مصطفى محمد غريبالانتخابات الرئاسية الإيرانية على الأبواب كما يقال وهي انتخابات قد تكون حاسمة في التوجهات السياسية الإيرانية القادمة فتساهم في

1 - إعادة الدولة والحكم الى طريق العقلانية في العلاقات الدولية ومع دول الجوار والكف عن محاولات خلق المشاكل وزيادة التوتر وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول

2 - أو الاستمرار في السياسة القديمة وخلق التداعيات ونهج التدخل وتوريد السلاح والنهج غير الصحيح فيما يخص مصالح إيران والشعب الإيراني والتدخلات من قبل الحرس الثوري الذي ثبت مؤخراً تأثيراته حتى على الدبلوماسية الخارجية حسب تصريحات ظريف وزير الخارجية الإيرانية، هذان الأمران اللذان سيحددان توجهات الانتخابات القادمة.

لا يختلف اثنان على أن النظام الإيراني يعيش أسوء حالاته جراء السياسة الانعزالية والمتطرفة داخلياً وخارجياً حيث التوجه لتنفيذ البرنامج النووي الذي يثير ضجة عالمية بسبب التخوف من إنتاج السلاح النووي مقارنة بمواقف النظام الإيراني المتطرفة والتهديدات بمسح إسرائيل من الوجود، وفي الجانب الآخر لم تثمر هذه السياسة والتدخلات في شؤون الدول الأخرى إلا على شيء وحيد وهو التوجه لتطوير طهران برنامج تصنيع طائرات مسيرة والتأكيد على أن الطائرات الإيرانية المسيّرة باتت تشكل التهديد الأكبر للقوات الأميركية ودول المنطقة التي تعتبرها طهران عدوة لها، وها هي التصريحات المنافية والمبالغة فيها مثل  الاستعداد لاستلام إدارة بلاده بعد زوال إسرائيل" ليس انتقاصاً من الشعب الفلسطيني البطل والمضحي أليس هذا التصريح ضرباً من الخيال؟ وهو يصب في التوتر والتصعيد أمام هذا القصف الإسرائيلي الوحشي ضد الشعب الفلسطيني في غزة الذي دمر تقريباً البنى التحتية وكانت ضحاياه منذ بداية أيار حوالي قتل (219) فلسطيناً وتشير معلومات وزارة الصحة  بينهم (63) طفلاً، هذا التدمير والمأساة (ليس في طهران ولا نحن نتمناه!)  ولهذا يسكت حكام طهران ولا يستخدموا صواريخهم والطائرات المسيرة التي تقدر  بالمئات بدلاً من التحريض والتهديدات الفارغة وبخاصة أن السيد قاآاني  يتعهد بالكلام " إيران ستقدم كل ما في وسعها حتى تحقيق هدف تحرير كامل التراب الفلسطيني" يعني ارسال السلاح بدون التدخل الفعلي لحماية الفلسطينيين وها هو حسن نصر الله وحزبه حزب الله يملكان مئات الآلاف من الصواريخ، هم ومراقباتهم  النهارية والليلية  ولا تفصلهم عن إسرائيل سوى سنتمترات!! وهذا هو صوت اللواء حسين سلامي قائد الحرس الثوري يوم الأربعاء 19 / 5 / 2021 يجلجل عالياً " ان إسرائيل فقدت الثقة بنفسها!! " وهو يؤكد دعم الفلسطينيين في "المعركة" ضد العدو الإقليمي الأبرز للجمهورية الإسلامية، وقال قائد الحرس الثوري أن "معركة فلسطين ليست فقط معركة الفلسطينيين ضد الإسرائيليين" ويشير انها "تجسّد معركة المسلمين ضد الاستكبار العالمي" وغزة  والأراضي الفلسطينية تنزف الدم وترى الدمار والخراب يعم أكثرية المناطق بفعل الصواريخ وقصف الطائرات الإسرائيلية المجرمة ولا يوجد الا تصريحات خجلة من قبل أكثرية الحكام، ويبقى الأنقى والارفع شأناً والأكثر صدقاً تضامن وتأييد ودعم القوى الوطنية الديمقراطية  والجماهير في المنطقة والعالم.

إن سياسة إيران مخالفة لإرادة الشعب الإيراني والتي تساهم في خلق المشاكل بدون الاهتمام بمصالح الشعب الإيراني حيث تقوم برفد ترسانة الأسلحة وبخاصة الصاروخية وتوريد السلاح الى القوى والمنظمات خارج إيران مما زاد من حالة التوتر في المنطقة وانحسرت علاقات إيران الخارجية بوجود حذر من دول الجوار فيما يخص تدخلاتها في الشؤون الداخلية، أما داخلياً وبسبب الحصار المجرم على الشعب الإيراني وعنجهية النظام فقد عزلت الجماهير الإيرانية نفسها من تأييد النظام  الى العزوف عنه ، وأظهرت الانتخابات السابقة مدى الانحسار الجماهيري  واتساع عمليات التزوير والتهديد الذي نتج عنها العديد من المظاهرات فقابلها النظام بعنف لم يسبق له مثيل، فقد أصيب وقتل المئات وزج في المعتقلات والسجون آلاف المواطنين وكانت الاحتجاجات التي شهدتها ايران منذ عام 2009 بعد الانتخابات الرئاسية وحتى الوقت الراهن تتزايد على الرغم من القمع الوحشي التي وجهتها الحكومة وما زالت تزيد في قمعها للمتظاهرين والمعارضين بهدف الضغط وإرهاب المواطنين، وبخاصة والانتخابات الرئاسية الإيرانية لعام 2021 تطل برأسها على البلاد التي تحيطها الظروف المأساوية الناتجة عن البطالة والفقر والغلاء ووباء كورونا الذي  انتج عنه آلاف الموتى والمصابين أمام عجز الدولة من الوقوف بوجه هذا الوباء بشكل صحيح وبقدرات مالية وصحية وكان من الممكن تلافى حجم الضحايا لو قام النظام الإيراني بدلاً من إنفاقه الهائل على تطوير الأسلحة وتوريدها للقوى التي تستخدم العنف "ووفقًا للخبير الإيراني نادر أوسكوي ، نجح فيلق القدس بتجنيد وتسليح وتنظيم ما يصل إلى 200 ألف مقاتل من الميليشيات الموالية لطهران" كما نشهد وبخاصة الأعوام الأخيرة  ليس الكميات الهائلة من القذائف والصواريخ التي زودها الحرس الثوري الإيراني  للميليشيات والتنظيمات والقوى التابعة لإيران من أجل خلق الفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة حتى أنها قامت بدعم ومساندة هذه القوى على انشاء مصانع (العراق مثالاً) لصناعة المزيد والمزيد من الصواريخ التي تم صناعتها والتي كشفتها التصريحات ونشرتها في وسائل الإعلام منظمة بدر العراقية عن " صواريخ محلية الصنع يمكن مقارنتها بصواريخ النازعات وزلزال الإيرانية " وهذه هي المصيبة التي ستواجه  العراق في المستقبل إذا ما نشب نزاع مسلح بين " إيران وإسرائيل ونتمنى أن لا تكون وفي البعض من الأحيان التمني رأس مال المفلسين! " أو أي دولة أخرى فسوف تكون الساحة العراقية منطلقاً للعدوان وموقعاً للصراع المسلح مما يلحق الاضرار الكثيرة بمصالح البلاد ومصلحة الشعب العراقي وهو "لا ناقة ولا جمل" إلا اللهم وجود التنظيمات والميليشيات التابعة التي تقوم بتنفيذ ما مؤتمر به من قبل القوى الخارجية التي تتبعها لتشكل رافداً للسياسة العدوانية لها.

أن الانتخابات الإيرانية القادمة يجب ان تكون "وهي نصيحة من أصدقاء" على أسس ديمقراطية نزيهة والابتعاد عن الفرض القسري لانتخاب رجل السلطة  وتكون ايضاً منطلقاً لتعديل كل الاعوجاجات والاخطاء والتوجهات الخاطئة وهذا التعديل من الضروري أن يراعي مصالح إيران والشعب الإيراني بالدرجة الأولى للخروج من المآزق المستعصية  التي وضعتها السياسة القديمة، والتوجه لبناء نهجاً سياسياً يقوم على دعائم وطنية تراعي مصالح البلدان الأخرى وتخرج من حالة التهديدات غير المجدية التي تقوض الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمعيشية في إيران وهذا لا يعني التنازل قيد أنملة عن مصالح إيران الوطنية وحق الشعب الإيراني الصديق من اختيار الشكل الوطني الصحيح في بناء دولته المدنية الديمقراطية تمنح الحقوق للمكونات التي تعيش في إيران منذ آلاف السنيين، وإلا ستكون الكارثة القادمة ماحقة وإن اطلقت إيران كل صواريخها على المناطق والدول التي رسمتها ضمن خارطة الأعداء، وعلى سبيل الفرضية  لو تسنى لها الوصول الى انتاج السلاح النووي الوباء الذي في تصور حكام إيران سيكون المنقذ  لأوضاع البلاد المتدهورة وانقاذها من أوضاعها المأساوية المعيشية والاقتصادية والأمنية، لأن العلاج لا يكمن في بناء ترسانة من آلاف الصواريخ والطائرات المسيرة او القنبلة النووية بل يكمن في السياسة العقلانية الوطنية التي تهتم وتراعي الشعب الإيراني وتنقذ إيران من التدهور والافلاس.

 

مصطفى محمد غريب

.....................

* العذل: هو العتاب

 

حيدر جواد السهلانييتسم النظام السياسي العربي القائم بالعجز عن تلبية احتياجات أماني وطموح المواطن العربي في الأمن والاستقرار والحقوق السياسية والفكرية، وبذلك يشكل النظام السياسي الراهن تحدياً للهوية الثقافية العربية، ويساهم في تبعثر هذه الهوية العربية القومية الموحدة، وقد أدى ذلك إلى ظهور واضح وتشتت مريب في الهوية العربية، وظهور هويات مذهبية وفردية متعددة، وظهور جماعات مسلحة متشددة ولائياً، وقد أدى كل ذلك تراجع واضح للعيش الكريم في الوطن العربي، وتشكل أغلب أنظمة الدول العربية وخاصة الأنظمة الجمهورية أحد أهم المعوقات أمام عجلة التطور وولادة الأنسان العربي الحديث، بسبب أتباعه سياسة القمع للحرية والفكر والحوار، مما يؤدي ذلك إلى عدم ممارسة واحساس المواطن بالمسؤولية تجاه الوطن، وعدم السعي لفهم واقعه والوصول إلى حلول لمشاكله، وتبتعد السياسات العربية عن المستويات الإنسانية العليا، وتسود مجتمعاته التفرقة والتطرف والتخلف، وقد أدت هذه السياسات إلى هجرة الكثير من الخبرات والكفاءات العربية، وأيضاً هجرة الكثير من شباب الأمة العربية، والنظام العربي الراهن يتسم بالتجزئة المفرطة وتشتت هويته الثقافية، والتبعية السافرة للدول الاستعمارية، وعدم قدرة سياساته على اتخاذ القرار السياسي، إلا بالرجوع للدول المستعمرة، وهذه التفرقة والتشتت في القرار السياسي تشكل غالبية الدول العربية الجمهورية.

النهضة العربية:

بدأ التفوق الغربي على العالم العربي يتأكد منذ القرن السابع عشر، ولم يدرك ذلك ولفترة طويلة سوى نسبة محدودة من العرب الذين شاءت مواقعهم واعمالهم أن توفر لهم الاحتكاك مع الأوربيين، والاطلاع على التقدم والتطور السريع الذي حصل عند الغرب، ثم ظهر بشكل حاسم مع دخول نابليون إلى مصر، ومن هنا أدرك العرب تراجعهم الكبير في قدراتهم أمام التطور الغربي، ومن هنا كان من الضروري أن تكون هناك نهضة عربية، والنهضة هي حركة فكرية إنسانية ومشروع تحديث ثقافي وعمراني للوطن العربي، وهدف النهضة هو ايصال المجتمعات العربية إلى العقلانية والعروبة والقومية، وقد كان من دوافع النهضة، وهو دخول نابليون لمصر وتبين العرب مدى تراجعهم، إذ احضر نابليون معه أدوات عصرية ومجموعة من العلماء، وحمل معه أفكار اصلاحية، وأيضا من حسن حظ العرب كان هناك رجل يقود دولة مصر وهو محمد علي باشا والذي ساهم بشكل كبير في النهضة العربية من خلال برامج اصلاحية وابتعاث الطلبة، وأيضاً شهد العرب في هذا الوقت حملة اصلاحات عثمانية، وانتهت عام 1876، بإعلان دستور، وقد عرف هذا الدستور بواقعه المدوي على الدوائر السياسية والفكرية العربية، مما أدى إلى حركة صحوة وضعت اسس النهضة العربية، ومن أشهر رواد النهضة العربية، رفاعة رافع الطهطاوي(1801-1873) ومحمد عبده(1849-1905) وجمال الدين الأفغاني(1838-1897) وقاسم أمين(1863-1908) وعبدالرحمن الكواكبي (1855-1902). ومن مظاهر النهضة العربية:

1- الصحافة، وقد ظهرت عدة صحف ولعبت دوراً هاماً في المجتمع العربي، فقد ظهرت صحيفة الوقائع في مصر، والزوراء في العراق والرائد في تونس والاخبار في لبنان.

2- التعليم، النهضة العربية بالأساس قامت على أساس الشعور بضرورة التقدم العلمي وقيام بحملة تعليم للحاق بالركب العالمي.

3- المطابع، بدأت البلاد العربية تعرف المطابع بعد دخول الحملة الفرنسية إلى مصر وقيام نابليون بإنشاء واحدة عربية والأخرى فرنسية، وحين تولى محمد علي الحكم في مصر عمل على تطوير إحداهما وعرفت باسم المطبعة الأميرية وفيها طبعت الكثير من الكتب.

4- المكتبات، أنشئت مكتبات ودور كتب بمختلف البلاد العربية، فأصبحت كل الدول العربية تنشئ داراً للكتب.

5- الترجمة، شهد الوطن العربي حركة ترجمة وتأليف، وقد ساعد ذلك على أثراء المجتمع العربي بمختلف العلوم.

لكن مع أن بداية النهضة كانت صحيحة جداً، لكنه فيما بعد ظهرت حركات تدعي النهضة وهي قراءة للواقع العربي من حيث تراثه والتمسك بهوية عربية موحدة قبل اللجوء للمنتج الغربي، وهذه الحركات هي من وسعت من فجوة التخلف، وأوقعت البلاد العربية في مأزق كبير، وزاد تخلف المجتمعات العربية وبعد ما كان تسيطر عليه دولة واحدة هي الدولة العثمانية اصبح بفضل اجتهاد المفكرين والسياسيين لقمة سهلة للغربيين، وبدأت تتوالى على المجتمعات العربية المصائب من قتل وظهور فكرة الزعيم الذي أدى بحياة الكثير والكثير من مجتمعاتنا العربية، وهذا هو الفرق بين النهضة العربية واليابانية، فالمجتمع اليابانية لم يفكر بقضية الهوية والخوف عليها من التشتت بدخول المنتج الغربي، أما العرب فقد كان حرصهم على وحدة الهوية العربية أن لم نقل عدم حسن النية من البعض هو من أدى إلى البحث عن هوية موحدة لمقابلة المنتج الغربي، ونتج عن هذا تشتت لم يلم إلى يومنا هذا وأن لم يكن اليوم اصبح أوسع بكثير، فعلى الأقل كانت فلسطين توحدهم ويبعثون الجيوش أما اليوم فبعض الدول تطبع مع اسرائيل وهم يقصفون ويقتلون أطفال غزة، هذه النهضة العربية هكذا اصبحت اليوم.

الديمقراطية:

الديمقراطية في الوطن العربي ديمقراطية عرجاء، بعيدة عن طموحات الشعوب وتطلعاتهم، وهي نظام حكم يعتمد على الشعب وترجمتها الفعلية هي حكم الشعب، فبتالي ما دام هي حكم الشعب لا بد من حملات تثقيف الجمهور لمعرفة النظام الديمقراطي، ولا بد من مصاحبة هذا النظام الديمقراطية تنمية الشعور الشعبي تجاه المسؤولية وتثقيفهم ووعيهم بها، وذلك من خلال برنامج توعوي يهدف إلى توعية المجتمع على الحقوق السياسية والحرية والعدالة وإشاعة ثقافة التسامح والحوار، وتحفيز المواطنين على المشاركة الفعالة ولاسيما السياسية، وأضف إلى ذلك ضرورة أن يتعرف المواطنين على حقوقهم وواجباتهم تجاه نظام الديمقراطية. أن الذي يعيق الديمقراطية وتطورها في الدرجة الأولى هو طبيعة الثقافة السائدة، فعند وجود قابلية للفساد في الثقافة، فإن الديمقراطية تتلاشى، فالديمقراطية الحقيقية ليست مجرد صناديق اقتراع يمكن التحكم فيها بفعل المال السياسي الفاسد الذي يمكن أن يوجه الناخبين إلى اختيار أناس معنيين تريدهم دوائر المال والتحكم الخارجي، وبالتالي يستبعدون كل من لا يخدم الأجندات الخارجية.

الربيع العربي:

الربيع العربي هي حركة احتجاجية سلمية ضخمة انطلقت في أغلب بلدان الوطن العربي، وبدأت الشرارة الأولى في تونس وتصاعدت بوتيرة سريعة، حتى اسقطت زين العابدين، وقد تميزت هذه الثورة العربية بشعار واحد وهو (الشعب يريد اسقاط النظام)، وقد بدأت الثورة التونسية عندما أضرم الشاب طارق الطيب محمد البوعزيزي شاب تونسي من مواليد عام 1984، وهو بائع متجول يسوق عربته في مدينته سيدي بوزيد وعليها خضر وفواكه، فاعترضته الشرطة وارادت مصادرة عربته وبضاعته بحجه أنه يبيع في مكان لا يسمح فيه الباعة المتجولون، ولما رفض سلوكهم وأهانوا قرر تقديم شكوى إلى المسؤولين في البلدية، فلم يجد أذان صاغية، فقرر احراق نفسه أمام البلدية، وبعد أحراق نفسه ظهرت احتجاجات ضد الظلم والطغيان وطالبت برحيل السلطة، وزادت رقعة الاحتجاجات لتشمل كل وأغلب بلدان الوطن العربي. أن الربيع العربي جاء ليغير الأنظمة الاستبدادية التي ابتدعت لنا فكرة الزعيم الذي على يدين الزعيم تخلف العرب وقتلت أمالهم وطموحاتهم، وقد اصطلح هذا المفهوم أي الربيع العربي الولايات المتحدة الأمريكية، ومن الأشياء الإيجابية في هذه الثورة أنها كانت ثورة شبابية لم تأثر بها الاطماع الخارجية، ويمكن اعتبارها لولا ركوب بعض الطامعين بأنها نهضة حقيقية، وما زال الربيع العربي قائماً إلى يومنا هذا، وقد وصل بعض الشعوب متأخراً مثل السودان والجزائر ولبنان والعراق. وقد نجح الربيع العربي من تحقيق بعض الاصلاحات في بعض الدول كمصر والسودان والجزائر وتونس ونأمل أن تلحق بالركب لبنان والعراق، ولكن في المقابل في دول اصابها الخراب في ظل الربيع العربي، كليبيا واليمن وسوريا، والسبب في ذلك هو تشبث حكامها بالسلطة وظهور انشقاقات في الجيش وظهور مجموعات مسلحة، بالإضافة إلى ذلك دخول بعض الدول المجاورة للوطن العربي وغياب القرار السيادي العربي، وتفرج الغربيين، كل ذلك أدى إلى تحول الربيع العربي من ربيع إلى خريف قاتل، هذا على مستوى جمهوريات الوطن العربي، أما المماليك في الوطن العربي فظهر فيها الربيع العربي، لكنه تسارعت دول المماليك بإصلاحات ومحفزات. وقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي مثل فيس بوك وتويتر ويوتيوب بدور كبير وعامل مهم ومحفز في الربيع العربي، أذ واكبت معظم الحركات الاحتجاجية في العالم العربي ورصدت التفاعل معها، بعدما كانت شبكات التواصل ذات غايات ترفيهية واجتماعية، اصبحت مع الربيع العربي تلعب دوراً مهماً في تناقل الاخبار والسرعة في تناقله، وفي هذا السياق كان موقع فيس بوك رائداً في هذا المجال حيث ارتفع عدد مشتركين الموقع بشكل ملحوظ، وحقق شهرة كبيرة بعد أن اصبحت صفحاته نوافد إعلامية هبت عبرها رياح الربيع العربي على البلدان العربية.

الجمهورية:

الجمهورية هي نظام حكم يتم اختيار الحاكم أي رئيس الجمهورية من قبل الشعب بشكل مباشر ويكون نظام جمهوري رئاسي، كما في مصر والجزائر مثلاً، أو من قبل البرلمان المنتخب من الشعب، ويكون نظام جمهوري برلماني، يكون لرئيس الوزراء صلاحيات كبيرة، ويتم اختياره من قبل الكتلة الأكبر عدداً في المقاعد في البرلمان، كما في العراق، والجمهوريات في الوطن العربي تكون في غالبها أنظمة متردية وميؤوس منها بسبب شمولية الفساد الذي بات يكتنف كل مرافق الدولة، واصبحت البلدان العربية تعاني من البطالة والجوع وإرهاب المواطن من قبل أجهزة الدولة، لتعويده على الخنوع وفق برامج معدة لذلك سلفاً، من تكميم الأفواه وانتشار المخدرات وامتلاء السجون وغيره الكثير، لذلك يعتقد الكثير أن حركات التحرير التي قادتها الضباط الأحرار والقضاء على الملكية كما في مصر والعراق وليبيا مثلاً، كانت الملكية أفضل وأرحم من حركات الضباط الذين أنتجوا للعرب فكرة الزعيم، والتي كانت شر حقيقي للعرب، ففكرة الزعيم هي من سلمت فلسطين لإسرائيل وهي من دمرت العرب، وهي من انتجت التقسيم العربي. ولذلك الربيع العربي أثبت هشاشة الجمهوريات العربية بشكل كبير، وذلك لما يسودها من فساد وسوء إدارة، فأغلب الجمهوريات العربية تهاوت بشكل متتالي، وقد تحولت بعضها إلى حروب أهلية مازالت مستمرة إلى الآن، ولكن بعض الجمهوريات أثرت بها حراك الربيع العربي وحاليا جمهورياتها أفضل من السابق، ويوجد تحسن في ديمقراطياتها لكن الديمقراطية تتقدم بشكل بطيء عندهم، ومن ناحية العمل السياسي ومحاسبة السلطة التنفيذية والانتخابات، فإن احتمال التقدم فيها في المستقبل القريب يعد في طور الأحلام الطوباوية.

