنا بفرض عقوبات وأعمال غير ودية واتهامات لا أساس لها"، وتتبع الولايات المتحدة "خطًا استفزازيًا" منذ خمس سنوات حتى الآن، وتمارس عمليات حظر وقيود واسعة النطاق على روسيا، وقال "تم الاستيلاء على ممتلكاتنا في الدول في انتهاك لجميع الأعراف والقواعد الدولية، الجميع، وأضاف بوتين ساخطًا "لقد انتهكوا انتهاكًا صارخًا، وببساطة أخذوا الممتلكات، وهذا كل شيء".

واعتبر الرئيس الروسي ان من بين أكثر الأزمات حدة وحساسية، بطبيعة الحال، بالنسبة لروسيا، أولاً وقبل كل شيء، الأزمة الأوكرانية الداخلية، بينما لم يتم حلها، لسوء الحظ، من الواضح أن أوكرانيا لا تفي بالتزاماتها بموجب حزمة تدابير مينسك، وكذلك الاتفاقات التي تم التوصل إليها في "شكل نورماندي"، وأشار الى ان، " شركاؤنا" في "نورماندي الرباعية" - ألمانيا وفرنسا - لا يجادلون في مغزى اتفاقيات مينسك، ومع ذلك، من المهم مواصلة جهود الوساطة في فريق الاتصال و "شكل نورماندي" - للاستمرار بإصرار، وبقوة، حيث لا توجد آليات دولية أخرى لتعزيز التسوية الأوكرانية الداخلية، ولا يوجد بديل لتنفيذ اتفاق مينسك نفسه بالكامل.

وتعرب روسيا باستمرار عن مخاوفها بشأن "الخطوط الحمراء" المختلفة، لكن موقف الشركاء الغربيين تجاههم من وجهة نظر الرئيس بوتين كان بعبارة معتدلة، "سطحية للغاية " ومع ذلك، برأيه فقد بدأ الوضع يتغير مؤخرًا " وإن التحذيرات لها تأثير معين "، ولا يرى الرئيس خطأ روسيا في انهيار العلاقات مع الغرب، على اعتبار إن روسيا دولة محبة للسلام ملتزمة بتطوير شراكات "مع جميع الدول والاتحادات الإقليمية"، وشدد في الوقت نفسه بالقول "لسنا بحاجة إلى صراعات" .

ويجب أن تعارض الدبلوماسية الروسية بشكل أكثر فاعلية محاولات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أن تنتحل لنفسها الحق في إملاء أجندة المناخ وتشكيل معايير حول هذا الموضوع لنفسها، على الرغم عن مدى صعوبة المناقشات في غلاسكو، وهناك لا يزال لديهم العديد والعديد من الأسئلة فيما بينهم " لكننا لا ندعو إلى أي انشقاقات - بل على العكس، نحن ندعو إلى البحث عن حلول مقبولة للطرفين " كما قال الرئيس بوتين مشيرا الى حقيقة أن روسيا قد اتخذت الآن مناصب قيادية في التحول "الأخضر"، ورقمنة جميع قطاعات الاقتصاد ومجالات الحياة البشرية.

العلاقات بين روسيا مع الصين وصفها الرئيس بوتين العلاقات " بانها مثال للتعاون الفعال بين الدول، وإن العلاقات الثنائية (مع الصين) وصلت الآن إلى أعلى مستوى في التاريخ وهي في طبيعة شراكة استراتيجية شاملة"، والتأكيد على ان موسكو ستواصل تعزيز علاقاتها مع بكين، حتى وان لم يحبها الجميع، ويحاول بعض الشركاء الغربيين علانية دق إسفين بين موسكو وبكين، وقال " نحن نرى ذلك جيدًا، وسنواصل مع أصدقائنا الصينيين الرد عليهم من خلال توسيع التفاعل في السياسة والاقتصاد والمجالات الأخرى، وتنسيق الخطوات على الساحة الدولية ".

كما تلتزم روسيا بمناهج مماثلة في العلاقات مع شريكها الاستراتيجي المميز بشكل خاص – الهند، واكد بوتين " نحن عازمون على بناء تعاون ثنائي متعدد الأوجه حقا، نحن نعتبر الهند واحدة من المراكز المستقلة القوية لعالم متعدد الأقطاب مع فلسفة سياسة خارجية وأولويات قريبة منا "، بالإضافة الى ان التعاون بين روسيا والآسيان يساهم في الحفاظ على المصالح والاستقرار والأمن، فضلاً عن ضمان التنمية المستدامة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، ومن المهم بكل طريقة ممكنة تعميق وتحسين التجربة التي تراكمت لدى روسيا على مدى 30 عامًا من التفاعل المثمر مع هذه الرابطة في السياسة والاقتصاد والمجال الاجتماعي.

لقد عملت روسيا دائمًا وستواصل العمل كوسيط محايد في تسوية النزاعات والأزمات في الشرق الأوسط، بكل طريقة ممكنة للمساعدة في استقرار الوضع في هذه المنطقة، وبمشاركة روسيا المباشرة، تمكن من التغلب على الإرهاب الدولي في سوريا، ومنع تفكك هذه الدولة، ثم - في إطار "صيغة أستانا" مع تركيا وإيران - إطلاق عملية التسوية بين السوريين في إطار تحت رعاية الأمم المتحدة، وطالب الرئيس الروسي الدبلوماسية الروسية أن تستمر في الإسهام في تطبيع العلاقات بين سوريا والدول العربية، وعودتها المبكرة إلى جامعة الدول العربية، فضلاً عن استقطاب المساعدات الدولية لتحسين الوضع الإنساني في هذا البلد.

كما إن المساعدة في تقدم تسوية فلسطينية - إسرائيلية ذات أهمية أساسية لتحسين الحالة في الشرق الأوسط، العمل الثقل والهادف ضروري أيضًا مع جميع أطراف النزاع الليبي من أجل توجيههم نحو إيجاد حل وسط، بشكل عام، وكما أوضح الرئيس بوتين " كانت أولويتنا غير المشروطة ولا تزال تطوير حوار ودي حقيقي وعملي وغير أيديولوجي مع جميع دول الشرق الأوسط".

الشيء الرئيسي في السياسة الخارجية الروسية وكما عبر عنها الرئيس الروسي يجب أن تستمر في توفير أفضل الظروف المواتية والآمنة لتنمية روسيا، وحل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية واسعة النطاق، وتحسين نوعية ومستوى معيشة الشعب، وانطلاقا من ذلك، تلتزم روسيا بتطوير علاقات شريكة وبناءة ومتبادلة المنفعة مع جميع البلدان والاتحادات الإقليمية، وستشارك بشكل استباقي في الجهود الدولية لمواجهة التحديات والتهديدات المشتركة، ومن بينها، للأسف، لا يزال هناك الإرهاب والجريمة العابرة للحدود، وانتشار أسلحة الدمار الشامل، والفقر، وعدم المساواة، وتغير المناخ، والتدهور البيئي.

وبصفتها عضوًا دائمًا في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، تعتزم روسيا بحسب تأكيد الرئيس بوتين الاستمرار في التمسك الصارم بالمبادئ الأساسية المكرسة في ميثاق الأمم المتحدة، كالسيادة والمساواة بين الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والتسوية العادلة للنزاعات، وبالطبع، الدور الرئيسي للأمم المتحدة في حل المشاكل الدولية، وقال " إن اقتراحنا بعقد قمة للدول - الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الذين يتحملون مسؤولية خاصة للحفاظ على السلام والاستقرار الدوليين يتماشى مع هذا النهج المبدئي ".

وامام هذا الكم الكبير من الملفات الدولية، وقف الرئيس الروسي امام الوضع الداخلي الروسي وباهتمام، ويرى انه من المهم في قانون البلاد الأساسي أن يتم الآن تكريس المواقف والقيم الأساسية مثل الولاء للوطن واحترام اللغة والتاريخ والثقافة وتقاليد الأسلاف، أي كل ما يوحد الشعب حول المثل العليا يحدد ناقل تطور الدولة الروسية المستقلة والمحبة للسلام، وذات السيادة، والعضو النشط في المجتمع العالمي، لذلك سيتم اصلاح أيضًا الاتجاهات المحددة للسياسة الخارجية والعمل الدبلوماسي في الوقائع الصعبة الحالية للوضع الدولي في النسخة الجديدة القادمة من مفهوم السياسة الخارجية، هذه الوثيقة - إلى جانب استراتيجية الأمن القومي التي تمت الموافقة عليها في الصيف - ستكون في الواقع "خارطة طريق" لوزارة الخارجية والوزارات والإدارات الأخرى.

ومن بين المهام الأخرى ذات الأولوية التي تواجه الخدمة الدبلوماسية، أشار بوتين إلى الحاجة إلى زيادة الاهتمام بتعزيز العلاقات مع المواطنين الذين يعيشون في الخارج، وحماية مصالحهم والحفاظ على الهوية الثقافية لروسيا بالكامل، فضلاً عن تبسيط إجراءات قبول المواطنين بالجنسية الروسية ، مبينا تفهمه لتساؤل عند تقاطع العديد من الوزارات والإدارات، لكن على وزارة الخارجية أيضًا التعامل معها، وبشكل عام، يجب تحديد أفضل الطرق لتحقيق الإمكانات الإبداعية للعالم الروسي الذي تبلغ قيمته عدة ملايين من الدولارات.

 

بقلم الدكتور كريم المظفر

 

مراجعة اصل الكلام الذي يستعمله السياسيون العراقيون وكشف عوراته، ضروري للحالة الماساوية التي يمر بها العراق منذ ستة عقود، افتقد المجتمع خلالها استخدام السياسيين لغة واضحة خالية من الغموض والكذب والنفاق والتأويل. اذ طرأت على المشهد السياسي العراقي احداث خطيرة، كان على الاحزاب والساسة التصدي لها بطريقة سياسية “قيمية” متناغمة اخلاقيا مع مبدأ الصراحة والمسؤولية الوطنية في جانبيها الاداري والمجتمعي. بمعنى آخر ان تكون منسجمة مع المباديء المختبرية المتعلقة بالمسألة “الوطنية” وبناء الدولة المدنية الحديثة، وليس “تغليب” مصلحة الحزب على المصالح الوطنية كما هو دارج لدى مجمل الاحزاب داخل السلطة وخارجها. يقودنا ذلك الى التساؤل: كيف يحصل التقارب الموضوعي بين المجتمع والطبقة السياسية اذا لم تستطع هذه الطبقة “الحزبية” الجمع بين مفردات “لغتها السياسية” بشكل واضح وصريح لصالح الوطن ومجتمعاته؟ وماذا يميّز كل هذه الاحزاب عن بعضها، عقائديا وتنظيميا، وهي جميعها غير صادقة امام المجتمع ولا تدين بالولاء الا للحزب وللطائفة والعشيرة وليس للوطن كما تعزو اليه وقائع اهدافها الاستراتيجية العملية والتثقيفية؟.

يشير “علم السيميائيات” الى ان اسلوب اللغة “الكلام ـ السردي” في الحياة السياسية العامة، قدرة لاذكاء الغموض والتأويل والتسويف لغايات سياسية تتيح للاحزاب الآيديولوجية ـ العقائدية سحب البساط من تحت اقدام المجتمع وتضليله باشكال نمطية مباشرة او غير مباشرة. وهي اساليب تتقنها وتتميّز بها الاحزاب السياسية العراقية ومنتسبوها داخل المحيط الحزبي وخارجه، على قاعدة ما علينا الاستفادة منه لصالح الحزب، ليس بالضرورة كشف دلالاته للعلن. ويبدو كما تشير الوقائع والاحداث المتعلقة بالحياة العامة على المستويين الوطني والمجتمعي وما يحيطهما من مشهد سياسي واداري واقتصادي وقانوني وامني مرتبك لاكثر من ثمانية عشر عاما عجاف، ان العديد من الاحزاب وقياداتها الفاعلة على الساحة العراقية، داخل السلطة وخارجها، لم تتعلم ان لم نقل، لم تتقن مهنة فن السياسة او قادرة لان تتصالح مع ابجديات “اللغة السياسية” موضوعيا وواقعيا بالقدر الكافي من الصراحة والمصداقية والوضوح. فالممارسة السياسية في اطاريها النظري والعملي في الشأن العراقي مليئة بالتناقضات والتبريرات الساذجة.. فعلى سبيل المثال لا الحصر، انتشرت في الآونة الأخيرة على لسان بعض الساسة المتنفذين حزبيا وسلطويا، تصريحات وادعاءات، استهجنها المجتمع وتعرض لها الاعلام بشكل واسع. كشفت عن عورة الاحزاب الآيديولوجية ونفاقها العقائدي فيما يتعلق بموقفها من ” الدولة والمصالح الوطنية”، القضيتين المركزيتين اللتين سعى السياسيون لاغراض حزبية مقايضتهما بـ “السلطة ومصالح الحزب” رديفا لـ “الدولة ومصالحها”، بمعنى آخر الاستحواذ على “السلطة” لصالح “الحزب” على حساب “الدولة” الوطنية. فالاحزاب دون استثناء تتحدث بانها الى جانب الدولة وحفظ امنها “الجيوديموغرافي”، لكنها من الناحية العقائدية، لا تدين الا بالولاء للحزب ومصالحه.

مصالح الدولة

انه لمن المؤكد اذا ما انسلخ الحزب وقادته لاسباب آيديولوجية، عن احترام مصالح الدولة والمجتمع ومقايضتها بمصالح الحزب، فسيخسر القاعدة الجماهيرية ولم تعد له مكانة مؤثرة بين الاوساط السياسية والشعبية، كما ويفقد ثقة المجتمع به وعجزه عن انتاج الاساسيات الخاصة بتطوير الحياة السياسية وتفاصيلها المجتمعية في كل مناحي الحياة في العراق.

يفترض من الناحية الموضوعية والمبدئية، ان يمارس، الحزب، اي حزب، “لغة حكيمة”، واضحة وصادقة تجتمع على اساسها كل اعتبارات المجتمع وليس العكس الذي تعمل به أغلب الاحزاب العراقية، التي اصبح وجودها وصوتها مجرد ضوضاء، بسبب ما اقترفته من مآثم وطنية ومجتمعية وكذب وتسويف وتغليب “مصالحها الحزبية” على المصالح العليا للدولة والشعب الذي يفترض على الاحزاب من ناحية المبدأ خدمته وصيانة حياته بإعتباره مصدر السلطات واساسها الحقيقي.

قبل ان يتولى منصب رئاسة جمهورية العراق العربي، قام برهم صالح بالتصويت على الاستقلال عن العراق، بل خرج عن قواعد احترام الجميل واحتقر العراقيين بالقول (أنا اتمضمض لانظف فمي عندما اذكر اسم العراق)، والآن وهو ما زال رئيسا للعراق ويطمح لولاية جديدة، عسى ان يتمضمض لغسل فمه من آثام النفاق والانتهازية التي افضت الى عدم ولائه للعراق ومصالح شعبه، بل احتقاره حتى اسم العراق!. ولعل من الضروري بمكان الاشارة الى ان اغلب الاحزاب القومية الكردية والسياسيين الاكراد يتحدثون علانية وبقناعة مطلقة بأن (مصالح الكرد وكردستان أولا، وعملهم على المستوى العراقي غاية ووسيلة لتحقيق مآربهم الكردية) أنه خيار ضمن الدعاية الموجهة لصالح الطبقة الحاكمة وليس لصالح الشعب الكردي. في اواسط تموز 2021 بثت قناة العراقية الفضائية خمس حلقات مقابلة مع مفيد الجزائري، ادعى وهو القيادي والوزير السابق عن الحزب الشيوعي العراقي في الجزء الخاص بمجزرة “بشتاشان عدم معرفته بالجريمة التي ارتكبها حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بحق العشرات من المناضلين العراقيين ضد نظام صدام. ليس غريبا بعد مرور عقود على تلك الحادثة الأثيمة ان تغيب الذاكرة، لكن الغرابة ان يجهلها قيادي يفترض ان يعرف أدقّ التفاصيل التي تمر على حزبه، وان لا تصيبه شحطات فكرية وآيديولوجية وسياسية مثيرة للسخرية بسبب عقدة لسانه لقول الحقيقة.

لجنة صياغة

وفي مقابلة اجراها معه قبل اسابيع الاعلامي المعروف نجم الربيعي، صرح الوزير السابق والقيادي في المجلس الاسلامي الاعلى باقر جبر صولاغ بان كل عضو من اعضاء لجنة صياغة الدستور قد تلقى مبلغ 150 الف دولار مقابل توقيعه على اقرار الدستور على علاته.. الغريب في الامر ان لا احد من احزاب السلطة وممثليها في لجنة الصياغة “الشيعة والسنة والكرد” قد انتقد تصريح صولاغ واتهمته بالكذب، الا النائب السابق عضو اللجنة القاضي وائل عبد اللطيف عن العراقية وعضو اللجنة والنائب السابق عن الحزب الشيوعي العراقي حميد مجيد موسى.

ليس مهما ان عبد اللطيف القاضي المخضرم او حميد مجيد القيادي الشيوعي او غيرهما من الأعضاء في لجنة الصياغة قد استلم مبلغا تافها 150 الف دولار من بريمر مقابل التوقيع على اقرار الدستور الذي جاء به الاحتلال وخبير يهودي وضعه.

الخطير كيف سمح هؤلاء لانفسهم “وهم دعاة الوطنية؟” التغطية على نوايا الاحتلال وتضليل شعبهم لقبول دستور يحتوي على الكثير من التأويل والثغرات القانونية التي تضر بمصالح العراق والعراقيين ومستقبلهم. الا كان الاحرى بهم الخروج آنذاك في وسائل الاعلام للوقوف دفاعا عن وطنهم بوجه تمرير الدستور وكشف مساوئه وخطورته امام الشعب العراقي؟. وكيف لهم ان يكونوا شهود زور آنذاك بامتناعهم عن قول الحقيقة من أنّ ما سمي بـ “الاستفتاء” الشعبي على الدستور لم يكن الا مسخرة. والحقيقة التي يعرفها القاصي والداني، ان سلطة الاحتلال فرضت على مجلس الحكم ابان الانتخابات التشريعية الاولى باعتبارها استفتاءا على الدستور على الرغم من ان نسبة المشاركة لم تكن تتعدى الـ  30% من اصوات الناخبين!

لعنة “اللغة” وليس لعنة “التاريخ” فحسب، ستلاحق الاحزاب وقادتها السياسيين ـ الحكوميين منهم والحزبيين، الذين شاركوا على مدى ثمانية عشر عاما في خداع الشعب العراقي وايقاع الضرر به وبمصالحه الوطنية والمجتمعية، وانتهاكهم الحقيقة وحفظ الامانة وخراب الوطن ونهب خيراته والمتاجرة باراضية وحرمته الجغرافية، واستخدام ما يسمى بـ “العملية السياسية” لصالح الطبقة الحاكمة ـ التي حولت التنافس السياسي الشريف الى صراع مصالح ونفوذ، من الصعب وضع حد له او التمرد عليه لصالح الشعب والدولة ومصالحها المقدسة..

انه من أسوأ الخطايا التي ارتكبتها وترتكبها الاحزاب العقائدية وقادتها جرف نظام “الطاعة للحزب” نحو الهيمنة الكاملة على حرية “الابداع الفكري والمجتمعي”، الذي من شأنه ان ينهض بالكادر الحزبي ليصبح فاعلا وطنيا في الحياة السياسية واصلاح الاوضاع العامة وتطويرها، ليحل محله مفهوم “قداسة الحزب” وجعله منهجا لتحقيق مآرب الحزب وقياداته الحزبية للهيمنة على احتكار السلطة والدولة معاً.

 

عصام الياسري     

 

محمد المحسنمحتج يطالب بالعدل والعيش الكريم في كنف ديموقراطية ناشئة.. ودولة منهَكَة - أصلا - ومطلوبة..!

قد لا يحيد القول عن جادة الصواب إذا قلت أنّ شرارة “الحركات الثورية العربية” اندلعت من أرض تونس المنتفضة على الظلم والظلام ذات شتاء قاتم من سنة 2010 .

واليوم، بعد عشر سنوات ونيف على انطلاق مخاض التحولات، تصمد التجربة التونسية في الإنتقال السياسي، وتبقى خارج دائرة الفوضى التدميرية التي امتدت من ليبيا إلى سوريا..

ولكن يبدو أن تفاقم الأزمة الإقتصادية وقلة الدعم الدولي واحتدام الجدل السياســـــي والأيديولوجي، وضع البلاد أمام منعطف دقيق يستلزم ورشة إنقاذ داخلية واهتماما دوليا لا يقتصر على مكافحة الإرهاب.فقضايا ومطالب التونسيين في هذا الظرف الدقيق والحاسم الذي تمرّ به البلاد، باتت أهم من الصراعات الشخصية والمناورات الحزبية

والمحاصصات السياسية التي لا طائل من ورائها سوى تغليب الفتق على الرتق والزج بالبلاد والعباد في متاهات مبهمة ومعقّدة من الصعوبة بمكان التخلّص من عقالها والنأي بأنفسنا عن تداعياتها الدراماتيكية في المدى المنظور..

وبغض النظر عن المنطق الحسابي، ورهانات الربح والخسارة، لايزال المشهد السياسي في تونس يفتقر إلى الإستقرار بصورة نهائية، بالنظر إلى حالة التشتت الحزبي وغياب القواعد الثابتة للأحزاب، مما سيفضي مستقبلاً -في تقديري-إلى تجمع القوى المتقاربة، إذا أزمعت تأكيد حضورها السياسي.

ومن هنا يتوجب التذكير بتغليب الديمقراطية التوافقية ودور النقابات والمرأة والمجتمع المدني إبان المرحلة الحرجة في 2013، إذ أن إسقاط منطق العنف السياسي لم يستند قط إلى تلاقي الإرادات، بل أيضا إلى إرث تونس الفكري والقانوني والسياسي من ابن خلدون إلى الطاهر الحداد والحبيب بورقيبة، وكذلك بسبب الأولوية الدولية للحرب ضد الإرهاب وخشية سقوط تونس في المحظور، مما يزيد من اشتعال اللهيب الليبي ويهدد بتواصل الإرهابيين من ليبيا، إلى معاقل "الجهاديين" في الجزائر والساحل.

