نبيل عودةنشوء وانتشار الفكر القومي برز كفكر سياسي على أثر الثورة الفرنسية (عام 1789)، والتي على اساسها طرحت المبادئ الجوهرية الرئيسية التي تبنتها فيما بعد الأمم المتحدة بإطار مبادئ حقوق الانسان، وهي العدالة، الأخوة، المساواة، طبعا كشرط لوجود القوميات، وذلك بعد 200 عام من طرح الثورة الفرنسية لتلك المبادئ.

يعتبر هذا التاريخ أيضا بداية انطلاقة تشكيل الفكر القومي وتطور المفاهيم القومية، واسقاط مفاهيم الولاء للحكام والكنيسة من المرحلة الاقطاعية، مرحلة القرون الوسطى، وهنا يمكن ان نلاحظ بداية النهضة الاقتصادية والتطور الرأسمالي الصناعي وتشكيل الحدود السياسية للدول بشكل واضح خاصة في أوروبا.

تشكُل القوميات بمفهومها الجغرافي والاقتصادي عمق تشكيل الدول القومية على حساب الهوية الدينية للقرون الوسطى في أوروبا. لم تتضح الهوية القومية بقوتها في أوروبا في القرن الثامن عشر، فلم يكن عند الأوروبيين الموجودين تحت سلطة النظم الملكية-الدينية فهما للهوية القومية، كعامل اجتماعي، اقتصادي ووطني يتجاوز المفاهيم الدينية التي سادت تحت سيادة وسيطرة حكام مدعومين (ومرضي عنهم) من الباباوات في الفاتيكان. بجانب أنه لم تكن هناك هوية جامعة، وما كان لها ان تنشأ بظروف كون المنتجين عبيدا للأرض، داخل اقطاعيات مغلقة.

كانت السيطرة لنظام الملك أو الأمير والنبلاء والإقطاعيين، بما فيها اقطاعية الفاتيكان، والآخرون (الفلاحين) هم عبيد مقموعين، عمال بالأرض بنسب تكفي بصعوبة لتجديد قوة عملهم. وكان معظم انتاج الأرض يذهب للإقطاعيين والأنظمة الملكية. وهنا نلاحظ بداية انطلاق المهن وبداية نشوء طبقة العمال في الورشات الصناعية، لكنهم عمال بدون ثقافة مهنية او ثقافة عامة، ووضعهم الاقتصادي لم يكن أفضل أو أكثر وعيا من الفئات الفلاحية داخل الاقطاعيات.

الظاهرة الوطنية في اوروبا هي نتاج تطور اقتصاد مشترك في إطار جغرافي محدد. ماركس أكد ذلك وكان مصيبا، نشوء قومية ارتبط بتطوير اقتصاد مشترك داخل منطقة جغرافية محددة، الفرنسي أصبح متعصبا لفرنسا، الألماني لألمانيا، الانكليزي لإنكلترا ودواليك. لكن ماركس ذهب بعيدا بموضوع التحالف الطبقي العمالي العالمي الذي لم تثبت صحته، وصاغ نظريته عن الحتمية التاريخية، حول الصراع الطبقي بين طبقة البروليتاريا والبرجوازية والذي سيقود للثورة البروليتارية وهزيمة البرجوازية واستلام البروليتاريا السلطة وبناء النظام الاشتراكي. نظريته لم تصمد بامتحان التاريخ. وفكر الصراع الطبقي تجاوزته البشرية منذ أواسط القرن العشرين، ولا بد من صياغة جديدة تتعامل مع المعطيات الاجتماعية والسياسية المتغيرة، وملاحظة هامة ان البروليتارية كانت ظاهرة أوروبية لم تنشا خارج أوروبا، ونشؤها له أسبابه الأوروبية التي رافقت التطور الصناعي والتحول الى مجتمعات بدأت تحتل فيه الصناعة مساحات أوسع من الإنتاج الاقطاعي. ان وصف العمال المعاصرين بالبروليتاريا هو مهزلة. تعبير بروليتاريا جاء من الإمبراطورية الرومانية القديمة كصفة للمعفيين من الضريبة بسبب فقرهم. واستعمل ببداية تطور الرأسمالية التي جندت فلاحين معدمين في مشاغلها. بدون وعي طبقي وبدون ثقافة وبدون مهنية.

ان من يكرر شعار "يا عمال العالم اتحدوا" يعيش عقليا بالقرن التاسع عشر. ولم يستوعب بعد ان الطبقة العاملة (البروليتاريا حسب التعبير الماركسي) اصبحت جزءا من مجتمع مدني أكثر اتساعا من الظاهرة الطبقية الضيقة او حتى من الحدود القومية التي سادت اوروبا حتى أواسط النصف الثاني من القرن العشرين. عمال اليوم أصبحوا تكنوقراطيين ومشغلي تكنولوجيا صناعية متطورة، وفئات بمستوى تعليمي علمي وتكنولوجي وقانوني راق جدا، يضاهي الفئات الاجتماعية الرأسمالية ويتجاوزها.

المفاهيم الطبقية تتلاشي وتختفي في المجتمعات المتطورة اقتصاديا. والحدود تتهاوى امام نشوء مجتمع مدني يشمل المواطنين على قاعدة أكثر اتساعا من الحدود الطبقية الضيقة. لدرجة بات من الصعب وصف فئات عمالية بأسلوب عملها بطبقة عاملة، لأن مداخيلها مرتفعة جدا وتوفر حياة ثرية جدا. وهذه ظاهرة تتسع في الصناعة التي ارتبطت بتطور العلوم والتقنيات، ومع تعمق التطور الرأسمالي فرض التطور احتياجات لعمال مهنيين وتقنيين واداريين فاتسع التعليم العلمي والتقني حيث لم يعد العامل مجرد أداة وعضلات، بل عامل مهني يتعامل مع اعقد الأجهزة التكنولوجية. وارتفع مستوى التعليم وباتت فئات عمالية تدير شؤون الدول اقتصاديا وعلميا، ونظام الحكم في العالم الرأسمالي لم يعد اقتصاد وسلطة، بل أضيفت له مع تعمق التطور والتعليم قوة ثالثة فأصبح: اقتصاد، سلطة ومجتمع المدني، والمجتمع المدني يشمل كل الطبقات الاجتماعية وراء رؤية مشتركة ومصالح مشتركة. انتهى عمليا عصر الاقطاع الذي ساد أيضا بداية التطور الرأسمالي. وكل النظريات التي بنيت على أساس تلك المرحلة المتقدمة من نشوء وتطور الطبقة العاملة أصبحت اشبه بكتاب دين انتهى زمنه.

هذا هو الغائب الكبير في المنطقة التي يشملها تعريف العالم العربي. عالم أقرب لبدايات القرن العشرين بتركيبته الاجتماعية والدينية. ووجود اقتصاد وثروة نفطية لم يغير من العلاقات الاجتماعية او يطور طبقة عمالية قادرة على التأثير على أنظمة حكم اقطاعية وعائلية ودينية، اجزم انه لا قومية لها عدا الثرثرة بالانتساب لمصطلح لا يفقهون مصدره ولا تاريخه ولا تحولاته.

عالمنا العربي يفتقد للمعايير الوطنية، وتسوده روح دينية مغلقة حطمت الفكر القومي العربي. وتنتشر فتاوى متناقضة وبعضها غير عقلاني. والمسألة الوطنية تكاد تكون شعارا غير ذي تأثير او قيم واضحة المعالم. ولا ارى تطور وطنية عربية ما دامت الدول العربية متخلفة اقتصاديا وغير متحدة لبناء اقتصاد عربي مشترك، بأسلوب اليابان او الصين الشعبية او حتى روسيا الجديدة. واجتماعيا المجتمع العربي (أقول العربي مجازا) منقسم بين اتجاهات دينية بعضها متعصب ومتطرف يلحق الضرر والدمار بالمجتمعات التي يقال عنها "مجتمعات عربية".

الدين له دور ايجابي مؤثر إذا حث على العلم والتطور الصناعي والتكنولوجي والاعتراف بالحقوق المدنية للمواطنين والمساواة بين الجميع بغض النظر عن التنوعات الدينية والاثنية والجنسية والتعددية الفكرية، وأحيانا مدمر بظاهرة الدواعش، او أي تطرف ايماني ولا أقول ديني.

اللغة ايضا لا تصنع قومية، هي عامل قد يكون مساعدا لتطوير الترابط القومي. ولكن اللغة لا تخلق قومية ولا انتماء قومي. الاقتصاد هو الزنبرك لنشوء القوميات. وبدأ ظهور القوميات مع تقسيم القارة الأوروبية جغرافيا وبدء تطوير اقتصاد داخل الحدود الجغرافية لكل دولة، وتطوير اللغات الخاصة بعد ان كانت اللاتينية هي اللغة السائدة.

لا ارى اليوم قومية عربية، بل قوميات جزئية (محلية)غير متواصلة وغير فعالة الا بالشعارات احيانا.

الانسان الجائع يريد رغيف خبز وليس وطنا او لقبا قوميا

الانسان المتعصب دينيا يكره كل مختلف عن دينه او له رؤية منفتحة وغير متزمتة على المفاهيم الدينية المتنوعة لنفس الدين. والقومية كما جاء بكتب التعليم السعودية: هي مؤامرة استعمارية صهيونية نصرانية ضد الاسلام. والمضحك ان هذا الفكر لم يمنعهم من التحالف مع الاستعمار (النصراني طبعا) ومع الصهيونية بالسر واليوم بالعلن.

حتى الدول المتطورة اقتصاديا، اي دول النفط، لا يمكن اعتبار اقتصادها اقتصاد انتاجي صناعي. بل انتاج يرعي. نفط تبزقه الأرض ويجري بيعه وهذا ليس اقتصادا صناعيا. والأهم ان مدخولاته تذهب لجيوب السلاطين والأمراء والملوك وكل الفاسدين في جهاز الدولة الفاسد والمتخلف. ولا يجري استغلاله لبناء اقتصاد صناعي وعلمي وتكنولوجي. بناء ناطحات سحاب وشوارع وقصور لن يطور قومية.

بناء الأبنية الشاهقة لا يعني انه يتطور اقتصاد، بل تصرف اموال طائلة ولا اعرف ماذا سيفعلون بهذه الأبنية حين ينتهي عصر النفط / دولة الامارات نموذجا!!

من هنا ما يجري بين اسرائيل والدول العربية، مصر سابقا ثم الأردن واليوم الامارات العربية والبحرين والمغرب والسودان والمخفي أعظم، هو نتاج غياب فكر قومي، وهو فكر لن ينشأ بالإعلام والدعايات بل بالبناء الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للإنسان أيضا، فأين نحن من ذلك؟

ان تطوير العلوم وتطوير التكنولوجيات للصناعة والزراعة، وتطوير الابحاث التي تخدم الاحتياجات الملحة للدولة هي الطريق لنشوء دول عربية لها وعيها لقضاياها، وليس مجرد دول تبحث عن حماية المستعمر وحلفائه في المنطقة، هذه مغامرة لها ثمنها عاجلا ام آجلا.

نحن امام ظاهرة انتحارية لعالم يسمى عربيا زورا ولا شيء عربي فيه الا الثرثرة اللسانية والمظاهر التي قرفنا منها لأمراء وسلاطين يمارسون الحكم المطلق والقمع المطلق، ولا يترددون بقتل من يعارضهم حتى خارج بلدانهم، كما جرى مع الخاشوقجي.

ان اغراق الجماهير بالدين ليس تدينا وليس ورعا، بل لشل التفكير وشل العقل وشل ارادة التغيير!!

يؤسفني ان أقول انه في الظروف السائدة فيما يسمى العالم العربي لا أرى فرصا للتغيير وإذا حدث سيجيئ فاسدين جدد بدل الفاسدين السابقين.

حقا نجح عبد الناصر بتحريك الحلم القومي العربي على قاعدة التنمية الاقتصادية ومفاهيم الوحدة العربية، ومواجهة التحديات السياسية والعسكرية لكن غياب عبد الناصر، وصعود قوى قمعت الحلم القومي العربي وفشلت بتعميق النهضة الاقتصادية أسقط جوهر تطور الفكر القومي العربي كأداة لها قاعدة اقتصادية لا يمكن اسقاطها. المؤسف ان التجربة الناصرية قطعت بوفاة عبد الناصر، وصعود قوى انعزالية بفكرها، ساهمت بإضعاف التجربة القومية الناصرية.

اليوم تحدث ردة أكثر خطورة. يحدث استسلام أطراف عربية يغطون على نهجهم بتهريج وتحريض ضد الضحية الفلسطيني في المناطق المحتلة او في معسكرات التشريد التي يحافظ عليها العالم العربي كأنها تحف فنية، وهناك رفض لإعطاء اللاجئين أي حقوق مواطنه تستحق الاحترام، او تحررهم من التركيز المهين بمخيمات فقيرة ومكتظة بالسكان وتفتقد لأسباب النشاط الاقتصادي والدخل، ومعزولة عن محيطها العربي أيضا. مخيمات أشبه بحظائر الدواب!!

 

نبيل عودة

 

 

محمود محمد عليالديانات السماوية تسمى الديانات الإبراهيمية، نسبة إلى سيدنا إبراهيم أبى البشر، والذى تعترف به الأديان الثلاثة، والديانة المستحدثة أُطلق عليها "الديانة الإبراهيمية الجديدة" تخفيًّا ويُقال تيمُّنًا؛ وهذه الديانة تمثل مصطلح وافد من الغرب جرى إطلاقُه فى القرن التاسع عشر؛ حيث بدأ منذ 1811 الحديث عن "الميثاق الإبراهيمى" الذى يجمع بين المؤمنين فى الغرب، وذلك قبل أن يتحوّل اسمُ إبراهيم إلى اصطلاح بحثيٍّ لدى المؤرّخين فى الخمسينيات من القرن العشرين، رسّخه "لويس ماسينيون" فى مقالة نشرها عام 1949 تحت عنوان: "الصلوات الثلاث لإبراهيم، أبِ كلِّ المؤمنين".

وتقفز بنا الأحداث إلى عشر سنوات مضت كما يقول سعيد الخولي بعد أن أصيبت مسارات ثورات الربيع العربى بالتباين من بلد لآخر واشتعال إوار ما سمى بالإسلام السياسى ووصوله للحكم، حيث اختارت الدبلوماسية الأمريكية مسارا جديدا لها فى التعامل مع هذه المنطقة من العالم؛ فلجأت أمريكا نيابة عن إسرائيل لما سمى بالدبلوماسية الروحية والمشترك الإبراهيمى على يد وزيرة خارجيتها هيلارى كلينتون فى رئاسة باراك أوباما الذى تبنى منذ خطابه بجامعة القاهرة مقولة "نحن أبناء إبراهيم"، إنها كلمة السر فيما يجرى ويتم تنفيذه ليتحول الأمر فى النهاية إلى ما يطلقون عليه "الدين الإبراهيمى الجديد" وهو البوتقة التى سيصهرون فيها الديانات السماوية: اليهودية والمسيحية والإسلام فى خليط ومزيج يصنعون منه ديانة مشتركة يتم فرضها على نطاق إسرائيل الكبرى الذى أطلقوا عليه: «مسار إبراهيم» يعنون به مسار سيدنا إبراهيم ما بين تركيا والعراق وفلسطين ومصر وصولا إلى مكة والبيت الحرام.

وقد بدأت الدبلوماسية الروحية فى الإدارة الأمريكية رسميا عام 2013 على يد "هيلارى كلينتون" التى أنشأت فى وزارة الخارجية الأمريكية إدارة خاصة بفريق خاص يضم 100عضو نصفهم رجال دين من الديانات الثلاث يعملون جنبا إلى جنب مع الدبلوماسيين فى الوزارة.

ولم تمت الدبلوماسية الروحية بذهاب أوباما ووزيرة خارجيته التى تبنتها، بل استمرت فى إدارة الرئيس الأمريكي السابق "دونالد ترامب" والذى قال "بومبيو" وزير خارجيته فى الجامعة الأمريكية بالقاهرة يوم 19 يناير 2019 "إننا جميعا أبناء إبراهيم"، وظهرت موجة متقطعة من جانب دوائر فكرية أمريكية أبرزها معهد بيس آيلاندز، اتخذت من دعوتها لبلدان عربية للتطبيع مع إسرائيل، منفذًا للدعوة إلى توحيد الأديان السماوية تحت دين واحد يسمى "الدين الإبراهيمي الجديد".

ويظهر من خلال الدعوات للدين الإبراهيمي الجديد، نوايا سياسية خفية أو معلنة عند البعض ترتكز في أساسها على التطبيع الكلي الذي تسعى إليه إسرائيل مع البلاد العربية، وتعتبر جمعية "اللقاء بين الأديان" أو ما تعرف اختصارًا بـ (I I I) الجهة الداعمة بشكل رئيسي لتلك الديانة الموحدة والتي تسعى لتأسيس دولة واحدة تحت عقيدة واحدة تجمع كل شعوب المنطقة.

ولما كانت مصر بلد إسلامي، ينص قانونه ودستوره على أن الإسلام دين الدولة، وأن الشريعة الغراء هي المصدر الرئيسي للتشريع؛ وهو ما يجسده رفض مؤسسات الدولة للمحاولات البائسة التي تحاول النيل – ولن تستطيع بإذن الله – من عقيدة المصريين ودينهم؛ إذ أبدى كل من الأزهر الشريف ومجلس النواب، رفضهم التام لما يسمى بـ "الدين الإبراهيمي الجديد" الذي يدعو إلى الامتزاج بين الأديان السماوية واعتبارها دينا واحدا، بدعوى أنه اجتماع حول الإنسانية لا العقيدة، بحسب زعمهم

والأزهر باعتباره المؤسسة الدينية الأكبر، فقد أعلن على لسان شيخه الدكتور "أحمد الطيب"، رفضه التام لتلك الدعوات التي تطالب بامتزاج الإسلام والمسيحية، وذوبان الفروق والقسمات الخاصة بكلٍّ منهما"، مؤكدا أنها دعوات لا تفرق شيئا عن دعاوى العولمة أو نهاية التاريخ، بل إنها دعوة فيها من أضغاث الأحلام، تحاول سلب الإنسان حرية الاعتقاد والإيمان.

وأكد الطيب أن الدعوة إن الدعوة للدين الإبراهيمي الجديد هي محاولة الخلط بين تآخي الإسلام والمسيحية في الدفاع عن حق المواطن المصري في أن يعيش في أمن وسلام واستقرار، الخلط بين هذا التآخي وبين امتزاج هذين الدينين، وذوبان الفروق والقسمات الخاصة بكل منهما، خاصة في ظل التوجهات التي تُنادي بالإبراهيمية أو الدين الإبراهيمي، وما تطمح إليه هذه التوجيهات فيما يبدو من مزج اليهودية والمسيحية والإسلام في رسالة واحدة أو دين واحد يجتمع عليه الناس، ويخلصهم من بوائق النزاعات والصراعات التي تؤدي إلى إزهاق الأرواح وإراقة الدماء والحروب المسلحة بين الناس، بل بين أبناء الدين الواحد والمؤمنين بعقيدة واحدة.

كما أشار إلى أن هذه الدعوة، مثلها مثل دعوة العولمة، ونهاية التاريخ، والأخلاق العالمية وغيرها، وإن كانت تبدو في ظاهر أمرها كأنها دعوة إلى الاجتماع الإنساني وتوحيده والقضاء على أسباب نزاعاته وصراعاته، إلَّا إنها هي نفسَها، دعوةٌ إلى مُصادرة أغلى ما يمتلكُه بنو الإنسانِ وهو حرية الاعتقاد والإيمان والاختيار، وكلُّ ذلك مِمَّا ضمنته الأديان، وأكَّدت عليه في نصوص صريحة واضحة، ثم هي دعوةٌ فيها من أضغاث الأحلام أضعافَ أضعافِ ما فيها من الإدراك الصحيح لحقائق الأمور وطبائعها.

ويستطرد فضيلة الإمام الأكبر، فيقول:" إن ما يسمى بـ "الدين الإبراهيمي" ليس فيها من الإدراك الصحيح لحقائق الأمور وطبائعها، وأنَّ اجتماع الخلق على دِينٍ واحدٍ أو رسالةٍ سماوية واحدة أمرٌ مستحيل، وكيف لا، واختلافُ الناس، اختلافًا جذريًّا، في ألوانهم وعقائدهم، وعقولهم ولغاتهم، بل في بصمات أصابعِهم وأعينِهم.. كلُّ ذلك حقيقةٌ تاريخية وعلمية، وقبل ذلك هي حقيقة قُرآنية أكَّدها القرآن الكريم ونصَّ على أنَّ الله خلق الناس ليكونوا مختلفين، وأنه لو شاء أن يخلقهم على مِلَّةٍ واحدة أو لونٍ واحد أو لغةٍ واحدة أو إدراك واحد لفعَل، لكنه -تعالى- لم يشأ ذلك، وشاء اختلافَهم وتوزُّعَهم على أديان ولغات وألوان وأجناس شتى لا تُعد ولا تُحصى.

ثم بيَّن الدكتور الطيب أن هذا الاختلاف باقٍ ومستمر في الناس إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها: ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: 118]، كما بيَّن الله تعالى أنَّه كما خلَقَ المؤمنين من عبادِه، خلَقَ منهم الكافرين أيضًا، يقول الله تعالى في أوائل سورة التغابن: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [التغابن: 2].

وأضاف فضيلة الإمام الأكبر، أن الأزهر والكنائس المصرية، أسسوا بيت العائلة استشعارًا لواجب المؤسسات الدينيَّة في المشاركة في الجهود الوطنيَّة والأمنيَّة والسياسيَّة التي تبذلُها الدولة لدحرِ هذا المخطط اللَّعين، وحمايةِ الوطن، والمواطنين من تداعياته التي تُغذيها، وترعاها، قوًى خارجية بالتنسيق مع قوًى داخليَّةٍ، وبعدَ ما بات من الواضح أنَّ هدف الجميع هو سقوطُ مصرَ فيما سقطت فيه دولٌ عربية كبرى وصغرى من صراعاتٍ أهلية مُسلَّحة، لا تزال أخبارها البالغةُ السُّوء تَتصدَّر الأنباء المحلية والدولية حتى هذه اللحظة.

إذن يتضح لنا من كلمة فضيلة الأمام الأكبر أنه قضي على الشكوك التي تثار للخلط بين تآخي الإسلام والمسيحية في الدفاع عن حق المواطن المصري في أن يعيشَ في أمنٍ وسلامٍ واستقرارٍ، الخلطُ بين هذا التآخي وبين امتزاج هذين الدِّينين، وذوبان الفروق والقسمات الخاصة بكلٍّ منهما، وبخاصة في ظل التوجُّهات التي تدعي أنه يمكن أن يكون هناك دين واحد يسمي  -بـ«الإبراهيمية»- أو الدين الإبراهيمي وما تطمحُ إليه هذه الدعوات –فيما يبدو– من مزج اليهودية والمسيحية والإسلام في رسالةٍ واحدة أو دِين واحد يجتمعُ عليه الناس، ويُخلصهم من بوائق النزاعات، والصراعات التي تُؤدي إلى إزهاق الأرواح وإراقة الدماء والحروب المسلحة بين الناس، بل بين أبناء الدِّين الواحد، والمؤمنين بعقيدةٍ واحدة.

لا شك في أن الدعوة إلى الديانة الإبراهيمية تخالف طبيعة المصريين الذين لا يوجد علاقة بينهم وبين التشدد أو التعصب أو الإرهاب، وذلك لأن المجتمع المصري معروف بقيمه النبيلة التي تتسم بالتسامح والسلام والود وقبول الآخر، لا توجد صراعات أو تعصب بين فئات المجتمع، لذلك فإن هذه الدعوة بعيدة عن المجتمع المصري.

علاوة علي أن الدولة تتصدى للأفكار المتطرفة التي تؤدي للفتن، وتعمل اللجنة الدينية على المحافظة على وحدة مصر وتقدمها بأطيافها كافة، ويتم مناقشة الملفات التي تنبذ التطرف والإرهاب وألفة المجتمع ووحدته وتقدمه والدعوة دائما إلى الوسطية والاعتدال؛ وفي ذات نجد أيضا المجتمع المصري لا يعرف الإرهاب ولا التعصب ولا التشدد نهائيًا، ومحب للرسول "صلى الله عليه وسلم" وآل بيته، ولا يمكن تصور أن يعود في يوم من الأيام هذا الإرهاب الأسود الأعمى الذي ابتلينا به سابقًا، في الوقت الحالي في ظل عهد القيادة الحكيمة للبلاد، التي تسعى دائمًا لتقدم البلاد.