الملكية:

اعتقد الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز (1588-1679) بالمملكة هي افضل أنواع الحكم، بالرغم من ما فيها من سوء، واعتقد أن السبب في ذلك هو أن سر الدولة الذي يكون ضروري في بناء الدولة يكون في عائلة واحدة، بينما في الديمقراطية يكون سر الدول مشتت، وحقيقة أن ظاهرة انتشار سر الدولة هو ليس فقط تعاني منه الدول العربية التي تمارس الديمقراطية بل أيضاً الدول الكبرى، فالرئيس الأمريكي ترامب ذكر في مؤتمر صحفي أن دولة أمريكا لا يوجد فيها سر واعتقد أن أكثر دولة فيها افشاء للسر هي أمريكا، واعتقد هوبز أيضاً أن المملكة تجد فيها عائلة واحدة غنية، بينما الديمقراطية وخاصة الديمقراطية العربية تجد فيها عوائل ومؤسسات خاصة غنية، وهنا أذكر في العراق عضو البرلمان يتقاضى راتب كبير جداً وأيضاً تصرف له مكافأة مالية تسمى  تحسين معيشة (وأن تم الغاءها في الآونة الأخيرة، لكنها بقيت على أكثر من دورة برلمانية) والبرلمان هو ممثل للشعب فبتالي هو لا يمثل الفقراء بل الأغنياء، وأغلبية الشعب فقراء، ونعتقد أن هذه الأموال والحصانة التي تعطى للبرلماني أي عضو الشعب هذا يدفع البرلمانين للتخطيط بالأموال الكبيرة التي يتقاضاها، ولذلك ظهرت مشاريع عملاقة نسبت للبرلمانين، وهذا ما يتحدثون به أنفسهم في شاشات التلفزيون وظهرت لديهم قنوات فضائية، فهذه الأموال الكبير التي تعطى للبرلماني هي عبارة عن ضياع التخطيط الحقيقي لبناء الدولة، يفترض من الدولة أن تعطي للبرلماني ما يسد رمقه ورمق عائلته، وأيضاً اعتقد هوبز في المملكة القرار السياسي للدولة يكون موحداً، بينما الديمقراطية يكون القرار فيها مشتت، وهنا نذكر مثالين أما الأول وهو لوزير الخارجية العراقي الأسبق هوشيار زيباري والذي أكثر من مرة صرح بأن رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، كان يحرجه في تصريحاته كثيراً، أما حكومة بغداد في وقتها ترى أن هوشيار زيباري هو وزير خارجية أقليم كردستان، والمثال القريب الثاني هو تصريحات وزير خارجية لبنان ضد دول الخليج، فكان رد رئاسة جمهورية لبنان وقالت هذا التصريح يعكس شخص الوزير ولا يخص الدولة، هذا التشتت الديمقراطي، هو ما أدى إلى تفضيل الفيلسوف الإنجليزي هوبز المملكة على الجمهورية.

الملكية هي نظام حكم يكون الملك على رأس الدولة وتتميز في غالبها بانتقال وراثي للحكم، وأيضاً هذا التعريف للمملكة هو نفس التعريف ينطبق على الأمارة والسلطنة، وعلى الرغم من أن المملكة في بلادنا العربية يوجد فيها مجلس للشعب أي برلمان، ومجالس للشورى، لكنها في الغالب تكون كل السلطات بيد شخص واحد ويتمثل في الملك، وفي بعض الأحيان تكون في عائلة الملك، فيتولون أغلب المناصب القيادية والمؤثرة في الدولة، وذلك للحفاظ على مملكتهم، وهنا يوجد فرق بين المملكة في الوطن العربي والمملكة في الغرب، ففي الغرب البرلمان له تأثير أو هو من يتولى أدارة الدولة، أما عندنا في العرب البرلمان له صلاحيات وقرارات تخص المجتمع، أما القرار السياسي لا تستطيع المشاركة فيه، إذ تكون غالبية قرارات الدولة هي من تخصص العائلة المالكة، ولا تخضع لأي مسائلة وحتى وأن ارتكبت أخطاء وخير مثال قريب، هو ما حصل في المملكة الهاشمية، عند محاولة الانقلاب التي قادها الأمير حمزة أخ الملك عبدالله، مع مجموعة من الاشخاص، عند إلقاء القبض عليهم الاشخاص الذين هم ليس قريبين على العائلة المالكة تحولوا للقضاء أما الأمير حمزة فتحولت قضيته للعائلة المالكة على اعتبار أنه أعلى من القضاء وهذا بالفعل هو أعلى من القضاء والمماليك العربية تصور نفسها للمجتمع هي في موقع مقدس، وهنا نذكر حادثة الفتاة الأردنية التي قالت أن والدها أفضل من الملك، نشرها بعض المتملقين للإطاحة في الفتاة، لكن عقلانية الشعب الأردني والوقوف بجانبها، حال دون معاقبتها، وعلى الرغم من أن الفتاة تلقت اتصال هاتفي من الملك وهنا نشهد له بأن يمتلك من الحكمة في وقتنا الحاضر الكثير يفتقدونها، لكنه لم يظهر بيان رسمي للاعتذار عن هذه الحادثة، وهنا يتم تصوير واضح بأن الملك هو في موقع مقدس وجهلاء القوم يساهمون في تقديسه، لكن كيف يقدسون الملك والله( جل جلاله) ذكر بر الوالدين في الكثير من الآيات القرآنية الكريمة، بالتأكيد أبي افضل من الملك بكثير والكثير....

أن الملكيات في الوطن العربي هي ملكيات مطلقة للسلطة لا يستطيع احد معارضة الحكم، وأن حصل ذلك فيكون بالتأكيد مصيره القتل، والأمثلة كثيرة على ذلك كما حصل مع جمال خاشقجي والشيخ النمر والخ...، لكن مع ذلك عند المقارنة بين النظام الملكي والجمهوري في الوطن العربي، يتضح لنا بشكل كبير أن دول المماليك هي أفضل بكثير من الجمهوريات، فدول المماليك أثبتت نجاحها وتحاول أن ترفه مجتمعاتها، وهي عكس الجمهوريات التي في غالبها تحاول استعباد مجتمعها، فمثلا في دول الخليج تأسست وزارة للسعادة وهيئات كبرى للترفيه، وقد استطاع ملوكها بفضل حكمتهم من تحويل دول الخليج من صحراء جرداء إلى دول كبرى ومحط استقطاب لجميع دول العالم، وهذا الشيخ زايد وأولاده حولوا الأمارات من مكان يفتقر إلى أبسط مكونات الحياة، إلى أفضل ومن اجمل المدن في العالم، واليوم لهم تجارب واقعية وطموح حقيقي للوصول للفضاء، وأيضاً الشيخ زايد وعياله لم يبني الإمارات فقط بل له مساهمات كبيرة جداً وإنسانية في أغلب الدول العربية، ولا ينسى العراقيون عند فوز المنتخب العراقي بكأس آسيا بعثت الحكومة الإماراتية طائرة خاصة للمنتخب العراقي وإعطاء اعضاء المنتخب العراقي الكثير من الهدايا العينية والمادية. ومع ذلك أن الاستقرار لدول المماليك يعتقد البعض أن رياح التغيير ممكن تأتيهم في أي وقت، وأما نجاتهم من الربيع العربي فيعتقد الكثير أنها تعود للأسباب التالية:

1-  حاولت الملكيات في الوطن العربي أثناء الربيع العربي إرضاء الحراك الشعبي بالمال والمحفزات النقدية، وهذا ما جعل الكثير يرضى بهذا الواقع بدل المغامرة في التغيير، وخسارة ما أنجزته الملكية.

2- خبرة النظام الملكي في الدول العربية والتي تعد طويلة نسبياً في التعامل مع شعوبها، وهذا ما منحها القدرة على فهم آليات التحرك والتغيير.

3- اعتماد الملكية على جذورها التاريخية والقبلية والنسب الشريف، وهذا ما يعطيه نوع من القدسية.

4 - مناصرة الربيع العربي الذي كما اعتقد البعض ادى إلى تبيض صفحات الأنظمة الملكية.

5- النظام التعليمي الجيد وطبيعة التنشئة الاجتماعية والثقافية في بلدان المماليك.

6- محاولة امتصاص غضب الشارع بخلق قضايا لهم، كمثل قضية فلسطين وهذا ما يحصل أيضاً في الجمهوريات وفي الحقيقة أن القضية الفلسطينية، لم تكن في يوم من الأيام قضية عربية، ولو تكاتفت الحكومات العربية لما حصل كل هذا الظلم على الشعب الفلسطيني، ومن بعد القضية الفلسطينية قضية أفغانستان فكما يقول الشيخ نبيل، أن الأموال التي كانت تصل إلى أفغانستان كانت تصل من الخليج وأيضاً معها الكثير من المتطرفين.

7- مناصرة المماليك فيما بينها، فهنا المماليك تشكل وحدة مع بعضها، فعندما حصل حراك شعبي في الأردن سارعت دول المماليك بمساعدتها والوقوف إلى جانبها، وأيضاً عندما حصلت في البحرين تشكلت قوات باسم درع الجزيرة وقمعت الحراك الشعبي بكل قوة، ومن المفارقات هنا أن دول المماليك لا تساند الجمهوريات في الغالب عندما تقع في أزمات.

8- أما في الأردن والمغرب والتي تعد أقل ثراء من دول الخليج فقد قاموا بعدة إصلاحات سياسية، وأيضاً مساعدة دول الخليج لها، وبالإضافة إلى اعتمادها على نسبها الشريف. 

 

حيدر جواد السهلاني

 

 

جاسم الصفارإسرائيل هي آخر مشروع استعماري أوروبي في العالم، وبحكم مصادرتها لواحدة من أقدس المناطق بالنسبة للمسلمين والمسيحيين واليهود، فإنها ستبقى مركز اهتمام العالم طيلة وجودها ككيان استعماري عنصري. ليست هنالك في العالم دولة أخرى، عدا الولايات المتحدة الامريكية، تتمتع بقدر غير محدود من التساهل من الدول الغربية، في أي عمل اجرامي تقوم به على أراضيها أو خارجها، الا إسرائيل. وليست هنالك دولة لا تخضع للقانون الدولي، عدا أمريكا، الا اسرائيل التي تمنح نفسها الحق بقصف دول الجوار، وإغراق السفن الأجنبية، واحتلال ومصادرة أراضي الغير، والاستهتار بسيادة الدول الأخرى وتصفية من ترغب بتصفيته من الفلسطينيين على أراضي تلك الدول، وخطف من ترى ضرورة اختطافه حتى من الولايات المتحدة الامريكية دون خوف من عقاب أو الاهتمام لاحتجاجات المنظمات الدولية.

كل القيم الغربية التي تدعي إسرائيل انتمائها اليها لها معاني أخرى عندها، كما أن لها فهمها الخاص "لحرية التعبير" و"الديمقراطية" و"حقوق الإنسان". وعلى الرغم من خروج مئات الآلاف من الناس حول العالم اليوم لدعم الفلسطينيين، الا ان الأنظمة الغربية ووسائل اعلامها الجبارة لا تردد سوى ما يرضي نتنياهو والصهاينة الغربيين.

المثل الروسي يقول إن ألوز لا يخاف البلل، هذا صحيح في الظاهر، ففي الوقت الذي تظهر فيه إسرائيل عدم مبالاتها بأي انتقاد غربي لجرائمها فهي تخفي قلقها على مستقبلها وضمانات وجودها. انها تدرك تماما أن قطرات الماء يمكنها تهشيم الصخور. فاتهامات منظمة هيومن رايتس ووتش، المقربة من المؤسسة الليبرالية الامريكية، للدولة العبرية بسياسة الفصل العنصري ليست ثرثرة لا أثر لها كما يحسب البعض في اسرائيل. كما أن تشبيه الجناح اليساري للحزب الديمقراطي الأمريكي لتصرفات الإسرائيليين بإرهاب الشرطة الأمريكية للمواطنين الأمريكيين المسالمين، كما يقولون، يمكنه أن يبدد شيئا فشيئا أجواء التضامن الأمريكي غي المحدود معها. تدرك إسرائيل، بعد سلسلة من الجرائم التي لم تعاقب عليها، أن ما يقال اليوم على هامش السياسة الرسمية الغربية، سيحمل لمشروعها أخبارا غير سارة ويبشرها بمستقبل عدمي. 

منذ نهاية الحرب الباردة، نظر الليبراليون الجدد في أوروبا الشرقية إلى الصراع في الشرق الأوسط حصريًا عبر منظار أمريكي. بينما يرى المحافظون الامريكيون أن ما يجري في فلسطين هو صراع الحضارة البيضاء ضد الإسلام المتوحش. هذا دون أن يحددوا ما هو المقصود بالإسلام، أهو "القاعدة" التي أنشأتها أمريكا، باعتراف هيلاري كلنتون، أم المجاهدون السوريون المدعومون من الولايات المتحدة وإسرائيل، أم الإسلام الوهابي السعودي المدعوم من أمريكا وإسرائيل. انهم بالتأكيد يتحدثون عن وحش إسلامي هم من نفخ فيه ورعاه واستخدمه لتمرير مشاريعه.

ليس غريبا أن نجد معظم المعادين للسامية والكارهين لليهود، هم من أكثر المؤيدين لمشروع الدولة الإسرائيلية تطرفا. فلطالما كان المعادون للسامية، من ألليبراليين الجدد في أوربا الشرقية الى الأصوليين المسيحيين الأمريكيين هم أفضل أصدقاء إسرائيل. انهم يحبون رؤية "أصدقائهم" اليهود ليس في أقسام الجامعات، أو وسائل الاعلام الغربية الكبرى أو في إدارة المصارف والمشاريع المالية، ولكن في ثكنات في وسط الصحراء.

يقول القوميون الأوكرانيون، بعد أحداث الميدان واستلامهم السلطة في كييف، باستخفاف إنهم مستعدون لدعم اليهود طالما بقوا بعيدًا عن أوكرانيا. وهم يعلمون جيدا بأن هذا الدعم لفظيا ولن يدوم طويلا لأن حرب إسرائيل الأبدية، هناك حيث هي الان في فلسطين، محكومة بمصير واحد، فأي مصارع، مهما كانت قوته، ان لم يتوقف عن النزال المستمر ليعيش يوما حياة طبيعية ستكون خاتمة بطولاته السقوط بضربة ابهام يد. 

كتب المؤرخ الماركسي اليهودي العظيم إسحاق دويتشر: يمكن لإسرائيل أن تهزم الفلسطينيين إلى ما لا نهاية، لكنها لا تستطيع التغلب عليهم. لا يمكن لهذه الدولة أن تقدم للمضطهدين الفلسطينيين أي شيء سوى العنف، لكن من المستحيل ببساطة أن تجلس على الحراب إلى الأبد. في يوم من الأيام، ستدور الدوائر ويتخلى الرعاة الأجانب عن إسرائيل، ويسقط المجتمع الإسرائيلي في حالة من الفوضى، وعندها فقط سنكتشف من سيقف مع صيانة إنسانية اليهودي ومن يرجم شيطانه.

 

د. جاسم الصفار

20\05\2021

 

 

غانم المحبوبيقبل الخوض في تفاصيل الطريق المؤدي الى التحضر وكيفية بنائهِ ومتطلباته علينا اولا ان نعرف ما معنى التحضر وما هيَ مقوماته، حتى يتسنى لنا ان نختار شكل التحضر المطلوب لارض الرافدين. اولا، يجب ان نميز بين التحضر والتمدن. فالتمدن هو التغير الذي يُعْنى بالمعالم المنظورة لمجتمع ما والتي بدورها تعكس للناظر روح العصر من عمران وادارة وتكنولوجيا متطورة في مجالات الحياة كافة. اما التحضر فهو ما يخص الميزات الغير منظورة للانسان وليس المكان الذي يحيط بالانسان. اي ما يُعْنى بمستوى الرقي في الثقافة المجتمعية والمبادىء الانسانية والاخلاقية للمجتمع علاوة على المستوى العلمي والتكنولوجي للفرد المواطن. لذلك يصح لنا القول ان التحضر هو ارقى مرحلة من التمدن، فكل مجتمع متحضر هو مجتمع متمدن وليس بالضرورة كل مجتمع متمدن هو متحضر.

لو تجاوزنا سلسلة الحضارات الانسانية القديمة، ان كانت قبل التاريخ او في القرون الوسطى والتي كان للعراق فيها المشاركة والاثر الاكبر، بدات الثورة المعرفية والعلمية في اوروبا في حوالي سنة ١٥٠٠م مؤسسةً لحضارة العولمة الحالية (secularism). شملت هذه الحضارة في بادىء الامر شعوب اوروبا قبل ان تَنتشر في جميع انحاء العالم. خلال القرن الماضي تاثرت شعوب العالم بهذا التغير الحضاري الكبير وتبايَنَ تجاوب هذه الشعوب مع الحضارة بشكل كبير جدا مما يدعو الى التامل. فبينما نرى شعوبا تَبنتْ الحضارة الجديدة بشكل كامل مما جعلها تنافس دول المنشا الاوروبي كاليابان وكوريا وروسيا والصين، هناك شعوبٌ بقيت في سباتٍ ليس فقط خارج التحضر بل خارج التمدن، وخير مثال على ذلك ومع شديد الاسف، جميع الدول العربية بشكل عام والعراق بشكل خاص. واذا توقف الامر لحد ذلك لربما بقيَ لنا بصيص املٍ في مواكبة ركب التحضر. ولكن التامل الجاد لما يجري الان من تغير جوهري في مختلف مجالات عالمنا في هذا القرن نلاحظ ان نتيجة لحاجات الشعوب لتنمية وادارة اقتصاداتها وسباقها المتواصل لطلب المعرفة والعلوم والتكنولوجيا وخصوصا بعد ثورة الاتصالات ادى بعالمنا الكبير ان يصبح ما يُسمى بالقرية الكونية. في هذه القرية، جميع سكانها المتحضرين يسعون ليل نهار ليدلوا بدلوهم نحو اقامة حضارة جديدة كونية ليس لها عرق او لغة او دين او جغرافية او حتى ثقافة مجتمعية خاصة لتحل محل الحضارة الحالية الاوربية. وكمثال بسيط على ذلك هو لغة وطريقة استعمال الكومبيوتر. لذا يتوجب على كل شعب كالعراقي والذي يتطلع لحيزٍ وان كان صغيرا جدا في ركب الحضارة الكونية القادمة عليه اولا ان يُقَيمَ نفسه حق تقيم، استعدادا لثورة تنويرية جذرية وجريئة لاعادة النظر في التراث والثقافة المجتمعية الحالية. ثم يدرس مستلزمات التحضر المتوفرة في العراق، مقارنةً بتجارب الشعوب المتحضرة ويتفهم قيم العصر كمواكبة العلم والتفاعل الايجابي مع باقي الامم بمقياس انساني واقعي حضاري.

قد تختلف اشكال ومستويات الحضارة من زمن الى اخر، ولكن مستلزمات او مُقَومات التحضر تبدوا هيَ نفسها واول عامل فيها واهمها هو الانسان. ليس المقصود بالانسان هنا هو العرق او الدين او اللون او مكان التواجد بل ما يحملهُ  الانسان من معرفة واخلاق ومبادىء انسانية. انْ توفرَ ذلك الانسان ذو المعرفة ومفاهيم زمننا المعاصر والمناسبة للتحضر تاتي العوامل الاخرى والكثيرة لمساعدة هذا الانسان في التغير الحضاري. ولغرض المثال بدون الخوض في التفاصيل، تعتبر الموارد الطبيعية كالمياه والارض الخصبة ومصادر الطاقة والموقع الجغرافي والمناخ كعوامل ضرورية للتحضر والتطور بالاضافة الى شعور الانسان بالامن والامان. ولهذا نستطيع ان نستنتج ان العامل الرئيسي المشترك لتاخر الشعوب العربية وجميعها مسلمة عن ركب الحضارة يجب ان يكمن في طبيعة الانسان العربي المسلم ومنه العراقي، لان اغلب العوامل او المقومات الاخرى ان لم نقل جميعها متوفرة وخصوصا في العراق. فان قبلنا هذا الاستنتاج فان اول محطة على طريق التحضر للعراق هي، واقولها للمرة الثانية، الحاجة الى ثورة فكرية تنويرية مشابهة لما حصل في تجارب جميع الشعوب المتحضرة كتجربة عصر النهضة في اوروبا او الثورة الثقافية في الصين او الثورة العلمانية في تركيا او الثورة الشيوعية في روسيا وغيرها. نحتاج الى مثل هذه النهضة التنويرية اولا لتقييم انفسنا واعادة النظر في المفاهيم المجتمعية السائدة في العراق ومعالجتها بشكل جذري وجريء قبل الثورة التعليمية والتثقيفية للمجتمع. يقول الدكتور حسين الهنداوي(1) "لا نهضة ولا تحرر بل لا تحضر بدون حركة تنوير جريئة وحرة لا تُقَلد احدا". وبصوتٍ اعلى يقول الامام علي (ع) "لا تعلموا اولادكم على طباعكم فانهم مخلوقين لجيلٍ غير جيلكم"، وحسبنا قول الله تعالى "ان الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بانفسهم". وهذا يعني اننا بحاجة ماسة الى ثورة فكرية تردم موروثنا التاريخي الراكد في اذهاننا منذ اربعة عشر قرنا.

لكي تكون البداية صحيحة، علينا ان نفهم ونقر بان الانسان هو سيد الارض وهو الذي يُشَرِفُ ويُكرمُ الاوطان وليس العكس كما يُشاع. فالارض وُجدَت لخدمة الانسان ووطن الانسان الحقيقي هو ذلك المجتمع الذي يمنحهُ امانَهُ وكرامته واستقراره بغض النظر عن موقعهِ الجغرافي. فبعد استرجاع وتبني الهوية العراقية الرافدينية (وكما بينا ذلك في الجزء الاول من هذا الموضوع)، على العراقيين ان يستعدوا لتغير مهم وجريء في جميع مجالات الحياة والمفاهيم السائدة حول هذه المجالات. في هذا المقال، سوف اكتفي بمثالين فقط، الاول هو وجوب ابدال مفهوم القومية العربية (Nationalism, PanArabism) بالوطنية او المواطنة العراقية (Patriotism). يكون الغرض من ذلك لتحقيق اهداف متعددة اهمها الاكتفاء بالهوية الرافدينية كما اشرنا في الجزء الاول واقتصار الولاء الى العراق فقط لتركيز الجهود من اجل تحقيق مصالح العراق الوطنية. في هذا الصدد، لابد لنا ان نؤكد وبشكل واضح لا يدعو الى الشك ان تاييد ودعم الشعوب المضطَهَدة، بغض النظر عن انتمائها القومي او الديني، من اجل تحقيق حريتها واسترجاع حقوقها هو مبدا انساني لا يمكن التخلي عنه. ان الدعوة لمثل هذا التغير وان كان جريئا ليس صعبا بل على العكس هو ما يَحضى بدعم المجتمع الدولي المتحضر، لان الدعوة الى القومية تعتبر شكلا من اشكال العنصرية وذلك لتقاطعها مع فكرة التعايش السلمي العالمي. ولدعم صحة هذا التوجه، لم تشهد تجارب الشعوب على حضارة معاصرة مبنية على اسسٍ قومية عرقية بل على التسامح والانفتاح والتعاون بين مختلف الامم والاعراق داخل الوطن الواحد وظمن العالم اجمع لتحقيق المصالح الوطنية لكل شعب. يقول الاستاذ عدنان محسن في كتابه(٢) "دول التعددية، كاستراليا وكندا ونيوزيلندا، هي اكثر استقرارا سياسيا من غيرها، تلبي طلبات الاغلبية وبشكل قانوني من اجل السلام والامن المجتمعي". كذلك يقول غوستاف لو بو احد مُفكري علم الاجتماع في عصر النهضة الفرنسي في كتابه(٣) "لا توجد اعراق صافية في البلدان المتحضرة بل هناك العرق التاريخي"، ويقصد هنا بالعرق التاريخي اي الهوية الثقافية المجتمعية المتراكمة عبر التاريخ نتيجة للتعددية وليس العرق البايولوجي.