وإذن؟

تونس إذا، في حاجة إلى تكاتف كافة مكونات المجتمع المدني وكل القوى السياسية لتثبيت أركان الجمهورية الثانية، ومن ثم انجاز مشروع مجتمعي طموح ينآى بالبلاد والعباد عن مستنقعات الفتن، الإثارة المسمومة والإنفلات الذي يتناقض مع قيم العدالة والحرية، وهذا يستدعي منا-كما أسلفت-هبّة وعي تكون سدا منيعا أمام كافة المخاطر التي تهدّدنا وتسعى إلى تحويلنا إلى نماذج مرعبة ومخيفة لما يجري في العراق وسوريا وليبيا..

على هذا الأساس، علينا أن ندرك جميعا أنّ الديمقراطيات إنما قامت على نمط من الإكراهات، وعلى صراعات سلمية بين القوى المختلفة، لتستقر في النهاية على نمط حكم قائم على توازي السلط وتقابلها ومراقبتها بعضها بعضاً، و كل هذا مشروط بتجنب العنف سبيلاً لحل النزاعات، ذلك أنّ ديمقراطية ما بعد الثورة في تونس قائمة على تعايش مفروض، وتوازن قوى واضح، سيدفع كل الأطراف، وبغض النظر عن أحجامها الانتخابية، إلى الإقرار بحق الجميع في المساهمة في بناء المشهد السياسي المقبل، ضمن الخيارات الكبرى للمجتمع التي تم التنصيص عليها في الدستور التونسي الجديد..

ويكفي أن نتذكّر ما ترتّب عن الحوار بين الفرقاء السياسيين من خيارات سياسية كبرى، تمثلت بالأساس في الإسراع بإكمال إعداد دستور جديد، على الرغم من أن الأمر لم يكن سهلاً، ولا متيسراً.كما ترتب عنه قبول أجندة تقضي بإنجاز الانتخابات التشريعية، ثم الرئاسية، في آجال محددة، وإطلاق الجمهورية الثانية في تونس بصورة لا رجعة فيها الأمر الذي ساعد على تخطي عتبة الانسداد الذي حصل..

ما المطلوب..؟

لا بد اليوم-في تقديري-من عقد اجتماعي جديد في تونس قوامه التوازن في توزيع الثروات بين الجهات، وتشبيب الإستثمار، وإعادة النظر في دور الدولة الإجتماعي والإقتصادي، لا من زاوية مقتضيات وإملاءات الجهات الدولية المانحة، وإنما من بوابة بيئة الإستثمار الجديد وتدعيم اللامركزية دون إلغاء المركز، والدفع بمنظومة الحقّ في الإضراب دون ضرب موارد الدولة.

أقول هذا وأنا على يقين بأن تونس اليوم دولة وسلطة ومؤسسات، أمام امتحان جديد على درب الديمقراطية، ومع على الفاعلين في المشهد السياسي التونسي إلا القطع مع-النهم المصلحي والإنتفاعي-المسيطر عليهم ومن ثم تخطي الطور الانتقالي الجاري بنجاح، ووضع المساطر المناسبة لبنية مجتمعهم السياسية والحزبية، من دون إغفال تطلعات مجتمعهم والشروط العامة التي تؤطرها، وذلك تطبيقا لشروط والتزامات وقيم الممارسة الديموقراطية السليمة والسلوك الحضاري القويم.فجدلية العلاقة ـ بين محتج– يطالب بالعدل والعيش الكريم في كنف ديموقراطية ناشئة، ودولة منهَكَة-أصلا-ومطلوبة، تفرض-حتما-عدم استبطان منهاج ما بعد الليبرالية، حيث تتحوّل الدولة إلى مجرّد إدارة تعنى بالدفاع والأمن والوثائق الإدارية فقط، بل وهو الأهمّ المزاوجة بين فرص الإستثمار الخاص والدولة المستثمرة في القطاعات الإستراتيجية.

قلت هذا، إيمانا مني بأنّ اليأس ممنوع في مفردات القاموس السياسي التونسي.وهذا ليس بغريب على بلد يتمتّع بقسط كبير من العقلانية والحداثة، ويمكن أن يشكّل نموذجا يمكن شعوب العالم العربي من الدخول إلى التاريخ من جديد.

 

محمد المحسن

 كاتب صحفي، وعضو في إتحاد الكتاب التونسيين

 

 

محمود محمد عليفجأة وبدون مقدمات اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي، بسبب فيديو قديم لزكريا بطرس، يتناول فيه سيرة الرسول الكريم، والسؤال هنا له عدة أجزاء، أولا. لماذا في هذا التوقيت نشر تريند هذا الفيديو؟، ثانيا. من وراء نشر هذا الفيديو بكل احترافية؟ ثالثا إلي متي سنظل سلعة استهلاكية للإعداء؟

وللإجابة على ما طرحناه يلزم أولا أن نقول وسنقول مع الأستاذ جمال رشدي (في مقاله بعنوان زكريا بطرس وحروب الجيل الخامس والمنشور في مجلة الأسبوع المصرية):"  أن هناك حروب فتاكة باسم الجيل الخامس والسادس، تلك الحروب تعتمد على الإدارة عن بعد ومنها وأكثرها تأثير على الوطن مصر الإشاعات التي تطلق على مواقع التواصل الاجتماعي وخصوصا موقع الفيس بوك الذي أصبح مستنقع خطير لإغراق للمواطن.. كل شئ مدروس ومخطط له والخطورة تكمن في ثقافة اللاوعي الذي تصيب الكثير من أهالينا في مصر، ويلزم وبكل سرعة تدخل الدولة لسد الفجوة بين سرعة وقوة تلك الحرب على الموقع المفضل للمصريين على الفيس وبين ثقافة اللاوعي التي يتم العمل عليها من الأعداء وان تطلب الأمر حجب ذلك الموقع الذي اصبح خطر على الأمن القومي المصري.."

إن زكريا بطرس والذي حاول إشعال الفتنة في المجتمع المصري، بعد تصريحاته المسيئة عن الرسول صلى الله عليه وسلم وإهانته المتكررة للدين الإسلامي ورموزه، وتسبب في الكثير من الفتن على المدونات الإلكترونية، قبل ظهور مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك بسبب آرائه المتطرفة، واتخاذه سب الرسول الكريم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، طريقًا للشهرة، فخصص غرفًا للدردشة جذبت الكثيرين بسبب آرائه وجدالاته مع المسلمين.

وأطلق المصريين على القس زكريا بطرس لقبي “الكذاب والمختل العقلي والنفسي” باعتباره أحد أرباب الفتنة بين المسلمين والمسيحيين، كما أنه أحد منبوذي الدوائر المعتدلة، بسبب الهجوم الدائم على الرسول الكريم والمسلمين، خلال لقاءاته التي يبث فيها سمومه المتطرفة باستمرار.

ويعد القمص زكريا بطرس واحدا من المتطرفين دينيا، وهو منبوذ من الكنيسة المصرية والتي تتبرأ منه بسبب أفعاله وتصريحاته الطائفية ووصل الأمر إلى أن الكنيسة أمرت بمنع تداول مؤلفاته وكتبه وعدم السماح له بالقيام بأي نشاطات كنسية.

وهذا المتطرف من مواليد الرابع والعشرين من أكتوبر عام 1934م أي أنه يبلغ من العمر الآن 87 سنة، وقد ولد في سبين الكوم من عائلة مسيحية، وظل يسعي إلى ذهب إلى طنطا، ومن طنطا ذهب ليعمل بالكنسية بالقاهرة، ووصول إلى رتبة " كاهن"، إلا أن الكنسية قد رصدت أن هذا الرجل له سلوك منحرف ولديه أفكار تطرفية ضد الإسلام والمسلمين، وقررت الكنيسة أن تطرده، وعندما تم فصله ذهب ليعمل في أكثر من مكان في العمل، حيث حاول أن يعمل في برايتون بإنجلترا، وقد تم منعه في برايتون .

عمل المتطرف في أستراليا عام 1992 ومن ثم عاد إلى مصر، درس الآداب وحصل على شهادة الليسانس في التاريخ، ورث عن أخيه نجيله الذي أصبح انجيل بطرس فيما بعد، ووصفته مجلة الإنسان الجديد بعدو الإسلام.

وقد حاول هذا الرجل أن يعمل منبر إعلامي يريد أن يتحدث من خلال فذهب ليعمل في قناة الحياة التبشيرية   Al Hayat Channal Media أو قناة الفادي والتي أسسها خصيصا في عام 2011 من أجل الهجوم على الإسلام والمسلمين والنبي الكريم، إلا أن هذا الرجل المتطرف قد لوحظ أنه كان ينحرف في آرائه ويذم في الدين الإسلامي، إلا أنه سرعان مارطته تلك القناة .

وخلال برنامجه على فضائية الفادي والتي تقوم بنشر الفتنة الطائفية، هاجم مجددا زكريا بطرس الإسلام والمسلمين وقال أن المسلمين بعد 14 قرنا من الزمان بدأوا في اكتشاف أخطاء النبي الكريم، كما استخدم بعض الكلمات النابية في تناول الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.

وهنا لجأ زكريا بطرس سرعان ما لجأ إلى عمل قناة خاصة له في أمريكا، وأخذ من خلال تلك القناة أن يشن هجوما علي الدين الإسلام وعلي نبينا محمد صلوات الله وسلامه، إلي أن فوجئنا بأن تنظيم داعش نفسه قد استغل ذلك في تسويق نفسه، عندما أعلن أن من يقتل زكريا بطرس سوف يمنح 60 مليون دولار، وهنا أخذا يجمعون كل ما قاله من أحاديث في نقد الإسلام والمسلمين فيما، اقتطعوها وصدروها علي مواقع التواصل الاجتماعي مما يجعل الكثير من المسلمين في العالم العربي ينشغل بقضية هذا الرجل المأفون،  وعندما تعرض هذا الرجل لهذا التهديد، كانت توجد لديه ندوة في فيينا تم إلغاؤها .

وطوال الفترة التي عكف زكريا بطرس فيها على مهاجمة الدين الإسلامي، قدمت إليه العديد من الدعوات لمناظرته والرد على افتراءاته وأكاذيبه عن الرسول الكريم والمسلمين، ولكنه كان دائم التهرب من تلك المناظرات، وليس ذلك فحسب بل أنشأ قناة خاصة في عام 2011، تبث من الولايات المتحدة وخصصها لمواصلة هجومه على الإسلام والمسلمين.

وأجمع المسلمون والأقباط، على إطلاق لقبين على القس المشلوح زكريا بطرس، وهما “الكذاب والمختل”، تعبيرًا عن سخطهم وغضبهم من تطاوله على الرسول الكريم، وتأكيدًا على وحدة الموقف في رفض التطاول على الرسالات السماوية والرسل الكرام، حتى أن الكنيسة المصرية أعلنت في بيان تبرأها من القس المشلوح زكريا بطرس، وانقطاع صلتها به تمامًا منذ سنوات.

فمثلا قام الأزهر الشريف بالرد على تصريحات القمص المتطرف زكريا بطرس عبر مركز الأزهر  العالمي للفتاوي الالكترونية.

وقال المركز في بيان له، إن رسول الإسلام لهو شعاع النور للبشرية جمعاء، وهو الداعي إلى كل فضيلة، النَّاهي عن كل رذيلة، جعل الله سبحانه الفلاح في الإيمان به وتعزيره ونصرته واتباعه؛ فقال تعالى.

ومن جانبها علقت الكنيسة الأرثوذوكسية في مصر على قضية الكاهن السابق زكريا بطرس المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى انقطاع صلتها به منذ أكثر من 18 عاما.

وأوضحت الكنيسة في بيان لها أن "زكريا بطرس كان كاهنا في مصر وتم نقله بين عدة كنائس، وقدم تعليما لا يتوافق مع العقيدة الأرثوذكسية لذلك تم وقفه لمدة، ثم اعتذر عنه وتم نقله لأستراليا ثم المملكة المتحدة حيث علم تعليما غير أرثوذكسي أيضا، واجتهدت الكنيسة في كل هذه المراحل لتقويم فكره".

وأضافت أن "الكاهن السابق قدم طلبا لتسوية معاشه من العمل في الكهنوت وقبل الطلب المتنيح قداسة البابا شنودة الثالث بتاريخ 11 يناير 2003  ومنذ وقتها لم يعد تابعا للكنيسة القبطية الأرثوذكسية أو يمارس فيها أي عمل من قريب أو بعيد".

وتابعت: "بعدها ذهب إلى الولايات المتحدة واستضاف البعض اجتماعاته في بيوت وفنادق، وحذرت إيبارشية لوس أنجلوس شعبها من استضافته وقتها".

وأردفت قولها: "نحن من جهتنا نرفض أساليب الإساءة والتجريح لأنها لا تتوافق مع الروح المسيحية الحقة ونحن نحفظ محبتنا واحترامنا الكامل لكل إخوتنا المسلمين".

وتصدر وسم "عاقبوا زكريا بطرس" موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" وذلك للتعبير عن الغضب من بطرس بعد تصريحات أساء فيها للنبي محمد.

أكد الكثيرون أن القمص زكريا بطرس شاذ جنسا وذلك عبر وثيقة نشرها، وترجع الوثيقة لعام 2002، حيث أرسلت الكنيسة في أستراليا إلى الكنيسة المصرية تقول أن المواطنة فاتن عدلي خيري في ولاية برايتون تشكو القص زكريا بطرس، بأنه تحرش بنجلها جورج يوسف اسكندر جنسيا حيث يده على أماكن حساسة بجسمه وضغط عليها بشدة، وأوضحت أن المواطنة كانت ستبلغ الشرطة الأسترالية بهذا الموضوع لكنهم أقنعوها بعدم فعل ذلك لأن هذا الموضوع سيكون فضيحة للكنيسة المصرية.

وقد أكد الإعلامي الدكتور محمد الباز مقدم برنامج آخر النهار على فضاية قناة النهار أن القمص زكريا بطرس شاذ جنسا وذلك عبر وثيقة نشرها، وترجع الوثيقة لعام 2002، حيث أرسلت الكنيسة في أستراليا إلى الكنيسة المصرية تقول أن المواطنة فاتن عدلي خيري في ولاية برايتون تشكو القص زكريا بطرس، بأنه تحرش بنجلها جورج يوسف اسكندر جنسيا حيث يده على أماكن حساسة بجسمه وضغط عليها بشدة، وأوضحت أن المواطنة كانت ستبلغ الشرطة الأسترالية بهذا الموضوع لكنهم أقنعوها بعدم فعل ذلك لأن هذا الموضوع سيكون فضيحة للكنيسة المصرية.

الوثيقة الكنيسية تؤكد هذا الكلام والتي فيها يشتكي أسقف استراليا الأنبا دانيل من هذا الشاذ والزاني الديوث للأنبا بيشوي مطران دمياط وسكرتير المجمع المقدس إذ أنه قام بالآني:

1- التحرش بطفل في برايتون حيث قام بوضع يده على إحدى المناطق الحساسة في جسمه وضغط عليها.

2- جلب عاهرة لتمارس الرزيلة داخل الكنيسة ويأخذ منها مقابل مادي على هذا، أي أنه إنسان … ولن اصرح بنعت من يقوم بهذا العمل لعدم خدش الحياء.

3- قامت ابنته ربيبة الصون والعفاف بفتح ناد للتعري.

4- إمتهان إبنه تجارة المخدرات حتى أصبح طريد الشرطة في استراليا.

ويذكر أن القمص المتطرف وهو يقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد نبذته الكنيسة المصرية، حيث تم منع تداول كتبه ومؤلفاته، وقد اشتهر القمص المتطرف زكريا بطرس بالهجوم على الدين الإسلامي والرسول صلى الله عليه وسلم، وسط مطالبات بمحاكته وتسليمه من الانتربول الدولي.

وقد تقدم المستشار القانوني المصري حسام عنتر بشكوى لرئيس البلاد عبد الفتاح السيسي ورئيس مجلس الوزراء والنائب العام، ضد فايز بطرس المعروف بـ"القمص زكريا بطرس" مالك قناة "الفادي".

وقال عنتر في شكواه إن "مالك قناة الفادي اتخذ صفحات له للإساءة ونشر فكره المتطرف فنحن جميعا أخوة وأمرنا إسلامنا".

وأضاف: "تبين أنه كان يبتغي بالجدل الذي أثاره المساس بحرمة الدين والسخرية منه، فليس له أن يحتمي من ذلك بحرية الاعتقاد طبقا للطعن رقم 21602 لسنة 84 ق، ولهذا وضع المشروع جريمة ازدراء الأديان في الباب الثاني من الكتاب الثاني من قانون العقوبات تحت عنوان: الجرائم المضرة بأمن الدولة من جهة الداخل".

وتابع أن "المادة 161 تنص على أن يعاقب بتلك العقوبات على كل تعد يقع بإحدى الطرق المبينة بالمادة 171 على أحد الأديان التي تؤدي شعائرها علنا، ويقع تحت أحكام هذه المادة كل من طبع أو نشر كتابا مقدسا في نظر أهل دين من الأديان التي تؤدي شعائرها علنا إذا حرف عمدا نص هذا الكتاب تحريفا يغير من معناه".

واختتم: "القانون يعرف جريمة ازدراء الأديان بأنه احتقار الدين أو أحد رموزه أو مبادئه الثابتة أو نقده أو السخرية منه، لأن مثل هذه السلوكيات تثير الفتن، ومن هنا فإن الهجوم بأي شكل على كل ما يتعلق بالدين لا يسمح به والقانون يعاقب عليه".

والتمس بفتح تحقيق على وجه السرعة واتخاذ اللازم قانونيا لإغلاق هذه القنوات والصفحات لمنع ما تنشره، وأخذ اللازم قانونا حيال المسؤول عن تلك الصفحات، واتخاذ اللازم قانونا لضبط وإحضار المشكو، وسؤال من فضيلة شيخ الأزهر عن موقفه ورده عما ورد، وكذلك موقف الكنيسة مما صدر عن القمص وعما إذا كان مؤهلا لإلقاء التعاليم من عدمه.

وختاما نقول إن المروجين لكل ما قاله هذا المتطرف في اعتقادي هو نوع من عودة الفتنة الطائفية إلى مصر والتي تخلصت منها منذ عام 2013، وهذا يمثل نوع من حروب الجيل الرابع، وهي حروب أدواتها نفسية أكثر منها عسكرية؛ حيث تسعي إلي تغيير العقول والقلوب للشعوب في سبيل الوصول إلي الاحتلال المدني بديلاً عن التدخل العسكري في الدول المستهدفة، كما تستخدم في هذه الحروب القوة الناعمة إلي جانب قوة السلاح، ومن أشكال القوة الناعمة: التمرد، حرب العصابات، حرب السايبر الفضائي، والحصار الاقتصادي وغيرها .

كما أن حروب الجيل الرابع تمثل حالة من الحرب تمتاز بدمويتها وطول مدتها وتعدد جبهاتها، ويصعب فيها التفريق بين المقاتلين وغير المقاتلين، والجندي، والمدني، والسياسي، علاوة علي أن تلك الحروب تقوم علي إرغام العدو على تنفيذ إرادتك – أي حرب بالإكراه، والإكراه يقوم على مصادرة إرادة الخصم بغض النظر عن الوسائل، والأساليب، والأدوات المستخدمة في الوصول إلى هذه النتيجة، لذلك يمكن الوصول إليها دون حاجة إلى استخدام جيوش وأسلحة وقوات كبيرة؛ بمعنى أنه يمكن الوصول إليها دون اللجوء إلى استخدام النيران والسلاح.

ويعد الإعلام أهم أسلحة حروب الجيل الرابع على الإطلاق، وذلك باستخدام أجهزة الإعلام التقليدية، مثل قناة الجزيرة، أو تجنيد الإعلاميين أنفسهم، لقيادة الرأي العام والتأثير عليه وغيرها من القنوات وأجهزة الإعلام الجديدة، مثل مواقع التواصل الاجتماعي، بهدف تشتيت الرأي العام وتوجيهه، والسيطرة عليه، والتجسس عليه، ولاكتشاف من يمكن تجنيدهم كعملاء من خلال أفكارهم التي يطرحونها على مواقع التواصل، وقد تم تجنيد العديد من منظمات المجتمع المدني، والمعارضة، والعمليات الاستخبارية، لتشمل جميع الأدوات التي من شأنها زيادة النفوذ الأمريكي في أي بلد، لخدمة مصالح الولايات المتحدة الأمريكية وسياسات البنتاجون.

 

أ. د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

عدنان ابوزيداخترقت الكثير من الأيديولوجيات، الحواجز الجغرافية والعقائدية، وتحرّكت من مواطنها الأصلية، الى شعوب أخرى تبنّتها، وساهمت في انتشارها، أكثر من مدائنها الأم، في دلالة على اقتدار الأفكار على السريان والتأثير، أكثر حتى من العادات والتقاليد والعقائد الراسخة في الأصل، في المجتمعات.

وانعتاق الأيديولوجيات الى مفاهيم كونية، يعني غياب التعصّب، والانفتاح الثقافي، وسعي الشعوب الى الحقيقة، مهما كان مصدرها، على الرغم من ان الكثير من الأيديولوجيات، مرقَت عبر نوافذ زجاج يشوّه الرؤية، الأمر الذي جعلها ضحية الغموض وسوء الفهم.

غرست الماركسية بذورها في المانيا على يد كارل ماركس وفريدريك أنغلز، وتفتّحت في دول كثيرة بعيدة عن الموطن الأم، في روسيا والصين، وكوبا وكوريا ودول أخرى حالمة بثورة عالمية يفجرها الكادحون، كما اجتاحت الشيوعية حتى بلاد المسلمين المعروفين بتشبثهم بعقائدهم الروحية.

وانتقل الإرث الكفاحي للشيوعيين من كومونة باريس وموسكو، العام 1917 الى الصين بقيادة ماو تسي تونغ (1893–1976) الذي طور الماركسية اللينينية، وأنتشت أشجار نظريته في النيبال والهند والفلبين والبيرو، والمغرب العربي، وتركيا التي اعدمت الرمز الماوي ابراهيم كايباكيا. 