ولذلك ليس غريبا علينا أن يخرج علبنا للمرة الأولى فضيلة شيخ الزهر - إمام السُّنة وشيخ الأزهر والعمامة الكبرى، ويعطينا من خلال كلمته مثل هذا الرفض المعتبر، الذى يضع الأديان فى موقعها الصحيح من المعادلات السياسية التى تموج بها المنطقة، وتتدثر برداء دينى ذى قشرة تسامحية وأخوية، ووراء الأكمة، كما يقولون، ما وراءها من تطبيع عابر للحدود والديانات سماوية وأرضية، ما يسمى التطبيع الدينى مع الدولة العبرية!

إن رسالة الإمام السياسية مهمة لوضع النقاط فوق الحروف، فالإخاء والأخوة والتسامح والمواطنة لا تعنى ذوبان الأديان فى بعضها البعض، فلكل دين خصوصيته، «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَايَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ» (١١٨/ هود).

كذلك إشارة فضيلته البليغة كاشفة للرسالة الظاهرية لتلك المراكز البحثية، التى تعتمد على فكرة شيطانية خبيثة بأن «الأديان» هى السبب الرئيسى والجوهرى لإشعال أشد الصراعات عنفًا على مر العصور؛ والسبب عدم تقبُّل الآخر بسبب عدم فهم نصوص ديانته.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.............

هوامش:

1- حمدي رزق: رسالة الإمام الأكبر، مقال النسخة الورقية بالمصري اليوم،   العدد: 6356 .

2- لؤى على ـ حسام الشقويرى: شيخ الأزهر: الدعوة لدين موحد تحت مسمى الدين الإبراهيمى مصادرة لحرية الاعتقاد.. مقال باليوم السابع، منشور يوم الإثنين، 08 نوفمبر 2021 12:20 م.

3- لمياء شاهين: ما هو الدين الإبراهيمي الجديد الذي رفضه الأزهر والكنيسة؟.. مقال منشور بوابة مولانا، أنظر الرابط: https://mwlana.com/138338

4- سعيد الخولي: إنهم يدعون لدين جديد، بواية أخبار اليوم المصرية، مقال منشور يوم الثلاثاء، 21 سبتمبر 2021 - 06:51 م.

 

 

 

الطيب النقرليس ينبغي أن ننسى قبل أن نحكم على الخطوة التي اتخذها المكون العسكري في حزم وجد، دون أدنى خشية من تبعاتها، أن نلتفت إلى قوى الحرية والتغيير، التي أبرمت أصول التبعية وعقودها، وحاذت على أمثلة الخزاية وحدودها، تلك القوى التي لم تطع مطلقاً منذ أفول عهد الإنقاذ الممعن في السوء، الرأي الثاقب، والصواب الأصيل، ولم تتمسك بغير الهوى الغالب، والجرم الدخيل، فهي خلاف التشرذم الذي كان أقصى ما يمكن أن تفعله نظير ثورة هادرة لم تكن من كسب يدها، لم نجدها قط تتوخى هذه الخصال التي يحبها الناس، ويحبها أفراد شعبها على وجه الخصوص، فمضت تمهد لينبوع المعاصي، وتهلل لأصل السيئات والفجور، واضعة نظاماً يلتحم بالغرب في نزقه ومجونه، ولولا أن قطع عليها المكون العسكري بثورته التصحيحية تلك صحيح عزمها، لمضت تلك القوى في سعيها وكدحها حتى تتوافق معطيات الثقافة السودانية وتعابيرها الإسلامية، مع ثقافة الإباحية والتهتك، ولظللنا نحن مع حالة الانفصال هذه، وفي حالة هيمنة العهر على مجريات الحياة، حتى ينفخ إسرافيل في الصور، ويعجل الناس بعدها لملاقاة رب العباد.

إن الغاية التي ينشدها الغرب هو إعاقة هذه الشعوب عن التمسك بأهداب دينها، وأن تظل عالقة في مواطن البأس، ومتاهات التخلف، تستنفذ وسعها، وتستغرق جهدها، فيما يقيم أودها، ويدفع عنها غائلة الغرث والجوع، فلا همم رفيعة، أو اختراعات بديعة، تطوف في خلدها، وألاّ يجد ساستها وقرومها صدراً رحباً، واستعداداً فذاً، لغير الخلاف، لأجل ذلك لا تظفر شعوبنا بشيء، أو لا تكاد تظفر بشيء، سوى أن تجزع جزعاً شديداً لغياب من تتعصب له عن الساحة، وتنسى أنها تحمل شكاتها المتصلة الخالدة وهي الفقر والجهل والمرض، وأن الحاكم الذي أزاحته يد المقادير لم يرغب في شيء أشد الرغبة غير أن يباشر مهام حكمه، وأن يمضي في هذا الحكم الذي لا يأمر فيه بمعروف، أو ينهى عن منكر، حتى تنتاشه يد المنون، وتطويه الغبراء، وقوى الحرية والتغيير لم تكن تأبه لسخط الشعب أو رضاه، بقدر اهتمامها أن تحاور وتقصي الخصوم، من أجل أن تبقى في مناصبها القيادية. إذن شعار قحت ودافعها تمحور حول رسم تلك الزخارف الباهرة، والخطوط المدهشة، التي ترغب الناس في الفساد، وتحيلهم عن الركض من أجل الاستحواذ على صولجان الحكم، وإزاء هذه الغاية أبصرنا تلك الخلافات العنيفة بين الأحزاب السياسية والكيانات التي تشكّلت منها "أكذوبة قحت" حتى تمخض عن هذا الكم الهائل من الصراعات والخلافات العميقة بين أطيافها المتعددة، والتي كانت بمثابة أول دليل ناصع على تهافتها على السلطة، هيمنة أحزاب صغيرة ضئيلة على مراكز القرار فيها، ونفضت يدها عن مناصرتها وتأييدها أحزاب عريقة وتجمعات هي من أشعلت أوار الثورة، مثل تجمع المهنيين، والحزب الشيوعي الذي لم يكتفي بالابتعاد بل أعلن أن من أهم أجندته هو العمل على إسقاطها، كما نجد أن أقزام قحت تكالبوا على حزب الأمة وأجهضوا كلما أنجزه الإمام الصادق المهدي رحمه الله، وحكومة الإنقاذ التي لم تقيم من دولة المشروع الحضاري مجتمعاً يحكمه العدل، ويسوده التكافل، نجد بالمقابل أن حكومة قحت قد ضاقت ذرعاً بالحريات فلم تتحها إلاّ بمقدار، وبمقدار ضئيل، كما أنها استعرضت منظومة الكيانات السياسية فطوقت وحاربت كل حزب ينادي بتنظيم المجتمع وفق مبادئ الشريعة، ورداً بالأمر إلى الغرب، واتكالاً في كل أحوالها عليه، أوقعت نفسها في مشارع السيوف، ومراتع الحتوف، حينما أتعبت نفسها وأتعبت الناس لتجاوز الفضيلة إلى الرذيلة، ومن طور القصد والاعتدال إلى معرة الخنا والابتذال، فوقعت على اتفاقيات تشرعن تلك المساحات الواسعة من الممارسات اللاأخلاقية، والتي تتنافى مع الدين والفطرة السليمة، مشيرة إلى أن رحلة صعودها من أجل اكتساب العالم المتحضر يستدعي منها اتخاذ تلك الخطوة، وشاركتها الأنظمة المتماهية مع الغرب هذا الرضا، وشاطرتها دول البغي والاستبداد هذا الرضاء والإعجاب أيضا، لأجل ذلك رأينا دولاً عظمي تلاقي السيد حمدوك ودول أخرى تلح في ملاقاته، لأنه اخترق لهم هو زمرته مراحل لم يكن من اليسير اختراقها، لأجل ذلك لابد للغرب أن يتخذ التدابير المطلوبة التي تمكن لهذا الرجل، وتجعل منه النموذج المبتغى في الحكام الذي يدفعون إلى سدة الحكم من أجل زوال الدين وانهاك الشعوب، ويعد السيد حمدوك مادة صريحة ترفض المشروع الإسلامي، ويرحب بديمقراطية ومناهج متعددة الوجهات والمرجعيات دون قيد أو شرط، والدول الغربية التي يعنيها تنحية الأصل وهو الدين، همست في أذنه هو ورئيس المجلس السيادي الفريق البرهان الذي خطرات مشاعره، ونزعات خواطره، تشرئب للرئاسة وتتعلق بها،  أشارت عليهم النظم الإمبريالية بالتطبيع مع الكيان الغاصب الذي لم يدع حاكماً عربياً أو فئة أو جزباً، إلا ودعته لمحاربة الأصولية الإسلامية، والتطبيع معها والتغاضي عن الأوضاع الموروثة، ونسيان القضية الفلسطينية الذي ما زال إيقاعها ينبض في أفئدة الشعوب، وكم كان مؤسفاً أن يتنكر قائداً لعقيدته العسكرية التي ألقمته بغض إسرائيل منذ أول ليلة أمضاها في كليته الحربية بوادي سيدنا، ليت شعري كيف نسى الفريق البرهان أن هذا الكيان البغيض الذي لا يغفل العالم عن إحصاء جرائره، وتعديد جرائمه، في حق الشعب الفلسطيني والأمة العربية جمعاء هو من كدّر صفو شعبه، وضرب مصانعه الحربية في هدأة الليل، ننظر إلى تلطف العدو لدولة عربية تقود ذمام التطبيع وتعلي من شأنه فلا نحتار، ولكن نقع في بيداء الحيرة حينما يرضخ فارساً من فرسان الجيش السوداني لم يوفق في بسطه وقبضه، وحلّه وعقده، إلا حينما غير وبدل المشهد السياسي وأعاق نمو قحت ورقيها، نندهش حقاً حينما ينخرط الفريق البرهان في وشائج مع الصهاينة الأوغاد، ويبرر أن غايته التي ينشدها هي النهوض والرفعة لشعبه، هل شعبك الذي تبتغي رفعته خولك لاتخاذ هذه الخطوة؟ وهل هو سعيداً بها؟ راضياً عنها؟ وما الذي نجم عن هذا التطبيع العريض المخزي؟ هل يعيش السودان في رفاهية ودعة آلان بسبب موادعته للصهاينة وانحرافه عن دول الضد؟ ما هذا البؤس في التفكير؟ إن على ركن الدولة وعضدها ألا يهاب الجيوش الزائدة العدد، والجموع الوافرة المدد، ولقد شاهدنا أكذوبة الجيش الذي لا يقهر وهو يترنح أمام صواريخ فصيل من فصائل الجهاد في فلسطين، كما أبصرنا خيباته وهزائمه عام 2006 وعتاد حزب الله يدك حصونه ومدنه.

بقي أن نقول أن السيد حمدوك رئيس الوزراء المعزول لم يقدم الأكفاء، ولم يعجل بالأمناء، ولم يستثمر إجماع الناس عليه، واستبشارهم بمقدمه بعد ثورة ظافرة، كما أنه لم يقيم صلاته مع الجيش بالشكل الذي يجعل الجيش يحرص عليه، فقد أنجته القوات المسلحة من عدة دواهي وعقابيل، ولكنه لم ينشد غير استئصالها وهيكلتها، وهو في ذلك ينفذ ما طلبته منه دول يعنيها أن تحيط بالسودان الخطب والملمات، ويعني حمدوك وطائفته أن يغالي الغرب في حبهم، ويلحوا في مدحهم، وبما أن هناك أقلام تنفر من أن تقول غير الحق، نقول أن المشاكسة بين المكون العسكري والمدني دفع جهات يعنيها أن تسعى بكل السبل المتاحة لفشل المكون المدني، وتفانت أن تبدع في تعجيزه، وتعظم من مظاهر فشله، هذه الجهات كانت ترتعب إذا غير الشعب نظرته إلى قحت ورأيها فيها، ومن أكبر الشواهد على ذلك الرخاء الذي حدث بعد أن غاب نجم قحت المعتكر عن سماء السودان، ومظاهر الذهول التي سيطرت على الجميع بمشاهدة أسعار السلع التموينية وهي تتهاوى وتنزل من برجها العاجي، ولكن كل هذه المظاهر والسمات لن تغير رأينا المترف الأنيق، وأن ما حدث لا يمكن أن نطلق عليه انقلاباً، بل هي ثورة تصحيحية لخطل كان سائداً، فالانقلاب يقوض حكومة منتخبة، ويعطل جلسات البرلمان والعمل بالدستور، وليس لقحت ولا للمكون العسكري غير وثيقة واهية متداعية يجدداها كل مرة يسفر فيها وجه جديد، ولم يتعاهدا على نصوصها بالحفظ والصون، كما أن قحت لم تسعى جادة في استكمال البناء السياسي بتكوين المجلس التشريعي، نود أن ننوه في خاتمة هذا المقال أن العسف والظلم وتقييد الحريات، ظل قائماً حتى في عهد حكومة الحرية والتغيير، فالاعتقالات تتم دون أدنى مسوغ قانوني، وفصل أبرياء لا تربطهم أدنى شائبة بالنظام السابق، حدثاً أضحى من الظواهر التي لا تثير الدهشة والغرابة، كما أن جحيم الغلاء الذي طحن بكلكله الملايين في عهد الإنقاذ، ظلّ يمسخهم ويشوههم في عهد الحرية والتغيير.

ما علينا فعله الآن أن ننظر للفريق البرهان بعين الشك والربية، لا بعين الرضاء والاستحسان، وأن نمضي في متابعة المعطيات التي ذكرها في خطابه الذي عدد فيه أسباب إزاحته لقحت، ويظل الشعب في نشاطه الثوري المتشوق للانعتاق من الظلم، فإذا أوفى الفريق البرهان بما وعد، وشكل حكومة التكنوقراط التي تمضي بسفينة السودان التي أزرى بها الأصاغر إلى بر الأمان فبها ونعم، وإذا تاق الفريق أول البرهان لمصير يشابه مصير المشير البشير، فإن الكثير من جموع الشعب السوداني تتحرق لتحقيق هذه الأمنية.

 

د. الطيب النقر

كوالالمبور- ماليزيا 

 

 

محمود محمد عليألقت أزمة الطاقة التي شهدتها الصين خلال الأيام الماضية، بظلالها على أسواق الغذاء العالمية، وفي الوقت الذي تكافح الحكومة الصينية لحل أزمة الكهرباء التي أدت إلى توقف بعض المصانع جزئيا وكليا، أبدت وكالة «بلومبرج» الأمريكية مخاوف من انعكاس تلك الأزمة على أسعار الغذاء في وقت تستعد فيه الصين لموسم حصاد الخريف.

والسؤال الآن: ما هي الأزمة الاقتصادية في الصين، وأزمة الطاقة في الاتحاد الأوربي، وأسباب ارتفاع الغاز عالميا ونتائجه وآثار هذا الارتفاع – من حيث ارتفاع أسعار الشحن الدولي، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، وتوتر جديد بين بين الصين وروسيا، وبين الولايات المتحدة لاعتبارات مختلفة منها اختلاف علي طريقة التعامل مع طريقة التغير المناخي وقضايا تتعلق بالطاقة كما ظهر في مؤتمر جلاسكو للتغير المناخي الذي عقد في اسكتنلندا مؤخرا .. هذه الأسئلة تبدو أسئلة متفرقة، لكن قاسما مشتركا واضحا جدا لا تخطئه العين يجمعها جميعا .. ما هو هذا القاسم المشترك .. إنه التغير المناخي الذي يسيطر هاجسه على العالم كله منذ عدة سنوات، وسوف يظل كذلك لعقود مقبلة، وسوف يغير العالم بأكمله وبه سوف نتأثر في العالم العربي وفي منطقة الشرق الأوسط ..

دعونا نعرض ذلك بسؤال بسيط حيث كثير من الناس يتساؤلون على ما يجري في الصين، وهل الصين تتعرض لأزمة اقتصادية أم لا ؟ ..

لا شك في أن الصين كانت تمثل الاقتصاد الكبير الوحيد الذي خرج من أزمة جائحة كورونا دون أن يتعرض للركود، حيث استطاعت الصين التعافي من أزمة كورونا أسرع بكثير قبل اقتصادات كبيرة مثل الاقتصاد الأمريكي والأوروبي .. بيد أن الصين في الأسابيع القليلة الماضية بدأت تقابل مجموعة من المشاكل، وهذه المشاكل متعددة في تفاصيلها، ويمكن تلخيصها علي النحو التالي: المسؤولون، والإعلام الصيني، والإعلام الدولي من خلال مشكلة تتعلق بالطاقة ومشكلة تتعلق بالشحن ومشكلة خاصة بقطاع البناء والتشييد داخل الصين .. وهذه المشاكل يمكن فهمها من خلال الرجوع إلي أبعادها الحقيقية.

ففي كان كان الاقتصاد الصيني في وضع جيد جدا حتي أثناء أزمة كورونا، إلا أنه ما حدث أن العالم كله بدا يتعافي اقتصاديا من نتائج أزمة كورونا، وبالتلي بعد أن كان الاقتصاد متوقف، والطلب محدود، بدا الطلب يزيد من خلال إقبال الناس على شراء السيارات والملابس والأجهزة الكهربائية والإلكترونية .. الخ .. والنتيجة أنه عندما تحدث زيادة في الطلب لا بد أن تسعي المصانع لتلبية هذه الزيادة على الطلب .. أي يزيد الإنتاج وهكذا فعلت الصين والتي تمثل أكبر مصانع العالم، وعندما أرادت المصانع أن تزيد من طاقتها الإنتاجية، كان لا بد لهذه الزيادة لكي تتحقق من الطلب على الطاقة، فهذه المصانع لكي تنتج فهي بلا شك تحتاج إلى طاقة .

بيد أن المصانع قد واجهتها مشكلة لم تحدث منذ سنوات طويلة في الصين، وهو أن هذه المصانع لم تجد ما يكفيها من الطاقة .. لماذا .. هناك أسباب متعددة .. لكن أبرز سبب متعلق بشكل واضح جدا بالأسباب البيئية ..

إن الصين والتي تمثل ثاني أكبر اقتصاد في العالم لديها مزيج طاقة، والصين تعتمد على الغاز بنسبة 60 %، والـ 40 % المتبقية تأتي من مصادر متعددة أخرى للطاقة، مثل محطات الكهرباء التي تعمل بالمياه، أو السدود التي تولد الكهرباء باستخدام طاقة المياه كما هو الحال في كل دول العالم، وطبعا بالإضافة إلى محطات الطاقة النووية ومحطات الطاقة الشمسية ومحطات طاقة الرياح .. الخ .

لذلك عندما أردت المصانع أن تزيد من طاقتها الإنتاجية، وجدت أن هناك مشكلة كبيرة في محطات الطاقة التي تعمل بالغاز، لأن حكومات الأقاليم قد وضعت ضوابط تقيد استخدام الطاقة الناتجة عن الفحم والاستثمار فيه، والنتيجة هي أن المصانع عندما بدأت تزيد من طاقتها لك تجد ما يكفي من تلك الطاقة، وبخاصة الكهرباء الناتجة عن الفحم، وهذه المشكلة لم تظهر قبل ذلك وذلك لأن الطلب كان محدودا علي المنتجات المختلفة بسبب أزمة كورونا، علاوة على أن الحكومة لم تكن قد بدأت في تنفيذ تعهداتها مع المجتمع الدولى بأنها ستقلل لكثير من المواد والانبعاثات الملوثة للبيئة، ولذلك رأينا الصين أخذت تلتزم مؤخرا، وذلك بأن تكون محايدا وتعمل بالفعل على التقليل من الانبعاثات الملوثة للبيئة بحيث تصل إلى نقطة التعادل، ومن ثم لا تلوث البيئة على الإطلاق بحلول 2060، أى بعد 39 سنة من الآن ..

ولهذا رأينا أن زيادة الطلب مع بدء الحكومة في تنفيذ هذا الهدف الكبير تدريجيا، وضع قيودا على أكبر مصدر لتلوث البيئة، وهو الفحم، حيث إنه يمثل أكبر مصدر للطاقة في الصين، أي ما يعادل أكثر من 60 %، وكذلك يمثل حوالى 37 % من مزيج الطاقة العالمى لكل دول العالم .

وهنا رأينا أن المصانع الصينية اضطرت أن تلجأ إلى المصدر الثانى للطاقة، وهو الكهرباء المتولدة عن المياه، كذلك كانت هناك مشكلة أخرى، وهو أن نتيجة التغير المناخى، كان يوجد جفاف في الصين من خلال أن نسبة سقوط الأمطار قد قلت، وهذا أثر سلبا على كميات الكهرباء المتولدة من مصادر المياه، ومن ثم وجدت المصانع نفسها أمام مشكلة طاقة، ونتج عن ذلك كل توقف بعض المصانع عن الإنتاج، وانقطاع الطهرباء في بعض مدن وقري الصين، وارتفاع أسعار الطاقة بشكل كبير، ورغبة بعض الأقاليم في تحريك أسعار الطاقة .. الخ ..

علاوة على وجود مشكلة أخرى واجهت الاقتصاد الصيني وهي تتعلق بالشحن، حيث زادت أسعار الشحن بسبب أزمة كورونا وزيادة الطلب وخاصة بعد إتعاش الاقتصاد بعد تراجع كورونا، وكذلك الاعتبارات البيئية .

والقصة باختصار هو أنه عندما ضربت كورونا العالم وتراجع الطلب وبالتالي تراجع الإنتاج لم تكن هناك مشكلة في أشعار الشحن، لكن ما حدث أنه قد بدأ يزداد الطلب وبالتاي يزيد الشحن، إلا أن حركة الشحن قد واجهتها مشاكل جديدة، نذكر منها : وهو أنه توجد كثير من الموانئ الكبرى في العالم تعرضت تعرضت لعملية إغلاقات متكررة، وهذا الإعلاق تم بسبب الإجراءات الاحترازية من فيروس كورونا والتي قد تصل إلى إغلاق تام ليوم أو عدة أيام، فهذا قد أدي إلى ارتباك في حركة الشحن الدولية بشكل كبير، وكذلك أدي إلى إرباك حركة السفن لتخرج من الموانئ، وحركة السفن التي تأتي إلى هذه الموانئ نفسها، ومع هذا الارتياك وزيادة الطلب، فإن هذا الطلب على السفن والحاويات أكثر من المعروض، ومن ثم يحدث على الفور نقص في الحايات والسفن التي تحملها، الأمر الذي يزيد من أسعار الشحن، علاوة على أن بعض شركات الشحن الكبرى الدولية بدأت كذلك مختارة أو مرغمة على تطوير أساطيلها بحيث تكون أكثر اتفاقا أو مراعاة للمعايير البيئية، وهو الأمر قد أحدث وضع مزيد من القيود على أساطيلها التقليدية، وكذلك عملية الإحلال والتبديل، وكل هذا أدى إلى نقص المعروض في الحاويات والسفن التى تحملها، ومن ثم بدأت تزيد أسعار الشحن .

وهناك أسباب أخرى يطول شرحها تتعلق بتقنيات سلاسل الإمداد، أي كل العمليات التي يتطلبها وصول المنتج من المصنع إلى المستهلك، وهنا لا يوجد تخزين للمنتج بالمصانع بسبب الإقبال الكثيف علي المنتج نفسه .. كل هذه الأسباب أدت إلى مشاكل للشحن تأثرت بها الصين أكثر من غيرها من دول العالم وذلك لكونها أكبر مصنع منتج في العالم .

أما فيما يخص بقطاع التشييد والبناء، وهذا القطاع مهم جدا في كل دولة، وذلك لكونه يمثل قاطرة تجر وراءها أكثر من 90 صناعة أخرى تشارك في عملية المنتج النهائي، وهذا القطاع يساهم في الناتج المحلي حوالى 30 %، وهذا القطاع يمر بأزمة منذ عدة شهور ظهرت جلية جدا مع أزمة Ever Grand ( وهي واحدة من أكبر شركات العقارات في الصين، حيث تراكمت عليها الديون حتي ديونها إلى 300 مليار دولار) وهذه تمثل نسبة دين ضخمة جدا مع عجز واضح في قدرة الشركة على سداد هذه الديون الهائلة،وإيفر جرادند هي الأكبر ولكن ليست الوحيدة، فهناك  شركات أخرى اعتمدت على الإقتراض من البنوك الصينية وغير الصينية في السنوات القليلة الماضية .