اما المثال الثاني والذي يجب اعادة النظر فيه الا وهو ضرورة التخلي عن التبجح بالامة الاسلامية او بما يُسمى بالخلافة الاسلامية. كما قُلنا في الجزء الاول، اعتناق الاسلام من قبل اغلبية العراقيين شيء رائع ولا غبار عليه لكن الدين الصحيح في الجوهر والشكل العام ما هو الا مصدر اساسي للايمان بالتوحيد واليوم الاخر واقرار نبوة الرسول (ص) والسلوك الاخلاقي الانساني للفرد. لا يوجد في اي دين برنامج عملي لادارة دولة عصرية متحضرة لذلك لا يوجد مثال عملي تاريخي او حاضر لحضارة مبنية على اسسٍ دينية، ولم يُنشِيء الدين حضارة مدنية على الاطلاق. لم يسعى الانبياءُ ولم يقيموا دولا وممالك ولم يُنَصِبوا انفسهم ملوكا او امراء بل كانوا مصلحين للاخلاق ومراجع روحانيين. ولهذا، لم تكن الامبراطورية الرومانية "المسيحية" او العربية "الاسلامية" الا قوتين امبرياليتين شموليتين استخدَمَتا الصبغة الدينية لاغراض توسعية سُلطوية. وتاكيدا على ذلك نرى في اوج شموخ الامبراطورية العباسية وعصرها الذهبي كان الفرد العادي (الرعية) ودافعي الضرائب (الجزية) من الموالين واهل الكتاب وغيرهم والمحاربين والمفكرين وعلماء الفقه ومفسري القران وكتاب السيرة والاحاديث كانوا من اعراقٍ واجناس واديان واوطان مختلفة اجبروا على الرضوخ والتعايش تحت حكم العرب وبغطاء اسلامي. وباجراء مقارنة علمية بسيطة يتضح لنا ان الدين الصحيح والحضارة شيئان مختلفان ولا اقول متناقضان، لا يشتركان الا في تنمية السلوك الاخلاقي السليم للفرد وهذا فقط ما تحتاجه الحضارة من الدين. فبينما اساس الدين هو الاعتقاد في ما هو فوق الطبيعة (الروحانيات) نرى في اسس الحضارة هي المعرفة والعلم المُثْبتُ مختبريا وبطرق البحث العلمي المعروفة للباحث. وبينما يصبُ جُلُ اهتمام الدين على احداث الماضي وسيرة الانبياء والرسل والصالحين في ازمان خلت لاغراض التشريع والعبادات والاقتداء بتعاليمهِ، تهتم الحضارة في احداث ومتطلبات الحاضر بل وتسعى لايجاد السبل لتحقيق الازدهار للانسان فيما بعد الحاضر اي المستقبل. والاهم من ذلك هو ان غاية الانسان من الدين هو تامين عاقبة الانسان بعد الموت وتجنب عقاب الاخرة بينما تكون الغاية الاساسية والوحيدة للحضارة هي تحقيق الحياة الامنة والمزدهرة للانسان قبل الموت. واخيرا، فان المرجعية الاخلاقية والرقابية الدينية في سلوك الانسان هي ربانية المصدر نزلت على شكل وصايا وايات محكمات بينما اقامة وادارة وديمومة الحضارة تتم عن طريق قوانين وتشريعات بشرية تتناسب مع روح المكان والزمان. فعلى مَن يريد التحضر للعراق ان يعطي الاولوية لمتطلبات الحضارة من المعرفة والعلم وسيادة القانون والسلوك الاخلاقي للمواطن.

قد يتسائل القارىء، ماهي العلاقة العملية واللوجستية بين هذا الطرح وما يحدث ويحتاجه العراق في واقعهِ الحالي؟ اقول، ان لهذا الموضوع وضروف العراق الحالية علاقة كبيرة واساسية جدا يجب اخذها بنظر الاعتبار. في العراق الحالي خلط كبير بين مفاهيم الانتماء القومي والديني وما يتطلبه من سلوك وطقوس من جهةٍ ومقومات سياسة الدولة المتحضرة وادارة مجتمعها من جهة ثانية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، عندما نقرا دستور الدولة العراقية نشُم فيه رائحة الدولة المدنية الديموقراطية وربما الدعوة الى العلمانية، بينما اغلب ان لم تكن جميع الاحزاب السياسية المتنفذة والحاكمة ذات هوية قومية ودينية بل وحتى طائفية. قد نجد العذر لنبرر لهذه الاحزاب عندما تاسست في وقتٍ لتقود النضال السلبي لاستعادة حقوقها من نظام دكتاتوري عنصري وطائفي ولكن لا مبرر لها بل من الخطا الكبير ان تستمر هذه الاحزاب بهذا الشكل وهي التي تقود الان ادارةَ دولة مدنية علمانية. على السياسيين العراقيين ان يعوا ان شكل ومحتوى واغراض احزابهم لم تعد تصلح للمرحلة الحالية وعليهم ان ارادوا مواصلة عملهم السياسي ان يعيدوا تشكيل احزابهم بهوية وطنية عراقية ممن يؤمنون حقا بالمواطنة العراقية فوق كل اعتبار وببرامج سياسية واقتصادية واجتماعية جديدة على اسس علمية مهنية، والا فجزاهم اللهُ مِنا كل خير وليفسحوا المجال لغيرهم من شباب الجيل الجديد. وباختصار شديد، لا يمكن للعراق ان يتحضر وعلم الجمهورية لم يزل بمضمونه العنصري الشوفيني ثم اضيفت له عبارة ذات مسحة دينية خُطَتْ بيد مَن احبطَ تحضر العراق، لا لغاية دينية صادقة بل لحقدٍ واغاضةٍ لبعض دول الجوار. ولتوضيح بعض السبل والحلول العملية المطلوبة لتحقيق التغير الجذري المنشود لتحضر العراق، يرجى متابعة الجزء الثالث والاخير من هذا الموضوع.

 

الدكتور غانم المحبوبي

....................

المصادر:

١- في مقالٍ نُشِرَ في جريدة المدى الاليكترونية في نيسان ٢٠٢١

٢- عدنان محسن، The global patriot، USA, Amazon، ٢٠١٩

٣- غوستاف لو بون، سيكولوجية الجماهير، دار الساقي، ٢٠١٣ 

 

محمود محمد عليفي تاريخ وحاضر النضال الفلسطيني، أيام، وأسماء، وأحداث، وإيجابيات، وإنجازات، وأبطال، وبطولات لا تُنسى، ويجب ألا تُنسى، ومسئولية الإعلام أن يبعدها عن النسيان ويبقيها في دائرة الضوء.. يقينًا لنا، بأن الأبناء من نفس جينات الآباء، قادرون على صناعة الإعجازات، ويستحيل أن يفرطوا فى حق الوطن المحتل، مهما تكن التضحيات، مهما دوى الغناء فى سمائك وألقى الشعراء قصائد فى حبك وكتب الأدباء وصفا في جمالك، فلن يكفى ذرة رمل من ترابك سال عليها دماء أبناء فلسطين العظيم.

وقديما كان الإسرائيليون يتحدثون عن جيشهم وكأنه الجيش الذي لا يقهر، والمفاخرون بقدراته التي لا تضاهها، لكن الحقيقة قد تكون أمراً آخر، فثمة ما يحاول إخفاؤه من إخفاقات تجد انتقادات داخل إسرائيل نفسها، وتستغل المقاومة الفلسطينية الغارات الإسرائيلية في أسر جنود وضبط من حينا إلي آخر، بينما يفقد الإسرائيليون جنوداً وضباطاً حتي أثناء المران والتدريب في أوقات لا حرب فيها، فما بالك في أوقات الحرب؟

جزء مما لا يريد قادة الجيش الإسرائيلي في صور حصرية، حيث نجد بين الفينة والفيينة أن إسرائيل تفاخر بجيشها ليل نهار، فتوعدوا من يهدده .. لا تتوقف مناوراتها العسكرية .. تعلن جاهزيتها القدس ولأي مواجهة قتالية، لكن خلف تلك المشاهد، شواهد لا يريد الجيش الإسرائيلي أن تظهر .

ولذلك يقال رب ضارة نافعة، فإذا كان العدوان الإسرائيلي على فلسطين خصوصا غزة، قد تسبب (كما يقول الأستاذ عماد الدين حسين في مقاله بالشروق تحت عنوان "وتحمت الأساطير مع العدوان" ) في خسائر كثيرة للفلسطينيين في الأرواح والبيوت والممتلكات والبنية التحتية، فإن مقاومة الفلسطينيين الباسلة للعدوان، أسقطت العديد من الأساطير وفى مقدمتها ما سمى بصفقة القرن التي كان هدفها الجوهري تصفية القضية الفلسطينية.

لقد كشفت لنا حادثة الشيخ دراج خلال الأيام الماضية أن أسطورة الجيش الإسرائيلي سقطت وأنه لم يعد قادراً على فرض كلمته في كل لحظة داخل الأرض المحتلة وخارجها. صحيح أن آلة الحرب الإسرائيلية جبارة ومدمرة وفتاكة، وأوقعت بالفلسطينيين خسائر بشرية ومادية فادحة، لكن المفارقة أن هذا الجيش المصنف الأول في المنطقة، لم يكن قادراً على منع صواريخ بدائية أنتجتها المقاومة في ورش محلية وبتكلفة زهيدة، مقارنة بثمن الأسلحة الحديثة الموجودة في مخازن الجيش الإسرائيلي.

كما لنا حادثة الشيخ دراج أيضا أنه إذا كانت المقاومة قبل العدوان الإسرائيلي قادرة على ضرب المدن الإسرائيلية المتاخمة لقطاع غزة مثل عسقلان وسديروت، لكن المفاجأة أن الصواريخ وصلت تل أبيب نفسها، وهددت منشآت حيوية مما اضطر سلطات الاحتلال إلى تعطيل العديد من الرحلات الجوية لمطاراتها، كما وصلت الصواريخ الفلسطينية إلى مدن مثل بئر سبع فى النقب.

وثمة حقيقة ميدانية صارخة كشفت عنها الجرائم الإسرائيلية البشعة الأخيرة في (حرب غزة) (كما يقول الأستاذ "داود البصري" في مقاله بعنوان " سقوط أسطورة إسرائيل التي لا تقهر ")، تتمثل بالسقوط الواضح والمتميز لنظرية الأمن الإسرائيلية التي كانت الملف المفضل لقادة الدولة العبرية طيلة عقود إدارة الصراع الإقليمي مع العالم العربي، كما أن حالة الهستيريا والعدوانية الشرسة واللجوء للإفراط في استعمال القوة والإرهاب ضد المدنيين الفلسطينيين والتعمد الإسرائيلي لإيقاع أكبر قدر من الخسائر البشرية في صفوف المدنيين وبما يشكل جريمة حرب متكاملة الأركان هو تعبير فظ وأهوج ولكنه صريح جدا ومعبر عن هزيمة أخلاقية كبرى لم يعد من المجدي أبداً مداراة فضائحها وإشكالياتها.

كما تلاشت معها تلك الأسطورة الوهمية التي شاعت منذ هزيمة الأيام الستة عام 1967 حول القوة السوبرمانية الإسرائيلية التي لا تقهر والقادرة على تركيع العالم العربي وأثبت أحرار فلسطين في غزة بأن هزيمة العدوان الإسرائيلي رغم الفارق النوعي والكمي الهائل في التسليح والدعم اللوجستي هو أمر أكثر من ممكن بل إنه تحقق بفعالية عالية مما جعل الداخل الإسرائيلي يشعر وللمرة الأكبر والأخطر من أنه لم يعد يعيش خلف أسوار أوهام الأمن الكاذب وأن القبة الحديدية غير قادرة أبداً على توفير الأمن بشكل مطلق، وذلك حسب قول يقول الأستاذ "داود البصري".

وقد علقت مجلة “ناشونال إنترست” الأمريكية على فشل نظام القبة الحديدية الذي تستخدمه إسرائيل في التصدي للصواريخ التي تطلقها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وباقي الفصائل الفلسطينية من قطاع غزة، مؤكدة أنه لا يوجد نظام دفاع صاروخي تقليدي مهما كان متقدما يتمتع بحصانة كاملة ضد الهجمات الصاروخية المكثفة.

وتساءل كاتب التقرير مارك إبيسكوبوس عن مدى فاعلية هذا النظام، الذي غالبا ما يوصف بأنه أحد أكثر أنظمة الاعتراض فاعلية في العالم، في التصدي لصواريخ المقاومة الفلسطينية، مشيرا إلى أنه يركز جزئيا، ومن أجل توفير التكلفة، على الصواريخ التي تسير في مسار محدد. ووصف الكاتب هذا بأنه “قرار حكيم خاصة في سياق التصعيد الحالي حيث فشل حوالي 400 صاروخ من بين 1600 أطلقتها حماس في الوصول لإسرائيل.

بيد أنه أكد أنه فيما يتعلق بباقي الصواريخ التي تقترب من أهدافها أن الجيش الإسرائيلي يؤكد أن نسبة النجاح في التصدي لها وتدميرها تزيد عن 90%، وهو رقم تم التشكيك فيه بشكل موضوعي خلال السنوات الأخيرة، وأشار الكاتب في هذا السياق لتحليل دقيق أنجزه لـ”ناشونال إنترست” الأستاذ المساعد بجامعة بروك الأميركية مايكل أرمسترونغ.

وينوه الكاتب أنه حتى لو كانت هذه النسبة دقيقة بشكل إجمالي فهناك بيانات وسوابق تشير إلى أن القبة الحديدية أقل فاعلية بشكل ملحوظ أمام ضربات توجه إلى أهداف قصيرة المدى.

وذكر أن هذا النظام، وهو عبارة عن شبكة اعتراضية تستخدم تكنولوجيا تحليل بيانات رادارات متطورة لرصد وتعقب وتدمير الصواريخ، يعد خط الدفاع الأول والأساسي لدى إسرائيل ضد وابل الصواريخ قصيرة المدى القادمة من قطاع غزة.

وهذا النجاح خلق إضراب شامل وتوترات مستمرة، ومظاهرات، ومناوشات، واشتباكات عنيفة، بين الفلسطينيين والجيش الإسرائيلي، وهذا ما يبدو عليه المشهد في الضفة الغربية .. اشتباك مفتوح مع الفوات الإسرائيلية في نقاط الاحتكاك، فلأول مرة من ستة عشر عاماً نظمت كتائب شهداء الأقصي التابعة لحركة فتح مسيرة في شوارع  رام الله ورفع عناصرها أسلحتهم، وأطلقوا النار في الهواء .

وقبل أيام دعت كتائب شهداء الأقصى مقاتليها إلي الوقوف جنباً إلي جنب مع الشعب الفلسطيني في القدس، وغزة، والضفة، والداخل، كل هذه المستجدات تدفعنا لنسأل أكثر : هل تتجه الفصائل الفلسطينية في الضفة الغربية إلي تنفيذ عمليات عسكرية ضد الجيش الإسرائيلي؟، وهل تل أبيب جاهزة لهذه العمليات ؟، وما المتوقع في الأيام القادمة؟ ... هذا ما سوف تعرفه خلال الأيام المقبلة..

 

أ.د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

جاسم الصفارأدى التصعيد الحاد في المواجهة بين الفلسطينيين وإسرائيل، الناجم عن خطط حكومة بنيامين نتنياهو لإجلاء الفلسطينيين من منازلهم في القدس الشرقية، في نهاية المطاف إلى تبادل ضربات صاروخية بين الجيش الإسرائيلي والمقاومة الفلسطينية في غزة. فما هي الأسباب التي دفعت الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الى ما وصل اليه؟

يعيش اليوم أكثر من 7.3 مليون عربي فلسطيني في المساحة الجغرافية التي تسيطر عليها إسرائيل، هم إما مواطنين إسرائيليين، ويشكلون حوالي 1.5 مليون نسمة، أو سكان الضفة الغربية لنهر الأردن وغزة والقدس الشرقية، إلى جانب 7 ملايين يهودي إسرائيلي. لا يملك سكان مناطق الضفة الغربية والقدس الشرقية الحرية الكاملة بالتنقل داخل تلك المساحة الجغرافية، بل وحتى في حدود الأراضي التي تعود لهم، حسب اتفاقية أوسلو، بسبب انتشار المستوطنات الاسرائيلية على أراضيهم. أما قطاع غزة، فهو محاصر من قبل الجيش الاسرائيلي من البحر والجو والأرض.

بطبيعة الحال، في مثل هذه الظروف لا يمكن للاقتصاد أن يتطور في المناطق التي يسكنها الفلسطينيون، وهناك بطالة عالية بينهم. فبحسب مصادر محلية واوربية، إن 50٪ من الشباب في غزة عاطلون عن العمل. كما أن حوالي مائة ألف فلسطيني من سكان الضفة الغربية والقدس الشرقية يعملون في شركات إسرائيلية ويتقاضون مقابل عملهم، كعمال غير مواطنين، أقل بكثير من العمال الإسرائيليين. وحتى العرب الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية يواجهون التمييز الاجتماعي والاقتصادي.

حولت إسرائيل الأراضي الفلسطينية إلى سجون ضخمة في الهواء الطلق، يسود فيها الفقر والعجز والمرض. وهذا ما دعا المبعوث الخاص للأمم المتحدة ريتشارد فولك لوصف النظام الاسرائيلي على أنه نظام استعماري قائم على الفصل العنصري. في مثل هذا الوضع المحتقن واللاإنساني دفعت أسباب عديدة، داخلية وخارجية، الى اندلاع حرب جديدة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، أحاول استعراضها بإيجاز.

أول تلك الأسباب، هو الشعور الفلسطيني بتخلي العرب عن قضية التحرير. فلم يعد من شك عند الفلسطينيين بأن مشكلة الاحتلال الإسرائيلي لأراضيهم لم تعد في مقدمة اهتمامات الدول العربية منذ التوقيع على اتفاقية أوسلو بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وهو ما تؤكده عملية تطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية وردة الفعل العربية الرسمية على ما يسمى بـ "صفقة القرن". وقد أدرك هذا الواقع جيدا، منذ ذلك الحين، الطرف الإسرائيلي، ثم، ولو متأخرا، فهم الطرف الفلسطيني أن من تبعات اتفاقية أوسلو، تخلي العرب عن قسط كبير من التزاماتهم تجاه القضية الفلسطينية، بحجة أن الفلسطينيين هم الذين يقررون مصيرهم بأنفسهم وهم من يتحمل تبعات قراراتهم.

من مؤشرات هذا الواقع الجديد ما جرى في الجامعة العربية في سبتمبر من العام الفائت. فمع انشغال العرب بموضوع التطبيع، أو الاتفاق الابراهيمي، أعدت القيادة الفلسطينية مشروع قرار عرضته على الجامعة العربية لوقف التدهور العربي بالانجرار وراء مخطط التطبيع مع إسرائيل. الا أن اجتماع جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية العرب، في ذلك الحين، عجز عن اتخاذ قرار يدين الإمارات العربية المتحدة، ولم يحظ المشروع الذي طرحته فلسطين بموافقة غالبية أعضاء جامعة الدول العربية، الأمر الذي عزز حالة الإحباط والشعور بالعزلة من قبل الفلسطينيين.

 تضاف الى ذلك مجموعة كاملة من العوامل الجيوسياسية المرتبطة بزعزعة استقرار دول عربية داعمة للقضية الفلسطينية، نتيجة لما يعرف جزافا "بالربيع العربي" والموقف الفلسطيني المرتبك حيال أحداثه التي كان لها تبعات وخيمة على القضية الفلسطينية. ففي العقد الذي انقضى منذ بداية سلسلة الاضطرابات السياسية في عام 2011، شهدت المنطقة حروبًا أهلية وصراعات داخلية وتدخلًا دوليًا. ونتيجة لذلك، فقد الدعم العربي للقضية الفلسطينية زخمه، ولم تعد قضية تحرير الأراضي الفلسطينية المحتلة في جدول اهتمامات معظم القادة العرب، المثقلين الآن بتحديات محلية لا تنتهي.

التغيرات في الواقع العربي ساهمت إلى حد كبير في تغير الخطاب العربي بشأن القضية الفلسطينية. بل وأنها شجعت بعض الانظمة العربية على البحث عن تسوية سريعة للمشكلة الفلسطينية التي طال أمدها وأصبحت، كما تظن تلك الانظمة، تعيق تنفيذ رؤيتها الاستراتيجية السياسية الإقليمية، والتي تركزت، حتى وقت قريب، على التعاون من أجل عزل عدو مصطنع جديد، هو إيران، وكذلك معالجة التحديات والتهديدات الأكثر إلحاحًا بالنسبة لها.

هذا من جانب، أما من الجانب الاخر، فمع مجيء إدارة بايدن-هاريس، تأرجح بندول تعاطف واشنطن في الشرق الأوسط، ولو بصورة محدودة، تجاه السلطة الوطنية الفلسطينية ومحمود عباس (الذي لم يستوعبه ترامب سابقا) كرئيس للسلطة الفلسطينية. فبعد تنصيب بايدن، بدأ الديمقراطيون في تدمير إرث ترامب في السياسة الداخلية بشكل سريع وحاسم. في الوقت نفسه، من الواضح أنهم لم يجرئوا على تغييرات محسوسة تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، عدا ما لاحظه المراقبون من برود في علاقة بايدن بنتنياهو الذي يعتبره الرئيس الأمريكي الحالي حليفا لغريمه السابق دونالد ترامب.  هذا الواقع الجديد خلق وهم عند بعض الفصائل الفلسطينية بأن أمريكا ستعدل أخيرا في موقفها من القضية الفلسطينية، وانها وان لم تنصفهم، فهي لن تساهم في عدوان عليهم.

وعليه، فإن قرار إجراء الانتخابات قد يكون محاولة من جانب قيادتي فتح وحماس لإعادة الانتباه إلى المشكلة الفلسطينية وتأكيد للدول العربية عن استعدادهما للتضحية بطموحاتهما السياسية من أجل العودة إلى الهدف المشترك المتمثل في خلق دولة مستقلة، وفقا للقرارات والمواثيق الدولية. مع عدم التفريط "باستقلالية القرار " و "وحدانية التمثيل" الفلسطينيين. تبعا لذلك حدد الرئيس الفلسطيني محمود عباس في 15 يناير 2021، مواعيد الانتخابات التشريعية والرئاسية في 22 مايو و31 يوليو على التوالي. مؤكدا على أن النواب المنتخبون سيكونون أيضًا جزءًا من المجلس الوطني الفلسطيني، الذي من المقرر أن تنتهي ولايته في 31 أغسطس.

الا أن السلطات الإسرائيلية التي تعتبر القدس جزءا من دولة إسرائيل، صرحت بأنها لن تسمح للسكان العرب في القدس الشرقية بالمشاركة في انتخابات السلطة الفلسطينية المعلن عنها من قبل محمود عباس، مما دفع رئيس السلطة الفلسطينية، الى الغاء الانتخابات المعلن عنها لحين تراجع إسرائيل عن قرارها. أغضب الموقف الإسرائيلي الفلسطينيين وزاد من احتقان الوضع، خاصة في القدس.

وبالتالي، كان من السهل تطور هذا الاحتقان الى انفجار فلسطيني عارم إثر قرار السلطات الإسرائيلية بإجلاء العائلات الفلسطينية من منازلها في حي الشيخ جراح في القدس الشرقية. ولم يحتاج الوضع لينفجر الا لشرارة أطلقها المصلون المتجمعون في الحرم القدسي، في 7 مايو، يوم القدس، وخوفا من اتساع موجة الاحتجاج الفلسطيني، اقتحمت الشرطة الإسرائيلية الحرم الشريف وفرقت المصلين، ملحقة إصابات متفاوتة الخطورة بمئتي فلسطيني.

كانت هذه الاشتباكات، القشة التي قصمت ظهر البعير، كما يقال، فقامت فصائل المقاومة الفلسطينية في غزة بإنذار السلطات الاسرائيلية بانها ان لم تسحب الشرطة والجيش الاسرائيليين من منطقة الشيخ جراح ومن الحرم القدسي بحلول السادسة من مساء 10 مايو \أيار فإنها ستقصف المدن الاسرائيلية. وبعد انتهاء المهلة، أطلقت المقاومة مئات الصواريخ على عسقلان وتل ابيب وغيرها من الأهداف التي صنفتها المقاومة كأهداف حيوية من النواحي العسكرية والاقتصادية. كانت تلك معركة لم تتوقعها ولم تعرفها إسرائيل من قبل، لا بل ولم تتوقعها حتى الشعوب العربية أو فلسطينيي الداخل الإسرائيلي. والاهم أنها أعادت الامل الى شعب طمحت إسرائيل في أن تنسى قضيته ويبقى مشردا الى ما لا نهاية.

وأخيرا، لابد من أن أذكر القارئ بأن هناك مناطق على وجه الأرض يصعب فيها العيش لأن في تكوينها تهديد للحياة الإنسانية الطبيعية، منها سفوح البراكين وغابات الأمازون والقطب المنجمد الشمالي وكيب هورن وساحل اليابان والصحراء الكبرى. وبعد الحرب الأخيرة أصبح واضحا أن إسرائيل بنظامها العنصري الصهيوني هي واحدة من تلك المناطق.