 ولاحقا، اجتاح الفكر الماوي حتى معقل الرأسمالية في العقود القريبة الماضية، فتأسّس الفكر الماركسي الماوي العام 1983، في جامعة هارفرد، متبنّيا الحرب الشعبية كوسيلة لتحقيق الحلم الشيوعي.

وفي الدول العربية، ترعرعت أحزاب تتبنّى الأيديولوجية الرأسمالية، وحاولت تقليد تجربة الدول الغربية، ثم أدركت ضرورة ان يكون لها مناهج على هدي خصوصيات شعوبها. وفي العالم الثالث، أتاح إرث الاستعمار والنضال ضد الإمبريالية، المجال لاستيراد ايديولوجيات جديدة، بدت دخيلة على الناس. 

ومع ظهور الحركة النازية في أوربا سنة (1919)، انقلبت المشاعر والأهواء القومية الى أيديولوجيات سياسية، هيمنت على التيارات السياسية في بلاد العرب، كما ألهمت العسكر، انقلابات وصناعة زعامات على شاكلة الزعيم الألماني أدولف هتلر، مثل ثورة العسكر في مصر العام 1952 ، وفي الجزائر وسوريا، وسعى السياسي العراقي رشيد علي الكيلاني مع عدد من الضباط الى الانقلاب على نظام بلاده في أبريل 1941، منفعلا مع المفاهيم القومية الألمانية.

وضرب الفكر الرأسمالي جذروه بعيدا عن مواطنه الأصلية في أوربا، فاجتاح بنظامه الاقتصادي اغلب دول العالم، وبسطت الرأسماليّة الماليّة هيمنتها، وصارت هي صاحبة القرار في الاقتصاد العالمي، فيما تكال لها الاتهامات بان أيديولوجيتها انتشرت عبر احتلال الشعوب، لكن يجب الاعتراف بانها نجحت في السطوة، أكثر من اية أيديولوجية أخرى.

وفي جانب انتشار العقائد الدينية، كانت المسيحية منذ ولادتها في فلسطين، الأكثر عبورا بين الشعوب في الألفية الماضية، فيما يشكّل الإسلام الذي خرج من عمق الصحراء العربية، واحدا من اكثر الأيديولوجيات الدينية التي تجذب اليها الشعوب الاخرى.

كل هذه الاختبارات الفكرية، أحدثت زعامات كونية، ومرجعيات، لها أتباع في كل الأمم، حيث تلائمها الشعوب على مزاجاتها وتأقلماتها الاجتماعية، وإرثها الثقافي، بعيدا عن العصبيّة. 

 

 عدنان أبوزيد

 

 

محمد المحسن"علمني وطني أنّ حروف التاريخ مزوّرة.. حين تكون بدون دماء.. "(مظفر النواب)

.. دماء غزيرة أريقت من أجساد شبابية غضة في سبيل أن تتحرّر تونس من عقال الإستبداد الذي إكتوت بلهيبه عبر عقدين ونيف من الزمن الجائر..

و من هنا، لا أحد بإمكانه أن -يزايد-على مهر الحرية الذي دفعت البراعم الشبابية أرواحها ثمنا له، ولا أحد كذلك يستطيع الجزم بأنّ ما تحقّق في تونس من إنجاز تاريخي عظيم تمثّل في سقوط نظام مستبد جائر، إنما هو من إنجازه.. لا أحد إطلاقا.. فكلنا تابعنا المشاهد الجنائزية التي كانت تنقلها الفضائيات في خضم المد الثوري الذي أطاح -كما أسلفت- برأس النظام مضرجا بالعار، ومنح الشعب التونسي تذكرة العبور إلى ربيع الحرية..

تلك المشاهد الجنائزية كان ينضح من شقوقها نسيم الشباب.. شباب وضع حدا لهزائمنا المتعاقبة، قطع مع كل أشكال الغبن والإستبداد، خلخل حسابات المنطق ، جسّد هزّة عنيفة مخلخلة للوعي المخَدّر والمستَلب، وصنع بالتالي بدمائه الطاهرة إشراقات ثورية قدر الطغاة فيها هو الهزيمة والإندحار..

هؤلاء الشباب عزفوا نشيد الحرية فتمايلت أغصان المجد طربا.. هؤلاء الشباب هم من قالوا للطاغية: إرحل.. قالوها بملء الفم والعقل والقلب والدّم.. لم ينل منهم الخوف ولا أثناهم عن عبور درب الألم، الرصاص المنفلت من العقال.. لقد رسموا بمواقفهم الشجاعة دربا مضيئا يعرف آفاقه جيدا عظماء التاريخ وكل الذين سلكوا درب الحرية من الأبطال والشهداء منذ فجر الإنسانية:صدام حسين، سبارتكوس، عماربن ياسر، عمرالمختار، يوسف العظمة، شهدي عطية، الأيندي، غيفارا وديمتروف.. وقد تجلّت في شجاعتهم كما في رفضهم الصارخ لكل أشكال الإستبداد، بطولة الإستشهاد وتجسّدت في نضالاتهم آسمى معاني الفعل الإنساني النبيل..

كان محمد البوعزيزي أوّلهم حين إرتدى لحافا ملتهبا بحجم الجحيم وخرّ صريعا كي تكتحل الأرض بدمائه ويتبرعم الربيع في بساتين الحرية.. ثم إرتقى الآخرون بقرارهم إلى منصة الإستشهاد بجسارة من لا يهاب الموت في سبيل التحرّر والإنعتاق..

واليوم..

ها هي تونس اليوم تغني نشيد الحرية فتتناغم القاهرة مع لحنها العذب، ويرقص الشباب في كل من طرابلس.. ودمشق.. والمنامة.. وصنعاء.. رقصة"زوربا اليوناني".. تلك الرقصة التي تعانق برمزيتها سماوات المجد والخلود..

هوذا "الربيع العربي" وقد أشرقت شمسه البهيّة على ربوعنا في الرابع عشر من شهر جانفي 2011، وها نحن نعيش في فيض إشراقاته..

لا تحيدوا بثورتكم المجيدة عن مسارها الصحيح.. هكذا قالت أم الشهيد.. ولا تنحرفوا بأهدافكم النبيلة عن الخط الذي رسمه الشهداء باللون الأحمر القرمزي..

هكذا-أوصتني-جارتي التي إكتوت بلهيب الفراق حين لبّ إبنها الوحيد نداء الحرية وقدّم

نفسه مهرا سخيا -لعرس الدم-..

الحرية يا-سادتي الكرام-شجرة لا تتغذّى بغير الدّماء.. إمرأة ميثولوجية تسكن الرّيح، وتعوي مع ذئاب الفيافي.. قمر في بلاد ليس فيها ليال مقمرة ولا أصدقاء.. أحلام ثوار سقطت أوهامهم في خريف العمر.. -بيوت تونسية-تعبق بعطر الشهداء.. رجف يستبدّ -بتونس- قبيل إنبلاج الصباح.. كلمة حق ترفرف في الآقاصي لتعلن أنّ الصبح قد بان..

هل صادفتم هذه الأيقونة المبتغاة (الحرية) في منعطفات الدروب؟

هل استنشقتم عطرها إلا في جيوب الشهداء المحشوّة بالرصاص، إلا في حقائب المهاجرين الذين شردتهم أوطانهم وأوهام الشعراء..؟

هل سمعتم بإسمها إلا في الخطابات الرنانة، روايات المعارك والملاحم والبطولات؟..

من عرفها إلا تمثالا وبيارق، شعارا ونشيدا.. من دقّ ب"اليد المضرجة"بابها ففتحت له ودخل ملكوتها؟..

من شارك الحشود في أعراسها قبل أن يعود إلى بيته متخما بالمواجع؟

وإذن؟

لست أدري إذا، لماذا ينسب للحرية غالبا لون الدّم، مع أنّه أصلا الدليل القاطع على غيابها !..

لماذا يقترن إسمها بأحداث ملفقة وأفكار مزوّرة، كأنّ الواقع المترجرج وحده لا يكفي؟!..

إننا لا نستحقها، إلا حين ندفع مهرها، وحين ندفع الثمن لا نعود نستحقها، فالحرية رهان خاسر على مستقبل البشرية، الذين يبشرون بها هم الذين اعتادوا على غيابها، فلو تحقّقت بطل مبرّر وجودهم، -اسألوا الشهداء-كم كتبوا إسمها سدى في كل مكان..

اسألوا الفقيد محمد البوعزيزي حين عانقها للمرّة الأخيرة، واسألوا سيزيف هل بوسعه الإنعتاق من لعنة الآلهة.. اسألوا السجانين ونزلائهم عنها..

الحرية خيانة دائمة للذات، فمن يجرؤ على مخاصمة نفسه وزعزعة قناعاته والتخلّص من عاداته والتنازل عن إمتيازاته.. أعرف أنّ المقاومين يعيشون من أجلها، ولهذا فمصير معظمهم-الإستشهاد-وأنّ الفدائين يعطونها زهرة أعمارهم، لكنها لا ترتوي!

انظروا كتب التّاريخ، أعرف أنّه لا مفر من مواصلة سعينا، من دحرجة الصخرة نفسها على درب تسوياتنا اليومية وتنازلاتنا..

ولكن..

الحرية أمنية مشتهاة.. هكذا قيل، ولكنّها أيضا مكلفة، هكذا أرادت-أم البوعزيزي- أن تقول، لكن يقال أنّ هناك من لمسها بيده في لحظة إشراق، هناك من لمس استحالتها، فقرّر أن يستشهد في سبيلها، عساها تكون، وحتما ستكون، وعلينا جميعا -في مثل فجر بهيج كهذا-أن نرقى بقرارنا إلى منصّة الصمود والتحدي.. وقطعا سننتصر.. ذلك هو الممكن الوحيد..

.. فالحرية صراع لا ينتهي.

-ولن تنحني تونس ولا شعبها.

لست أحلم

ولكنّه الإيمان، الأكثر دقّة في لحظات الثورة التونسية العارمة، من حسابات –حفاة الضمير-

 

محمد المحسن - كاتب صحفي تونسي

عضو في إتحاد الكتاب التونسيين-

 

محمود محمد عليمنذ اندلاع الأزمة بين المملكة العربية والسعودية والسؤال الذي يطرح نفسه: هل من المعقول أن تصريحات وزير الإعلام اللبناني "جورج قرداحي" قبل أن يصبح وزيراً للإعلام يمكن أن تؤدى إلى أزمة بهذا الحجم بين البلدين يمكن أن تؤدي إلى أزمة من شأنها أن تحمل آثاراً كارثية على سواء من خلال المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

ولكى نفهم الأسباب الحقيقية للموقف السعودى المتشدد تجاه لبنان فلا تشغل نفسك بتصريحات "جورج قرداحي"، لأن الموقف السعودي لا علاقة له لا بقرداحي ولا بتصريحاته ولو لم تكن هناك تصريحات قرداحي لبحثت المملكة العربية السعودية عن سبب آخر لمعاقبة الحكومة اللبنانية والقوى اللبنانية السياسية الأخرى .

الأسباب الحقيقية موجودة في أربع مدن ليس من بينها بيروت، وأقرب مدينة من هذه المدن الأربعة على بعد ألف كيلو متر تقريبا من بيروت، وهي العاصمة العراقية بغداد، أما المدن ألخرى فهي طهران ومأرب اليمنية والعاصمة الأمريكية واشنطن.. القضة باختصار أن هناك مفاوضات صعبة وربما متعثرة بين السعودية وإيران في العاصمة العراقية بدات في إبريل الماضي، وفي هذه المفاوضات الصعبة يسعي كل من الطرفين: السعودية وإيران لتعزيز أوراقهما التفاوضية، فاختارت إيران التصعيد العسكرى في مارب، واختارت السعودية الرد في بيروت، كيف ؟ .. ولماذا؟ .. وهذا يقتضي أن نفهم القصة من البداية !!

والقصة هنا هي قصة الأزمة والمعروفة بأزمة " جورج قرداحي".. الأزمة بين السعودية ولبنان تبدو ظاهريا وأنها قد نتجت عن تصريحات " جورج قرداحي"، وقد كان الإعلامي المعروف " جورج قرداحي" قد أصبح وزيرا للإعلام في حكومة نجيب ميقاتي الحالية، والتي تشكلت في شهر سبتمبر الماضي، وقبلها بنحو شهرا حل الإعلامي " جورج قرداحي " على برنامج  والمعروف ببرلمان الشعب على قناة الجزيرة، وهو برنامج افتراضي حيث يلعب فيه شباب دور البرلمانيين ويلعب فيه الضيف دور المسؤول، والبرلمانيون يستجوبون المسؤول .. لا الشباب برلمانيين ولا " جورج قرداحي" مسؤوا .. برنامج افتراضي لطيف ومسلي .. الشباب سألوا " جورج قرداحي" أسئلة كثيرة، ومن يتابع الحلقة إن أراد فتقديري أن " جورج قرداحي أراد أن يرضي الجميع، لكنه تورط في السؤال الخاص بالحوثيين .. هل لنه لم يكن مستعدا للسؤال؟ .. اعتقد أنه لم يكن مستعدا للسؤال .. لكن سواء إن لم يكن مستعدا أو أنه عن قصد أراد أن يعبر عن وجهة نظره بوضوح، فقد أساء للمملكة العربية السعودية، وذلك لأنه وصف حرب اليمن بأنها حرب بلا طائل، وما لا تستطيع المملكة العربية السعودية وحلفائها تحقيقة في سبع سنوات، فمن الغير المنطقي أن تتوقع أن تحققه في السنوات المقبلة، واعتبر قرداحي أن الحوثين في حالة دفاع عن النفس أمام عدوان خارجي، أي أن السعودية وحلفائها يعتدون على اليمن على الحوثيين .

وبطبيعة الحال فإن هذه التصريحات لا يمكن أن ترضي المملكة العربية السعودية على الإطلاق، لكن "جورج قرداحي" سارع بالتفسير والرد، وقال: ما قلته في هذا البرنامج، كان مسجلا قبل أن أصبح وزيرا، أي أنه كان يعبر عن آراءه الشخصية، بل أراد قرداحي أن يبعد أكثر من ذلك ويعبر عن حبه للسعودية وللأمارات العربية باعتبارهما وطنا ثانيا له، وقال: أما وقد اصبحت وزيرا، فأنا أعبر عن الموقف الرسمي للحكومة اللبنانية، وهذا الموقف الغرض منه هو دعم السعودية وحلفائها في اليمن علي حربهما على الحوثيين، واعتبار الحوثيين تمثل قوي انقلابية، وأن حرب السعودية في اليمن هي حرب شرعية ومشروعة .

وفي كل الحوال فإن هذا التفسير لم يرضي الحكومة السعودية التي صعبت الأمور أكثر وأكثر، فقامت باستدعاء سفيرها من بيروت، وقامت بطرد السفير اللبناني من السعودية، واعقبت هذين القرارين بمنع الصادرات الللبنانية إلى المملكة العربية السعودية، وتجاوب مع المملكة كل من اكلويت والإمارات والبحرين، واتخذوا نفس الحطوات التي اتخذتها المملكة تقريبا، وهو الأمر الذي وضع حكومة نجيب ميقاتي في مأزق، وذلك لأن ميقاتي أمام واحد من إختيارين، وهو إما أن يقيل " جورج قرداحي "، أو أن يبقي عليه !! .. إن أقاله فهذا يعني تقريبا إنهيار الحكومة اللبنانية !!.. علاوة علي أن جورج قرداحي ينتمي إلى تيار " المردة"، هو حزب سياسي لبناني يرأسها حاليا الوزير السابق سليمان طوني فرنجيّة الذي قادت عائلته تقليديا التنظيم، وهو أيضا واحد من الأحزاب المارونية في لبنان .. ولبنان مقسمة إلى مجموعة من القوي الرئيسية: المسيحيين الموارنة، وباقي الطوائف المسيحية الأحري، والموارنة هم أكبر طائفة مسيحية في لبنان، إضافة إلى الشيعة والسنة ..  وكل كتلة من هؤلاء من هذه الكتل الطائفية الثلاثة توجد طائفة أخرى من الأحزاب، وتيار المردة يعد حزب مسيحي ماروني من ألحزاب المسيحية الأخري وهو متحالف مع حزب الله، ومن ثم فوجود " جورج قرداحي " معناه أنه يمثل تلط اطلائفة المسيحية بتحالف مع حزب الله، وهذا ما يعني في أنه لو أُجبر على الاستقالة فربما يؤدي ذلك إلى سقوط حكومة ميقاتي بلا شك، وذلك أسوة بما حدث في 2011 عندما قرر أيضا حكومة حزب الله أو وزراء حزب الله والمتحالفون معه الإنسحاب من حكومة سعد الحريري احتجاجا على المحكمة الدولية للتحقيق في اغتيال " رفيق الحريري" عام 2005 ومن ثم سقطت حكومة الحريري .. وإذا قرر ميقاتي الإبقاء على جورج قرداحى سوف يعني ذلك غضبا سعوديا خليجيا يساوي شلل للاقتصاد اللبناني، حيث لينان تتفنس اقتصاديا من مجموعة من المصادر الخارجية وعلى رأشها الخليج وتحديدا السعودية، الأمر الذي يعني أيضا سقوط حكومة ميقاتي .

طبعا من الممكن أن يتقدم " جورج قرداحي " باستقالته ويتم نزع فتيل الأزمة مؤقتا، لكن سوف تظل الخلافات الجذرية بين السعودية من ناحية، وبين حكومة ميقاتي والقوي السياسية اللبنانية كما هى، الأمر الذي يأخذنا إلى  السؤال الذي كنا قد طرحناه في أول المقال وهو: هل تصريحات جورج قرداحي تستحق كل هذه التبعات ؟

والإجابة كما بينا وهو أن الموقف السعودي لا علاقة له بتصريحات قرداحي، والذي يقول ذلك هو وزير الخارجية السعودي وهو الأمير فيصل بن فرحان"، وهذا الأمير في تصريحات متكررة منها تصريحات قناة CNBC في 31 أكتوبر الماضي قال أنه لا يعتقد أن ما يجري بين السعودية ولبنان يمكن أن يوصف بأنه أزمة، ونحن توصلنا إلى خلاصة بان التعامل مع لبنان وحكومته الحالية لم يعد مثمرا أو مفيدا .. وأضاف مع سيطرة حزب الله على المشهد السياسي ومع ما نراه من امتناع مستمر من هذه الحكومة والقداة السياسيين اللبنانيين عامة امتنعهم عن تطبيق الاصلاحات الضرورية أي دفع لبنان باتجاه تغيير حقيقي، فقد قررنا أن التواصل لم يعد مثمرا ولا مفيدا وفي مصلحتنا ..  (ومن المعروف أن مفهوم الإصلاحات الضرورية يعني محاصرة الضاري لحزب الله في لبنان وبلبنان من وجهة نظر السعودية على الأقل) .. كما قال الوزير: مع استمرار سيطرة حزب الله على المشهد السياسي، ومع ما نراه من امتناع مستمر من هذه الحكومة والقادة السياسيين اللبنانيين عامة عن تطبيق الإصلاحات الضرورية، والإجراءات الضرورية لدفع لبنان باتجاه تغيير حقيقي، قررنا أن التوصل لم يعد مثمرا أو مفيدا، ولم يعد في مصلحتنا " ... وعما إذا كان تصريح قرداحي عن ان الحرب في اليمن بلا جدوى هو أيضا ما خلصت إليه السعودية وتحاول الخروج من اليمن، قال الأمير فيصل بن فرحان إن " تصريحات الوزير عرض لواقع، واقع أن المشهد السياسي في لبنان ما زال يسيطر عليه حزب الله، وهو جماعة إرهابية، وبالمناسبة تقوم بتسليح ودعم وتدريب مليشات الحوثيين " .. واضاف وزير الخاريجة السعودي: " بالنسبة لنا، الأمر أكبر من تصريحات وزير واحد، إنه مؤشر على الحالة التي وصلت إليها الدولة الللبنانية " .. الخلاصة هو أن السعوديين عاضبون ليس من تصريحات قرداحي بل إن تصريحاته كانت مجرد شرارة، ولكن غاضبون بسبب نفوذ حزب الله ومن وراءه إيران .. لكن إذا كان السبب هو حزب الله وإيران فيمكننا أن نطرح هذا السؤال: ما هو الجديد ؟ .. إن حزب الله هو القوة الأكبر سياسيا وعسكريا في لبنان منذ سنوات طويلة، وعلاقة حزب الله بإيران معروفة للقاصي والداني منذ تأسيسه في لبنان عام 1982 لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، ولولا الدعم الإيراني لحزب الله منذ ذلك الوقت ما بقي حزب الله للآن ..

إن الجديد كما يري الأستاذ سيد جبيل يمكن فهمه من خلال مجريات الأحداث في بغداد ن حيث تجري مفاوضات بين إيران والسعودية والتي كانت قد بدأت في إبريل الماضي واستمرت لأربعة جولات، وهذه المفاوضات إما أنها صعبة جدا، أو أنها متعثرة، وذلك بسبب الخلاف بين الإيرانيين والسعوديين (حيث حاول السعوديون أن يمدهم إلى الإيرانيين لعدة أسباب من أبرزها التغير الكبير في الإدارة الأمريكية والسياسات الأمريكية في المنطقة، فأردت السعودية أن تعالج مشاكلها الخاحرية بالتفاوض مع المصدر الأساسي لتلك المشاكل، وهي إيران، وقد قبلت إيران ذلك لتخفيف الضغوط الإقتصادية الواقعة علي عاتقها، لكن هناك اختلاف على آلية الوصول لتلك الأهداف، حيث إن أهم شئ ترغب فيه السعودبة من التفاوض هو تهدئة الجبهة اليمينية، فالسعوديون يدركون أن الحوثيين ليس إلا مخلب قط صنعه الإيرانيين للسعوديين وبالتالي لا بد من التهدئة والضغط على الحوثيين للدخول في التفاوض.. الإيرانيون مستعدون لتحقيق هذا الهدف ولكن ليس الآن، لأن من صملحة الإيرانية أن يتأخروا قليلا على الأقل لعدة شهور حتى ينتهى الحوثيون بدعمهم من إتمام السيطرة على محافظة مأرب .. ومن المعروف أن الحرب في اليمن بدأت في 15 مارس 2015 وكان توقع السعوديون أن هذه الحرب سوف تُحسب خلال أسابيع وعدة شهور، إلا أنها استطالت لسبع سنوات ولا يدبو أن لا نهاية لها تلوح في الأفق، وخلال تلك السنوات نجح للأسف الحوثيون في السيطرة تقريبا على كامل الشمالية، وتبقي فقط محافطة مارب، وهذه المحافطة تمثل آخر معقل رئيسي لحومة الرئيس هادي، وهي الحكومة الشرعية التي تدعمها السعودية، ولذلك فهي بالغة الأهمية إلى الحد الذي يدفع عدد من العسكريين والسياسيين والمراقبين لاعتبارها نقطة حسم يمكن أن تنهي نهاية أو مصير تلك الحرب الطويلة، وذلك لأنه تمكن الحوثيين السيطرة علي مأرب فهذا سيترتب عليه مجموعة من النتائج لكل الأطراف، حيث إنه بالنسبة للحوثين فهذا يجعلهم يسيطرون بالكامل على اليمن الشمالية تقريبا وبالتالي سوف يصبحون بلا أي مافس لهم في اليمن الشمالية، وبالنسبة لكامل اليمن فسنكون أمام " يمن منفصل" بشكل عملي تماما، ؛ أي يمن شمالي يحكمه الحوثييين، ويمن جنوبي يحكمه المجلس الانتقالي الراغب في الانفصال بحنوب اليمن عن شماله ..