وهنا رأينا الحكومة الصينية بدات تتنبه وأرادت أن تضع قيود على عملية الإقتراض من البنوك لهذه الشركات، حتى لا تتحول أزمة إيفر جراند ورفاقها إلى فقاعة جديدة تؤدى إلى أزمة مالية أخرى على غرار ما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2008 و 2009 وانتشرت من خلال الولايات المتحدة للعالم كله، ولهذا أرادت الحكومة الصنية حل الأزمة،وضعت ضوابط على التموين، وهنا رأينا كل الشركات الصينية في هذا القطاع بالذات تتعرض بشكل كبير من أشكال الأزمات لإستكمال نشطاها وسداد ما عليها من مستحقات، وحدث نوع من الهلع داخل السوق المحلى في الصين، وبالتالي انتقل الهلع نفسه إلى كل الأسواق العالمية .

من خلال هذه الأسباب يعني أن الصين على مشارف الإحساس بوجود متاعب اقتصادية، وهذه المتاعب تعد مسألة وقت، حيث أخذت تفكر الصين في أن تجد شمكلة لحل مشكلة الطاقة من خلال التخفف من التزاماتها تجاه البيئة ورفع القيود التي كانت قد فرضتها محطات الكهرباء التي كانت تعمل وبالتالي بدأت تستورد مزيد من شحنات الغاز.

ويُذكر ان التضخم المصحوب بالركود هو ظاهرة اقتصادية ترتفع فيها الأسعار بينما يتباطأ النشاط التجاري، مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة وانخفاض القدرة الشرائية للمستهلكين،، ومن ثم فإن ارتفاع في أسعار السلع العالمية ينعكس بالتبعية على السوق العالمي.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط 

..........................

هوامش

1- أنظر سيد جبيل : ماذا يحدث في العالم؟ ولماذا دعت الصين مواطنيها لتخزين المواد الأساسية؟.. يوتيوب.

2- صالح إبراهيم: مخاوف من اشتعال أسعار الغذاء بسبب أزمة الطاقة في الصين,, مقال منشور  بجريدة الوطن المصرية.. منشور بتاريخ  02:06 ص | السبت 02 أكتوبر 2021.

3- دانيال كريمر: نقص السلع: ما أسباب هذه الظاهرة التي تعصف بالكثير من بلدان العالم؟,, بي بي سي نيوز.. منشور بتاريخ بي بي سي نيوز.

 

 

 

هاشم نعمةترجمة: د. هاشم نعمة

تسببت كورونا في ركود غير عادي، يليه الآن انتعاش غير معروف. ويرى صندوق النقد الدولي بأن هناك مخاطر ويحذر من مزيد من الانقسام بين الأغنياء والفقراء على مستوى العالم.

يواصل الاقتصاد العالمي التعافي من الوباء، لكن البلدان النامية والصاعدة متخلفة كثيرًا عن الركب. هذا ما قاله صندوق النقد الدولي في تقرير بشأن آفاق الاقتصاد العالمي الصادر يوم الثلاثاء 12 تشرين الأول| أكتوبر 2021. إن المناطق التي أحرزت تقدمًا جيدًا في تنميتها الاقتصادية - بما في ذلك أوروبا وأمريكا الشمالية - تعود بالفعل إلى مسار النمو الاقتصادي الذي كانت عليه قبل انتشار الوباء. لكن الكثير من بقية البلدان - باستثناء الصين - لن تتعافى تمامًا في غضون ثلاث سنوات، وستكون أقل ثراءً بنسبة 5,5 في المئة مما كانت عليه قبل تفشي كورونا.

نتج هذا الوضع من نقص اللقاحات ونقص الموارد المالية لدعم الاقتصاد. ففي الوقت الحالي، تم تطعيم 60 في المئة من سكان البلدان الغربية في المتوسط، بينما لم يتم تطعيم 96 في المئة من سكان أفقر البلدان. لذلك، يناشد صندوق النقد الدولي البلدان الغربية تسليم الجرعات الموعودة من اللقاحات في إطار برنامج كوفاكس Covax* وتحويل مساحة تمويل إضافية في صندوق النقد الدولي لا تحتاجها البلدان الغنية إلى البلدان الفقيرة. 

قالت جيتا جوبيناث، كبيرة الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي، إن انتشار الفيروس وظهور متغيرات جديدة قد يكلف الاقتصاد العالمي في السنوات الخمس المقبلة ما مجموعه 5300 مليار دولار (4500 مليار يورو). وقالت في بيان "الوباء لم ينته حتى ينتشر في كل مكان آخر."

التضخم سوف يستمر

يتوقع صندوق النقد الدولي أن تستمر موجة التضخم الأعلى خلال العام المقبل، والتي هي نتيجة لارتفاع أسعار السلع والطاقة وتعطل سلاسل الإنتاج الدولية. وينطبق هذا أيضًا على عواقب ارتفاع أسعار الطاقة وتعثر إمداداتها الدولية وتأثيرها على النمو الاقتصادي.

هذا لا يعني عدم وجود مخاطر. إذ تدرس الأسواق المالية بشكل متزايد إمكانية أن يظل التضخم مرتفعًا لفترة أطول مما كان متوقعًا، مما يجعل المزيد من الزيادات في الأسعار جزءًا من توقعات الأعمال والمستهلكين. ثم يمكن أن تؤدي زيادة الأسعار من قبل الشركات ومطالبات رفع الأجور من قبل الموظفين إلى دفع بعضهم البعض في "دوامة الأجور- السعر ".

ينطبق هذا بشكل خاص على الولايات المتحدة، حيث كان التضخم أعلى من 5 في المئة لعدة أشهر وحتى الآن، وقد تستغرق البلاد للعودة إلى وضعها الطبيعي حتى نهاية عام 2022. إذا كان النمو الاقتصادي مخيبًا للآمال أيضًا فقد يظهر "سيناريو السبعينيات". في ذلك الوقت، تم تلخيص حدوث التضخم والركود الاقتصادي المتزامن في مصطلح "التضخم المصحوب بالركود"، والذي لم تجد السياسة الاقتصادية إجابة له لفترة طويلة.

تقول جوبيناث إنها تعتقد أن التضخم المصحوب بركود اقتصادي هو سيناريو غير محتمل. لكنها تؤكد أن البيئة الاقتصادية الحالية محاطة بـ "شكوك ضخمة" لأنه لا توجد تجربة حديثة لتأثيرات اقتصادية لجائحة. "لم نشهد انتعاشًا اقتصاديًا من هذا النوع".

"خط رفيع" للبنوك المركزية

يقول صندوق النقد الدولي، إذا ظل التضخم أعلى هذه المرة، وكان النمو مخيبا للآمال بالفعل، فسيتعين على البنوك المركزية أن "تسير على خط رفيع" بين رفع أسعار الفائدة للحد من التضخم وخفض أسعار الفائدة للحفاظ على استمرار النمو الاقتصادي. من المهم أن يكون لديها بالفعل سيناريوهات جاهزة لذلك، وأن يتصرفوا بسرعة إذا لزم الأمر. قد يتطلب الانتظار طويلاً للحد من التضخم خطوات أكثر صرامة مما لو تم اتخاذ الإجراءات في الوقت المناسب.

من المخاطر ذات الصلة أن تقييمات الأسهم في الأسواق المالية، على سبيل المثال، مرتفعة. ويمكن أن يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة بعد ذلك إلى خسائر كبيرة. وينطبق الشيء نفسه على الارتفاع الحاد في أسعار المساكن في كل مكان تقريبًا في العالم الصناعي. ويتمثل الخطر الآخر في أن العديد من البلدان الآن مثقلة بالديون لأن سياسة التصدي للوباء كلفت الكثير من المال. ووفقًا لصندوق النقد الدولي، يجب أن تكون للرعاية الصحية الأولوية في الإنفاق.

هناك أيضًا حوادث معيقة محتملة. إذ يشير صندوق النقد الدولي إلى خطر حدوث أزمة في قطاع العقارات الصيني، أو يمكن أن تتصاعد توترات تجارية، خصوصا بين الولايات المتحدة والصين. وفي الولايات المتحدة نفسها، تدور معركة سياسية حول زيادة الحد الأقصى للمبلغ الذي يمكن للحكومة أن تقترضه. فإذا لم يوافق عليه الكونجرس، فقد يصدم ذلك الأسواق المالية.

على سبيل المثال، ينبغي النظر إلى توقعات صندوق النقد الدولي التي تشير إلى أن النمو الاقتصادي العالمي سوف يصمد هذا العام والعام المقبل بهامش واسع. أما بالنسبة إلى الاقتصاد الهولندي فإن توقع صندوق النقد الدولي يشير إلى أن معدل النمو الاقتصادي سيكون 3,8 في المئة هذا العام و 3,2 في المئة في عام 2022، إذ لا يختلف بدرجة كبير عن توقع مكتب التخطيط المركزي الهولندي. 

 

.....................

* هي مبادرة دُشنت بين التحالف العالمي للقاحات والتطعيم وتحالف ابتكارات التأهب الوبائي ومنظمة الصحة العالمية، انطلقت في نيسان| أبريل 2020، وذلك بهدف توزيع ملياري جرعة لقاح بنهاية عام 2021 على البلدان الأكثر فقرا. (المترجم)

الترجمة عن: NRC Handelsblad 12 Oktober

 

الطيب النقرهذه قصاصات ترصد المشهد السياسي، وتعبر عن رؤيتي وقناعاتي الشخصية، قد تصيب وقد يحيط بها الخطل، ولكنها على كل حال تنفتق عن قريحة تنشد أن تساهم في تقديم الحلول المطلوبة، والكاتب هنا قد يمثل التيار الإسلامي المتبني لفلسفة لها رصيد أكبر في الانصهار والتقدم والاندماج في المجتمع السياسي، رغم إخفاقها كحركة وثبت على الحكم وسعت أن تتماهى بين الإسلام وبين القوى التي نشطت لإجهاض مآربها. وقد شابت هذه التجربة الكثير من الأخطاء الفادحة التي نجحت في خلق تيار معادياً للإسلام السياسي، ولكن كل هذا لا يمنع من سعي هذا التيار مجدداً بالتعاون مع أحزاب أخرى لتأسيس دولة تحمل طموحات المجتمع الملتزم، والحركة الإسلامية فوق ذلك تملك رؤية سياسية بديلة مناهضة لرؤى قحت التي فشلت في إدارة اللعبة السياسية بشكل متوازن، كما أنها عملت على اتساع نطاق الصدام بين قطاعات الشعب المنتصرة للدين، وبين سعيها لغرس الخزاية والتهتك بين صفوف المجتمع السوداني.

نبدأ القصاصات:

* بكل أسف مازال الساسة يتبعون نهج ضيق وفهم محدود لاستقطاب جماهيرها وغايتها تحقيق أهداف مسرفة في الأنانية حتى وإن اضطرتها تلك الأهداف إلى الخروج عن دائرة التشريع الفقهي كاستعداء الجيشز

* نحن وساستنا لا نستطيع أن نكون حاضراً شاملاً في اعتقادي لغياب رموز وقيم ومعالم الوطنية في حنايانا.

* لم ينفع مع جدار قحت الواهي الترميم، فعمد الجيش على تنحيته وإسقاطه، لو كانت قحت حصيفة ومحنكة لجندت كماً هائلاً من المؤازرين والأنصار من ضباط الجيش نفسه حينما تنتهج العدل وتعلي من سقف الوطنية، ولوقف هؤلاء ضد أي مخطط يسعى لتجريم قحت أو استئصاله.

* رسم السياسات منوط بالهيئات التشريعية التي عزفت قحت عن نصبها، الأمر الذي أغرق البلد في هذه الاضطرابات، فأتاحت بذلك المناخ الملائم للبرهان وعصبته لبلورة دور الجيش ورسمه كدفة تدير الأمور في هذه المرحلة.

* نحن الآن بطبيعة الحال لا يمكن أن نميز الخبيث من الطيب، والعارض من الأصيل، في قيادات الجيش المتصدرة المشهد الآن، ولا نستطيع أن نضع كل ثقتنا فيها لتوافقها الشكلي مع ماضي البشير، ولكن نستطيع أن ننسجم مع مبدأ أن القوات المسلحة هي التي تزود عن حمي هذا الوطن، ومع هذا التخبط والفشل يجب ألا نركن إلا إليها.

* لم تستطيع التركيبة التي اختارتها الحرية والتغيير بموافقة رئيس الوزراء المعزول، أن تضع الصرح الذي يعجل بإرجاع الجيش إلى ثكناته، وتدفعه للتركيز على أداء مهامه، ومن أسمى هذه المهام إعادة كل الديار التي شمخ فيها الغريب بأنفه إلى حضن الوطن.

* حقبة البشير هي أكثر الحقب راديكالية وعنفاً، وفي عهدها بزغ نجم حميدتي وجيشه اللجب، وقد نجحت منظومة الدعم السريع أن تجعل مكانتها غير مطعونة في عهد البشير، الذي كان يتعامل مع الجيش كما يتعامل المرء مع تالده وطريفه، وكما نعلم أن المخلوع قد صنع هذا الكيان ليضيق على خصومه، ويكسر شوكتهم، وبعد الثورة بات جيشاً ذو نظم ونفوذ، لأنه زج بنفسه في المعترك السياسي بتنازله عن الولاء لمن أوجده ودعمه.

* العبارة المجملة التي يجب أن تسود، والتي لا تحتاج إلى شرح أو تحليل، هي مناصرة الجيش، فإذا لم نرى من وعوده غير أطياف، اصطففنا في شوارعنا حتى يحقق ما وعدنا به.

* قحت لم تستكمل دائرة الأحكام السياسية، وهذا أكبر إخلال بالوثيقة الدستورية، كما أنها مرتهنة للغرب في كل قرارتها، ولم يعد يعنيها أمر المواطن في شيء، فهل نتوقع من الجيش أن يتمسك بوثيقة أزرى بها أصحابها

* أشكال العصيان والتمرد هي السمة الطاغية، وقد أجاد الشعب حبكتها، فلماذا لا ننتظر حتى نرى عما تتمخض عنه وعود البرهان؟ فإذا أوفى بما وعد فقد جنبنا دواهي عظام، وإن نكص عن وعوده انتفضنا عليه.

* لماذا نرمي دائماً من نختلف معهم بتهم الخيانة وننتهي إلى حقيقة مفادها ان تقييمنا هو التقييم الكاشف لجوهر هذه النخب، وما حقيقة مواقفنا هذه من الظاهرة الديمقراطية التي تتيح لكل شخص أن يعتقد ما يشاء، أو يتعصب لما شاء.

* مما لا يند عن ذهن، أو يلتوي على خاطر، أن أفعال قحت هي التي صنعت إطاراً صالحاً لمعاضدة العسكر.

* العسكر هم الأندى صوتاً لما لهم من قدرة استثنائية على التأقلم مع هذا الصخب الذي لن يفضي إلى شيء.

* لا أحد يستطيع أن يماري في حجم الغثاثة والهزال التي احتشدت في شخص حمدوك، وعن كونه خاضعاً للغرب ويتقاضى راتبه منه، كما أنه أخفق في أن يشكل معايير الحياة الكريمة التي كان الشعب يمني نفسه بها، فلماذا التباكي عليه الآن؟

* التصور الأكثر حضوراً وشيوعاً، أن المكون العسكري قد سعى لإجهاض الديمقراطية، وقد وطدت أذرع قحت من وتيرة هذا التصور، وظلّ في تنامي وارتفاع، حتى حجب حقيقة مفادها أن قحت لم تستكمل بناء مفاهيم الشرعية بكل مضامينها وظلالها، لأنها تتعارض مع فلسفتها ونظرتها التي تكبح من الحرية المطلقة في التصرف في موارد الدولة.

* الفهم الراسخ في الأذهان أن الجيش لا يقوى على مغالبة النزعة السلطوية التي طبعت بميسمه، وأنه هو الذي أصرّ على إخضاع قحت لمنظومته التي تعكس قهره و إرغامه لكل وافد ديمقراطي، ولكن الحقيقة التي يتعمد الناس تجاهلها أن قحت لم تستفيض إلاّ في احتكار السلطة السياسية، ضاربة عرض الحائط بتحديات الحاضر ومعاش الناس.

* الضابط المرجعي الذي يجب أن يؤول إليه الأمر، هو معرفة الجهة التي هيأت المناخ الملائم للتشرذم والانقسام، هل هي قحت الساعية دوما لاجتراح نظم وقواعد ليس منصوصا عليها في الوثيقة؟ أم المكون العسكري الذي ضاق ذرعا بتهافتها وانحرافاتها.

* من يتأمل الخط التفاعلي لهذه المظاهرات، يجد أن وقودها هو كاريزما الخوف من عودة النظام السابق، وأن تطويق العسكر لأقزام قحت، ما هي إلا المؤازرة الأولى التي تعيد جذور الكيزان وأصلهم إلى سدة الحكم، ينبغي تجاوز تلك الخشية، وفهم المأزق الراهن للخروج منه، قحت لم تشكل تحدياً مباشراً لسلطة الجيش حتى يقصيها، مهمة الجيش الدفاعية هي التي دفعته لاتخاذ هذه الخطوة، ولعل رصد وتبيان العوامل المتعددة لا يمكن اختزاله فقط في الاختلاف المذهبي، كما لا يمكن أن نذهب أن تنفيس الاحتقان الذي نشأ بين قحت والمؤسسة العسكرية هو الذي قاد لكل هذا.

* انغلاق قحت وتقعوقها حول أحقادها وسخائمها، هو الذي أدى إلى هذه الحلقات المتواصلة من الفوضى والاضطراب، وهو الذي شوه حقيقة الثورة، كما أن تفرع الأغراض والاتجاهات لقادتها هو الذي كرس في دواخلنا هذا السخط عليها.

* التلازم الواضح والصريح لغيبوبة قحت بمآلات التكليف، وسمات التشتت والضياع التي شابت بواكير مسيرتها، هو الذي قاد إلى هذا العنف والتناحر بين أطياف المجتمع، وهيأنا نحن للسير في ركاب العسكر حتى تنجلي الحقائق وتتكشف الظنون.

* ما هو الكسب السياسي الذي أحرزته قحت في ساحة المجابهة، حتى يهجم عليها العسكر ويخضعونها لحظرهم وجبروتهم؟ نريد معرفة توسعها وانتصاراتها في طريق الديمقراطية وأسس الحكم الرشيد، الذي اعتمدته لنكيف مواقفنا، ونخمد ريبتنا وشكوكنا حول نظمها اليسارية التي تدعي الصمود وإفشال خطط الاستعلاء الإخواني، نريد منها أن تفحمنا حتى نعتنق أصوليتها التي ما زالت خافتة ومتضعضعة، وعاجزة عن التوفيق بين أطرها المتخلفة العجفاء، وبين التصاميم الرأسمالية التي قربتها من جاذبية الحكم الليبرالي.

* عودة حمدوك إلى الواجهة مرة أخرى تعتبر اجترار لمرحلة الفشل.

* قبضة حمدوك على مفاصل الدولة لم تكن قوية وخاصة في الأطراف، كما لم توجد أجهزة تنفيذية متناغمة على مستوى الدولة القاعدي في عهده.

* لعل الحقيقة التي نرى من الحيف عدم ذكرها، أن رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك الذي تتسع له شعاب، وتضيق به شعاب، خيانته عندنا واضحة لا لبس فيها ولا التواء، ولو صبر عليه العسكر طويلاً لأعاد السودان إلى خواء الوثنية.

* لا نرى في سيرة قحت ما يشجي أو يلهم، كل ما رأيناه سلاسة عجيبة في تبعيتها لسادتها في بلاد ما وراء البحار، وقوانين هزيلة تصاغ من أجل تحرير الجسد الأنثوي، الذي ضمدته قيود الدين المختلفة، والرسف في أغلال العهر والمجون الذي يهلل الغرب بمباركته.

 

د. الطيب النقر

 

 

 

علجية عيشقراءة في مناظرة بين الأديبين مولود معمري والطاهر وطار

من الصعوبة بمكان أن نضع كل ثقافة في إطارها الصحيح، طالما هناك من يبيع الأفكار الإستعمارية الغربية القديمة والحديثة في غلاف وطني براق من اللغة العربية، يقول منظرون أن من أبرز معالم هذه الثقافة يبرز في قضية لا يختلف عليها اثنان وهي وحدة الأمة العربية والإسلامية، وطرحوا السؤال التالي: أين نحن من هذه الوحدة في ظل التشتت والتجزئة التي تعيشها الأمة العربية والإسلامية اليوم؟ وبالتالي فالذين صنعوا التجزئة تركوا آثارهم قبل أن يرحلوا وتوارثتها الأجيال جيلا بعد جيل، فكل ثقافة تعبر عن هويتها وكل مجتمع ينتمي إلى ثقافته، يقود هذا الوضع إلى الحديث عمّا حققته الثقافة العربية والثقافة الأمازيغية والثقافة الإسلامية أمام إصرار التيار "الفرانكفوني" على فرض وجوده ومن حقه ذلك طبعا، لأنه يرى أن الثقافة الغربية ثقافة راقية، وباقي الثقافات مبنية على التعصب والتشدد، فكانت النتيجة أن تعرصت الثقافة العربية إلى التمييع، وأدى هذا التمييع إلى تنامي ظاهرة الإغتراب الثقافي بل الذوبان في مختلف معانيه.

التقرير الذي تناوله الأديب الجزائري مولود معمري حول الثقافة في أول ملتقى ثقافي دعا إليه الرئيس الراحل هواري بومدين واحتضنته مدينة قسنطينة لإقامة حوار موضوعي أساسه دراسة أسباب الركود الثقافي الذي لازم البلاد منذ الإستقلال حضرته وجوه أدبية وفكرية وقد تحولت مداخلة الأديب مولود معمري إلى مناظرة بينه وبين الأديب لطاهر وطار حينما تطرق مولود معمري إلى المشاكل التي يعيشها قطاع الثقافة مقدما نبذة من تاريخ اتحاد الكتاب الجزائريين والمغالطات التي كانت على حساب الثقافة في الجزائر، فقد صنف مولود معمري الثقافة إلى تيارين: تيار عربي مسلم وتيار غربي ولقي تصنيفه للثقافة رد فعل الأديب الطّاهر وطّار الذي قال أن الثقافة هي إمّا رجعية برجوازية وإمّا ثورية تقدمية مهما كان الحرف الذي تُكْتَبُ به وحتى الطرح الذي قدمه الطاهر وطار لقي انتقادات بعض المثقفين، الذين علقوا بالقول: كيف يمكن تصنيف الثقافة تصنيفا دينيا، لمجرد أنها تكتب بلغة القرآن؟ أو يكتبها عرب ينتمون إلى الإسلام وطرحوا السؤال التالي: هل العرب المسيحيون في لبنان ومصر مثلا المثقفون باللغة العربية يمكن أن نسمي ثقافتهم ثقافة عربية مسيحية، وكيف يتناسى مولود معمري الثقافة التي تكتب باللغة الفرنسية وباقلام جزائرية بأن يضيف لها صفة الغربية المسيحية وينفي بجرة قلم كل التيارات الثقافية ومذاهبها المتعددة التي أثرت في المثقف الجزائري سواء كان مثقفا بالعربية أو الفرنسية.

وبصدق العبارة يرى البعض أن المثقف الحقيقي يجب ان يرتفع عن ما يسمى بالسفاسف والجزئيات حتى وإن مسّته كفرد مثلما نراه اليوم والملاسنات بين المثقفين عبر المنابر ومواقع التواصل الإجتماعي بلغت حدود المساس بحريتهم الفردية وخير دليل الإنتقادات التي توجه لبعض المثقفين أمثال المفكر محمد أركون والروائي أمين الزاوي وغيرهم من باب التضييق عليهم وحتى لا تطبق عليهم صفة المثقف الملتزم، وكان باستطاعتهم حل المشاكل بالحوار دون اللجوء إلى الطرق القانونية مثلما تعرض له المفكر سعيد جاب الخير، إن الركود الثقافي في الجزائر كما يرى ملاحظون يتمثل في غياب التشجيع المادي والمعنوي للإنتاج الوطني أدبيا كان أم فنيا وعدم تبنّيه من طرف المؤسسات الثقافية وكذلك دور النشر، كما يتمثل في انعزال المثقف عن الجماهير، حيث ساهم هذا الإنعزال وغياب المسؤولية في فتح الباب أمام الغزو الثقافي الأجنبي.