 

د. جاسم الصفار

16\05\2021

 

رائد عبدالحسين السودانيلا يخفى على أي مراقب ومشاهد إن فلسطين وغزة بالتحديد قد انتصرت انتصارا تاريخيا ربما يكون هو الاكبر في تاريخ الأمة العربية والاسلامية ،وقد يسأل ساءل وماذا عن تموز 2006 وانتصار حزب الله ،فأجيبهم نعم انتصار تموز كان تاريخيا أيضا لكن ظروف فلسطين تختلف اختلافا كليا عن ظروف كل المجتمعات الأخرى ،فغزة تحت حصاريا ،حصار اسرائيلي وحصار مصر وهو الأقسى والاشد منذ عدة سنوات كما أن الضفة الغربية تقع تحت حصارا اسرائيليا وتنسيقا أمنيا بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية ناهيك عن ظروف فلسطينيي عام 1948. لكن هناك حقيقة يجب أن نعيها ألا وهي أن حماس والجهاد الاسلامي ضمن محور المقاومة المتشكل من إيران وسوريا وحزب الله والحشد الشعبي العراقي فكل المؤشرات كانت تشير أن هناك تنسيقا بين أطراف هذا المحور وقد تجلى هذا التنسيق في رسالتي الفريق اسماعيل قاآني لقائدي القسام وسرايا القدس العسكريين وكذلك استقبال الرئيس بشار الاسد لقادة الفصائل الفلسطينية وفي مقدمتهم زياد النخالة قائد الجهاد الاسلامي ،وقد يعلق معلق أين السيد حسن نصر الله إذ لم يتكلم ولم يشر بأي اشارة عن عملية سيف القدس وهنا يجب أن أقول قد ظهر العديد من الناطقين باسم المقاومة الفلسطينية أن أطراف المحور قد وضعوا ساعة صفر لدخولهم على خط هذه الجولة العسكرية  وقد فهمت اسرائيل هذه الرسالة كما أعتقد أن حزب الله لم يرغب أن يدخل كمزايد على خط المقاومة الفلسطينية وهم بانتظار اللحظة التي يدخلون فيها بالقتال وأعني قيادة حزب الله .أما إيران فلا يخفى دورها وأثرها في مد مقاومة غزة بأدوات صناعة الصواريخ لكنها آثرت أن تكون خلف الواجهة الاعلامية لأنها دخلت في لحظة حاسمة مع المجتمع الدولي للعودة للاتفاق النووي ولا ترغب أن يضايقها هذا المجتمع ويفرض على صناعتها الصاروخية وهنا يجب أن نذكر وصف اسماعيل هنية للفريق قاسم سليماني بأنه شهيد القدس وقد رددها ثلاث مرات .أما ماذا بعد انتصار غزة ،أقول أن أمريكا وربيبتها اسرائيل قد أهينتا في هذه المعركة وهما خصمان لئيمان في حقيقة الأمر إذ علينا أن ننبه من مؤامرات يدفع أطراف المقاومة الموحدة إلى خلافات أو تدفع بعملائها الداخليين لعمليات اغتيالات لقادة المقاومة كذلك ملاحقة قادتها في الخارج أما إيران قد يفتعلون أحداثا داخلية في إيران أو المماطلة في التوقيع على الاتفاق النووي والابقاء على العقوبات لكن هل تضطر اسرائيل على مهاجمة إيران للتغطية على هزيمتها في غزة ، طبعا كل الاحتمالات واردة في ظل قيادات اسرائيلية متهورة أو قد تفتعل صداما مع حزب الله ربما بعد مرور وقت أو قد يهاجمون سوريا باعتبارها الجانب الاضعف لاسيما إذا أعلن فوز الرئيس بشار الاسد في الانتخابات الرئاسية .المنطقة مفتوحة على كل الاحتمالات لكن مهما تكون الخطوة الاسرائيلية في هذا المضمار تقربها بشدة باتجاه زوالها ،وأكاد أجزم إني أرى نهاية الحلم الصهيوني بهروب المستوطنين واليهود الذين جاؤوا الى فلسطين واستولوا على أراضيها بالقوة عند بداية أي جولة جديدة فهم بالتالي لايمتلكون أية جذور على أرض فلسطين.

 

رائد عبد الحسين السوداني

 

بكر السباتينبايدن في كلمة قبل قليل تحدث عن "تجاوب تل أبيب لجهوده نحو إيقاف الهجوم على غزة".. وقال بأن "إسرائيل" تدافع عن نفسها ضد الهجمات الصاروخية "الإرهابية" التي طالت المدنيين الإسرائيليين.

 ولم يأت هذا البايدن إلى ذكر أسباب هذه المواجهات التي تتجلى بالاعتداءات الإسرائيلية المتتالية على المصلين في الأقصى تمهيداً لما أطلقوا عليه بالاجتياح الكبير من أجل تقسيم الأقصى بين المسلمين واليهود مكانياً وزمانياً أسوة بما جرى للحرم الإبراهيمي، وكل ذلك يأتي لهدم الأقصى وبناء هيكلهم المزعزم.. أيضاً محاولة تنفيذ حكم المحكمة الإسرائيلية العليا بإخراج 28 عائلة في حي الشيخ جراح والذين بالأصل كانوا قد أخرجوا من بيوتهم عام ثمانية وأربعين في يافا وحيفا والتي خضعت بعد احتلالها لقانون "أملاك الغائبين" الاستعماري العنصري.

 أيضاً شكر بايدن (دون خجل) جهود كل من ساهم في إيقاف هذه الحرب وعلى رأسهم مصر، ولم يذكر بأنه كان يحرض على الإمعان في قصف غزة من خلال تأييد الضربات الإسرائيلية التي هدمت بيوت الفلسطينيين فوق رؤوس أهلها، ولولا صواريخ المقاومة التي ضربت الاحتلال الإسرائيلي في العمق لما استسلمت "إسرائيل" لشروط حماس والمقاومة التي وضعت الخطوط الحمر لنتنياهو ومن ورائه بايدن نفسه.. إذن ماذا سيفعل بايدن إزاء المقاومة وقد وضع كل ثقله عسكرياً وسياسياً خلف المجازفة الإسرائيلية فما حصد إلا الخيبة والفشل.. وظلت قواعد الاشتباك في يد المقاومة.. ورغم علمه بأن العالم لن يصدق كلمة مما يقول إلا أنه استمر في تضليله للرأي العام إرضاءً لغرور ربيبته "إسرائيل" التي مرغ جبين قادتها في التراب.

والغريب أن بايدن كَذَّبَ عدسات التصوير وعيون العالم حينما مدح على استحياء، القبةَ الحديدية التي ساهمت أمريكا ببنائها، مع أن كل التقارير حتى داخل ما يسمى ب"إسرائيل" أقرت بفشل القبة الحديدية التي لم تُسقط أثناء تصديها لصواريخ المقاومة المطورة والمصنوعة محلياً رغم الحصار المطبق، سوى 20-30 % في أعلى تقدير، مع أن تكلفة صاروخ القبة الواحد يتجاوز أل 60 ألف دولار مقابل أل 500 دولار تكلفة أغلى صواريخ القسام من نوع H120 .. ليس هذا فحسب، بل تحولت صواريخ القبة الحديدية العمياء التي ضلت طريقها في سماء ليست لهم، إلى قذائف سقطت على الأحياء اليهودية في العمق الإسرائيلي وأحدثت بعض الدمار المشهود. . إنها كذبة مكشوفة وتسويق فاشل لمنظومة لم تحقق أهدافها، ولن ينقذ سمعتها خطاب مقتضب لجو بايدن الذي أحرجته الحقيقة الدامغة التي طبعت بالصوت والصورة في أذهان الصحفيين من أمامه.. وقد هرب من أسئلتهم على الفور درءاً للحرج.

 ثم قال بايدن بأنه سيشارك في إعادة إعمار غزة من خلال السلطة الوطنية الفلسطينية لمنع حماس والمنظمات (الإرهابية) من إعادة بناء نفسها.

وهذا هراء.. فبدون موافقة حماس التي تشترك مع الفصائل الفلسطينية بغرفة عمليات مشتركة (كانت عصية على الاختراق)، لن تنظم عملية الإعمار، ولن تقبل بدخول حصان طروادة من باب إعادة الإعمار فمن هو الغشيم الذي يأتي بالدب إلى كرمه!.. ولو تجاوبت السلطة للمؤامرة الصهيوأمريكية الرامية إلى إضعاف المقاومة فلن تجني إلا الخيبة وهي تدرك مدى عجزها في تنفيذ ما ترمي إليه كلمة بايدن، وتعلم أنها لو انتقصت من أهمية سلاح المقاومة في ظل ما أحدثته من ردع دفاعاً عن المقدسات ستكون كمن ترمي نفسها بالحجارة.. فقطاع غزة المحاصر أعيد إعماره بعد كل حرب رغم أنف تل أبيب وعملائها ومن ورائهم بلاد العم سام.. والشعوب العربية التي استعادتها القضية الفلسطينية تقول:"ليذهبوا جميعاً إلى الجحيم لأن كلمة المقاومة التي انتصرت هي العليا، وهم يهتفون في مظاهراتهم العارمة التي غاصب بها العواصم العربية والعالمية باسم الخصم الأول لما تسمى ب"إسرئيل" محمد ضيف، قائد الجناح العسكري لحماس، كتائب الأقصى، الذي تحول إلى أسطورة وصاحب الكلمة المؤثرة الفصل.

 فكلمة بايدن حول إعادة إعمار غزة تتضمن إشارة للمقاومة كي تنتبه إلى الدعم الذي سيأتي على صورة حصان طروادة تحت شعار بناء غزة وتحجيم قدرات المقاومة.. وترسانتها من الأسلحة التي لولاها لأمعن الصهاينة بدعم أمريكي في تدمير غزة وتمهيدها على مستوى الأرض اليباب، وإركاع الشعب الفلسطيني الذي وصفه بايدن ب "شعب غزة" وكأنه يجرد الغزييّن من كونهم فلسطينيين يطالبون بحقوقهم وأولها حق العودة.. وخاصة أن قائد الجناح العسكري محمد ضيف، والشهيد الشيخ أحمد ياسين مؤسس الحركة، وإسماعيل هنية، والسنوار كلهم من أصول تعود إلى مدينة عسقلان المحتلة التي دكتها صواريخ المقاومة، حيث طرد آباؤهم من تلك الديار السليبة على يد العصابات الصهيونية عام النكبة.. وإنهم لعائدون.. ولتذهب كلمة جو بايدن أدراج الرياح فكلمة محمد ضيف هي الفصل، وهي المسموعة لدى "الفلسطينيين" الذين ابتهجوا للنصر، واستعادوا حلمهم بتحرير فلسطين الذي دخل حيز الممكن، و"الإسرائيليين" الذين يدركون بأنهم حدث طارئ وسيزول.. لأن صاحب الأرض يقاتل عن عقيدة وإيمان بحقوقه المشروعة.. أما المحتل فهو يعشق الحياة وقد حمل في جيبه جواز سفر يحمل اسم البلاد التي قدم منها.. وهنيئاً للصهاينة بكلمة بايدن وهنيئاً للأمة العربية والإسلامية بوعود محمد ضيف وصواريخ القسام.. الرجل الذي قاد المعركة بحنكة واقتدار قل مثيلهما باعتراف الخصم الصهيوني الذي ما لبث يلعق الهزيمة بانكسار..

 

بقلم بكر السباتين

20 مايو 2021

 

 

سامي محمود ابراهيميستمر المكان الفلسطيني زمانيا في صياغة مفهوم الحق العربي والاسلامي بمأساة جديدة وبوعي مغاير يحمل سلوكا مختلفا في البحث عن المعنى الديني واعادة انتاجه وجوديا. وربما كانت ظاهرة التضحية والفداء من عناصره الاولى، والا ماذا يعني ان يواجه طفل فلسطيني السلاح الصهيوني العنصري؟! اوليس هذا درسا في الشجاعة التي يجهلها المغتصب... درسا في انتاج المعاني الانسانية وحمولاتها القيمية بما فيها التضحية. هكذا استطاعت الحقيقة بانتفاضتها الجديدة ان تهشم سلطة الاسرائيلي الصهيوني. وتكشف عن هشاشة سلطات عربية تتأكل من زيفها المعتاد ونفاقها السافر، وهي تؤسس لوجود ذات انسانية حرة تمثل الخير في ارض السواد... وما يزال بياض قلب الروح يجوب الصحراء العربية بحثا عن قطرة كرامة الى يومنا هذا. فهل في هذا الوصف قيد شعرة من الانحراف؟

نعم، في معرة العنصرية وسائر نظم الارهاب والدموية ارتبط الدين سياسيا وايديولوجيا بالقومية فانتج تلك الصورة المريضة من ما اسموه " بالحركة الصهيونية... هي مزيج من فلسفات عدمية تحرف النص عن مواضعه، خاصة السلوكية والقيمية منها، تعد نفسها بالأرض دون حق ولا استحقاق... فيها نجد عقيدة روحية خاوية تحمل اسفار الحقد والكراهية، اما مبادئها السياسية فمتطرفة الى النخاع ومتشظية بمرارة الجبن والخوف من المستقبل. والغريب انهم يمارسون اليوم منصب السدنة لهذا القرن الجديد والذي وصف بانه عصر الديمقراطية والحرية وعصر الحوار البشري وانواره الانسانية، كل ذلك وفقا لتلك الروح الانعزالية والانهزامية " الشعب المختار"! ومن الثابت ان تلك العنصرية كانت نتاجا لشتات وفتات من فلسفت التربية الصهيونية وقيمها الاسرائيلية الجديدة... مجموعة اوهام وقناعات سلبية عن العرب والمسلمين بل ولسائر شعوب العالم وقومياته المختلفة، فلسفات عنف وعداوة كضرورة حتمية في السياسة الاسرائيلية، نفعية اساسها اغتصاب الحق والصحيح الإنساني المشترك مهما كان. ومن تعاليمهم ان اذا دخلتم ارض الميعاد اقتلوا كل من فيها من رجال ونساء واطفال وشيوخ، حتى البقر وسائر ما موجود من شجر....! اوليس هذا ارهابا يمارس علنا وفي وضح النهار. وليس غريب على الصهاينة هذه الافعال وافتعال الحروب والمجازر في ابشع واحقر صورها اللاإنسانية ثبتها هرتزل بقوله " القوة قبل الحق"! اي قوة هذه التي تخاف حتى من نفسها؟ صحيح انها تمتلك زمام اللحظة دنيويا بل وتمتلك سائر مقومات الفعل والمكان، لكنها تفتقر الى مقومات البقاء المستقبلي الراسخ في عمق الزمان.. فالأقصى وغزة وفلسطين جزء لا يتجزأ من كيان الحق الوجودي مهما طال الزمن وبعدت الاسباب.. انه حلم العدل انسانيا والذي ينحاز ايضا الى الحلم العربي والاسلامي والى الامل والامن الاجتماعي. لذلك نطالب السياسة عربيا وعالميا الا تتنكر لهذا الحلم وتنتهك الروح... اما بخصوص تساؤلنا الاول فيمكن القول ان  الصهيونية قد ورثت اسواء ما في العقلية الغربية من نهج معرفي وانساني شاذ لبقية العالم، مع وراثتها المجددة لقيادة النفاق الليبرالي والرأسمالي المعاصر... فإسرائيل والصهيونية هي اكبر مستوطنة غربية امريكية متورمة بملكوت الانا . .. لكن لا بد ان تكرر الشمس وجهها المشرق في كشف قاتلي العالم.

 

الدكتور سامي محمود ابراهيم

رئيس قسم الفلسفة/ كلية الآداب/ جامعة الموصل/ العراق

 

الطيب بيت العلويإعرف عدوك واعرف نفسك؛ لو كنت ستدعم مئة حرب، ستنتصر مئة مرة. إذا تجاهلت عدوك وعرفت نفسك، فستكون فرصك في الخسارة والفوز متساوية. إذا تجاهلت نفسك وعدوك، فسوف تحسب معاركك فقط بهزائمك "صن تزو في كتابه: فن الحرب".

لقد صدق من قال بأن الكيان الصهيوني أوهى من بيت العنكبوت .

فتعالوا نفكر لحظة أونؤمن ساعة - كما ورد في الأثر الشريف-

- إنتفاضة لعلها تبدو للبعض إرتجالية، ولكنها بطبيعتها ستحقق ما كان مستحيلاعلى*خبراء * السياسة والجيو- عسكرية الفلسطينية والعربية، لأنها حركة ذاتية الدفع وذاتية الإندفاع، وهو ما يمثل البون الشاسع ما بين هبة فطرية، وما بين *ثورات* مزيفة محمولة على الأكتاف من الخارج.

- إنتفاضة رمضانية شعبية عفوية شبابية، خلطت الأوراق الإسرائيلية، أربكت المعطيات الميدانية العتيقة، وأعتمت الرؤى الجيوسياسية الإقليمية والغربية.

بدايتها معلومة، وحوافزها بديهية ومشروعة وتداعياتها مجهولة.

إستمرارها - مع التضحيات المفروضة – سيؤدي حتما لتحرير فلسطين من النهر إلى البحر، وحتمية إنهاء المشروع الصهيوني ونهاية *المثال الغربي*وهيمنته على العالم التي دامت أزيد من قرنين. شريطة عدم إسقاط هذه الإنتفاضة الأخيرة بين أيدي مزايدات السماسرة القدامى والجدد. 

بداية :الصهيونية في مفهومها الغربي وفي آفاقها مشروع إبادة جماعية لا أقل ولا أكثر، إستمدها الغرب من فكرة": *الإبادة الجماعية مقدسة *المكتوبة في الكتاب المقدس العبري (اقرأ كتاب ستيف ويلز المعنون Drunk with Blood: Killing God in the Bible ” * سكران بالدم: قتل الله في الكتاب المقدس* وهو كتاب يجب أن يقرأه كل كاثوليكي صالح.

- ومن خلال النظرية الإقتصادية المالتوسية الأنغلوساكسونية في القرن التاسع عشر التي روجت للعنة الإبادة البشرية

- ومن خلال نظريات التطهير العرقي للفاشية والنازية في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي .

- المشروع الصهيوني، مشروع ولد ميتا في مهده، وكان مثل الدودة الموجودة في الفاكهة- كما يقول المثال الفرنسي-

وما كان له أن يعيش أو يستمر لولا الخيانات العربية، ولولا تفسير العرب للتاريخ بعلل الجهالة ووالتغافل الغفلة - مادام لينين قد فضح سمسرة سايكس البريطاني وبيكو الفرنسي ونبه حينها الساسة العرب الي الفخ المنصوب لهم، ليقرالغرب منذ زمنها بجهل ساسة العرب وغفلة الأمة، ولا شيء تغير في أحوال العرب ما دام صعاليك* العهرتطبيعية* قد أتبثوا ذلك بعد أن مضى على خيانة سايكس بيكو أكثر من نصف قرن .

- الصهيونية مشروع تجاري ماركانتيللي فج وسخيف، سوقه النصاب اليهودي العلماني ثيودر هارتزل للغرب - والذي أتبثت مصادر غربية أنه لا يعرف قراءة جملة واحدة بالعبرية-

- الصهيونية، بصفتها حاملة لمشروع إقامة دولة يهودية، قامت على مبدأ أن تتحقق على أرض بلا شعب. حيث تحدد مسبقا بشكل رمزي الإبادة الجماعية المعلنة ووجول إستمراريتها .علما بأنه لاتوجد أرض خالية من السكان ولو في الصحراء.، فما بالك بفلسطين ودورها الجيو- ستراتيجي في المجموعة الهلالية منذ بداية التاريخ، كمفترق طرق الحضارات الكبرى لآلاف السنين وكونها بندول الساعة بين الهيروغلوفية في مصر والمسمارية في الرافدين ..

كان مؤسسو الصهيونية، مثل رعاتها البريطانيين والفرنسيين والملهمين لهم من اليهود العلمانيين، مدركين جيدًا أهمية تزوير التاريخ والبروباغاندا في سبيل تحقيق مشروع *ميت* وفاشل ـ من أجل تبرير المجازر والنفي والتهجير للفلسطينيين .

وهنا تبدو إهمية إستدعاء الإبادة الجماعية التاريخية الغربية التي وجدت ظالتها في التوراة والتلمود،  وعمليا في إلابادة الممنهجة للهنود الحمر، السكان الأصليون بالقارتين الأمريكيتين . مما دفع بكاتب فرنسي مرموق يسمي *نيكولا بولاي* الذي كتب هذا الأسبوع - بمناسبة هذه الإنتفاضة الفلسطينية - * كلنا فلسطينون في هذا الزمن الضنين*

ومن هذا المنظورالحيثيات .ر، يجب على المقاومة الفلسطينية الحذر والمنتفضون، من السقوط في شباك سماسرة الوساطات المشبوهة يقوم بترشيدها المحتال المتصهين ماكرون - السمسارالأمريكي والإسرائيلي والخبير السابق في بنك روتشيلد ومُنَظٍرولي العهد السعودي- مع دول *ربيعية* مشبوهة مثل مصر، بهدف وأد شرار الإنتفاضة وإيجاد مخرج *مشرف لصديقه ناتانياهو وإستثمارها في حملته الإنتخابية المهددة بالفشل - وهو الرئيس الغربي الوحيد ألذي منع التظاهرة المشروعة مناصرة للفلسطينيين

فما فائدة إيقاف الإنتفاضة والمقاومة ومن أجل تحقيق ماذا؟

مادامت :

- الأسرلة والتطبيع لن تتوقفا

- الإبادة الجماعية ضد الفلسطيننين لن تتوقف

- التمويل الغربي اللامشروط لإقامة المستوطنات تكثيف وتوسيعها لن يتوقف

- التأكيد على ضرورة إعادة تشكيل الجغرافية العربية من نواكشوط إلى مسقط على*مسلمات* العهدين القديم والجديد، وعلى قراءات *مافوقية* لإسقاطات اللاهوت على تفسير التاريخ وإعادة تشكيل ثقافات وخرائط المنطقة العربية وخاصة الشرق الأوسط

- قضم الأراضي الفسلطينية لن يتوقف إلى أن يصل القضم إلى حدود ا لخريطة المقترحة ل *جاريد كوشنير * التي شكّلَها في *صفقة القرن*

الإغتيالات المنظمة لن تتوقف:

- إغتيال أمثال كنفاني وعرفات ومغنية والشهيدان الشهيدين قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس وعلماء ذرة عراقيين وإيراننين ومناضلين لن يتوقف،

فقد تميزت ولادة إسرائيل بإغتيال ممثل الامم المتحدة الكونت برنادوت، ولم يحرك ما يسمى بالمجتمع الدولي ساكنا .

- مصادرة الممتلكات الفلسطينية وقتل الأطفال وتعذيب القاصرين والتنكيل بالنساء والشيوخ والتطهير العرقي لن تتوقف، ولو إجتمع كل ساسة العرب في* إسطبلهم العربي * أو الغرب في * برجه البابلي* التوراتي، المسمى بالأمم المتحدة - التي إنتهى دورها بمجرد التصويت على شرعية إسرائيل

- الأمم المتحدة لم تُجَرِم ولا مرة واحدة الجرائم الصهيونية بمعدل عشرات التجاوزات اليومية الموثقة منذ عام1948

- لا أحد يمكنه أن يوقف عنجهية الكيان الصهيوني عند حده، بمنطق وبموجب طابعه التأسيسي. كما أثبت ذلك - الرئيس الأمريكي ترومان الذي خلق لنا كار تثين: إجبار الدول على الإعتراف بإسرائيل عام 1949 والحرب الباردة بين المعسكرين وكل الرؤساء الأمريكين سارواعلى نهجه وسيظلون

- المشككون في عدالة القضية الفلسطينية في العالم العربي والغربي لن يتراجعوا أبدا عن مواقفهم.

- سياسية الأمر الواقع لن تتوقف…..