ونعود إلي السؤال الذي بدأناه ولا بد أن ننهيه .. وهو ما الآثار المترتبة المترتبة علي المملكة العربية السعودية إذا نجح الحوثيون الانتصار في معركة مارب سوف يسيطرون على كامل اليمن الشمالية ؟ .. وهذا أحد سيناريوهات أحلاهما بالغ المرارة للمملكة العربية السعودية .. والسيناريو الأيجابي والأقل ضررا وهو أن الحوثيين إذا سيطروا علي محافطة مأرب سوف يقبلون بمفاوضات مع السعودية على مستقبل العلاقة بين البلدين، لكن في هذه الحالة سوف يتفاوض الحوثيون ومن ورائهم إيران من موقع القوة، وبالتالي يستطيعوا أن يملوا شروطهم، وهذا أمر صعب جدا تقبله المملكة العربية السعودية، لأنها هذا معناه أنها ستسمح لإيران بالتمدد علي كامل حدودها الشرقية ...

هذا هو السيناريو الجيد، أما السيناريو السيئ، وهو أن يسيطر الحوثيون علي محافظة ما{ب، وهذا لن يتم في نظر المملكة وبالتالي السيطرة علي كل اليمن الشمالية وخليج عدن وبحر العرب والطرق المؤدية إلى باب المندب والبحر الأحمر ولا يكتفوا بذلك ولكن يواصلون استفزازتهم للسعودية ... وهنا نجد أن إيران من وقت آخر تلمح بأنه إذا استطالت الحرب فقد لا يكتفي الحوثيون بالسيطرة علي اليمن الشمالية فقط ولكن يمكن أن يعيدو النظر في اتفاق الطائف الذي تم توقيعه بين البلدين بعد انتصار السعوديون على اليمن عام 1934 وأدى إلى سيطرة المملكة العربية السعودية علي ثلاثة مناطق كانت محل نزاع مع اليمن وهي: ونجران، عسير، وجيزان، الأمر الذي يمثل تهديد لوحدة السعودية ومنازعة السعودية في حدودها الجنوبية .. لا شك أنها نتائج خطيرة، وهنا نجد أن السعودية لن تتنظر أن يصل الحوثيون لمرادهم بالسيطرة علي محافظة مأرب، ومن ثم تكون المفاوصات التي كانت تتمناها السعودية منإيران لم تعد مجدية ..

وهنا نستنتج من كل ما سبق بأن المفاوضات التي جرت بين السعودية وإيران في بغداد ستشهد نوع الفتور أو التعثر، وهذا ما عبر عنه وزير الخارجية السعودي عندما قال بأن المفاوضات والمباحثات التي كانت بيننا وبين الإيرانيين دافئة، إلا أنها لم تحقق شيئا يذكر، وكذلك عبر عنها وزير خارجية إيران حين قال: المفاوضات مع السعوديين تسير ببطء شديد.

 

أ. د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

....................

المراجع

1- سيد جبيل: المهمة الأخيرة لإيران في اليمن تشعل العلاقات السعودية اللبنانية.. يوتيوب..

2-  صواريخ أمريكية للسعودية.. هل تغير معادلة الحرب مع الحوثيين؟.. روسيا اليوم.. يوتيوب..

3- هل تتحول أزمة لبنان مع السعودية لقطيعة شاملة؟ .. روسيا اليوم.. يوتيوب..

 

 

مصعب قاسم عزاويلا بد عند النظر في مسألة الشعب الكردي والقضية الكردية عموماً، وعلاقتها بالعالم العربي، من الانطلاق من مسلمة يتجاهلها الكثير من دعاة الفكر الشعبوي القافز فوق حقائق التاريخ، وتلك المسلمة تكمن في أن الأكراد هم السكان الأصليون في الأرض التي يقيمون عليها، باتصال لم ينقطع منذ الألف الثالث قبل الميلاد في مملكة الحوريين، وما تلاها في مملكة ميتاني في الألف الثاني قبل الميلاد التي تم استدماجها حضارياً في النسيج الفسيفسائي للحضارة الآشورية في وادي الرافدين في حوالي القرن الثالث عشر قبل الميلاد.

وتلك الأطروحة مهمة لأجل تفكيك سياقات الخطابات الشعبوية العنصرية بشكل موارب أو غيره والتي تنظر إلى الأكراد كأنهم جسم أجنبي غريب عن نسيج بلاد الشام ووادي الرافدين ومنطقة بلاد الأناضول وهو طرح غير صحيح من الناحية التاريخية والحضارية والأخلاقية الفكرية.

ومن ناحية أخرى فإن الشعب الكردي يعيش مشتتاً بين الدول المصطنعة التي قَدَّها المستعمرون البريطانيون والفرنسيون على قياس مصالحهم الاستعمارية الإمبريالية عقب انتصارهم في الحرب العالمية الأولى على السلطنة العثمانية، واحتيالهم الخبيث على العرب المنضوين تحت لواء الثورة العربية الكبرى التي كان ممثلها الرسمي الشريف حسين. وهو الاحتيال الذي تمخض عن إجهاض حلم العرب بدولة عربية كبرى تشمل الأقاليم والولايات والسناجق التي كان أبناؤها يتحدثون باللغة العربية في شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام ووادي الرافدين، بالإضافة إلى إدخال الشعب الكردي في قائمة الشعوب المظلومة التي تم تهشيم حقها الطبيعي والأخلاقي في تحقيق مصيرها، والتعبير عن هويتها التاريخية والثقافية والحضارية بالشكل الذي يتسق مع إرادات أبنائها، عبر إرغامها على الانضواء في هويات وطنية قسرية فرضت عليها عنوة بقوة حديد ونار المستعمرين الإمبرياليين. وقائمة الشعوب المظلومة التي أجهض المستعمرون حقها في تقرير المصير عقب انتصارهم في الحرب العالمية الأولى طويلة الكثير من خباياها المهولة تاريخياً في إيلامها شبه ممحية من ذاكرة بني البشر التاريخية، وهي القائمة التي يتصدر قد صفحتها الأولى الشعب الكردي، والشعب الفلسطيني، كما هو حال شعوب تركستان الشرقية، والتيبت، والروهينغا، وآسام، والبلوش، والأبخاز، والقرغيز، والشيشان، والتتار، وسكان بورتوريكو، وتيمور الشرقية، ومسندم، والأحواز، والصحراء الغربية، والقائمة تطول ولا تنتهي.

وجدير بالذكر أن المذبحة الأولى لأبناء الشعب الكردي باستخدام أسلحة التدمير الشامل الكيميائية كانت في عشرينيات القرن العشرين بيد المستعمرين البريطانيين، وبأوامر من فقيه العنصرية والبربرية الاستعمارية الإمبريالية ونستون تشرتشل الأب الروحي للسياسة البريطانية في القرن العشرين وحتى اللحظة الراهنة. وهي الإبادة الجماعية التي قام البريطانيون بها كجزء من عمليتهم الجراحية لتصنيع دولة العراق عبر الإدماج الاعتباطي لولايات البصرة وبغداد والموصل العثمانية وتخليق دولة منها، وبشكل لا يتفق مع حقائق التاريخ والعلاقات الاجتماعية وحتى القبلية والاقتصادية في المنطقة، والتي كانت تنطوي مثلاَ على ارتباط وطيد للموصل بولاية حلب التي أصبحت سورية تحت الاستعمار الفرنسي، وولاية بغداد بلواء دير الزور الذي أصبح من ضمن دولة سورية الصغرى التي مثلت حصة الفرنسيين من إرث الدولة العثمانية في بلاد الشام، وولاية البصرة بإمارة وحامية الكويت العثمانية، التي أصبحت محمية بريطانية ودولة مستقلة لاحقاً. وحادثة الإبادة الجماعية للأكراد إبان الثورة العراقية الكبرى في عشرينيات القرن المنصرم، تتمتع بخصوصية كبرى إذ أنها حدثت أيضاً في نفس المواقع التي قام نظام صدام حسين الاستبدادي بإبادة أبناء الشعب الكردي باستخدام نفس الأسلوب البريطاني في غير مرة أهمها ما حدث في مدينة حلبجة في العام 1988، والذي تم اعتباره إثباتاً على وحشية صدام حسين لاحقاً في سياق التأجيج الاستعماري لحرب الخليج الثانية، دون الالتفات إلى أن ما قام به صدام حسين من إبادة جماعية للأكراد المظلومين لا يختلف كثيراً عما قام به وزير الحربية البريطاني آنذاك ونستون تشرتشل، والذي عبر عن استهجانه لذلك السلوك «المثير للاشمئزاز والغثيان» من أولئك الذين يرفضون «استخدام الغاز السام ضد القبائل البدائية»، والتي كان يعني بها القبائل الكردية في شمال وادي الرافدين، في لغة عنصرية وفاشية لا تحتاج تفسيراً أو تأويلاً. وما قد يظهر بجلاء جوهر نهج القوى الغربية في التعامل الخبيث المخاتل والانتهازي في آن معاً مع الأكراد والقضية الكردية قد يفصح عن نفسه في تآمر الأمريكان مع وكيلهم في المنطقة في سبعينيات القرن المنصرم شاه إيران، لتحريض الأكراد المقيمين داخل حدود العراق للانتفاض على نظام أحمد حسن البكر الذي كان يشغل فيه صدام حسين منصب نائب الرئيس والرجل الأقوى في ذلك النظام، وذلك لتخليق ورقة تفاوضية جديدة في نزاع العراق مع إيران حول ترسيم الحدود، وخاصة فيما يتعلق بمدخل العراق إلى الخليج العربي. وهي الانتفاضة التي استمر نظام الشاه في دعمها بضوء أخضر من أولياء استمرار نظامه آنذاك في واشنطن بشكل يضمن توحل النظام العراقي في مفاعيل مستنقعها، ولكن دون السماح بحصولها على دعم كاف قد يؤدي إلى انتصارها وتحقيقها للأهداف الموضوعية التي ظن الأكراد المظلومون أنها غايتهم في ثورتهم على نظام شعبوي أدمن تهميشهم سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وهو الدعم الذي استمر على تلك الشاكلة والمستوى إلى حين قبول صدام حسين المكلف آنذاك بالملف الإيراني بكل شروط الإيرانيين، فما كان من أولئك الأخيرين إلا أن قطعوا كل أشكال الإمداد عن المنتفضين الأكراد، وتركوهم فريسة مشرعة لكل أشكال الإفناء والتدمير على طريقة النظم الاستبدادية التي لا ترى في شعوبها إلا شكلاً من أشكال العبيد لا خيار لهم في حيواتهم سوى التسبيح بحمد المستبدين والطغاة، ودون تنطع الأمريكان آنذاك حتى للقيام بإغاثة مدنية لمئات آلاف المهجرين والجوعى الذين أفرزتهم حملة صدام حسين الوحشية على كل الجغرافيا التي يقيم فيها الأكراد في حدود الدولة العراقية التي رسمها السادة المستعمرون من قبل بالحديد والنار وأسلحة ونستون تشرتشل «رائد السلام والتحضر» على الطريقة الإمبريالية الخالصة.

وفي مطلع ثمانينات القرن المنصرم، إبان الحرب العراقية الإيرانية، كان هناك انفراج جزئي في علاقة نظام صدام حسين بالأكراد، نظراً لحاجته لتخفيف التوتر في جبهته الشمالية، وتبئير قدراته التدميرية في حربه العدمية مع إيران، ولأجل استخدام أبناء الشعب الكردي كمجندين في حرب المعادلة الصفرية تلك؛ وهو ما تمخض عن تهدئة وشكل من أشكال الحكم الذاتي في المناطق الكردية استمر تقريباً إلى العام 1984، وهو ما لم يرق للنظام العسكري في تركيا آنذاك خاصة أن نموذج من الحكم الذاتي المستقر للأكراد في شمال العراق كان بمثابة التهديد الوجودي الجذري لبنيته القمعية الأمنية، نظراً إلى أن الأكراد يشكلون أكثر من ربع سكان الدولة التركية الحديثة، بحسب دراسات وأبحاث مدققة قام بها الصحفي المخضرم روبرت فيسك، على الرغم من إنكار الساسة الأتراك لتلك الحقيقة الدامغة. فما كان من الساسة الأتراك إلا استغلال حاجة نظام صدام حسين لأنبوب تصدير النفط العراقي عبر الأراضي التركية، والذي كان يمثل السبيل الوحيد لتصدير النفط العراقي إبان الحرب العراقية الإيرانية، لعدم تمكن العراق آنذاك من تصدير نفطه عبر شط العرب المشتعل جبهة حربية مشرعة آنذاك، وهو ما أفرز خضوع صدام حسين للضغط التركي والتراجع عن اتفاقاته مع الأكراد وتهشيمه لترتيبات الحكم الذاتي التي كانت سارية لبضع سنين قبل ذلك، والعودة إلى نظام الترهيب والطغيان المنفلت من كل عقال إنساني أو موضوعي، وهو ما استمر في إبراز كينونته الصديدية فيما تبقى من أمد الحرب العراقية الإيرانية، ومن ثم في مفاعيل غزو الكويت المشؤوم في العام 1990.

والتواطؤ المريع للنظم الغربية وخاصة الولايات المتحدة وبريطانيا في مأساة الشعب الكردي المظلوم أعاد الإفصاح عن وجهه المتقيح مرة أخرى في غضهم النظر عن قيام قوات النخبة العراقية التي لم ينلها من قصف الحلفاء الكثيرُ في حرب «عاصفة الصحراء» في العام 1991، بالقيام بقمع انتفاضة الشعب العراقي في الجنوب والشمال، والتي قامت بوأدها بشكل لا يختلف عن «إبداعات»  الإبادة الجماعية التي أتقنتها النظم الاستبدادية في العالم العربي، دون أن يتنطع أي من «أبواق حقوق الإنسان الخلبيين» من الساسة في الغرب بمطالبة القوات الأمريكية الموجودة على الأرض حينئذ بمنع الطائرات العمودية العراقية من دك المواطنين المدنيين على مرأى ومسمع تلك القوات الغربية، إذ أن هدف إسقاط نظام صدام حسين لم يكن على قائمة أهدافها آنذاك، وهو ما كان يعني تأجيل المناداة «بالانتصار لحقوق الإنسان العراقي المهان» إلى حرب الخليج الثانية التي أصبح ذلك الهدف على رأس قائمة أهدافها «لغاية في نفس يعقوب»، ومن والاه واتبعه من المحافظين الجدد في الولايات المتحدة، بعد أن لم تفلح ذريعة استئصال أسلحة التدمير الشامل العراقية في إيجاد ما تستأصله في العراق المكلوم بعد سني الحصار العجاف.

ولم يكن حال الأكراد في حدود سورية الصغرى ممثلة في ما يدعى بالجمهورية العربية السورية أفضل من أقرانهم في عراق صدام حسين، إذ لم يتعامل طغاة سورية المترعون بالفكر السوفييتي الشمولي الذي يريد خلط ماء الاشتراكية على الطريقة القمعية الأمنية الستالينية بزيت عفن الفكر القومي العنصري «ذي الرسالة الخالدة» على طريقة موسوليني الفاشية في مطلع القرن العشرين، مشخصاً في عقيدة حزب البعث العربي الاشتراكي «قائد الدولة والمجتمع»، مع مواطنيهم من الأكراد سوى كما لو أنهم «أغيار» أو «مواطنون من الدرجة الثانية» كحد أدنى، لا بد من تدجينهم، وتهجيرهم من أرضهم وأرض آبائهم وأجدادهم، بشكل لا يختلف عن ممارسات الكيان الصهيوني في تهجير العرب الفلسطينيين من أرضهم؛ وهو ما تجلى فيما سمي آنذاك بحملة توطيد «الحزام العربي» التي انطوت على إرغام وترغيب القبائل العربية وخاصة من عشائر «الجبور» و«العقيدات» لتراك قراهم الزراعية على ضفاف نهر الفرات، والاستيطان في المناطق الزراعية الأكثر خصوبة في سورية لإنتاج القمح والممتدة في السهول الشمالية على امتداد خط الحدود الدولية بين سورية والعراق و تركيا، والتي يمثل الأكراد معظم سكانها التاريخيين أباً عن جدٍّ.

وذلك النموذج من التعامل العنصري الإقصائي مع الشعب الكردي في سورية والعراق، والذي كان يحدث بالتناغم مع الحملة الممنهجة لوأد الأكراد شعباً وثقافة وتاريخاً في تركيا المعاصرة بالحديد والنار وكل أشكال وتلاوين القمع والطغيان بشكل لا يختلف عن ذلك النهج الاستئصالي الذي مارسته وتمارسه السلطات الصينية راهناً بحق المظلومين من سكان تركستان الشرقية، أدى إلى تمترس ارتكاسي دفاعي لأبناء الشعب الكردي وانزياحهم تجاه وعي قومي ضيق الأفق في الكثير من الأحيان، يفصلهم عن محيطهم التاريخي والحضاري الذي كان فيه التداخل بين الناطقين بالكردية والعربية والآرامية من قبلها الحالة الطبيعية للمنطقة، التي لا استثناء في تفاخر كل أبنائها بانتصار السلطان صلاح الدين الأيوبي على الغزاة الصليبيين متناسين بأنه كان كردي الدم، وتركي اللسان، وحاكماً لبلاد الشام والرافدين ووادي النيل، في نموذج ناصع من التآخي الحضاري المثمر، الذي يرى في تعدد الثقافات والمرجعيات عنصر قوة لا ضعف، و الذي قد يستقيم القول بأنه السبيل الوحيد لإيجاد مخرج من حالة الاستعصاء في التاريخ المعاصر لعلاقة الشعب الكردي بمحيطه التاريخي، والتي لا تعني بأي شكل من الأشكال انتقاصاً من حقه الطبيعي في تحقيق مصيره بالشكل الذي يرى أبناؤه بأنه أنسب لهم، ومن ثم اتخاذهم قرارهم الحر والمستقل في «الزواج» السياسي أو الاقتصادي مع المجتمعات المحيطة بهم سواء كانت تُعَرِّف نفسها بالعروبة أو غيرها بشكل يشترط أن يكون ذلك الزواج «برضا وقبول» كل من سوف يجب عليهم أن يشاركوا بغنمه وغرمه، لا أن يكون «زواجاً بالإكراه» كما هو الحال البائس القائم الآن، والذي رسم معالمه وحدوده المصطنعة السادة المستعمرون الإمبرياليون في مطلع القرن العشرين، وفاقم مفاعيله الوحشية الطغاة المستبدون بكل أشكالهم وتلاوينهم الحربائية التي طالما حاولوا  تورية وتقنيع «بشاعتهم ورغاءهم» بأستارها سواء كانت شعبوية قومية أو وطنية استقلالية أو غيرها من الأقنعة التي لا يمكن أن تخفي من جوهرهم الاستبدادي الفاسد المفسد شيئاً في منظار أي مراقب متعقل موضوعي حصيف.

 

مصعب قاسم عزاوي

 

 

ابراهيم أبراشتحولت جمهورية مصر العربية في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى ورشة بناء ليس فقط عمرانية بل ومجتمعية واقتصادية، خلال سنوات قلائل خرجت مصر من عنق الزجاجة ومن حالة الفوضى المترتبة على فوضى ما يسمى الربيع العربي وسيطرة الإسلاموية السياسية إلى حالة من الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي والقضاء على بؤر العنف والإرهاب، واستعادت مكانتها ودورها الطبيعي عربيا وإقليميا وهو الدور الذي كانت تتبوأ تاريخيا .

لا شك أن تحديات كثيرة داخلية وإقليمية ما زالت تواجه مصر سواء تعلق الأمر بإنجاز استراتيجية حقوق الإنسان أو مواجهة الزيادة الكبيرة في عدد السكان ومتغيرات المناخ، واقليميا تداعيات بناء اثيوبيا لسد النهضة وعدم استقرار الأوضاع في ليبيا والسودان وتأثير ذلك على الأمن القومي المصري، والمواقف غير الودية لدول إقليمية مثل إسرائيل وتركيا وقطر وإيران،  إلا أن قدرة مصر على مواجهة كل هذه التحديات مرتبط بالاستقرار السياسي وقوة مؤسسات الدولة وخصوصا المؤسسة العسكرية، وقوة وفعالية المجتمع المدني، وهناك انجازات كبيرة في هذا السياق.

من هنا يتأتى الخوف على مصر. إسرائيل لن تستريح لوجود دولة عربية قوية على حدودها حتى وإن كانت هذه الدولة ملتزمة معها باتفاقية سلام. القلق  الصهيوني ليس أن تدخل مصر في حرب مع إسرائيل بل مما حققته مصر من قدرة على مواجهة جماعات التطرف الديني ووأد الفتنة الطائفية والتحرر من الابتزاز المالي الخارجي  ووضع أسس نهضة اقتصادية وعمرانية تعتمد على الذات وما سيشكله ذلك من قدوة لدول عربية اخرى، أيضاً القلق من مصر القوية القادرة على حماية حدودها وأمنها القومي من أية تهديدات إسرائيلية مستقبلية لمصر أو للدول الصديقة .