ربما هذا ما أراد مولود معمري الإشارة إليه، وهو الذي مُنِعَ من تقديم محاضرته حول التراث الأمازيغي في الجزائر، وأصبح في نظر العروبيين خطرا يهدد الثقافة الوطنية رغم أن كل التيارات الثقافية تصنف نفسها في خانة الملتزم بقضايا الجماهير، ثم كيف نشرح مفهوم الثقافة الوطنية المرتبطة بالهوية هل تتوقف هذه الثقافة عند حدود تأليف الأناشيد الوطنية والملحمات والمسرحيات وإنجاز الأفلام الثورية، وهذا يتطلب بالضرورة وجود المثقف الثوري، الذي هو مطالب اليوم أن يكون حاضرا بقوة لمواكبة التطورات التي تعيشها البلاد والمخاطر التي تهددها من كل جانب، أي أنه ينزل إلى الساحة ويلتقي بالجماهير، والملاحظ أن مثقفو الأمس نزلوا بفكرهم إلى الشارع ليحتضنوا الجماهير ومنهم الأسماء السالفة الذكر وآخرون كالأستاذ مصطفى الأشرف الذي كان يدافع بقوة عن اللغة القومية والنهوض بالتراث الجزائري مثله مثل المؤرخ عثمان سعدي الذي كان أكثر المتعصبين للغة القومية وكذلك الأستاذ عبد الرحمان بوشامة المفتخر بعروبته وكان من بين المطالبين بضرورة الرجوع إلى الأصل وبعث الشخصية الجزائرية، أي أن يكون في الجزائر أدب جزائري ومسرح جزائري وسينما جزائرية بعيدا عن الإقتباسات كما كنا نرى في سنوات غير بعيدة في المسرح حيث غالبا ما تكون المسرحيات اقتباسا لمسرحيات "موليير" وتترجم إلى اللغة العربية.

إن بعث الثقافة الجزائرية الأصيلة كان الهدف منه خدمة الإنسان الكادح في جزائر الثورية وكان هذا مطلب الأديب الطاهر وطار، مع ضرورة التفتح على الثقافات العالمية التي تتوافق والإتجاهات الثورية، من أجل الصعود إلى قمة الفكر الذي صعد به أدباء ومفكرون جزائريون الذين نسجوا بأقلامهم صورة حية للواقع الجزائري أمثال الأديب محمد ديب رغم أنهم كتبوا بلغة غير اللغة العربية، وآخرون رفضوا الإنكماش الفكري، هؤلاء سار على نهجهم مثقفون محدثون واكبوا عجلة التغيير التي كانت تدور بسرعة وأسقطوا كما يقال الوصايات الطوطمية، ثم ماهي نوعية التغيير المطلوب داخل المجتمعات العربية حتى يمكن الوقوف في وجه الغزو الثقافي والغزو الفكري. فبالعودة إلى موقف الطاهر وطار فهو يطرح عدة إشكاليات حول كيف يمكن أن نضع الثقافة الدينية وبالخصوص الثقافة الإسلامية في إطارها الصحيح في ظل التعددية الثقافية، فأن نقول ثقافة إسلامية يعني هناك ثقافة جينية تقابلها وهي الثقافة المسيحية والثقافة اليهودية وثقافات أخرى فرعونية، هندوسية وغيرها..

كيف نقدم ثقافتنا للآخر ونحن لم نتفق على ثقافة معينة داخل البلد الواحد؟

من الصعوبة بمكان أن نضع كل ثقافة في إطارها الصحيح، طالما هناك من يبيع الأفكار الإستعمارية الغربية القديمة والحديثة في غلاف وطني براق من اللغة العربية، يقول منظرون أن من أبرز معالم هذه الثقافة يبرز في قضية لا يختلف عليها اثنان وهي وحدة الأمة العربية والإسلامية، وطرحوا السؤال التالي: أين نحن من هذه الوحدة في ظل التشتت والتجزئة التي تعيشها الأمة العربية والإسلامية اليوم؟ وبالتالي فالذين صنعوا التجزئة تركوا آثارهم قبل أن يرحلوا وتوارثتها الأجيال جيلا بعد جيل، فكل ثقافة تعبر عن هويتها وكل مجتمع ينتمي إلى ثقافته، كما يتعلق الأمر بالبيئة ، فالأديب مولود معمري مثلا نشأ في بيئة تختلف عن البيئة التي نشأ فيها الأديب الطاهر وطار، أو محمد ديب أو مولود فرعون، أو حتى أمين الزاوي أو واسيني الأعرج واسماء كثيرة نشأ أصحابها في بيئة مختلفة ، فلكل منهم مكونات ثقافية وخلفيات ثقافية ، اجتماعية ودينية، وتنوع فكري أيضا، ثم أن العلاقة مع الأخر في إطارها الثقافي لا تكون على مستوى محلي فقط، بل التعامل مع الدول مرهون بإعلاء شأن البعد الثقافي في العلاقات الدولية، الأمر يتعلق هنا باللغة والمحافظة على الأصول والثوابت باعتبار أنها جزء من الحفاظ على الذات (الجماعية).

وقد تطرق بعض الباحثين إلى موضوع "المشترك الإنساني" الذي يجعل الثقافات والحضارات تتعايش دون صدام في إطار احترام الآخر، وطرحوا السؤال التالي: كيف نقدم ثقافتنا للآخر ونحن لم نتفق على ثقافة معينة داخل البلد الواحد كما يحدث في بلدان المغرب العربي وبالخصوص الجزائر؟، يقود هذا التساؤل إلى الحديث عن ما حققته الثقافة العربية والثقافة الأمازيغية والثقافة الإسلامية أمام إصرار التيار "الفرانكفوني" في فرض وجوده ومن حقه ذلك طبعا، لأنه يرى أن الثقافة الغربية ثقافة راقية، وباقي الثقافات فهي مبنية على التعصب والتشدد، فكانت النتيجة أن تعرصت الثقافة العربية إلى التمييع، وأدى هذا التمييع إلى تنامي ظاهرة الإغتراب الثقافي، بل الذوبان في مختلف معانيه، وكما يقول المنظرون فالثقافة ليست فقط كلمات تُكْتَبُ أو فكر يُطْرَحُ أو تراث يكتسبه جيل بعد جيل ليحافظ عليه من أجل تحقيق الإستمرارية ، بل السلوك ثقافة أيضا ، حتى يمكننا أن نثبت أننا ذوي ثقافة معينة (التوحش والتحضر) ثقافة تختلف عن الثقافات الأخرى، ولنقف مع المفكر الجزائري مالك بن نبي ، فهو يرى بأن الثقافة تُعَرَّفُ بصورة علمية على أنها مجموعة الصفات الخلقية والقيم الإجتماعية التي يتلقاها الفرد منذ ولادته كرأسمال أولي في الوسط الذي ولد فيه، فهي المحيط الذي يعكس حضارة معينة والذي يتحرك في نطاقه الإنسان المتحضر، فمالك بن نبي يربط الثقافة بالتاريخ والتربية حتى تشكل الثقافة نسقا متكاملا، وقد بسط مالك بن نبي مشكلة الثقافة من الوجهة التربوية والأخلاقية وقال هي في جوهرها مشكلة توجيه الأفكار.

ما يمكن قوله هو أن العولمة وكذلك العالم الإفتراضي فتح الباب على مصراعيه للطعن في الأفكار والمفاهيم وباسماء مستعارة، وبالتالي صعب التحاور مع شخص حقيقي وآخر مجهول الهوية والإنتماء، لا يُعْرَفُ عنه شيئا منهجه الفكري ومنهجه التحليلي وإلى أيّ تيار ينتمي، ولذلك ظلت القدرة على التطور محدودة، ظل غيرنا ينتج ونحن نقلد ونقتبس فكان المثقف في الجزائر مستهلكا أكثر ما هو منتج، والعيب ليس فيه، بل يعود إلى الأسباب التي تم التطرق إليها في البداية، فهل نعزي أنفسنا إذن لأننا ننتمي إلى العالم الثالث ولم نفكر في كيف يمكننا أن نواجه التحديات والتغلب عليها لمواكبة العصر والمشاركة في بناء حضارته، ومن ثمّ يمكن التأثير في الرأي العام الذي يحرك الأمّة التي تعيش عصرها وتتجاوز الإنحرافات وتحقق النهضة والتجديد، لقد دعا بعض المثقفين الغيورين إلى تكريس الأمن الثقافي مثلما ذهب في ذلك الأستاذ محمد محفوظ ليس مجرد هدف ثقافي فكري بل كهدف حضاري ينطوي على جوانب سياسية ووطني لا تقل اهمية عن الجوانب الثقافية كونه عنصرا من عناصر النهضة الإجتماعية ومظهرا من مظاهر القدرة على التحرر والمؤثرات الخارجية الوافدة، وألأمن الثقافي كما يراه هو يعني توفير الثقافة الصالحة للناس حتى يتمكنوا من خلالها أن يعيشوا حياتهم المعاصرة بشكل سليم وإبجابي ويحققون ذاتهم الثقافية الحضاريةلأنه لا يمكن تصور مجتمعا بلا ثقافة كما لا يمكن الحصول على ثقافة بدون مجتمع لأنها بحاجة إلى الكيان الإنساني الذي يساهم في تطويرها.

 

علجية عيش بتصرف

للمقال مراجع

 

 

 

 

عبد الخالق حسينأفادت وكالات الأنباء العالمية نقلاً عن مسؤولين أمنيين في العراق، عن نجاة رئيس الوزراء العراقي السيد مصطفى الكاظمي من محاولة اغتيال في أعقاب تقارير تحدثت عن ضربة صاروخية من طائرة مسيرة على منزله في المنطقة الخضراء ذات التحصينات الكبيرة في العاصمة العراقية بغداد في الساعات الأولى من فجر الأحد 7/11/2021.( BBC Arabic)(1)

وقال الكاظمي في تغريدة على تويتر إنه بخير داعياً إلى التهدئة وضبط النفس من الجميع، جاء فيه:

"كنت ومازلت مشروع فداء للعراق وشعب العراق، صواريخ الغدر لن تثبط عزيمة المؤمنين، ولن تهتز شعرة في ثبات وإصرار قواتنا الأمنية البطلة على حفظ أمن الناس وإحقاق الحق ووضع القانون في نصابه. أنا بخير والحمد لله، وسط شعبي، وأدعو إلى التهدئة وضبط النفس من الجميع، من أجل العراق". (نفس المصدر-1)

فيا ترى ما هي الجهة وراء هذه العملية الإجرامية الجبانة؟

والجدير بالذكر أنه لحد كتابة هذه السطور (7/11/2021)، لم تصرح أية جهة عن مسؤوليتها عن هذه المحاولة الإجرامية الفاشلة. ولكن الكل يعرف أن محاولة الاغتيال سبقتها خلال الأيام الماضية تظاهرات واعتصامات في المنطقة الخضراء من قبل قوى سياسية ومليشيات مسلحة موالية لإيران، احتجاجاً على نتائج الانتخابات المبكرة الأخيرة، التي كشفت عن هزيمة التنظيمات الموالية لإيران (2). وهذه التظاهرات كانت تهدد رئيس الوزراء وتشتمه وتستهين به، وتصفه بأقذع النعوت. إذ كما جاء في تقرير لصحيفة الإندبندنت العربية: أن محاولة اغتيال الكاظمي أتت بعد ساعات على تهديدات أطلقتها ميليشيات موالية لإيران.(3)

كذلك قادة هذه التنظيمات (هادي العامري رئيس كتلة الفتح، وقيس الخزاعي رئيس عصائب أهل الحق، وأبو حسين الحميداوي زعيم كتائب حزب الله العراقي)، شككوا بهذه النتائج وراحوا يهيجون الجماهير ضد الحكومة، ويرددون أن مؤامرات دولية وداخلية تدخلت في الانتخابات وزيفت نتائجها ضدهم، وتلقي اللوم على الكاظمي.

وبناءً على تلك الاعتراضات استجابت مفوضية الانتخابات لجميع الشكاوى المشروعة، وقامت بالعد اليدوي الذي كشف عن تطابق نتائجه 100% مع العد الإلكتروني. ولكن لم يقتنع "المشككون"، فلجئوا إلى التظاهرات والاعتصامات في المنطقة الخضراء، والتهديد بالويل والثبور وعظائم الأمور، بل وحتى تهديد الدولة العراقية. وفي هذا الخصوص يُنقل عن زعيم كتائب حزب الله، الحميداوي قوله: إنه لن "يسمح لأحد، كائنا من كان، بالعبث بسلاح الميليشيات. ويقصد المليشيات الموالية لإيران.(4)

وفي هذا الخصوص يقول الخبير العراقي في الشؤون الأمنية، محمد الوائلي، إن "تصريحات الحميداوي هي تحد صريح للدولة العراقية، بل وحتى للمرجعية الدينية التي أفتت بتشكيل الحشد الشعبي، ومن ثم أفتت بأن السلاح يجب أن يبقى تحت سيطرة الدولة وحدها".(نفس المصدر-4) 

والحقيقة أن هذه الجهات السياسية المليشياوية المسلحة الموالية للولي الفقيه الإيراني تعيش في حالة وهم شديد، إذ تعتقد أنها تمتلك الحق الإلهي لحكم الشعب العراقي وعلى الرغم من إرادة الشعب. بينما الحقيقة تؤكد أن الانتخابات الأخيرة نالت شهادات دولية على نزاهتها، ونتائجها كشفت عن رفض غالبية الشعب العراقي للتدخل الإيراني، والمليشيات المسلحة الولائية.

لذلك فلم يكن هناك أدنى شك أن الجهة التي قامت بمحاولة اغتيال رئيس الحكومة السيد مصطفى الكاظمي هي نفس الجهات المليشياوية التي فشلت في الانتخابات، و لجأت إلى ممارسة العنف على شكل اعتصامات وتظاهرات وتحد القوى الأمنية، وأخيراً القيام بمحالة الاغتيال.

ما أشبه اليوم بالبارحة

إن محاولة اغتيال الكاظمي اليوم من قبل القوى السياسية المليشياوية الموالية لإيران تذكرنا بالمحاولة البعثية الفاشلة لاغتيال الزعيم عبدالكريم قاسم عام 1959 من قبل حزب البعث، المحاولة التي شارك فيها مجرم العصر المقبور صدام حسين، ولنفس الغرض. فمحاولة البعث تلك سبقت ومهدت لانقلابهم الأسود في شباط 1963 الذي مازال العراق يئن من كوارثه. لذا فلا نغالي إذا قلنا أنه رغم الفوارق بين ظروف المحاولتين والشخصيتين المستهدفتين، إلا أن هناك تشابه كبير في الهدف، وهو إغراق العراق في فوضى عارمة لتحيله إلى خرائب وأنقاض تهيمن عليه إيران. فمحاولة اغتيال زعماء الحكومات هي سياسة متبعة من قبل البعث المقبور، و المليشيات الموالية لإيران. فقد قامت هذه المليشيات باغتيال رئيس الحكومة اللبنانية رفيق الحريري عام 2005، والآن نرى ماذا حل بلبنان من خراب ودمار. ونفس المأساة نراها في اليمن وسوريا. لذا فهدف هؤلاء من محاولة اغتيال رئيس الوزراء العراقي هو تفتيت العراق إلى دويلات يسهل بلعها من قبل دول الجوار. فالإسلام السياسي لا يؤمن بالدولة الوطنية أساساً.

لا شك أن المعتدين الآثمين كانوا ومازالوا ينوون إشعال الفتنة من هذه الجريمة النكراء، وهي اقتتال شيعي- شيعي بعد أن أحرقوا العراق بالاقتتال السني- الشيعي. إنهم لا يختلفون عن طالبان أفغانستان في درجة العنف والغايات النهائية الدنيئة، وعلى رأسها تعطيل التقدم الحضاري، وإعادة شعوبنا البائسة إلى الوراء. فلو كانت طالبان أفغانستان شيعة لنالوا دعم وتأييد إيران والمليشيات الولائية في دول المنطقة.

ألا شُلت أيدي المعتدين الآثمين، وكيدهم في نحورهم، إذ كما تفيد الحكمة: "رب ضارة نافعة". فهذه  الجريمة ستقوي من مكانة الكاظمي في الداخل والخارج... إذ كما قال نيتشة: «ما لا يقتلني، يزيدني قوة». لقد فضح هؤلاء القتلة ومَنْ وراءهم ، أنفسهم بجريمتهم هذه، لذلك فلا بد أن يكون مصيرهم في مزبلة التاريخ.

وبناءً على كل ما تقدم، نهيب بكل الأخيار من أبناء شعبنا العظيم أن ينتبهوا إلى ما يحاك ضدهم من مؤامرات قذرة تستهدف دولتهم تحت مختلف الذرائع والواجهات الدينية والطائفية الباطلة. يجب أن ندعم الدولة العراقية، ونحافظ على سلامتها بكل قوة من كيد المعتدين. وهذه مناسبة يجب أن تستغلها الحكومة لحل المليشيات وحصر السلاح بيد الدولة فقط. فهذه المليشيات هي ليست من الحشد الشعبي الذي صار جزءً من القوات النظامية بقيادة القائد العام للقوات المسلحة أي رئيس السلطة التنفيذية (مجلس الوزراء)، خاصة وأن حصر السلاح بيد الدولة أفتت به المرجعية الدينة. إن لجوء القوى السياسية ومليشياتها إلى العنف ومحاولات اغتيال رئيس الحكومة لدليل واضح على إفلاسها الشعبي، والسياسي، والفكري والأخلاقي. وهم يعرفون أنهم منبوذون من الشعب العراقي، لذلك يرفضون تبادل السلطة بالوسائل السلمية، أي عن طريق صناديق الاقتراع، ويفضلون عليها العنف بالوسائل العدوانية المتخلفة.

فكما قال السيد مصطفى الكاظمي: "إن الصواريخ والمسيِّرات الجبانة لا تبنى أوطانا ولا تبنى مستقبلا." 

 

د. عبد الخالق حسين

.......................

روابط ذات صلة

1- تقرير BBCالعربية: نجاة رئيس الوزراء العراقي من محاولة اغتيال بطائرة مسيَّرة

https://www.bbc.com/arabic/59195413

2- المفوضية العليا للانتخابات في العراق تعلن النتائج النهائية..

https://akhbaar.org/home/2021/10/288037.html

3- صحيفة الإندبندنت العربية » محاولة اغتيال الكاظمي أتت بعد ساعات على تهديدات أطلقتها ميليشيات موالية لإيران

https://www.independentarabia.com/node/274896/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A/%D9%85%D8%AD%D8%A7%D9%88%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84-

4- بسلاح ميليشيا كتائب حزب الله.. الحميداوي "يهدد" الدولة العراقية

https://www.alhurra.com/iraq/2021/01/03/%D8%A8%D8%B3%D9%84%D8%A7%D8%AD-%D9%85%D9%8A%D9%84%D9%8A%D8%B4%D9%8A%D8%A7-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A6%D8%A8-%D8%AD%D8%B2%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%85%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D9%88%D9%8A-%D9%8A%D9%87%D8%AF%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9

 

 

 

 

جواد بشارةبقلم فيليب جيرالدي عرض صحفي:

مؤسسة الثقافة الاستراتيجية

ترجمة د. جواد بشارة


 هل تهاجم إسرائيل إيران؟ وهل ستعطي واشنطن الضوء الأخضر لـ "الخيار العسكري"