ـ إذن فعلى ماذا سيعول من سيطالب الفلسطينيين على الدخول من جديد مثل فئران الجحور في أنفاق جديدة من المفاوضات والسمسرات والمساومات؟ مادامت هذه الإنتفاضة على قصرها في الزمن وفعاليتها على الأرض قد حققت مالم يحققه *تجار* المقاومة الرسمية منذ عام 48؟

 

الطيب بيتي

 

عبد الحسين شعبانتوقف "جون بول سارتر" عند ظاهرة  "افتراق السياسة عن الفكر"، حين عبّر عن ذلك بما معناه، هل يجب أن أقول الحقيقة، فأخون البروليتاريا أم يجب أن أخون الحقيقة بحجة الدفاع عن البروليتاريا؟

وكانت جامعة أكسفورد قد نظّمت ندوةً في العام 2003 في إطار "مشروع دراسات الديمقراطية" حول "الديمقراطية في الأحزاب الثورية"، وفيها قدّمتُ بحثاً بعنوان "حين تزدري السياسةُ الفكرَ"، خلاصاته كيف يتم تبرير التجاوز على المبادىء والأفكار بزعم الضرورات السياسية والحزبوية، وإذا كان هناك من حاجة ماسّة ومستمرة لتكييف الفكر كي ينسجم مع الواقع، وهو ما نُطلق عليه البراكسيس، فإن ذلك لا يعني تعارضهما أو تعاكسهما، بل توافقهما وتقاربهما.

لقد فقدت الأغلبية الساحقة من الأحزاب السياسية في عالمنا العربي ألقها الذي كانت تتمتّع به في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وتدريجيًا أخذ لونها يبهت وصوتها يتحشرج ووهجها يخفت، وهو ما أظهرَته بشكل صارخ حركة الاحتجاج الواسعة التي أُطلق عليها "الربيع العربي" قبل عقد من الزمان، والأمر يعود لأسباب موضوعية وأخرى ذاتية.

الأولى تتعلّق بانتهاء الصراع الأيديولوجي بشكله القديم وتبدل ظروف الحرب الباردة، التي توجّت بهدم جدار برلين في 9 نوفمبر (تشرين الثاني) 1989.

الثانية تتعلق بفقدان الحماس الشعبي وعزوف الشباب عن الانخراط في صفوفها، إلى درجة أصبح بعضها منتدًى للمسنين والمتقاعدين الذين يعيشون في الماضي، وتحوّلها إلى أحزاب محافظة وتقليدية.

لعب العاملان الموضوعي والذاتي دورهما في الحال التي وصلت إليها الأحزاب القديمة، القومية والشيوعية، إضافة إلى الأحزاب الدينية، بل أن بعض الانتقادات التي كان يوجهها بعضها إلى الآخر وقع هو فيها، من المحسوبية والمنسوبية والفساد والتسلّط، فهي لا تتورّع من التزوير أو تسكت عنه أو تمالئ أحياناً إذا كان يأتي إليها بمنفعة أو لبعض المحسوبين عليها. فالعلماني أصبح طائفياً والطائفي أخذ يتحدّث بالدولة المدنية والقومي  والأممي لم يجدا ضيراً من قبول التعامل مع قوى خارجية، بل إن العديد منهم انكفأ ليصبح محليّاً، بل متذرّراً في هوّيته الفرعية، فهذا يتحدث عن المظلومية التاريخية، وآخر يتناول حقوق "المكوّن" وثالث يضع انتمائه الإثني فوق الانتماء الوطني، كما دخلت إليها العشائرية والوراثية.

لم تستطع هذه الأحزاب لأسباب القمع المعتق الذي كانت تتعرّض له وعمليات الإلغاء والاستئصال والتهميش وشحّ الحريات بالدرجة الأساسية أن تتنفّس هواءً ديمقراطيّاً، لا سيّما استمرار نهج الاستبداد لعقود من الزمان، ولأسباب فكرية وعملية، لم تتمكّن من تقديم بديل مقبول، بل استخدمت الأساليب نفسها في الكثير من الأحيان، في معادلة ملتبسة، ظلّت تطرح أسئلة عديدة: هل المعارضات وجه آخر للسلطات؟ فإذا كانت رحيمة وسَمِحة، فستراها عقلانية وسلمية، والعكس صحيح. وتلك واحدة من مفارقات السياسة.

ولأن الأحزاب عانت من اختلال العلاقة بين الأعلى والأدنى، والأغلبية والأقلية، وغاب عنها حرية التعبير بزعم المركزية ووحدة القرار، فقد احتجب النقد والنقد الذاتي، وعانت من مركزية بيروقراطية صارمة واتكاليّة وتعويليّة فكرية مهيمنة، الواضح في أحزاب السلطة والمعارضة، حيث تكرّرت الانقسامات والانشقاقات وحركات الاحتجاج  لقمع الرأي الآخر.

والأكثر من ذلك، فإن الحزبوية تقدّمت على الهُويّة الوطنية في الكثير من الأحيان، بزعمها أن الحزب متقدّم على الوطن، وفي الكثير من الأحيان، تمّت التضحية بالعديد من أعضاء الحزب ذاته ومن أخلص الوطنيين بسبب النهج الأُحادي الإطلاقي بتبرير ادعائها امتلاك الحقيقة والأفضليات، علماً بأن أية أيديولوجية مهما كانت إنسانية فإنها لا تمنع من ارتكاب جرائم أو انتهاكات بحجة مصلحة الحزب المتقدمة على مصلحة الوطن والأمة، وفي تاريخنا العربي مثلما في التاريخ العالمي هناك أمثلة على مجازر ارتُكبت بحق قيادات وكوادر، بل وشعوب اقتيدت إلى النحر بحروب ومغامرات، لتحقيق مصلحة الحاكم أو الزعيم أو المسؤول، إما لعنعنات أو لجهل أو لسوء تقدير.

وغالباً ما دخلت حزبويات في صراع تناحري كان الوطن فيها هو الضحية، خصوصاً في ظل شحّ حرية التعبير ونظام الطاعة والهيمنة والأبوية الذي يستمد قاعدته من أيديولوجيات شمولية ظلت تحكم الأحزاب من داخلها، وحكمت المجتمع من خارجه، وأدّت إلى كوارث هائلة.

لقد تربّت النخب الحزبوية في أجواء السرية والحرمان والفاقة وحين اقتربت من السلطة، أية سلطة،  فرّغت الكثير من عقدها للتعويض عن ذلك، مستخدمة أساليب من أشدها قسوة وفظاظة إلى أكثرها مكراً وخبثاً، الأمر الذي يحتاج إلى إجراء مراجعةٍ نقدية للسياسة الحزبية والحزبوية السياسية، والهدف أنسنة الحياة السياسية.

ومن العبث أن نحاول مدّ الوقائع لتكون مطابقة لسرير بروكرست، حسب الميثولوجيا اليونانية، حيث يسعى الحزبوي لجرّ صاحبه حتى يهلك إذا كان السرير طويلاً، أما إذا كان صاحبه أطول فيعمل على اقتطاع أرجله لتأتي تصوّراته ونزعاته الإرادوية متطابقة مع الواقع. وفي كلا الحالين فالخسارة فادحة، ولا بدّ من الإقرار بذلك والتعامل مع الواقع كما هو، لتجنيب البلاد صراعات لا طائل منها، وخصوصاً التنكر للحقيقة. وتلك إحدى المعضلات التي تواجه المثقف الحزبي والسياسة الحزبوية.

 

عبد الحسين شعبان

 

 

2466 حجاي آل عاداختارت إسرائيل مجتمعاً ذا مستويين، والعنف هو النتيجة الحتمية لذلك، التنكر لحقوق الشعب الفلسطيني لا يمكن أن يدوم على مدى بعيد

بقلم: حجاي أل عاد*

المصدر: صحيفة الواشنطن بوست

ترجمة: عادل حبه


 

يقضي معظم اليهود الإسرائيليين وقتهم مدعين بأن غزة ومليوني فلسطيني قد مسحوا من على وجه الأرض. إن ما يتعرض له السكان المدنيون الفلسطينيون إلى الحصار، وتحيط بهم المياه الملوثة، والحرمان من تصاريح الخروج حتى للرعاية الطبية الأساسية، علاوة على الأساليب اللامتناهية التي يتعرض فيها الفلسطينيون في قطاع غزة للإذلال من قبل إسرائيل يوماً بعد يوم، كل ذلك مشاهد غير مرئية إلى حد كبير بالنسبة للنصف اليهودي من السكان الذين يعيشون في المنطقة الواقعة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط. وظل غير مرئياً بإستثاء مرة كل بضع سنوات، عندما تطلق  صفارات الإنذار وتنهال الصواريخ مما يشكل صحوة رهيبة لهم.

وعلى غرار ذلك، تفضل إسرائيل أن يظل غير مرئياً مشهد العائلات الفلسطينية المقرر إخلائها قسرياً في حي الشيخ جراح - وهو حي في القدس الشرقية المحتل  في جزء من أجزاء الضفة الغربية حيث تسعى إسرائيل إلى ضمها رسمياً. تنعكس هذه الرغبة الإسرائيلية باللغة الرسمية: حيث وصفت وزارة الخارجية الإسرائيلية إن عملية التطهير التدريجي التي أقدمت عليها الدولة ضد الفلسطينيين، لتحل محلها عائلات يهودية، على أنها مجرد "نزاع عقاري بين أفراد". ويستند هذا "النزاع" إلى تشريع عنصري وقانون تم تشريعه في عام 1950 ووفي عام 1970 في ظل الحكومات العمالية "اليسارية"، الذي يسمح لليهود، ولكن ليس للفلسطينيين، بتقديم مطالبهم بخصوص ملكية العقارات التي تعود إلى ما قبل عام 1948. لقد نجح النشطاء الفلسطينيون هذا الشهر في التأكيد على أن هذه الإنتهاكات لا يمكن تجاهلها.

الإنتقام الإسرائيلي في غزه

وهناك حقيقة هي الأخرى تبدو غير مرئية: وهي تهديم منازل الفلسطينيين بدعوى أنها بنيت بدون تراخيص، في ظل نظام مخطط لحرمان الفلسطينيين من القدرة على الحصول على هذه التراخيص. وعلى غرار ذلك يُقتل الفلسطينيون دون عقاب على أيدي قوات الأمن الإسرائيلية، في نظام مخطط على الإطلاق تقريباً بعدم محاسبة أي شخص على الإطلاق، أو حقيقة أن منظمات المستوطنين الإسرائيليين تنتقل من المدن "المختلطة" داخل إسرائيل - وهي المدن ذاتها التي أصبح معظم الفلسطينيين لاجئين منها منذ 73 عاماً ولم يُسمح لهم بالعودة إليها، في نظام مخطط لمزيد من تهويد هذه الأرض.

هذه ليست سوى أجزاء معدودة من واقع ما يجري في إسرائيل وفي الأراضي الفلسطينية. لقد أصبح الفصل العنصري هو مبدأ تنظيمي يربط بين جميع أشكال الاستعمار والتهجير والحرمان والقمع والهيمنة والسيطرة. يمكن أن يكون الفلسطينيون مواطنين من الدرجة الثانية أو "مقيمين دائمين" أو رعايا محتلين أو لاجئين. قد تختلف التفاصيل، لكن النمط هو نفسه: حيث يتم التعامل مع جميع الفلسطينيين الذين يعيشون تحت الحكم الإسرائيلي على أنهم أدنى في الحقوق والمكانة من اليهود الذين يعيشون في نفس المنطقة.

إن منظمتي، وهي مجموعة حقوق الإنسان "بتسيلم" ( B’Tselem )، اقتصر تفويضها عند تأسيسها في عام 1989 على الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية وغزة. ولكن مع اتضاح نوايا إسرائيل بعيدة الأمد، وهي قرض السيطرة دون منح ملايين الفلسطينيين حقوقهم أو مواطنتهم، فإننا نعتقد أن انتهاكات الحقوق في تلك الأماكن لا يمكن فصلها عن السياسة الشاملة للتمييز العنصري المطبقة في جميع أنحاء المناطق الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية. لقد طرحنا أدلتنا من أجل التغيير في ورقة تحت عنوان "هذا هو الفصل العنصري"، وذلك في كانون الثاني؛ وبالمثل، توصلت منظمة "هيومن رايتس ووتش" إلى قرار قانوني واسع النطاق في نيسان مفاده أن المسؤولين الإسرائيليين يرتكبون جريمة الفصل العنصري.

على مدى عقود، أقدمت إسرائيل على عزل نفسها عن مشروع احتلالها المفترض أنه منفصل ومؤقت. ولكن طالما نظر الفلسطينيون إلى ذلك، وأطلقوا علىيه نظام الهيمنة العرقية، وهذا الاسم الصحيح. تشخيص الفصل العنصري هذا دقيق ليس فقط لأن الاحتلال لا ينفصل عن إسرائيل، فمن هو الذي يدير النظام العسكري في الأراضي المحتلة؟. وبسبب سياسات الهيمنة والتفوق العرقي لمجموعة (اليهود) على مجموعة أخرى (الفلسطينيين)، غدا ذلك في صميم الواقع القائم بين النهر والبحر.

في هذا السياق، فإن اندلاع أعمال العنف، خاصة تلك التي حدثت هذا الشهر، والتي كانت مروعة بدرجة كافية كي تغطي كل شبكات الأخبار العالمية، وهذا ليس أمراً عفوياً، فالعنف سمة من سمات هذا النظام. عنف الدولة أداة دائمة لنزع الملكية والسيطرة وإعادة الهندسة الديموغرافية و"الردع". إن المقدار النوعي من العنف المطبق يتغير دائماً، والخوف الذي يمليه هذا العنف لا يغيب أبداً عن المشهد.

يقوم نتنياهو بقمع معارضة اليهود الإسرائيليين الآن أيضًا. وهكذ ما حدث  مراراً وتكراراً، وعندما يتساقط جزء أو أكثر من هذه الشظايا، تبرز المفاجأة عندما ينتاب الذعر الناس، ويتم بذل الجهود لاستعادة ما يسمى بشكل مضلل "الوضع الراهن". لكن هذا لا يعني أبدًا أن العنف قد ينتهى حقًا. فهذا يعني فقط أن عنف إسرائيل ضد الفلسطينيين أصبح مرة أخرى غير مرئي، ومرة أخرى،يتم اختفاء التوتر (بالنسبة للبعض)، في حين أن الظلم يبقى منتشراً في كل مكان (بالنسبة للبقية).

هناك قبول بأكذوبة أن إسرائيل دولة "يهودية وديمقراطية"!!. في الواقع، إنها كيان ثنائي القومية وغير ديمقراطي بطبيعته يحكمه نظام الفصل العنصري. قد يخدم تجزئة الفلسطينيين إلى تشويش الحقيقة، ولكن كيف يمكن اعتبار واقع التكافؤ الديمغرافي، وجود حوالي 7 ملايين يهودي، وحوالي 7 ملايين فلسطيني،  ولكنه يعتبر "يهودياً" نقياً؟ ومادام معظم هؤلاء الفلسطينيين محرومين من حقوقهم، فكيف يمكن اعتبار ذلك النظام "ديمقراطياً"؟

كانت السياسة الخارجية للولايات المتحدة لعقود من الزمان تمكن هذا النظام وتضمنه وتحميه من عواقب ذات مغزى، ليس فقط من خلال تقديم المساعدة المتعددة الجوانب والمباشرة لإسرائيل، بل أيضاً من خلال الفيتو الأمريكي المتكرر في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لصالح إسرائيل، ونشر وهم "عملية السلام" الأمريكي التي لا نهاية لها على ما يبدو، بدلاً من إعطاء الأولوية لحماية حقوق الإنسان التي تُنتهك كل يوم. ويأتي الإفلات الإسرائيلي من العقاب بعلامة كبيرة "صنع في الولايات المتحدة"، لأن واشنطن هي المكان الذي يتم تصنيعه.

ولابد أن يمضي اهتمام وسائل الإعلام قدماً في نهاية المطاف. ففي غياب التغيير الهيكلي، ستستأنف الجهود المبذولة لجعل هذا الظلم غير مرئي مرة أخرى حتى الدورة التالية. بالطبع، يرغب الكثير من الإسرائيليين في العودة إلى حالة العمى المتعمد. لكن الأجزاء تتجمع، ويصبح تزوير الصورة أكثر صعوبة من السابق.

 

..................

* ناشط إسرائيلي في حقوق الإنسان

 

هل صار مبلغ طموحاتنا، في اطلاق انماط للتفكر والنقد والحوار، منا (الى تقديم خلاصة اجابات موضوعية ونتائج ناجعة !!)، لا شك انها مراحل مخاض فكرية صعبة على مستوى الفكر والتطبيق، لكنها ليست مستحيلة بالتأكيد، حتى الوصول لطور التحليل والتشخيص فالعلاج، وسط هذا التراجع الحاد في المنظومة القيمية لمجتمعنا اليوم، نتيجة التأطير الرجعي الذي يغلف حياة المجتمع السياسي الرسمي والمسؤول الاساسي عن حدة هذا الخمول الحضاري والانتكاس الاجتماعي المتعسر، الذي خَيّم على عراق ما بعد ٢٠٠٣  .

- تعددت انباء التقهقر الذي تشهده البلاد في مختلف القطاعات الامنية والصحية والعلمية والتعليمية والرياضية وغيرها، ولعل خبر خروج العراق من التصنيف العالمي لجودة التعليم وفق (مؤشر دافوس لجودة التعليم لعام ٢٠٢١) مؤخرا، جاء منسجما كالعادة مع التراجع الحاصل في القطاعات الفكرية والاجتماعية الاخرى منذ اعوام طويلة، ويكفينا القياس المتوازي، دلالة، مع دولة الصومال الذي امسى توأم العراق ورديفه في سجل مقاييس الفشل وتصنيفات التردي العالمية، و ربما بمعايير النجاح كذلك في المستقبل !!

- في مسرح الحياة، هناك مساحات واسعة نسعى من خلالها، العيش بعالمنا الخاص، الذي نحاول ان نصنعه بما يتلائم واذواقنا وينسجم مع ارواحنا، الفرق يكمن فينا، بمن يخشى ان يُسَلّط عليه الضوء خلف الكواليس التي اختارها للعيش بنفسه، من عدمه، ليبقى اسير توجهاته ومتبنياته !! .

- ولهذا يعيش الكثير منا داخل الادوار التي رسمت له بفعل البيئة والظروف الاجتماعية والنفسية، ويتقمص ذلك الدور الذي يشبه الى حد كبير ادوار التمثيل في عالم المسرح، حيث يعيش الممثلون اجواء العرض، كلما اقترب موعد تمثيل المسرحية، مسرحية تقترب مشاهد العرض فيها من عروض الحياة الساخرة والمضحكة او الحزينة والمأساوية .

- وهناك بعض الممثلين المحترفين الذين يجهدون انفسهم في مثل اوقات العرض هذه، والتي تبدأ عادة قبل مهرجانات التصويت، وهم يعملون على اعادة رسم لوحات الامل المهترئ، وبعث صور الجمال الهامشية، والتحليق عاليا في اجواء الحوار والتنظير الفارغ، ليكسب شيئا من رضا الجمهور، كابتسامة وربما اعجاب او تصفيق حاد وشيئا من شهرة .

- قد تتكرر عروض المسرحيات في الحياة ويتكرر ولادة الممثلين الفاشلين، الذين يكررون نفس فصول المسرحية ونفس الاداء الهابط ربما، وكذلك الحوار السَمِج ْ والسيناريو المكرر والفارغ من محتواه وكذلك نفس المَشاهد او المشابهة لها، ولكن ان تتكرر نفس الوجوه التي الفناها على مسرح الحياة في بدايات صعودها منذ اعوام طويلة، وهي في ذلك الزمن الذي شهد ظهورها، حيث كانت تضج طاقة للتَشّكي والارتزاق، وعنفوان عميق خافت، بانتظار الفرصة، وبعد ان سنحت تلك الفرصة، فرتعت ببحور الانحطاط والرذيلة، وغاصت بمستنقعات السمسرة والفساد الآسنة، فداهمتها شيخوخة السنين التي قاربت العشرين، بكل هذا الخراب الذي لا زال جاثما، شاهدا بكل قسوة، تعود الينا وتمثل نفس الدور، بنفس المسرحية (ونفس أدوات العرض الرخيصة) ونفس الاداء والحوار والسيناريو المكرر، لمجرد ان المخرج يريد ذلك !!

فهذا حدث طارئ وغريب وفريد في مسرح الحياة الواسع، بل هو قرار الموت البطيء لطاقمها وكوادرها وكذلك جمهورها المؤدلج والبعيد عن الوعي، بل والخارج عن سياقات اللوم والعتاب، لبعده عن سياق التفكر والتدبر والبصيرة .

منظومة فكرية بالية رثة، منهزمة من الداخل، تعيد تدوير قسمات وجوهها التي إندثرت وعفى الزمان عليها، بشيء من المكياج الفاضح، لن تقدم على مسرح الحياة ادوارا افضل على الاطلاق، مهما بلغ حجم تزيينها وترميمها وتجميلها، ما دامت تحمل نفس الروح الساكنة خلف كواليسها ودهاليزها الدفينة والمريضة نفسيا واجتماعيا .

[واذا كان المسرح هو اقصر طرق الفن للوصول الى الجمهور، ولكنه اكثر الطرق امتلاء، بالعوائق والصخور] *١ .

فما نقول عن مسارح (فن الممكن) المليئة بالابتذال والتهتك على مستوى التطبيق والتمثيل في الكم والنوع، والفشل المتكرر في الانجاز على مستوى الافراد والاحزاب، على مدى هذه الاعوام الطويلة !!

- ممثلون متصعلكون، قد ينجحون نسبيا مع شعار (جمهورهم يريد ذلك !) لكنهم يتميزون عن فئات الممثلين المحترفين المحترمين، بأنهم وجمهورهم البسيط، كالهواة الذين يلهثون وراء سراب كاذب، فهُم مشاريع تنفيذ هابطة لمن يدفع اكثر، من مؤسسات الانتاج والبرمجة والتخطيط وعلى استعداد كامل لتمثيل اي دور، مهما كان هذا الدور قبيحا ورخيصا ومهينا !!

- [ان النغمة الرديئة تولد صماء جوفاء، عاقرا عقيما يحاول الموسيقي عبثا ان يخلص منها شيئًا!!]*٢

- ومن يصِرُ على ادوار الابتذال والتهريج، هيهات يصنع وعيا او حياة، او يتقن تمثيل أدوار النجاح، مهما بالغ في التزيين والتشكيل والزخرفة !!

 

حسن عزيز الياسري

..............................

١- توفيق الحكيم، فن الادب، ص ١٤١ .

٢ - نفس المصدر، ص ١٤٤

 

 

ابراهيم أبراشالمواجهات العسكرية على جبهة غزة ستتوقف اليوم أو بعد أيام بهدنة أو وقف لإطلاق النار، ومع افتراض التوصل لهدنة بشروط المقاومة وهي كما لخصها رئيس المكتب السياسي لحماس في الخارج خالد مشعل في مقابلة مع فضائية تي أر تي بالعربية وكررها أكثر من مسؤول في حماس تتمثل في: انسحاب القوات الاسرائيلية من المسجد الأقصى وحرية العبادة فيه ووقف تهجير العائلات من حي الشيخ جراح إضافة إلى إطلاق سراح المعتقلين خلال التصعيد الأخير، ووقف العدوان على غزة، هذه الهدنة لا تعني نهاية المقاومة ونهاية الصراع مع إسرائيل .

هذه الشروط تعني العودة إلى ما قبل اندلاع الصدامات في القدس، والوضع الذي كان، أن القدس وكل فلسطين خاضعة للاحتلال، وإسرائيل تمارس العنصرية في مواجهة فلسطينيي الداخل، وانقسام فلسطيني محتدم.

حتى مع افتراض قبول هذه الشروط، ولا نعتقد أن إسرائيل ستقبل بها كاملة، فإن الأوضاع لن تعود إلى ما كانت عليه ويجب ألا تعود، فما جرى من تداعيات لأحداث القدس كان بمثابة ثورة أو انتفاضة تتجاوز بكثير المواجهات المسلحة على حدود قطاع غزة بل أكثر أهمية منها، ولا يمكن القفز أو تجاهل ما حدث لمجرد انعقاد هدنة على جبهة قطاع غزة .