أيضاً الولايات المتحدة ودول غربية أخرى غير مستريحة لمحاولة مصر استعادت دورها وحضورها الإقليمي، فواشنطن كان لها دور في نشر فوضى الربيع العربي ودعم جماعات الإسلام السياسي وموقفها الداعم لجماعة الإخوان المسلمين تحت ذريعة حماية حقوق الإنسان والحريات العامة، وهو الموقف المستمر حتى اليوم مع إدارة بايدن التي تدل مؤشرات عديدة أنه سيجدد ويحيي سياسة (الفوضى الخلاقة) في المنطقة.

كما أن دولا إقليمية لها صراعات واحقاد تاريخية مع العرب وطامعة بخيرات المنطقة الترابية والبحرية غير مستريحة لاستعادة مصر قوتها وحضورها بما يمكنها من ردع أي تهديد لأمن مصر القومي و للأمن القومي العربي، وغير مستريحة وحذرة من استعادة مصر لمكانتها لأن مصر بذلك تستطيع استنهاض الحالة العربية برمتها وإحياء المشروع القومي الوحدوي العربي الذي كان المتضرر الأكبر من فوضى ما يسمى الربيع العربي.

نخاف على مصر لأننا نحب مصر ونقدر دورها القومي ونحترم تاريخها، ولأنه ضمن المشهد السياسي العربي والإقليمي الراهن لا توجد دولة غير مصر حريصة على فلسطين ويمكن المراهنة عليها لحماية الشعب الفلسطيني من محاولات تصفية قضيته الوطنية. نعم، هناك دول وشعوب عربية وإسلامية تساعد الشعب الفلسطيني و تؤيده في نضاله الوطني ولكن، لاعتبارات جيوسياسية وأخرى مرتبطة بالإمكانيات، لا يمكنها أن تحل محل مصر .

لعلاقة مصر بفلسطين خصوصية نابعة من اعتبارات تاريخية وقومية واستراتيجية ولأن الشعب المصري تربطه بفلسطين روابط روحية ونفسية وعاطفية والقيادة المصرية تعرف ذلك لأنها جزء من الشعب المصري.

أما الخوف من مصر فلأنها تملك كل الأوراق الفلسطينية سواء المتعلقة بالمصالحة أو الهدنة أو التسوية السياسية أو تحديد مستقبل قطاع غزة ومستقبل حكم حماس في غزة، ولأنها الدولة الأهم في المنطقة التي تتجه لها الأنظار وتراهن عليها إسرائيل وأمريكا للضغط على الفلسطينيين للقبول بما تطرحانه من تسويات كصفقة القرن والحل الاقتصادي أو كيان في غزة.

ما نخشاه هذه الأيام أن تتجاوز الهدنة، بين إسرائيل وفصائل المقاومة في غزة بدون منظمة التجرير والسلطة، والتي ترعاها مصر مسألة وقف إطلاق نار وتبادل أسرى لتتحول لصفقة سياسية تتناغم مع معادلة (الاقتصاد مقابل الأمن) وتكرس الانقسام وترُسِّم حدود دويلة غزة.

 

إبراهيم ابراش

 

قاسم حسين صالحتوطئة: يعدّ الدين الإسلامي اشدّ الأديان توكيداً على تحريم قتل النفس، بآيات قرآنية صريحة: " ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً " سورة النساء (86).وعن جابر بن سمرة قال: اخبرني النبي (ص) برجل قتل نفسه فقال: " لا اصلّي عليه " (أخرجه أبو داود 81)، ما يعني أن المنتحر، من وجهة نظر الإسلام، جزاؤه النار ولا عذر له مهما كانت مبرراته. والمفارقة العراقية أن حالات الأنتحار تضاعفت في زمن حكم أحزاب الأسلام السياسي فيما يفترض حصول العكس!.. وأليكم ما يثبت ذلك.

تنويه

ذكرت المدى في عددها (5057 – 4/11/2021) تزايد حالات ومحاولات الانتحار في هذا العام مقارنة بالعام الماضي ، وقبلها اعلنت فضائية (الشرقية نيوز) في حصادها ليلة (26/27 اكتوبر 2021) ان حالات الانتحار قد زادت في عام (2020).

متابعة بالأرقام

لأننا معنيون بما حصل للعراقيين من تزايد اخطر ثلاث ظواهر اجتماعية (الطلاق، المخدرات، الانتحار).. اليكم ما حصل:

شهد المجتمع العراقي ارتفاعاً بنسب الانتحار، خصوصاً بين الشباب والمراهقين (الحياة، كانون الثاني 2016)

حصلت وزارة حقوق الإنسان على معلومات مؤكدة بزيادة حالات الانتحار بمحافظة كربلاء غالبيتها من الشباب والفتيات، وسجّل أحد الباحثين في دراسة لمدة 11 شهراً أكثر من 120 حالة انتحار أو محاولة انتحار، (الناطق باسم وزارة حقوق الانسان ).

كشفت قيادة شرطة محافظة ذي قار أن حصيلة حالات الانتحار المسجلة لدى الشرطة منذ مطلع العام 2013 ولنهاية آيار بلغت 17 حالة لأشخاص لا تزيد أعمارهم عن 25 سنة (السومرية نيوز ، ايار 2013)

نشرت مفوضية حقوق الإنسان العراقية في مارس/آذار 2014، إحصائية، كشفت عن تصدر المحافظات الجنوبية النسب الأعلى في الانتحار، في مقدمتها ذي قار بـ(199) حالة في2013(القدس العربي). وفي تصريح أحدث للقضاء العراقي:تصدرت بغداد وكربلاء وذي قار حالات الانتحار للعام(2016) بواقع 22، 23، 38 حالة على التوالي (الحرة عراق، 5/7/2017).

اثارتزايد حالات الانتحار بين الشباب والفتيات بمحافظة ذي قار المزيد من القلق بين الأوساط الشعبية، داعين الجهات المعنية التدخل لمعالجة أسباب ودوافع الانتحار والحد من هذه الظاهرة الآخذة بالتزايد (المدى).

حالة من القلق والخوف تشوب الشارع الشعبي البصري بعد تزايد حالات الإنتحار في المحافظة ووصولها درجات مقلقة تقترب من الظاهرة (غوغل).

اعلنت مفوضية حقوق الانسان ان عدد حالات الانتحار في الربع الاول من عام 2019 بلغ 132 حالة (RT).

644 حالة انتحار في 2020 بزيادة 8.5% مقارنة بعام 2019 (مفوضية حقوق الأنسان 9/3/2021).

تحليل سيكولوجي

تتحدد الاسباب التقليدية للانتحاربثلاثة:البطالة والفقر وتقاليد اجتماعية متخلفة، والذي حصل بعد التغيير، تزايد شدة وحدة الاسباب التقليدية هذه، اذ اشارت التقارير الى ان نسبة البطالة بمحافظة ذي قار بلغت (34%)، فيما تعدى عدد من هم دون مستوى خط الفقر (13)مليون عراقيا بحسب وزارة التخطيط.. وزاد عليها ظهور أسباب عراقية جديدةّ! للأنتحار نوجزها بالآتي:

الشعور بالضياع، وانعدام المعنى من الوجود في الحياة ، وتعاطي المخدرات، وضعف الوازع الديني، والتفكك الأسري لدى الشباب.

توالي الخيبات. صبر العراقي خمس سنوات بعد (2003) ثم خمسا، ثم خمسا.. ولأن للصبر حدود، وقدرة على التحمل، فان البعض من الذين نفد صبرهم عمد الى الانتحار بوصفه الحل الأخير لمشكلته.

الشعور بالحيف والندم.تجري لدى بعض الشباب مقارنة بين شخصه وقدراته وقيمه وبين آخرين يحتلون مناصب بمؤسسات الدولة يقلّون عنه خبرة وكفاءة وقيما، مصحوبا بشعور الندم على اضاعة الفرصة.. فيعاقب نفسه بقتلها.

الاكتئاب واليأس والوصول الى حالة العجز. حين يجد الفرد أن الواقع لا يقدم له حلّا لمشكلته، ويصل مرحلة اليأس والعجز، فانه يلجأ لانهاء حياته.وهنالك اكثر من حادثة بينها انتحار ست نساء في النجف قبل سبعة أعوام جاءت بسبب وضع اطفالهن الصعب، ولأنهن لم يستطعن اعالتهم فإنهن اخترن الانتحار بشكل جماعي.

فشل السلطة واستفرادها بالثروة. تعرّف السياسة بأنها فن ادارة شؤون الناس، وما حصل في العراق ان الطبقة السياسية عزلت نفسها مكانيا ونفسيا في عشرة كيلومتر مربع لتعيش حياة مرفهة وتركت الناس يعيشون حياة الجحيم، ولم تستجب لمطالبهم وتظاهراتهم من شباط ( 2011 الى 2021).

اشاعة الأحباط.يعمد الأعلام ووسائل الاتصال الاجتماعي الى اشاعة الاحباط ، بمواصلة العدّ التنازلي للأمل، لاسيما في تغريدات عبر الفيسبوك من قبيل:

- شعب سلبي رافض لكل فعل باتجاه خلاصه.

- تغيير الحال بالعراق.. حلم ابليس بالجنة.

- مع ان اغلب الفاسدين يعترفون بانهم سرقوا الشعب.. فانه سيعيد انتخابهم.. وقد صدقوا! فقد حدث ذلك فعلا في انتخابات( 10 تشرن 2021)، اذ كان بين الفائزين من يعدّ مسؤولا مباشرا عن تزايد حالات الأنتحار.. وباستمرار ما حصل مع توالي الخيبات، فان الانتحار يكون نهاية محسومة لدى من تصل لديه الحال.. درجة الصفر.

نكتفي بذلك .. ونختتم بتوجيه اقتراح الى الحكومة العراقية والبرلمان المقبلين نلخصه بالآتي:

نبدأ هذه المقترحات بحقيقة انه لم تسجل حالات انتحار بعد انتفاضة تشرين/اكتوبر ، ولأربعة اشهر ، فيما ارتفع عددها بنسبة 8، 5% في عام 2020 وفقا لمفوضية حقوق الأنسان، وسبب ذلك.. سيكولوجي خالص هو ان انتفاضة تشرين اشاعت الأمل واحيت شعور التعلق بالحياة لدى الشباب فيما اخمدته احداث 2020.

ولمعالجة اخطر ظاهرة بين شباب العراق فاننا نقترح: 

1- توحيد جهود المؤسسات المعنية بالصحة النفسية ، واقسام علم النفس والارشاد التربوي والنفسي وعلم الاجتماع في الجامعات العراقية، بالتنسيق مع وزارة العمل والشؤون الاجتماعية ، لوضع استراتيجية علمية تنفذ على مراحل تستهدف الحد من ظاهرة الانتحار في العراق.

2- عقد ندوة تدعو الكتّاب والمثقفين ووسائل الأعلام الى التوقف عن اشاعة ثقافة التيئيس، ونشر الثقافة التي تشيع التفاؤل والتعلّق بالحياة، وتقديم برامج تخصصية تستهدف كيفية التعامل مع الضغوط النفسية برؤية سيكولوجية على غرار البرنامج الدرامي (حذار من اليأس) الذي كنّا نقدمه من اذاعة بغداد على مدى سبع عشرة سنة وما يزال العراقيون يتذكرونه.

3- دعوة الصحف والمواقع العراقية الى تبني هذا المشروع اعلاميا وثقافيا بالتنسيق مع الجمعية النفسية العراقية.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

 

محمد المحسنحتى لا تجرّ حكومة - بودن - النّار إلى قرصها

قد لا أجانب الصواب إذا قلت أنّ ثورة الكرامة بمعناها النبيل لدى شعب أوغل ليله في الظلم الظلام، تعني الفعل الذي لا يقف عند حدود الكلام والنوايا، إنّما هي فعلُ وجود يصرخ أمام كل العالم بأنّ القهر غير مقبول وبأنّ الحرية والعدالة مبدآن لا يمكن التخلي عنهما مهما كانت سطوة -الحاكم المستبد-وقدرته العجيبة على مراوغة شعبه ونهب أرزاقه في دهاليز الظلام..

لقد كانت رسالة -تونس الثورية-نبيلة في جوهرها، مقنعة بشجاعة شبابها وطلائعها وقدرة شعبها على الصمود والتحدي ومن ثم تجسيد أسمى أشكال النضال في سبيل إسترداد حقوقه السليبة والمستلبة.

ومن هنا علينا أن نخرج من -دائرة المزايدات-وننأى بأنفسنا عن أنشوطة الخوف والترجرج ونفسح مجالا لضوء سيصير حتما بلدا جميلا..

لقد خرج الصّوت التونسي من الشرنقة التي نُسِجَت حوله ليعلن بوضوح تام أمام العالم أنّ الصّمت موت وغياب..والصمود حضور كما الفعل الثوري أقوى إنباء من أيّ كلام..

وإذن؟

هرب-المخلوع-إذا، يحمل آثاما ولعنات من الصعب حصرها أو عدّها..تاركا بلدا يلملم صبره، يكفكف دمعه ويرنو إلى الأفق إستشرافا لغد أفضل.

واليوم.

هاهي اليوم الحكومة التونسية أمام إمتحان صعب، متمثّل في كسب ثقة المواطن الذي-نالته-منه الإحباطات والمواجع، وأنهكته الحياة بتداعياتها المؤلمة، واقترب بالتالي من هوّة الضياع حيث غدا منها على الشفير.

المطالب كثيرة والطموحات أكثر.ولعلّ المطلب الأوّل للمواطن الذي ياكتوى بلهيب البؤس يتمثّل بالأساس في إعادة الأسعار المنفلتة من العقال إلى مستوى يتماشى مع القدرة الشرائية ومع مستويات الأجور، سيما وأنّ المقدرة الشرائية للمواطن التونسي-المنهَك أصلا- تدهورت بشكل ملحوظ.

ومن هنا-في تقديري-لا سبيل لحل ملف الأسعار الملتهبة إلا بتدعيم جهاز المراقبة الإقتصادية وتطبيق القانون على المخالفين وتنظيم مسالك التوزيع ومجابهة ظاهرة المضاربين والسماسرة.

بعد الأسعار وتحسين الظروف المعيشية ورفع الضغوطات على-قفّة المواطن التونسي-لا بد من معالجة الملف الأمني الذي لا يقل أهمية عن الملف الإقتصادي، وذلك من خلال إصلاح المنظومة الأمنية وتجويد أدائها ومن ثم القضاء على كابوس الإرهاب الذي أقضّ مضاجع التونسيين وحصد رقاب الأبرياء وخيرة أبناء تونس من السياسيين، الأمنيين والعسكريين.. هذا بالإضافة إلى مواصلة تأمين الحدود وصياغة مقاربة واستراتيجية شاملة للأمن القومي بعد تركيز القطبين الأمني والقضائي للتصدي للإرهاب ومكافحة الجريمة المنظمة ريثما تتمّ-بعد ذلك-المصادقة على قانون مكافحة الإرهاب وغسل الأموال، من لدن مجلس نواب الشعب..

أما بخصوص ملف التشغيل (التشغيل استحقاق..) فيشار إلى أنّ نسب البطالة تراجعت مقارنة بسنتي 2011 و2012 لتستقر عند 15فاصل2 بالمائة ويبلغ بالتالي عدد العاطلين عن العمل بتونس اليوم600 ألف من ضمنهم ما يناهز 250 ألفا من حاملي الشهائد العليا، إلا أنّ-جحافل العاطلين عن العمل-من شبابنا هنا.. وهناك مازالت تعاني ويلات البطالة، تجترّ قسوة الحياة وتصبو إلى غد مشرق تصان فيه كرامة الإنسان..

وما نتمناه، والحال هذه، هو أن تتحقّق-معجزة القرن ببلادنا-و من ثم يتم القضاء على أكبر نسبة من البطالة وعلى الظواهر المرتبطة بتأثيراتها على الشباب العاطل عن العمل ومنها بالخصوص ظاهرة الهجرة السرية.

ولكن..لا يجب أن نحلم -بجرار العسل واللبن-سيما في وضع إقتصادي منهَك تمرّ به البلاد، فالحكومة الحالية (حكومة نجلاء بودن) مطالبة بتوفير فرص وإمكانيات النمو والإزدهار والرفاهية، وتثبيت قيم الحرية والديمقراطية وصيانة حقوق الإنسان، وتشجيع المبادرات الفردية والمحافظة على المبادئ الهيكلية للفكر الإجتماعي، أي الكرامة والعدالة الإجتماعية..

على سبيل الخاتمة:

على قدر ما حققته تونس من نتائج وانجازات سياسية -متواضعة-في السنوات العشر الأخيرة إلا انها لم تتقدم على المستوى الاقتصادي حيث سجلت التوازنات المالية للبلاد اختلالا ملحوظا تجسّم بالخصوص في تراجع نسب النمو وتفاقم البطالة وبلوغ نسب التداين مستويات غير مسبوقة نتيجة تغير شبه هيكلي للنسيج الاقتصادي والمالي وظهور مشهد اجتماعي جديد.

ويصعب تقييم ما عرفته تونس خلال هذه الفترة باعتبار أن المسالة تتعلّق بنواحي اقتصادية ومالية واجتماعية معقدة وتقاطع المستجدات على المستويين الكمي والنوعي، وفق الخبير الاقتصادي المختص في المخاطر المالية مراد الحطاب.

وقال الحطاب، في حديث سابق لـ(وات) ان هذا التحول الهيكلي للاوضاع الاقتصادية والاجتماعية ياتي نتيجة عدم استقرار الاوضاع السياسية بسبب تبني مشروع النظام المجلسي الذي شتت الجهود وأحدث تذبذبا على المستوى التشريعي ورسم سياسات التنمية، وفق ما تجمع عليه اطياف واسعة من المجتمع واصفا فترة ما بعد الثورة “بسنوات المؤشرات المالية العجاف”.

والسؤال الذي ينبت على حواشي الواقع : كيف السبيل للخروج من هذا”المستنقع”ومن ثم تكسير الجمود الذي ضرب الحكومات المتعاقبة..علما وأنّ أي فشل محتمل-لا قدّر الله-لهذه الحكومة التي تشكلت مؤخرا، سيكون-في تقديرنا-كمن يجرّ النّار إلى قرصه..

فهل ستعبر -السفينة التونسية بطاقمها الحكومي-عباب الأزرق المتماوج-بمهارة، ومن ثم ترسي على شاطئ الآمان..؟ 

 

محمد المحسن - كاتب صحفي تونسي

 

 

محمد المحسنبعد عشر سنوات عجاف من عمر الثورة التي ضجّت بها هتافات المحتجين في كل الولايات التونسية بدءا من سيدي بوزيد المنسية، مرورا بالقصرين التي يئنّ شبابها تحت نير الظلم والحيف والبطالة، وليس انتهاء بتونس الكبرى وأحيائها الشعبية المفقرة، ما زالت على ثقة بأن السؤال الذي طرح نفسه بين أطياف واسعة منذ فترة طويلة لا يزال يبحث عن إجابات: تونس إلى أين؟

تونس اليوم في مفترق طرق. لا هي قادرة على الصمود في وجه العنتريات التي يخوضها رجال السياسة، ولا باستطاعتها لملمة جراحها للنهوض من شبح الأزمة الاقتصادية الساكنة ولم تتزحزح من فرط المهادنة وتعطيل الإنتاج في أكثر من مكان.ليزيد سأم الطبقات الاجتماعية نتيجة السقف العالي للمطلبية من إرباك الدولة وتقييد تحركاتها على جميع الأصعدة.

لا حاجة اليوم للتونسيين لإحياء شعارات رنانة تختزل تظاهرهم في يوم ظنوا أنه كان فاتحة ليتخلصوا من إرث نظام جثم على قلوبهم لمدة 23 عاما بالتمام والكمال ولم يجترح فيها حلولا لمشاكلهم ويحقق مطالبهم في التنمية والتوازن الاجتماعي.فهاهم يقفون اليوم بعد مرور نصف هذه المدة الزمنية من رحيل “الرئيس” ولا شيء تحقق مما تركه هو لحظة هروبه خارج تخوم الوطن.

واليوم..

تسيطر-اليوم-حالة من الضبابية على المشهد العام في تونس بعد أشهر قليلة ماضية (25 جويلية 2021) من قرارات الرئيس التي ادخلت تونس التي تعاني من ازمة اقتصادية مستفحلة وكارثة وبائية غير مسبوقة في منعرج جديد بانتظار بلورة ملامح المرحلة السياسية القادمة.

اختلفت الاراء وتباينت فيما يتعلق بما شهدته تونس من القرارات وتداعياتها خاصة على الجانب الاقتصادي في البلاد التي تعيش بدورها ازمة اقتصادية ومالية خانقة عمقتها انتشار فيروس كوفيد 19 الذي اودى بحياة ما يزيد عن 18 الف شخص واصابة آلاف اخرين.

في هذا الشأن يقول الخبير والمحلل المختص في الشأن المالي والبنكي سفيان الوريمي “لنتفق اولا ان من ابجديات المعادلة الاقتصادية والنظرية المالية ضرورة توفر حد ادنى من الاستقرار السياسي والأمني لدعم الاستثمار وتحفيزه،  هذا الاستقرار الذي لم يتحقق في تونس حتى قبل تاريخ 25 جويلية2021 وتحديدا منذ سنوات ما بعد ثورة 14 جانفي، حيث شهدت البلاد ازمات سياسية واقتصادية متلاحقة بالإضافة الى سوء الحكم وتداعيات جائحة كورونا والازمة المالية العمومية التي لم تعرف لها البلاد مثيلا في تاريخها المعاصر، مما زاد في تعميق الوضع الاجتماعي واحتقانه وادى مباشرة الى تراجع الاستثمارات المحلية والأجنبية وضعف النسيج المؤسساتي والبنية الاقتصادية التي قاربت على الانهيار بسبب القرارات المرتجلة خلال فترة كوفيد-19”.