سينظر إلى الولايات المتحدة على أنها تؤيد الجريمة، التي ستؤدي إلى كارثة أخرى في السياسة الخارجية في الشرق الأوسط، كما كتب فيليب جيرالدي. قد يتذكر البعض التزام المرشح جو بايدن بالعمل على الانضمام إلى خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) في إطار اتفاقية متعددة الأطراف تهدف إلى الحد من قدرة إيران على تطوير سلاح نووي. تم التوقيع على خطة العمل الشاملة المشتركة من قبل الرئيس باراك أوباما في عام 2015، عندما كان بايدن نائب الرئيس، واعتبرت واحدة من النجاحات الوحيدة في السياسة الخارجية خلال السنوات الثماني التي قضاها في المنصب. الموقعون الآخرون هم بريطانيا العظمى والصين وألمانيا وفرنسا وروسيا وقد وافقت عليها الأمم المتحدة. دعت الصفقة إلى عمليات تفتيش غير معلنة للمنشآت النووية الإيرانية من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وكان يُعتقد على نطاق واسع أنها تعمل بكفاءة وناجحة في مجال منع الانتشار. ومقابل تعاونها، ستتلقى إيران أصولها المالية الضخمة المجمدة في بنوك في الولايات المتحدة، كما ينبغي إعفائها من العقوبات التي فرضتها عليها واشنطن وحكومات أخرى. تحطمت خطة العمل الشاملة المشتركة واحترقت في عام 2018 عندما أمر الرئيس دونالد ترامب الولايات المتحدة بالانسحاب من الاتفاق النووي بين إيران والمجموعة الدولية وإنهاء  الصفقة، قائلاً إن إيران كانت تغش وستطور بالتأكيد سلاحًا نوويًا بمجرد اكتمال المرحلة الأولى من الاتفاقية. ترامب، الذي كان جهله بإيران والقضايا الدولية الأخرى عميقًا، أحاط نفسه بفريق السياسة الخارجية الصهيوني بالكامل، بما في ذلك أفراد عائلته، واحتضن تمامًا الحجج التي قدمتها إسرائيل وكذلك من قبل اللوبي الإسرائيلي الذي يغلب عليه الطابع الصهيوني. ويضم مجموعات يهودية عديدة مثل مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD) ولجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية  (AIPAC) . قضى ترامب وقته في الإطراء على إسرائيل بكل الطرق التي يمكن تخيلها، بما في ذلك الاعتراف بالقدس عاصمة للبلاد، ومنح إسرائيل الضوء الأخضر لإنشاء وتوسيع المستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية، والاعتراف بمرتفعات الجولان السورية المحتلة كجزء من إسرائيل. . بالنظر إلى سجل ترامب، لا سيما التخلي غير المنطقي والمعادي لأمريكا عن خطة العمل الشاملة المشتركة، بدا وكأنه نسمة من الهواء النقي لسماع اللغة الإنجليزية الممزقة لبايدن حيث حثت إدارته على القيام بتخلي أمريكا عن سياسة ترامب والعودة للاتفاق النووي وت بإمكانه الانضمام إلى البلدان الأخرى التي لا تزال تحاول جعل الصفقة تعمل من جديد . بعد انتخاب بايدن بشكل أو بآخر، أوضح هو ووزير خارجيته توني بلينكن ما ستسعى الولايات المتحدة إلى القيام به "لإصلاح" الصفقة من خلال تعزيزها في بعض المجالات الرئيسية التي لم تكن جزءًا من الوثيقة الأصلية للصفقة.  من جانبها، أصرت إيران على أن الصفقة لا تتطلب مزيدًا من التحذيراتا والإملاءات  ويجب أن تكون عودة إلى الوضع السابق، خاصة عندما أوضح بلينكين وفريقه أنهم يفكرون في فرض حظر على تطوير الصواريخ الباليستية الإيرانية وكذلك المفاوضات. لإنهاء "تدخل" طهران المزعوم في السياسة الإقليمية. يُفترض أن التدخل أشار إلى دعم إيران للفلسطينيين ودورها المؤثر في سوريا واليمن و العراق، وكلها نالت عداء من "أصدقاء" أمريكا إسرائيل والمملكة العربية السعودية. أثارت إسرائيل حتمًا الموقف بإرسال طوفان من كبار المسؤولين بمن فيهم وزير الخارجية يائير لابيد ووزير الدفاع بيني غانتس ورئيس الوزراء نفتالي بينيت لمناقشة "التهديد الإيراني" مع بايدن وكبار مسؤوليه. وأوضح لابيد أن إسرائيل "تحتفظ بالحق في التصرف في أي وقت وبأي شكل من الأشكال ... نعلم أن هناك أوقاتًا يتعين فيها على الدول استخدام القوة لحماية العالم من الشر". وبالطبع، فإن بايدن، مثل ترامب، عبر أيضًا عن مشاعره الحقيقية من خلال إحاطة نفسه بالصهاينة. احتل بلينكن، وويندي شيرمان، وفيكتوريا نولاند المراكز الثلاثة الأولى في وزارة الخارجية، وجميعهم يهود وأقوياء في حماسهم تجاه إسرائيل ودعمها. نولاند من المحافظين الجدد الرائدين. وفي انتظار تعيين باربرا ليف، التي تم تعيينها نائبة للسكرتيرة لرئاسة منطقة الشرق الأدنى بوزارة الخارجية. وهي حاليًا زميلة روث وسيد لابيدوس في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (WINEP)، وهو جزء من AIPAC وعنصر رئيسي في اللوبي الإسرائيلي. وهذا يعني أن عضوًا يتمتع بمكانة جيدة في اللوبي الإسرائيلي سوف يعمل كمسؤول في وزارة الخارجية يشرف على السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. في البنتاغون، يتواجد هناك جنرال مرن، مارك ميلي، سعيد دائمًا بمقابلة نظرائه الإسرائيليين، ووزير الدفاع لويد أوستن، مروج للعمل الإيجابي الذي أصبح أيضًا من أتباع عبارة "إسرائيل لها الحق في الدفاع عن نفسها". وهل يجب أن نذكر الصهاينة المتحمسين على أعلى مستوى في الحزب الديمقراطي، بمن فيهم بايدن نفسه، ورئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، وزعيم الأغلبية في مجلس النواب ستيني هوير، وبالطبع زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ تشاك شومر؟ لذا فإن الانضمام إلى خطة العمل الشاملة المشتركة على اعتراضات إسرائيل لم يكن مدرجاً من البداية وربما تم طرحه فقط لجعل ترامب يبدو سيئًا. استمرت المحادثات غير المباشرة بما في ذلك إيران والولايات المتحدة من الناحية الفنية في فيينا، على الرغم من أنها كانت متوقفة منذ أواخر يونيو حزيران. علمت تريتا بارسي مؤخرًا أن إيران تتطلع إلى اختراق صفقة من خلال السعي للحصول على التزام من البيت الأبيض بالالتزام بالخطة طالما ظل بايدن في السلطة. رفض بايدن وبلينكين وأكد بلينكين مؤخرًا أن صفقة جديدة غير مرجحة، قائلاً إن "الوقت ينفد". وكانت هناك مستجدات أخرى. حذر المسؤولون الإسرائيليون لأكثر من عشرين عامًا من أن إيران على بعد عام واحد فقط من امتلاك أسلحتها النووية ويجب إيقافها، وهو ادعاء يبدو وكأنه تعويذة دينية تتكرر مرارًا وتكرارًا، لكنهم الآن في الواقع بصدد تمويل وتجهيز الأسلحة اللازمة للقيام بهذه المهمة. صرح رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي أفيف كوخافي مرارًا وتكرارًا أن الجيش الإسرائيلي "يكثف" خطط الضربات الإيرانية، وقد هدد السياسيون الإسرائيليون، بمن فيهم رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو، بشكل منتظم بفعل كل ما يلزم القيام به للتعامل مع تهديد الجمهورية الاسلامية. ذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أنه تم تخصيص 1.5 مليار دولار في الميزانية الحالية والمقبلة لشراء القنابل الأمريكية المحصنة التي ستكون ضرورية لتدمير مفاعل بوشهر الإيراني ومنشآته البحثية تحت الأرض في نطنز. بعد الإعلان عن تمويل الحرب، أفادت الأنباء أن سلاح الجو الإسرائيلي يخوض ما يوصف بأنه تدريبات "مكثفة" لمحاكاة هجوم على منشآت نووية إيرانية. بعد أن تحصل إسرائيل على 5000 رطل من القنابل المحصنة، ستحتاج أيضًا إلى شراء قاذفات لإلقاء الذخيرة، ويُشتبه في أن الكونغرس الأمريكي سيقترح بطريقة ما "المساعدة العسكرية" اللازمة لتحقيق ذلك. كما أوضح توني بلينكن أن الإدارة تعرف ما تخطط إسرائيل وتوافق عليه. والتقى بوزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد في 13 تشرين الأول (أكتوبر) وقال إنه إذا فشلت الدبلوماسية مع إيران، فإن الولايات المتحدة ستنظر في "خيارات أخرى". ونعم، لقد اتبع ذلك بجملة موقرة أن "لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها ونحن نؤيد هذا الاقتراح بشدة". وأكد لابيد أن أحد "خيارات" بلينكن كان العمل العسكري. "أود أن أبدأ بتكرار ما قالته وزيرة الخارجية للتو. نعم، ستكون الخيارات الأخرى مطروحة على الطاولة إذا فشلت الدبلوماسية. ومن خلال قول خيارات أخرى، أعتقد أن الجميع يفهم هنا ... ما نعنيه. "وتجدر الإشارة إلى أنه في مناقشتهما لبرنامج إيران النووي، أيد لبيد وبلينكين هجومًا وإن كان غير قانوني وغير مبرر، لمنع إيران من حيازة سلاح نووي لا تسعى إليه على ما يبدو، لكنها ستلجأ إليه. وبناءً على ذلك بالتأكيد، إذا كانت لأغراض الدفاع عن أنفسهم فقط في المستقبل. باختصار، أصبحت السياسة الخارجية الأمريكية مرة أخرى رهينة لإسرائيل. موقف البيت الأبيض واضح وعبثي إذ أن الهجوم الإسرائيلي على إيران، الذي ينظر إليه معظم الناس على أنه جريمة حرب، هو عمل من أعمال الدفاع عن النفس من وجهة نظر واشنطن. في كلتا الحالتين، سيُنظر إلى الولايات المتحدة على أنها تؤيد الجريمة وستتورط حتمًا فيها، الأمر الذي سيؤدي بلا شك إلى كارثة أخرى في السياسة الخارجية في الشرق الأوسط مع وجع الرأس والخسائر للشعب الأمريكي. الحقيقة البسيطة هي أن إيران لم تهدد إسرائيل ولم تهاجمها. بالنظر إلى ذلك، لا يوجد شيء دفاعي بشأن الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل بالفعل لتخريب المنشآت الإيرانية واغتيال العلماء، ولن يكون هناك شيء دفاعي بشأن الهجمات العسكرية المباشرة بمساعدة أو بدون مساعدة الولايات المتحدة على الأراضي الإيرانية. إذا اختارت إسرائيل أن تتحايل، فهذا يقع عليهم وعلى قادتهم. الولايات المتحدة ليس لديها حصان في هذا السباق ويجب أن تسحقه، لكن هناك شك في أن البيت الأبيض والكونغرس، اللذين تسيطر عليهما اللوبيات الصهيونية بشدة، لديهما الحكمة أو الشجاعة لقطع التعادل الذي يربطهم بالدولة اليهودية. فيليب جيرالدي، خبير في مكافحة الإرهاب، هو ضابط سابق في وكالة المخابرات المركزية والمخابرات العسكرية الأمريكية. مارس 20 عامًا في أوروبا والشرق الأوسط. فيليب جيرالدي يرأس مجلس المصلحة الوطنية، وهي مؤسسة مكلفة بالترويج للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط بعيداً عن أي ضغوط خارجية بما فيها الإسرائيلية.

 

................

* المصدر: مؤسسة الثقافة الاستراتيجية

 

 

ابراهيم أبراشفي الأنظمة الديمقراطية يتم عادة الاهتمام والتركيز على العملية الانتخابية وشفافيتها وعلى الأحزاب الفائزة بالانتخابات وعلى الحكومة وتحالفاتها وبرنامجها، ولكن قليلاً ما يتم الاهتمام بحقل المعارضة، وفي ظني ان للمعارضة دوراً في العملية الديمقراطية لا يقل عن دور الأغلبية لأنه بدون المعارضة الشرعية والبرلمانية لا يمكن تداول السلطة، والتداول على السلطة أهم مرتكزات الديمقراطية وبدونه نكون أمام حكم استبدادي  أو ديمقراطية شكلية حتى لو جرت الانتخابات.

في المشهد السياسي المغربي، بالرغم من ان غالبية قوى المعارضة تمارس دورها في إطار الالتزام بالدستور كما أنها معارضة للحكومات وبرامجها وليس للنظام والدولة، إلا أنها ضرورية لترسيخ واستمرارية المسار الديمقراطي أو ما يُطلق عليه أحيانا اللعبة الديمقراطية، وحاجة المغرب لمعارضة برلمانية قوية لا تقل عن حاجته لحكومة قوية، وغياب او ضعف المعارضة البرلمانية مؤشر على وجود خطب ما في النظام السياسي.

بالرغم من سهولة تشكيل حكومة ائتلافية قوية من الأحزاب الثلاثة الليبرالية والمحافظة الفائزة في الانتخابات الأخيرة والحاصلة على غالبية المقاعد في البرلمان بحصولها على 270 مقعداً من مجموع مقاعد البرلمان وعددها 395 وأغلبية مريحة في الغرفة الثانية –مجلس المستشارين- مقابل حصول أحزاب المعارضة على 124 مقعدا فقط، وبالرغم مما بين هذه الأحزاب من توافق وانسجام سياسي وأيديولوجي وتماهيها مع سياسة القصر، بالرغم من ذلك فهناك تحدي كبير سيواجه الحكومة و الاستقرار في المغرب بشكل عام يتأتى من وجود معارضة برلمانية هشة ومشتتة وغير منسجمة سياسياً وأيديولوجياً، معارضة خليط من أحزاب يسارية وعلمانية وإسلامية وإدارية وبينها تاريخ طويل من الخصومة والاتهامات المتبادلة. 

قد يقول قائل إن الشعب عبَّر عن إرادته واختار من يمثله  ويجب احترام هذه الإرادة وعلى الاقلية الخضوع لإرادة الاغلبية، وأن حكومة قوية تتوفر على أغلبية مريحة ومعارَضة ضعيفة في البرلمان هو الوضع المريح لضمان استقرار الحكومة و النظام السياسي بشكل عام، وهذا كلام صحيح ولكن ليس في جميع الحالات.

الحكومة القوية والنظام السياسي القوي يحتاج أيضا لمعارضة برلمانية قوية تراقب عمل الحكومة ولها القدرة على ضبط وامتصاص غضب الجماهير وتحريك الشارع،  إن دعت الضرورة، في إطار القانون واحترام المؤسسات وبما يمنع من اختراق فضاء المعارضة من اية اطراف معادية، وحتى تقوم المعارضة بهذا الدور يجب أن تلمس بأن لديها فرصة للتناوب والتداول على السلطة وليست مجرد ديكور لإضفاء طابع ديمقراطي على النظام السياسي، وقد سبق لرئيس وزراء بريطانيا الأسبق ونستون تشرشل أن قال ( لو لم يكن هناك معارضة لخلقناها)  وذلك ادراكاً منه أن لا ديمقراطية حقيقية بدون معارضة حقيقية مؤهلة لاستلام السلطة في الانتخابات القادمة، فضمان تداول السلطة أهم مرتكزات الديمقراطية.

فقد أثبتت التجربة السياسية في المغرب وفي تجارب عالمية أخرى أن معارضة برلمانية ضعيفة وحكومة قوية موالية بالمطلق للقصر قد يُفقِد النظام السياسي درجة من التوازن المطلوب ما بين الحكومة والسلطة من جانب والمعارضة من جانب آخر، وهو توازن سعى إليه الملك الراحل الحسن الثاني منذ الثمانينيات حيث تحدث في أكثر من مناسبة عن تصوره لعلاقة بين الحكومة والبرلمان وبين السلطة والمعارضة ككفتي الميزان بحيث لا ترجح كثيراً كفة على أخرى، وكان الملك الحسن الثاني مدركاً لأهمية وجود معارضة برلمانية قوية حتى يقطع الطريق على أية جماعة سياسية لتمارس المعارضة من خارج قبة البرلمان وخارج المؤسسات الرسمية، وخصوصاً في عهده كانت قوى معارضة غير رسمية وغير قانونية تشكل تهديداً للنظام بل وحملت السلاح ضد النظام والدولة .

لا شك أن البيئة السياسية الوطنية والعالمية تبدلت والمغرب في عهد الملك محمد السادس قطع شوطاً كبيراً في مساره الديمقراطي من خلال تنازلات متبادلة ما بين المؤسسة الملكية وقوى المعارضة مصحوباً بنضج ووعي شعبي ووجود شبه إجماع حول المؤسسة الملكية التي تلعب دور الحَكَم والضامن للاستقرار والاستمرارية، وخفوت حدة الاستقطاب الأيديولوجي الذي كان مصدره بداية الثنائية القطبية الدولية ثم لاحقا صعود الإسلام السياسي في موجة ما يسمى الربيع العربي، كما أن التعديلات الدستورية المتعاقبة منحت للمعارضة البرلمانية مهام وصلاحيات مهمة بغض النظر عن قوتها البرلمانية، فدستور 2011 وفي الفصل 60 استعمل لأول مرة مصطلح المعارضة  وخولها مجموعة من الصلاحيات تجعلها شريكاً في وظيفة التشريع والمراقبة ورئاسة اللجان الخ ، بالرغم من كل ذلك فإن حديث المعارضة عن وجود تجاوزات وتزوير خلال الانتخابات وتحديات تداعيات الكورونا وأزمة المناخ وانعكاساتها الاقتصادية وزيادة التوتر بين المغرب والجزائر سيضع تحديات كبيرة أمام الحكومة والنظام السياسي ككل ومن هذه التحديات هشاشة المعارضة وعدم تجانسها، فحتى مع الصلاحيات الممنوحة لها دستورياً والحقوق المنصوص عليها قد تكون عاجزة حتى عن القيام بهذه المهام والحقوق بجدارة.

مع إدراكنا لمحورية وأهمية دور المؤسسة الملكية في حفظ التوازنات وتدارك وتصويب ثغرات تنتج عن ديمقراطية صناديق الانتخابات فإن  تخوفات من أن يؤدي ضعف المعارضة البرلمانية لظهور معارضة من خارج أحزاب المعارضة البرلمانية وقد تلجأ هذه المعارضة غير الرسمية وغير المقوننة لأساليب فجة خارج إطار القانون، كما سيكون للشارع ولوسائط التواصل الاجتماعي دور أكبر من دور المعارضة البرلمانية في التعبير عن المطالب الشعبية وتفريغ شحنة الغضب الشعبي تجاه أية إجراءات حكومية غير شعبية.

كان من الممكن الحفاظ على حالة التوازن لو أن أحد الأحزاب الليبرالية والمحافظة المشارِكة في الائتلاف الحكومي- التجمع الوطني للأحرار، الأصالة والمعاصرة، وحزب الاستقلال - تواجد في ساحة المعارضة ليس فقط للحفاظ على التوازن العددي بل أيضا المجتمعي والطبقي.

التحدي لا يقتصر على الحكومة فقط بل أيضا تحدي لأحزاب المعارضة البرلمانية، ولا ندري إن كان ما زال من الممكن توحيد أحزاب المعارضة اليسارية والتقدمية تحت قبة البرلمان وتجديد برامجها وقياداتها، وهل يمكن لحزب العدالة والتنمية أن يُعيد استهاض وتجديد ظاهرة الإسلاموية السياسية في بلد على رأسه أمير مؤمنين؟ بل يمكن أن نتساءل بشكل عام إن كان من الضروري وجود أحزاب إسلامية في دول ومجتمعات إسلامية؟ وربما يحتاج المغرب لتشكيل أحزاب معارضة جديدة ملتزمة بالدستور وثوابت الدولة ومتحررة من إرث الماضي .

 

إبراهيم أبراش

 

  

عباس علي مرادأدت ثورة الإتصالات الحالية إلى ظهور نمط جديد من العلاقات وأسلوب حياة يرتكز على قيم غير معروفة ومسبوقة تعمل على تكريسها وفرضها عبر قوتها الناعمة واستغلال حاجة البشرية للتواصل.

عرف العالم منذ بدء التاريخ انماطاً مختلفة من الحياة والعلاقات بدءاً من جمع الغذاء واكتشاف النار ثم الرعي وبداية عصر الإستقرار البشري كانت عندما بدأ الإنسان زراعة الأرض واستمر العصر الزراعي لفترات طويلة حتى دخل الإنسان العصر الصناعي إلى أن كان الإنقلاب الكبير عند دخول الآلة التي تعمل على البخار والفحم الحجري الذي تراجع دوره أواخر القرن التاسع عشر لصالح الآلة التي تعمل على البترول الذي اكتشف بكميات تجارية ونقل البشرية في بضعة عقود من الزمن إلى مستويات انتاجية غير مسبوقة رافقتها سرعة التنقل ونقل البضائع.

 دخل العالم عصر العولمة بفضل سهولة انتقال الرأسمال والتي تطورت بفضل الثورة الرقمية ودخول الإنترنت كعنصر رئيسي في حياة البشر رغم الفروقات الشاسعة للحصول على خدمات الإنترنت بين من يملكون ومن لا يملكون أي الأغنياء والفقراء، لكن ذلك لم يحل دون انتشار الإنترنت حيث ساهم في سرعة انتشارها الآلات الرقمية كالحاسوب والهاتف المحمول.

بفضل هذا الإنتشار للشبكة العنكبوتية استطاعت منصات التواصل الإجتماعي مثل واتس آب، تويتر، انستغرام وفيسبوك استطاعت شبك العالم حتى في اقاصي الكرة الأرضية خصوصاً منصة فيسبوك حيث أنها تستحوذ على أعلى نسبة مشتركين او مستعملين.

أمّنت وسائل التواصل الإجتماعي عبر منصاتها فرصاً لكل فرد للتعبير عن آرائه وشخصيته ومشاركة نشاطاته وتقاسمها والحوار مع الآخرين الأقربين والأبعدين.

جاءت جائحة كورونا لتكرس نمطاً جديداً من التعلم وهو التعلم عن بعد عبر الإنترنت (اون لاين) بالإضافة إلى ذلك أصبح منطق العالم الإفتراضي يتداخل ويفرض نفسه على القطاعات الإنتاجية، التجارية، الترفيهية، المعلوماتية والثقافية وكرس نمطاً جديداً من الإجتماع هو الإجتماع الإفتراضي الذي يشغل الحيزين الزماني والمكاني، الزماني بأبعاده الماضي والحاضر والمستقبل، والمكاني من خلال العزلة أو ما عرف في زمن الكورونا بالتباعد الإجتماعي والجسدي.

وعلى الضفة الأخرى اندفعت منصات التواصل في اتجاه احتواء استقلالية الأفراد والدول من خلال تحكّمها بتدفق المعلومات سلباُ كان او إيجاباً بما يتعارض ومصالح تلك الدول التي تصبح عرضة لمزاج موظف في تلك المنصات. ما ينطبق على الدول ينطبق على الأفراد وحرية التعبير بالمنع والسماح هذا بالإضافة إلى إمكانية تحريف الحقائق وتشويه الوقائع لصالح الأقوياء والأثرياء أصحاب النفوذ والمثال الأبرز ما حدث من منع نقل وجهة النظر الفلسطينية أثناء العدوان الأخير على غزة هذا العام.

إن الإنقلاب الذي تنفذه وتقوده منصات العالم الإفتراضي يشكل ثورة للتغير مجهولة النتائج، يرافقها عدم يقين إذا ما كانت هذه الثورة ومؤثراتها تتوافق مع النظام الإجتماعي أو تسعى لتكريس نظام إجتماعي آخر، وكيف سيعمل هذا النظام لتحقيق الشعور بالأمان مع تركيز القوة في يد من يمسك ويتحكم بتلك المنصات التي تستطيع وتساهم في تكوين الشخصية الإنسانية.

على الجانب السياسي يتبادر إلى الذهن السؤال: ماذا عن تأثير تلك المنصات على النظم السياسية الجمهورية، الملكية والإستبدادية؟

من المسلم به أن التطور هو سنة من سنن الحياة، لكن ماهية هذا التطور هي الأساس في الحكم على هذا التطور وما تعانيه البشرية اليوم من الإحتباس الحراري وارتفاع درجة حرارة الأرض التي نتجت من جشع الإنسان وعدوانيته ضد الطبيعة ومواردها وقد تجاوز هذا الإستغلال الفاحش تحت اسم التطور، إمكانية الإرض ومحيطها الخارجي للتعافي الذاتي كما كان يحصل قبل عصر الثورة الصناعية.

أنبياء العالم الإفتراضي أمثال مارك زوكربورغ الذين يبشّرون بمستقبل لا يحاكي الواقع وقد يكرس انعدام المساواة وتكافؤ الفرص واحتكار المعرفة، هؤلاء لديهم شهوة جامحة تجاه استبدادية رقمية تضعف الإداء الفكري والسياسي ومنظومة القيم الإنسانية والإجتماعية التي قال بها ابن خلدون في القرن الرابع عشر وأكد على ضرورة الإجتماع البشري لحياة الإنسان وهو ما أدى إلى وجود المجتمع.

أخيراً، تبقى الخشية المشروعة من تراجع القيم الإجتماعية والإنسانية أن تؤدي إلى دخول الإنسان تيه العالم الإفتراضي والسقوط المدوّي المتمثل بالإدمان الإلكتروني خصوصاً في جوانبه السلبية غير المنتجة ولدرجة معينة في الجوانب الإنتاجية والإدمان على العمل وعدم إمكانية فصل أوقات العمل عن أوقات الفراغ والترفيه ووقت للعائلة التي باتت تعاني من تفكك خطير وازدياد حالات الطلاق، يضاف إلى ذلك البعد الإجتماعي الذي يتّجه بسرعة لتبنّي العلاقات الإجتماعية للعالم الإفتراضي الجديد.

هذا ما سينتج الإنسان ذو البعد الواجد الذي عرّفه هربرت ماركوز بقوله: وما الإنسان ذي البعد الواحد إلا ذاك الذي استغنى عن الحرية بوهم الحرية.

يبقى أن نشير إلى أن أزمات العالم وحروب المستقبل تغيرت طبيعتها وخير دليل على ذلك الأزمة المالية العالمية عام 2008- 2009 والهجمات السيبرانية ومنها التهم بالتلاعب بنتائج الإنتخابات في البلدان الأخرى وغيرها…

إذن، أهلاً بكم في العالم الإفتراضي الجديد.

 

عباس علي مراد

 

 

محمد توفيق علاويما هو المقصود من مبادرة طريق الحرير والحزام، طريق الحرير هو الطريق الواصل بين الصين و اوربا من خلال عدة طرق والعراق يقع على احد هذه الطرق، اما الحزام فهي مبادرة اقتصادية أوسع بشكل قروض تقدمها الصين وتشمل دولاً أخرى خارج نطاق طريق الحرير .......

قبل الحديث يمكن طرح المقولة التالية (ان الاتفاقية الصينية هي التي اسقطت حكومة السيد عادل عبد المهدي) وأقول ان هذه المقولة غير صحيحة بالمرة، لأن الدول التي وقعت هذه الاتفاقية دول عديدة، تقريباً جميع دول جنوب شرق آسيا واغلب دول الشرق الأوسط وحوالي 90٪ من الدول الافريقية وتقريباً جميع دول اوربا الشرقية واكثر من نصف دول اميركا الجنوبية بل حتى بعض دول اوربا الغربية كاليونان وإيطاليا والبرتغال، وعدد هذه الدول 139 دولة وان مجمل المبالغ لهذه المبادرة تبلغ حوالي 7 ترليون دولار (أي 7000 مليار دولار) وحصة العراق فقط 10 مليار دولار، اي اقل بكثير من 1٪، لذلك هذه المقولة بعيدة عن الواقع ....

اما الاتفاقية الصينية مع العراق يمكن تلخيصها كالتالي: ان الصين تستورد يومياً بحدود مليون برميل من النفط من العراق، ومن هذه المليون برميل يتم إيداع كلفة 100 الف برميل بحساب خاص وبالمقابل  نأخذ قرضاً من الصين  بمقدار 10 مليار دولار نستخدمه للبنى التحتية كميناء الفاو وخطوط السكك الحديدية ومشاريع سكنية ومطارات ومشاريع صناعية وغيرها بشرط ان تتولى الشركات الصينية عملية الاعمار، وإذا اودعنا من هذا المليون برميل كلفة 300 الف برميل نأخذ من الصين 30 مليار دولار كقروض

السؤال هل مثل هذه الاتفاقية مفيدة للعراق، الجواب : ليس مفيدة فحسب وانما لا يوجد بديل عنها لإعادة الاعمار والنهوض بالبلد.......