الأمور بعد وقف إطلاق النار على جبهة غزة  لن تعود إلى ما كانت عليه ويجب عدم السماح بعودتها احتراماً لإرادة الشعب ومعاناته وآماله التي علقها على انتفاضته الراهنة وعلى مقدرات وبطولات فصائل المقاومة في غزة.

بعد أن تصمت المدافع وتهدأ العواطف والانفعالات يأتي دور العقل والحسابات الاستراتيجية. من حيث المبدأ لا حرب تستمر إلى ما لا نهاية كما أن الحرب كر وفر وحركات التحرر الوطني تنتصر على عدوها بمراكمة انجازات عسكرية وسياسية ودعم دولي وليس بالضربة القاضية، وخصوصاً في حالة صراع مع كيان مثل الكيان الصهيوني، وهدنة في غزة وإن كانت تنهي حالة الصدام المسلح على حدود القطاع فإنها لا تنهي الصراع الممتد منذ 1948 وهو صراع يتجاوز حدود غزة بكثير وسابق على مشكلة غزة.

بعد أن تصمت المدافع وتهدأ العواطف والانفعالات يجب أن لا تعود الأمور إلى ما كانت عليه، ويجب على السياسيين حصاد ما زرعته المقاومة بكل أشكالها ومناطق تواجدها وليس فقط حصاد مواجهات غزة وهو حصاد دموي ومؤلم لأهالي القطاع بالرغم مما ألحقته المقاومة من أضرار مادية ونفسية بكيان العدو، وهنا يكمن التحدي.

 على السياسيين استثمار هذه الثورة أو الانتفاضة من أجل المصلحة الوطنية العليا وأن يفرضوا على إسرائيل والعالم معادلة جديدة وأسس جديدة لتسوية عادلة يرضى عنها كل  الشعب وتكون في مستوى صمود وبطولة الشعب في كل أماكن تواجده وبكل فصائله التي شاركت في الانتفاضة والثورة، على السياسيين تجنب متاهة المفاوضات والمناورات وحساب المصالح والتوازنات الإقليمية والدولية وعدم العودة لنهج المفاوضات العبثية ومرجعية اتفاق أوسلو أو العودة لمربع الانقسام.

الاستثمار والتوظيف السياسي للتحولات التي تجري  يحتاج لمستوى سياسي وقيادة وطنية موسعة تضم ممثلين عن كل القوى التي شاركت في إحداث هذا التحول الاستراتيجي، والقيادة الوطنية الموحدة لا تعني إحلال قيادة محل أخرى أخرى فهذا سيثير فتنة وستخسر القضية إنجازات تراكمت عبر السنين بالإضافة إلى خسارة الحضور الدبلوماسي في كل المحافل الدولية،  المطلوب توسيع مؤسسة القيادة لتصبح حركة حماس والجهاد الإسلامي وغيرها مكوناً أساسياً فيها، كما كان الاتفاق على ذلك في اتفاقات المصالحة التي لم تُنفذ.

 أهمية هذه القيادة وسرعة تواجدها ضرورة حتى يتم قطع الطريق على مخططات لفصل ما يجري في الضفة والقدس عما يجري في غزة وجر غزة وفصائلها المسلحة لهدنة ووقف دائم لإطلاق النار يكرس الوضع القائم في قطاع غزة وهذا ما نستشفه من حديث بايدن والإسرائيليين عن هدنة ووقف دائم لإطلاق النار، والخشية في هذا السياق استنساخ تجربة حزب الله في لبنان وحرب يوليو 2006 التي استمرت 34 يوماً حيث أبدى حزب الله بطولات وأذل إسرائيل، ولكن كانت النتيجة دمار كبير للبنان وخصوصاً جنوب العاصمة مما دفع لبنان وحزب الله لقبول القرار الأممي 1701 ومرابطة قوات دولية على الحدود مع لبنان، وأصبح حزب الله الرقم الصعب في المعادلة السياسية اللبنانية الداخلية ولكن تم تحييده عن ساحة الصدام المباشر مع إسرائيل.

 

إبراهيم أبراش

 

 

محمد بنيعيشفأينكم أيها المتحضرون بغير ضمير؟

طبع أو لا تطبع، ضبّع أو لا تضبّع، جرّع أو لاتجرّع، برّع أو لا تبرّع، وزّع أو لا توزّع، زرِّع أو لا تزرِّع، فهذا ليس شأننا ولا دخلنا ولا لعبنا، بل هو مرتع السياسة والمشاكسة والكواليس والكوابيس.وللسياسة أحكامها وخيوطها وأخطبوطها، لا ندري إلى أين قد تصل مجساتها وخبراتها ومستخبراتها واستخباراتها. وليس الوقت الآن لتحليل هل هذا الصراع القائم قد جاء كمناورة انتخابية من الطرفين أو أنه استدراج ولعبة بين الفصائل والأجنحة والأذيال...

لكن المهم عندنا كأفراد ومواطنين عاديين ومثقفين متابعين ودارسين لأصول الفكر والمنهج غير قادرين أن نغض الطرف عما يجري من ظلم وطغيان، هو أن ندلي بما يمليه علينا ضميرنا من غير تطرف ولا شطط ولا إسقاط ولا عنصرية ولا حقد أو كراهية. ومن هذا المبدأ الذي يفرض علينا التعبير عما يختلجنا نقول:

أولا: صهاينة التدمير والخروج عن دائرة الإنسانية وأخلاق التعمير

قد يعجز المرء عن وصف ما يحدث بفلسطين المحتلة عامة وبغزة خاصة، مربع الصمود والإباء، كشعب مستضعف محاصر بكل فئاته وطوائفه وفصائله وشرائحه، من دمار شامل ومبيت، وحينما أقول شاملا فلا أقصد به المصطلح البدائي الذي غلب على ألسنة سياسيي هذا العصر المنكفئ نحو الظلم والظلمات والجهل والضلالات وذلك من حيث توظيفهم له اقتصارا على استعمال الأسلحة الكيماوية أو البيولوجية أو النووية...

لكن الدمار الشامل في نظرنا قد كان ابتداء يعم المبادئ والأخلاق والعهود والمواثيق والمسؤوليات وكل نزعة إنسانية نبيلة وفطرية قد يعرفها الرضيع قبل الجميع والسارح قبل القطيع والأصم مثل السميع ...

من هنا فكما قلت في مقال لي سابق بعنوان:"غزة في معبر نحو العزة "بأنه قد انكشف القناع وباع من باع، وبالتالي ستكون النتيجة ضرورة: بأن ضاع من ضاع من غير محاسبة ومراجعة جدية للأوضاع، فلم يعاقب المجرم ولم يشف غليل من له الحق في أن ينتقم  ..

هكذا إذن قد تبعثرت الأوراق وضاقت عند توصيفها الأقلام والآفاق واختلط الدمار بالانتصار وسقط زيد بدل عمرو عند حكم الإعراب والإطناب، فلم يدر الفاعل من المفعول والمبتدأ من الخبر المجهول، والممنوع من الصرف ومن لا محل له من الإعراب عن المقفى والموزون، تماما كما شاهدناه من تسوية للمباني بالأواني وللجثث بالأثاث وللإنسان بالحيوان وللنار بالأحجار وللماء بالسراب، فكان الحال أقرب بل أصعب من أصحاب الأخدود وما فعله بالمؤمنين آنذاك واليوم بغزة المتطرفون اليهود كما وصفهم الله تعالى في قوله:"قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلونه بالمؤمنين شهود وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد الذي له ملك السموات والأرض والله على كل شيء شهيد"سورة البروج آية 4-8.

فالمأساة المضاعفة في زمننا هي أنه لم يكن اليهود الصهاينة المتطرفون، ومعهم الداعم الظالم العام سام الأمريكي بل الغربي جله، وحدهم شهودا على ما يفعلونه بالمؤمنين بغزة، بل العالم كله وقف يتفرج، يشاهد وهو يأكل على الموائد، بعضه يحلل ويعلل والآخر يصرخ وينوح وذاك مصدوم ولا يكاد يبوح...ولكن لا حياة لمن تنادي، لأننا في زمن موت القلوب بعدما ضيعت قوتها وزادها من الذكر المحبوب...

من هنا فلقد كان الدمار الشامل دمارا للقيم وللمشاعر ولكل معاني الإنسانية الفطرية في التعاضد والتدافع والنجدة، رغم اختلاف المعتقدات وتضارب التوجهات، إذ وحدة الشعور جامعة لكل كائن وساكن، والطفل الرضيع مدعاة للمحنَّة والرأفة عند الجميع...وهذه هي جائحة كرونا الحقيقية والداء الذي ليس له لقاح سوى البتر والاستئصال.

ولقد كان أسوأ ما في هذه اللعبة القذرة هو إدراج الأطفال الرضع والنساء الحوامل ضمن الاستهداف بالقتل والتدمير مباشرة أو ضمنا، وفي هذا هزيمة للعدو الصهيوني ولكل من يراهن على دماء الأبرياء والعزل من الناس كورقة سياسية وطموحات فئوية آنية وفانية كائنا من كان، وبالمقابل قد تحقق النصر للإسلام بمبادئه وأحكامه على كل متزعمي الحكومات والحروب في العالم تنظيرا وممارسة شقية، وذلك حينما حرم قتل الأطفال خاصة في المعارك الميدانية مهما كانت ضراوتها وتعقيداتها كما قد نجد هذه الوصية من رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في غزوة "دومة الجندل" بقوله:"اغزوا جميعا في سبيل الله فقاتلوا من كفر بالله ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا فهذا عهد الله وسيرة نبيه فيكم "نور اليقين ص188.

من هنا فقد كان لزاما أن يتحرك العالم، موافقا لهذا الأمر النبوي، بفطرته للاستنكار على الصهاينة اليهود بسبب تعمدهم الفاضح لقتل الأطفال سواء كانوا رضعا أو تلاميذ مدارس وغيرهم .

...وحيث إن اليهود الصهاينة هم من قد مارس القتل والتدمير على أهل غزة وباقي مناطق فلسطين ومحيط المسجد الأقصى الشريف بل بباحته، وبتلك الوحشية الأخدودية والجرم الذي ما بعده من جرم فقد أكدوا واقعيا ما نص عليه القرآن الكريم من حقيقة ما تخفيه نفسية الصهيوني المتطرف في الغالب من عداوة وغدر تجاه أهل الإيمان والإسلام وذلك حينما وصفهم بقوله:"لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا"الآية، فكان هذا لوحده انتصارا للإسلام خاصة...في حين قد أثبتت معركة غزة كذب اليهود على الأنبياء وعدم التزامهم بأي دين، وخاصة بالتوراة ومبادئه التي يزعمون اتباعها والتشدد فيها وبالتحديد في مجال القتل كما ذكر الله تعالى عنهم في قوله:"من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ".

ثانيا: الصهيونية واقتحام الحرمات دليل الهزيمة واستحقاق اللعنات

وما يفعله الصهاينة بغزة وغيرها هو قتل نفوس بريئة ورضيعة بغير مقابل أو قصاص ومن جهة أخرى فقد دمروا الديار وأهلكوا الحرث وخربوا المنشآت المدنية والتعليمية خاصة، وهذا هو عين الفساد وقمة الجبن والخذلان والحقد والكراهية للبشرية جمعاء، بل قد قصدوا المساجد بيوت الله للعبادة، وعلى رأسها "المسجد الأقصى" أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ومسرى وملتقى الأنبياء والرسل من سيدنا إبراهيم إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو من أعظم المفاسد والمظالم على وجه الأرض ودليل المروق عن الدين - كل دين- وكيفما كان نوع التدين لديهم فيما يزعمون .إذ استهداف أماكن العبادة قد يعد تعبيرا عن قمة العنصرية والكفر والإلحاد والتعصب والتطرف والإرهاب، لأن تلك الأماكن قد تمثل في وعي الإنسانية جميعا مركز التدافع الكوني ومحوريته لبقاء القيم والمبادئ على وجه الأرض وفي روح التعاملات الإنسانية عموما وهو ما أكد عليه القرآن الكريم بقوله تعالى:"ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز"الآية.إذ الملاحظ أن القرآن قد قدم في الخطاب الصوامع والبيع عموما على المساجد حتى تبقى كل أماكن العبادة محترمة ومجالا لتكريس حرية الاعتقاد لدى كل من اليهود والنصارى في داخل المجتمع الإسلامي وتحت حماية دولته.من هنا فقد كان عمل الصهاينة التدميري هذا في حد ذاته نصرا للإسلام وقواعده المؤسسة للعدالة والسلم العالمي والمنظمة للعلاقات البشرية بشتى مذاهبها ونحلها ومللها، وبالتالي فقد حقق اليهود الصهاينة من حيث لم يريدوا أو يقصدوا قول النبي صلى الله عليه وسلم :"إن الله لينصر هذا الدين بالرجل الفاجر".فلقد خسر الصهاينة كل المبادئ الإنسانية والدينية جملة وافتضح أمرهم أمام العالم بالصوت والصورة وأصوات القنابل والصواريخ وطائرات الشؤم والخراب، وتنبه من كان غافلا عن حقيقة الأفعى الصهيونية والماسونية الساهرة على تدجين حكام العالم بشتى الوسائل نحو خدمة أهدافها الإجرامية وخاصة عندما استغل اليهود الصهاينة موضوع الهولوكست المشكوك فيه، وإيهام بوقوع ظلم وإبادة جماعية مبالغ فيها على اليهود من طرف النازية، لكنهم في الحقيقة وعند التمحيص سيكونون هم المجرمون الحقيقيون عبر التاريخ وهم القتلة الفجرة بغير رادع أو ضمير وهم موقدوا الحرب ومؤججوها في العالم لتحرق الجميع.فالدليل مازال حيا يقطر دما في غزة لولا لطف الله تعالى بالبشرية جمعاء وتصرفه الغيبي في ردع هذا الجنون الإجرامي الذي يطبع نفسية اليهودي الصهيوني كما نجده مبينا في الآية الكريمة :"كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا".وبالمقابل كعدل من الله تعالى في الدنيا قبل الآخرة فقد قيض لهم من الناس سواء كانوا مسلمين وغيرهم من ينتقم منهم عبر التاريخ إلى أن تقوم الساعة وذلك كجزاء وعقاب لهم على سلوكهم البوريمي (نسبة إلى عيد البوريم) المؤسس على سفك الدماء البشرية واحتقار الأمم، إذ يقول الله عنهم:"وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب"، من بختنصر إلى هتلر وغيره والسلسلة تطول ...

إذن فالواقع قد يؤكد بقوة وجلاء انتصار الإسلام بمبادئه وإخباره عن خبايا النفوس الصهيونية ونزعتهم التدميرية عبر التاريخ وهو ما قد تجسد بأجلى مظاهره في غزة الشهداء والأبرياء والأطفال الرضع والمستضعفين من الرجال والنساء العزل من السلاح والعتاد والمؤازرة.وهذا الأمر لا يدخل في الحسابات السياسية الآنية والعابرة والمبررة، لأن للسياسة أحكامها وظروفها المتأرجحة بحسب المصالح والمقتضيات ولكن للدين ثوابته وحكمه النافذ الذي لا يتغير بتغير الزمان والأحوال وتعاقب الأجيال.

كما أن حديثنا هنا ليس من منطلق عقدي أو تطرف ديني أو كراهية جزافية وإنما هو حكاية لواقع قد أبكانا وأحزننا وغمنا وأكربنا ولم نجد له تفسيرا ولا متنفسا إلا هذه الأوصاف التي ذكرنا.في حين قد لا نعمم حكمنا على اليهود كيهود وعلاقتهم بنا كمسلمين وعرب كمسلمين بالرغم من الاختلاف العقدي الذي يفرق بيننا وبينهم.

إذ ليسوا كلهم غادرين وليسوا كلهم غير مؤتمنين كما يقول الله سبحانه عنهم:" وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ"، وكما يقول نبينا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم :" مُخيريق خير يهود".كما لا ننسى أن للنبي صهرا مع اليهود من خلال زواجه بالسيدة صفية بنت حيي بن أخطب بن سعية أم المؤمنين رضي الله عنها و التي قد أسلمت عن طواعية واقتناع وبعد تخيير.وحيي هذا قد كان سيد يهود وعدوا للنبي صلى الله عليه وسلم في حين سيسلم زيد بن سعية (من المحتمل أن يكون عمه حسب ترتيب النسب أعلاه) أحد كبار أحبار اليهود، وذلك عن طريق اكتشافه للحلم العظيم والرحمة العالمية التي يتصف بها النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .وأخيرا فقد" توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعاً من شعير" رواه البخاري عن عائشة أم المؤمنين رض الله عنها.

فالمشكلة ليست مسألة تعايش فهذا واقع قد عاشه اليهود في ظل الدول الإسلامية المستقرة منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم حتى يومنا هذا وخاصة ببلدان المغرب العربي، وأخص منه المغرب الأقصى في مناسبة دلالية ولفظية مع المسجد الأقصى .بل المشكلة هي من الطرف الآخر الذي يريد أن يقيم دولة مارقة غاصبة على حساب حقوق أهل الأرض وأهل الحرم وأهل الأقصى التي لا تتقادم وغير قابلة للنسخ والمساومة أو الصفقات الظلامية. فالحق لا يتقادم والغاصب لا يصبح مالكا والمال الحرام لا يُبيَّض ليصبح حلالا، وكل ما بني على باطل فهو باطل.والظلم ظلمات غدا يوم القيامة.

وفي توصيف قرآني قطعي لواقع الفلسطينيين وجهادهم المقدس وحال القدس الشريف ومآله يقول الله تعالى"قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين" ."وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا، فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا". صدق الله العظيم وهو نعم المولى ونعم النصير.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

 

 

عباس علي مرادفي أوقات الأزمات لا توجد قيود أيديولوجية

نصيحة رئيس الوزراء الأسبق جان هاورد لوزير الخزينة جوش فريدنبرغ

المعروف ان المال هو عصب الحياة، ولتجنب فوضى الحصول عليه وترشيد إنفاقه توضع خطط من أجل إنفاق عادل وتأمين الحد الأدنى من الحياة الكريمة للمواطن، لذلك تلجأ الحكومات لوضع قوانين وآليات لضبط مالية الدولة.

تعتبر الموازنة السنوية من أهم تلك الآليات لتحديد كيفية تأمين المال من خلال جمع الضرائب المباشرة او غير المباشرة، ووضع اليات وخطط لإنفاق المال على مشاريع مستقبلية  كالتنمية البشرية (تعليم، صحة، اسكان)، اقتصادية (زراعة، صناعة، خدمات)، بنى تحتية لتسهيل(طرق، سكك حديد، مستشفيات، مدارس واتصالات وغيرها)لتسهيل حياة الناس وزيادة الإنتاجية وتأمين الإستقرار المالي والنقدي وهي خطة مالية بإستراتيجية قريبة ومتوسطة المدى (سنة الى أربع سنوات) وقد تزيد عن هذا المدى لتصل أحياناً الى 10 سنوات وهذا ما حصل في موزانة  الحكومة الحالية.

الاسبوع الماضي وضعت الحكومة الفيدرالية الأسترالية موازنتها للعام المالي 2021- 2022 ورصدت لها مبلغ يفوق 500 مليار دولار، وتم توزيعها بنسب متفاوتة على كافة القطاعات وقد سمى وزير الخزينة جوش فرايدنبرغ موازنته الثالثة "موازنة التعافي" بعد ركود الكورونا، وتوقع ان يصل العجز بالميزانية الى 106.6 مليار دولار، ما قيمته 5% من الدخل القومي ويعتبر هذا العجز الأسوأ منذ نصف قرن.

ومع عدم وجود بوادر لسد العجز بالموازنة قبل 10 سنوات كما توقع رئيس الوزراء سكوت مورريسن فمن المتوقع ان يصل الدين العام الى 51% من الدخل القومي اوائل العقد القادم او ما يقارب 1.6 ترليون دولار.

من جهته إعتبر فرايدنبرغ أن أفضل طريقة لإصلاح الميزانية هي إصلاح الإقتصاد والمزيد من الوظائف فعندما يحدث ذلك ، ترتفع عائدات الضرائب وتنخفض مدفوعات الرعاية الإجتماعية.

عمد وزير الخزينة ولأسباب سياسية الى تسريب بعض بنود موازنته قبل الإعلان الرسمي خصوصاً تلك التي نالت حصة الأسد من المال لكي ترسخ في ذهن المواطن.

أهم القطاعات التي نالت الحصة الأكبر او ما يعرف بالرابحون كانت القطاعات التالية:

- رعاية المسنين: خصصت الحكومة 17.7 مليار دولار إضافية لرعاية المسنين على مدى خمس سنوات ، أو ما يقرب من 3.5 مليار دولار في السنة.

على الرغم من أهمية المبلغ ، إلا أنه من الجدير بالذكر أن اللجنة الملكية التي حققت بمشاكل قطاع  رعاية المسنين أعلنت أن القطاع يعاني من نقص في التمويل بنحو 10 مليارات دولار سنويًا.

- رعاية الأطفال: رصدت الحكومة مبلغ 1.7 مليار دولار إضافية على مدى السنوات الثلاث المقبلة.

- النساء: حصلت على مبلغ 3.4 مليار دولار

- الصحة النفسية: 2.3 مليار دولار لمدة أربع سنوات للوقاية من الانتحار ومعالجة مشاكل الصحة العقلية والنفسية.

- البنى التحتية: 15.2 مليار دولار على مدى 10 سنوات لمشاريع البنية التحتية على الصعيد الوطني.

- دافعو الضرائب: مبلغ 7.8 مليار دولار للتعويض الضريبي لذوي الدخل المنخفض والمتوسط ويقدر عددهم 10.2 مليون شخص.

الخاسرون

- أجيال المستقبل الذين سوف يتحملون عبء سداد الدين العام المتضخم.

- السياحة سبب إستمرار إغلاق الحدود الدولية بسبب وباء كورونا وخوف الحكومة من ردة فعل الناخبين السلبية انتخابياً إذا ما فتحت الحدود في حال إنتشار الوباء مجدداً خصوصاً ان 73% من الأستراليين يؤيدون إبقاء الحدود مغلقة مقابل 21% يؤيدون فتحها و6% امتنعنوا عن الإجابة حسب أحد إستطلاعات الرأي الأخيرة. وكان رئيس الوزراء قد وصف فتح الحدود بأنه غير منطقي، رغم ضغط نواب من حزب ألأحرار لفتح الحدود.

- البيئة والتغير المناخي:  1.2 مليار دولار على مدى 10 سنوات لتشجيع الاستثمار في الهيدروجين وفي تكنولوجيا التقاط الكربون وتخزينه، بالإضافة لمبلغ 100مليون دولار مخصصة لحماية الحياة في المحيطات، و209.7 مليون دولار لخدمة المناخ الأسترالية لمواجهة ظواهر الطقس المتطرفة.

المعارضة الفيدرالية فوجئت بنسبة الانفاق والدين  بموزانة الحكومة والتي سماها معظم المراقبين السياسيين موازنة حزب العمال التي قدمتها حكومة الأحرار.

جاء رد المعارضة على الموازنة حذراً ولم تقدم بديل يعول عليه، ووعد زعيم المعارضة أنطوني ألبانيزي بإنشاء صندوق قيمته 10 مليارات دولار لخفض تكاليف السكن للعمال، كما تعهد ألبانيزي بمزيد من الحوافز لأصحاب العمل لتوظيف 10000 متدرب في مجالات مثل الطاقة المتجددة، وقال إن حكومة حزب العمال ستعالج الإنخفاض في الأجور الذي لم تلحظه الحكومة في موازنتها.