وفيما يتعلق بالانعكاسات المحتملة لإعلان الرئيس التونسي عن الإجراءات الجديدة خاصة،  وتخوف البعض من تأزم الوضع وتأثيره على الاقتصاد التونسي، يقول الخبير سفيان الوريمي ان تونس اليوم “تعيش حالة من الترقب تسود تعاملات المتعاملين الاقتصاديين خاصة في حجم التعاملات المنخفض بالبورصة التونسية،  في المقابل،  فإن عدم تعطل اي من المؤسسات الاقتصادية أو المرافق العمومية هو مؤشر ايجابي لاستمرارية الدولة ولتوقعات بتجاوز الازمة في اقرب الآجال.”

متى تنقشع السحب الرمادية ؟

العيديد من التونسيين يعتقدون في أن النظام البرلماني في تونس ادى الى كوارث سياسية عطلت تقدم البلاد والخروج بها من ازماتها المتلاحقة السياسية والاقتصادية وبالتالي حان الوقت لوضع حد للعبث السياسي واتخاذ قرارات جريئة، في حين يرى اخرون انه انقلاب عسكري وجبت مواجهته والدفاع عن الديمقراطية في تاريخ تونس الحديث وهو ما يرفضه انصار الرئيس على اعتبار ان من ينادون بالمحافظة على المسار الديمقراطي هم أصلا لا يعرفون قيمته، كل هذه الاختلافات في المسار السياسي والدستوري في البلاد ستتضح رؤيتها مع الأيام القليلة القادمة مع تبين مواقف الطبقة السياسية والهيئات والمنظمات الوطنية الكبرى لتحديد مصير سياسي جديد لتونس.

وسواء اتخذ قيس سعيد هذه القرارات أو لم يتخذ فإن انفجارا كان سيحصل في تونس لأن الاحتقان من الطبقة السياسية بلغ مداه،  وهي التي بدت مستهترة في الآونة الأخيرة بمعيشة وصحة المواطنين التونسيين ولم تقم بمجهود يذكر إزاء الأرقام المفزعة للوفيات. لقد جنحوا الى التسول من بلدان العالم فيما لم يعرف مصير مبالغ كبيرة ضخت الى تونس من الاتحاد الاوروبي وغيره لمجابهة جائحة كورونا.

إن ما قام به قيس سعيد – في تقديري – والذي استحسنه بعض التونسيين ورفضه البعض الآخر هو تأويل لنص دستوري من رئيس منتخب ديمقراطيا يحتمل الخطأ والصواب.فلا أحد بإمكانه الجزم بصحة قراءته للنص الدستوري في غياب المحكمة الدستورية العليا التي عطلت تشكيلها الأطراف التي تشتكي اليوم من القراءة التي قدمها قيس سعيد للفصل 80 من الدستور.

أما أنا فأقول:

مرّت اللحظات والدقائق والساعات والأعوام أيضا وهرم التونسيون والكثير منهم أخذه قطار الانتظار إلى غير محطة النزول التي كان يأمل ويمنّي النفس بالنزول فيها. ولكن لا شيء تحقق غير الأمنيات والوعود التي لم يعد يأبه التونسيون لها ولا ينتظرون سوى أن يمضي يوم ويأتي مثله أو أسوأ منه ربما.

هذه النظرة يلحظها أي مراقب لمشاكل تونس من الداخل وأي متابع للأوضاع عن كثب،  في الصحة والرعاية الاجتماعية والتعليم والنقل والخدمات العمومية بجميع صنوفها. تونس اليوم من أكثر البلدان فقرا بشهادة المنظمات العالمية والتقارير الدولية. تونس اليوم من أكثر البلدان التي يهاجر أبناؤها هربا من الوضع البائس وقلة الموارد وضعف الرواتب في جميع القطاعات.

والسؤال الذي ينبت على حواشي الواقع:

ما الذي جناه التونسيون (وأنا واحد منهم) بعد عشر سنوات ونيف من المهاترة وضعف الأداء السياسي والتعصب في الرأي وغيرها من الأيديولوجيات المقيتة التي حكمت الطبقة السياسية المراهقة في هذا القطر الذي كان في يوم ما مقصدا لعدة شعوب وحكام يتباهون بزيارته لسبر أغواره وكشف إرثه التاريخي العميق.

كان لتونس أن تسلك غير هذا الطريق الذي أريد لها أن تسلكه وأن تكون الاستثناء فعلا لو توفرت الإرادة القوية لسياسييها ووقوفهم صفا واحدا خدمة لشعار “تونس أولا”. لكن ما بدا واضحا أن تونس تركت في الصف الثاني وغلبت أنانيةُ البعض وطنيتهم وظلت تونس ثانيا وربما أخيرا.

ولذا..اتخذ الرئيس قرارا جريئا ومؤلما في ذات الآن..ومع علينا جميعا والحال هذه، إلا الإنتظار فالأجواء تعبق برائحة الوليد القادم على مهل..

لا أمزح..لكنه الإيمان الأكثر دقة في لحظات تاريخ-تونس السوداء-من حسابات راكبي سروج الثورة في الساعة الخامسة والعشرين..

 

محمد المحسن

كاتب صحفي تونسي - عضو في إتحاد الكتاب التونسيين

 

 

كريم المظفراختيارنا لهذا المثل الشعبي المتعارف عليه كعنوان لمقالنا اليوم، كونه يطلق على أولئك الذين ليس لهم مضرة او منفعة في موضوع ما، ولكنهم يحاولون حشر أنوفهم، كي يثيروا الانتباه اليهم، وأكرانيا تذكرنا براعي البيت الذي سرق بيت جاره، وعندما سئل عن السبب قال لجاره الاخر (هل الشرطة ذكرت اسمي بالموضوع)؟، وكما يقولون فان الامثال تقال ولا تقاس، فإن أوكرانيا ليس لها دخل في موضوع ازمة اللاجئين، وليست طرفا فيها، ولا يرغب أحد في دخولها، لأن معظم الشعب الاوكراني الان هو بالأصل لاجئ في أوربا، بسبب الوضع الاقتصادي المزرى في البلاد، إضافة الى ان أوكرانيا ليست عضوة في الاتحاد الأوربي كي تجذب انتباه اللاجئين اليها .

لذلك عملت كييف على تقديم نفسها كعضو أساسي في هذه الازمة، وتقول انها تحوطا لأي تطورات حول أزمة اللاجئين المشتعلة على الحدود مع بولندا، فإنها بدأت احتياطاتها لمواجهة اية تطورات قد تقع على حدودها أيضا، وسمح وزير الداخلية دينيس موناستيرسكي بفرض حالة الطوارئ في حالة تفاقم الوضع على الحدود مع بيلاروسيا في المناطق الحدودية لأوكرانيا.

وحالة الطوارئ هي نظام قانوني خاص يمكن إدخاله مؤقتًا في أوكرانيا أو في بعض مناطقها في حالة الطوارئ الخطيرة بشكل خاص ذات الطبيعة التكنولوجية والطبيعية (الكوارث الطبيعية، والكوارث، وخاصة الحرائق الكبيرة، واستخدام الأسلحة، الأوبئة، والأوبئة، وما إلى ذلك)، وتشكل تهديدًا لحياة وصحة شرائح كبيرة من السكان، ويتم فرض حالة الطوارئ في أوكرانيا أو في بعض مناطقها بموجب مرسوم صادر عن رئيس أوكرانيا، رهناً بموافقة البرلمان الأوكراني في غضون يومين من تاريخ استئناف رئيس الدولة، وقال موناستيرسكي، انه تم وضع سيناريوهات مختلفة لهذه الإجراءات، بما في ذلك إعلان حالة الطوارئ في هذه المناطق الحدودية".

وعُقد اجتماع حول الوضع على الحدود بين بيلاروسيا والاتحاد الأوروبي برئاسة أمين مجلس الأمن القومي والدفاع الأوكراني أوليكسي دانيلوف في لوتسك بأوكرانيا، وحضره الوزراء ورؤساء إدارات الدولة الإقليمية، فضلاً عن سفيرا ليتوانيا وبولندا، في حين قال رئيس أوكرانيا فلاديمير زيلينسكي إن أزمة الهجرة على حدود بيلاروسيا والاتحاد الأوروبي لن تؤثر على إمكانية دخول البيلاروسيين إلى أوكرانيا، وأضاف أنهم لا يخططون لإشراك العسكريين من شرق وجنوب البلاد في حماية الحدود مع بيلاروسيا.

وعلى عكس روسيا، التي يتم جرها بشكل مصطنع إلى أزمة الهجرة على حدود بيلاروسيا والاتحاد الأوروبي، فإن أوكرانيا تفعل ذلك بمفردها، حيث ترغب في استغلال الوضع لمصالحها الخاصة، و أعلنت كييف بالفعل أنها مستعدة لصد "العدوان الهجين" من بيلاروسيا على شكل مهاجرين، بل إنها تخطط لإجراء مناورات لقوات الدفاع الإقليمية بالقرب من الحدود البيلاروسية خلال الشهر المقبل.

وعلى وجه الخصوص، دعا ديمتري ياروش، المستشار المعين لرئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الأوكرانية والرئيس السابق لمنظمة "القطاع الصحيح" المتطرفة (المنظمة محظورة في الاتحاد الروسي)، بالفعل إلى السلطات لمساعدة وارسو ليس فقط في محاربة المهاجرين، ولكن أيضًا مع لوكاشينكو، الذي يُزعم أنه يرسل لاجئين إلى الغرب، وفي موازاة ذلك، وعد الراديكاليون من الفيلق الوطني بالتعامل مع المهاجرين على الحدود البيلاروسية البولندية.

ويبدو أنهم (الراديكاليون) يخططون للانضمام إلى القوميين البولنديين، الذين أعلنوا في السابق عن استعدادهم لاستعادة النظام على الحدود، كما دعا الزعيم "المنسي" للحزب القومي "سفوبودا" والنائب السابق أوليغ تياغنيبوك كييف إلى "التحرك الفوري والشامل" لإغلاق الحدود مع بيلاروسيا "لتعزيز الحماية العسكرية وفرض حالة الطوارئ في البلاد. المناطق المحيطة "، كما ألقى باللوم على روسيا فيما يحدث، في حين أضاف الرئيس السابق لأوكرانيا بيترو بوروشينكو إلى الصورة، الذي أعرب عن دعمه لبولندا وليتوانيا في معارضتهما لـ "غزو الهجرة" "الملهم بسخرية" لوكاشينكا وبوتين، بل وطالب بنشر قوات على الحدود مع بيلاروسيا، وقال "إن أصغر عقوبة دولية ستكون فرض عقوبات جهنمية ليس فقط ضد نظام لوكاشينكا، ولكن أيضا ضد" محرك الدمى "الحقيقي وعدو العالم الديمقراطي - بوتين".

ومثل هذا الخطاب للقوميين والمتطرفين وغيرهم من الشخصيات، الذين يدعمهم جزء صغير من السكان في أوكرانيا، كان من الممكن أن يمر دون أن يلاحظه أحد إذا لم يتغير موقف كييف الرسمي في الأيام الأخيرة، حيث صرحوا سابقًا بأن الوضع على الحدود بيلاروسيا والاتحاد الأوروبي لا يعنيهم، وأعرب فلاديمير زيلينسكي، أولا في محادثة مع الرئيس البولندي، عن تضامنه مع وارسو وقال إن كييف تتخذ جميع الإجراءات اللازمة على حدودها فيما يتعلق بأزمة الهجرة الحالية.

في وقت لاحق، أفادت وزارة الشؤون الداخلية الأوكرانية أن البلاد ستبدأ في تعزيز حدودها الخارجية، وأن حرس الحدود، بالإضافة إلى المعدات الإضافية والطائرات بدون طيار، سيتم سحبهم إلى قسم الحدود الأوكرانية البيلاروسية، وأضاف رئيس مجلس الأمن القومي والدفاع أليكسي دانيلوف إلى الصورة، الذي قال إن البلاد "سيكون لديها أكثر من القوات والوسائل الكافية" لتوفير رد مناسب على التهديد من بيلاروسيا.

وكانت كل هذه التصريحات مرتبطة بطريقة ما بروسيا، التي، وفقًا لوزير الخارجية الأوكراني ديمتري كوليبا، "تحاول هضم بيلاروسيا" في إطار "لعبة معقدة للغاية" تتكشف في أوروبا، وهكذا، في كييف، لم يعودوا يترددون في التحدث نيابة عن أولئك الذين صوت ضدهم الأوكرانيون العاديون ذات مرة، علاوة على ذلك، أعربت السلطات الأوكرانية مؤخرًا عن استيائها المتزايد من شركائها الأوروبيين، مما أدى عمداً إلى تصعيد التوتر مع بروكسل، وإن نتائج هذا السلوك، على الأرجح، ستكون محزنة، لأن أوكرانيا أصبحت منذ فترة طويلة موضوعًا للعلاقات الدولية، وتهددها مثل هذه الإجراءات التي تتخذها كييف بمشاكل خطيرة.

الرئيس الاوكراني يحاول ابتزاز الاوربيين، واستغلال الأوضاع الحالية حول اللاجئين في بيلاروسيا، ويشدد على التصعيد الإعلامي ضد روسيا، وآخرها تصريحاته بإن روسيا حشدت نحو 100 ألف مقاتل على حدود أوكرانيا، وقال زيلينسكي، في مقطع فيديو نشره مكتب الرئيس الأوكراني: "آمل في أن العالم يمكنه الآن أن يرى بوضوح من يريد حقا السلام ومن يحشد نحو 100 ألف جندي على حدودنا"، مشيرا إلى أن الدول الغربية قدمت لأوكرانيا معلومات تفيد بـ"تحركات نشطة" للقوات الروسية على الحدود الأوكرانية.

تصريحات الرئيس الاوكراني، نقضها رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأمريكية، الجنرال مارك ميلي، ورغم تحذيرات وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، عقب لقاء مع نظيره الأوكراني، دميتري كوليبا، لروسيا من "تكرار خطأ عام 2014" في أوكرانيا، فقد أكد الجنرال الأمريكي أن تحركات القوات الروسية بالقرب من حدود أوكرانيا لا تشير إلى نية روسيا التدخل في أراضي جارتها، وقال ميلي خلال خطاب في جامعة ديوك، تعليقا على الموضوع: "هذا ليس أمرا عدوانيا سافرا، ليس شيئا يشير إلى انهم يخططون للتدخل في الأيام القريبة"، مشددا في الوقت نفسه على أن الولايات المتحدة تراقب من كثب "المناورات على الجانب الروسي من الحدود مع أوكرانيا"، في حين أكد رئيس أركان الجيش البريطاني الجنرال نيك كارتر من جانبه أشار إلى تجاوز التوتر بين الغرب وروسيا مستويات الحرب الباردة، محذرا من إمكانية اندلاع حرب بالصدفة نظراً لغياب العديد من الأدوات الدبلوماسية التقليدية.

كما ان روسيا أكدت على لسان نائب المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة، دميتري بولانسكي، أن موسكو لم تخطط أبدا لأي تدخل عسكري في الأراضي الأوكرانية، وقال بولانسكي، في حديث لوكالة "بلومبيرغ" الأمريكية، ردا على سؤال حول ما إذا كانت بلاده تخطط لتنفيذ أي عملية عسكرية في الأراضي الأوكرانية: "لم تخطط (روسيا) أبدا ولن تقوم بذلك، إلا في حال دفعتنا أوكرانيا أو أي طرف آخر (إلى ذلك) أو مثل ذلك مسألة حماية لسيادتنا الوطنية"، موضحا ان الكثير من التهديدات تنبع من أوكرانيا، " ولا تنسوا السفن الحربية الأمريكية في البحر الأسود. وهذا ما يجعل تفادي صدام مباشر في البحر الأسود أمرا صعبا للغاية"، وشدد الدبلوماسي على أن لدى روسيا الحق في حشد أي قوات عسكرية في أي مكان داخل أراضيها.

بدوره حذر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، من خطورة إجراء الولايات المتحدة وحلفاءها مناورات عسكرية غير مقررة في البحر الأسود، مشيرا إلى أن استخدام الطيرانَ المزودَ بالأسلحةِ القتاليةِ الاستراتيجية خلالَ التدريبات تَحدٍ خطيرٌ بالنسبة لروسيا، وشدد بوتين على أن موسكو لن تُصعِدَ الوضعَ في المنطقة ولن تقابل خطوات حلف الناتو بذات الأسلوب، وقال الرئيس بوتين في حديث لبرنامج موسكو - الكرملين- بوتين إن الولايات المتحدةَ وحلفاءها بالناتو، تستخدم الطيران المزود بالأسلحة القتالية خلال التدريبات بالبحر الأسود، مشيرا إلى أن ذلك تحد خطير بالنسبة لروسيا، وشدد بوتين على أن موسكو لن تصعد الوضع في المنطقة.

هذا وستشتري أوكرانيا مجموعة إضافية من المركبات الجوية التركية غير المأهولة من طراز Bayraktar (الطائرات بدون طيار)، والتي سيتم تجهيزها بمحركات أوكرانية الصنع، صرح بذلك رئيس وزارة الدفاع الأوكرانية أليكسي ريزنيكوف خلال رحلة إلى منطقة العملية العسكرية في دونباس، والذي قال ان " شركاؤنا الأتراك " أعلنوا وبشكل علني أنهم سيأخذون محركات أوكرانية لتجهيز بايراكتاروف، وان بلاده تخطط لشرائها بالإضافة إلى ذلك العام المقبل، وقال " لكنني أؤكد أن هؤلاء سيكونون من طراز Bayraktars الأوكراني " التي ستصنع في تركيا، لكنها ستدخل في الخدمة مع القوات المسلحة لأوكرانيا.

ولفت ريزنيكوف الانتباه إلى "الحاجة الملحة لمزيد من الشراء" للطائرات بدون طيار لتلبية احتياجات القوات المسلحة، وأشار إلى أنها ستستخدم لأن أوكرانيا "يجب أن تدافع عن استقلالها".

وكشف وزير الخارجية الأوكراني ديمتري كوليبا، أن شركتين في البلاد وقعتا عقودا لتوريد محركات للطائرات بدون طيار التركية، حيث تم توقيع هذا العقد في اسطنبول بين شركة Ivchenko-Progress المملوكة للدولة وشركة Baykar Makina التركية، واتفقت Motor Sich أيضًا مع نفس الشركة التركية على توريد محركات لمركبة Akinci الجوية غير المأهولة (Akinci) .

ان أسباب هذا السلوك الرسمي لكييف كما يؤكد المراقبون هي بسيطة للغاية، فعلى خلفية المشاكل الداخلية، تحتاج السلطات الأوكرانية بشكل عاجل إلى إقناع ليس فقط المجتمع الدولي، ولكن أيضًا الأوكرانيين العاديين بأن البلاد محاطة بالأعداء، و ليس من قبيل المصادفة أن تصاعدت التوترات حول دونباس في الأشهر الأخيرة، وأصبحت أزمة الهجرة على الحدود بين بيلاروسيا والاتحاد الأوروبي سببًا آخر لإلهاء المجتمع الأوكراني عن المشاكل الملحة وتعزيز الميول المعادية للروس فيه، وفي هذه الحالة، ليس من المستغرب أن يكون المبادرون الرئيسيون للهستيريا حول أزمة الهجرة هم أنواع مختلفة من الراديكاليين والقوميين وأولئك الذين نظموا الميدان في أوكرانيا في عام 2014.

 

بقلم الدكتور كريم المظفر

 

 

قاسم حسين صالحالواقعة: في فجر الأحد (7 تشرن الثاني / نوفمبر 2021) استهدف منزل رئيس الوزراء العراقي السيد مصطفى الكاظمي بثلاث طائرات مسيرة تمكنت قوات الامن من اسقاط اثنتين منها قرب المنطقة الخضراء، فيما تمكنت الثالثة من استهداف المنزل بصاروخين احدهما انفجر بداخله والثاني وقع فوق سطح المنزل ولم ينفجر، وفقا لمتحدث باسم وزارة الداخلية.

وقال الكاظمي في كلمته الموجهة للعراقيين: "إلى أهلي وشعبي في كل مكان في العراق العظيم. تعرض منزلي إلى عدوان جبان، انا ومن يعمل معي بألف خير".، وأضاف :" ان الصواريخ الجبانة والطائرات المسيرة الجبانة لا تبني أوطانا ولا تبني مستقبلا ونحن نعمل على بناء وطننا عبر احترام الدولة ومؤسساتها وتأسيس مستقبل أفضل لكل العراقيين". ودعا الجميع إلى الحوار الهادف والبناء من أجل العراق ومستقبل.

وتأتي محاولة الاغتيال هذه بعد يومين من احتجاجات قام بها مؤيدو الكتل الخاسرة المعترضة على النتائج الاولية لانتخابات(10 تشرين/اكتوبر 2021) واسفرت عن مقتل اثنين واصابة العشرات من المتظاهرين.

التحليل

برغم ان محاولة الاغتيال قوبلت برفض جميع الاحزاب والكتل السياسية العراقية بما فيها المتهمة بأنها (دبّرت الحادث بليل)، فضلا عن الرفض العربي والدولي واستنكار وادانة العشرات من قادة ومسؤولي الدول والعديد من المنظمات الدولية لهذه المحاولة، فان الجميع يتفق على ان هذا الحادث سيشهد تداعيات كبيرة.. عراقيا وعربيا ودوليا، يتعدى هدف نشر الفوضى وزعزعة استقرار العراق، وأن عراق ما بعد محاولة الأغتيال ليس كما قبلها.. في رأي كثيرين.

ولأن من عادتنا استطلاع الرأي في مثل هكذا احداث، فقد توجهنا بالسؤال عن فوائد واضرار استهداف منزل السيد مصطفى الكاظمي فكانت الاجابات كالاتي:

الفوائد

- حصول الكاظمي على تاييد شعبي ودعم عربي ودولي (اميركا، بريطانيا، فرنسا، المانيا، اتحاد أوربي) والامم المتحدة، تزيد من فرصة حصوله على ولاية ثانية.

- توفير حجة للحكومة بنزول الجيش بمدرعاته وآلياته الى الشوارع لأستعادة هيبة الدولة.