سؤال آخر:هل هناك محاذير من هذه الاتفاقية؟: الجواب هناك اثنان من المحاذير

المحذور الأول: إذا تشكلت حكومة محاصصة سوف تكون هناك خطورة كبيرة جداً، الصين مع العلم إجراءاتها بشأن الرشاوي جداً شديدة ولكن مع الصينيين وداخل الصين، ولكن ليس لها علاقة بالفساد بالبلدان التي تأخذ منها القروض، على سبيل المثال لو بنينا مجمع سكني كلفته الحقيقية 100 مليون دولار ممكن من خلال الفساد والمحاصصة ان تبلغ كلفته 150 مليون والفرق ال 50 مليون تدفع كعمولات للفاسدين من الأحزاب السياسية، كما حدث بشأن تمديد رخص الهاتف النقال التي مددت ل 3 سنوات، بمبلغ سري قالوا عنه (مبلغ محتسب وغير مجاني)، ال3 سنوات واردها 750 مليون دولار للعراق، مجلس الوزراء وقع على قرار هيئة الاتصالات من دون معرفة المبلغ الذي لم يعلن عنه، الدولة التي تحترم نفسها تجلب شركات عالمية وتضع تقييم حقيقي كما كان الامر عام 2007 عندما تم جلب شركات عالمية وضعت شروط الرخصة للهاتف الخلوي وتم الإعلان عن مبلغ الرخصة ودخلت في الموازنة؛ من حق المواطن ان يعرف كم هي هذه الأموال لأن هذه ألاموال هي أموال الشعب وليس من حق هيئة الاتصالات والحكومة ان تخفي هذه الأرقام، كما ان هذه الأرقام ليست بملايين الدولارات بل مئات الملايين من الدولارات، يمكن انه لم تترتب خسارة للبلد ولكن يمكن ان تكون هناك خسارة بمئات الملايين ، المطلوب من هيئة الاتصالات والحكومة ان تكون شفافة بشأن الأموال التي هي من حق الشعب وليس من حق الحكومة ان تخفي هذه الأرقام عن المواطنين بسبب المحاصصة، هذا ما حصل، وما يمكن ان يحصل مع الاتفاقية الصينية بسبب المحاصصة ؛ لذلك ليست القضية فقط ان نفعل الاتفاقية الصينية ولكن يجب ان نفعلها ضمن حكومة بعيدة عن المحاصصة والفساد، لأن هذا معناه اننا نأخذ قرضاً لمصلحة الفاسدين من الطبقة السياسية ......

المحذور الثاني: الصين عندما تعطي القرض لا تعمل دراسة جدوى ولكن تقول للدولة التي تعطيها القرض انتم اعملوا دراسة الجدوى فهذه مسؤوليتكم وانتم تتحملون تبعاتها، فضلاً عن هذا الصين دولة تحترم حقوق شعبها وغير مستعدة ان تفرط بدولار واحد من حقوق شعبها، على سبيل المثال الصين اعطت قروضاً لسريلانكا لعدة مشاريع ومنها مشروع ميناء (هامبان تاتو) المشكلة ان سريلانكا لم تعمل دراسة جدوى صحيحة للميناء، وبعد فترة لم تستطع ان تسدد أقساط الديون والفوائد، وقالوا على اثرها للصينيين خذوا الميناء مقابل القرض، الصين اخبروهم ان الميناء وحدة لايسد القروض، لذلك اخذوا فضلاً عن الميناء 150 الف هكتار من الأراضي قرب الميناء وأصبحت هذه ارض صينية

مثال آخر الاكوادور دولة نفطية في اميركا الجنوبية نفس الشيء اخذوا قروض لمشاريع السدود ومصافي النفط وغيرها ولم يستطيعوا ان يسددوا هذه القروض وفوائدها لذلك اخذت الصين 90٪ من انتاج النفط في الاكوادور والآن الكثير من الدول التي تريد ان تشتري النفط من الاكوادور تشتريه من الصين وليس من حكومة الاكوادور........

إذا جاءت حكومة في العراق مثل الحكومات السابقة والكثير من وزراءها غير اكفاء ولم يعملوا دراسات كافية بشأن الاتفاقية مع الصين فهنا قد نقع في مطب كبير وتتحول هذه الاتفاقية إلى كارثة إذا تنازلنا عن ميناء الفاو على سبيل المثال او عن مساحات شاسعة من الأراضي او مطارات او أمور أخرى ......

الخلاصة الاتفاقية الصينية اتفاقية جيدة جداً وممتازة ولمصلحة العراق بشرط ان تكون هناك حكومة بعيدة عن المحاصصة واللجان الاقتصادية والفساد، ومن وزراء مخلصين واكفاء ..

وفضلاً عن هذا عندما نعمل هذه الاتفاقية وبالذات طريق الحرير فسوف ندخل سوق المنافسة وهذا يتطلب جهود أخرى لكي ننجح بكسب اكبر نسبة من هذا السوق، هناك النقل البحري من خلال قناة السويس، وهناك النقل السككي من الصين الى اوربا، فلماذا يأتون الينا؟ نحن يجب نعمل ونقدم عروض منافسة، سواء بكلفة التفريغ في ميناء الفاو وسرعة التفريغ وكلفة النقل بالقطارات وقلة الرسوم وغيرها، إذا كان النقل فقط للعراق لا توجد مشكلة لانه لا توجد منافسة أما إذا اردنا ان نأخذ جزءاً من السوق العالمي كترانزيت من خلال العراق فيجب ان ننهي الفساد وننهي الرشاوي ونعمل بشكل مهني؛ وأقول لكم إذا بقت الحكومات مثل السابق فسوف لن نحقق ما نحلم به من موارد ضخمة من طريق الحرير ........

اني اتحدث  عن الاتفاقية الصينية وهناك حسرة كبيرة بالقلب ، السيد عادل عبد المهدي عمل هاذه الاتفاقية لأخذ عشر مليارات دولار خلال فترة خمس سنوات؛ في حين بلغت موازنات العراق الانفجارية حوالي 120 مليار دولار وكانت الموازنة الاستثمارية لعدة سنوات اكثر من 30 مليار دولار، أي في سنة واحدة كنا نأخذ اكثر من ثلاثة اضعاف ما يمكن الحصول عليه من اتفاقية الصين، ولكن كل هذه الأموال ذهبت هباءً منثورا وبجيوب الفاسدين من السياسيين بسبب الفساد؛

 نأمل تعي الطبقة السياسية هذا الواقع وتتخلى عن مصالحها الشخصية خدمة لمصلحة البلد والمواطنين العراقيين الكرام، لأنه بخلافه هذه هي الفرصة الأخيرة لإنقاذ البلد وإن استمروا على المنهج السابق فسيقودوا البلد الى الدمار الكامل .......

 

محمد توفيق علاوي

6   نوفمبر 2021

 

 

مهدي الصافيانتخابات عراقية مبكرة استكملت مسيرة تدمير الدولة، بعد ان اصبح الاعتراض على نتائج الانتخابات ظاهرة عامة لاغلب المرشحين الخاسرين، اذ ليس منطقيا ان يكون جميع المعترضين هم على حق، والا تجاوزاعضاء البرلمان الفائزين في هذه الانتخابات عدد المقاعد المحددة!

يردد اهلنا بتهكم دائما قصة ترقيع الاشياء، (فقد كانت مسألة ترقيع ثياب الفقراء مشهورة في اوائل واواسط القرن الماضي، بل حتى في السبعينيات كان هناك من يرتدي الثياب اي الدشداشة او السترة المرقعة)، على انها لاتجدي نفعا لانها حلول مؤقتة، سوف تنتهي في نهاية المطاف الى المزابل او اعادة البناء من الجذور...

ما يحصل في عراق مابعد 2003هو الاستمرار في ترقيع سفينة النظام السياسي المتهالكة الراكدة في الوحل، والانغلاق او العجز التام عن ايجاد افاق عملية جديدة تنتشل هذا العملية السياسية من الانهيار، بالعودة الى الجذور المنطقية للاصلاح، وهي اعادة كتابة الدستور او اجراء تعديلات مهمة عليه، على ان لاتتم عبر نفس الاليات والايادي او املاءات وشروط الطبقة السياسية المهيمنة على الحكم، بعيدا عن التدخلات الخارجية..

نتائج الانتخابات المبكرة التي سجلت انتصارا نسبيا للتيار الصدري (علما انه سجل تراجعا ملحوظا في اعداد ناخبيه ولكن استغل نظام الدوائر المتعددة المحدود والمفصل على مقاساته وبعض الكتل الاخرى)، ليست بابا مفتوحا او طريقا معبدا لاستلام السلطة (منصب رئاسة الوزراء)،

 لان التيار لديه خلافات كبيرة مع الاجنحة الشيعية الاخرى (دولة القانون، والفتح وقادة الحشد والفصائل المسلحة التي لديها اجنحة وكتل سياسية)، فهو يقدم نفسه على انه التيار الشيعي الوحيد البعيد عن ايران(او مايسميه بالتبعية)، والقريب من المحيط العربي والاقليمي والدولي، ولكنه يصطدم ايضا بعقوبات داخلية اخرى، منها ان تياره متهم بالتورط في الفساد المالي والاداري (ومايسمى شعبيا بظاهرة الصك)، ولم يعد خافيا على احد عقوبات زعيم التيار السيد مقتدى الصدر المتكررة لقيادات واعضاء تياره، اضافة الى ان سمعة جيش المهدي السابقة(سرايا السلام حاليا) في العديد من الملفات بما فيها مواجهة الدولة في المحافظات الجنوبية(وقد كان لرئيس الوزراء السابق المالكي حملة عسكرية ضدهم اسماها صولة الفرسان او خطة فرض القانون)،

ولديه مشاكل مع الفصائل المسلحة وقياداتها التي يقول عنهم انهم منشقين عن التيار، وكذلك ازمته مع قوى وجماهير انتفاضة تشرين (ملف القبعات الزرق والانسحاب من ساحات التظاهر)، علما اننا ذكرنا سابقا ان المجتمع الدولي يشعر ان من الصعوبة بمكان التفاهم مع هذه الاعداد الكبيرة من الزعامات والاحزاب والتيارات والمليشيات او الفصائل المسلحة المشاركة في العملية السياسية،

لهذا هو يبحث عن صياغة مفهوم مثلث الحكم في العراق، بايجاد ثلاث قوى كبيرة قادرة على السيطرة على مقاعد الرئاسات الثلاث، وادارة الدولة بطريقة اقرب الى الديمقراطية المقيدة بتلك الاضلاع

(ثلاث كتل كبيرة الاولى تمثل الشيعة ، والثانية العرب السنة ، والثالثة الكرد)، ومن هنا نرى ان شدة وصلابة اعتراض وموقف القوى الشيعية المحسوبة على ايران لايعد امرا هينا،

لانهم ادرى بشعاب مايسمى بالمؤامرة(ولهذا يرددون ان رئيس الوزراء المنتهية ولايته الكاظمي هو احد صناع هذه الازمة، واساس حياكة المؤامرة التي يراد لها ان تحل الحشد الشعبي والفصائل المسلحة وابعاد قادتها)، مع ان الملف عاد الى دائرة التهدئة داخليا وخارجيا، وقد يرجع الى المربع الاول في تشكيل الحكومة اي الى المحاصصة والتوافق ونقاط الحسبة الاولى(اي كل وزارة تقابل عدد مقاعد الكتلة المقسمة على مفاصل الرئاسات الثلاث) ....

العراق يسير نحو الهاوية، ولا توجد اية محاولات سياسية او شعبية وطنية جادة للانقاذ، قادرة على اصلاح  العملية السياسية برمتها (كما ذكرنا في مقالات سابقة حول ماحصل في تجربة السيسي ، واسقاط حكم الاخوان في مصر)، والابتعاد عن تكرار سيناريو التجربة الفاشلة في لبنان(حكومة الطوائف والاقليات)، ولعل البلاد مفتوحة مع سوريا على احتمالات اعادة ترتيب تلك المنطقة (سايكس بيكو2 )، بعد ان تم اعادة توزيع الادوار للقوى العظمى (انسحاب امريكا من افغانستان، والتردد في البقاء او الخروج من الخليج العربي،  والاتجاه الى مواجهة روسيا والصين اقتصاديا وبحريا، كما في ملفات بحر الصين الجنوبي وازمة هونغ كونغ)، واعطاء الدور الاكبر في الشرق الاوسط لفرنسا (والاتحاد الاوربي)وبريطانيا، مع السماح ايضا بالتمدد الروسي الصيني في المنطقة، وفق اليات لعبة الحرب الباردة الجديدة....

تحويل العراق والمنطقة الى حقول تجارب امبريالية، ومراكز تجارية اقرب للمضاربة والتنافس غير المشروع للهيمنة على موارد تلك الدول، بعد ان اصبحت الشركات الاستثمارية الرأسمالية العملاقة هي من يقود او يتصدر طبقة النخبة الديمقراطية العالمية الحديثة، وبات بعضهم يتحدث عن العلوم والاكتشافات المستقبلية، ويتنبأ بالاوبئة والامراض واللقاحات ، ومقترحات التحكم التكنولوجي بعقول البشر، حيث اقتحم قسم منها اغلب المجالات الحيوية العلمية، بما فيها رحلات الاستكشاف والبعثات الفضائية، وكأن العالم تحول الى ضيعة بعد ان كان قرية كونية، هذه الفوضى الخلاقة اوالمتوحشة هي جاءت لاستعباد الشعوب، عادت بعد جائحة كورونا الى موطن اصحابها، كالقيود والشروط والتحكم الشخصي بحركات الافراد والمجتمع، واحكام قبضة المراقبة والمتابعة الالكترونية على المواطنين، الا ان الصور البشعة التي رافقت الانسحاب الامريكي الفوضوي من افغانستان، تعطي انطباعا مخيفا عن ما تنتظره شعوب ودول حقول التجارب من ماسي اخرى، نتيجة العنف والاضطرابات والنزاعات المحلية والاقليمية ، وما تفعله ماكينات مافيات الفساد الطاحنة لفقراء تلك الدول وطبقاتها المتوسطة...

ان نسبة المشاركة القليلة المتوقعة في تلك الانتخابات، ادت الى اضافة اخفاق كبير اخر الى قائمة معاول تهديم اركان وهيبة الدولة، وهو استمرار لحالة الفساد والفشل السياسي والمالي والاداري العام، سجل بكل وضوح عجز الطبقة السياسية الحاكمة عن اجتثاث افة الانهيار البطيء، التي بدأت تدخل وتخترق كل مفاصل الدولة والمجتمع، فمع وجود الارهاب الداعشي والفصائل المسلحة وقوى الانفصال

(العربي السني والكردي)، هناك قوى تخريبية لايقل خطرها وتأثيرها عن عصابات الجريمة المنظمة، هي العشائر الضالة التي تمسك بسلاح الابتزاز والتهديد واخذ الاتاوات وحماية المسؤولين الفاسدين (اضافة الى السيطرة على بعض المنافذ الحدودية وخطوط التهريب وتجارة الممنوعات والمخدرات، والانخراط في صفوف بعض المليشيات لتنفيذ جرائم النهب والسلب الخ.)، هذه المقدمات الكارثية تضع العراق في طابور الدولة العربية الفاشلة

(لبنان ليبيا اليمن سوريا وقد تلحق بها دول اخرى كالسودان)، الذي يخدم جميع مصالح الدول المجاورة والاقليمية او القوى الاستعمارية العظمى، لان التحكم بالقوى السياسية الفاسدة لايحتاج الى الكثير من العناء، مجرد ان تنتهي الانتخابات الشكلية تبدأ محاولات او مرحلة شراء ذمم بعض النواب الجدد، وللحقيقة نقول ان الشعوب العربية غير مهيأة بشكل كامل للانظمة الديمقراطية الحديثة،

لانها تمتلك خزين هائل من الازمات والتوترات والحاجات النفسية والغرائزية والانقسامات الداخلية(الاثنية والطائفية والعرقية والجغرافية الخ.)، وتفتقر الى التعريف والقناعة العامة والاعتقاد السائد للهوية الوطنية الجامعة او الموحدة لدولة الامة،

وهي حالات شاذة على مستوى الامم والدول، فمع الاقرار بوجود فساد مالي في اغلب دول العالم، لكن لاتوجد نخب سياسية وطنية صالحة او فاسدة فيها تخضع بلدانها للمراهنة والفساد الدولي المشاع،

او تتعمد اهانة الامة او الشعب وتخريب البنى التحتية وتعطيل المشاريع الاستراتيجية او تقديم بلدانها بصورة قبيحة وسيئة ومتخلفة

(تبدأ من الاجواء او البيئة ، ومن مطار الدولة نزولا الى الشوارع والاسواق والازقة والعشوائيات ونقص الخدمات وصولا الى قوافل الهجرات غير الشرعية الهائمة في البحار وحدود دول اوربا الشرقية)،

من هنا نؤكد الى ضرورة التدرج والاعتدال في تطبيق التجارب الديمقراطية في بلداننا، وان تصاغ بطريقة احترافية هي اقرب الى التجربة الروسية او التركية وحتى الايرانية،

بايجاد صيغة وطنية جامعة،  بتشكيل مجلس للسيادة الوطنية العليا (على غرار تجربة مجلس الشيوخ الامريكي او مجلس للنخب والخبرات والكفاءات الوطنية)، يكون احد الحلقات او الاذرع الرئيسية لاكمال مشروع بناء النظام الديمقراطي العربي (اي الذي يأخذ في حساباته الاديان والتاريخ والموروث والطوائف والاثنيات، وتركيبة المجتمعات القبلية والعشائرية)، فنهضة الشعوب العربية وتقدمها لاتأتي عن طريق الشعارات والزعامات والافكار المستوردة الجاهزة، فهناك اسس وقواعد واثار سلبية متجذرة في المجتمع، بحاجة الى دراسة وتحليل ومراجعة ، منه مايتعلق بحقوق المرأة وضرورة اندماجها بالحياة السياسية والعملية للمجتمع، والايمان فعليا بأنها نصف المجتمع، ومايتعلق بثقافة الانسنة والاخلاقيات او المبادئ والقيم المشوهة، وتنقية التراث الملوث بالعنف والخرافات او الاكاذيب والاساطير والعادات البالية الخ.

الطريق الى الهاوية مستمر والشعب عليه واجب تاريخي شرعي واخلاقي في ان يكون في حالة ثورة وانتفاضة دائمة ضد الفساد والانحراف والتخريب ،

ومنع ملف بيع الدولة او تقسيمها وتقديمها على طبق من ذهب لمن يدفع اكثر، عبر الاصرار على اجراء التعديلات الدستورية المصيرية، وتشكيل لجان وطنية ثورية وقضائية عالية المستوى لمحاسبة الطبقة السياسية الفاسدة،  ولاستعادة ثروات الشعب المنهوبة، والعودة الى المسار الديمقراطي الوطني الدستوي الصحيح.....

 

مهدي الصافي

 

عبد الجبار نوريتوطئة: إن أوجاعنا وخيباتنا المأزومة والمزمنة ربما بقدم وعراقة هذا الوطن المستباح منذُ تأسيسه المنحوس في 1921 حتى المحتال "بريمر" يدفعنا للبحث عن الخروج من الوحل الأمريكي أو ربما البحث عن تلك القشة المنقذة بالأستعانة في أستنساخ بعض التجارب العالمية الناجحة  في تغيير الحال مثل (نموذج التجربة الديمقراطية التنزانية الرائدة)

العرض يقع الأقليم التنزاني التي قامت عليه لاحقا دولة تنزانيا في أواسط الساحل الشرقي لأفريقيا، مساحتها 900 ألف كم2، نجحت التجربة التنزانية لكونها لم تنصاع لآملاءات الغرب في التنمية المجتمعية، بدأت بمحاربة الفساد الأداري والمالي بتفعيل القانون ومحاسبة المتهم مهما كان مركزهُ حسب شعار الحكومة المكتوب بحروف واضحة " إذا أردت تنظيف الدرج فعليك أن تبدأ من الأعلى"، وإن هيكلة الحكومة على النمط الرئاسي وليس البرلماني لأن المعارضة السياسية المطلوبة في النظم الديمقراطية لا ولن تنجح في النظام البرلماني كما لمسنا فشلها وغيابها في حكومات العراق منذ 2003 ولحد الآن، ويقوم الأقتصاد التنزاني على مبدأ الأندماج والتكامل الأقتصادي بين جزر الأرخبيل الذي يشمل أقليم زنجبار وأقليم تنجانيقا، ويبلغ أجمالي الناتج المحلي لتنزانيا حوالي 50 مليار دولار (حسب بيانات البنك الدولي ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية) .

ساهمت شبكة شركات أجنبية رصينة ومشهودة المصداقية وبأشراف ومتابعة رئيس الدولة وعلى الشركة أن تقدم تقريرها الأنجازي كل ثلاثة أشهر، وهذا البرنامج الأستثماري التنموي يعود إلى ثلاثينيات وأربعينيات نهاية القرن 19 وبدايات القرن العشرين وبدأت مؤسسات الدولة تأخذ هيكلية شكلها السياسي والأقتصادي والأجتماعي مع مؤسسات مالية لتلبية حاجات التأمين والتسليف والأسكان وهو مما أدى إلى أزدهار الصناعة والسياحة مقرونة بخدمات وسائل الأعلام في ترويج الصناعة والسياحة، والذي يلفت النظر هوأن سياسة التنمية والتطور يبدأ من برنامج أسمه "دعم الريف الساحلي" وتوفير الخدمات البيئية للأرياف لتقليل الهجرة من الريف إلى المدن وكذلك التقليل من الهجرة الخارج .

جمهورية تنزانيا الأتحادية تقع في شرق وسط أفريقيا، تشرف على المحيط الهندي من الحدود الشرقية،  هي أفريقيا --- ببشرتها السوداء وقلبها الأبيض، لا تفتأ أن تذكرنا بتأريخ مضيء وآخر مظلم، وتستحضر أمامنا أرواح أولئك المناضلين الذين تحدوا الأستعمار والعنصرية بصدورٍ عامرة بالتضحية أمثال (لومومبا ومانديلا) .