انتقد ألبانيزي الموازنة ووصفها بإنها لسيت موازنة بل خطاب إنتخابي وقال: "تقدم هذه الموازنة نمواً منخفضاً وإنتاجية منخفضة وأجور منخفضة وتريليون دولار من الديون وتساءل هل هذا حقًا أفضل ما يمكن أن نطمح إليه؟" لكن ألبانيزي لم يقترح أي حل لضعف الأداء الاقتصادي الذي تتوقعه الموزانة ، ولم يقدم أية إجابة لكيفية خفض الدين العام والذي يقارب تريليون دولار.

إذن، قدم وزير الخزينة موازنته والتي أيدها 44% من المواطنين لكن هناك أسئلة ملحة قد تكون توارت خلف بريق الارقام الضخمة رغم ان الشيطان يكمن في التفاصيل كما يقال وهذا ما يثلج صدر الحكومة التي ستواجه الناخبين في أي وقت خلال سنة من الآن.

ومن هذه الاسئلة

- ما هي خطط الحكومة لزيادة الوظائف التي وعد بها وزير الخزينة من خلال إقتطاع الضرائب؟ مع انه لم يستطع الإجابة على سؤال ديفيد سبيرز مقدم برنامج (إنسايدرز) على قناة أي بي سي حول الموضوع الاحد 16/5/2012.

- ماهي خطط الحكومة لتنويع مصادر الاقتصاد خصوصا اعادة الاعتبار للقطاع الصناعي بعد فضيحة الكورونا مع محارم الحمام والكمامات على سبيل المثال؟

- ما هي خطط الحكومة لاعادة الفائض بالميزانية وسداد الدين القومي الذي قارب عتبة الترليون دولار لأول مرة او ما نسبته قرابة 44% من الدخل القومي؟

- ما هي خطط الحكومة لتجنب تداعيات انهيار العلاقات الاسترالية الصينية وتأمين الأسواق البديلة بعد مقاطعة الصين المنتجات الأسترالية والتي كلفت أستراليا قرابة 20 مليار دولار، خصوصا في ظل قرع بعض الوزراء والبيروقراطيين طبول الحرب؟

- ما هي الخط الحكومة للوقاية من موجة اخرى من وباء كورونا في ظل نقص واضح في مراكز الحجر خارج الفنادق، والتي تطالب بعض حكومات الولايات بوقفها، وما هي الإمكانيات المالية لمواجه هكذا موجة هل سيكون بمزيد من الإستدانة؟!

- لماذا لم تلحظ الموازنة زيادة المعاشات المتجمدة منذ 8 سنوات والتي يتوقع ان تستمر لسنوات قادمة؟

- ما هي خطط الحكومة لاعادة فتح الحدود الدولية في ظل فشل حملة التلقيح ضد الكورونا؟

- ماذا لو ارتفع سعر الفائدة واصبحت خدمة الدين اعلى خصوصا اذا خسرت استراليا تصنيف

(AAA)

الواضح أن الجانب السياسي في الموازنة يطغى على ما عداه رغم ضخامة الانفاق، خصوصا ان البلاد مقدمة على انتخابات فيدرالية في مهلة تبدأ الاول من أب القادم حتى أيار من العام القادم.

من حق رئيس الوزراء سكوت موريسن ووزير الخزينة جوش فرايدنبرغ العمل على البقاء في الحكم، لكن ليس على حساب الأجيال القادمة التي ستتحمل عبء الديون أومعاناة الموظفين.

المعروف أن حزب الأحرار في عقيدته محافظ في سياسات الإنفاق وضد العجز في الموازنة، لكن حكومة سكوت موريسن وفرايدنبرغ غيبت البعد العقائدي والإيديولوجي من موزانتها والذي جاء بعد توصية جان هاورد رئيس الوزراء الأسبق الاب الروحي السياسي لموريسن وفرايدنبرغ ( في أوقات ألأزمات لا توجد قيود إيديولوجية) رغم ان حزب الأحرار ما زال حتى الأمس القريب يعيب على كيفن راد تصرفاته وإنفاقه لمبالغ كبيرة أثناء الأزمة ألمالية العالمية عام و2008- 2009 والتي انقذت ألإقتصاد الأسترالي من تداعيات الازمة علماً أن نسبة الدين بلغت 4.2 % من الدخل القومي بينما نسبة ديون الحكومة الحالية بلغت 5%.

وإجابة على سؤال هل من إستراتيجية لدى الحكومة للتعامل مع الديون يقول كين هنري سكرتير وزارة الخزانة السابق وعضو مجلس إدارة بنك الاحتياطي السابق إلى أنه "لا توجد استراتيجية فعلية" ويضيف ان هناك استراتيجة واحدة فقط للتعامل مع حزب العمال.

ويوافق على رأي  هنري النائب بارنبي جويس من الحزب الوطني حليف الأحرارالحكومي ورئيس الحزب الوطني سابقاً ونائب رئيس الوزارء السابق ويقول ان الحكومة لا تدير السياسة المالية بشكل جيد.

ويقول هنري عن الموازنة إنها:" تتعارض مع ميثاق النزاهة في الموزانة"

ويصف الخبير الاقتصادي ستيفن أنتوني، الذي كان يعمل سابقًا في وزارة الخزينة الفيدرالية، الموازنة الفيدرالية لحكومة موريسون بأنها "قداس" ويتساءل ولكن لمن هذه الجنازة؟

أخيراً، وبناء على ما تقدم واراء بعض الإقتصاديين أصبح واضحاً ان عين موريسن على الإنتخابات، ولتذهب العقيدة والإيديولوجيا الى الجحيم، المعروف عن موريسن انه سياسي براغماتي بامتياز.

من هنا حتى يعرف من هو صاحب الجنازة يكون سكوت موريسن يتمتع بمعاش تقاعدي وافر وأجيال المستقبل تدفع فاتورة أخطأه.

لذلك نرى ان الحل ليس بالمال فقط إذا لم يرافق السياسية الشفافية  بعيداً عن الأهداف الإنتخابية.

 

عباس علي مراد

 

 

عمانوئيل خوشاباالشيعي.. نموذجاً لقاء القمة الكاثوليكي

لا شك فيه بأن التاريخ سوف يسجل على صفحاته المشرقة اللقاء المميز الذي دار بين الحبر الأعظم بابا الفاتيكان و المرجع الشيعي الأعلى السيد علي السيستاني، ذلك اللقاء الذي أعتبرته الأغلبية بانه لقاء القمة بين رمزين لاهوتيين يحملان في طياتهما مشاريع المحبة والتسامح وتحرير الأنسانية من براثن العبودية والهيمنة، كنتيجة حتمية من المواقف المشرفة و الأيجابية للرمزين أعلاه، فالشخصية الأولى المتمثلة بــ البابا فرنسيس حملت مشروع لاهوت الشعب في الدفاع عن الحقوق الأجتماعية والأقتصادية للطبقات المسحوقة للشعوب والتي تعيش تحت نير الأنظمة الفاسدة والديكتاتورية، اما الشخصية الثانية المتمثلة بالسيد السيستاني والذي حمل راية (ولاية الأمة على نفسها) من خلال مواقفه الأيجابية والمبدئية  خلال فتاويه الأيجابية المتعددة، والذي بدوره رفض تبني مبدأ ولاية الفقيه وتمسكه باسس المدرسة النجفية والتي تدعو بمبادئ ولاية الأمة في أدارة الأمور العامة للدولة.

الموجز اعلاه ماهو اِلا سرد بسيط حول ماذكر في وسائل الأعلام باختلاف انواعها، ولم يذكر الكثير عن فحوى اللقاء، سوى البيان الصادر من مكتب السيد السيستاني ولم يكن اِلا سرد اِنشائي حول (التحديات الكبيرة والمشاكل التي تواجهها الأِنسانية والمنطقة برمتها في الوقت الحاضر، وخص فيها القضية الفلسطينية، ودلالات أخرى حول التعايش والتضامن السلمي الأِنساني)، ومن ثم التصريحات التي أدلى بها الكاردينال البطريرك الكلداني لويس ساكو حول ماهية اللقاء والذي كان احد أفراد الوفد المرافق مع بابا الفاتيكان (حيث طغت عليه علامات الأنبهار والأرتباك وهذا ما تمليه حركاته الجسدية الغير الطبيعية خلال اللقاء، حيث لم يستطع التحكم بنفسه حينما أزاح وبقوة مترجم بابا الفاتيكان الى الخلف ومن ثم تحركه اللاطبيعي لأظهار نفسه لوسائل الأعلام)1 .

حيث صرح البطريرك لويس ساكو الى وسائل الأعلام حول ماهية هذا اللقاء والذي تضمن كلامه نوع من التودد والتضرع، و أكد بأن سماحة السيد السيستاني أكد على عدم أستقباله أي من السياسيين ضمن الوفد المرافق للبابا وذلك لعدم رضاءه على العملية السياسية برمتها، وتغافل عن الدور الذي يؤديه نجل سماحة السيد السيستاني، حيث تشير الوقائع بانه لا تتم تزكية أي رئاسة وزراء اِلا بعد مرورها من تحت عمامة السيد محمد رضا السيستاني.

ونود الأشارة هنا بأن مشروع زيارة الكرسي الرسولي الى العراق، هو مشروع قديم،  يعود تاريخه الى عام 2000، حينما قرر البابا السابق يوحنا بولس في اجراء زيارة تضامنية الى دولة العراق، كرسالة تضامن و تعاطف مع الشعب العراقي القابع تحت نير الحصار الظالم والصادر من المنظومة الدولية عام 1990 (والذي أعتبر بحد ذاته أحد جرائم الأبادة الجماعية بحق شعب مظلوم، حيث أستمر الحصار لمدة 13 عاماً، وأدى الى وفاة اكثر من مليون ونصف طفل نتيجة الجوع ونقص المواد الغذائية، ومن ثم تدمير البنية التحتية للدولة العراقية وهجرة الملايين من أبناء الشعب العراقي الى دول الجوار والمهجر). وفشلت بوادر الزيارة أعلاه حينها وذلك لتقاطعها مع السياسة الغربية و نخص منها السياسة الأميركية تجاه المنطقة آنذاك، ومن ثم عدم الأخذ بجدية هذه الزيارة من قبل النظام العراقي السابق.

لذلك أكد البابا فرنسيس بان زيارته هذه ماهي أِلا تنفيذاً ووفاءاً الى الوعد المقطوع سلفاً من قبل البابا السابق يوحنا بولص، رغم المحاذير والصعوبات التي يمر بها العراق والمنطقة والعالم على الصعيد الأمني ومن ثم خطر جائحة فيروس كورونا.

أغلب الدلائل تشير بعدم الكشف عن جميع الأوراق المخفية من خلف الكواليس حول أهداف الزيارة البابوية للعراق، وهنا لا أود الدخول تفصيلياً حول ماهية الزيارة أعلاه وذلك لأني تناولت قسماً منها في أحد مقالاتي السابقة بعنوان (قراءة في أبعاد الزيارة المرتقبة لرئيس الكرسي الرسولي بابا الفاتيكان الى العراق). ولكن يمكن ملاحظة عدد لابأس به من الأملاءات الرمزية والتي أهتمت بها دولة الفاتيكان، من خلال التأكيد على أحد الرموز التوحيدية المهمة في الديانات الثلاث أِلا وهو الرمز الأبراهيمي المنبثق من مدينة أور التاريخية الواقعة في مدينة الناصرية من الجنوب العراقي، وكما تشير الوقائع بحصول تناغم بين الديانتين المسيحية واليهودية قبل فترة زمنية ليست بالطويلة، وذلك من خلال المشاركة الروحية ضمن شجرة النبي أِبراهيم.

وقد دخلت الديانة الأسلامية ضمن المحور الأبراهيمي في خمسينات القرن الماضي، حينها قام عدد من المستشرقين الكاثوليك ومن ضمنهم المستشرق لويس ماسينيون بالتبشير في وجوب ضم الديانة الأِسلامية تحت جناح الأِبراهيمية باعتبارها أِحد الركائز المهمة من الديانة التوحيدية الأِبراهيمية.  ومنها بدأت الخطوات الفعلية في أِطلاق الحوار الأِسلامي المسيحي خلال المجمع المسكوني الثاني للفاتيكان مابين عام (1962-1965). بذلك أمست المظلة الأبراهيمية الشاملة للديانات الثلاث (المسيحية، الأِسلامية، واليهودية) مطلب مطلق وواقع حال معترف به رسمياً من قبل دولة الفاتيكان منذ عام 2013، حيث حصل التناغم الأبراهيمي أعلاه من خلال الزيارات المكوكية للحبر الأعظم الكاثوليكي الى كل من فلسطين، مصر، المغرب، وبعدها الأمارات المتحدة العربية، وبلغت ذروة التناغم أعلاه من خلال  توقيع وثيقة التفاهم المعنونة  بأسم "وثيقة الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش معًا"  مابين بابا الفاتيكان و شيخ الأزهر الدكتور احمد الطيب عام 2019 في دولة الأمارات المتحدة العربية ومنها تم أعتبار المظلة الأبراهيمية عهداً وأساساً للأخوة في الأنسانية ضمن فلسفة الآله الخالق الأوحد.

وهكذا فأن الزيارة البابوية للعراق تدخل ضمن نفس المشروع الأبراهيمي أعلاه من خلال العمل الجدي في ضم القطب الأسلامي الشيعي الى المظلة الأبراهيمية الجامعة للاديان السماوية الثلاث ضمن وثيقة عهد جديدة يكون طرفها المرجع الشيعي الأعلى السيد علي السيستاني، لكن كما هو معلوم فقد رفض الأخير على المةافقة في توقيع هكذا وثيقة و أكتفى مكتبه بأصدار بيان أعلامي بسيط .

وسوف نؤكد بدورنا في الجزء القادم من مقالتنا هذه حول الأبعاد السياسية ما وراء التحرك الديبلوماسي الأبراهيمي أعلاه. (اود الأضافة بأن الموضوع أعلاه تم كتابة اغلب مفاصله قبلاً ولم ينشر وقتها وذلك للبحث والتحقيق حول حقيقة ولادة النبي أبراهيم في مدينة أور العراقية).

 

عمانوئيل خوشابا

16 آيار 2021

 

محمود محمد علييا قدس استعدي دائماً فالله ناصرك مهما صار .. وكوني بالله واثقتاً .. فربك حامياً مسجده الذي أسري به نبيه .. هل يخفي علي الله ما يفعله أولئك المحتلون الفجّار ؟..فعقابهم أصبح وخيماً وسيخرجوا مَذلولين حُقّار .. لا تحزني يا قدس أبداً فوالله حُزنك جعل قلبي ينهار .. ربي حَاميكِ لا تقلقي فكل شَهيد عند رَبُهٌ فَخوُر مُبهج بذلك الانتصار .. فوالله سوف تتحرري مهما طال الإنتظار .

قصدت أبدأ كلامي بهذه الكلمات لأقول قلوبنا مع لإخواننا الفلسطينيين فى كفاحهم المستمر أمام الغاصب الإسرائيلى الذى يواجه تجمعهم السلمى ضربًا بالرصاص الحى فى مشهد لا يراه مجلس الأمن إلا بعيون الأمريكان المنحازة انحيازًا أعمى لإسرائيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله الذى يشد من أزر الفلسطينيين فنراهم يتجمعون فى ساحة المسجد الأقصى بمئات الألوف التى تبهر الدنيا بعظمة صمود أصحاب الأرض المقدسة.

وهو صمود يعلن عدالة القضية الفلسطينية وشرعية دولة مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية وردًا على جبروت إسرائيل فى اقتحام المسجد الأقصى بحشد من المستوطنين المتعصبين لإعادة هيكل سليمان مكان المسجد الأقصى الذى تستبيحه إسرائيل باقتحامه واعتقال المصلين الذين يقرأون القرآن بصوت مرتفع وكأنهم يريدون أن يخرصوا الألسنة من تلاوة القرآن الكريم.

وقد ذكر العالم الكبير سيد قاسم المصرى في مقاله له بعنوان القدس.. جرحنا الدامى.. وعجزنا المهين أنه طوال مسيرة الحركة الصهيونية فى سعيها للاستيلاء على فلسطين.. كانت تسعى لكسب الدولة العظمى فى وقتها إلى جانبها. ومنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وبعد غروب الشمس عن الإمبراطورية البريطانية ركزت الصهيونية جهودها على كسب الولايات المتحدة ونجحت فى ذلك إلى حد كبير.. وجاءت ضربة الحظ الكبرى بوصول تيار اليمين المتطرف إلى الحكم بزعامة دونالد ترامب وهو التيار الذى يضم ما يسمى «بالمسيحية الصهيونية» المؤيدة – عقائديا – لقيام إسرائيل.. ومن هنا حِرصْ دونالد ترامب على إرضاء هذا التيار..

واللافت للانتباه في قرار ترامب ما يتضمنه من مبالغة جسيمة في الاستفزاز لمشاعر العرب والمسلمين، وما يحتويه من استهانة بالغة بمشاعر الفلسطينيين، عندما يختار ذكري مرور سبعين عاما علي نكبة فلسطين موعدا لنقل السفارة الأمريكية إلي القدس.

هذا فضلا عما يمثله هذا القرار الفج من تأكيد جديد وحاسم لعدم مصداقية الادعاءات التي رددها ولا يزال ترامب يرددها، عن رغبته في ايجاد حل سلمي للقضية الفلسطينية، فيما أسماه صفقة القرن، بعد أن ثبت انحيازه الكامل للدولة الصهيونية وعدم صلاحيته لدور الوسيط العادل علي الاطلاق.

إنَّ عروبةَ القدس أمر لا يقبل العبث أو التغيير وهى ثابتة تاريخيًّا منذ آلاف السنين، ولن تفلح محاولات الصهيونية العالمية فى تزييف هذه الحقيقة أو محوها من التاريخ، ومن أذهان العرب والمسلمين وضمائرهم، فعروبة القدس ضاربة فى أعماقهم لأكثر من خمسين قرنًا، حيث بناها العرب اليبوسيون فى الألف الرابع قبل الميلاد، أى قبل ظهور اليهودية التى ظهرت أول ما ظهرت مع شريعة موسى، عليه السلام، بسبعة وعشرين قرنًا، كما أن الوجود العبرانى فى مدينة القدس لم يتعد 415 عامًا، على عهد داوود وسليمان، عليهما السلام، فى القرن العاشر قبل الميلاد وهو وجود طارئ عابر محدود حدث بعد أن تأسَّست القُدس العربية ومضى عليها ثلاثون قرنا من التاريخ.

والمزاعم الصهيونية فى المسجد الأقصى لا تنتهى، ومن ضمنها أن المسجد هو هيكلهم الذى بناه نبى الله داوود عليه السلام»، والرد على ذلك سهل ميسور، وهو أن ما جاء فى القرآن الكريم فى قوله تعالى (سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقصى) ليس بناء، وإنما هو أرض محددة خصصت منذ قديم الزمان للعبادة والصلاة والسجود، والمسجد فى لغة العرب هو المكان المخصص للسجود فيه، وليس البناء، والدليل على ذلك أن النبى صلى الله عليه وسلم فى أثناء الفتوحات الإسلامية كان يتخذ أماكن ويحددها ليقوم بالصلاة فيها مع الصحابة الكرام فتُسمى هذه مساجد، وليس بالضرورة تشييد الحوائط والأسقف ليكتمل وصف الأرض بالمسجد، ولكن بتحديد هذه الأرض للصلاة فيها تصبح مسجدًا.

والمقصود بالمسجد الأقصى المذكور فى القرآن الكريم هو المكان المقدس، وهذه البقعة الموجودة هى المسجد، سواء بُنى عليها أم لم يبن، لأن المبانى تتغير بمرور الزمن وتتعرض لعوامل التعرية والهدم والسيول، فهى معرضة لأن تهدم وتقام مكانها مبان غيرها، والدليل على ذلك بناء نبى الله إبراهيم وابنه إسماعيل الكعبة المشرفة، فيقول الله تبارك وتعالى: (وَإِذْ يَرْفَع إبْرَاهِيم الْقَوَاعِد مِنْ الْبَيْت وَإِسْمَاعِيل) فالقرآن لم يقل: وإذ يبنى إبراهيم البيت أو ينشئ مثلاً، وإنما قال: يرفع، وهو دليل على أن هناك قواعد كانت موجودة فى الأصل، وهذا هو المكان المقدس، ثم جاء سيدنا إبراهيم ومعه سيدنا إسماعيل، عليهما السلام، فرفعا هذه القواعد وأظهرا هذا البيت المقدس.

يجب أن نعترف بأن المغالطات التاريخية، سواء فيما يتعلق بالقدس، أو المسجد الأقصى، قد تم التسويق لها عالمياً منذ وعد بلفور قبل مائة عام وحتى الآن، وقد رددها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب أكثر من مرة خلال الأسابيع الماضية، كما تم الترويج لها إعلامياً من خلال بعض المشتاقين العرب، لذا كان من المهم التركيز على مواجهة هذا الاتجاه المضلل، الذى اعتمد على اجتزاء أحداث تاريخية ودينية من سياقها، بهدف خدمة الأهداف الصهيونية فى هذا الشأن.

القدس ليست مجرد حدث عادي يستيقظ عليه العرب فيثورون ويغضبون ثم يهدأون وينامون انتظاراً لعدوان جديد، ولكنها ملف سيظل مفتوحاً وينزف ألماً ووجعاً، وواجب أبناء الأمة بدلاً من البكاء والنواح، أن يتسلحوا بالقوة، وأن يجعلوا من مدينتهم المقدسة، قضية يلتفون حولها ويرفعون رايتها.. وإذا لم يتحدوا من أجل القدس، فعلي أي شيء يمكن أن تتوحد كلمتهم؟

فالقدس لنا والارض كلها لنا وسنصلى ونبتهل الى الله ان يحفظ القدس والاقصى، وأن يجمع شمل الامة ليخرج من بينها صلاح الدين الجديد الذى يستعيد الاقصى الاسير ويحرر القدس ويهزم وجه القوة الغاشم الذى فرض سيطرته عليها فى غفلة من الامة.

إن زهرة المدائن التى تجمع فى مكان واحد المسجد الاقصى الذى هو اول القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وكنيسة القيامة التى تبعد خطوات عنه، تبقى ذات خصوصية عند العرب مسلمين ومسيحيين وعنوان لتلاقى الاديان السماوية فى البلد الذى بارك الله حوله وستعود إن شاء الله قريبا لأهلها.

ونستطيع أن نقرر أن المسجد الأقصى كان له مكانة فريدة فى الوجدان العربى، قبل وبعد بعثة النبى صلى الله عليه وسلم، وكان له مقام رفيع فى نفوسهم، ورفعوا مقام زيارته إلى ما يشبه الحج أو العمرة. ومع إجلال النبي للمسجد الأقصى، وارتباطه بحادثة نبوية شديدة الأثر فى حياته الشريفة، وفى حياة المسلمين، وهى حادثة الإسراء والمعراج، إلا أنه كان يأبى على المسلمين رفع الأقصى إلى مقام «البيت الحرام»، وهو الأمر الذى يدعو إلى التفكير فى الحديث المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول فيه: «لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى".

 

أ. د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

زهير الخويلديأتظن أنك قد طمست هويتي ومحوت تاريخي ومعتقداتي

عبثًا تحاول، فلا فناء لثائرٍ

 أنا كالقيامة ذات يومٍ آتٍ!

ما يحصل للفلسطينيين هو ابادة جماعية وهولوكوست صهيوني للسكان العزل في قطاع غزة ومدن الضفة ووقف العدوان الهمجي على غزة والقدس واجب وطني وفريضة دينية والتزام قومي ومهمة ثورية اممية.

الفلسطينيون قرروا خوض مواجهة بلا حدود مع الاستيطان والاجتياح والتهويد وشرعوا في ازالة الاحتلال وتصدوا بلا هوادة الى التمييز والازدراء واللااعتراف واستمروا في كتابة البطولات قصد انهاء الاستعمار لأن هذه الأرض المباركة لا تتسع لأكثر من هويتين، اما نحن أو نحن، هم عابرون ونحن ماكثون وقادمون.