- زيادة التذمر الشعبي ضد الفصائل المسلحة وتدخلات ايران في الشأن العراقي.

- حصول فرز في القوى السياسية الشيعية بين من هي موالية لأيران ومن ولاؤها للعراق.

- محاولة الاغتيال كشفت حقيقة ان الديمقراطية في العراق ليست سوى كذبة كبيرة.

- تشكل محاولة اغتيال الكاظمي منعطفا ايجابيا في مسار العملية السياسة بعد 18 سنة من المحاصصة.

- دعت الحكومة الى فتح عيونها على ضرورة وضع خطة علمية ممنهجة لحصر السلاح بيد الدولة، وتمنحها افضل فرصة للقضاء على السلاح المنفلت .

- كشفت ان العراقيين ما عادوا يصدّقون بالشعارات والمظاهر الطائفية المقدسة الكاذبة.

- كشفت ان الطرف الثالث الذي كان يقتل ويخطف المتظاهرين هو ميليشيات الاحزاب.

- اكدت للعراقيين ان الكراسي والمكاسب اهم عند السياسيين من المقدسات.

- اهم الفوائد اننا عرفنا ان السيناريوهات الفاشلة لا تنتج دراما حقيقية!

الاضرار

- ارباك المشهد السياسي

- تهديد السلم الاهلي والمجتمعي

- زيادة الاحتقان السياسي وخشية الناس من قيام القوى الشيعية الخاسرة في الانتخابات بحصول اعمال عنف واحتراب

- خلق بيئة غير آمنة للأستثمار

- فقدان الثقة بالعملية السياسية دوليا واقليميا

- نشر الذعر بين الناس

- أي فائدة! تبقى هكذا امور لأشغال المواطن عن هدفه الرئيس.. وتضييع وقت لأعادة بناء الوطن.

ماذا لو؟

لنبدأ بهذا التساؤل: ماذا لو ان المحاولة نجحت واغتيل مصطفى الكاظمي؟

السيناريو الأرجح، أن دور الحكومة سيتعطل، وسيكون الجيش والشرطة بلا قائد عام للقوات المسلحة، فتكون الكلمة لمن توعدوا الكاظمي بأن (الجريمة لن تمر دون عقاب)، ولمن هم مدفعون سيكولوجيا بدافع اخذ الحيف ورد الأعتبار.. وسيتطور المشهد في ساعات الى أحتراب (شيعي شيعي)بين القوى الخاسرة والفائزة في الانتخابات، وستشهد المحافظات الوسطى والجنوبية مواجهات دامية، يكون فيها السّنة والكرد والتركمان متفرجين.. وسيبلغ التصعيد ذروته بتدخل ايراني يتبعه بالمباشر تدخل امريكي يضطر مجلس الأمن الدولي الى التدخل.. وعندها تتحقق مقولة ان اغتيال الكاظمي تستهدف اغتيال العراق.

هذا يعني ان العراقيين.. اعني العامة شعروا بارتياح نفسي، سواء المتعاطفين مع الكاظمي او غير المتعاطفين لأنهم نجوا من كارثة فيها من الفواجع ما هو أوجع.

الكاظمي.. يتحرك سيكولوجيا

بعد اربعة أيام من محاولة اغتياله، وتحديدا في (11/11) قام الكاظمي بزيارة الى مدينة الصدر.. وفي هذا دلالاتان سيكولوجيتان، الأولى ان هذه المدينة بناها الراحل عبد الكريم قاسم (باسم الثورة) لساكني الصرائف بمنطقة الشاكرية، فاحتل قلوب الفقراء وراحوا ينسجون عنه الاساطير بعد قتله بما فيها انهم رأوا صورته في القمر!. وكان ذكاء من الكاظمي انه فعلها كي يحي لديهم هذا الشعور. والثانية ان معظم ملايين مدينة الصدر هم من اتباع الفائز الأول في الانتخابات، وفي هذا رسالة معنوية للخاسرين في الانتخابات.

وبنفس اليوم وبنفس الدافع، قام الكاظمي بزيارة الى دار العطاء لرعاية المسنين ووضع حجر الاساس لمبناه الجديد.. ليحقق في الزيارتين شحنا سيكولوجيا لجمهور الفقراء ورسالة لمن ما زالوا يتوعدون بتصفيته، وتمهيدا ورهانا غير معلن لولاية ثانية!

حكمة ام خشية؟

تمتاز شخصية الكاظمي بثلاث صفات: ليس عدوانيا، يعتمد على القضاء في حسم القضايا الجرمية، وأنه يميل الى ان يكون التغيير سلميا.. فضلا عن نشاطه وتواضعه وتحمّل ما يقال عن ضعفه وما يعدّه كثيرون مآخذ عليه، ابرزها مواجهة الجهة المسؤولة عن استهدافه، والافصاح عنها بكل وضوح بعد ان تساهل معها كثيرا، لكنه لم يفعل مع انه صرح قائلا: (سنلاحق مرتكبي الجريمة، نحن نعرفهم جيدا وسنحدد هويتهم)، فيما دعى الى الحوار حتى مع الجهات التي توعدته علنا.ويرى كثيرون ان موقفه هذا دليل ضعف، وانه اضاع فرصة انهاء وجود فصائل مسلحة يعيد فيها هيبة الدولة وسيادة القانون واشاعة الأمن النفسي بين الناس، فيما يرى آخرون ان موقفه هذا دليل حكمة وادراك لحجم كارثة تحل بالعراقيين، وانه حريص على الدم العراقي، وان الرجل مؤمن بأن التغيير الأيجابي لن يتحقق الا في حالة السلم الأهلي والمجتمعي.

ويبقى الهاجس السيكولوجي الأخطر، ان ما حصل يدعو لترقب المزيد من التطورات، ليس فقط في المشهدين الامني والسياسي بل في انعقاد البرلمان الجديد واشكالية تشكيل حكومة يريدها التيار الصدري حكومة أغلبية وطنية لا توافقية، مرهونة بالموافقة الرسمية على النتائج النهائية للأنتخابات، وما سيحصل بعد انتهاء فترة الهدنة السيكولوجية في الشارع الشيعي!

*

أ. د. قاسم حسين صالح

 

 

كريم المظفر

سحب دخان أزمة المهاجرين العالقين على الحدود الاوربية، موضوع الازمة القائمة الان بين بيلاروسيا ودول (بولندا وليتوانيا ولاتفيا) ووراءهم دول الاتحاد الأوربي الأخرى، وبين بيلاروسيا، يحاول البعض من الاوربيين، دفع بهذه السحب نحو روسيا، واتهام موسكو بضلوعها في هذه الازمة، والاشارة الى ان شركة " آيرفلوت " الروسية، تساهم في نقل المهاجرين الى بيلاروسيا من دول الشرق الأوسط، الامر الذي نفته الشركة الروسية جملة وتفصيلا، لأنها لا تملك أي خطوط مباشرة مع هذه الدول، ولا حتى رحلات (تشارتر) .

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بدوره، نفى هو الاخر اتهامات عدد من دول الاتحاد الأوروبي بتورط روسيا في أزمة الهجرة الجديدة، و"أريد أن يعرف الجميع أنه لا علاقة لنا به على الإطلاق.. الجميع يحاول أن يفرض علينا أي مسؤولية لأي سبب وبدون سبب على الإطلاق"، والتشديد على أن أيا من شركات الطيران الروسية لا تحمل مهاجرين، والذين وجدوا أنفسهم فيما بعد على حدود بيلاروسيا والاتحاد الأوروبي. لا يتناسب مع القيم الإنسانية التي أعلنها الاتحاد الأوروبي.

روسيا سخرت من القيم الإنسانية التي يتبجح فيها الغرب، ويعلن عنها في كل محفل، وقال بوتين في مقابلة على موقع روسيا 24، "طوال الوقت يسمع من الغرب أن القضايا الإنسانية يجب أن تظل في المقدمة، ولكن عندما يقوم حرس الحدود البولنديون وممثلو القوات المسلحة بضرب هؤلاء المهاجرين المحتملين، والجيش يطلق النار فوق رؤوسهم، وصفارات الإنذار تطلق في الليل والأضواء في أماكنهم حيث الأطفال والنساء في الأشهر الأخيرة من الحمل - بطريقة ما هذا لا يتناسب مع الأفكار الإنسانية، التي من المفترض أنها تكمن وراء السياسة الكاملة "لجيراننا الغربيين".

كما أعلن الرئيس الروسي عن استعداد رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو والقائم بأعمال المستشارة الاتحادية لجمهورية ألمانيا الاتحادية أنجيلا ميركل لإجراء مفاوضات مع بعضهما البعض، معربا عن امله أن يحدث هذا في المستقبل القريب، وهذا برأيه هو الأهم، لأن المهاجرين يميلون في المقام الأول إلى ألمانيا، مشيرا الى أن السؤال عن سبب استمرار عدم إجراء المحادثة يجب ألا يُطرح عليه، وقال الرئيس أن "هذا لا يهمنا".

ان أزمة الهجرة على حدود بيلاروسيا والاتحاد الأوروبي تجاوزت وبشكل تدريجي إطار الصراع الإقليمي وتستقطب المزيد والمزيد من المشاركين الجدد، وأصبحت المواجهة بين مينسك والدول الغربية بالفعل جزءًا من عملية تدمير النظام الحالي للعلاقات الدولية وتصعيد التوتر في القارة الأوراسية، و إن دورًا مهمًا في ما يحدث اليوم لا يلعبه فقط المشاركون المباشرون في النزاع، ولكن أيضًا الدول التي، للوهلة الأولى، ليس لها علاقة مباشرة به.

وأصبحت الأزمة على حدود بيلاروسيا مع بولندا وليتوانيا ولاتفيا في الأسابيع الأخيرة أحد الموضوعات الرئيسية لوسائل الإعلام الأوروبية وحتى بعض وسائل الإعلام الأمريكية، وكذلك في نظر السياسيين الغربيين، وأصبح الزعيم البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو هو المبتز الرئيسي للاتحاد الأوروبي، والذي غالبًا ما يُقارن بالرئيس التركي رجب أردوغان، ويشير المراقبون الى انه في وقت من الأوقات، نجحت أنقرة في التطفل على موضوع المهاجرين، على الرغم من أنها لم تحقق نجاحًا كبيرًا نتيجة لذلك، ولم تصبح الدولة أبدًا عضوًا في الاتحاد الأوروبي، وتبين أن الأموال التي خصصتها لها بروكسل لإبقاء اللاجئين ومكافحة الهجرة غير الشرعية أقل بكثير مما توقعته السلطات التركية.

ان منطق مقارنة تصرفات لوكاشينكا وأردوغان، هو ان مينسك أعلنت في الربيع أنها لن تكبح بعد الآن تدفق المهاجرين غير الشرعيين نحو الاتحاد الأوروبي بسبب حقيقة أن الجيران الغربيين فرضوا عقوبات على بيلاروسيا، وبررت السلطات البيلاروسية موقفها ليس فقط برفض الشركاء الأوروبيين الدخول في حوار، ولكن أيضًا بنقص الأموال لمقاومة تدفق المهاجرين فقط، ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أنه في الماضي، لم تكن مشكلة اللاجئين من بلدان الشرق الأوسط أو آسيا أو أفريقيا على جدول الأعمال البيلاروسي، وكان عدد المهاجرين من هذه المناطق ضئيلًا، على الرغم من أن الطائرات قد سافرت سابقًا إلى الجمهورية من العراق أو تركيا أو الإمارات العربية المتحدة، اليوم، أصبحت هذه البلدان هي نقاط الانطلاق الرئيسية للاجئين في طريقهم إلى الاتحاد الأوروبي عبر بيلاروسي، وعلى مدى الأشهر الماضية، زاد تدفق المهاجرين غير الشرعيين إلى بولندا وليتوانيا ولاتفيا من بيلاروسيا بشكل كبير لدرجة أن جيران بيلاروسيا بدأوا في بناء سياج على الحدود، وأعلنوا حالة الطوارئ في المناطق الحدودية وطلبوا المساعدة من بروكسل.

ومع ذلك، حتى 8 نوفمبر، ظل الوضع هادئًا نسبيًا ولم يتجاوز الاتهامات الثنائية والتقارير اليومية عن المهاجرين غير الشرعيين الذين تم القبض عليهم على الحدود مع بيلاروسيا، وفي مثل هذا اليوم بدأت جولة أخرى من أزمة الهجرة التي تنذر بعواقب وخيمة على القارة بأكملها، وترك المهاجرون، بشكل غير متوقع للجميع، أماكن انتشارهم بطريقة منظمة ووجدوا أنفسهم في حشد منظم من الآلاف على الحدود البولندية، والتي بدأوا على الفور في اقتحامها، وما أوقف اللاجئين هو الاستخدام "الإنساني" للغاز المسيل للدموع من قبل قوات الأمن البولندية .

ورداً على ذلك، لا تقوم بولندا بترتيب إطلاق النار فحسب، بل ترهب المهاجرين بمساعدة طائرات الهليكوبتر، ولكنها تستخدم أيضًا أساليب كانت شائعة في منتصف القرن الماضي - من خلال مكبرات الصوت، تدعو المهاجرين إلى العودة إلى ديارهم، وتعمل دول البلطيق على صب الزيت على النار، التي اصطفت تمامًا مع البولنديين وهي الآن تضخم المشكلة إلى أبعاد عالمية، ووعدت بإطلاق النار على الناس على الحدود، علاوة على ذلك، صرحت لاتفيا أنه يجب أن يشارك الناتو في حل النزاع على الحدود البيلاروسية، الأمر الذي لا يساهم على الإطلاق في تطبيع الوضع، مع مراعاة موقف مينسك وموسكو من الحلف، وقد يؤدي استخدام هياكل الأمم المتحدة من أجل الضغط على السلطات البيلاروسية إلى عواقب لا يمكن التنبؤ بها، لأن قضية المهاجرين كانت منذ فترة طويلة إحدى نقاط الخلاف على الساحة الدولية.

لم تتسبب الأزمة على الحدود بين بيلاروسيا والاتحاد الأوروبي موجة من السخط في الغرب فحسب، بل أغرقت الكثيرين أيضًا في حالة من الذعر، وبدأت جميع دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تقريبًا تتحدث عن "العدوان الهجين" للوكاشينكو، الذي يقف وراءه الكرملين، ووعدت بروكسل وواشنطن بمعاقبة كل المتورطين في تفاقم الوضع، بما في ذلك شركات الطيران من دول ثالثة التي يُزعم أنها تنقل المهاجرين إلى بيلاروسيا، ويشار هنا إلى شركة إيروفلوت الروسية والخطوط الجوية التركية التركية، وإذا تم اتخاذ بعض الإجراءات حقًا، فقد يؤدي ذلك ليس فقط إلى انهيار نظام النقل الجوي في القارة الأوراسية، ولكن أيضًا إلى مشاكل خطيرة في الناتو، حيث لن تنظر موسكو ولا تركيا في ذلك بهدوء.

حتى المعارضة البيلاروسية انجذبت إلى الصراع، الذي ظل تحت رعاية بروكسل وواشنطن خلال العام الماضي، واتهم معارضو ألكسندر لوكاشينكو، كما لو أمروا به، الرئيس البيلاروسي اتهموه بالوحشية وانحازوا إلى جانب وارسو، وبدلاً من البحث عن سبل للخروج من الوضع الحالي وفرص الحوار مع مينسك، قررت السلطات البولندية تصعيد التوترات باستخدام المعارضين الذين فروا من بيلاروسيا لهذا الغرض، وعلى وجه الخصوص، في 9 نوفمبر / تشرين الثاني، اتصل الرئيس أندريه دودا بمرشحة الرئاسة السابقة سفيتلانا تيخانوفسكايا، ووصفها بـ "زعيمة بيلاروسيا الديمقراطية" وشكرها على دعم بولندا، وبدورها، أعربت تيخانوفسكايا، بهذه المكالمة، عن اعتزازها بقولها إن "مواقفنا هي نفسها: هذا تصعيد متعمد للنظام ويجب على الاتحاد الأوروبي الرد بحسم"، وبنفس الخطاب، ذهبت في جولة أوروبية أخرى، بدأت في 9 نوفمبر مع ألمانيا.

لقد أدت المواجهة بين بيلاروسيا والاتحاد الأوروبي بالفعل إلى حقيقة أن أزمة الهجرة بدأت تتحول بشكل متزايد إلى نوع من الأدوات لنشر العمليات العسكرية في أوروبا الشرقية، وعلى وجه الخصوص، بدأت بولندا في نقل ليس فقط آلاف الوحدات العسكرية إلى الحدود، ولكن أيضًا نقل المعدات الثقيلة، بما في ذلك دبابات ليوبارد، كل هذا يتم بموافقة غير مشروطة من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، حيث أعلنوا دعمهم لأعمال وارسو، كما اعلن الناتو اجراء مناورات في البحر الأسود باستخدام الأسلحة الاستراتيجية غير مخطط لها أ اعتبرها الرئيس الروسي بانها" تحد خطير لبلاده، لانه لم يتم تشكيل مجموعة سفن قوية بما فيه الكفاية فحسب، بل تم أيضًا استخدام الطيران، بما في ذلك الطيران الاستراتيجي، في سياق هذه التدريبات"، وشدد على أن وزارة الدفاع الروسية اقترحت إجراء تدريبات غير مخطط لها هناك، لكن "أنا اعتقد أنه لا يوجد ضرورة لهذا ولا يجب تصعيد الموقف هناك".

وفي المقابل، وعدت مينسك بالرد على أي أعمال عدوانية من الغرب، ولكن مع روسيا، وكتأكيد على هذا الاستعداد، في 10 نوفمبر، أفادت وزارة الدفاع في بيلاروسيا أن البلاد زادت من تكوين الدفاع الجوي أثناء الخدمة، كما سمحت للقاذفات الروسية من طراز Tu-22M3 بالقيام برحلات منتظمة في مجالها الجوي (سابقًا، كانت مثل هذه الرحلات دورية).

وفي 12 تشرين الثاني (نوفمبر)، وكجزء من فحص مفاجئ للجاهزية القتالية للقوات المحمولة جواً في منطقة غرودنو، ظهر المظليين الروس، الأمر الذي أغرق الكثيرين في الغرب في ذهول، بشكل عام، فإن أحداث الأسبوع الماضي، وكذلك التصريحات الأخيرة لألكسندر لوكاشينكو حول إمكانية وقف نقل الغاز إلى الاتحاد الأوروبي وأشياء أخرى تؤكد فقط حقيقة أن العاصمة البيلاروسية مستعدة للوقوف حتى النهاية، بغض النظر عن النتائج.

في هذه الحالة، فإن موقف جارتي بيلاروسيا، اللذين لا يرتبطان مباشرة بأزمة الهجرة على الحدود مع الاتحاد الأوروبي، مهم، بادئ ذي بدء، روسيا، التي اتخذت موقفًا تضامنيًا مع مينسك الرسمي، ولكن مع بعض الفروق الدقيقة، وعلى وجه الخصوص، أصبح خطاب الكرملين وممثلي وزارة الخارجية والسياسيين الروس وكبار المسؤولين متطابقًا تقريبًا مع الخطاب الذي سمعناه من مينسك في الأشهر الأخيرة، وحمل وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بشكل كامل بعد اجتماع مع نظيره البيلاروسي فلاديمير ماكي، المسؤولية الرئيسية عن حل الأزمة مع المهاجرين على عاتق أولئك الذين خلقوا الظروف لاندلاع هذه الأزمة، وأضاف أنه في حل الأزمة، يجب على المرء تجنب نهج مزدوج ومقاربة لموقف دول الاتحاد الأوروبي من قضية استقبال اللاجئين "بمعايير موحدة" .

في الوقت نفسه، عرضت موسكو رسميًا بعد الاتصالات الهاتفية بين الرئيس الروسي والمستشارة الألمانية خياراتها للخروج من الوضع الحالي، وأعربت عن املها في أن "يساعد الاتصال المباشر بين قيادة بيلاروس والدول الأوروبية الكبرى في حل هذه المشاكل"، وأشار السكرتير الصحفي لرئيس الاتحاد الروسي ديميتري بيسكوف، الى ن الوضع يبدو مقلقًا ويتطلب "سلوكًا مسؤولًا للغاية من جميع الأطراف المشاركة في هذا الأمر"، ووفقا له، يأمل الكرملين في أن الوضع على الحدود بين بولندا وبيلاروسيا "لن يتخذ بأي حال شكلا يشكل تهديدا لأمننا"، ومع ذلك، يُعرض اليوم على مينسك حل المشكلة القائمة بشكل مستقل.

اليوم، بالنسبة لموسكو، أولاً وقبل كل شيء، من المهم ألا يتحرك المهاجرون نحو الاتحاد الروسي، ولا يتحول الوضع على حدود بيلاروسيا والاتحاد الأوروبي إلى مرحلة ساخنة، في الوقت نفسه، تدرك روسيا جيدًا أن الوضع الحالي لا يمكن أن يستمر إلى أجل غير مسمى، خاصة وأن المهاجرين يستمرون في الوصول إلى بيلاروسيا وكل يوم هناك المزيد منهم في الجمهورية، ومن غير المرجح أن توقف تدفق المهاجرين دون رغبة السلطات البيلاروسية، في الوقت نفسه، وعلى خلفية ملايين اللاجئين الذين يقتحمون حدود الاتحاد الأوروبي من الجنوب، يبدو آلاف الأشخاص على الحدود البولندية سخيفة، وتدرك موسكو جيدًا أنه يمكن إيجاد حل للمشكلة بسرعة كبيرة وبدون المشاركة الروسية، لهذا يجب يفضل الروس أن يكون لدى بروكسل الإرادة السياسية والعزم على الجلوس إلى طاولة المفاوضات.