الرئيس" جون موغافولي"John Magufuli 1959 تولى السلطة عام 2016محبوه يلقبونهُ ب (البلدوزر) وصاحب المكنسة الذي أضاف لسجلهِ الحافل بالنظافة عندما كان وزيراً للأشغال العامة، وأستمر بعد أستلامه الرئاسة في حمل شعار (المكنسة) حيث ينظّمْ لآلاف المواطنين في حملة لتنظيف شوارع العاصمة " دار السلام" بالتزامن مع ذكرى أستقلال البلاد، ورحب المواطنون بمكنسة "ماغوفولي" في تطهير الفساد المستشري في البلاد منذُ عقود،  كثيراً ما أشتهر بزياراتهِ المفاجئة لمواقع تشييد الطرق لكشف أنشطة الفساد، وأنتشرت أخبارهُ عبر التواصل الأجتماعي وتويتر ووسائل الأعلام في نشر ثقافة المواطنة والتقشف ومحاربة الفساد، ونهجه في تخفيف حدة الأنفاق الغير ضروري، ويركز على الأصلاح وتوفير الخدمات، وتعزيز تحصيل الأيرادات وشعارهُ المثل السواحيلي: {أذا أردت تنظيف الدرج فعليك أن تبدأ من الأعلى} لذا رحب التنزانيون بالتدابير المبتكرة التي أنتهجها الرئيس الجديد " جون ماغوفولي " في مكافحة الفساد تلك الحملة الوطنية لأجتثاث الفساد الأداري والمالي والتي كسبت الأستحسان ليس من داخل تنزانيا فقط أنما عبر القارة الأفريقية حيث يبشر عهدهُ (بنموذج) يحتذِي بهِ غيره من القادة الأفارقة بالرغم من أنهُ لم يمضي في منصبه شهرا واحدا، وفي أول يوم لهُ في السلطة، نظّم زيارة مفاجئة لوزارة المالية حيث وبخ وعاقب موظفي الخدمة المدنية الذين لم يكونوا في مكاتبهم، كما أنهُ ألغى مظاهر البذخ في الأحتفالات يوم الأستقلال لتوفير الأموال لشراء أسرّة للمستشفى العام في تنزانيا، وحظر السفر إلىى الخارج لجميع موظفي الحكومة، وفي زيارة مفاجئة غير معلنة عنها للمستشفى الرئيسي للدولة وجد المرضى ينامون على الأرض فأقال على الفور مدير المستشفى وحلّ مجلس أدارته، وزيارة أخرى مفاجئة أيضا لميناء دار السلام وأكتشف تجاوزات ضريبية كبيرة تصل إلى 40 مليون دولار مما جعل رئيس سلطة تنزانيا قيد الأعتقال جنبا إلى جنب خمسة  من كبار مساعديه في أنتظار تحقيق جنائي، ونالت تدابيرهُ الجذرية الأستحسان والثناء والتقدير من معارضيه، حيث قال حزب التحالف من أجل التغيير : لقد بنينا معارضة قوية قائمة على أساس أجتثاث الفساد، والآن لدينا رئيس قرر الأنظمام ألينا --- فلماذا نعارضهُ؟؟؟

ومن أقواله: أن لا شيء يحمي الدولة من الخراب سوى سياسيين صادقين في العمل وفي الأعتراف بالتقصير في الصح والخطأ، راتبهُ الشهري (3 -4) اربعة آلاف دولار أي ما يعادل بالدينار العراقي خمسة ملايين دينار في الشهر  - بينما تشير مصادر عراقية مطلعة إلى أن الرئاسات الثلاث تكلف رواتبها خزينة الدولة العراقية مبلغا يتجاوز 15 مليار دولار سنويا وهو ما يتجاوز ثلاثة أرباع  ميزانية تنزانيا البالغة 2-22 ملياردولار سنة 2016 وتتجاوز ميزانية دولة مجاورة - وهذا التفاني والأخلاص وحب الأوطان أوصلت " جمهورية تنزانيا إلى مصافي الدول المتقدمة في وضوح الدولة المؤسساتية وفصل السلطات الثلاثة والقضاء العادل والتعليم الشامل وتقزيم البطالة وحفظ المال العام بأستعمال القبضة الحديدية في محاسبة أي كان من رموز الدولة بدون أستعمال {عفا الله عما سلف}وقد يعزوا بعض الخبراء الأستراتيجيين هذا التطور ولعقدٍ من الزمن ألى:

1-أزدهار فكرة التعايش الديني والأثني . 2- لم تسمح الحكومة لترسيخ مبدأ القبلية بقدر ما بذلت جهداً مضنياً في تعزيز هوية المواطنة .3- التناوب بين المسلمين والمسيحيين في تداول السلطة، بأتباع " النهج " التوافقي الديمقراطي الذي يعتبر حامياً لذلك التعايش الديني والأثني . 4- شمولية التعليم وبشكلٍ عادل . 5- محاربة التطرف والأرهاب ولم تنصاع لأملاءات الغرب في هذه المسألة الخطيرة . 5- لم تتورط تنزانيا في المستنقع الصومالي . 6- قيام الرئيس التنزاني الحالي بحملة أعتقالات دون هوادة لأرهابيين تنزانيين متشددين عابري الحدود الصومالية بهدف الأنظمام لحركة الشباب الأرهابية الجديدة . 7- أصبحت تنزانيا دولة مستقرة بفضل تلك التدابير الوقائية ربما ستشكل سدا منيعا أمام أي أنزلاق تنزاني نحو صراع عرقي أو ديني في المستقبل .

أخيراً/ حرمانات كوميدية صرنا نكابدها ونعيشها ونحن مرغمين، ما زلنا نفتش في المعاجم القديمة عن كذبة كبيرة تدعى الوطن، وإني أرى وطني مصلوبا على حائط الكراهية أو ككرة الثلج وهي تنحدر بسرعة فائقة رهيبة نحو سحيق الهاوية بأنتظار الثقب الأسود، والغريب الجديد أكتضاض المنافي بهذا الوطن المنسي، وكما يقول نزار قباني: (--- فالجميع مواطنون دون وطن، مطاردون على خرائط الزمن، موتى دونما كفن)، والأغرب في عالم (غيتس) الأبله إنهُ لم يكتشف جغرافيتنا ولا تأريخنا في تصريحه اللئيم {لقد ألقي القبض على وطنكم المقتول، وأطلق سراح القاتل} فهو الوطن الوحيد الذي تشتت بين خرائط العالم ذات النفق الواحد بنهاية مغلوقة معتمدة، وهي نهاية مأساتنا التراجيدية، وتبدو وكأنها تفتقد مسك الختام ---- بل محرمٌ عليها .

 

عبد الجبار نوري

..........................

هوامش:

سعيد أسماعيل ندا (مستقبل التجربة الديمقراطية في تنزانيا)

سيد عبدالمجيد بكر (الأقليات المسلمة في أفريقيا) نت

كاتب  وباحث سياسي عراقي مغترب

في تشرين الثاني/ 2021

 

قاسم حسين صالحتنويه: تنعقد الآن قمة غلاسكو المناخية في اسكتلنده والمعروفة بمؤتمر منظمة الامم المتحدة لتغير المناخ، يحضرها ممثلو 200 دولة، يبحثون سبل تقليل الاحتباس الحراري، والتعامل بجدية مع تحذير الهيئة الدولية المعنية بهذا الشان بأن امام العالم عشر سنوات فقط لمواجهة الآثار الكارثية للتغير المناخي.وما يعنينا هنا ان وزارة البيئة العراقية صرحت ان العراق يعدّ خامس اكثر دول العالم تضررا من ظاهرة التغير المناخي، وحذرت من فداحة ما سيتعرض له جراء الجفاف والتصحر وتراجع منسوب المياه الجوفية وتراجع القطاعات الزراعية والانتاجية.

سيكولوجيا تقلبات المناخ

شغلت تقلبات المناخ اهتمام علماء نفس البيئة لما لها من تاثير كبير على سلوك الانسان وحالته النفسية وحتى الصحة العقلية انطلاقا من حقيقة التفاعل بين التكوينين الفسيولوجي والسيكولوجي للانسان، فانت حين تشعر بالفرح فان الدماغ يفرز هرمون السعادة (السيروتونين) فتنتشي وتنام بارتياح وتعيش عمرا اطول، وحين تغضب يسري بدمك هرمون (الأدرينالين) فتزداد عنفا وينتابك الخوف وتنام قلقا وتعيش عمرا اقصر.ولك ان تراقب حالتك النفسية كيف تتقلب في الفصول الأربعة من فرح بفصل الربيع الى اكتئاب بفصل الشتاء. وما سيحصل، ان الانسان الذي استطاع ان يتكيف لتغيرات المناخ عبر الفصول الأربعة التي يعرف تقلباتها، لا يستطيع التعامل مع تقلبات مناخ تحصل بشكل حاد وخارج توقعاته.. وهذا ما دفع دول العالم الى عقد قمة غلاسكو المناخية التي ركزت فيها على تداعيات التغير المناخي في الامنين الغذائي والمائي دون ان توليها، للأسف، الاهتمام ذاته على تداعياتها السكولوجية وما ينجم عنها من آثار صحية واجتماعية، شهد عام 2020 الكثير من مظاهرها الناجمة عن احتراق الغابات والفيضانات والعواصف وذوبان ثلوج القطبين في عدد من دول العالم بسبب الاحتباس الحراري.

ومع ان قمة غلاسكو تشيع حالة من الأمل في معالجة تقلبات المناخ، الا ان الدول الصناعية والغنية التي لم تلتزم بتوصيات مؤتمر باريس 2015 ، ستتخذ الموقف نفسه بعدم التزامها بمقررات قمة غلاسكو.. وهذا ما اكده الأمين العام للأمم المتحده في خطابه بالمؤتمر بأن (الجنس البشري مهدد بالزوال وأن وعود الساسة مجرد وهم)، وقول رئيس الوزراء البريطاني (ان الأجيال المقبلة ستحاسبنا على اهمالنا).. ما يعني ان البشرية تواجه موتا بطيئا ان لم يتخذ مؤتمر غلاسكو اجراءات عملية لمعالجة انبعاث الكربون وتقليل الاحتباس الحراري.

والمقلق عراقيا ان وزارة البيئة العراقية اعتبرت العراق ، وفقا لسكاي نيوز، خامس اكثر دول العالم تضررا من ظاهرة التغير المناخي.. وهذا ما يقلقنا نحن السيكولوجيين، ذلك ان العراقيين عاشوا في الاربعين سنة الماضية حروبا كارثية نجم عنها كراهية وعدوان وعنف واستسهال قتل الآخر، لأسباب سخيفة.. اتفهها اذا كان اسم الآخر (حيدر او عمر او رزكار)!.. فكيف ان جفت اراضيهم وقل غذاؤهم وشح ماؤهم واستمر حكامهم بتغليب مصالحهم على مصالح الناس والوطن؟!، وأرجحية أنهم سيتعاملون مع تقلبات المناخ وكأن الأمر لا يعنيهم!

انني من موقعي كسيكولوجست لأربعين سنة، أنبّه الى أن الدولة التي تحرص على سلامة شعبها عليها ان تعتمد على نفسها وتستعين باهل الاختصاص والخبرة، وعليه فانني ادعو الحكومة والبرلمان العراقي الى عقد مؤتمر بعنوان (التداعيات السيكولوجية لتغيرات المناخ في العراق) يضع استراتيجية تتضمن مراحل علمية لاحتواء تداعيات كارثة ستحصل حتما، ان تعاملنا معها بنفس الأساليب التي اتعبت العراقيين ذلاّ وفقرا وخوفا وتوالي خيبات.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

1 تشرين الثاني/نوفمبر 2021

 

محمود محمد عليبيد أن خصومهم من المدنيين الذين تم الإطاحة والتنكيل بهم يتهمونه بعكس ذلك ويؤكدون أن الهدف الأساسي من خطوته هو تنصل التزام الجيش السوداني بنقل رئاسة المجلس السيادي إلى المدنيين في نوفمبر المقبل 2021 ؛ وماذا تعني نقل السلطة إلى المدنيين في نوفمبر المقبل إذا ما كانت ستتم.؟.. تعني أن مخاوف البرهان لا يمكن أن تتحقق، وهذه المخاوف تتمثل في أنه كان المدنيون قد بدأوا يشيرون إلى نقاط بالغة الحساسية للجيش مثل شركات الجيش المختلفة والتي يصفون بأن الجيش السوداني يديرها من أجل مصالحه بعيدا عن الدولة وكذلك اتهامهم للجيش السوداني بأنه يحاول حماية أعضاءه من المحاسبة لأن المدنيين يتهمون قيادات الجيش السوداني بكثير من الجرائم التي أُرتكبت أثناء " عمر البشير" وجرائم أخرى تمت عقب الإطاحة بالبشير حيث المدنيون يريدون تسليم البشير لمحكمة العدل الدولية في حين الجيش يرفض ذلك ومحاسبته داخل السودان .

والأمر الذي يأخذنا إلى كم هو صحيح في هذه المسألة إلى أنه من المبكر جدا لتقييم ما قام به الجيش من انقلاب علي حكومة المدنيين أن نحكم بدقة علي أيا من الفريقين (الجيش والمدنيين) ليس صحيحا لكن في هذه المواقف الملتبسة فإن كل فريق لديه دوافع متعددة وتحتاج المسألة لبعض الوقت حتى نحزم بأنه أيا من الفريقين علي صواب!.

وهذا يدفعنا إلى السؤال الثاني وهو دور القوى الإقليمية والكبرى؟.. إن القوى الإقليمية الأكثر ضلوعا في الشأن السوداني تتمثل في مصر والإمارات والسعودية ودول عربية أخري وكذلك بعض الدول الكبرى مثل الصين وروسيا فإنهم قد تجنبوا عدم الإدانة واكتفوا ببيانات تدعو إلى ضبط النفس وأن الشعب السوداني قادر علي حل مشاكله ومن ثم فإن هذه الدول ليس من مصلحتها إدانة الجيش السوداني ؛ حيث تري أنه إذا كان الخيار بين المدنيين والمجلس العسكري ، فالأقرب أن تستمر السودان تحت حكم طرف واحد قوي واضح يمكن التفاهم معه مقابل مجموعة من الأحزاب الكثيرة جدا وهي أحزاب متنافرة ولا يمكن التفاهم معها بعكس المجلس العسكري، الذي تري تلك الدول العربية تحت حكمه إلى ترحيل العشرات من المشاكل الحدودية والمائية والخطر  القادم من إثيوبيا ، والمجلس العسكري يمكن أن يقدم هذا بشكل أفضل من القوى المدنية المنقسمة على نفسها ، وعلي كل الأحوال فأن الدول العربية الثلاثة إن لم تبارك فإنها لم تمانع في خطوة عبد الفتاح البرهان لا نقول بأنه نسق معهم ولكن كان واضح جدا بأنه حصل على عدم ممانعة من هذه الدول وذلك استنتاجا .

ولا يمكن لمتابع لمجريات الأمور في السودان، بعد الانقلاب العسكري الأخير، أن يغفل مدى قوة ردود الفعل الأمريكية والأوربية (مثل وبريطانيا وفرنسا)، والتي أدانت ما فعله البرهان ، وطالبت بالإفراج عن رئيس الوزراء السوداني المدني، المحتجز حاليا عبد الله حمدوك ومن معه من المسؤولين المدنيين.

وكان البيت الأبيض الأمريكي، وفي رد فعله الأولي على أنباء الانقلاب، قد أعلن أنه يشعر بالقلق، جراء تلك الأنباء، وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارين جان بيير، للصحفيين على متن طائرة الرئاسة، إن "هذه الإجراءات تتعارض بشدة مع إرادة الشعب السوداني"، وفي تطور لاحق أعلن وزير الخارجية الأمريكية أنطوني بلينكن، رفض بلاده صراحةً لما أسماه "إجراءات الجيش السوداني ضد الحكومة الانتقالية التي يقودها مدنيون".

وقال بلينكن إن الولايات المتحدة "تدين بشدة استيلاء الجيش على السلطة في السودان"، مشيرا إلى قلق واشنطن البالغ، إزاء تقارير حول استخدام قوات الأمن السودانية، الذخيرة الحية ضد المتظاهرين السلميين. مشيرا إلى أن واشنطن أمرت "على الفور"، وفي وضوء التطورات الأخيرة "بإيقاف تسليم 700 مليون دولار من صناديق الدعم الاقتصادي الطارئة إلى السودان، وكانت تهدف إلى دعم التحول الديمقراطي في البلاد".

وحول موقف إسرائيل من خلال ما فعله البرهان فلم يصدر أي تعليق عن المسؤولين الإسرائيليين على أحداث السودان، وهم يتريثون في الإدلاء بتصريحات حتى تتضح الصورة في السودان، حسب صحيفة "هآرتس".

في موقع "عمان نت"، يشير مفيد الديك إلى ردّ فعل إسرائيل تجاه الانقلاب ودورها المحتمل وراءه.

ويقول الكاتب: "تجب ملاحظة أن المكون العسكري في مجلس السيادة السوداني الذي حله البرهان في انقلابه كان متشجعًا أكثر للتطبيع مع إسرائيل، وهو ما تعرفه إسرائيل تماما. وهذا يعني أن إسرائيل ستلعب دورًا لعبت مثله تماما في انقلابات عربية سابقة، أي دعم الانقلابيين مقابل علاقات أوثق مع الدولة العبرية".

ويستطرد الديك: "غير أن ذلك سيضع تل أبيب مباشرة في مواجهة مع واشنطن التي اعتبرت ما قام به البرهان صفعة شديدة لها".

وحول موقف الاتحاد الإفريقي من الانقلاب ، فقد  قرر الاتحاد الإفريقي تعليق مشاركة السودان في كافة الأنشطة الخاصة به، في ظل إطاحة العسكريين بالحكومة المدنية في هذا البلد مطلع الأسبوع الجاري، وأكد الاتحاد الإفريقي في بيان أصدره اليوم الأربعاء أن مجلس السلم والأمن التابع له تبنى هذا القرار خلال اجتماع عقده أمس، مشيرا إلى أن قرار تعليق مشاركة السودان في أنشطة الاتحاد سيظل ساري المفعول ما لم يتم استئناف السلطة الانتقالية من قبل المدنيين بالفعل في هذا البلد. وقال الاتحاد إنه "يرحّب بالإفراج عن رئيس الوزراء" عبد الله حمدوك الذي أوقفه صباح الاثنين عسكريون وأفرجوا عنه مساء الثلاثاء، و«دعا للإفراج الكامل وغير المشروط عن جميع المعتقلين، بينهم الوزراء والمسؤولون المدنيون الآخرون".

إن شعوبنا اليوم ليست في حاجة إلى خوض حروب وهمية كالتي أُعلنت في بعض البلدان، بين المدني والعسكري، بل إلى وضع حد لها.. وليست في حاجة إلى صراعات أيديولوجية كالتي أقيمت بين الإسلاميين واللائكين، أو إلى خوض معارك لا نهاية لها كالتي حملت عنوان العِرق أو الدين أو الهوية، بل إلى تجنبها… إننا اليوم، سواء أكنا في السودان أو في غيرها في حاجة إلى أطروحات تقوم على أساس الوحدة والتكامل بين الجيش والشعب أثناء الحركة، والأولوية الوظيفية أثناء الأداء والفعل. إنه من السهل اليوم زيادة تأجيج الصراع بين المدنيين والعسكريين في السودان، أو استحداث استقطاب لدى الرأي العام بين هؤلاء وهؤلاء ليسقط مزيد من الضحايا ويتم تشويه الجيش السوداني العريق، وإلحاق الضرر بالشعب السوداني الشقيق الذي بات باحثا عن أمل النجاة من منطق اليأس الذي يريدونه عنوانا دائما له يغذي الحقد والصراعات…إن المسألة تتعلق بالدرجة الأولى بوحدة جميع القوى السياسية مع الجيش السوداني لإعادة بناء مؤسسات الدولة تدريجيا بعيدا عن أي تدخل أجنبي، وبعدها ليجري التنافس داخل هذه المؤسسات، عندها تكون السودان قد خرجت من عنق الزجاج واستعادت الأمل في مستقبل واعد.

واعتقد السودان الشقيق بين طريقين، نفق الدم ودرب النجاة ، حيث إننى لا أخفى الفزع مما هو حاصل هناك، لحرصي- ضمن ملايين المصريين- على أمل استمرار التنسيق السوداني- المصري في الملفات التي تتساوى فى درجة خطورتها ومدى أهميتها للبلدين.. ملف سد النهضة ومياه النيل.. وملف الإرهاب وتجفيف منابعه، الذى كان أحدها هو الطرق والمدقات الصحراوية الواصلة بين امتداد الصحراء الغربية في غرب مصر وغرب السودان.. وملف التعاون الزراعي والغذائي، وملف التعاون في مجالات أخرى يبقى السودان فى أشد الاحتياج لها.. وأخيرًا ملف التنسيق والتعاون بين القوات المسلحة فى البلدين، حيث كانت قد بدأت مسيرة التدريبات المشتركة، ومازال تدريب منها بين قوات حرس الحدود فى البلدين مستمرًا وذلك حسب ما قاله الأستاذ أحمد جمال في مقاله السودان.. والأمل.

والغريب والعجيب والمدهش أيضا، أن الشعوب العربية لم تستوعب الدرس، رغم أن المخطط الجهنمي للشرق الأوسط الجديد قد ابتلع الكثير من مكونات المجتمعات العربية، فلو لم نكن نعيش في عصر الثورة الرقمية التي جعلت المعلومة في يديك وبين حضنك موثقة بأدلة دامغة ومتنوعة لقدمنا العذر لك أيها الشقيق المواطن في السودان  وذلك حسب قول جمال رشدي في مقاله الجيش السوداني هو الحل بالأسبوع.

إن ما يحدث في السودان هو آخر صراع المخطط الصهيوني وعلى بعد منه سد النهضة كما قال جمال رشدي ، فهذا السد باقي له شهور قليله وفيما بعد مارس ٢٠٢٢ يتحدد بشكل كبير، ما إذا كان المخطط، سينجح أم سينهار أم سيقود المنطقة لحرب ساخنة بالطبع سيكون لها توابعها على المصالح العالمية والإقليمية في المنطقة.

إن لدى الشعب السوداني وعيًا ثقافيًا رفيعًا، وفيه نخبة مثقفة متنوعة أدبيًا وفنيًا وعلميًا، ولدى السودان موارد طبيعية جبارة، وله مكانة خاصة بحكم كل ذلك، مضافًا إليه موقعه الإفريقي وعلى البحر الأحمر، ولذلك فإن الحسرة تعتصر قلب وعقل وروح أى إنسان يرى وطنًا فيه وله كل تلك الميزات وأبناؤه يصطرعون فى حلقة مفرغة.. حمى الله السودان وحفظ شعبه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..........................

المراجع

1- سيد جيبيل: انقلاب البرهان: الدوافع والعواقب. ماذا يجرى فى السودان؟.. يوتيوب.

2- عبدالرحمن الراشد: مراهنات خطيرة في السودان، مقال منشور ضمن عين الإخبارية بتاريخ الأربعاء 2021/10/27 10:50 ص بتوقيت أبوظبي.

3- أحمد الجمال : السودان.. والأمل، مقال منشور ضمن المصري اليوم بتاريخ الأربعاء 27-10-2021 03:27

4- محمد سليم قلالة: السودان: نهاية خدعة المدني والعسكري!.. مقال منشور ضمن الشروق  بتاريخ 29  أكتوبر 2021م, الموافق ل 22 ربيع الأوّل 1443هـ

 

 

ابراهيم أبراشالغضب وردود الفعل القوية الخليجية وخصوصاً السعودية على ما قاله وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي حول حرب اليمن وعبثيتها وعن الدور السعودي فيها ليس المقصود به قرداحي نفسه وتصريحاته التي تفوه بها قبل أن يصبح وزيراً وهي أقوال ليست بعيدة عن الواقع وكثيرون منهم سعوديون يعترفون بأن التدخل السعودي في اليمن وإن كان مبرراً ومفهوماً في بدايته إلا أن السعودية انزلقت وتورطت أو تم توريطها في حرب لم تكن القيادة السعودية تتوقع طول أمدها وقوة الخصم الذي ذهبت لتقاتله  والخصم هنا ليس جماعة الحوثي فقط بل إيران وجزءاً كبيراً من الشعب اليمني أيضاً .

الموقف السعودي كان ضد الرئيس اللبناني ميشال عون ورئيس الوزراء ميقاتي وضد لبنان الدولة والسبب لأنه لأول مرة منذ توقيع اتفاق الطائف في أغسطس 1989 الذي وضع حداً للحرب الأهلية يتم تجاهل السعودية في المشاورات حول تشكيل الحكومة حيث تشاور الرئيس اللبناني مع الفرقاء السياسيين ومع فرنسا وأمريكا ودول أخرى وتجاهل المملكة السعودية، وهو الأمر الذي اعتبرته السعودية تهميشاً لدورها وحضورها وما تمثله في التوازنات الداخلية وخصوصاً للسنة، وأن إيران وحزب الله  فرضوا سيطرتهم على الدولة اللبنانية مما سيكون له انعكاس خطير على الدور الإقليمي  السعودي  وعلى الحرب الدائرة في اليمن.

 

إبراهيم ابراش

 

كريم المظفرعلى ما يبدو أن  جولات الحوار التي أقرها الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والامريكي جو بايدن خلال لقاءهما الاول في يونيو الماضي،  للحفاظ على الاستقرار الاستراتيجي وتجنب خروج التوتر بين موسكو وواشنطن عن السيطرة، لم تأتي أوكولها بعد، حيث  تمضي الولايات المتحدة في اتخاذ خطوات تصعيدية على الأرض، تحذر موسكو من تداعياتها..

ولم تكتفي الولايات المتحدة بالمطالبة بعودة خمسة وخمسين دبلوماسياً روسياً إلى بلادهم، بل أرسلت الولايات المتحدة مدمرة "بورتر" الصاروخية إلى مياه البحر الأسود بالتزامن مع اتهامات من الخارجية الروسية لها بمحاولة دفع دول حلف الناتو المطلة على البحر الأسود لانتهاج سياسات صدامية.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وفي أحدث أجتماع له مع قادة وزارة الدفاع و كذلك المجمع الصناعي العسكري الروسي في البلاد،  حذر فيه  من خطط واشنطن لنشر صواريخَ متوسطةِ المدى في أوروبا، والإشارة الى أنها تُمثل تهديدا لروسيا وسيتم التعامل معه بالشكل المناسب.