لقد كان هلال العيد مكتوب بلغة صواريخ المقاومة وكان دك تل الربيع الحدث الفارق في هذا العيد وكان الاشتباك مع العدو هو الأكبر منذ عبور 73 ولقد انست المقاومة الفلسطينيين الموت وذكرتهم بالبقاء والحياة

 لعل السؤال الابرز الذي يجدر بالعقل العربي طرحه هو:

لماذا تأخرت عملية اقامة دولة فلسطينية ذات سيادة وعاصمتها القدس؟

الجواب هو الخيانة والعمالة وبيع الذمة واستباحة الشرف وخلع الكرامة بتزايد المطبعين والمنبطحين والمركوبين. لكن انتفاضة سيف القدس انهت موجة التطبيع مع العدو التي ركبتها بعض الانظمة المعولمة والنخب العربية المفلسفة وترجمت اشتياق الشبيبة الأبية الى الإحساس بالحرية والكرامة والسيادة الوطنية.

ان استعادة الذات الثورية في زمن التفاهة والاستسلام هو إعادة تشكيل الإنسان المقاوم الرسالي بدل الشخص الاناني الانتهازي والتصدي لمشاريع التعايش المغشوش والتفاوض الملغوم والمسار التنازلي عن الثوابت.

مثل الذي باع وطنه وخان بلاده مثل الذي يسرق من بيت أبيه لكي يطعم اللصوص فلا أبوه يسامحه ولا اللصوص يشكرونه على ما قام به ومثل المطبع المرتزق كالسوائم المركوبة التي تجهل عاقبتها ومصيرها.

الانظمة السياسية التي منعت المظاهرات المساندة للمقاومة الفلسطينية هي انظمة معادية الحرية وحقوق الشعوب في التعبير والسيادة الوطنية بينما دخل أحمد عمر هاشم خطيب جامع الأزهر الشريف التاريخ

من باب كبير بدعوته إلى تحرير فلسطين بقوة الردع التي يمكن أن تتشكل من الدول العربية والإسلامية

مازال النظام السياسي الأوروبي او الأمريكي منحازا للكيان الغاصب وبقي حبيا للمركزية الغربية المعادية للإسلام والعروبة والشرق لكن الكثير من شعوب العالم جعلوا من مناصرة القضية الفلسطينية واحبا إنسانيا.

إذا كان الكيان الهجين يعتمد على سلطة التنسيق الأمني ويقوى بخدمات الصهاينة العرب والمسلمين لمشروعه فإن الشعب الفلسطيني يستمد قوته من شرعية نضاله ووجاهة مطالبه وتمسكه بحقوقه في الأرض والعودة. ان عاد الى الاحتلال والاستيطان والتهويد عاد الفلسطينيون الى النضال والكفاح والمقاومة وان زاد في الظلم والتعسف والاعتداء والتهجير زاد الجبارون في الإصرار على التحرير ورفعوا لواء التحدي وكثفوا المواجهة. يا مهبط الأنبياء لقد تحولت غزة الأبية الى رمز لعزة الأمة وباتت المقاومة المهيكلة على وشك الانتشار في مختلف أرجاء مدن وقرى الضفة الغربية وتحولت القدس الى أم المدائن وحي الشيخ جراح الى حي الصمود.

مهما كانت الكلفة باهظة ومهما كانت التضحيات كبيرة من شهداء وجرحى ومهما كانت الخسائر في العتاد والعمران والارواح كبيرة فإن النصر التام قادم لا محالة وان المكاسب ستتحقق في القريب بالإرادة والبذل.

لن تتحرر فلسطين من النهر الى البحر الا اذا اجتمع حول قضيتها نحور المقاومة العربية وفلسفة القوة في الإسلام وكفاح الإنسانية التقدمية من اجل استقلال الشعوب المضطهدة من العولمة المتوحشة و يا اهل فلسطين اصبروا وثابروا ورابطوا ودافعوا عن قدسكم فرباطكم عبادة وموتكم شهادة ونصركم سيادة الم يقل عبد الكريم الخطابي انتصار الاستعمار في اقصى الأرض هو هزيمة لنا وانتصار الحرية في أي مكان هو انتصار لتا

 

د. زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

 

 

سامي عبد العالشاعَ مصطلح " النكبة" في العبارات والتحليلات السياسية التي تتناول الهزائم العسكرية للعرب المعاصرين، سواء مع بداية وجود اسرائيل في فلسطين أو بصدد حروبها مع الدول العربية. وهنا لا يجدي قول عربي قديم (لا مشاحةَ في المصطلح). لأن المشاحةَ بهذه الحالة هي الاستسهال الذي يخل بالواقع، ويسرِّب إلينا صُوراً من التاريخ غير قابلة للذوبان، ويبرمج منطُوق القول وآلياته تجاه وضع ظالم لا يمكن مغالبته، وقد يتحول إلى نوع من (الأسلحة الخطابية الفاسدة) التي ترتد إلى صدور متداوليها. فكلمة (النكبة) يسكنها التشوُّه الدال علينا في القضايا الرئيسة ويحصر المتلقي داخل زاوية ضيقةٍ، وليس أمامه سوى تصديق ما يحمله المعنى بصرف النظر عما حدث!!

ولذلك رغم أنَّ النكبة التصقت تاريخياً بفكرة " احتلال فلسطين " في مقابل " تأسيس اسرائيل"، إلاَّ أنَّ كل احتلال استعماري غاصب يمثل نكبةً وكارثةً فعلية لدولة الاحتلال وشعبها نفسه. لأنه يمثل" حادثة قتل" بالدرجة التي تسمح بفكرة الإبادة الجماعية في حق أرض ومجتمع وكيان تاريخي اسمه فلسطين. كما أن أحداثاً من هذا النوع لدى اسرائيل قد رسمت زمنياً وما زالت " مغامرة التأسيس" من لا شيء تقريباً. فلأول وهلة عكس مسار التاريخ (أو من غرائب التاريخ) أنْ يوجد هناك كيان لدولةٍ مصطّنعاً من وعود وأخيلة ونبوءات وإسكاتولوجيا(أخرويات eschatology) دينية وسياسية. وهي أشياءٌ كانت تحتاج إلى مغامرات تعجن الوجود الاسرائيلي المختلَّق من دماء الآخرين وحيواتهم.

أولاً: يجب رفض مصطلح "نكبة فلسطين" تماماً، لأنَّه وصمة تاريخية تدعو للإحباط الجمعي أكثر من رفع روح المقاومة والثورة.

ثانياً: الفلسطينيون هم الشعب المعتدّى عليه، الشعب الذي يجب اطلاق الوعود يومياً بانتصاره لا العكس. ولا يجب اعتباره ضحية ميتافيزيقية فوق الوصف وأنه يستحيل انتشاله من هذا المعنى.

ثالثاً: لا يمكن للقاتل أنْ يظفر بجرائمه المتواصلة، لأنَّ دلالة النكبة تعطيه الوصف المقابل، سواء أكان تأسيساً أم انتصاراً وهذا غير حقيقي(لا ينبغي الاعتراف بذلك).

رابعاً: حتى لو كانت بعض المصطلحات توصيفاً لواقع الحال، لكن الأجدر أن يتم تعديل البوصلة لمعرفة أبعاد الجرائم في ضوء معايير إنسانية ترد الحقوق لأصحابها وتؤكد المعاني الحقيقية للطرف الجاني.

خامساً: الوصف بالنكبة (يحقق ويؤكد) مكاسب اسرائيل بشكل معكوس، وهو ما يدعوها للسعي نحو كسب المزيد. ويفسر بالوقت نفسه لماذا تحرص على الاهتمام باللغة. لأنها جزء من العتاد الثقافي الذي يرسخ رمزياً فكرة الاحتلال، ويقلب الضحيةَ إلى جلاَّد (ولذلك تحرص اسرائيل على تسمية جيشها بجيش الدفاع الاسرائيلي).

سادساً: لا يجب التطبيع مع المصطلحات، كأنَّها قدر ثقافي لا مفر منه، فالأجيال الجديدة سترث خنوعاً قبل أن تفهم الواقع، وستري في التاريخ ثقلاً راسخاً يستحيل دفعه. وقد تصل إلى مرحلة " إدمان المصطلحات" التي تبرر تاريخاً مفروضاً بالقوة.

وهذا ما جعل اسرائيل من حين لآخر دولةً تحاول اشباع (غرورها الذاتي) بالإمعان في ممارسة القوة إزاء الهوية الفلسطينية لتأكيد هذا المعنى. فهي تحرص على  ذلك طالما تمر رمزية المعنى مرور العبارات المتداولة كما مرت أحداث سابقة بالطريقة ذاتها. واللغة تفعل فعلها سياسياً في تغطية الجرائم ولو بالتداول البسيط، كما أنها نوع من "التطبيع والابتلاع" لمعانٍ قد لا نقبلها بسهولة لو أعدنا التفكير فيها.

ذلك قطعاً بجانب محاولات اسرائيل لممارسة العنف المادي وتمزيق الوجود الفلسطيني وتدمير القرى والمدن والأحياء. وما يجري كذلك على المستويين السابقين وجدناه قد جرى على الصعيد السياسي، لدرجة أنَّ دلالة بعض الأحداث السياسية على الأرض لها طابع الأفيون ونشاطه الوهمي لدى صانعيها الاسرائيليين. ألاَ تترك المواد المخدرة أثراً يُفقِد المدمنين أيَّ إحساس بالواقع؟ ألم تُولِّد أخيلة سارحةً خارج الحدود الطبيعية للأشياء والعالم؟! هكذا تقول خطاباتهم وتعليقاتهم أثناء الحروب والأعمال العدوانية على فلسطين.

لنتذكر بالوقت القريب أنَّ نقل السفارة الأمريكية إلى القدس جاء كالمخدر النرجسي للكيان الإسرائيلي. وهي الحادثة الأبرز التي يجب أنْ نتأملها حيث افتتحت عمليات العنف وأكدت نموذج " نكبة اسرائيل" لا العكس. وطبعاً أدركت أمريكا في وقته أنَّ هذه الحادثة صناعة يجب أنْ ترسم واقعها على نحو افتراضي. إذ جاء الواقع هذياناً حيّاً على الهواء مباشرة، اختزل عشرات السنوات الماضية ومئات السنوات القادمة من عمر دولة الاحتلال. وأعطى اسرائيل كل الأضواء الخضراء للإيغال في الدماء العربية وتأكيد وجودها على الجثث. ولنلاحظ أنَّ تاريخ اسرائيل كله كان تراكماً لممارسات غير مشروعة فوق ممارسات أخرى من هذا اللون، حتى أنَّ مشاهِد الدمار التي تتركها في غزة والقطاع لا تنفصل عن تاريخها القريب أو البعيد. كيف لا..؟ وخاصةً أن فكرة الدولة الصهيونية ذاتها فكرة (جريمة تاريخية historical crime) مكتملة الأركان، منذ البدء وقبل الحديث عن أي شيء آخر.

واستكمالاً لمعنى النكبة بهذا التكوين، تكشف الأحداث ونتائجها تباعاً: كيف يتصرف عالَم السياسة اليوم مع التاريخ والأوهام والصراع والجرائم الجغرافية والعولمية والاستيطان وسرقة الدول وطمس معالمها. كل شيء دون مبالغة كان حاضراً آنذاك في مشاهد الاحتفال بالعاصمة الإسرائيلية - الأمريكية التي هي احتفاء خيالي بواقع زائف. وكأنَّ تأسيس إسرائيل المزعوم قد تمَّ الآن، الآن فقط رغم أنها قامت استعمارياً على أنقاض وآثار فلسطين والتهمت عظام وجماجم الراحلين وسحقت الحياة الفلسطينية. أليست تلك (نكبة إنسانية لن تبرأ منها دولة اسرائيل مع ترسانة نبوءاتها التي لا تنتهي؟

بالفعل هذه قمة النكبة التي تلطخ تاريخ الكيان الصهيوني ومؤيديه بدماء الأبرياء وبالمؤامرات. ولذلك لا يوجد أدنى مبرر لإلصاق النكبة بالشعب الفلسطيني، لأنه عاجلاً أم آجلاً سينتصر هذا الشعب المقاوم، وسيكون على موعد مع الحياة الحرة التي ستظهر أن النكبة صناعة زائفة لن تستمر طالما لدى الشعوب إرادة النضال والمقاومة.

النكبة الإنسانية هي أنْ إسرائيل نجحت في إدارة القتل العشوائي لكل ما يتهدد وجودها، قتل المكان وقتل الزمان وقتل الإنسان وقتل الحياة، إضافة إلى ذلك تطالب زيفاً بحقوقها. وكان ذلك أثراً بعيداً للإنفراد بالأراضي المتبقية من الجغرافيا الفلسطينية. وفي هذا لم تبدأ إسرائيل في إدارة القتل بخطوات على الأرض فقط إنما كان ذلك من خلال تأييد أقطاب العالم الغربي واللوبيات السياسية. لقد أجادت إسرائيل التعلق كالطفيليات بجسد القوى الكبرى (فالصهيونية نزعة فيروسية)، حيث تعيش في هيكل غيرها، وتمتص قدراته وتأثيره لصالحها.

دوماً يُحسب للطُفيل أنْه يلبس رداء الأقوى والأكبر، وأنْ يضع وظائفه سياسياً في خدمة توسعاته. كان القرار الأمريكي المشار إليه دليلاً على هذا التضخم الأفيوني لدى دولة الاحتلال، وعد دونالد لترامب بنقل السفارة قال عنه بنيامين نتنياهو" لقد وعد فأوفى"، وهاهو قد أخذ يحقق ما يقول. ليرد عليه ترامب عبر خطاب متلفز متباهياً بما قال وفعل. ومجدّداً تحضُر المقولة للمرة الألف: " كان الوعد ممن لا يملك لمن لا يستحق". حتى نُفذ قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس كيوم القيامة ليعكس ضعفاً وخنوعاً عربياً يكلله الصمت المطبق من الأنظمة السياسية. فلم ينطق أحدهم بكلمة رئيساً أو مرؤوساً، بدت بقايا المظاهرات في شوارع الدول العربية لا قيمة لها.

لأنَّ العرب لم يعد يمثلوا حتى ظاهرة صوتيه بهذا الانبطاح، بل ظاهرة شبحية في جميع قطاعات الأحداث العالمية التي يهيمن عليها الغرب. إن ما تفعله إسرائيل من امتلاك قوة الوعود لا يمتلكه العرب من خريطة الواقع العربي رغم أنها تحت أعينهم وأيديهم.  وهو ما أوصل الأمور إلى استمرارية العنف الاسرائيلي حتى اللحظة وما سيوصله إلى مداه المجنون في المستقبل.

دلالة الأحداث التي تمثل نكبات عند اسرائيل تجمع مالا يُجمع بما يليق بصناعة عبوة أفيون من العيار الثقيل. كانت محشوة بالعنف المتضخم عولمياً، ثم الكلام الأمريكي الذي جرى توقيعه على الهواء بمجمل علامات التخدير العالية وآيات الكتاب المقدس والعبارات الغابرة حول مملكة إسرائيل وهيكل سليمان وتحريك التاريخ لتلتقي نهايته وبدايته (الوعد والنبوءة). فلكم ردد ترامب إنَّ القدس عاصمة بني إسرائيل من قديم الزمان. وهاهي جوانب الزمان تحط رحالها عند النقطة صفر حالياً لتدشين العاصمة القديمة الجديدة. وقد فهمت اسرائيل بحسب تاريخها أن الأمر هو ترك العنان لكل شيء، كل شيء مباح أمام آلتها العسكرية والسياسية.

كأنَّ المعنى يُشابه كون المناسبة حاضرة ضمن كوكتيل الأحداث: معنى المأساة بالنسبة للفلسطينيين ومعنى المناسبة التاريخية بالنسبة لإسرائيل. وهذا تجديد آخر لفكرة دولة اسرائيل كأنها اُختلقت الآن، أي أن سيناريو الاحتلال الغاصب يعيد نفسه بشكل ساخر هذه المرة. والمفارقة بادية للعيان أنَّ هذا الأمر جرى في الوعاء الزمني والمكاني ذاته داخل فلسطين ضد أية إرادة إقليمية. وكان هؤلاء الفلسطينيون يصرخون وأولئك الإسرائيليون يحتفلون، وتباعاً على المنوال نفسه هؤلاء يولولون وأولئك يرقصون، هؤلاء ينزفون وأولئك يعزفون، هؤلاء يقتلون فيستشهدون وأولئك يصطادون الجماجم والعيون، هؤلاء يركضون حتفاً نحو المصير وأولئك يمرحون ويتسامرون، هؤلاء يتعرون من أي غطاء دولي وإقليمي وأولئك يرتدون دروعاً وسراويل أمريكية وأوروبية.

"القاتل والمقتول" يتصارعان فوق المساحة نفسها التي تحمل آثار الأنبياء الإبراهيميين: موسى بن عمران وعيسى بن مريم ومحمد بن عبد الله. وأجواء الصراع بينهم تنتمي إلى شجرة عائلية واحدة، إنَّه الموت في بيت الأنبياء المقدس، أقدام اليهود تحت أقدام المسيحيين تحت آثار المسلمين. جميعها ضمن حفريات مضغوطة كأنها حولت أرض فلسطين إلى قرص إلكتروني مدمج، شفاف جداً لكنه مشحون بعالم وصور متتابعة من العنف. وهنا أيضاً تظهر نكبة اسرائيل التي استهانت بالمقدسات وتركت الدماء الإبراهيمية عليها، فالقاتل والمقتول أبناء نبوة توحيدية ممتدة، وهما ينتسبان إلى تراث ابراهيمي واحد.

السؤال لا ينتهي: أيهما يقع في فخ النكبة وأيهما يؤسس لمملكة الرب؟ لم يعد ليدرك المتابع إلا بجهد جهيد، ماذا يجري في أرض الرب، وماذا يحدث لنسل العائلة  الابراهيمية المقدسة حتى الآن؟! اليوم والتاريخ والحقائق والأفكار تختلط وتنفجر على هيئة سقوط القتلى الفلسطينيين بخطوط التماس. وحين ترتفع الأصوات بالجهاد، كان يعلو صوت الملك الأمريكي ترامب القابع بسقف العالم مؤكداً أن نقل السفارة الأمريكية تأخر سبعين عاماً وليس منذ أيام!!

كانت الأحداث تضرب في الخيال الكوني من واقع تهويم القوة الأمريكية الغاشمة. فلم يعبأ ترامب الرئيس الجاهل تاريخياً بآثار الأرض ورواسب المشاعر والعواطف. وأمعن في سخريته من العالم كله، أخذ يُوقِّع على قرار السفارة، كأنه يحمل أوراقاً في حلبة لمصارعة الثيران، وبدت ملامحة أفيونية تعصف بأي عقل يفكر.. ما العلاقة بين  رئيس أمريكا وتأسيس دولة تنتهك كل الحقوق الدولية والمحلية!! أية إنسانية - مهما تكن نائية داخل قارة أخرى- تقتل الأطفال وتستمريء إذلال الشعوب؟! ولماذا ظهر ترامب كمحارب قديم يرتدي خوذته ويضرب برماحه العابرة للقارات؟!

نرجسية إسرائيل تطابقت مع نرجسية أمريكا وأثبتتا أنَّ حدثاً كهذا كان سرقة في وضح النهار، احتفال بالسرقة بدلاً من تغليفها بقرارات لهيئات دولية كما هي العادة. الملابسات وراء الاحتفال ليست عادية ولا تتم بأريحية كما يبدو في التفاصيل. لو كانت القدس عاصمة إسرائيل، فلماذا انتظرت الصهيونية كل هذه السنوات حتى تحتفي بتلك الدرامية السياسية؟ لماذا تصطدم العاصمة المقدسة بالقوانين الدولية ومواثيق الأمم المتحدة؟

لأول وهلةٍ نجحت إسرائيل في تأكيد نكبتها الخاصة، لأنها دولة تغتصب حقاً ليس حق كيانها المشتت الآتي من جميع دول العالم جرياً وراء أرض الميعاد المتخيلة في التوراة وحكايات بني إسرائيل. صحيح كانت هناك كتل يهودية في تلك البقعة الأرضية من وسط العالم القديم، لكنها لم تشكل دولة تغتصب حقوقاً وتخطف الأحلام المشروعة للفلسطينيين. من الذي قال إنه لابد أن تكون هناك دولة صهيونية تؤكد الثأر من جيرانها ومن أصحاب الأرض؟ كيف يتجسد الثأر في دولة لها سيادة استعمارية وبأي منطق يتم برمجته خلال دستور وآليات وجيش وثقافة وتربية لاهوتية على غرار فن الحروب؟!

اليوم وفي أي يوم تشن فيه اسرائيل حرباً على الفلسطينيين كانت هناك نكبة فعلية لدولتها القائمة على العنف الدموي. وأنَّ أرض الميعاد قد حولتها الصهيونية السياسية إلى مقبرة جماعية لرفاتها التي تحللت منذ أطلاق الوعود وراء الوعود. فلم تكن الأرض المقدسة(مدينة السلام – القدس) إلاَّ أرضاً للموتى. إنَّ إسرائيل تعيش بين أجداث الأموات فعلاً أو افتراضاً. لقد تأسست على الموت ونذرت نفسها بعنايةٍ له. وتمارس ذلك بدأبٍ كما لو لم تفعل أية لعنة حقيقية بأيِّة جماعات بشرية من قبل بما في ذلك أجدادهم الغابرين.

عندما تقتل إسرائيل أطفالاً يلامسون أسوار قهرها وإذلالها ويدافعون عن حياتهم، فقد مارست نكستها هي لا نكسة الفلسطينيين. كم تباهت إسرائيل حتى كدنا نصدق بأنَّها الدولة الديمقراطية المتفردة وسط برك الديكتاتورية والاستبداد العربي من المحيط إلى الخليج، لكنها برهنت أنها جزء أصيل من البرك الآسنة. إن الوعود المسروقة من الدول الاستعمارية لم تأت من المستقبل، بل تلوثت بالخراب الذي يضمره صراع الهويات والقتل إزاء المقدس أرضاً وسماءً.

الأدهى أنَّ إسرائيل تقلد أمريكا في كل شيء، أو بالأحرى هي النسخة الشرقية البدائية منها. لنلاحظ تأسيس الاثنتين (إسرائيل وأمريكا) على مفاهيم النكبة وآثارها وسلطتها. وليس استمرار النكبات المرتبطة بذيلهما سوى بهذا الأثر. نكبة العراق، نكبة سوريا، نكبة أفغانستان، نكبة اليمن، نكبة فيتنام، أقدام أمريكا لا تخطئها العين هنا أو هناك. إن الكراهية واسعة الانتشار لكل نما هو أمريكي استعماري صهيوني هي المحصلة في نهاية الأمر. وتخطى الدولتان إذا كانتا تعتقدان أن الأفيون سيصل إلى شعوب يحدق بها القتل من كل جانب على الحدود، لأن ذلك رهان على نتائج الكراهية مستقبلاً. لن تجني إسرائيل مع الزمن سوى ما تغرس الآن من أشواك وألغام، إنه بقدر هذه النرجسية المدمرة للآخرين بقدر ما ستكون العواقب وبيلة لا محالة.

إنَّ نبوءة الواقع الذي يتشكل في المدن الفلسطينية والعربية أخطر من نبوءة الوعود، وإسرائيل تزرع يومياً نبوءات الواقع الذي ينقلب عليها عن طريق تدميره. لقد تصر على إشعال براكين الغضب الشعبي وإحياء الصراع بين الديانات الإبراهيمية في غياب أبي الانبياء إبراهيم. والقتل لديه قدرة عجيبة في إعادة الحياة إلى زمن قابيل وهابيل كأننا في سردية لاهوتية عائدة إلى الوراء. حقيقي كتان قد ظهر الاحتفال بنقل السفارة الامريكية بصيغة متأخرة من السعادة، لكنه سيكون بداية لثأر تاريخي لا يتوقف. واسرائيل بضرب غزة ومحاولة اجتياحها تطبق سياسات الاحتفال بصورة متوالية، لأنها دولة نكبات على الأصالة ساعية إليها بكل صلفٍ وتعالٍ.

 

سامي عبد العال