 

بقلم الدكتور كريم المظفر

 

 

 

محمود محمد علينعود وننهي حديثنا عن أشرف مروان وكونه عميل إسرائيلي أم وطني وشهد من شهداء أكتوبر، وفي هذا نقول: أما فيما يخص البحث خلف علاقات أشرف مرون الاستخباراتية ؛ وبالذات الموساد الإسرائيلي، فبعض الباحثين يري أنه مثل أي دولة فإن إسرائيل تهتم بالعمل الاستخباراتي، فهي الطريقة التي تمكنك من أجل كيف يفكر الإعداء أو الأصدقاء، ولذلك فالطريقة المثلي أن يكون لديك شخص قريب للغاية من الرئيس .. شخصا يا حبذا لو كان ابنة جمال عبد الناصر ومقربا في وقت لاحق من الرئيس أنور السادات ويمكنه موقعه من جمع المعلومات لقربه من منطقة صنع القرار مثل إيلي كوهين ا لجاسوس الإسرائيلي الذي أعدمته سوريا عام 1965، وقد ذكر الكاتب " إيان يلاك " مؤلف كتاب " تاريخ المخبرات الإسرائيلية "، حيث قال أنه من المثير في قضية أشرف مروان أننا لا نعرف كثيرا من التفاصيل، فما نعرفه قد تم توثيقة كان جيدا من الجانب الإسرائيلي وليس المصري، تلك الوثائق التي ذكرت أن أشرف مروان هو الذي عرض تقديم خدماته على الإسرائيليين ".. وتعددت روايات المؤرخين والكتاب الإسرائيليين عن كيفية تجنيد أشرف مروان، لكن الرواية الأكثر قوة ومصداقية، والتي وردت على لسان مسؤولين من أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية كانت متمثلة في كتاب يوري بار جوزيف Uri Bar- Joseph بعنوان الملاك The Angel والذي صدر عام 2010، حيث ذكر أن أشرف مروان في احدي زياراته في لندن في صيف 1970 اتصل بالسفارة الإسرائيلية وطلب التحدث مع أحد أعضاء الفريق الأمني، لكنه صُرف مرتين على الأقل قبل أن يُسمح له بترك رسالة، وعرف أشرف مروان نفسه بالاسم، وابدى مروان رغبته في العمل مع الاستخبارات الإسرائيلية، لكنه فضل عدم ترك رقمه فيفيلا، وقال إنه سيهاتفهم مرة أخرى بعد الظهيرة، وعندما هاتفهم لم يستقبل ردا، ولكنه ترك رقم هاتف الفندق الذى يقيم فيه ليأتيه الرد هذه المرة بالموافقة على المقابلة في مقهي قريبا من مقر إقامته .. بدأ أشرف مروان مع الاستخبارات الإسرائيلية بإعطائهم مجموعة من الوثائق والمعلومات والتي وصفها "شموئيل غونين" שמואל גונן (مدير عمليات الموساد في أوربا في الفترة من 1968 وحتي 1974) بقوله مادته كهذه من مصدر كهذا، إنه شئ لا يحدث إلا مرة واحدة كل ألف عام، فمن يصدق أن أشرف مروان الذي استطاع كسب ثقة الرئيس السادات بدعم مروان له خلال صراعه مع مراكز القوى ولأن مروان وقف إلى جوار السادات في هذه المعركة فقد كافئه بتصعيده ليحل محل سامي شرف كسكرتير لرئيس الجمهورية للمعلومات، ومن ثم كان أشرف مروان يمثل ذراع السادات اليمني ومدير مكتبه.

وعن أبرز المعلومات التي قدمها أشرف مروان للموساد علي حد ما ورد في كتاب كتاب "حرب يوم الغفران- الواقع يحطم الأسطورة،" للكاتب الإسرائيلي إيلي زعيرا אלי זעירא‏) أن العميل أشرف مروان أمد الاستخبارات الإسرائيلية بأدق المعلومات خلال تواجده على رأس عمله كرئيس لمكتب السادات للمعلومات عن الحركة السياسة والعسكرية بمصر منها: نص حديث بين الرئيس السادات والرئيس الروسي " برجنيف" حول السلاح الذي طلبته مصر من روسيا وقتها وفي الحديث يقول السادات بوضوح إذا لم تعطوني لي السلاح فلن أحارب ..

هكذا كان الإسرائيليون يرون أهمية مرون بالنسبة لهم، لكن كيف كانت أهميته بالنسبة للجانب المصري؟

وهنا يجيبنا الأستاذ توحيد مجدي – الباحث في الشؤون الاستخباراتية ومؤلف كتاب أسرار أشرف مرون، حيث يقول إنه لكي نجيب علي هذا السؤال لا بد من أن يقضي الباحث ساعات طويلة من البحث والدراسة والفحص، ودراسة كل شئ أولا كان في حياة اشرف مروان على مستوى عمله في رئاسة الجمهورية، ويجب أن تدرس ما هي المعلومات التي يلمها إلى دولة إسرائيل .. إن معلومات أشرف مروان عند يتعمق ويدرسها الباحث بعناية سرعان ما يدرك أنه لن يجد فيها ما أدت إلى مثلا إلى إبادة كتيبة مصرية، بل لم تؤدي إلى أي شئ استراتيجي على الأرض يؤدي إلى ضرر للدولة المصرية بشكل موجع سواء في شكل خسائر بشرية أو خسائر في العتاد وفي الأسلحة .. ولهذا يمكن القول بأن أشرف مروان كان عميلا مزدوجا خالصا بامتياز.

وفي لقاء تاريخي بلندن بين أشرف مروان ورئيس جهاز الموساد وقتها " تسفي زامير " يوم الخامس من أكتوبر – تشرين الأول عام 1973 أخبر مروان زامير سوف تقوم غدا، وضغط زامير على مروان بحسب قوله في مقابلة بُثت على التلفزسون الإسرائيلي لمراجعة المعلومة والتأكد من صدقها حتى منتصف الليل ..

بدأ صوم الكيپبور عند اليهود وفي الثانية من صباح اليوم نجح زامير في ايجاد خط تليفون له ليبلغ تل أبيب بالخبر الخطير بأن الحرب ستقوم فيي الساعة السادسة مساءً، وبحسب رسالة زامير احتوت المعلومة التي حصل عليها من مروان على جزء خطأ، وهو المتعلق بساعة الصفر التي تبدا بها المعركة، فهل ذلك يشكك في ولائه الكامل لإسرائيل ويصب في فرضية أنه عميل مصري مزدوج .

ولذلك يعتقد البعض بأن أصل الخلاف بأن مروان إذا كان عميلا مزدوجا في حساب المصريين، لأنه لو أعطي معلومات خاطئة ولو بشكل طفيف، فقد أعطي للمصريين فرصة تفوق كبيرة .. لقد تمكن المصريون من عبور قناة السويس ولهذا من المعتقد ان مروان لم يعرف التوقيت الصحيح، وأنه ارتكب خطأ وكان يحاول مساعدة الإسرائيليين وهذا يشكك في كونه عميلا مزدوجا .

ذهبت السيدة مني عبد الناصر إلى اتهام الموساد الإسرائيلي بقتل زوجها وكررت ذلك في تصريح صحفي لها بجريدة الاوبزيرفر حيث ذكرت ان عملاء الموساد هم من قتلوا زوجي .

بعد تلك الشهادات التي وردت بشأن جاسوسية مرون فقد أكد كلا الطرفين المصري والإسرائيلي أنه ليس من مصلحته قتل مرون.

وعلي الجانب المصري بعد حرب أكتوبر كرم الرئيس السادات الدكتور أشرف مروان ووسع من صلاحياته ليصبح مندوبه الخاص لدي قادة الدول، ثم عُين رئيسا للهيئة العربية للتصنيع والتي أُنشئت بشراكة عدة دول عربية، تلك الهيئة المنوط بها تصنيع السلاح، فهل كانت تلك اللحظة هي بداية دخول مروان عالم تجارة السلاح من خلال تكوين علاقات وصداقات مع قادة الدول الموردة والمستوردة له .

وهنا يقودنا وراء الخيط الثاني وهو علاقات اشرف مروان ودوره في عالم تجارة السلاح ؟

وهنا يمكن القول أنه بعد أن ترك السلطة وذهب إلى لندن بدا يستغل هذه العلاقات في تكوين ثروة عن طريق أخذ عمولات من جانب الدول الأوربية وذلك ليستقطب بها سلاحا لبعض الدول العربية والتي تربطه علاقات صداقة بزعمائها .

وكان مروان قد ترك مصر عام 1981 وبدأ حياته الجديدة بلندن ودخل في شراكة مع أحد كبار تجار السلاح في ذلك الوقت، مثل المليونير الإنجليزي المقرب من إسرائيل "تيري رولان" لأسهم شركة تريد هند المملوكة لإيران والتي سرعان ما شارك فيها أحمد قذاف الدم ابن عم العقيد الليبي معمر القذافي وشقيق رئيس جهاز المخابرات الليبي في ذلك الوقت، تلك الشركة التي حامت حولها الشبهات، لما عُرف عن دورها في تسهيل عملية تجارة السلاح .. فهل كان ثم حدث من مروان في تجارة الموت كان جزاؤه القتل للرجل؟.. لكن يبدو أن كل الخيارات مفتوحة ولكن لم يتضح للآن دليل وبرهان حقيقي.

وننتقل للخيط الثالث والتي تتعلق بعلاقات مروان وصفقاته التجارية، فقد تضخمت امبراطورية مروان الاقتصادية في حياته الجديدة بلندن، وتعددت نشاطاته وصفقاته وصراعاته ايضا، واعتبارا من الثمانيات والتسعينات كان رجلا نشطا في لندن، كان لديه أملاك واستثمارات، فقد كان مستثمرا رئيسيا في نادي تشيلسي لكرة القدم وشارك في كثير من الصفقات مع العديد من الشركات البريطانية .

ولهذا يمكن القول بأن احدي صراعات مروان والتي طفت علي السطح في تلك الفترة، كان تنافسه مع محمد الفايد علي مجموعة الـ " House of Fraser " وهي الشركة الأم لمجموعة " الـ " Harrods ، وكان الفايد يخشي مروان لصلته وقربه بالحكومة المصرية وكان يعلم أن مروان يمكن أن يلحق به ضررا كبيرا إذا لزم الأمر ذلك .. فهل تطورت العلاقة بين مروان والفايد إلى ما بعد التنافس التجاري؟

يري البعض أن ليس من المعتقد ذلك أبد، حيث انتهت علاقة الفايد بوفاة رولاند، وهنا يظل عالم الأعمال والصفقات التجارية عالما محاطا بالصراع والغموض، فهل دفع مروان حياته ثمنا لصراع حول صفقة تجارية هنا أو هناك .

من كل ما سبق يتضح لنا أن أصبحنا أقرب إلى فكرة مروان انتهت حياته بفعل فاعل وليس برغبة منه وبالتالي رجحت فرضية الاغتيال دون أن تصل لإجابة للسؤال المتعلق بالمسؤول عن ذلك الاغتيال إن صح، ويعود الغموض إلى تداخل علاقات مرون الاستخباراتية والتجارية، وخاصة في مجال تجارة السلاح .

والسؤال الجدير بالطرح الآن يتعلق بالمغزى الإسرائيلي وراء استدعاء ملف أشرف مروان بكل التباساته في الوقت الراهن .. لماذا يعمل الموساد لإحراز هدفاً في المرمي المصري رغم ما بين الجانبين من سلام دافئ كما أسماه الرئيس حسني مبارك، أم أن إسرائيل تبعث كما يرى مراقبون برسائل تلائم العصر الجديد، تقول إن أمثال أشرف مروان بحسب تصويرهم له مبثوثون في قصور الحكم ودوائر صنع القرار في أكثر من بلد عربي، يجاهر بعضهم ويواري آخرون انتظاراً لبدء تطبيع عالمي مواتي .

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة اسيوط

................................

مراجع المقال

1- نهايات غامضة- كيف انتهت حياة أشرف مروان في لندن؟.. قناة الجزيرة .. يوتيوب.

2- يوري بار – جوزيف:الملاك!.. الجاسوس المصري الذي أنقذ إسرائيل، ترجمة فاطي فؤاد، مراجعة وتحرير مركز التعريب والبرمجة، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، 2016.

3- الحصاد - أشرف مروان عميل لإسرائيل أم بطل مصري .. قناة الجزيرة .. يوتيوب.

 

محمود محمد عليأشرف مروان هو عميل إسرائيلي أم آخر شهداء حرب أكتوبر 1973 جدل يتجدد بشأن رجل الأعمال والسياسي المصري " أشرف مروان" بعد مرور أكثر من أحد عشر عاماً لرحيله في الغرب ؛ فعلي مشارف الذكري الخامسة والأربعين لحرب أكتوبر جددت إسرائيل الجدل القديم بإفراجها عما قالت بأن برقية التحذير الرسمية التي ارسلها رئيس الموساد الإسرائيلي آنذاك " زامير" بعد لقاءه بأشرف مروان في الخامس من أكتوبر عشية الحرب، حيث أطلعه الأخير عبى ساعة الصفر، معيدة التأكيد على أن مروان كان جاسوسا لديها يساوي وزنه ذهباً كما يقول الإسرائيليون .

وبالتزامن مع إعلان الوثيقة ينطلق الفيلم الإسرائيلي "الملاك" الذي يعتمد على رواية إسرائيلية بشأن مروان الذي تقول دوائر استخباراتية إسرائيلية أنه كان نصرا نادراً في عالم الجاسوسية، لا يتكرر إلا كل ألف عام .

كان مروان صهرا للرئيس الراحل " جمال عبد الناصر"، تزوج ابنته مني منذ منتصف الستينات واقترب منذاك من دوائر الحكم سواء في عهد صهره أم في عهد خلفه الرئيس السادات، ورغم ما بين الرئيسين من تباين في السياسات، إلا أن مصاهرة مروان لعبد الناصر لم تمنعه إلى النفاذ السريع من قلب السادات ومكتبه .

وبينما يشيع الإسرائيليون تجنيدهم لمروان يصر الجانب المصري إلى أنه كان عميلاً مزدوجاً، عمل لصالح بلاده، وساهم في خطة الخداع الاستراتيجي إبان حرب أكتوبر إبان عام 1973، لكن مآلات تلك الحرب نفسها لا تحسم الجدل، بل تُبقي تساؤلات برأي مراقبين عن دور مروان المعلوماتي في تلك الفترة،وهل استخدمه السادات فعلا في تطهير العدو، أم استخدمه ذلك العدو في تخريج الحرب لنتائجها وتحويلها من حرب تحرير إلى حرب تحريك كما أُطلق عليها لاحقاً .

كُرم أشرف مروان عقب الحرب مباشرة ومُنح وسام رفيعاً، ثم أشاد به مبارك بعد عقوداً إبان مصرعه المثير للجدل عام 2007م .

وكما اكتنف الغموض حياة أشرف مروان فقد أسدل حجبا كثيفة لم تتكشف بعد عن حادص مصرعه في السابع من يونيو – حزيران عام 2007م بالعاصمة البريطانية .

ودعونا نشرح لكم تفاصيل مصرعه ؛ ففي يوم غائم ليس كعادته في لندن – عاصمة الصباب تحديدا يوم الأربعاء السابع والعشرين من يونيو –حزيران عام 2007 في تمام الساعة الواحدة والنصف، بينما كانت السماء تضج بأصوات الطائرات المراقبة لتوني بلير – رئيس وزراء بريطانيا آنذاك وهو في طريقه لقصر بيكنج هام لتقديم استقالته للملكة صُعق أحد المارة بمنظر جثة هامدة بالحديقة المجاورة لمنزل "كارتن هاوس" القريب من "بيكاديلي سكوير" – أحد أهم الأماكن بلندن حيث يقع قصر الملكة .

بعدها بقليل ابتدأ المكان بالعمال السريين ورجال الشرطة وسيارات الإسعاف، تأكد رجال الشرطة أن الشخص الذي سقط قد فارق الحياة، وتعرفوا علي شخصيته، إنه المصري الدكتور " أشرف مروان" –صهر الرئيس جمال عبد الناصر وسكرتير المعلومات الخاص بالرئيس السادات ورجل الأعمال الشهير، أصيب الجميع بالصدمة التي لم تتضح تفاصيلها بعد، وما إذا كان الأمر عملية انتحار، أم أنه جريمة قتل، أم مجرد حادث ماساوي، ليضاف أسم " أشرف مروان" إلى جوار سابقيه من المصريين الذين لقوا حتفهم بنفس الطريقة وفي نفس المدينة، من أمثال (اللواء الليثي ناصف قائد الحرس المصري الجمهوري السابق، والممثلة سعاد حسني) .. استوقفتنا القضية وقررنا البحث في أدق تفاصيلها، فنحن أمام شخصية حامت حولها الشبهات، فقد وقعت الحادثة بعد اسبوعين فقط من صدور حكم قضائي بإحدى محاكم إسرائيل يؤكد عمل الدكتور " اشرف مروان" كجاسوس لصالح إسرائيل .

بين الانتحار والاغتيال تأرجحت تحقيقات الأمن والقضاء البريطانيين وانتهي الأمر إلى بقاء الأمر معلقاًُ لعام 2010، حيث بدأت التحقيقات للتعرف علي الإجراءات والخطوات المتبعة في التحقيق في مثل هذه الحوادث بالدولة التي وقعت على أرضها الحادثة، فذهبنا إلى لندن، لمقابلة المحامي والمستشار القانوني بلندن السيد " أمجد سلوفاكي" .

وقد جاء في تقرير الطب الشرعي بوجود مضادات الاكتئاب في آثار دم مروان، وتدهور حالته الصحية، مما عزز فرضية الانتحار، وهو ما أكدته نتائج تحقيق البحث الجنائي الذي شُكل من شرطة Scotland Yard برئاسة المحقق "تولمن"، لتخرج الرواية الرسمية الأولي والتي تؤكد عدم وجود شبهة جنائية، فكان علينا أن نختبر مصداقية تلك الرواية لدي القريبين من " اشرف مروان" والمتخصصين في متابعة مثل تلك القضايا .

وذكر أحد الصحفيين ويدعي "كيرس بلاك هيرست Chris Blackhurst"، في مقال له بالاندبندنت في مقال له بعنوان" This Wheeler –dealer would be the last to kill himself، أي " هذه الداهية آخر من يقتل نفسه"، والذي كانت تربطه صداقة علاقة مع الدكتور مروان ، والذي لم يصدق بصدق برواية انتحار "أشرف مروان، حيث قال:" هناك شئ وربما شيئان أعرفهما عن مروان، الأول أنه شخص مغرور، وأنا لا أظن أن المغرورين يقتلون أنفسهم، فهذا ليس شائعا، والأمر الأخر هو أنه كان شخصا موسوساً، لا اعتقد أنه يترك عملا بدون أن ينهيه .. ليس واضحا أنه ترك رسالة أو شيئا من هذا القبيل، وإلا كنت عرفت، فأنا لا أصدق أن هذا الاحتمال صحيح .

أما عن أسرة " أشرف مروان" فقد ذكرت وثائق ويكليكس المسربة لحديث للسدية مني عبد الناصر – زوجة " أشرف مروان"، فقد ذكرت أثناء التحقيقات أنه لم يتحدث من قبل عن فكرة الانتحار، لكنها تخشي أنه مات مقتولا"" .

لم تقتنع أسرة مروان ولا أصدقائه المقربون بنتيجة التحقيق، ورفضوا فكرة أن الرجل أنه أنهى حياته منتحرا، وجاءت الجمعية العمومية لأتحاد المصريين بلندن، لتؤكد نفس القناعة، ليعاد فتح التحقيق مرة أخري .

كان " أشرف مروان" وحيدا في شقته قبل أن يُشاهد وهو ملقي من إحدى الشرفات، وكانت زوجته السيدة " مني عبد الناصر" في بيروت وولده جمال وأحمد بالقاهرة، ولم يكن ثمة شهود من أسرة " أشرف مروان" لديهم إجابة قاطعة عما حدث في تلك اللحظات، وانتهي الأمر بحكم مفتوح، حيث خلص الطبيب الشرعي في الثاني عشر من يوليو عام 2010 إلى أنه لم يكن ثم دليل على أي نية للانتحار، لكن المفارقة فيما أصافه، وبكل تأكيد ليس هناك دليل علي مزاعم أن " أشرف مروان" قد أُغتيل .

وهنا ازدادت القضية غموضا بدلا من أن تتضح معالمها، لكن نفس الذي يسيطر علينا وهو: من السبب في " أشرف مروان" لم يعد علي قيد الحياة؟

وهنا وجدنا في إحدى وثائق ويكليكس المسربة والخاصة بالسدية مني عبد الناصر، حيث ورد في تلك الوثائق أنها ذكرت للمراسلين خارج المحكمة بأنها لا تزال تؤمن بأن هناك لعبة خارج القانون في هذا الأمر .

ونفس الشئ حدث للسيدة مني عبد الناصر وذلك في تصريح لها في إحدى وسائل الإعلام تقول فيه إن مروان بدا في أيامه الأخيرة يدرك أن هناك خطرا يهدد حياته، وا،ه أصبح قلقا علي غير عادته، واخبرها أن هناك من يريدون قتله دون أن يحدد جهة بعينها .

وقد فتحت هذه التصريحات أماك كثير من المهتمين بأمر قضية أشرف مروان، وذلك بالحث عن هؤلاء الذين كانوا يطن مروان أنهم يهددون حياته ويريدون قتله، حيث ذكر الباحث محمد عبد النور وهو باحث في التحقيقات الدولية، حيث أكد أن أشرف مرون كان له أعداء كثيرين، وعلي رأسها المخابرات الإسرائيلية، فضلا عن عملاء وسماسرة تجارة السلاح الذين تعامل معهم أشرف مروان وخصوصا فيما يتعلق بصفقات التسليح للمملكة العربية السعودية وليبيا .

بعد سماع الشهادات أصبح واضحا أن هناك صلات جهات أصبحت تمثل خطرا وتهديدا علي حياة أشرف مروان: الأولي:علاقاته الغامضة بأجهزة الاستخبارات، وأما الثانية: فهي تعاملاته في تجارة السلاح، واما الثالثة صفقاته التجارية المتعددة، وهنا في هذه الورقة علينا أن نسر خلف كل خيط من هذه الخيوط لمحاولة كشف غموض مقتل أشرف مرون!.... وللحديث بقية..

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة اسيوط

..............................

مراجع المقال

1- الحصاد - أشرف مروان عميل لإسرائيل أم بطل مصري .. قناة الجزيرة .. يوتيوب.

2- نهايات غامضة- كيف انتهت حياة أشرف مروان في لندن؟.. قناة الجزيرة .. يوتيوب.