استعداد موسكو للرد المناسب على محاولات كسر التوازن الاستراتيجي اليوم، أولاً وقبل كل شيء، وكما يراها الرئيس الروسي سيتم النظر فيها  من خلال  مجموعة من القضايا المتعلقة بتعزيز قوات الفضاء، وهذه هي واحدة من أقوى مكونات الجيش الروسي الحديث وذات التقنية العالية والقدرة على المناورة، حيث  تعتمد الحماية الموثوقة لروسيا من الهجمات الفضائية والحفاظ على التكافؤ الاستراتيجي بشكل مباشر على استعدادها القتالي ومعداتها التقنية، حيث  يحاول الغرب " كسر هذا التكافؤ "، بما في ذلك عن طريق نشر عناصر من دفاع صاروخي عالمي في المنطقة المجاورة مباشرة للحدود الروسية، وهذه التهديدات لأمن روسيا تقول موسكو انها سترد  بشكل مناسب وكاف على الوضع.

وتؤكد روسيا أن قدرات القوات المسلحة لديها  في مجال الدفاع الجوي قد زادت بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة  وبالتالي، فإن نظام الإنذار بالهجوم الصاروخي يعمل بشكل واضح وفعال،  بكل من مكوناته - الكوكبة المدارية للأقمار الصناعية والرادارات الأرضية [محطات الرادار] - مضمونة للكشف عن إطلاق الصواريخ الباليستية، وتحديد معالمها في الوقت المناسب، وإخطار مراكز القيادة والتحكم للقوات، ويشير الرئيس بوتين الى انه في إطار برنامج التسلح الحكومي، على مدى السنوات الأربع الماضية، تم تسليم 25 نظامًا صاروخيًا مضادًا للطائرات من طراز S-400 وأكثر من 70 مقاتلة حديثة، وتم تحديث أكثر من 20 مجمعًا من طراز S-300 و 90 طائرة، ونتيجة لذلك، زادت فعالية تغطية أهم [كائنات] البنية التحتية العسكرية والصناعية بشكل كبير.

الكثافة المتزايدة لرحلات طيران الناتو بالقرب من روسيا، وظهور سفن الحلف بأسلحة صاروخية موجهة في مياه بحر البلطيق والبحر الأسود، ودخول  سفينة أمريكية البحر الأسود – يمكن النظر إليها من خلال مناظير أو من خلال نطاق أنظمة الدفاع المقابلة، كما أن هناك خططًا معروفة للجميع من قبل الولايات المتحدة لنشر صواريخ متوسطة المدى في أوروبا، مما يشكل أيضًا خطرًا وتهديدًا كبيرًا على روسيا التي تشدد  على انها بحاجة إلى زيادة تحسين نظام الدفاع الجوي، والذي يرتبط  ارتباطًا مباشرًا بالتطوير في الدول الرائدة لوسائل هجوم واعدة و ذات خصائص عالية السرعة،  لذلك، ووفقًا لقرارات سابقة، وكما يوضح الرئيس الروسي،  في السنوات المقبلة، سيزود الجيش وبشكل أضافي بأكثر من 200 طائرة و 26 نظامًا صاروخيًا مضادًا للطائرات من طراز S-350 و S-400، بالإضافة إلى عينة الإنتاج الأولى أو عينات الإنتاج الأولى من أحدث S-500 نظام الصواريخ المضادة للطائرات، وبشكل عام، ستسمح المعدلات الحالية لإعادة تسليح الدفاع الجوي - قوات الدفاع الصاروخي في مطلع 2025-2027 برفع حصة الأسلحة والمعدات الحديثة هنا إلى 80 بالمائة على الأقل.

والمهمة الأخرى البالغة الأهمية  بالنسبة لروسيا هي تزويد البحرية الروسية بالمعدات والأسلحة الحديثة، فعلى  مدى السنوات الأربع الماضية، ضمت البحرية 49 سفينة وزورقًا قتاليًا جديدًا، وتسعة أنظمة صواريخ ساحلية، وعشر طائرات، وتنفيذ برنامج تحديث الأسطول باستمرار،  وبشكل عام، بحلول عام 2027، يجب أن يتجاوز مستوى معداتها بالأسلحة الحديثة 70 بالمائة، في وقت شارف تشكيل المجموعات الضاربة البحرية العاملة في المنطقة البحرية القريبة من الاكتمال، والآن يتم بناء وتحديث أكثر من 30 منهم، بما في ذلك فئة جديدة - سفن برمائية عالمية.

في الوقت نفسه، ووفقا للرئيس الروسي فانه ينبغي إيلاء اهتمام خاص لتطوير نظام مركزي للتحكم في الدفاع الجوي، والدمج في مساحة معلومات واحدة للأنظمة الفرعية للاستطلاع والوقاية من الهجمات الفضائية، ونشر الأصول الفضائية المتقدمة. يجب أن يكتشف نظام الدفاع الجوي المحدث الأهداف فوق الصوتية والباليستية من جميع الأنواع في نطاقات طويلة، ثم يكون قادرًا على تدميرها على طول مسار الرحلة بأكمله، بالإضافة إلى ذلك، تحتاج مؤسسات الصناعة الدفاعية إلى زيادة وتيرة تطوير الأسلحة الحديثة للدفاع الجوي، في وقت قصير لتأسيس إنتاجها التسلسلي باستخدام قاعدة العناصر المحلية.

في الجانب المقابل فإن تصريحات الرئيس الروسي جاءت متزامنة مع أعلان  القيادة الاستراتيجية (ستراتكوم) للقوات المسلحة الأمريكية في الاول من نوفمبر الجاري، بدء التمرين السنوي للقيادة والسيطرة النووية وتمرين غلوبال ثاندر 22 الميداني، حسبما ذكرت ستراتكوم في بيان لها، يوضح  فيه أن  هذه التمارين توفر فرصة للتدريب في جميع مجالات مهمة القيادة، مع التركيز بشكل خاص على "جاهزية القوات النووية"، وسيقيم التمرين قدرة مكونات STRATCOM الفردية على ردع وإجراء عمليات مشتركة في حالة حدوث عدوان محتمل ضد الولايات المتحدة أو أحد حلفائها، وستطبق في هذه التمارين  تجربة العمليات العالمية بالتنسيق مع المجموعات القتالية الأخرى والخدمات والوكالات الحكومية الأمريكية المشتركة من أجل ردع واكتشاف وصد الهجمات الإستراتيجية ضد الولايات المتحدة وحلفائها إذا لزم الأمر .

كما بدأ مقر الأسطول السادس للبحرية الأمريكية وقوات الضرب والدعم البحري التابعة لحلف الناتو عملياتها في البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط. دخلت المدمرة الصاروخية يو إس إس بورتر البحر الأسود، وبدأت قوات ووسائل أسطول البحر الأسود الروسي في مراقبة تحركاته، وأنضمت في  وقت لاحق السفينة الرائدة في الأسطول السادس الأمريكي يو إس إس ماونت ويتني إلى المدمرة.

الكريملين لم ينفي أو يؤكد  ما نشرته  وسائل الاعلام الغربية ومنها  النسخة الأمريكية "بوليتيكو" التي نشرت صور أقمار صناعية،  تظهر فيها  انتشار الجيش الروسي "على الحدود مع أوكرانيا" - في منطقة سمولينسك، غير المحاذية لأوكرانيا، وتراكم  الوحدات المدرعة والمدفعية والمشاة الروسية  في المنطقة، وتصريحات  المتحدث باسم البنتاغون جون كيربي إن الولايات المتحدة تراقب الوضع على الحدود بين روسيا وأوكرانيا فيما يتعلق بتقارير عن "نشاط غير عادي" لروسيا الاتحادية، وأعراب  كييف ودول غربية مؤخرًا عن قلقها إزاء التصعيد المزعوم لـ "الأعمال العدوانية" من قبل روسيا بالقرب من حدود أوكرانيا، إلا أن  السكرتير الصحفي للرئيس الروسي ديمتري بيسكوف شدد على إن روسيا تنقل قواتها داخل أراضيها ووفقًا لتقديرها الخاص،  وعلى حد قوله فإن هذا لا يهدد أحدا ولا يجب أن يقلق أحدا.

إكمال وزارة الدفاع سلسلة من التدريبات، كاختبار إمكانية إعادة الانتشار السريع لأنظمة الصواريخ الساحلية الفريدة من نوعها Bal and Bastion على مسافة مئات وآلاف الكيلومترات، ونشر  في إحدى المراحل، رجال قذائف من بحر البلطيق بسرعة في منطقتي مورمانسك وأرخانجيلسك، والتدريب على صد  جنبًا إلى جنب مع وحدات الأسطول الشمالي، هجمات محاكية للعدو، والعمل على إمكانية تعزيز أسطول المحيط الهادئ بأنظمة صواريخ من بحر البلطيق، واجراء عدة تدريبات بمشاركة وحدات أنظمة الصواريخ الساحلية بال وباستيون (BRK) وعلى نقلها من جزء من البلاد إلى آخر، باستخدام السفن والمركبات البرية وطائرات النقل العسكرية لنقل القوات، خلص المراقبون العسكريون الروس، على ان هذه التدريبات،  تجبر بلا شك الغربيون على التردد في أختبار إمكانيات الجيش الروسي في مناطق عديدة وبالاخص منها حوض البحر الأسود، وبالتالي فإن الإستفزازات التي يقوم بها الجيش الأوكراني في دونباس، لن تتعدى حاجز "الاستفزازات"  لجر روسيا الى العمل العسكري في المنطقة .

 

بقلم الدكتور كريم المظفر

 

محمود محمد عليإذ ظننا أن السودان قد مضى قدمًا في سبيل استقراره السياسي والاقتصادي والاجتماعي على قاعدة صلبة، من الإرادة الشعبية والتوافق الوطني بين قواه- بما فيها قواته المسلحة- وأنه استطاع أن ينهى تكرار معادلة "حكم حزبي يصل لطريق مسدود"، فيعقبه أو ينهيه "تحرك من الجيش"، فيما يمضى وقت يطول أو يقصر ويحدث الاحتقان والتحرك، فيأتي "حكم حزبي"، وهكذا كما يقولون "دواليك"، في الفترة الممتدة من نيل السودان لاستقلاله في الخمسينيات!.

قصدت هذه المقدمة لأقول بأن السودان الشقيق أضاع أكثر من سنتين من عمره المعاصر في مرحلة انتقالية بلا معنى. كان شعارها تقاسم السلطة بين المدنيين والعسكريين إلى حين إجراء انتخابات حرة. تم توريط الجميع في مثل هذه الثنائية المُخادِعَة والقاتلة التي اعتبرها البعض عنوان ثورة، وصَدَّق آخرون أنها جوهر المشكلة. ولم ينتبه فريق ثالث أن عالم اليوم أصبح يتجه إلى الوحدة بين ما هو مدني وعسكري لصعوبة التمييز.

وهنا نجد أن الحدث الأبرز علي الساحة العربية هذه الأيام هو ما يجري في السودان، وما يجري في السودان يطرح لنا ثلاثة أسئلة  رئيسة وعشرات الأسئلة الفرعية؟ .. والسؤال الرئيسي هنا الآن: لماذا أقدم الجيش علي الانقلاب علي المدنيين في يوم 25 أكتوبر الجاري 2021؟ .. ولماذا في هذا التوقيت تحديدا؟ .. والسؤال الثاني: ما دور القوى الخارجية المختلفة سواء كانت قوى إقليمية أو دول كبري في قرار الجيش؟... والسؤال الثالث: ما هي السيناريوهات المتوقعة في الأيام المقبلة بعد هذه الخطوة الدرامية؟

إن محاولة الإجابة على هذه الأسئلة تقتضي أولا أن نعود إلي التاريخ وكيف وصل السودان إلى ما وصل إليه اليوم يوم 25 أكتوبر الماضي، حيث يجب ألا ننسي كيف أن الرئيس السوداني المخلوع حسن البشير كان قد وصل إلى السلطة بعد انقلاب عسكري في عام 1989 وظل في السلطة لنحو 30 سنة  بدعم من مكونين رئيسيين: الجيش والأجهزة الأمنية من ناحية وجماعة الإخوان المسلمين من ناحية أخرى، لكن مع تدهور الأوضاع الاقتصادية وطول بقاءه في السلطة ثار عليه الشعب السوداني وتحديدا بداية من ديسمبر 2018 واستمرت الثورة ضده حتى إلى إبريل 2020 عندما قرر آلاف السودانيين الاعتصام أمام المقر العام للقوات المسلحة السودانية ووقتها أدرك الجيش أنه لا يمكن للبشير البقاء في السلطة فقرر الإطاحة به في 11 أبريل 2020 .

لكن كان من الواضح من عدة مؤشرات أن الجيش لم يكن راغبا في التخلي عن السلطة، والمؤشر الأول علي ذلك هو تشكيله بداية لمجلس عسكري انتقالي  لإدارة شؤون البلاد، الأمر الذي رفضه المعتصمون وواصلوا اعتصامهم، والمؤشر الثاني هو فض هذا الاعتصام بالقوة والتسبب في مجزرة الخرطوم في يونيو 2020..

علي كل حال أدرك الجيش وما يسمي بقوات التدخل السريع أنه لا يمكن أبدا الاستئثار بالسلطة وقبلوا بمشاركة المدنيين في إدارة المرحلة الانتقالية التي بدأت في يوليو 2020 واتفقوا أن تستمر لثلاث سنوات حتى يوليو 2023 عندما تقام انتخابات برلمانية ورئاسية وينتهى دور المرحلة الانتقالية، وهذه المرحلة تتم من خلال مجلس السيادة، وهذا المجلس يضم مجموعة من المدنيين والعسكريين، وقد تولى الجانب العسكري" الفريق الركن عبد الفتاح البرهاني" رئاسته، على أن يسلم رئاسة المجلس للمدنيين بداية  من نوفمبر 2021.

أي  بعد حولي عدة أسابيع معدودة من انقلابه علي المدنيين ووظيفة هذا المجلس هو إدارة المرحلة الانتقالية واتفق المجلس السيادي علي تشكيل حكومة برئاسة الاقتصادي السوداني " عبد الله حمدوك"، ونجح المجلس السيادي والحكومة المدنية في إنجازات كثيرة لإخراج السودان من عزلته الدولية ؛ لكنهم أيضا أخفقوا اخفاقات كبيرة .

لكن في كل الأحوال علي مدار العامين الماضيين تصاعدت الخلافات بين المكون العسكري والمكون المدني (هناك خلافات بين الجيش والجيش والمدنيين والمدنيين ) وقد تصاعدت الخلافات لا سيما بعد محاولة انقلابا في سبتمبر 2021 ؛ حيث اتهم المدنيون الجيش بأنه دبر حتى يظل في السلطة ويتخفف من التزاماته بنقل السلطة إلى المدنيين في موعدها في نوفمبر المقبل 2021، واتهم الجيش المدنيين وقوى الحرية والتغيير بالتسبب فيها ومحاولة جر البلاد إلى حرب أهلية وزع الفتنة في الجيش وزادت الخلافات على ملفات كثيرة وانتهي الأمر بقيام عبد الفتاح البرهان بحل الحكومة وإعلان حالة الطوارئ وإلقاء القبض على كثير من أعضاء الحكومة وعلي رأسهم " عبد الله حمدوك"، والكثير من المعارضين والسياسيين، وقراره بأنه سوف يدير الجيش المرحلة الانتقالية حتي يوليو 2023 .

وهذا يأخذنا إلى السؤال الأول الذي كنا قد طرحناه وهو لماذا أقد البرهان على هذه الخطوة  والتي من شأنها أن تعيد المربع السوداني إلى المربع رقم "1" والدخول في متاهة لا يعلم عقباها إلا الله وحده سبحانه وتعالي متي يمكن أن يخرج منها .

من الملاحظ  أن " البرهان" في أكثر من مؤتمر صحفي بعد انقلاب 25 أكتوبر الماضي من مخافة أن يقال ما وصفه انقلاب أكد أنه ليس انقلابا ولكنه تصحيحا للمسار الانتقالي إلى الديمقراطية مؤكدا أنه ملتزما ببنود اتفاقه مع المدنيين باستثناء يعض البنود التي كان يجب التخلص منها حتى تستقيم الأمور وقال أنه بدلا الحكومة التي قمت بالإطاحة بها فسوف تأتي حكومة مدنيين لكنهم تكنوقراط لا يعبرون عن انتماءات سياسية وأكد أن الانتخابات سوف تجري في مواعيدها في يوليو 2023 مؤكدا أن الدوافع التي دفعته إلي  الخطوة هي انقاذ السودان من حرب أهلية كاد هؤلاء المدنيون بقلة كفاءتهم وسعيهم علي مصالحهم الخاصة في أن يجر السودان إليها واتهمهم أنهم حاولوا زرع الفتنة .

وبرر البرهان قرار الإطاحة بحكومة رئيس الوزراء حمدوك بأنه اتُخذ لتجنب "حرب أهلية"، متهما قوى سياسية بالتحريض ضد القوات المسلحة و"زرع الفتنة". وخصّ البرهان ما أسماها مجموعة في قوى الحرية والتغيير بالاستفراد بالمشهد على حساب قوى أخرى.

وتعهد البرهان بالتزام الجيش بتسليم السلطة إلى حكومة انتقالية، موضحا أن الوثيقة الدستورية لم "تلغ بل عطلت بعض بنودها". وتابع بأنه سيلغي قانون الطوارئ فور تشكل المؤسسات، كما كشف عن أن الحكومة القادمة لن تضم أي قوى سياسية وستكون "حكومة كفاءات وواصل البرهان بالقول إن المكون العسكري في السودان قدم تنازلات على مدار الفترة الماضية لتحقيق طموحات السودانيين. وفي المؤتمر الصحفي الذي أعقب خطابه قال "..كنّا نفكر في العبور سويا (مع المكون المدني) لتحقيق أحلام الشعب"، متحدثاً عن حالة من عدم الثقة سادت في الفترة الماضية. واتهم مجموعات سياسية بالاهتمام بمصالحها فقط دون الانتقال إلى مختلف مناطق السودان لحل مشكلات الشعب. في المقابل، قال إن الجيش قام بمعالجة بعض الأزمات التي أهملتها الحكومة. وتعهد بإعلان هياكل المؤسسات القضائية بما في ذلك مجلس القضاء العالي والمحكمة الدستورية بحلول نهاية الشهر الحالي. وجدد الالتزام باستكمال الانتقال بالتعاون مع القوى المدنية.. وللحديث بقية...

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...........

المراجع

1- سيد جيبيل: انقلاب البرهان: الدوافع والعواقب. ماذا يجرى فى السودان؟.. يوتيوب.

2- عبدالرحمن الراشد: مراهنات خطيرة في السودان، مقال منشور ضمن عين الإخبارية بتاريخ الأربعاء 2021/10/27 10:50 ص بتوقيت أبوظبي.

3-أحمد الجمال: السودان.. والأمل، مقال منشور ضمن المصري اليوم بتاريخ الأربعاء 27-10-2021 03:27

 

 

اتجهت انظار العالم هذه الايام، الى مدينة غلاسكو الاسكتلندية، لمتابعة وقائع قمة المناخ، والتي جرت بحضور أكثر من 190 دولة، بعد ان انضمت اليها الدول المشاركة في مؤتمر العشرين والمنعقد في روما (لا ادري كم هو نصيب دولنا العربية من هذا الحضور).. حيث انبرت الدول الصناعية الكبرى في محاولاتها الحثيثة، لإيجاد المخارج المناسبة، والكفيلة بتبرئة ذمتها مما جنته بحق البشرية وهي تتسابق منذ بدء ما يسمونه بالثورة الصناعية الكبرى، في مضمار تدمير المناخ، والمساهمة في اطلاق الغازات الدفيئة المنبعثة من مداخن المصانع، وعوادم المليارات مما تنتجه من مكائن وسيارات، اغلبها لا يراعى في تصنيعها أي ضابط من ضوابط منع التلوث،  ويسودها عدم الحرص على توفير مبادئ  السلامة العامة .

لقد وقفت جميع الدول الكبرى المشاركة في قمة المناخ، وهي في حيرة حقيقية من أمر امتلاك القدرة على تجاوز المحنة التي بدأ العالم برمته المرور بها، بما تحمله التوقعات العلمية من كوارث محتملة وقريبة الوقوع جدا، لتضرب بآثارها المدمرة اغلب دول العالم، ومن ضمنها العراق، بفعل عوامل التخريب البيئي، وما احدثته مبادئ التسابق الرأسمالي المحتدم، ضمن اعنف حرب ضروس ضد قوانين الطبيعة، واستنزاف مريع للغازات الصديقة لتحل محلها مخلفات الفحم القاتلة، وسيادة حضور ثاني اوكسيد الكاربون في فضاء الكرة الارضية.. يعزز ذلك كله الانبعاثات السامة الآتية من حرائق الغابات المستمرة .

تلك الحقائق ذاتها، قد سبق التداعي لأيجاد السبل الكفيلة بحلها خلال مؤتمر باريس للمناخ والمنعقد عام 2015 دون ان تمتثل الدول الرأسمالية الكبرى الى  ضرورة مواجهة الاخطار الجمة، والتي تواجه شعوب العالم رغم توقيعها على دساتير تلزمها بذلك .

ومن دواعي الاستغراب والاستهجان معا، ان تقوم تلك الدول، خلال جميع المؤتمرات المتعلقة بالمناخ، ومنها قمة غلاسكو الاخير، بالتعهد بالحفاظ على درجة حرارة الارض عند حدود 1.5 درجة مئوية في المستقبل، اضافة الى اطلاق الوعود من قبل ملوك رأس المال بتصنيع السيارات وفق شروط لا تتوفر فيها غير الاطلاقات النظيفة ..

وهذا، وفق المتوفر من وقائع، سوف لن يحدث.. وبناء عليه فان العالم يحث الخطى نحو بلوغ كوارث مميته، بدأت علاماتها واضحة في السيول الجارفة للمدن، وعواصف التسونامي لمدمرة التي غزت الشواطئ، وثورات البراكين التي اذابت قرى باكملها لتشرد الالاف من السكان، وتزيل آثار قراهم وبشكل يدعو الى الفزع الشديد .

بقى لي، والحالة هذه، حقا في التساؤل، ترى.. أين نحن في العراق مثلا، من تلكم الظواهر المخيفة، سيما وان العراق، هو من ضمن الدول التي ستكون سابقة لبقية الدول في تلقي الضربات الاكيدة لثورة المناخ، وحسب توقعات مراكز لدراسات العالمية المعنية بهذا الخصوص؟.. أين هي ردود الافعال الرسمية لتشن حربا مضادة لمقاومة التصحر، وانحسار الرقعة الخضراء، وما احدثه الجفاف وقلة الامطار من خسارات متتابعة في الزراعة عموما، يدعم ذلك ما تبعثه المئات من المبازل شبه الميته من غازات سامة، سيما وان تلك المبازل اصبحت تمتد وسط المدن، بفعل الامتداد غير المدروس للاحياء السكنية وانتشار العشوائيات .. ناهيكم عن الخراب الذي حل بشبكات الصرف الصحي واختلاط مياه الشرب بمخلفات تلك الشبكات .

لقد ساهمت ظاهرة تجريف الاحزمة الخضراء حول المدن، وتراجع تلك الاحزمة بفعل التوجه صوب تحويل الاراضي الزراعية الى قطع سكنية، وغياب الرقابة الحكومية عن تفشي عوامل التصحر تدريجيا وبتسارع مخيف، ساهم بعملية اثارة الغبار في الاجواء وعلى مرور فصول السنة، الامر الذي يعتبر بحد ذاته تلوثا للبيئة، له علاقة مباشرة بصحة الانسان .

ان ما يحل بالعالم اليوم من خوف بلغ حد الرعب، من تداعيات احدثتها التغييرات التي حصلت في المناخ، تجعل من الضروري ان تولي احزاب السلطة في العراق، اهتماما بالغا تتوقف بموجبه عند الضرورات الكفيلة بحماية السكان من اخطار ستقع لا محالة، غير ان نسب الاثار المحدقة بهذه الدولة او تلك، ستكون متباينة تبعا لاستعداداتها لخلق مصدات تحميها من الكوارث .

 

حامد حمودي عباس